Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
حديث عوف بن مالك في بيان بعض علامات الساعة الصغرى
عن عوف بن مالك عن النبي ﷺ كما في صحيح البخاري - يقول: (أعدد ستاً بين يدي الساعة: موت النبي ﷺ ، ثم فتح بيت المقدس -وقد حصل في زمن عمر ﵁ ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم) يعني: أنه يحدث فيكم أوبئة، فيموت فيكم أعداد ضخمة جداً من الناس، وهذا حدث في عصور كثيرة قبل ذلك، فالله أعلم أي عصر يقصده النبي ﷺ ، ولكن يخبر أنه ستكون في بلاد المسلمين أوبئة يموت بسببها الأعداد الضخمة من الناس.
يقول: (ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار، فيظل ساخطاً)، يخبر أنه يصبح الناس في يوم من الأيام أغنياء، فيعطي الرجل مائة دينار يعني: نصف كيلو ذهب: أربعمائة وخمسة وعشرون جراماً من الذهب تقريباً، فيسخط ويريد أكثر من ذلك، ولا يرضى بهذا المال.
ويقول النبي ﷺ : (ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته) أي: معاصٍ وذنوب تدخل جميع البيوت، ما من بيت من البيوت إلا وتجد فيه فتنة من الفتن، في النساء وفي الرجال وفي المال وغير ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول ﷺ : (ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر) أي: بينكم وبين الغرب، بينكم وبين الكفار تكون هدنة، فيغدرون ويدخلون بلادكم، قال: (ويأتونكم تحت ثمانين راية) أي: تحت ثمانين لواء، (تحت كل راية اثنا عشر ألفاً) يعني: ستأتيكم جيوش ضخمة من هؤلاء الكفار على بلادكم، يصل عددهم إلى نحو مليون، حوالي تسعمائة وستين ألف مقاتل، ويسمونها جيوش الأحلاف، هؤلاء الكفار يدخلون على المسلمين في بلادهم، فيحذرنا النبي ﷺ من هؤلاء، هذه بعض علامات الساعة التي ذكرها النبي ﷺ .
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3642
تفسير سورة محمد الآية [١٨]
لقد أخبر النبي ﷺ عن ظهور علامات صغرى وكبرى قبل قيام الساعة، وأخبر ﵊ أن الناس عند اقتراب الساعة ورؤيتهم لعلاماتها لا يزدادون على الدنيا إلا حرصاً، ولا من الله إلا بعداً، فينبغي على المسلم أن يشتد حذره وخوفه من الله، وعندما يشاهد هذه العلامات يزداد حرصاً على الآخرة، ويزداد إقبالاً على الطاعة.
стр. 3643
تفسير قوله تعالى: (فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
وقفنا في سورة محمد ﷺ عند قول الله : ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد:١٨].
يخبر الله أن الساعة قريب، وقد ذكر الله ذلك في كتابه، قال سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات:٤٢ - ٤٣]، علم الساعة عند الله ففيم أنت من ذكر هذه الساعة؟ ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ [النازعات:٤٤] أي: منتهى علم هذه الساعة إليه سبحانه، فهو الذي يعلم منتهى هذه الساعة وما يكون فيها، وأخبر أن الساعة قريب، وأنها إذا جاءت أذن الله أنه لابد أن تكون، فأخبر بقوله: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب:٦٣] وأخبر الله سبحانه ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١] أي: قد أمر الله وقد كان من أمر الساعة ما يريده الله سبحانه، فلابد أن تكون.
قال سبحانه هنا: ((فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا)) أي: جاءت العلامات الصغرى للساعة، وتليها بعد ذلك العلامات الكبرى للساعة، ومن العلامات الصغرى ما ذكرناه قبل ذلك.
ورد حديث للنبي ﷺ يخبرنا فيه أن الساعة قريبة، ومع ذلك الناس ليس على بالهم أمر الساعة، فروى الإمام الحاكم من حديث ابن مسعود ﵁ وأيضاً رواه الطبراني قال النبي ﷺ : (اقتربت الساعة ولا يزداد الناس على الدنيا إلا حرصاً، ولا يزدادون من الله إلا بعداً) يعني: كلما جاءت أشراط الساعة لم يتعظ الناس، وكلما اقترب أمر الساعة ازداد الناس حرصاً على الدنيا وليس على الآخرة، وكان المفترض في الإنسان أنه كلما ذكر بآية من الآيات وعلامة من العلامات رجع وتاب وأناب إلى الله ، ولكن يخبر النبي ﷺ أنهم كلما رأوا شيئاً من هذه العلامات ازدادوا حرصاً على الدنيا وتكالباً على الدنيا، وهذا الذي تراه، فتجد الناس يشيعون الجنائز وبعض المشيعين لعلهم لا يصلون، وإنما يبقون خارج المسجد في سياراتهم ويشربون سجائر ويضحكون، والميت يصلى عليه داخل المسجد! وهو إنما حضر مجاملة لأهل الميت، ويذهب معهم إلى المقابر نوعاً من المجاملة للأحياء، أما الميت فليس على بالهم، وذكر الموت ليس على بالهم، مع أن ذكر الموت موعظة من أعظم المواعظ، فهؤلاء يرون الموتى أمامهم فلا يزدادون على الدنيا إلا حرصاً، ولا يزدادون من الله إلا بعداً، وكلما كان الإنسان في غفلة كان بعيداً عن الله، وكلما بعد عن الله سبحانه استحق عقوبة الله سبحانه.
стр. 3644
شرح حديث: (لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات)
من الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في أمر الساعة هذا الحديث الذي رواه مسلم من حديث حذيفة بن أسيد عن النبي ﷺ قال: (إن الساعة لا تقوم حتى تكون عشر آيات) وهذه العلامات الكبرى للساعة عشر آيات، وأخبر في حديث: (أنها كنظام عقد انفرط) العقد هو السلك الذي ينضم فيه الخرزات، فهذا العقد إذا انفرط وانقطع تساقطت الخرزات منه خرزة خرزة، فكأنه يخبر أن علامات الساعة الكبرى إذا جاءت فإن الساعة تطلع بسرعة وراء هذه العلامات.
يقول: (إن الساعة لا تقوم حتى تكون عشر آيات: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونزول عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا) هذه العلامات الكبرى للساعة، حين تظهر هذه العلامات وخاصة طلوع الشمس من مغربها يقول ربنا سبحانه: ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، ويذكر لنا النبي ﷺ هذه الآية مع ذكره هذه العلامات، فمن العلامات الكبرى التي تكون قرب الساعة: الدخان، دخان يملأ الدنيا، ويكون شديداً على الكافر، ويكون على المؤمن كالزكمة في أنفه، والدجال الذي يدعو الناس إلى نفسه بأن يعبدوه فيتبعه اليهود والمنافقون، ويرى المؤمن مكتوباً على جبينه: كافر، أيضاً الدابة، وهي دابة تكلم الناس: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢] كما مر في سورة النمل، فالله يخبرنا عن هذه الدابة أنها تكلم الناس: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢]، والنبي ﷺ يخبرنا أن الدابة تسم الناس، فهي تجري وراء كل إنسان وتسمه على جبينه: هذا كافر وهذا مؤمن، وانتهى الأمر على ذلك، المؤمن يعيش يناديه الناس: يا مؤمن! اذهب يا مؤمن، تعال يا مؤمن، هات كذا، والكافر يناديه الناس: يا كافر! اعمل كذا، يا كافر هات كذا، ويختم على ذلك الكافر، فهو كافر لا ينتفع بموعظة ولا بشيء، ويظل على ذلك حتى يموت.
يقول هنا في الحديث: (وطلوع الشمس من مغربها، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق) يعني: الأرض تخسف بمن عليها، (وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب) يعني: تحصل زلازل عظيمة جداً ويخسف بالناس في هذه المواضع الثلاث.
