Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
تفسير سورة محمد [١٨ - ٢٠]
توحيد الله هو الغاية من خلق الخلق، وقد جاءت جميع الشرائع لتحقيق توحيد الله وتكميله وإزالة ما يناقضه وينقصه، وقد أمر الله رسوله بالعلم بأنه لا إله إلا الله قبل أن يأمره بالعمل، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل.
стр. 3677
تفسير قوله تعالى: (فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة محمد ﷺ : ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ * فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد:١٨ - ٢١].
لما ذكر الله سبحانه ﵎ أمر الساعة وقال للكفار ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨]، فقد حذر الله سبحانه ﵎ عباده جميعهم من الحساب يوم الحساب، وإذا جاءت الساعة فهي تأتي بغتة سواءً الساعة الكبرى القيامة، أو ساعة كل إنسان يعني: وقت وفاة كل إنسان، فإذا جاء وقت الوفاة فهو يأتي بغتة، ولا يستطيع العبد أن يراجع نفسه أو يتوب أو يرد المظالم إلى أصحابها، بل لعله لا يقدر على أن يتلفظ بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله إذا جاءت ساعته، وذلك حين لا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] أي: جاءت أشراط الساعة وقدمنا الأحاديث التي فيها هذا المعنى.
قال الله : ﴿فَأَنَّى لَهُمْ﴾ [محمد:١٨] أي: من أين لهم؟ وكيف لهم؟ إذا جاءت الساعة وإذا جاءت القيامة وإذا جاء الموت ﴿إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد:١٨] الذكرى والتذكر والتذكرة، فتنجيهم هذه التذكرة وتنفعهم الذكرى، قال الله : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]، ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]، والذكرى لا تنفع في وقتين: وقت القيامة الكبرى، ووقت الوفاة حين تحشرج النفس وتبلغ الروح الحلقوم، فذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.
ومعنى قوله تعالى: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد:١٨]، بمعنى: تذكيرهم بما عملوه من خير أو شر ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد:١٨]، فعلى ذلك ربنا يحذر الإنسان من عدم التوبة وتسويفها إلى أن يأتي الموت فلا يقدر على التذكرة.
стр. 3678
تفسير قوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك)
يقول سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٩]، (فَاعْلَمْ)، وهو يعلم ﵊، وهو الداعي إلى الله والداعي إلى هذه الكلمة، والعلم المذكور هنا ليس العلم المنافي للجهل وإنما المنافي للشك، فالجميع يعلمون أن الله هو الخالق الرازق البارئ القادر على كل شيء سبحانه ﵎، ويعلمون ربوبية الله سبحانه ﵎؛ ولذلك لم يجادل أحد من الكفار في أن الله هو الرب، بل هم مقرون بذلك، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧].
وهذا أمر مفروغ منه عند الكفار ومثل المسلمين، ولا يجادلون في هذا الشيء، فهو الذي يأتي بالشمس من المشرق، وهو الذي يخفي الشمس في المغرب، فلا يوجد أحد من آلهتهم يزعمون أنها تفعل ذلك، لكن الأمر فيمن يعبدون، فمن يعبدون؟ وإلى من يتوجهون في العبادة؟ فقال الله لنبيه ﷺ وللمؤمنين وللخلق جميعهم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] أي: استيقن من ذلك، فقد علمتم أن الآلهة التي تعبدونها لا تنفع ولا تضر، فاستيقنوا يقيناً لا شك فيه أن الإله المستحق للعبادة هو الرب الذي ينفع ويضر ويرفع ويخفض ويعز ويذل سبحانه، فاعلم أنه هو وحده المستحق للعبادة.
ولقد زينت الشياطين للمشركين أن يعبدوا الأصنام بحجة أنها توصل إلى الله، وكأنهم يتواضعون وأنهم لا يقدرون أن يوصلوا إلى ربنا دون واسطة، وهو يخبرنا أنه ليس كذلك، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]، والله قريب من عباده، ولا داعي أن تجعل الواسطة بينك وبين الله سبحانه ﵎.
стр. 3679
فضل العلم
سفيان بن عيينة سئل عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله حين بدأ به ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]؟ يعني: فضل الله العلم حين بدأ بالعلم، فأمر النبي ﷺ وقال: ((فاعْلَمْ))، وأول ما بدأ النبي ﷺ بوحي من السماء قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، ولقد فضل الله عباده أن خلق لهم عقولاً يعون بها ويعقلون ويعلمون بها فيعملون، فقال: ألم تسمع قوله حين بدأ به أي بالعلم ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]؟ فأمر بالعمل بعد العلم.
والاستغفار ينفع العبد؛ لأنك علمت من الذي تستغفره، وعلمت من هو ربك بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، فهو الله الغفور فتستغفر وأنت موقن أنه سيغفر سبحانه ﵎.
قال سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد:٢٠]، إلى أن قال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [الحديد:٢١]، فاعلم وبعد ذلك سابق إلى المغفرة بعدما تعلم أن الدنيا لعب ولهو.
وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٢٨].
فبعدما أعلمكم الله سبحانه ﵎ بأمر الأزواج قال في سورة أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤]، فاحذروا هذه الأصناف.
وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١]، فعلمكم الله ثم قسم هذه الصدقات على ما ذكر الله سبحانه ﵎، فأمر بالعمل بعد العلم.
فالإنسان ليعمل لابد أن يعلم، وقبل أن تصلي لابد أن تعلم ما هي الصلاة، وكيف تتقرب بها إلى الله ، وكيف تأتي بشروطها وأركانها وأفعالها وهيئاتها وسننها، فالعلم ثم العمل، وكذلك في كل العبادات وفي كل المعاملات وفي كل شيء تفعله في دين الله عليك أن تتعلم ثم تعمل.
стр. 3680
الحث على الاستغفار للنفس وللمؤمنين
قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] أي: استيقن بذلك، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، فأمر النبي ﷺ بالاستغفار، وقد قال الله له: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢]، فهو مغفور له ذنبه، وهو معصوم ﵊ من أن يقع في شيء يغضب ربه سبحانه ﵎.
إذاً كأنه يعلم المؤمنين إذا كان النبي يستغفر ويكثر من الاستغفار فأنتم أولى أن تستغفروا ربكم سبحانه.
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] أي: استغفر إن وقع منك ذنب، واستغفر ليثبتك الله على الهدى فلا تقع في ذنب، وقد كان ﵊ يجلس في المجلس الواحد ويقول: (إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)، بل كانوا يعدون له في الجلسة الواحدة سبعين مرة يستغفر فيها الله ويتوب إليه صلوات الله وسلامه عليه.
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩]، فأمر النبي ﷺ في هذه الآية أن يستغفر لنفسه وأن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات أيضاً، وقد علمنا النبي ﷺ ألا نبخل بالدعاء، فالإنسان البخيل الذي يبخل بالدعاء لإخوانه المسلمين كأن يقول: رب اغفر لي واغفر لفلان واغفر لفلان، والبخيل من دعا لنفسه فقط، ولذلك الأعرابي الذي قال أمام النبي ﷺ : اللهم! ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، شبهه النبي ﷺ ببعير أهله وقال: (لقد حجرت واسعاً)، فرحمة الله عظيمة واسعة، وأنك بقولك هذا تحجر رحمة الله، قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]، فقد خلقهم ليرحمهم سبحانه ﵎، فرحمة الله عظيمة واسعة، فمن جهل بربه سبحانه ﵎ كان كهذا الأعرابي الجاهل، فلذلك قال ربك: ﴿فَاعْلَمْ﴾ [محمد:١٩] أي: اعلم من الذي تستغفره، ومن الذي تعبده، ومن الذي تطلب منه فتتأدب معه سبحانه ﵎، ولا تحجر رحمته ولا مغفرته سبحانه ﵎.
قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩]، فكان النبي ﷺ يستغفر لنفسه ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وفي الحديث الذي رواه مسلم من حديث عبد الله بن سرجس المخزومي ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وأكلت معه خبزاً ولحماً)، فقال راوي الحديث عنه عاصم الأحول قال: هل استغفر لك النبي ﷺ ؟ فقال الصحابي الفاضل عبد الله بن سرجس: نعم، ولك، فليس لي فقط، وإنما استغفر لي ولك، وعاصم بن الأحول ما شاهد النبي ﷺ فهو تابعي ولكنه تلا هذه الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩]، فلم يحرم أحداً من هذه الأمة من دعوة صلوات الله وسلامه عليه، فقد دعا لأمته واستغفر لنفسه ولأمته صلوات الله وسلامه عليه، فتلا الصحابي هذه الآية، قال الصحابي الذي جلس مع النبي ﷺ : (ثم تحولت فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه صلوات الله وسلامه عليه).
وكان معلوم عند أهل الكتاب أنه ما من نبي يبعث إلا وله خاتم النبوة، وهي علامة يعرف بها أنه نبي، فمن كان يخالطهم كان يأتي للنبي ﷺ ويحاول أن يرى ظهر النبي ﷺ وينظر خاتم النبوة، وهو قطعة من اللحم مثل بيضة الحمامة كانت بين كتفيه صلوات الله وسلامه عليه، من أجل التأكد من صحة أنه نبي صلوات الله وسلامه عليه.
فعلم الله النبي ﷺ أن يستغفر ربه وأن يستغفر للمؤمنين، وأن يدعو للمؤمنين وللمؤمنات بالمغفرة، وكذلك علمنا النبي ﷺ أن ندعو لأنفسنا وللمؤمنين، فقال: (إذا دعوت لأخيك بظهر الغيب أمن الملك وقال: آمين ولك بمثله)، فعندما تدعو لأخيك فأنت ستحصل على تأمين الملك فهو يقول: (آمين ولك بمثل) يعني: أدعو لك بمثل ما دعوت لأخيك.
ومن أعظم وأجمل ما جاء عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (من استغفر للمؤمنين والمؤمنات أعطاه الله بكل مؤمن حسنة)، وأعداد المؤمنين تتجاوز الملايين، وهذا عدد الأحياء فقط أما الأموات ومن يكونون إلى قيام الساعة فأكثر من ذلك بكثير، فحين تدعو لنفسك وتقول: اللهم! اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وتدعو لجميع المؤمنين من هذه الأمة، وتدعو لجميع المؤمنين تعطى بكل مؤمن حسنة، فلا تبخل بالدعاء لإخوانك فإن من أبخل الناس من بخل بالدعاء.
стр. 3681
معنى قوله تعالى: (والله يعلم متقلبكم ومثواكم)
قال تعالى: ﴿ِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ [محمد:١٩] مثوى الإنسان وهو ما يثوي إليه، تثوي إلى بيتك أو تئوي إلى المكان الذي يثويك، فكل تقلب للإنسان يعلمه الله، ولذلك اختلفت أقوال المفسرين حول هذا المعنى فيذكرون التقلب للإنسان في أصلاب الآباء، وفي أرحام الأمهات، فقد كان جنيناً في بطن أمه، ونزل من بطن الأم وصار طفلاً فتقلب في الحياة، وتقلب في الأعمال، وتقلب بين الأمراض وبين العافية، وكل تقلب الإنسان يعلمه الله ، وكل حركة للإنسان يتغير فيها ويتحول فيها يعلمها الله، ويقدر ويرزق سبحانه، وكل شيء يثوي إليه من نوم ومن موت ومن ركوب ومن انتقال وإقامة وقتية أو إقامة دائمة فالله يعلم ذلك، وكل شيء يفعله الإنسان فالله يحصيه ويكتبه سبحانه ﵎، ويعلمه قبل أن يخلق الإنسان.
стр. 3682
تفسير قوله تعالى: (ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة)
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:٢٠].
هذه السورة اسمها سورة محمد ﷺ ، واسمها أيضاً سورة القتال؛ لهذه الآية: ﴿فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾ [محمد:٢٠]، ولذكر القتال فيها.
المؤمنون يشتاقون إلى ربهم ويشتاقون إلى الجنة ويشتاقون إلى الشهادة فيطلبون من الله الأذن بالجهاد في سبيل الله، وربنا قد أمر المؤمنين بأن يسألوا الله العفو والعافية على لسان النبي ﷺ : (لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا)، وذلك لأن أناساً تمنوا ذلك فحين حدث خافوا وأصابهم الجبن.
﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ [محمد:٢٠] أي: المؤمنون الصادقون وفيهم ضعاف الإيمان وفيهم منافقون، فلذلك عندما المؤمن يقول يضطر من حوله أيضاً أن يقولوا مثلما يقول، ولكن ﴿إِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ [محمد:٢٠]، أي: ليست منسوخة ﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾ [محمد:٢٠]، وأمركم الله فيها بالقتال تنقسموا إلى فريقين، فالذين كانوا يدعون بدءوا بالتراجع، والمؤمن الصادق ظل على مبدئه، ولكن غيره بدأ يجبن ويخاف ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد:٢٠] أي: الذي خرجت روحه من جسده فإن عيناه تصبحان في منظر مخيف ومختلف؛ وذلك بسبب تعلق عينيه في المكان الذي تخرج إليه روحه.
فالإنسان التي تشخص عيناه من شدة الرعب مثله مثل الذي تخرج روحه، فيكون مرعوباً من شدة الموت، مع أنه لم يحصل قتال، فما زالت السورة نازلة تخبرهم بأن جاهدوا في سبيل الله فارتعبوا وخافوا، ولذلك قال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ [النساء:٧٧]، وهم الذين كانوا يطلبون من الله القتال ويقولون: نريد أن نجاهد، فلما فرض القتال إذا بهم يخافون ويرتعبون وقالوا: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء:٧٧].
стр. 3683
تفسير قوله تعالى: (طاعة وقول معروف)
يقول سبحانه: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد:٢٠ - ٢١]، (فأولى لهم) فيها معنيان إما على الوصل وإما على الوقف، فعلى الوقف أي: انتظر الهلاك لهؤلاء فقد قاربهم.
وعلى الوصل بما بعدها ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد:٢٠ - ٢١] أي: كان أولى بهم أن يطيعوا الله وأن يقولوا قولاً معروفاً وأن يلتزموا بما قاله الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد:٢١].
للحديث بقية إن شاء الله.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3684
تفسير سورة محمد [٢٠ - ٢٤]
كان المؤمنون يتمنون من الله أن ينزل عليهم آية تأمرهم بالجهاد في سبيل الله، ولكن لحكمة الله التي لا يعلمها كثير من العباد أخر عنهم الأمر بالجهاد؛ لعلمه الغيبي بتقاعس بعض من في قلوبهم مرض، وافتتان بعض ضعفاء الإيمان حيث لم يعلموا أن الطاعة بالمعروف، وأن الصدق لو كان في القلوب لجاءت العزيمة، والله غالب على أمره.
стр. 3685
تفسير قوله تعالى: (ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة)
الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة محمد ﷺ : ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ * فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٠ - ٢٤].
يذكر الله المؤمنين في هذه الآيات بما كانوا يدعون ربهم سبحانه ﵎ به، ويطلبونه، ويقولون: لولا نزلت آية في القرآن تأمرنا أن نجاهد في سبيل الله، فكانوا يقولون ذلك.
وكان ربنا سبحانه ﵎ يصبرهم على ما هم فيه، ويقول لهم: أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وكفوا أيديكم، وذكر ذلك في سورة النساء فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ [النساء:٧٧].
إذاً: كان المؤمنون يطلبون من الله أن يأمرهم أمراً في القرآن بأن يخرجوا مجاهدين في سبيل الله، وكان القرآن يأمرهم بمجاهدة أنفسهم؛ لأن الإنسان الذي لا يجاهد نفسه لا يستطيع أن يجاهد عدوه، فكان القرآن يربيهم مدة ثلاثة عشر عاماً وهم في مكة، فيأمرهم بأن يكفوا أيديهم، وأن يصبروا على الأذى، وإذا أمر بالجهاد فهو جهاد الكلمة والنفس.
ولكن لما هاجروا إلى المدينة بدأ أمر الجهاد يتغير، فكان يأمرهم بدفع أعدائهم، وهذا يسمى: بقتال وجهاد الدفع، فإذا تعرض لك أعداؤك فدافع عن نفسك، ثم تدرج الله بهم إلى أن أمرهم أن يخرجوا غازين مجاهدين في سبيل الله، يدعون إلى الله ، ويقاتلون من يمنعهم من تبليغ دعوة الله سبحانه ﵎.
فهنا يذكر المؤمنين أنهم كانوا كثيراً ما يطلبون من ربهم سبحانه أن ينزل عليهم آية فيها ذكر الجهاد ويأمرهم فيها بالقتال.
فقال هنا: ﴿فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد:٢٠] والله أعلم بعباده سبحانه، الله أعلم بمن يقوم بأمره، ومن يتخاذل ويترك نصرة دين الله سبحانه، الله أعلم هل هؤلاء يستحقون في ذلك الوقت أن ينزل عليهم أو لا يستحقون فيؤخر عنهم هذا الأمر إلى حين.
فلذلك كأنه يقول لهم: لا تطلبوا الشيء الذي لا تدرون هل تقدرون عليه أو لا، وصرح لهم النبي ﷺ بذلك فقال: (لا تتمنوا لقاء العدو)، فلا تقل: متى نقاتل؟ متى يفرض علينا؟ لا، لا تطلب هذا الشيء، (لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا).
إذاً: الإنسان لا يتمنى البلاء، ولا يقل: لو أنه فرض الجهاد لقاتلت وفعلت وفعلت.
لا تقل هذا، لا تدري لعلك لا تصبر، ولذلك كان أصحاب النبي ﷺ يخافون ذلك، والبعض منهم كان يتمنى أنه يشهد مع النبي ﷺ قتالاً، مثل أنس بن النضر عم أنس بن مالك ﵁، فكان يقول وقد تغيب عن النبي ﷺ في يوم بدر: (لئن أشهدني الله -يعني: موقعة أخرى مع النبي ﷺ مشهداً آخر ليرين الله ما أفعل) الله سيرى ما أفعل، ويسكت، ولا يزيد أكثر من ذلك؛ خوفاً من أن يقول شيئاً لا يقدر عليه، ولما جاء يوم أحد أبلى فيه أعظم البلاء ﵁، وقتل شهيداً رضي الله ﵎ عنه، ولم يعرف إلا ببنانه، أي: بعلامة كانت في أصبعه، إنسان قتيل لا يعرفونه إلا بأصبعه كيف سيكون شكل هذا القتيل؟! سيكون ممزقاً ومقطعاً قطعاً، بحيث لا يستطيع الناظر إليه أن يعرفه، فأبلى بلاء حسناً، وجاهد في سبيل الله حتى قتل.
وكثيرٌ ممن كانوا يقولون: نريد الجهاد! نريد الجهاد! عندما يأتي الجهاد لا يجاهدون، ولا يفعلون شيئاً، بل يخافون كما قال الله عنهم أنهم يقولون: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء:٧٧]، لم كتبت علينا القتال؟ فلو كنت أخرتنا قليلاً نستمتع بالدنيا، ثم بعد ذلك نجاهد في سبيل الله، فلذلك قال لهم النبي ﷺ : (لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية) يعني: دائماً تسألوا الله العافية، فإذا جاء وقت الجهاد في سبيل الله فاثبتوا وانصروا الله، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
وهنا يخبرنا عن حال المنافقين، المنافق دائماً كثير الكلام، يتكلم كثيراً جداً، ويظهر شجاعته في وقت السلم، أما في وقت الحرب فهو الجبان، والخائف المعرض، الذي يولي دبره ويهرب، فإذا انتهى القتال رجع يتحدث ويتكلم، فيذكر الله هنا صورة هؤلاء المنافقين كما في سورة المنافقون قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] إذاً: أشكالهم طويلة وعريضة، ومناظرهم جميلة، ولكن إذا حدث القتال فهم أجبن ما يكون، يخرجون من عند النبي ﷺ ويتركونه، ويهربون قائلين: لا طاقة لنا بذلك.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ [محمد:٢٠] أي: ليست منسوخة، وذكر فيها الأمر بالجهاد في سبيل الله، قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥].
قوله: ﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾ [محمد:٢٠] يعني: الأمر به، ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد:٢٠] فهؤلاء أصحاب أمراض، وليست أمراضاً بدنية فيعذرون، وإنما هم أمراض القلوب.
قوله: ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [محمد:٢٠] أي: تظهر أمراضهم الآن، ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد:٢٠] يعني: تجدهم مذعورين، وفي غاية الرعب والذعر، ومندهشين، ومتحيرين، فينظر أحدهم إلى النبي ﷺ محدقاً النظر فيه، كالذي ستخرج روحه! قوله: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:٢٠] يهددهم ويتوعدهم الله سبحانه ﵎، فيقول: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:٢٠] أي: قاربهم ما يهلكهم بسبب ذلك، فلينتظروا عذاب الله بسبب كلامهم الذي لا تنفذه أفعالهم.
стр. 3686
تفسير قوله تعالى: (طاعة وقول معروف)
قال تعالى: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢١] كأنه يقول: لو أنهم قالوا: (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) كان هذا خيراً لهم وأفضل، فكأن الآية على الفصل، فقوله: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:٢٠] انتهت هذه الآية، والمعنى: تهديد ووعيد لهؤلاء، فقد قاربهم ما يهلكهم بسبب ذلك، (أولى لهم) أي: قد جاءهم ووليهم عذاب من عند الله .
ثم بدأ واستأنف فقال: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد:٢١] أي: هلا قال هؤلاء: أمرنا، شأننا، فعلنا الطاعة والقول المعروف، فهذه بداية، كأنه يقول: هذا خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أمرنا طاعة وقول معروف، يعني: لو كان حالهم ذلك، وشأنهم أنهم يتكلمون فيقولون: سمعنا وأطعنا، مثلما يقول المؤمنون.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد:٢١] كان الأخير بهؤلاء أن يكونوا مطيعين لله وللرسول، ولا يتمنوا لقاء العدو، فإذا جد الجد، ونزل الأمر بالجهاد جاهدوا وصدقوا الله، لو فعلوا هذا لكان خيراً لهم.
وقد يكون على الوصل بالآية التي تليها، (فأولى لهم طاعة وقول معروف) أي: أولى بهؤلاء من الفرار، ومن تمني لقاء العدو ثم عدم التنفيذ، أولى بهم أن يطيعوا الرسول ﷺ ، وأن يطيعوا ربهم سبحانه، وأن يقولوا القول المعروف.
فإذا جد القتال، وعزم الأمر ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ [محمد:٢١] أي: في الإيمان، وفي تنفيذ ما يقولونه والإخلاص لله ، وفي الجهاد في سبيل الله، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد:٢١].
فيتعلم المؤمن من هذه الآية: أنه لا يكثر من الأماني، ولا يتكلم عن نفسه بالشيء الذي يتباهى به ويفتخر، ويظهر نفسه أنه شيء كبير، فإذا كان وقت الجد إذا به صغير في تنفيذ ما يقول، لا تتمنى الشيء الذي لا تقدر عليه، لا تقل: أنا أفعل كذا، لو كنت أنا مكان هذا لكنت فعلت.
وفعلت، فيقول لك: لا، لو كنت أنت تستحق ذلك لكنا جعلناك مكان هذا الإنسان، لا تتمنى الشيء الذي لا تقدر عليه، ولا تتكلم بما لا تستطيعه، ولكن اسأل ربك أن يوفقك ويعينك على الخير.
стр. 3687
تفسير قوله تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض)
стр. 3688
تفسير قوله تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض)
يقول : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢] (هل عسيتم) خطاب للجميع، وإن كان المخصوص به المنافقين، فهؤلاء الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، يقول لهم ربهم سبحانه: هل عسيتم أيها المنافقون إذا توليتم في الأرض، وصارت لكم الولاية في يوم من الأيام، أن تكونوا مفسدين بدلاً من الإصلاح، وهذا قريب من هؤلاء، والجدير بأخلاقهم أنهم يقولون ما لا يفعلون ويتفاخرون بما لا يقدرون عليه.
وقوله: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ) هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع: (فهل عسيِتم).
وقوله: (إِنْ تَوَلَّيْتُمْ) هذه قراءة الجمهور، وقراءة رويس عن يعقوب: (إن تُولِّيتم) على البناء للمفعول، بمعنى: إن وليناكم ولاية، أو إذا وليتم ولاية من الولايات.
وقوله: (وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) هذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب: (وتقطَعوا أرحامكم) بدون تشديد فيها.
فالمعنى: أنه يقول: أنا أعلم بكم منكم، ففي قلوبكم الدغل والفساد، وفي إيمانكم الغش، فلو أنكم كما تزعمون فستجاهدون وتنتصرون ليس بفضلكم، ولكن بفضل الله ، فإذا ولاكم الله ولاية فأنتم أهل الجور، وأنتم أهل الظلم أيها المنافقون، لا تصلحون للولايات، بل أنتم مفسدون، وهذا سيكون حالكم عندما يوليكم الله ولاية من الولايات، وستتنكرون للمؤمنين، بل ستتنكرون لأقرب الناس إليكم: الأرحام، فستقطعون أرحامكم، وستفسدون في الأرض فتحكمون بظلم، وتقيمون غير شرع الله سبحانه، ولا تقيمون جهاداً في سبيل الله، وتتولون معرضين، فهذا حال المنافقين إذا أصابوا ولاية من الولايات.