قوله: (ونزول عيسى، وفتح يأجوج ومأجوج) إذا خرج الدجال ينزل المسيح عيسى بن مريم من السماء فيقتله، ويحقق العدالة على الأرض التي يريدها الله ، ويحكم بهذا القرآن العظيم، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ولا يقبل الجزية أي: لا يقبل إلا الإسلام فقط، فيصير الناس مؤمنين طيبين.
يقول هنا ﷺ : (ونار تخرج من قعر عدن) من عدن تخرج نار تسوق الناس إلى أرض المحشر يعني: من عدن من اليمن إلى بلاد الشام، من الجنوب إلى الشمال، نار تسوق الناس ولا يقدرون أن يطفئوا هذه النار مهما أوتوا من قوة ومن آلات ومياه وغيرها، لا يقدرون على إطفائها إنما يفرون منها وهي وراءهم تجري معهم ليل نهار من اليمن إلى أن يصلوا إلى بلاد الشام.
стр. 3645
شرح حديث: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها)
أيضاً من الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ هذا الحديث الذي في صحيح مسلم من حديث ثوبان ﵁ قال النبي ﷺ : (إن الله زوى لي الأرض) يعني: جمع لي الأرض، ثم قال: (فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها) يعني: ما جمعه الله لي ورأيته لابد وأن يكون، لأن الله لا يخلف الميعاد سبحانه، ثم قال: (وإني أعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض) يعني: أعطى أمته، وإلا فهو قد مات ﷺ قبل أن ينال من الدنيا شيئاً من كنوزها ﵊، وإنما يفتح الله لهذه الأمة ويعطيها ويمكن لها في الأرض، ثم قال: (وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، ولا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم) يعني: أنه ﷺ دعا ربه سبحانه ألا يهلك المسلمين بسنة عامة، يعني: جميع المسلمين وإلا ففي بلاد المسلمين حصلت مجاعات خلال القرون السابقة، كانت تجيء على أهل مصر مجاعة كانوا يأكلون الكلاب ويأكلون لحوم الميتة، والذي يقرأ في التاريخ يعرف كيف أننا أصبحنا في نعم من الله ، ففي بلادنا هذه يذكر الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء وغيرهما من الكتب وغيره من العلماء أنه حصلت مجاعات في هذه البلاد كان الناس يأكلون فيها كل شيء، ووصل ثمن حفنة القمح بمثلها من الذهب، كانوا يخرجون الدر والياقوت حتى يأخذوا مكانه قمحاً بنفس المقدار! وهذه المجاعات أكل فيها الناس الكلاب وأكلوا كل شيء، حتى كان الرجل يموت فلا يصلون بجثته إلى المقابر إلا وقد تخاطف الناس الجثة وأكلوها، ويذكر علماء التاريخ من ذلك أنه في مجاعة من هذه المجاعات خرج قاضي البلد على بغلة له ومعه حراسه، وتركوا البغلة في مكان، وذهب القاضي للقضاء، فالناس سرقوا البغلة وأكلوها، نسأل الله العفو والعافية! فيخبر النبي ﷺ أنه دعا ربه ألا يهلك المؤمنين بسنة عامة يعني: ألا يعمهم عذاب من عند الله ويمنع عنهم المطر ويمنع عنهم الخير ويموت الجميع، فليس يحدث هذا الشيء؛ لأنه ﷺ دعا ربه بألا يكون ذلك، ولكن قد يحدث في بعض البلدان ذلك.
ودعا ﷺ : (ولا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم) وربنا سبحانه أجاب النبي ﷺ وقال: (يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها) يعني: ليس يكون ذلك ما داموا متمسكين بكتاب الله ، وما داموا متآلفين متحابين فيما بينهم، ثم قال له ربه: (حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً) يعني: أن يقاتل المسلمون بعضهم بعضاً، طمعاً في الدنيا وحباً للملك، إذا حصل ذلك سأسلط عليهم أعداءهم، وهذا هو الحاصل في المسلمين، لما بغى المسلمون بعضهم على بعض، وتركوا كتاب الله وراء ظهورهم، وتنازعوا وتناحروا على الدنيا؛ إذا بالله يتركهم، فيتسلط عليهم أعداؤهم، وهذا الوعد الحق من أشراط الساعة.
إذاً: الله لا يرفع عن هذه الأمة العذاب العام، وإنما يجعل بأسهم بينهم إذا هم نسوا دين الله ، ولا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم إلا إذا تسلط بعضهم على بعض، حينها يسلط عليهم أعداءهم.
стр. 3646
تحذير النبي ﷺ من الأئمة المضلين
يقول النبي ﷺ : (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) الإمام إما الإمامة الكبرى بمعنى الأمراء والرؤساء والخلفاء، وإما الأئمة المفتون الذين يفتون الناس ويعلمون الناس دينهم، فمن هؤلاء أئمة مضلون، وهم الذين يتركون كتاب ربنا وسنة نبيه ﷺ ، ويتأولون ذلك بأهوائهم وبرأيهم، ويصدرون للناس أحكاماً ما أنزل الله بها من سلطان، فإذا بهم يفتون الناس بغير علم أو يفتون الناس بالباطل مع معرفتهم الحق، فتسمع الفتاوى العجيبة من ناس ليس لهم شأن بدين الله، ومن أناس من أهل هذا الشأن وأساتذة في الجامعات ومع ذلك يتكلم أحدهم بالكلام الذي يجامل فيه الخلق وينسى كتاب الله وينسى سنة نبيه ﷺ أو يتغافل عنهما، فهؤلاء هم الذين حذر النبي ﷺ منهم: (إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) يعني: الحكام الذين يدعون الناس إلى غير كتاب الله سبحانه، ويبعدون الناس ويلهونهم عن دين الله ، وكذلك الأئمة الذين يأتم الناس بهم ويتبعونهم ويقلدونهم فيفتونهم بغير علم أو يفتونهم بأهوائهم وزيغهم.
ثم يقول ﷺ : (وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة) هذا مما أخبر به ﵊ وهو حق، فمن حين وضع السيف وبدأ القتال بين هذه الأمة من زمن مقتل عثمان بن عفان ﵁ لم يرفع عنها السيف، وافترقت الأمة إلى سنة وإلى خوارج وإلى شيعة، جاء في الحديث: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة -الكل يقول: أنا مسلم-، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي) وأهل السنة هم الجماعة الذين يجتمعون ويعتصمون بحبل الله ، ولذلك أعداء المسلمين يريدون أن يكون كل المسلمين في ضياع، بعيدين عن كتاب الله وعن هدي النبي ﷺ ، والذي يتمسك بالكتاب والسنة فهذا عندهم متزمت متشدد، لكن ابعد عن الكتاب والسنة بحيث تصبح المسلم الذي يريده الغرب الكافر.
إذاً: الفرقة الوحيدة الناجية هم أهل السنة، الذين يصفهم هؤلاء الكفار بأنهم الأصوليون وبأنهم المتزمتون، ويقصدون المتمسكين بكتاب الله وبسنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 3647
إخبار الرسول عن لحوق قبائل من أمته بالمشركين وعبادة الأوثان قبل قيام الساعة
يقول النبي ﷺ : (ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين) يعني: ليس واحداً ولا اثنين لكن سيلحق كثير بالمشركين، فيا ترى هذا حاصل وإلا ليس بحاصل؟ كم يحصل من المسلمين ممن يتسمى بأسماء المسلمين وينبهر بما يزعم بأنها حضارات الكفار فيدعوه إلى ما يدعوه إليه هؤلاء، يقول: أنا علماني، وفي البداية كان يستحيي الواحد منهم أن يقول: أنا علماني، وكانوا يقولون: إن معنى علماني يعني: علم التكنولوجيا وعلم كذا، يعني: لا دخل لي بالدين، أما الآن فيصرحون بأنهم علمانيون، يعني: لا دخل لي بالدين، فهذه امرأة لبنانية سئلت على قناة فضائية: ما دينك؟ قالت: لا دخل لك بديني أنا علمانية، يعني: هي لا تؤمن بالغيب، ولا تصدق الكتب السماوية، هذا الذي يقولونه الآن، فهؤلاء انسلخوا عن دينهم، وهم الذين أخبر عنهم النبي ﷺ أنهم يذهبون إلى الكفار حيث قال: (ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان) يعني: أن هذه الأمة سيكون منها أقوام يعبدون الأوثان من دون الله ، فترجع الجاهلية مرة ثانية، ومن يزعم من المسلمين أنه غير ممكن أن ترجع الأمة إلى الجاهلية فهذا مكذب بما يقوله النبي ﷺ ، وهو أول هؤلاء الجاهليين الذين يدعون الناس إلى صناعة الأصنام وإلى التماثيل، وإلى أنه لا مانع من هذه الأشياء، وأن الدين لا يحارب هذه الأشياء ولا ينهى عنها، مع كثرة الأحاديث التي أتت عن النبي ﷺ في المنع من ذلك، والإخبار بأن الناس سيرجعون في يوم من الأيام لعبادة الأوثان من دون الله.