قال سبحانه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢]، وجاء في حديث النبي ﷺ في أمر الرحم قال: (إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم، قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك، ثم قال رسول الله ﷺ : اقرءوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢]).
стр. 3689
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين لعنهم الله)
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٣].
هذه الرحم التي أمرنا الله في كتابه أن نصلها، قال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣٦] فوصية من الله سبحانه بكل هؤلاء: الأرحام، والجيران، والأصدقاء، والأصحاب، والمؤمنين عامة، اهتموا بشئون هؤلاء جميعهم، وصلوا أرحامكم، وصلوا المؤمنين، ولا تقطعوا الوشائج بينكم وبينهم، فمن قطعها فأولئك الذين لعنهم الله، وأبعدهم وطردهم من رحمته سبحانه، ﴿فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٣].
(أصمهم) أصم آذانهم، (وأعمى أبصارهم) وقد ذكر الله فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] أجسامهم جميلة وصحيحة، فيها العافية.
وقوله: (أعمى أبصارهم) هل هم عميان؟ كأن المعنى هنا: أبصارهم كلا أبصار، وأسماعهم كلا أسماع.
إذاً: كأنهم لا سمع معهم كأنهم طرش؛ لأنهم لا يسمعون ما ينفعهم، وإنما يسمعون ما يضرهم، فلا يبصرون فيعتبرون، ولكن ينظرون إلى ما يضرهم، فيسمعون إلى كلام المنافقين، ولا يسمعون للنبي ﷺ ليهتدوا به.
فالمنافقون ينظرون إلى العورات، ويتجسسون على المؤمنين، أما أن ينظروا في كتاب الله وفي آيات الله سبحانه ﵎ في الكون فيعتبرون فلا، فكأنهم لا ينتفعون بأسماعهم، ولا بأبصارهم، فهم عمي الأبصار، إذاًَ العمى هنا راجع إلى البصائر والقلوب، فسمع لا ينفع، وبصر لا يرى الحق، فكأنهم لا شيء عندهم.
ولذلك وصف الله الكفار بأنهم لا يعلمون، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧] كأن العلم بالدنيا ليس هو العلم الحقيقي، وإنما هو علم قاصر، وليس معناه: أنك لا تتعلم شئون الدنيا، ولكن لا يكون تعلم الدنيا للدنيا، وإنما تتعلم لتنتفع عند الله سبحانه ﵎، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
فالعلم الذي يورث الخشية في القلب هو العلم المطلوب الذي ينفعك عند الله سبحانه ﵎، أما العلم الذي يورث الغرور والتيه والفخر على الخلق فهذا لا ينتفع به أي إنسان، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٣]، الذين لم يستمعوا القول فيتبعون أحسنه، والذين لم يطيعوا الله ولا رسول الله ﷺ ، والذين إذا ولاهم الله وأعطاهم ولاية إذا بهم يقطعون أرحامهم، ولا يعرفون لأحد فضله ولا حقه.
стр. 3690
تفسير قوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)
قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] يعني: هلا تدبروا كتاب الله سبحانه ﵎، والفاء هنا: عاطفة، فهي: (ألا يتدبرون) والفاء: للعطف، فتقتضي الترتيب والتعقيب، أي: إذا سمعتم ذلك فهلا تدبرتم كتاب الله ، وفقهتم، وفهمتم ما فيه؟! قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [محمد:٢٤] بالهمزة في قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير: (القران) والمعنى واحد.
فقوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾ [محمد:٢٤] فيه حث على تدبر كتاب الله سبحانه ﵎، وقد أمرنا الله فقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤] استمع وليس مجرد سماع، فتكون الآيات تمر على الأذن من غير أن تعيها، وإنما قال: أنصت، فلا بد أن تحترم كتاب الله ، وتستمع وتصغي السمع إلى كتاب الله ، وتتأمل وتتدبر في كتابه سبحانه ﵎.
قوله: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، هذا استنكار من الله، وقال: (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ) ولم يقل: (أم على قلوبهم)، فأراد بذلك العموم، والمعنى: أي قلوب هؤلاء وقلوب أمثالهم، وليس قلوبهم فقط، فقال: (أم على قلوب) والمعنى: أن كل إنسان هذا حاله، لا يستمع لكتاب الله ، ولا يعيه، ولا يتدبر فيه، فعلى قلبه قفل، وهو الغلق الذي يجعل على الباب، كذلك هؤلاء: (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) ولم يقل: (أقفال) وكأن كل قلب من قلوب هؤلاء المنافقين عليه قفل يناسبه.
وكذا كل إنسان يسمع كلام الله فلا ينتبه له، ولا يعي ما يقوله الله ، ولا يعمل به، يكون داخلاً تحت هذه الآية، وكل من أعرض عن كتاب الله سبحانه، ونصح بالقرآن وقيل له: إن الله يأمر بكذا، فرفض أن يفعل ما أمره الله ، فعلى القلوب أقفالها.
إذاً: هنا ربنا سبحانه في هذه الآيات يشير إلى أنه يجب على الإنسان المؤمن أن يمسك لسانه عن تمني الشيء الذي لا يقدر عليه، فيجب على الإنسان المؤمن أن يتدبر كتاب الله سبحانه، وأن يعمل به، ويجب على الإنسان المؤمن إذا ولاه الله ولاية من الولايات أن يراعي في ذلك إقامة الحق والعدل، ولا يتنصل من أقربائه، ولا يقطع رحمه.
وهنا لاحظ بين إنسان يوليه الله ولاية، فيقوم بتوظيف أقاربه، فلان يجعله في كذا وفلان يوليه كذا، وهنا ليس معنى الآية كذلك، ليس المعنى أن توظف أقاربك، فتكون بهذا وصلت الأرحام، ولكن الإنسان الذي يتولى ولاية، فمن الأمانة أن يجعل الإنسان في مكانه.
إذاً قوله: ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢] معناه: أنهم إذا ولاهم الله يتكبرون فيقطعون أرحامهم، فلا يعرفون إلا المنافقين، ولا يعرفون إلا الكبراء بزعمهم، أما الصغار الذين كانوا يعرفونهم قبل ذلك، فقد أصبحوا يحتقرونهم الآن، فهذا هو المعنى.
أما الذي يتولى ولاية من الولايات، فيبتدأ بتوظيف كل أقاربه فيها، ويضع محسوبياته من غير كفاءة ولا غيرها، فهذه من علامات الساعة، وقد سأل سائل النبي ﷺ عن هذه العلامات فقال: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) فأي إنسان يتولى ولاية من الولايات، فيبدأ بتوظيف فلان، فيضعه في المصلحة المعينة لأنه قريبه، ويكون أهل الكفاءة في هذا الشيء معزولون، ويولى من لا يصلح، فهذه هي الخيانة، وهذه من أشراط الساعة وعلاماتها.
وفي الآية حث على صلة الأرحام، وليس معناه أنك تجامل في غير الحق وفي الباطل.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3691
تفسير سورة محمد [٢٥ - ٣٠]
من صفات المنافقين أنهم يكرهون ما أنزل الله على رسوله، ويكرهون الدين، ويطيعون من عادى الله ورسوله، فهؤلاء هم المرتدون حقيقة؛ لأنهم ما نطقوا بالدين إلا تقية وحفظاً لأموالهم ودمائهم، فهؤلاء يمهلهم الله في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم.
стр. 3692
تفسير قوله تعالى: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعدما تبين لهم الهدى)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة محمد ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٢٥ - ٣٠].
لما ذكر الله سبحانه ﵎ في هذه السورة الكريمة: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣].
هل عسيتم إن مكنكم الله وأعطاكم ولايات ورئاسات ووزارات وحكماً تحكمون بين الناس، وقدرة على ذلك، أن ترتدوا على أدباركم، وتعرضوا عن ذكر الله سبحانه وشرعه، وتقيموا الظلم بين الناس، وتعرضوا عن هذا الدين، وتتبعوا الهوى والشياطين، وتقطعوا أرحامكم؟ هل عسيتم أن تفعلوا ذلك فترتدوا على أدباركم، وتعكسوا ما أمركم الله بوصله وفعله؟ ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢] أي: هلا تدبروا كتاب الله وقرءوه واستمعوا له، وفهموا ما يريده الله ففعلوه.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ [محمد:٢٥] وهنا بعدما ذكر: لعلكم إذا فتح الله لكم، وأعطاكم من فضله، أن تنقلبوا على أعقابكم القهقرى، فهؤلاء الذين هذا حالهم يقول الله سبحانه لهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:٢٥].
مشوا في طريق الشيطان وتركوا طريق الله سبحانه ﵎، وتركوا الصواب بعدما عرفوه، وتركوا القرآن بعدما فهموا معانيه، (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ) ردة رجوع على الأعقاب إلى الورى، بعدما كانوا متقدمين في دين الله ، وصاروا متأخرين تاركين الدين وراء ظهورهم؛ لا يضرون إلا أنفسهم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد:٢٥] من بعدما عرفوا الحق، وسمعوا كتاب الله، وهدي النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهؤلاء الشيطان سول لهم، وضحك عليهم، وخدعهم، وزين لهم الأماني الباطلة.
(وأملى لهم) الجمهور يقرءونها هكذا، والبصريون يقرءونها قراءة أخرى، فـ أبو عمرو البصري يقرؤها: (وأملِيَ لهم) ويقرؤها: (وأملِيْ لهم)، وهنا الآية تعددت القراءات فيها فكأنها تتعدد المعاني، وكأن الآية آيتان بحسب القراءة، فهنا يقول سبحانه: الشيطان سول لهؤلاء، (وأملى لهم) أي: أملى لهم الله سبحانه ﵎، فالله يقول: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤] أي: نحضر ونجهز لهم المصائب والعذاب، ففهم من المعنى: أن الشيطان يضحك عليهم، ويخدعهم، وقد حذرهم الله من الشيطان، فقال: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦]، الشيطان سول وزين لهم، فقال: ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:٢٥] أي: أملى لهم ربهم سبحانه، وأعد لهم العذاب، وهذه قراءة الجمهور.
وقراءة أبي عمرو توضح ذلك قال: (وأملِيَ لهم) على البناء للمجهول، يعني: قد أعد لهم المصائب والعذاب، (أملي لهم) من الذي أملى لهم؟ الله سبحانه، يعني: مد لهم في العمر وتركهم، وصبر عليهم، وحلم عنهم سبحانه ﵎ حتى يأخذهم فيقصمهم ويأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
وقراءة يعقوب الحضرمي يقرأ: (وأملِيْ لهم) فبعدما قال عن الشيطان: (سول لهم) قال: وأنا أملي لهم، أي: أحضر لهم، وأجهز لهم من العذاب ما لا يطيقون منه.
إذاً: على هذه القراءات: الله أملى لهم، وعلى قراءة الجمهور: تحتمل معنىً آخر، وهو: أن الشيطان هو الذي سول وأملى لهم، والمعنى: أنه جعلهم يتمهلون ويتريثون ويبتعدون عن التقدم في دين الله .
إذاً: هذه المعاني كلها صحيحة، فإن الشيطان خدع هؤلاء، فجعلهم يسوفون، وأملى لهم فقال: استمهلوا واصبروا لا تستعجلون، الموت متأخر.
إذاً: هذا من إملاء الشيطان على هؤلاء، أنه يجعلهم يتمهلون عن التوبة، ويتركون اتباع دين الله ، فيخدعهم، ويزين لهم أعمالهم، وجعلهم يتمهلون، فهذا على معنى.