أما عبادة القبور فقال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) يتعوذ بربه سبحانه أن يكون قبره وثناً يعبد، وقال: (لا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك) فإذا بهم الآن ينادون بمثل ذلك، ويخرج بعضهم على الناس ويقول: الصوفية هي الحل، والرجوع إلى اتخاذ القبور في المساجد هذه سنة النبي ﷺ ، يقولون: هؤلاء أماتوا السنة أماتهم الله، ويقولون: لعنة الله على الكذابين، ويقولون: أو ما قبر النبي ﷺ بداخل المسجد؟ نقول: والله ما أمرهم بذلك، ولا كان قبره بداخل المسجد، إنما كان قبره في حجرة عائشة خارج مسجده ﷺ ، فلما ضاق المكان وسع المسجد فكان عذراً، فكيف يقاس حال غير العذر على حال العذر؟! والنبي ﷺ ينهى عن أن تتخذ القبور مساجد، فقال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد إني أنهاكم عن ذلك) فقد حذرهم النبي ﷺ من ذلك.
فقول النبي ﷺ : (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) يدل على أن القبور قد تعبد من دون الله، وذلك بأن يذهب إلى القبر ويقول: يا سيدي فلان أعطني كذا، يا سيدي فلان اعمل لي كذا، نقول: هذا الذي لا يطلب إلا من الله ، فيقول: ماذا عليك عندما تطلب من رجل صالح ورجل ولي ورجل كذا حاجتك؟ لا مانع من هذا الشيء، نقول: أين الأحاديث التي نهى النبي ﷺ عن هذا الشيء؟ هناك أحاديث كثيرة جداً في الصحيحين وفي غيرها تبلغ حد التواتر فيها النهي عن هذا الشيء، فتراه لا يستطيع أن يرد هذه الأحاديث، لكن يقول: أنتم غير فاهمين معاني هذه الأحاديث، نقول: نحن غير فاهمين معانيها؟ وكل العلماء السابقين وأبناء الأمة غير فاهمين معانيها، حتى جئت أنت وأمثالك ففهمتم معانيها ووضحتموها؟! نقول: النبي ﷺ حذر أن يتخذ قبره وثناً يعبد صلوات الله وسلامه عليه، وحذر أن تتخذ القبور في المساجد، وأن تبنى المساجد على قبور.
وهؤلاء الذين يعبدون القبور من دون الله ، يتشدق أحدهم ويقول: أين تذهبون بالحديث الذي فيه أن أبا دجانة أو أبا بصير بني على قبره مسجداً؟ نقول: من أين جئت بهذا الحديث؟ فيقول: هذا الحديث ورد بإسناد صحيح، أقول: ارجعوا إلى كتاب (تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد) حتى تعرفوا درجة هذا الحديث، وتعرفوا كلام الألباني عالم الحديث في هذا الحديث؛ حتى لا يخدعكم أحد في دين الله ، فيخرج كذاب يكذب على الناس ويقول: الحديث في الصحيح، وهو غير صحيح وغير موجود في الصحيح، والبحث في الأحاديث كان شاقاً جداً، أما الآن فالبحث فيها سهل ويسير عن طريق (الكمبيوتر)، ولو فرضنا أن هذا الحديث ورد بإسناد صحيح فكيف وقد عارضه (أن النبي ﷺ قبل وفاته بأيام ذكرت له أم حبيبة وأم سلمة كنيسة رأتاها في الحبشة وفيها تصاوير فالنبي ﷺ قال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، ألا إني أحذركم ذلك، وقال: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك) فحذر عند وفاته من ذلك، فكيف يلغى ما يقوله النبي ﷺ ويقال: إن أبا بصير بني على قبره مسجداً؟! نسأل الله العفو والعافية.
стр. 3648
إخبار الرسول عن ظهور كذابين يدعون النبوة
يقول النبي ﷺ : (وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون) أي: سيكون في الأمة من يكذب على الله ويكذب على رسول الله ﷺ ، ويدجلون على الناس.
ثم قال: (كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي) انقطع أمر الرسالة والوحي من السماء، ولا يكون بعد النبي ﷺ إلا نزول المسيح ﵊؛ ليحكم بهذه الشريعة بكتاب الله وسنة النبي ﷺ ، فليس يأتي بشيء جديد وإنما يأتي ليحكم بهذه الشريعة العظيمة.
وذكر أنه سيظهر دجالون كذابون يزعمون أنهم أنبياء، وهؤلاء أجهل الناس بدين الله وباللغة العربية التي يتكلمون بها؛ ولذلك يقولون: إنه قال: لا نبي بعدي، ولم يقل: لا رسول، ولا رسول إلا وهو نبي أصلاً، إذ كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، فالرسالة أعلى مرتبة، فكل من بعثهم الله أنبياء، وخص بالرسالة مجموعة من هؤلاء الأنبياء، فهؤلاء الذين يكذبون يقولون: هو قال: لا نبي بعدي، ولم يقل: لا رسول، فنقول: النبي ﵊ حين يخبر أنه لا نبي بعده فمعنى ذلك أنه لا نبي ولا رسول؛ لأنه مستحيل أن يكون رسولاً قبل أن يكون نبياً.
стр. 3649
بقاء الطائفة المنصورة على الحق إلى قيام الساعة
يقول ﷺ : (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) فهذا الكلام من النبي ﷺ هو الحق، والوعد الصدق الذي يخبر به، فالله سبحانه لا ينطمس نوره عن الدنيا بالكلية، لا يكون أبداً، لابد وأن تكون طائفة في كل زمان تعرف الحق الذي يريده الله سبحانه، وتدعو الناس إليه، حتى تقوم الساعة وهم على ذلك متمسكين بدين الله .
نسأل الله أن يجعلنا من هذه الطائفة المنصورة، وأن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يخذل الكفر والمشركين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3650
تفسير سورة محمد (تابع ١) الآية [١٨]
وردت أحاديث كثيرة تذكر بعض ما سيكون بين يدي الساعة من كثرة القتل بين الناس على حطام الدنيا، وكثرة الخسف والقذف والزلازل على أولئك القوم الذين يبارزون الله بالمعاصي والذنوب، وأن يلتمس العلم عند الأصاغر، ولا تقوم الساعة حتى يكون الروم أكثر الناس، وحتى يفتح المسلمون القسطنطينية.
стр. 3651
تفسير قوله تعالى: (فقد جاء أشراطها)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
ذكرنا قول الله في سورة محمد ﷺ : ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] يعني: أشراط الساعة، هل ينتظر الناس إلا أن تأتي الساعة؟ فقد جعل الله أشراطاً لهذه الساعة، وبدأت هذه الأشراط بمبعث النبي صلوات الله وسلامه عليه، ((فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ)).
وقد ذكرنا جملة من أشراط الساعة التي جاء عن النبي ﷺ ذكرها، وهنا جملة أخرى من أحاديث النبي ﷺ في أشراط الساعة، قد ذكرنا منها الأشراط الكبرى وهي العشر الآيات، وسنذكر أشراط أخرى هي علامات صغرى للساعة.