والمعنى الآخر: وأملى لهم ربهم سبحانه بأن مد لهم، فإذا بهم يتمهلون، ويسيرون في طريق يظنون أن النهاية حسنة فيه، وأنهم أرادوا الدنيا حيث زينت لهم، والشيطان سول لهم هذه الحياة الدنيا، وإن كان التزيين حقيقة من الله ، الله هو الذي يزين سبحانه ﵎، زين الدنيا فخدعت هؤلاء، فالله خلق الدنيا وقال لنا: لا تغتروا بهذه الدنيا، فيها الورود، ولكن فيها الأشواك، وفيها الحلو ولكن فيه المرارات، وفي هذه الدنيا العابرة يراها الإنسان حلوة، ولكن إذا خبرها وجد في صفوها الكدر، وفي حلوها المر، وفي وردها الشوك، وفيما ينظر إليه من سعادة فإن وراءه الشقاء، فلا توجد سعادة في هذه الدنيا تدوم، لذلك المؤمن العاقل همه في الدنيا أن يرضي الله سبحانه ﵎، لا أن يأخذ الدنيا؛ لأن الدنيا زينها الله سبحانه ﵎ لخلقه، والشيطان زين للعباد فيها أن يعصوا الله سبحانه ﵎، فإذا بهم يخدعون، الله يبيح لهم الزواج، والشيطان يشجعهم على الزنا، الله يمنعهم من شرب الخمر، والشيطان يجعلهم يقعون في شربها ويتبعون الهوى، ويزعمون أن الخمر تشجعهم، وتزيل غمومهم، وغير ذلك.
إذاً: التزيين من الله خلقة، فيخلق الشيء حسناً، والتزيين من الشيطان أن يجعل العبد يستحلي الشيء المر، ويستعذب أن يقع في معصية الله سبحانه ﵎، فهذا الشيطان يسول لهؤلاء أن يقعوا في المعاصي، ويزين لهم ويدفعهم، ويحثهم على أن يقعوا في معصية الله ، وأملى لهم الشيطان أي: أمد لهم في الغي، وأملى لهم الرحمن بمعنى: أمهلهم وصبر عليهم، وأعد لهم ما يستحقون من عقوبة وعذاب نسأل الله العفو والعافية!
стр. 3693
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله)
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ﴾ [محمد:٢٦] ارتدوا عن دين الله ، ورجعوا بأن أصغوا لليهود، وللنصارى فسمعوا كلام هؤلاء وأعطوهم الوعود بألسنتهم: سنكون معكم قليلاً، فنكون مع هؤلاء مرة ومع هؤلاء مرة مع النبي ﷺ مرة، ومعكم مرة ثانية.
ذلك الجزاء بأنهم قالوا لهؤلاء الكارهين ما أنزل الله من مشركين وعباد أوثان، ومن يهود ونصارى: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ﴾ [محمد:٢٦] ليس في كل الأمر، لا، نحن نقول: لا إله إلا الله، لكن سنطيعكم في بعض الأمر.
قال الله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٦] والله يعلم ما في قلوبهم، فهم أحبوا هذا النفاق، وأحبوا معصية الله سبحانه ﵎، فهم قالوا: لا إله إلا الله بألسنتهم، ولم تتحقق في قلوبهم، فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٦] وهذه قراءة حفص عن عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف، وباقي القراء يقرءونها: (والله يعلم أَسرَارهم) الإسرار: مصدر من أسرَّ إسراراً، وأسرارهم أي: فيما يبطنونه، والمعنى: كل أسرار هؤلاء عند الله لا يخفى منها عن الله شيء، ومهما تكتم من شيء فإن الله يعلمه، فالله يعلم إسرارهم.
стр. 3694
تفسير قوله تعالى: (فكيف إذا توفتهم الملائكة)
قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٧] فكيف بهؤلاء؟! كيف يكون حالهم إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم؟! الملائكة تتوفاهم، والله يتوفاهم كما ذكر لنا ربنا سبحانه، فالله يتوفى، والملائكة تتوفى، الله يقضي بالموت، والقبض حقيقة بأمر الله سبحانه ﵎، فالله هو الذي يخلق، وهو الذي يحيي ويرزق ويميت، فالله فاعل كل شيء، وخالق كل شيء سبحانه، والملائكة المباشرون للأمر يقبضون الأرواح، وما يفعلون شيئاً إلا بأمر الله سبحانه، ولا يقدرون على شيء إلا بما يقدرهم الله عليه.
إذاً: الملائكة مأمورون منفذون لأمر الله سبحانه، فالله هو الذي يتوفى، ولذلك من الخطأ أن نقول: فلان توفى، هذا خطأ، فلان توفى بمعنى: قبض، ولكن فلان قُبِضَ فنقول: تُوفيَ فلان، ومات فلان، فالذي يتوفاه هو الله ، والذين يتوفونه هم الملائكة يقبضون روحه، فالقائم بالأمر هو الله ، ثم الملائكة منفذون لأمر الله سبحانه ﵎.
فكيف يكون حال هؤلاء المنافقين المرتدين على أدبارهم إذا قبضت الملائكة أرواحهم وهم في حالهم عصاة كفار مجرمون؟! الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، يقول عبد الله بن عباس ﵄: لا يتوفى أحد على معصية إلا بضرب شديد لوجهه وقفاه، إلا بضرب نسأل الله العفو والعافية، فصاحب المعصية الذي مات على المعصية يتوفى على هذه الحال، والملائكة تضربه على وجهه، وتلطمه على ظهره وقفاه، فلا يتوفى أحد على معصية إلا على هذه الحال، فكيف يكون حال هؤلاء المنافقين حين تتوفاهم الملائكة بمثل هذا الضرب؟! أنت ترى الإنسان وهو يموت وأنت لا تدري عما يفعل به شيئاً، فالملائكة تضرب وجهه وظهره.
كذلك عندما يقاتل المؤمنون الكفار والمنافقين، ويقاتلون غيرهم، فإن الملائكة تتوفى الكفار القتلى فيضربون وجوههم وأدبارهم في حال القتال، والملائكة مؤيدة بالله ، مؤيدة للمؤمنين، فيضربون وجوه الكفار عند الطلب، ويضربون أدبارهم عند الهرب، الكافر يقبل على المؤمن فتضربه الملائكة على وجهه، والكافر عندما يهرب تضربه الملائكة على قفاه ورأسه وظهره، فهذا تأييد من الله للمؤمنين، وتطمين للمؤمن ألا يخاف فإن الله معه، فهل ينظرون إلا إحدى الحسنيين، فانتظر: إما أن ينصرك الله وإما أن يتوفاك فتكون شهيداً ولك العاقبة الحسنة عند الله .
قال الله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٧] إذاً: هذا في وقت الموت والوفاة، وفي وقت الحرب والقتال والقتل، كذلك عندما يقومون من قبورهم تسوقهم الملائكة إلى الموقف، وتسوقهم الملائكة إلى النار والعياذ بالله بالضرب، فيدعون إلى نار جهنم دعا، ويدفعون على أقفائهم ويضربون على وجوههم، نسأل الله العفو والعافية، فهذا هو حالهم، فمن سينصرهم في هذه الحال؟! ذلك الجزاء والعذاب والعقاب بأنهم اتبعوا ما أسخط الله سبحانه ﵎.
стр. 3695
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه)
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨] (ذلك بأنهم اتبعوا) التعليل هنا يخيف صاحب المعصية، فكل إنسان عاص يخاف على نفسه ما الذي سيحدث له عند الوفاة، فهذا هو حالهم، فالله إذا غضب على العبد أخذه أخذ عزيز مقتدر، فيميته على معصية، وإذا أحب الله عبداً ابتلاه في الدنيا، ثم يستعمله بفضله وكرمه، قال النبي ﷺ : (إن الله إذا أحب عبداً عسله، قالوا: وما عسله؟ قال: يوفقه لعمل صالح، ثم يقبضه عليه) نسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء الذين يعسلهم الله .
والعكس: إذا أبغض الله عبداً يجعله في طغيانه وعتوه، ويجعله جباراً عنيداً، حتى إذا أخذه لم يفلته، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢].
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد:٢٨] أي: مشوا وراء معاصي الله ، فكل شيء يغضب ربهم يفعلونه، في قيامهم أو نومهم وفي لهوهم، وفي أفراحهم ومعاصيهم، فيغضبون الله ويتبعون كل ما يسخطه سبحانه، ويكرهون رضوان الله سبحانه، لا يوجد إنسان يقول: أنا أكره أن أرضي ربي، ولكنهم بأفعالهم يكرهون ما أنزل الله، فإذا قيل: هذه الطاعة، وهذا كتاب الله، وهذه سنة رسول الله، فهو يقول: كل وقت تقول لي: كتاب وسنة، كتاب وسنة! إذاً: هو كاره لهذا الشيء سواء عبر بلسانه أو أعرض بحاله، فحين تذكره بالله يلوي لك ظهره ويمشي كأنه ما سمع، تمر وتذهب للمسجد فتراه وتقول له: ادخل وصل معنا يا فلان، وكأنه ما سمع كلامك، ويلتفت إلى الناحية الثانية، وتسلم عليه عادة فتقول له: السلام عليكم من أجل أن تأتي بعد قليل فتقول له: ادخل صل فلا يرد عليك السلام، وإذا كان جاء من آخر الشارع يدخل البيت فيختبئ حتى لا تقول له: تعال إلى بيت الله ، فيستغشون ثيابهم، والمنافقون كانوا يغطون حالهم مع النبي ﷺ ، فإذا رأوه استغشوا بثيابهم، لا يريدون أن ينظروا إليه، حتى لا يأمرهم بالطاعة، وكذلك فعل الكفار.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد:٢٨] (رضوانه) فيها قراءتان: قراءة الجمهور: (رِضوان) بكسر الراء، وقراءة شعبة عن عاصم: (رُضوان) بضم الراء.
قوله: ﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨] ومحبطات الأعمال كثيرة منها: الشرك بالله والكفر بالله سبحانه ﵎، كذلك من محبطات الأعمال ترك الصلاة وتضييعها، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ : (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) فالذي يضيع الصلاة يحبط عمله، والذي يضيع صلاة العصر يصاب بحزن يوم القيامة، يساوي حزن إنسان قتل أهله، وضاع ماله، وهذا الحزن لا يستشعره الآن، وإنما يستشعره في يوم القيامة، قال الله : ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨] أي: أذهبها وضيعها بسبب كفرهم وبعدهم عن الله ، وحبهم ما أسخط الله، ويكرهون رضوانه.
стр. 3696
تفسير قوله تعالى: (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم)
قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد:٢٩] أعرض عن هؤلاء وأضرب عنهم، أحسب الذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون ﴿أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد:٢٩] يعني: كل إنسان يبطن في قلبه الكره لهذا الدين، والكره لأهل الدين، فهل هذا يخفى على الله؟ وهل يتركه الله على ذلك؟ لا، فكل منافق لا بد وأن يفضحه الله مهما دخل مع الناس وصلى، وهو في قلبه يكره المسلمين والمصلين، ويكره الملتزمين، فتجد على فلتات لسانه ما يدل على الكره، وإن كان يصلي ويمسك المصحف وكذا، ولكن بدأ يفلت لسانه بالكره لكتاب الله، ولسنة النبي ﷺ ، وإن كان لا يقول: أنا أكره الكتاب السنة، فليس ممكناً أن يقول هذا الشيء، ولكن في لسانه التهكم والاستهزاء على أشياء صحيحة من دين الله سبحانه ﵎.
أم حسب هؤلاء المنافقون الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم؟ و (أضغانهم): جمع ضغن، والضغن: الحقد الدفين، فالشيء الذي يخبيه في قلبه لا بد وأن يظهر على فلتات لسانه، وقيل في المثل: (كل إناء بما فيه ينضح) فالذي يختبئ في الإناء سينضح في يوم من الأيام، كذلك الإنسان المنافق الذي يخفي البغض للإسلام المسلمين لا بد وأن يظهر ذلك على لسانه يوماً من الأيام.
стр. 3697
تفسير قوله تعالى: (ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم)
قال الله : ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد:٣٠] لو أردنا لكنا أريناهم لك، وعملنا عليهم علامات حتى تنظر إلى هذا المنافق بعلامته، ولو نشاء لفضحناه، ولكن الله حيي كريم ستير سبحانه ﵎، يستر على عباده، ولا يفضح إلا من يستحق ذلك، فستر على الكثيرين، وفضح البعض وجعلهم عبرة للآخرين.
قال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] سنعرفك بهؤلاء أو قد أشرنا إليك، فأنت الآن تعرف هؤلاء في لحن القول، وفي سقطات اللسان، وفي فحوى ما يقولون، فكانوا يقولون أمام النبي ﷺ بأشياء، وهو بطيبة قلبه صلوات الله وسلامه عليه، وحسن ظنه في الناس يقبل الكلام على ظاهره، فإذا بالله يحذره ويحذر المؤمنين أن يتشبهوا بالكفار، فلا تقلدوا هؤلاء في أقوالهم، فليس كلما قال الكفار شيئاً تقوموا مؤيدين لمثل هذا الشيء؛ لأنهم قد يقصدون خلاف ما يقولون.