стр. 3652
من العلامات الصغرى للساعة
стр. 3653
كثرة القتل
روى الإمام أحمد وابن ماجة عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ : (إن بين يدي الساعة الهرج) أي: القتل، وليس هو قتل الكفار ولكن قتل الأمة بعضها بعضاً، فسألوا النبي ﷺ عن كلمة الهرج؟ فأخبر أنه القتل، يعني: سيكون بين المسلمين قتال، يقتل بعضهم بعضاً على الدنيا، وعلى الملك، وعلى الرئاسة، وعلى الحكم، وعلى النيابة، وعلى غير ذلك من أمور الدنيا.
حتى إن الرجل يلقاه أخوه فيقتله، أي: أن الإخوة من النسب يلتقيان فيختلفان على شيء تافه فيقتل أحدهما الآخر، كذلك الأخ في الدين يلقى أخاه فيختلفان على أمر من أمور الدنيا فيقتله.
(ينتزع عقول أهل ذلك الزمن) أي: أن الله ينتزع عقولهم، فيصبحون لا عقول لهم، ولا رحمة، فلا يهتدون لشيء، إنما الذي يحكمهم والذي يريدونه هو الدنيا، والمنصب، والدينار، والدرهم، يقول: (ويخلف لها هباء من الناس يحسب أكثرهم أنهم على شيء وليسوا على شيء)، فيكون أكثر الناس لا عقول لهم، ولا يعرفون شيئاً عن دين الله ، بل إن آخر ما يتكلمون عنه هو دين الله ، فيحسبون أنهم على شيء وليسوا على شيء، ويخلف لهذا الزمان قوم يكون لهم هباء من الناس، يعني: أمثال الذر الذي لا قيمة له.
стр. 3654
وقوع الفتن المهلكات
هذه الأحاديث التي سنذكرها كلها أحاديث صحيحة، فإنه قد ورد في أشراط الساعة أحاديث كثيرة جداً، منها الصحيح، ومنها الحسن، ومنها الضعيف، فانتقينا منها جملة من الأحاديث الصحيحة.
روى الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: (إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً)، وهذا دليل على رقة الدين، وضعفه، حتى إن الإنسان ليتحول إلى الكفر ولا يعصمه دينه عن ذلك، فكأنه لا شيء في قلبه، فمجرد أن يتنازع مع آخر على الدنيا سرعان ما يترك الدين، ويترك شرع الله ، ينام الرجل على الإسلام ثم يصبح على أبسط الأمور يسب دين الله ، ويتبرأ منه! وهذا من الفتن، يقول ﷺ : (القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي)؛ لأنه اقتتال بين المسلمين على الملك، وعلى الحكم، وعلى الدنيا، فكأنه ﷺ يقول: ابتعدوا عنها، فأفضل إنسان في هذه الفتن من ابتعد عنها ولكن قد يخوض البعض من الناس فيها، فيقول: إن الذي قعد وابتعد عنها خير من الذي دخل فيها.
والمعنى أن أناساً يسابقون في الفتن وأناساً يتباطئون عنها ويبتعدون عنها، فالمتباطئ أفضل من الذي يسعى، وكأن المعنى ابتعدوا عنها قدر الاستطاعة حتى إن وجدت نفسك على وشك أن تدخل في الفتنة فأخر نفسك، وابتعد عنها ولا تقاتل مسلماً أبداً، فيقول هنا ﷺ : (فكسروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا سيوفكم بحجارة فإن دخل على أحد منكم بيته فليكن كخير ابني آدم) أي لا تكن مع واحد من الفريقين الذين يتقاتلون على الدنيا، حتى وإن دخل على أحدكم، هذا إذا كان القتال من أجل الدنيا، أما من أجل دين الله، فعلى المؤمن أن يدافع عن دينه، وأن يقاتل الكفار، والمنافقين، وكل من يتعرض لدين الإسلام، فإن قتل كان شهيداً، وقول النبي ﷺ : (اكسر سيفك) هو إذا كان القتال على المال أو الحكم أو أمر من أمور الدنيا فلا تقاتل لأجل الدنيا، ولكن قاتل القتال المشروع، الذي تدافع فيه عن دين الله سبحانه، أو عن النفس، أو عن الأرض.
стр. 3655
رفع العلم وقلة الرجال وكثرة النساء
أيضاً ورد عن النبي صلوات الله وسلامه عليه بشأن أشراط الساعة قوله: (إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، وذكر الحديث، وقال: ويذهب الرجال، وتبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد) أي: أنه من كثرة الحروب التي ستحصل بين الناس يقتل الرجال، حتى يكون التناسب بين عدد الرجال والنساء أن ينسب واحد إلى خمسين امرأة، أي: كل خمسين امرأة عندهن رجل واحد.
стр. 3656
التماس العلم عند الأصاغر
في الحديث الصحيح الذي رواه الطبراني من حديث أبي أمية الجمحي: (إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر)، والمعنى: أن الناس يتركون العلماء والكبراء الذين يدعونهم إلى كتاب الله، وإلى سنة رسول الله ﷺ ، ويطلبون العلم عند الجهلة، الذين لا يعرفون شيئاً عن كتاب الله، وعن سنة النبي ﷺ ، أو الذين لا يتكلمون بالكتاب ولا بالسنة وإنما بالعقل وبالهوى، وبما يعجب من يعينه في منصبه فيلتمس عندهم العلم، فهؤلاء وصفهم بأنهم الأصاغر؛ لأنهم ليس عندهم علم الكتاب، ولا علم سنة النبي ﷺ ، أو عندهم لكن لا يقولون به، ولا يعملون به، فمن أشراط الساعة أن يقبل الناس على هؤلاء، حتى إن أحدهم إذا دعي إلى كتاب الله ، وقيل له: نرجع لأقوال السلف الصالح، أقوال الصحابة والتابعين وما رواه الإمام البخاري وما رواه الإمام مسلم يقول: لا حاجة إلى هذه الأشياء، ويخرف ويتكلم بعقله، فيلتمس عند هؤلاء العلم الباطل حتى إن أحدهم ليرد كتاب الله وما أجمعت عليه الأمة ببساطة، يخرج أحدهم على الناس ويقول لهم: إن آدم أبو البشر ليس أول مخلوق بل إنه وجد قبله بشر خلقهم الله، ويقول: آدم له أب، وله أم! مع أن الله قد ذكر أنه خلق آدم من تراب وأنه لم يكن قبله أحد من البشر، فأبو البشر هو آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، والمسلمون مجمعون على ذلك، وببساطة يرد الإجماع ويرد ما جاء في القرآن، وما جاء في السنة، ودليله على قوله الباطل أن علماء الغرب يقولون: إن جنس البشر موجود على الأرض منذ كذا مليون سنة، وآدم ما له إلا كذا ألف سنة، فيصدق بأشياء لا دليل عليها، ويكذبه علماء الطبيعة، وعلماء الدنيا الذين يعرفون هذا الأمر أكثر منه، فإذا به يعاند، وإذا ذكر حديث في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال كذا أو فعل كذا، إذا كان عقله يقبل هذا الشيء قبله، وإلا قال: لا أقبله، ويتفاخر ويقول: أنا أرد حديث البخاري الذي فيه أن النبي ﷺ سحر، ولا أقبل هذا الحديث، لأن عقلي لا يقبل هذا الحديث! وليس الأصاغر بمعنى أن عمره عشر سنين أو خمسة عشر سنة، فقد يكون شيخاً كبيراً عمره سبعين أو ثمانين سنة لكنه صغير في العلم لا علم عنده، لا يعرف كتاباً ولا سنة، ويغر بعض هؤلاء أنه عالم باللغة العربية، ودخل مجمع اللغة العربية، ومجمع البحوث الإسلامية من هذا الباب، فإذا به يفتي في الفقه، ويفتي في القرآن, ويفتي في كذا؛ لأنه عالم باللغة العربية، فيتكلم بكلام لم يقله أحد قبله، ولا يستحيي من نفسه أنه لم يقل أحد هذا الكلام قبله، حتى إنه ليرد على من أنكر عليه بقوله: يوجد من يوافقني على ما أقول، والمخالفون لي أقل وهكذا بعض الشيعة وبعض المسلمين، وفيهم هذا الذي يتكلم أن آدم أبو البشر ليس أول إنسان، وببساطة يكلم الشيخ ويقول له: توجد أحاديث في البخاري أنا أردها! فيقال لمثل هذا.
ما هي العلة التي رددت بسببها أحاديث البخاري ومسلم؟ وما هو الحكم الذي تحكم من خلاله على الأحاديث بالضعف؟ فقد يأتي غيرك ويقول: وأنا أيضاً هذا الحديث عندي غير صحيح، وأصبح الحديث الذي نعرف صحته بالنظر في سنده ومتنه مردود عند هؤلاء ولا حول ولا قوة إلا بالله، فلم تبق إلا الأحاديث المكذوبة التي يرويها الشيعة وغيرهم، فنقول له: أنت تأخذ بهذه المكذوبات وتقول بها؟ فبماذا تعرف دينك إذا تركت أحاديث النبي ﷺ وتركت ما عرفناه من كتاب الله ؟ فما الذي يبقى للإنسان إذا رد ذلك؟
стр. 3657
المسخ والخسف والقذف
قال النبي ﷺ : (إن بين يدي الساعة مسخ وخسف وقذف)، هذه من العلامات التي ستكون بين يدي الساعة، المسخ: تحول للخلقة، فيمسخ الله أناساً قردة وخنازير يشربون الخمور, ويسمعون الموسيقى والقيان، ويعصون الله ، ويبخلون على الفقراء فلا يعطوهم، فإذا جاء الفقير يطلب منهم لحاجة شديدة أصابته قالوا له: ارجع إلينا، ولا يعطونه شيئاً، فإذا بالله يمسخهم قردة وخنازير.
قال: (وخسف) أي: زلازل تخسف بالإنسان في الأرض، يكون فوق الأرض فتنشق الأرض من الزلزال ويكون في باطنها.
قال: (وقذف) يعني: حجارة تمطر عليهم من السماء، وسيكون ما قاله النبي ﷺ ، فقد أخبر في حديث آخر أن من علامات الساعة أن تكثر الزلازل، وهذا أمر حاصل، فالمناطق التي كانوا يقولون عنها: ليست داخلة تحت حزام الزلازل، دخلت الآن تحت حزام الزلازل، وأصبح كل يوم تسمع: حصل زلزال قوته كذا، وما كانوا يسمعون عن ذلك في الماضي!
стр. 3658
كثرة الروم وقلة العرب
يقول النبي ﷺ : (تقوم الساعة والروم أكثر الناس) المعنى: أنه عند قيام الساعة يكون غير العرب هم أكثر الناس في الدنيا.
стр. 3659
فتح القسطنطينية
يقول ﷺ : (سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب في البحر؟)، يقول ذلك للمسلمين، فقالوا: نعم، قال: (لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق، فإذا جاءوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح).
هذه البلدة يقول شراح الحديث: القسطنطينية، معقل الروم أيام هرقل، فإنه بعدما أخذت منه ديار الشام تحسر وهو ينظر إلى سوريا وفر منها إلى القسطنطينية، وهي في شمال البحر المتوسط جزء منها في البحر المتوسط وبعضها على البحر الأسود، فهي بلدة محاطة بالبحر الأبيض والبحر الأسود، وهذه البلدة لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق، وكان كثير من شراح الأحاديث يقولون: إن الصواب أنهم من بني إسماعيل، ولا مانع أن يكونوا من بني إسحاق، فإن إسماعيل وإسحاق ولدان لإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وإسماعيل أبو العرب، وإسحاق أبو العجم، وكأن معنى الحديث وهو في صحيح مسلم أن بني إسحاق سيدخلون في دين الله ، وقد حصل أن كثيراً من ولد إسحاق دخلوا في دين الله، فيخبر عن هؤلاء الذين أسلموا من بني إسحاق أنهم سيفتحون هذه البلدة وأن ذلك من أشراط الساعة.
يقول: (فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم) وقد يقول قائل: الكفار يسيطرون على بلاد الدنيا الآن فنقول له: ومع ذلك هناك فتح ثاني غير الفتح الإسلامي الماضي، فإن الفتح الإسلامي الماضي ما كان فيه (فلم يقاتلوا) لكن هذا الفتح يخبر أنه سيكون في يوم من الأيام، وأنه سيلي ذلك خروج المسيح الدجال، وهذا الفتح ليس الذي حصل للقسطنطينية في الماضي، ولكن المقصود فتح جديد سيكون بعد ذلك، وفي هذا الحديث إشارة من النبي ﷺ أن الله سيفتح للمؤمنين فليتمسكوا بدينهم، فإن الله سيعطيهم قوة، والإنسان المسلم حين ينظر لأسباب القوة اليوم يشعر بشيء من اليأس؛ لأن الكفار والمشركين يملكون قنابل نووية ومع ذلك يمنعون المسلمين أن يمتلكوا تلك الأسلحة، فيقول للمؤمن: لا تيئس، سيكون الفتح من الله ، ولن تحتاج لقنابل نووية ولا غيره من السلاح، بل سيجعل الله من بني إسحاق من يسلم وهم الذين سيتغلبون على هذه البلدة، وسيكونون من أفضل خلق الله ، فيقول ﷺ : (فإذا جاءوها) أي: بلدة القسطنطينية (نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم).
أي: إنما قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها، قال الله ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّه﴾ [آل عمران:١٢٦]، وكم من بلد أسقطه الله بالمظاهرة بلا سلاح ولا غيره، والذي حصل إما خيانات أو مظاهرات من الناس، فإذا كان هؤلاء الكفار سقطت بلدانهم بمظاهرات ألا ينصر الله هذا الدين بلا إله إلا الله والله أكبر؟! يقول: (فيسقط أحد جانبيها الذي في البحر، ثم يقولون الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج لهم فيدخلونها، فيغنمون، فبينما هم يقتسمون المغانم إذ جاءهم الصريخ ينادي عليهم: الحقوا ذراريكم فقد خرج المسيح الدجال، فيتركون كل شيء من المغانم ويرجعون للجهاد في سبيل الله ، فهؤلاء خير عصابة تكون على الأرض).
стр. 3660
انتشار الفحش والتفحش وقطيعة الرحم وتخوين الأمين
جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه وقد سئل عن الساعة فقال: (من أشراط الساعة: الفحش، والتفحش، وقطيعة الرحم، وتخوين الأمين، وائتمان الخائن)، هذا الحديث رواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس وصححه الشيخ الألباني، وأظن هذا قد حصل، ففي أي مكان تسير تتأذى أذنك بما تسمع، فذا يشتم ذا، وذا يسب ذا، حتى النساء والأطفال تسمع منهم من الكلام ما يؤذيك، و (الفحش) يكون ببذاءة اللسان، (والتفحش) هو تكلف ذلك، والفحش، يدخل فيه الجرائم التي تتعلق بالأخلاق والأعراض كجرائم الزنا، وما أكثرها! في كل مكان تحت مسميات الزواج العرفي والصداقات التي بين الرجال وبين النساء، والدعوة إلى مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، (وقطيعة الرحم)، هي: أن الإنسان لا يزور أباه وأمه، لا يبر أباه وأخاه، أي: يذهب البر بين الناس.