وانظروا هنا إلى النبي ﷺ حيث يقولون له: (اسمع غير مسمع)، فيحملها النبي ﷺ بقلب طيب، وبحسن ظن أن المعنى اسمع منا، ولن تسمع ما تكره، وهذا هو الظاهر فيه، اسمع هذا الكلام الذي سنقوله لك، ما سنقول لك شيئاً يؤذيك ولا حاجة تضايقك، اسمع غير مسمع منا ما يؤذيك، لكن الحقيقة هم لا يقصدون ذلك، وإنما المراد: اسمع لا سمعت! كأنهم يقولون لإنسان: اذهب أذهب الله سمعك، فهذا هو معنى هذا الكلام الذي يقولونه لعنة الله عليهم، فيقول ربنا للمؤمنين: لا تقلدوا هؤلاء فيما يقولون، يأتي اليهود فيقولون: راعنا، فيأتي المنافقون ويقولون: راعنا، وهم يقصدون بها المعنى، وراعنا: كلمة عند اليهود معناها: أنت شرنا، فيأتي المؤمنون يقلدون هؤلاء فيقولون: يا رسول الله! راعنا، ولا يقصدون ما يقول هؤلاء الكلاب المجرمون، ولكن الله يحذرهم فقال تعالى: ﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ [البقرة:١٠٤]، فأتى بكلمة أخرى مكان هذه فقال: ﴿وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ [البقرة:١٠٤] وهو نفس المعنى، ولكن هؤلاء قصدوا شيئاً آخر بهذه الكلمة، فحذر الله المؤمنين، وبين للنبي ﷺ أنه سيعرفهم في لحن قولهم، وإنما مراد هؤلاء بكلامهم إرادة الأذى بك، ولا يريدون بك الخير، فعرفه الله بالمنافقين، فكان لا يصلي على المنافقين صلوات الله وسلامه عليه، وذكرهم لـ حذيفة فكان يلقب بصاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين، فكان حذيفة لا يصلي عليهم بعد وفاة النبي ﷺ ، إذا مات واحد من هؤلاء لا يصلي عليهم، وعمر كان لا يعرفهم، فكان ينظر فيمن يموت هل صلى عليه حذيفة؟! فلا يصلي عليه عمر حتى يصلي عليه حذيفة، فقد عرف أسماء البعض من المنافقين من النبي صلوات الله وسلامه عليه.
قال الله : ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٠].
نسأل الله العفو والعافية، في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3698
تفسير سورة محمد [٣١ - ٣٤]
الله يبتلي العباد ليميز الخبيث من الطيب، وهو يعلم ذلك من قبل أن يخلقهم، ولكنه سبحانه يظهر ذلك ويجعله علم شهادة، والكافر مهما عمل صالحاً لا يتقبل الله منه لكفره، والمؤمن قد يحبط عمله بمن أو عجب أو رياء أو سمعة أو غير ذلك.
стр. 3699
تفسير قوله تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة محمد ﷺ : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ * فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣١ - ٣٥].
في هذه الآيات يخبر الله عباده أنه يبتليهم، وهذا المعنى تكرر في القرآن، لما خلق الله هؤلاء الخلق، والكل يدعي أنه يعبد الله سبحانه، والكل يدعي أنه يحب الله سبحانه وأنه يتبع سبيل الله سبحانه، فاختبرهم الله وابتلاهم وامتحنهم، هل يتبعون طريقه وهم على الحق أم أنهم يدعون ما لا يعملون؟ فأنزل الكتاب وأرسل الرسل ودل على طريق الخير وكلف العباد، وأخبر أنه سيبتلي عباده، فقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، فالشر فتنة للعباد والخير فتنة للعباد، والتكاليف الشرعية ابتلاء للعباد وامتحان لهم، هل يسيرون على طريق الله سبحانه أم أنهم يتنكبون عن هذا الطريق ويعرضون عن الدين حين يرون التكاليف شاقة عليهم وصعبة عليهم؟ فقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [محمد:٣١] فعل مضارع في أوله اللام التي للتوكيد، وفي آخره النون المثقلة دليل على أنَّ هناك قسماً في هذه الجملة، والمعنى: والله لنبلونكم، فهذا واقع في جواب القسم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد:٣١] أي: إلى أن نعلم: ﴿الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١].
والله سبحانه قبل أن يخلق العباد قد علم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وكل شيء يعلمه الله ، ومن هم أصحاب الجنة، ومن هم أصحاب السعير، ومن يموت كبيراً، ومن يموت صغيراً، ومن يستحق كذا، ومن يستحق كذا، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] فالله يعلم كل شيء سبحانه.
هنا يقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد:٣١] أي: حتى نظهر علمنا ذلك، قد علمنا علم غيب والآن علم شهادة، وهو ظهور هذا الشيء الذي علمناه، ويقيناً سيكون ما علمناه عنكم، فالله هو الذي خلق العباد، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
فالله هو الذي خلقهم، ويعلم أن هؤلاء يستحقون الجنة فهم أهلها، ولذلك خلقهم ، وخلق العباد ويعلم ما يعملون سبحانه، ولكن يوم القيامة حين يقال للعباد: ادخلوا الجنة يقال لهم: عملتم كذا وعملتم كذا، فأنتم تستحقون الجنة، ادخلوا الجنة جزاءً بما كنتم تعملون.
إذاً: جزاءً من الله عطاءً حساباً، ولكن قبل ذلك هي رحمة رب العالمين ، وحين يقول: ادخلوا النار لن يقول: خلقتكم للنار، ولا يقول لهم: إني خلقتكم وأفضت من نوري ولم يأتكم شيء من نوري، ولكن يقول: جزاءً بما كنتم تعملون، ولا ينكر العباد مما عملوه شيئاً، إذاً: إدخالهم الجنة هو بأعمالهم وإن كان قبل ذلك برحمة رب العالمين سبحانه؛ لأن الأعمال لا تساوي أن تكون ثمناً لجنة الله سبحانه ولكنها سبب لدخول الجنة.
كذلك الأعمال سبب لدخول النار، استحقوا النار بأعمالهم، ولا يقدرون أن يعترضوا على الله يوم القيامة، فلا يقولون: يا ربنا أنت الذي فعلت بنا ذلك، أنت الذي قدرت ذلك، لا يقدرون لأنه يقول: هذه صحيفة أعمالك ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤].
وحين يكذب المنافقون ويقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣] يختم على أفواههم وتنطق جوارحهم بما كانوا يفعلون، فتعترف عليهم أعضاؤهم فيستحقون أشد العذاب والعياذ بالله.
إذاً: الله يعلم قبل أن يخلق العباد إلى أي طريق يسيرون عليه ويصيرون من أهله، ولكن: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد:٣١] أي: حتى نظهر علمنا، حتى يكون العلم الآن مشاهداً وعلم شهادة، حتى تروا وحتى يرى المؤمنون وحتى يرى الكفار ما يصنع هؤلاء.
فإذا جاءوا يوم القيامة شهد بعضهم على بعض، فلان كان يشرب الخمر، فلان كان يأكل خنزيراً، وفلان كان يفعل كذا، وفلان كان يفعل كذا، والعبد يعترف على نفسه: فعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا، فيقول الله: هل ظلمك كتبتي؟ هل ظلمك الحفظة؟ يقول: لا، أنا الذي فعلت هذا الشيء.
إذاً: أظهر الله ما كان خافياً من علمه في خلق هؤلاء، وأوجدهم فعملوا ما علم الله أنهم يعملون، فقوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد:٣١] أي: حتى نشاهد، فنشاهد ذلك ويظهر ذلك، فنرى أعمالكم، وكما علمناها غيباً نعلمها مشاهدة، ويعلمها المؤمنون وتعلمها الملائكة، ويشهد بعضهم على البعض.
قال تعالى: ﴿الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] أي: الذي يجاهد في سبيل الله والذي يجاهد في غير سبيل الله سبحانه، والذي يصبر على أمر الله، والذي لا يصبر على أمر الله.
إذاً: سنبلوكم بالتكاليف الشرعية: الصلاة، الصيام، الحج، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، نبلوكم بالجهاد في سبيل الله، وبالأشياء التي فيها كلفة وفيها شيء من المشقة حتى ننظر كيف تعملون.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [محمد:٣١] بنون العظمة ونون الجمع، قراءة الجمهور: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] بنون الجمع ونون العظمة تعبيراً عن عظمة رب العالمين سبحانه.
وقراءة شعبة عن عاصم: (وليبلونكم حتى يعلم المجاهدين منكم والصابرين ويبلوا أخباركم) بالياء المضارعة ضمير المتكلم، فالله يقول للغائب: (يبلوكم الله سبحانه)، فقوله: (وليبلونكم) أي: الله سبحانه.
وقراءة رويس عن يعقوب: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوُ أخباركم) فيقرأ للاستئناف هنا: (ونبلوُ أخباركم)، فعلى قراءة الجمهور: (ونبلوَ أخباركم) عطف على منصوب، وقراءة رُويس بدء بجملة جديدة، يعني: ولا يزال الله يبلوُ أخباركم سبحانه.
إذاً: المعنى هنا: سيمتحنكم الله ، وسيختبركم الله سبحانه بالتكاليف الشرعية حتى يظهر من الذي يجاهد نفسه ويجاهد هواه ويجاهد شيطانه ويجاهد المنافقين والكفار، ومن الذي يجاهد في سبيل الله، ومن الذي ينكص على عقبيه ولا يفعل ذلك، ومن الذي يصبر على المشاق وعلى التكاليف الشرعية وعلى أمر الله، ومن الذي لا يصبر على ذلك.
وقد قال الله في سورة العنكبوت: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣].
فالله يقول: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت:٢] كذا هملاً وسدى؟ لا، بل لابد أن نبلوكم وأن نفتنكم ونختبركم؛ حتى يظهر الجيد ويتميز من الرديء، قال: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] يعني: نظهر أعمالكم.
إذاً: (يبلوكم): يختبركم، (ونبلو) بمعنى: نظهر ونكشف ما بداخلكم من أسرار فتكون معلنة وتكون منظورة.
стр. 3700
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٣٢] الله الغني عن العباد، الله الغني عن المؤمنين وعن الكافرين وعن جميع خلقه ، فإن الله هو الغني الحميد، ويخبر هنا عن الكفار فيقول: ﴿كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى﴾ [محمد:٣٢].
أقام الله عليهم الحجة فعرفوا الطريق، وأن هذا طريق الله سبحانه فمضوا في الطريق الآخر، فطريق الله هذا في هذا الشق وهم في هذا الجانب، فشاقوا، والمشاقة: المعاندة والمحادة، ذهبوا إلى الناحية الثانية، فمعنى قوله تعالى: ﴿شَاقُّوا الرَّسُولَ﴾ [محمد:٣٢] من المشاققة، يشاقق الإنسان: يخاصم، يجدك أنت في جانب وهو يأخذ الجانب الآخر.
فهؤلاء ﴿شَاقُّوا الرَّسُولَ﴾ [محمد:٣٢] أي: عاندوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فكفروا بالله ومنعوا الناس من الدخول في سبيل الله وطريقه وهداه، ومنعوا النبي ﷺ والمؤمنين أن يبلغوا رسالة الله ، وصاروا أعداءً يتربصون برسول الله وبالمؤمنين وبدين الله وشاقوا الرسول.
قال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [محمد:٣٢] أي: هؤلاء لن يضروا الله شيئاً مهما عملوا.
وقوله تعالى: ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٣٢] فهم كفار كفروا وصدوا عن سبيل الله وعاندوا رسول الله ﷺ ، فهو كفر على كفر على كفر، وهؤلاء يحبط الله أعمالهم.
فلن يضروا الله شيئاً مهما اجتمعوا على دين الله سبحانه، فالله يأبى إلا أن يتم نوره ويظهر دينه وسيحبط أعمال هؤلاء، وكان الكفار يعملون أعمالاً هي في زعمهم أعمال صالحة، كانوا يحجون البيت وكانوا يطعمون الحجيج ويسقونهم وكانوا يفعلون أشياء من البر ومن الصلة ولكنهم يصدون عن سبيل الله.