لذلك المؤمن حين يسمع أن قطع الرحم من علامات الساعة يستدرك نفسه، فيزور أرحامه وأقرباءه حتى لا يكون واحداًَ من هؤلاء الذين ذمهم النبي ﷺ ، ولهم العقوبة الشديدة عند الله ، وقطيعة الرحم لا تكون إلا من نقص الإيمان، والإنسان الذي يحب أقرباءه حين يحس أنهم سيطلبون منه حاجة من حوائج الدنيا تحصل منه القطيعة لهم ويقول: لن أذهب إلى أقربائي الذين يؤذوني ويطمعون في مالي! ينظر نظرة دنيوية فلا يصلهم حتى لا يخسر؛ فتتقطع الأرحام بذلك، فليحذر المؤمن من مثل هذه النظرة، وليعلم أن صلة الرحم تزيد في الرزق، وينسئ الله له في عمره بسبب ذلك، أي: يكون عمره طويلاً، وليس المقصود من الطول في حياته أنه يعيش عمراً طويلاً بين أسرته، بل المقصود أنه يخلف آثاراً وذكراً ودعوات تكون له كإنسان عاش أكثر منه.
يقول: (وتخوين الأمين) أي: أن الإنسان الأمين تلفق له التهم أنه خائن ومختلس ومرتش وكذا؛ لأنه يقول كلمة الحق، فيخون الأمين حتى ينزل من المكان الذي هو فيه لكونه أمين.
(ويؤتمن الخائن) أي: أن الإنسان الخائن يعطى المناصب الكبيرة، ويعطى الودائع والأمانات، ويقال عنه: هذا أمين، وهم يعرفون أنه خائن!
стр. 3661
مرور الرجل بالمسجد لا يصلي فيه ركعتين
من أشراط الساعة: (أن يمر الرجل في المسجد لا يصلي فيه ركعتين) أي: يمر في المسجد يتفرج على المصلين أو يدخل المسجد بعد أن يصلي الناس يسأل حاجة له ثم يذهب ولا يصلي! ولا حول ولا قوة إلا بالله، أو يمر في المسجد ثم يأخذ حاجته من فلان من الناس ثم يذهب ولا يصلي، ولعل معهم جنازة في المسجد يصلون عليها فيقف خارج المسجد ينظر إليهم ولا يصلي.
стр. 3662
تسليم الرجل على من يعرف فقط
من أشراط الساعة (وأن لا يسلم الرجل إلا على من يعرف) أي: أنه إذا مر في الطريق لا يكلم أحداً، ولا يسلم عليه إلا إذا كان يعرفه، أما إذا لم يعرفه فلا.
стр. 3663
تضييع الدين
قال النبي ﷺ : (من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء) أي: أنه لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، وجاء في حديث آخر (حتى لا يقال على الأرض: الله الله) أي: أن الناس يتركون كتاب الله وسنة النبي ﷺ حتى يضيع الدين فلا يقال على الأرض: الله الله.
стр. 3664
تكليم الحيوانات والجمادات للإنسان
قال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده! لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وحتى يكلم الرجل عذبة سوطه، وشراك نعله، ويخبره فخذه بما يحدث أهله بعده).
أي: من أشراط الساعة أن الناس إذا قل الإيمان احتاج المؤمن لشيء يثبته، فالله يجعل أشياء كهذه علامات للمؤمن تثبته على دينه؛ لأن الإنسان حين يرى أنه لا يوجد حوله إلا الكفر والفسوق والعصيان، فتن في الطريق، وفتن في البيت، يحتاج إلى شيء يثبته، فالله يثبته، بأن يرى رؤيا صالحة يثبته الله بها، أو يجد حوله بعض المؤمنين الذي يأمرونه بالمعروف وينهونه عن منكر، وما شابه ذلك مما يجعله الله تثبيتاً للمؤمنين، والصحابة ما كانوا يحتاجون إلى رؤية أشياء حسية تثبتهم على الدين؛ لأنهم عرفوا الدين، وامتلأت قلوبهم إيماناً به، فلا يحتاجون إلى ذلك، لكن من أشراط الساعة: أن يقل عدد المؤمنين فيحتاج المؤمن إلى شيء يثبته، فيجعل الله آيات وكرامات للبعض من المؤمنين، مثال ذلك قوله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس)، سيحدث في يوم من الأيام أن السباع، والبهائم، والأسود، والنمور، والكلاب، تكلم المسلم: افعل كذا ولا تفعل كذا، تأمره بشيء أو تطلب منه شيئاً! فيتعجب المسلم فيكون تثبيتاً له.
وفي الأحاديث أن الجمل ذهب يشكو للنبي ﷺ ، وأن جذع الشجرة الذي كان يقف عليه ﷺ حين تركه وصعد على المنبر حنَّ وبكى، فقد يأتي أناس فيقولون: لم يصح من هذا شيء، فيجعل الله لهم آية من الآيات يعرفون بها صدق ذلك، وقد أخبرنا النبي ﷺ (يقاتل المسلمون اليهود، وأن الحجر والشجر يقول للمسلم: يا مسلم! ورائي يهودي تعال فاقتله) فقد يتعجب المؤمن من هذا الشيء، فلما يحدث أمام عينيه، ويسمع ذلك؛ يشعر بصدق ما قاله النبي ﷺ .
يقول: (والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وحتى يكلم الرجل عذبة سوطه)، السوط هو العصا، فيكلم السوط الإنسان: احذر من كذا! وهذا شيء عجيب جداً، وليس المعنى: أن الإنسان يبحث عنها حتى تحصل له، لا، ولكن لا شك أنه سيكون ما أخبر به النبي صلوات الله وسلامه عليه، وحين نسمع حديث النبي ﷺ أنه ذهب إليه اثنان من الصحابة أحدهما أسيد بن حضير ﵄، وسهرا مع النبي ﷺ إلى الليل، فلما خرجا من عنده ولم يكن هناك قمر ولا مصابيح، والطريق مظلم، فإذا بالله يجعل لهما نوراً أمامهما في سوط أحدهما، فلما افترق الرجلان إذا بكل منهما معه نور في الطريق الذي هو فيه، فقد يجيء إنسان ويقول: هذا لا يكون، أما المؤمن فإنه يصدق ولا يحتاج إلى شيء إذا صح الحديث، ولكن المشككون الذين يقول أحدهم: أرد الحديث لأن عقلي لا يقبله، فيجعل الله لهم آية كهذه الآية حتى يعلموا أن عذاب الله صدق، وأن الذي قاله النبي ﷺ حق.
يقول في هذا الحديث: (حتى يكلم الرجل عذبة سوطه، وشراك نعله، ويخبره فخذه بما يحدث أهله بعده) أي: أنه حين يصل إلى بيته رجله تتكلم، وفخذه تتكلم: حصل كذا وكذا في بيتك.
وهذا عجب من العجب، ولكن سيكون ما أخبر به النبي صلوات الله وسلامه عليه قطعاً ولا نشك في ذلك أبداً.
نسأل الله أن يثبتنا على الإيمان حتى نلقاه به.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3665
تفسير سورة محمد (تابع ٢) الآية [١٨]
أخبر الله تعالى في كتابه بقرب الساعة، وأن قيامها سيكون بغتة في آخر الزمان، فإذا جاءت آياتها الكبرى فلا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.
стр. 3666
تابع من علامات الساعة الصغرى
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد:١٨].
قد سبق ذكر بعض الآيات التي ذكر النبي ﷺ أنها تكون بين يدي الساعة، وهذه جملة أخرى من الأحاديث عن النبي ﷺ تبين بعض العلامات التي تكون قبل قيام الساعة، ومن ذلك العشر العلامات الكبرى التي ذكرها النبي ﷺ في قوله: (أنه لا تقوم الساعة حتى يرى الناس عشر علامات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، والدابة، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف في المغرب وخسف في جزيرة العرب، ونزول المسيح، وفتح يأجوج ومأجوج، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا).
هناك علامات أخرى ذكرها النبي ﷺ أنها تكون قرب الساعة؛ حتى يتعظ بها المؤمنون الذين يصدقون كلام النبي ﷺ ، فيرون الشيء فيعلمون أنه علامة من العلامات فيسرعون إلى الطاعة وينزعون عن المعصية.
стр. 3667
عصابة من المؤمنين يقاتلون على الحق
ومن ذلك ما جاء في قول النبي ﷺ : (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضلهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك) والمعنى: أن القتال بين المسلمين وبين الكفار يكون دائماً، ولا توجد هدنة دائمة، بل لا بد من القتال بين المسلمين والكفار في كل زمان في بلد من بلاد المسلمين حتى تقوم الساعة، وينصر الله المؤمنين المتمسكين بدينه، فلا تزال هذه العصابة ظاهرة يقاتلون إلى ذلك الحين.
وقد يقال: إن المسلمين مغلوبون في كل مكان في الأرض، فكيف نفهم قول النبي ﷺ (لا تزال طائفة منصورة).
و
الجواب
إن النصر على الكفار حاصل ولو في مكان من الأماكن، وتوجد انتصارات للمسلمين في بعض البلدان، وإن كانوا مهزومين في أماكن كثيرة جداً، فتجدهم في بلاد الأفغان مثلاً ينتصرون على الروس، وإن كانت قد تحدث كبوة بعد ذلك وينتصر عليهم الكفار، ولكن لا يزال يوجد من يقاوم الكفار في هذه الأماكن إما بالسيف والسنان أو بالحجة واللسان، وهذا نصر من الله، عندما تجد من يخرج على المسلمين فيشتم دين الله ﵎، ويتكلم عن دين الله، ويريد من يناظره، فيخرج الله له من المسلمين من يدحض حجته، ويخزيه الله على يده.
وقد رأينا مثل ذلك في مناظرات الشيخ أحمد ديدات رحمة الله عليه، وقبله الشيخ رحمة الله الهندي وغيرهما من علماء المسلمين الذين ناظروا الكفار، فأدحض الله حجتهم، وطمس فريتهم، ونصر دينه ، ودخل الكثيرون في دين الإسلام.
وقد قيل: رب ضارة نافعة، فتجد الكفار يسيئون للإسلام ثم تجد كثيراً منهم يدخلون في دين الله ﵎ ويؤمنون بالله ويجعل الله منهم من يدعو إلى دينه.
стр. 3668
اتباع اليهود والنصارى والتشبه بهم
من الأحاديث التي جاءت عنه ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي أخذ القرون قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع) فيخبر النبي ﷺ أنه لن تقوم الساعة حتى يترك كثير من المسلمين دينهم، ويقلدون فارس عباد النار والروم النصارى، فإذا بالمسلمين اليوم يقلدون هؤلاء أو من يكون في هذه البلاد، فصدق النبي ﷺ فيما أخبر.
وقد قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه وراءهم، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!) أي: من غيرهم؟ فستقلدون اليهود والنصارى، وهذا حاصل اليوم، فتجد المسلمين في كل مكان يقلدون هؤلاء في زيهم وفي طريقتهم في الحياة، ويقلدونهم فيما يصنعونه في بلادهم، وكيف يتحكم بعضهم في بعض، ويجعلون صاحب المال فوق غيره، وقد نزعت الرحمة من قلوبهم، فالغني عنده المال الكثير، ولا يواسي به فقيراً أو يعطف عليه، وإن كانوا يتشدقون بالإنسانية، ويتشدقون بالكلام عن الحرية، وهذا كلام للاستهلاك فقط، أما الحقيقة فلا يوجد شيء من ذلك.
أما ما يقدمونه من الإعانات للبلاد الأخرى فذلك بمقابل إلغاء الدين في تلك البلاد.
ومثال ذلك: الحصار الاقتصادي على فلسطين، والجيوش التي تكون عليهم من اليهود، والأسلحة التي تعطى لهم لتدمير الفلسطينين وغيرهم من المسلمين الذين يقولون: لا إله إلا الله، ويطلبون شرع الله ، فيقاتلونهم على أنهم إرهابيون، وعلى أنهم جماعات متطرفة وعصابة من العصابات.
أما اليهود الحثالة والعصابة المجرمة الكفرة الذين عاثوا في الأرض فساداً، والذين يدمرون ويقتلون ويخربون، فهم أصحاب الفهم الصحيح، وأصحاب المال الذين تكون معهم أمريكا وأوروبا وغيرهم.
فإذا قتل يهودي واحد هاجت الدنيا، وإذا قتل المئات والألوف من المسلمين فلا أحد يتكلم عنهم، فما هي الحرية التي يتكلم عنها هؤلاء؟! وما هو الإخاء الإنساني الذي يتكلمون عنه؟ أما المعونات فتخرج مشروطة يقولون: تحللوا واخرجوا من دينكم لنعطيكم هذه المعونات، أما أن تبقوا على الدين فلا نعطيكم شيئاً.
مثل ذلك: أنه ينتجون القمح بكميات هائلة، حتى إنهم يرمون الفائض في البحر، ولا يعطى للبلاد التي فيها مجاعات، فإذا أعطته أمريكا تعطيه لبعض الدول كنوع من المعونة؛ لكي يتحكموا فيها، فيسألون: ما هو النظام الموجود عندكم؟ وكيف ستتعاملون معنا؟ فهناك فرق بين هؤلاء وبين المسلمين الذين يتعاطفون ويتراحمون مع خلق الله .
وقد أرسل الله النبي ﷺ رحمة للعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] أي: للخلق جميعهم، فهو رحمة صلوات الله وسلامه عليه للعالمين، أما هؤلاء فالرحمة عندهم شعار زائف، أما الحقيقة فلينظر إلى ما يصنع في العراق وفي فلسطين وفي أفغانستان وفي كل الدنيا حين يتحكمون في هذه البلدان.
يقول النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي أخذ القرون قبلها، شبراً بشبر وذراعاً بذراع، قيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا أولئك؟!) يعني: تقليد الكفار، فالروم كانوا نصارى، وفارس كانوا عباد النيران، أي: سترجعون مرة ثانية تتبعون هؤلاء فيما يفعلون، وما يقولون.
فما يصنعه اليهود والنصارى يصنعه المسلمون مقلدين لهم.
وجاء في حديث آخر: (حتى لو أن أحدهم أتى أمه في الطريق لفعله هؤلاء) أي: يقلدونهم في استباحة الزنا، فقد يأتي على بلاد المسلمين وقت يستبيحون فيه ذلك، أو يباح لهم أن يصنعوا ذلك من حكامهم وغيرهم، فيتناسون دين الله ويقعون في المعاصي، فيأتيهم الذل والخزي من الله سبحانه.
стр. 3669
الرجوع إلى عبادة الأوثان
جاء في حديث آخر: (لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة) وهذا صنم من أصنام دوس في الجاهلية، كانوا يعبدونه من دون الله، وطلب النبي ﷺ من جرير بن عبد الله البجلي الصحابي الفاضل ﵁ أن يخلصه منه قال: (ألا تريحني من ذي الخلصة؟ فقال للنبي ﷺ : ادعوا الله لي فإني لا أثبت على الخيل)، يعني: أنا أقاتل على رجلي ولا أقدر على ركوب الخيل، فدعا له النبي ﷺ فثبته الله وذهب إلى المكان الذي فيه هذا الصنم فدمره وحرقه، ورجع إلى النبي ﷺ وقال: لقد تركته كالجمل الأجرب، أي: تركت هذا البيت الذي يعبدونه من دون الله كالجمل الأجرب، فدعا له النبي ﷺ أن يبارك الله فيه وأن يبارك في قومه.
فالغرض: أن هذا الصنم الذي دمر في حياة النبي ﷺ سيرجع مرة ثانية، وسيعبده الناس من دون الله سبحانه.
ومعنى الحديث: أن من أكثر الناس اتباعاً لهذه الشركيات النساء في كل مكان، فتجد المرأة تنسى نفسها وتتوجه في حاجتها إلى السيد الفلاني، والمقصود أن من أوائل من يصنع ذلك النساء، فالمرأة تطوف مرة ثانية على هذا الصنم؛ لتعبده من دون الله سبحانه، ولن تفعل ذلك النساء إلا بموافقة الرجال الذين يكونون تاركين دينهم وراء ظهورهم، وهذه الأحاديث التي نذكرها كلها أحاديث صحيحة، فلا نحتاج أن نذكر صحة كل حديث.