فكانوا مع صدهم عن سبيل الله يظنون أنهم يعملون خيراً ويقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢] أي: نحن نعمل الخير، والله سيحبطه لهم، ولن ينتفعون به أبداً، ففي غزوة بدر كان من الكفار من يسمون بالمطعمين، يطعمون في يوم عشرة جمال أو تسعة جمال، فهذا الذي يدفع من ماله تسعة جمال من أجل أن يأكل جيش الكفار هو يفعل ذلك ظناً منه أنه يعمل طاعة؛ ولذلك كانوا يقولون: اللهم أقطعنا للرحم فأحنه اليوم، يعني هم في ظنهم أن الذي يعملونه ليس قطعاً للرحم، والنبي ﷺ يطلب منهم صلة الرحم، فيقولون: لسنا نحن الذين قطعنا الرحم، أنت الذي قطعت الرحم، فالكافر حين يفعل المعصية ويفعل الكفر يظن أن هذا هو الصواب؛ لأنه لا يريد أن يفكر، فحين يقال: أنتم قطعتم الرحم، قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] أي: راعوا المودة التي بيني وبينكم، واتركوني أبلغ رسالة الله.
يقولون: لا أنت الذي تقطع الأرحام، فقد أتيت بدين فرقت به بين الولد وأبيه، الولد صار مسلماً وأبوه بقي كافراً، فأنت الذي فرقت، وأنت الذي قطعت الأرحام.
ولذلك كان دعاؤهم يدل على غبائهم حين يدعون ويقولون: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال:٣٢] يطلبون من الله العذاب فيقولون: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال:٣٢].
فهذا دعاء في منتهى الغباء، لأن الإنسان يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأنزل علينا رحمة من عندك، فاهدنا إليه، فدلنا عليه، فخذ بأيدينا إليه، ولا يدعو بالعذاب لنفسه.
فأي عقول عند هؤلاء؟ يدعون بذلك وكأنهم في غاية اليقين، إذاً هم لا يريدون أن يفكروا في هذا الدين، وفيما جاء به النبي ﷺ ، وصدهم عن ذلك ومنعهم الحسد للنبي ﷺ والحقد عليه؛ لأنه جاءته الرسالة من عند رب العالمين، فلا يريدون أن ينظروا حتى ولو كانت النتيجة أن يكونوا هم القتلى، أو يكونوا هم المشردين، لكن لا يدخلون في هذا الدين! فقال الله : ﴿سَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٣٢] طالما أنهم ألغوا عقولهم فيستحقون من الله أشد العقوبة؛ لأن الله خلق العقل ليتفكر به الإنسان، وليهتدي به وليستدل به على ربه سبحانه، أما أنه يستغل عقله للمعاندة والمشاقة حتى ولو كان يعلم أن هذا هو الحق، ويدعو على نفسه بأنه يكون من المهلكين فيستحق ما سأل الله لنفسه.
стр. 3701
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] التحذير للمؤمنين أن يكونوا مثل هؤلاء الكفار، احذر أيها العبد المؤمن أن تحبط عملك فتستوي مع هذا الكافر، وإن كان هناك فرق بين المؤمن وبين الكافر.
فالكافر عمله كله محبط، والمؤمن لا يكون عمله كله محبطاً إلا بالكفر والردة عن دين الله سبحانه تعالى، فإذا كفر وارتد حبط العمل، فالله يحذر المؤمن، احذر أن تكفر، واحذر أن تشرك بالله، واحذر أن ترائي، واحذر أن تعجب بعملك، واحذر أن تزهو وأن تفاخر بعمل، وأن تكاثر بشيء فتفتخر به على خلق الله، واحذر أن تطلب الدنيا بعملك، واحذر أن تمن بعملك على دين الله ، فإنَّ هذه محبطات للعمل، والإنسان لا يعمل العمل لغير الله، أو رياءً وسمعةً وشركاً بالله ، فالله أغنى الأغنياء عن الشرك ولا يقبل منه هذا العمل.
وحين يعمل العمل ليزهو به فلا ثواب له في هذا العمل، وحين يعمل العمل ويكون عمله لله ثم بعد ذلك يمن به على الله ويمن به على المؤمنين أبطل عمله بذلك، فهذه أشياء تحبط عمل الإنسان، منها: الشرك بالله والكفر والردة، ومن هذه الأشياء: الغرور، والعجب بالعمل، وأن يمن بعمله على ربه .
فيحذر الله المؤمنين فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] أي: احذروا من أن تبطلوا أعمالكم، وقد جاء في حديث النبي ﷺ ذكر أشياء تحبط العمل، كالشرك الخفي، كأن يقوم ويصلي ثم ينظر إلى الناس، ويزين صلاته للناس وليس لله ، والإنسان يترك العمل الصالح بعدما كان يعمل، قال ﷺ : (إن الله لا يمل حتى تملوا) فالإنسان يعمل العمل فيكون له أجره، فإذا مل وترك ومن بهذا العمل أبطل هذا العمل وقضى عليه.
ويقول النبي ﷺ : (من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله)، ويقيناً أن هذا الذي حبط عمله ما حبط كل عمله؛ لأنه لم يكفر بالله إلا إذا تركها معتقداً أنها ليست واجبة، فهذا كفر بإنكار شيء معلوم من الدين بالضرورة، ولكن إذا تركها وهو قادر على أن يصليها لا عذر له في ذلك.
والنبي ﷺ قال: (ليس في النوم تفريط)، أي: الإنسان معذور إذا نام وفاتته الصلاة، (ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى) إذاً: لا يكون التفريط من الإنسان إلا إذا خرج وقت الصلاة وهو قادر على أن يصليها حتى انتهى وقت هذه الصلاة.
إذاً: ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من ضيع وقت الصلاة حتى انتهى وقتها، ومن فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله، فقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] أي: بمنٍّ وعجب وشرك وردة وغيرها.
стр. 3702
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد:٣٤] رحمة الله عظيمة، فيقول: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد:٣٤] فيها رحمة رب العالمين سبحانه، فالكافر الذي يصد عن سبيل الله ولا يزال على ذلك حتى قبيل الوفاة فيتوب إلى الله يغفر الله له.
فإذا كان كل حياته كافراً ويصد عن سبيل الله ويشاقق الرسول وفي النهاية تدركه الرحمة ويتوب إلى الله يغفر الله له، فقيد حبوط العمل بأن يموت على ذلك، وتخرج روح هذا الإنسان وهو على الكفر، هذا الذي لا يغفر الله له.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا﴾ [محمد:٣٤] يعني: استمروا على كفرهم حتى جاءهم الوفاة وهم كفار، قال تعالى: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد:٣٤] والغفر بمعنى: المحو والستر، فالله يغفر للمؤمنين، وفيها رحمة الله بالمؤمنين، فالمؤمن تحت مشيئة الله طالما أنه لم يقع في الكفر بالله سبحانه، ومات على الإيمان، فعسى الله أن يغفر له حتى ولو كان صاحب كبيرة.
فالله يغفر الذنوب، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، ففيها الرجاء في رحمة رب العالمين سبحانه لمن آمن، حتى وإن كان من أهل المعاصي، فكيف بمن آمن وكان من أهل الطاعات؟ فلا شك أن الله يغفر له ويدخله جنته، نسأل الله مغفرته وجنته إنه على كل شيء قدير.
أقولي قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3703
تفسير سورة محمد [٣٢ - ٣٦]
لقد أمرنا الله بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وألا نبطل أعمالنا بما يحبطها من الشرك والرياء، وأمرنا بالحفاظ على القوة وعدم الضعف والخور أمام الأعداء بالدعوة إلى السلم والاستسلام، وأخبر أن سبب الضعف هو حب الدنيا والركون إليها، والاغترار بها ونسيان الآخرة وما عند الله من الحسنى.
стр. 3704
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في آخر سورة محمد ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ * فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ * إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ * هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣ - ٣٨].
هذه الآيات الكريمة من آخر سورة محمد ﷺ وهي سورة القتال - يخبرنا الله سبحانه ﵎ فيها عن حال الكفار، وعن حال المؤمنين.
الكفار الذين يصدون عن سبيل الله ويشاقون الرسول صلوات الله وسلامه عليه لا يقدرون على شيء إلا بما يشاء الله سبحانه ﵎.
الله خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن، ولو شاء لم يخلق الكفار أصلاً، ولكن أراد أن يبتلي العباد بعضهم ببعض، ليبلوكم حتى يميز الخبيث من الطيب.
فالذين كفروا بالله، وبرسل الله عليهم الصلاة والسلام، وصدوا عن سبيل الله، ومنعوا من يدعو إلى الله ومنعوا الرسول من تبليغ رسالة ربهم، شاقوا الرسول ﵊، وعاندوه، ومنعوه أن يدعو إلى ربه سبحانه من بعد ما تبين لهم الهدى، فليس لهم عذر عند الله سبحانه، فقد عرفوا الحق وأقام الله عليهم الحجة، فهؤلاء مهما عملوا لن يضروا الله شيئاً.
قد يصاب المؤمنون بأذى من هؤلاء، أما أن يؤذوا ويصيبوا ربهم سبحانه بالضرر فهذا مستحيل، والله القوي العزيز، والقاهر الغالب الجبار سبحانه ﵎.
﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٣٢] إذاً: أعمالهم يجعلها هباء منثوراً مهما كادوا لدين الله، فيأبى الله إلا أن يظهر دينه، ولن يضروا إلا أنفسهم، وكذا كل إنسان كافر فاجر عاص ضرره على نفسه.
الحياة الدنيا حياة قصيرة، فمهما ضروا المؤمنين فيها إما أن هذا الضرر يزيله الله ، وإما أن يذهب هذا الكافر ويقتله الله سبحانه، وإما أن يموت المؤمن ويرجع إلى ثواب الله .
فالضرر لن يدوم الدهر أبداً، ولكن الذي يدوم هو عذاب الله وناره، وثواب الله وجنته سبحانه، فلذلك مهما يكون من ضرر على المؤمنين في الدنيا فليس ضرراً دائماً أبداً.
ولذلك أخبر أن هؤلاء سيحبط أعمالهم التي عملوها، هم يكيدون للإسلام والمسلمين والله يأبى إلا أن يتم نوره.
فمهما كادوا أحبط الله عملهم، ومهما عملوا من أعمال في ظنهم أنها أعمال صالحة إذا جاءوا يوم القيامة أحبطها الله ولم يؤجروا عليها؛ لأنهم كفروا بالله وكذبوا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
أما المؤمنون فيعلمهم الله سبحانه ﵎ أن يطيعوا الله، وأن يطيعوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ويحذرهم أن يبطلوا أعمالهم.
فالمؤمن عمله يتقرب به إلى الله، والله يعطيه الأجر المضاعف الحسنة بعشرة أمثالها، ويضاعف الله لمن يشاء أضعافاً كثيرة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] لا تكونوا كهؤلاء الكفار الذين أحبطنا لهم أعمالهم بكفرهم، وبصدهم عن سبيل الله.
فاحذر أيها العبد المؤمن أن تقع في الشرك بالله أن تقع في الصد عن سبيل الله أن تعجب بعملك أن تفتخر به أن تمن على الله بما عملت وإلا حبط عملك بذلك، إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان صالحاً وله خالصاً سبحانه.
ولذلك كان يكثر النبي ﷺ في دعائه أن يدعو: (يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك).
ويقولون للنبي ﷺ : (ما أكثر ما تدعو بذلك! فيقول: إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) سبحانه ﵎.
كذلك المؤمن يحتاج أن يثبت على دين الله ، ولا يكون ذلك إلا في أن يتصل بربه سبحانه بصلاته بعبادته بدعائه بتوحيده ربه سبحانه ﵎ بأمره بالمعروف بنهيه عن المنكر بطاعته لله بطاعته لرسول الله ﷺ بحبه لدين الله بالدعوة إلى هذا الدين العظيم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [محمد:٣٣] أطيعوا الله سبحانه، ومن طاعتكم لله طاعتكم للرسول ﷺ ، فلم يأت بشيء من عند نفسه وإنما ينطق بوحي من الله سبحانه.
﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] احذروا، فلما قدم أن الكفار يحبط الله أعمالهم بكفرهم وشركهم كأنه تحذير للمؤمن أن يرتد عن دين الله سبحانه، وأن يقع في الشرك، وكان النبي ﷺ يدعو ربه: (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه).
وحاشا للنبي ﷺ أن يقع في الشرك، ولكنه يعلم المؤمنين أن يقولوا ذلك، وأن المؤمن يثبت على توحيد الله ، فلو وقع في الشرك الأكبر أو الأصغر أو وقع في الشرك الخفي أحبط الله ما يكون فيه شرك من عمله، فحذر الله المؤمنين من أن يحبطوا عملهم.
стр. 3705
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد:٣٤]، الكافر الذي يصد عن سبيل الله، قد يكون هناك كافر ولكن ما يصد، هو في حاله وأنا في حالي، الصد إما صد للغير وإما صد للنفس، فتقول له: اسمع كلام الله يقول لك: ما أريد، هذا صد، منع كلام الله أن يستمع إليه، وأن يصغي إليه، وأن يتدبره، وأن يفهمه.
فإن صد غيره كانت المصيبة أعظم، فالذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، صدوا أنفسهم وصدوا غيرهم، ومنعوا الرسل من تبليغ رسالات ربهم، ومنعوا الدعاة أن يدعوا إلى ربهم.
(ثم ماتوا وهم كفار) أي: على الصد عن سبيل الله (فلن يغفر الله لهم) مصيبتهم مصيبة الذي لا يغفر الله له، فلا ينتظر من الله إلا العذاب الأليم، وإلا النار والجحيم.
стр. 3706
تفسير قوله تعالى: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون)
يطمئن الله المؤمنين فيقول: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥].
فيها إخبار أن المؤمن لا بد أن يكون قوياً، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] لا تركن إلى الضعف، لا تكن ضعيفاً، قال ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك ولا تعجز، إن أصابك شيء لا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل).
فيعلم الله المؤمن أن اثبت على دينك اعتصم بالله سبحانه ﵎ احذر من العجز لا تعجز أعد لكل أمر العدة التي تكون له ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]، ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم.
فكلما كان المؤمنون أقوياء خاف منهم الأعداء، لا يخاف العدو من مؤمن مسالم، يقول: نحن في أمن وسلام، ونحن نريد الصلح مع الجميع، الكافر لا يفعل ذلك، لو فكر المسلمون هل الكفار في أمريكا وفي أوروبا وفي غيرها يدعون إلى السلام؟ لو كانوا كذلك ما صنعوا السلاح النووي والمسابقات في حرب النجوم من أجل الصعود إلى الفضاء والسيطرة على الكون، فمن لا يفهم هذا الأمر فهو جاهل.
فالكافر يعيبك ويعيرك بالشيء الذي يفعله هو، فيمدح نفسه به ويذمك أنت عليه، أنت تريد أن تصنع السلاح النووي؟ ماذا تريد أن تفعل بهذا الشيء؟ فإن قيل: أنت عندك نفس هذا الأمر! يقول لك: لا، أنا أعقل منك، أنا في يدي هذا الشيء، لكن أنت حكمك أنك طفل، فممكن أن تلعب بها فتحرقك أما نحن فكبار! ولذلك يفتخر الأمريكيون المدنيون ويقولون: نحن أطول الناس قامة! ما معنى هذا الكلام من هؤلاء؟ نحن أطول الناس قامة أي: ننظر إلى قدام نحن أطول منكم نظراً، والطويل في وسط الناس ينظر قدامه، لكن أنتم صغار لا تنظرون إلى الذين قدامكم، فأنتم تمنعون عن الرؤية، هذا كلامهم.
يستغفلون العرب والمسلمين ويخدعونهم، ويضحكون عليهم بمثل هذا الكلام، ولا يكون معكم سلاح أبداً، نترك لكم إسرائيل في النصف معها كل الأسلحة، والدفاعات التابعة لكم دفاعات قليلة لأجل ألا تفكروا في يوم من الأيام أن تقاتلوها أو تعملوا فيها شيئاً.
انظر إلى الضعف الذي فيه المسلمون! لقد قال النبي ﷺ : (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أمن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: لا، بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل).
والغثاء: الزبالة، السيل عندما يجري يأخذ الزبالة فتتفوق على السيل الذي يحصل في أي مكان، انظر إلى السيل الذي كان في أندونيسيا، الغثاء كان فوقه فيقول: أنتم غثاء وعدد كثير، ولكن مثل هذه الزبالات التي تكون فوق الماء حين يجرفها، فلا قيمة لها ولا تصنع شيئاً.
(وليقذفن الله في قلوبكم الوهن حب الدنيا وبغض الموت).
المسلمون يتكلمون: نحن مسالمون مثل العجائز والشيوخ الكبار الذين ما لهم حاجة يقولون: دافعوا أنتم عنا واعملوا أنتم ما تشاءون!
стр. 3707
النهي عن الوهن والضعف
الله يقول: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ [محمد:٣٥] لماذا تضعف نفسك؟! نحن نقول لكم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، كونوا أقوياء، و (ما) من ألفاظ العموم، يعني: كل شيء تستطيعونه من أسباب القوة أعدوه؛ لأن الكافر لن يسكت عليك، أنت تقرأ في كتاب الله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] فتوجعه بهذا الكلمة، لكن طالما المؤمن قوي لا يتكلم، طالما المؤمن ضعيف، يرفع الكافر صوته على المؤمنين: أنتم تقولون كذا، أنتم تعملون كذا، الكلام الذي لم تكن تسمعه أبداً مباشرة تسمعه عندما ضعف المسلمون، وتقوى الكفار بعضهم ببعض، يقول الله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣].
ويقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] أين الولاية؟ ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١] الولاية التي بين المؤمنين هي: الولاء والبراء، المؤمن يحب المؤمن وينصره ويدافع عنه، والكافر كذلك مع الكافر، وإن لم تكن هناك محبة قلبية منهم، والذي يجمعهم هو الدنيا فقط، والله يقول: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤] يجتمعون عليه ﷺ .
﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة:٨] يقول لك كلاماً طيباً جميلاً بلسانه فقط، أما ما في القلوب فهم يبغضون الإسلام والمسلمين، ويفعلون ما يقدرون عليه؛ حتى يوهنوا المسلمين فلا يقدرون أن يدعوا إلى الله سبحانه ﵎.
فهم يحاولون أن يبثوا الفرقة والخلاف بين المسلمين، ويسارعون للإفساد والدخل بين المؤمنين، فإذا أنت حرصت على نفسك فهذا مستحيل أن يكون.
﴿فَلا تَهِنُوا﴾ [محمد:٣٥] هذا أمر الله للمؤمن: لا تعجز لا تهنوا لا يكن في قلوبكم الوهن والضعف.
﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [محمد:٣٥] أنت الأعلى عند الله ، أنت المؤمن، أنت الذي يعد الله لك الجنة لماذا تكون ضعيفاً في هذه الدنيا؟! لماذا أنت تضحك على نفسك وتخدعها وتقول: أنا لا أقدر على هؤلاء؟ لقد كان النبي ﷺ لوحده، فلو أن الإنسان بعقله البشري فكر فإن النبي صلوات الله وسلامه عليه كان لوحده أمام هذا الجمع من الكفار، ويقدر عليهم بقدرة الله، لم لا تعتبرون بذلك من أن الله كان مع النبي ﷺ حتى بلغ رسالة الله سبحانه؟! وكم أوذي في الله سبحانه ﵎ وصلوات الله وسلامه عليه فصبر حتى بلغ رسالة الله ! كم جاهد المؤمنون ودافعوا عن دين الله حتى وصل الدين إلى مشارق الأرض ومغاربها، فيقول لنا ربنا: لا تهنوا، لا تعجزوا، لا تضعفوا.
﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ [محمد:٣٥] هذه فيها قراءتان: قراءة الجمهور بالفتح (وتدعوا إلى السَّلمِ) وقراءة شعبة عن عاصم وحمزة وخلف (وتدعوا إلى السِّلمِ) أي: المسالمة، وهما بمعنى واحد السلم هو الاستسلام، لا تدعوا إلى ذلك وأنتم ضعفاء، ولكن كونوا أقوياء حتى لا تتحكم فيكم الدنيا وأصحاب الكفر.
стр. 3708
المؤمنون هم الأعلون
قال: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد:٣٥] يذكر الله المؤمن فيقول له: جعلناك أنت الأعلى وأنا معك، ولذا قال لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام ذهبا إلى فرعون يدعوانه إلى الله ؛ لأنه قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] قال الله ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٣ - ٤٤]، ذكراه لعله يخشى ويرجع عما يقوله.
﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ﴾ [طه:٤٥] الخوف جبلي في الإنسان ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا﴾ [طه:٤٥ - ٤٦] لماذا لا تخافا؟ ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] أنا معكما بسمعي وبصري، معكما بقوتي وقدرتي؛ فلا تخافا.
﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد:٣٥] فالمعية ليست لموسى وهارون فقط، وليست للنبي ﷺ فقط، ولكن لكل المؤمنين، الله مع المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، فاتقوا ربكم يكن ربكم معكم.
قال: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ﴾ [محمد:٣٥] أي: لن ينقصكم شيئاً من ثواب أعمالكم، ولن يضيع الله عليكم ثواب ما عملتم، مهما عملتم من عمل قليلاً كان أو كثيراً، صغيراً في نظركم أو كبيراً، كله عند الله يدخره لكم ويعطيكم الثواب عليه.
﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ﴾ [محمد:٣٥] هذه مأخوذة من الوتر بمعنى: الواحد، والوتر بمعنى: الانفراد كأنه يقول: لن يفردكم عن أعمالكم، كأن إنساناً أفرد الإنسان عن صديقه، أخذ صديقه بعيداً وتركك أنت في مكان آخر، كذلك لن يترك ثوابك، لن يأخذ الثواب ليضيعه ويتركك أنت لوحدك من غير ثواب، لا، الثواب لك عند الله .
﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥] أي: لن ينقصكم من ثواب أعمالكم.
стр. 3709
تفسير قوله تعالى: (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو)
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد:٣٦] هذه هي الدنيا التي يذكرك الله دائماً بها، ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور، الإنسان الذي يغتر بالدنيا كم يعجب بنفسه وكم يغتر بها ويذهب منه هذا الذي يغتر به ويعجب به! كذلك الدنيا متاع يغتر بها أصحابها ولا تدوم لأحد أبداً.
﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد:٣٦] المعنى: كم ترى من إنسان جاد في تحصيل هذه الدنيا، وفي النهاية ماذا سيعمل بهذه الأشياء؟ يتركها كلها كأنه كان يلعب، أخذت ما أكلت ما شربت ما نمت عليه أخذت حاجاتك وضرورياتك، والباقي ستتركه كأنك تلعب في أخذ هذا الباقي من الأشياء، فإذا كان الإنسان يجمع الدنيا ويضيع دينه يصير هذا من اللعب، أخذ أشياء لن تمكث معه، وترك الشيء الباقي الذي يدوم له! فضيع على نفسه أفضل الأشياء وأعظمها الدار الآخرة.
﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد:٣٦] فالذي يلعب ويلهو يفوته قطار الآخرة، كإنسان واقف على محطة ينتظر القطار، فشغل بأشياء هذا يبيع منه كذا، وهذا يعطيه كلمة حلوة، وهذا أصغى إليهم ونظر إليهم يضحك ويلعب، فمر القطار وتجاوزه، كذلك عمر الإنسان يضيعه في الضحك واللعب واللهو وأخذ الدنيا، وغداً أتوب وأصلي وحين يرتفع الراتب أذهب إلى الجامع، وأصير أدعو الله في كذا، وهكذا يوم وراء يوم حتى خرج من الدنيا كلها إلى حسابه وجزائه عند الله ! ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٦].
نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3710
تفسير سورة محمد [٣٦ - ٣٨]
يحث الله تعالى عباده المؤمنين على الصدقة والإنفاق في سبيله ، ومن أسباب نصر هذا الدين تضحية أهله ببذل المال والأرواح رخيصة في سبيل الله، وقد حذر الله من البخل، وأخبر أن من تولى فلا يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئاً، وسيستبدل قوماً آخرين يعبدونه وينصرون دينه، ويعلون كلمته .
стр. 3711
تفسير قوله تعالى: (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في آخر سورة محمد ﷺ : ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ * هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٦ - ٣٨].
هذه الآيات الأخيرة من سورة محمد ﷺ وهي سورة القتال، يقول الله فيها ويخبر عن هذه الحياة الدنيا التي يستعذبها الإنسان، ويستحلي أن يعيش فيها، ويطلب أن يعمر فيها عمراً طويلاً، فيبين لنا حقيقة هذه الدنيا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد:٣٦] الآخرة: هي الحيوان والحياة الحقيقية، ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣] أي: العاقبة الحسنة، فهم لم يطلبوا الدنيا للعب، ولا للهو، ولا للبغي، ولا للفساد، ولا للاستكبار، ولا ليحصلوها، لم يريدوا ذلك، وإنما أرادوا أن يرضوا ربهم سبحانه، فمن طلب الدنيا للدنيا فهذا طالب لهو ولغو ولعب: ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد:٣٦].
أما الذي يطلب الآخرة فلن يلعب في الدنيا، ولن يلهو فيها، وإنما يستعد للآخرة، يستعد للقاء الله سبحانه ﵎، يستعد للجزاء والحساب، فلذلك هو يؤمن ويتقي ربه سبحانه، وينتظر الأجر العظيم من الله.
قال الله : ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٦]، هل حصلت المال في الدنيا لتنتفع به في الدنيا؟! ولتبغي به في الدنيا ولتفسد ولتتعالى على غيرك وتزهو في الدنيا؟! لا ليس كذلك، فالحياة الدنيا متاع قليل، ثم بعد فترة يزول وتترك ما حصلت فيها، فاحذر من أن تعيش في هذه الدنيا لاعباً كسلاناً، مؤخراً عمل اليوم إلى الغد، وترجو أنه يغفر لك من غير عمل، فهنا الحياة الدنيا لعب ولهو لمن أراد الدنيا للدنيا، ولكن المؤمن التقي ينشغل في هذه الحياة الدنيا ليله ونهاره عبادة لله سبحانه ﵎، فيعبد ربه في قيامه كما يعبده في نومه، ويعبد ربه في عمله كما يعبده في أكله وشربه، ويعبد ربه في قضاء شهوته، فحياته كلها عبادة.
قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].
стр. 3712
فتنة المال
وجاء في حديث النبي ﷺ الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها) يخاف النبي ﷺ على أصحابه بعد ما كانوا فقراء يعبدون الله ما يفتح الله عليهم من زهرة الدنيا وزينتها، فقال رجل للنبي ﷺ : (أويأتي الخير بالشر؟!) يعني: الفتح الذي يفتحه الله علينا هذا خير، ومغانم نأخذها فيها خير، وزهرة الدنيا نحصل عليها خير، فهل هذا الخير يأتي بالشر؟ فقال النبي ﷺ : (إنه لا يأتي الخير بالشر)، وهذا الجواب وقع بعد ما نزل عليه الوحي من السماء، فلم يجب السائل حتى نزل الوحي، فأجاب ﷺ : (إنه لا يأتي الخير بالشر، وإن مما ينبت الربيع يقتل خبطاً أو يلم إلا آكلة الخضر) يريد النبي ﷺ أن يضرب المثال للدنيا فيمن ينكب على الدنيا يريد أن يحصلها جميعها، هذا المثال الذي يذكره النبي صلوات الله وسلامه عليه: (إن مما ينبت الربيع يقتل خبطاً أو يلم) الربيع هو جدول الماء ينبت على حافته أعشاب ونبات وبقول، وتأتي الحيوانات التي تأكل هذا العشب، فمن البهائم ما يستحلي هذا النبات فيأكل كثيراً حتى يشارف على الهلاك من كثرة الامتلاء، قال: (إلا آكلة الخضر) بقرة ذهبت فأكلت ما استطاعت ثم جلست كما قال النبي ﷺ : (حتى إذا امتدت خاصرتها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ورتعت) بقرة من الأبقار ذهبت فأكلت، وبعدما أكلت استقبلت الشمس فخرج منها العرق والبول، ثم ثلطت وقامت وتحركت شمالاً ويميناً لتهضم هذا الذي بداخلها، فلم يقتلها ما أكلته، ولكن البهيمة التي تأكل ولا تعمل شيئاً، وتهتم بأن تأكل في النهاية يقتلها ذلك خبطاً أو يكاد أن يقتلها إلا أن يدركها صاحبها.
قال النبي ﷺ : (وإن هذا المال خضرة حلوة)، كهذه البقول التي تخرج من الأرض، وكهذه الخضروات التي تخرج من الأرض، لكن المسلم سيكون المال خيراً له: (ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل)، أو كما قال ﷺ (وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيداً يوم القيامة) هذا المال الذي يريد الإنسان أن يحصله: إما أن يحصله للخير ليعبد الله به، ويعطي الحق لأصحابه، وينفق على أهله وعياله من طول، وعلى المسكين واليتيم وابن السبيل، فيخرج من المال ما يطهر به هذا المال، فهذا الذي ينتفع به العبد يوم القيامة.
ولكن الذي يجمع المال من حل وحرام، وينفق المال في حل وحرام، فهذا كالذي يأكل ولا يشبع، حتى إذا امتلأ في النهاية مات من التخمة، ويأتي المال يوم القيامة ليكون شهيداً على صاحبه، فهذا الذي يلعب في الدنيا ويلهو ويجمع المال للعبث، يكون المال شهيداً عليه يوم القيامة، فالحياة الدنيا إذا استغلها العبد لطاعة الله في كل لحظة كانت عظيمة عند الله.
وجاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها) غدوة في الصباح تذهب مطيعاً لله فيها، مجاهداً في سبيل الله سبحانه ﵎، أو روحة في سبيل الله، في المساء، فهذه خير من الدنيا جميعها.
стр. 3713
الدنيا ملعونة
روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ألا إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالم ومتعلم).
فهذه الدنيا كل ما فيها بعيد من رحمة الله، وكأن الدنيا مليئة بالمصائب، وبالعبث واللهو، ومليئة بكل ما يلهي الإنسان عما عند الله سبحانه ﵎، إلا أن يجعل الإنسان أمامه نوراً من الله سبحانه ﵎، من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها، يعني: كل ما فيها يبعد عن طاعة الله سبحانه، إلا أن تتشبث بذكر الله ، ويكون لسانك ذاكراً لله ، قال ﷺ : (إلا ذكر الله وما والاه)، وما يتبع ذلك من ذكر الله كالصلاة والزكاة والصيام، فتذكر الله وتصوم ما فرضه الله عليك، وتعمل ما سنه لك النبي ﷺ ، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
كذلك العالم والمتعلم، فيكون الإنسان عالماً يعلم غيره، ويكون متعلماً يستفيد من غيره، وغير ذلك كله بعد عن طاعة الله، لو تأملت في ذلك ونظرت في حقيقة ما يقوله النبي ﷺ عندما يجيء الإنسان يقول: هم ثلاثة فقط، والباقي كله بعيد عن رحمة الله ؟! فستجد أنهم الثلاثة فقط الذين ذكر النبي ﷺ ، والباقي بعيد عن الله .
كيف تعرف ربك إن لم تكن عالماً أو متعلماً؟! وكيف تعرف دين الله إن لم تكن عالماً أو متعلماً؟! وكيف تطيع الله سبحانه ﵎؟! وبأي شيء تعبده إن لم تكن عالماً أو متعلماً؟! فلذلك كل من بعد عن ذلك فليس بعالم ولا متعلماً، فكيف سيعرف هذا العبادة والمعاملة؟ وكيف سيقيم شرع الله وهو لم يتعلم ولا هو من أهل العلم، ولا هو طائف على موائدهم؟! فغير هؤلاء يكون بعيداً عن طاعة الله ، ويتكلم فيما لا يعنيه، ويهرف بما لا يعرف، ويتكلم في الدين وفي غير الدين بعقله وهواه، فيغويه الشيطان ويتبع هواه فيكون من أصحاب النار والعياذ بالله!
стр. 3714
الحث على ذكر الله
جاء في حديث معاذ ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أحب الأعمال إلى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله)، وفي رواية في هذا الحديث من حديث عبد الله بن بسر ﵁ (خير العمل أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله)، خير العمل أنك تكثر من ذكر الله، فذكر الله أكبر من كل شيء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥].
فالإنسان يصلي الخمس الصلوات في اليوم والليلة، ويصلي رواتبها، ويذكر الله، فهو ما بين صلاة وصلاة في ذكر لله ، فلا ينسى ربه أبداً، ولا ينسى طاعة الله سبحانه، ويستحيل أن تتخيل إنساناً ذاكراً لله وهو تارك للصلاة لا يصلي، أو ذاكراً لله وهو تارك للصوم والعبادة، فهذا مستحيل، ولكن قد يكون الإنسان يصلي وقت الصلاة وفي غير وقت الصلاة مشغول بهذه الدنيا، فلذلك قال الله : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥].
ذكر الله أعظم من الصلاة؛ لأن الذاكر لله يصلي ويذكر الله فيقول النبي ﷺ : (خير العمل أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله).
стр. 3715
الحث على الإيمان والتقوى والنفقة
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ [محمد:٣٦] أي: تؤمنوا بالله وبما جاء من عند الله، فتؤمن تصدق وتعمل، وتتقي ما يغضب الله ، فالإيمان يدفع العبد للعمل، والتقوى تدفع العبد إلى ترك ما يغضب الله سبحانه ﵎، فإذا فعلت ذلك يؤتك الله الأجر.
قال تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٦] يعني: لم يسألكم الله جميع أموالكم، فالله سبحانه ﵎ كريم، فحين يفرض الله عليك زكاة مالك شيئاً يسيراً، فستتمتع بسبعة وتسعين ونصف في المائة من مالك، وادفع لله اثنين ونصف في المائة من مالك، فهذه هي الزكاة التي يفرضها الله ، فهي نسبة يسيرة جداً من مالك.
وإذا كان لديك زروع وثمار تسقيها بتعبك، فتشتري الماء وتسقي الزرع، فستخرج نصف العشر مما تخرجه الأرض، وإذا كان الماء من السماء من غير تعب منك فتخرج العشر منها، وتستمتع بالتسعة الأعشار، والعشر لله سبحانه ﵎، فهذا العشر هو الذي يطهر لك باقي المال.
وإذا حفر الإنسان في الأرض فخرج وعاء ذهب أو فضة من غير تعب منه فهذا يعتبر ركازاً من دفن الجاهلية، فيجب عليك فيه الخمس، مقدار عشرين في المائة؛ لأنك لم تتعب أصلاً، فإذا زاد التعب قلت الزكاة وخفت، فالله ليس بطامع في المال الذي عندك كما تفعل الحكومات مع الناس، حيث وضعوا ضرائب على الناس، فيأتي عامل الضرائب يقول للناس: سنخفف عليك والآخر يضع عليه ضرائب أكثر، ويرفض منه، ويجعل له المقيدات، فالدين لا يفعل ذلك أبداً بالإنسان، قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، الإنسان عندما يؤمر بالنفقة يبخل، فالدين يجعل الإنسان يدفع، ولو كل مؤمن على الأرض دفع زكاة ماله لما بقي فقير أبداً، وزكاة المال كثيرة جداً، فهي اثنين ونصف في المائة، وكل إنسان يرغب فيما عند الله، ويرهب من عذاب الله فيدفع المال، ولو أن الحكومات ترشد إنفاق هذا المال على الوجوه التي ترضي الله لكانت البركة في الأرض، فالإنسان يدفع الزكاة وهو راض، وقد يدفع أكثر مما يطلب من أجل الله، ويصرف أكثر من النسبة المطلوبة؛ لأنه ينوي الأجر من الله، لا ينفق لأنه مجبر على ذلك، وليس كالضرائب ولسان حال أحدهم: أنا يأخذ مني أكثر، والثاني يأخذ منه أقل، وفلان المليونير لا يدفع شيئاً وفلان له محسوبية! الدين ليس فيه هذا الشيء، الناس كلهم سواسية، فعندما يطبق شرع الله تجد الإنسان مسروراً في دفع الشيء؛ لأنه يصدق فيما يقول.
وكان عثمان ﵁ يقول للناس: هذا شهر زكاة مالكم، فلينظر الإنسان ما عليه من الدين، ثم يدفع ما عليه من زكاة المال فلا يصدق أحد ويقول: أنا علي ديون كذا، والمال الذي عندي كله دين، وأنا عندي عشرة آلاف لكن غالبه دين والذي يأتي إليه يصدقه فيما يقول، فلا يلزمه ويقول: زك مالك وإلا سندخلك السجن ونعمل فيك هذا، هذه أشياء الشريعة لا تأتي بمثلها أبداً، ولذلك ربنا يقول لنا: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ﴾ [محمد:٣٧]، فالله سبحانه يحثنا ويأمرنا بدفع الزكاة وإذا بنا نبخل ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد:٣٧] وكأنها طبيعة في الإنسان يقال له: هات أكثر فيقول: لا ما أدفع أكثر من هذا الشيء، فيتعلم الإنسان أنه لا يرهق أخاه، الله سبحانه يخفف والإنسان يشدد على غيره ليدفع أكثر فالله سبحانه ﵎ أعلم بنفوس الخلق: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٦] يعني: لا يسألكم جميع أموالكم، وإنما هي نسبة بسيطة من المال يطهر بها لكم أموالكم، ويأخذ الفقراء نصيبهم الذي عندكم، ولم يسألكم المال كله.
следующие страницы →