стр. 3670
طلوع الشمس من مغربها
قال النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعين، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً) فيذكر لنا ﷺ أعظم العلامات وهي طلوع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا، ولكن لا ينفعهم هذا الإيمان، كمن يأتيه الموت فيصدق أنه توجد جنة ونار وملائكة، لكن لا ينفعه هذا الإيمان؛ لأنه صار معايناً، أما الإيمان المطلوب فهو الإيمان بالغيب.
وهذا الذي ذكره النبي ﷺ تفسير لقوله تعالى: ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، قال ﷺ : (ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه).
وذلك أن الساعة تأتي بغتة وقد نشر البائع والمشتري الثوب ليتبايعان عليه فلا يكملان البيع.
قال ﷺ : (ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه) أي: أخذ حليب ناقته فتقوم الساعة، يموت قبل أن يشربه.
قال ﷺ : (ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه) أي: يصلح الحوض ليسقي فيه إبله فتقوم الساعة قبل أن يسقي فيه.
قال ﷺ : (ولتقومن الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا يطعمه) يعني: يغمس اللقمة ثم يرفعها إلى فمه فتقوم الساعة واللقمة على فمه فيسقط ميتاً.
وهذه الساعة المقصود بها موت الإنسان بغتة، وكم من إنسان يقال له: سيموت بعد ساعة أو ساعتين ثم يعيش أياماً وشهوراً، وآخر يقال له: أنت لا زلت شاباً فيموت في شبابه! فالموت لا يملكه إلا الله ، ويأتي الإنسان بغتة.
стр. 3671
بقية علامات الساعة الصغرى
قال النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعين، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً) فيذكر لنا ﷺ أعظم العلامات وهي طلوع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا، ولكن لا ينفعهم هذا الإيمان، كمن يأتيه الموت فيصدق أنه توجد جنة ونار وملائكة، لكن لا ينفعه هذا الإيمان؛ لأنه صار معايناً، أما الإيمان المطلوب فهو الإيمان بالغيب.
وهذا الذي ذكره النبي ﷺ تفسير لقوله تعالى: ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، قال ﷺ : (ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه).
وذلك أن الساعة تأتي بغتة وقد نشر البائع والمشتري الثوب ليتبايعان عليه فلا يكملان البيع.
قال ﷺ : (ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه) أي: أخذ حليب ناقته فتقوم الساعة، يموت قبل أن يشربه.
قال ﷺ : (ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه) أي: يصلح الحوض ليسقي فيه إبله فتقوم الساعة قبل أن يسقي فيه.
قال ﷺ : (ولتقومن الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا يطعمه) يعني: يغمس اللقمة ثم يرفعها إلى فمه فتقوم الساعة واللقمة على فمه فيسقط ميتاً.
وهذه الساعة المقصود بها موت الإنسان بغتة، وكم من إنسان يقال له: سيموت بعد ساعة أو ساعتين ثم يعيش أياماً وشهوراً، وآخر يقال له: أنت لا زلت شاباً فيموت في شبابه! فالموت لا يملكه إلا الله ، ويأتي الإنسان بغتة.
стр. 3672
قتال المسلمين لليهود
من الأحاديث التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه قوله: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر: يا مسلم! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله) والعجيب أن الكثيرين من اليهود يعرفون ذلك، ولا يدفعهم ذلك إلى أن يدخلوا في الإسلام.
وبعضهم يجادل بعض المسلمين في أمريكا وفي غيرها ويقول له: أليس عندكم في الحديث: (لا تقوم الساعة حتى يقول الحجر: ورائي يهودي تعال فاقتله)، فاصبروا حتى يتكلم الحجر واتركونا الآن! فهم يعرفون ذلك والمسلم يتشكك فيه.
ومعنى هذا الحديث: أنه سيكون قتال بين المسلمين وبين اليهود ينتصر فيه المسلمون، ومن إعانة الله تعالى للمسلمين أن ينطق الحجر والشجر، فيقول: تعال اقتل اليهودي المختبئ ورائي.
ولكن المسلم يتناسى أن النصر من عند الله سبحانه، ويطلبه من المشرق والمغرب؛ إلا من رحم الله تعالى.
стр. 3673
هدم الكعبة
من الأحاديث أيضاً ما قاله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت) أي: لا تقوم الساعة حتى لا تزار الكعبة، ولا يحج إليها أحد، فينسى الناس ربهم ودينهم.
وحديث آخر يقول: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله) يعني: يبتدئ ذهاب الدين من الناس شيئاً فشيئاً، وقد جاء عن النبي ﷺ رفع هذا الدين من الناس، فأخبر (أن الكعبة ينقضها حجراً حجراً ذو السويقتين من الحبشة) وأمرنا النبي ﷺ (أن نترك أهل الحبشة ما تركونا، فإنه لا ينقض الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة) والسويقتان تصغير الساقين، وكأن ساقيه معوجتان، فإذا هدمت الكعبة على يد هذا لم ترفع بعد ذلك.
ونسيانهم للدين ومنه الحج سببه المعصية لله تعالى، وإدارة العاصي ظهره لدينه.
ودين الله دين عزيز، والقرآن كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، نزل من عند الله الحكيم الحميد، فمن يستحق ذلك أخذه، ومن لا يستحقه ولا يفهمه لا يأخذه.
стр. 3674
تحلية المصاحف والتباهي بالمساجد
إذا ترك المسلمون مصاحفهم وتركوا دينهم وراء أظهرهم واهتموا بتزويق المصاحف جاءهم الهلاك كما قال النبي ﷺ : (إذا حليتم مصاحفكم وتفاخرتم بمساجدكم فالدمار عليكم).
فإذا كان اهتمام الإنسان بشكل المصحف وورقه وجلده وحجمه، ولا يعرف ما فيه ولا يقرأ آياته، وكذلك اهتمامه بزخرفة المسجد ولا يصلي فيه، قال: (فالدمار عليكم) أي: لا تستحقون أن تعيشوا ولا تستحقون أن تنصروا فالدمار عليكم؛ لأنهم اهتموا بما لم يؤمروا به، وإنما أمروا بما في كتاب الله أن يحفظوه وأن يعملوا به.
قال النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)، (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله)، وقال: (لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت) فهناك أشياء تسبب فيها المسلمون أنفسهم فأعطوا ظهورهم لكتاب الله لم يتعلموه ولم يعملوا به، فيأتي عليهم زمان يرفع القرآن فيصبحون ولا يجدون هذا المصحف العظيم، فهو من الله جاء وإلى الله يرجع مرة ثانية.
ثم بعد ذلك يتهارجون تهارج الحمر، يصبحون كالوحوش في الغابات، ليس عندهم كتاب من الله ، والكعبة تهدم ولا يعرفون الصلاة حتى إن الناس ليقولون: سمعنا الناس يقولون ذلك، أو أن الرجل يذكر عن أجداده أنه سمعهم يقولون: الله الله، ففي النهاية أخذ الله تعالى منهم ما نزل عليهم.
لذلك المسلم الآن في رحمة من الله ، عنده كتاب الله، وعنده المساجد، والكعبة موجودة، فلا يفرط في هذه الأشياء بل يحرص على أداء ما أمره الله بأدائه.
стр. 3675
قلة العلم والعلماء
قال النبي ﷺ : (إن الله لا يرفع العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب العلماء، وإنما يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).
فطالما القرآن محفوظ والسنة معروفة والعمل بهما قائم فليطمئن المسلمون فلن ينتزع الله الدين منهم، فالله لا يأخذ العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، إنما يأخذه بموت العلماء، فيستفتى الناس الجهال فيضلونهم.
والعلم ليس مجرد الحفظ، إنما العلم معرفة ما في كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، وكذلك التقوى التي في القلب، أن يكون العالم تقياً لله، يخاف من الله سبحانه، ويقيم شرع الله .
وانظر لـ عبد الله بن مسعود ﵁ يوم أن جاءه الناس ويقولون: إننا تركنا رجلاً جالساً في المسجد والناس من حوله وهو يقول لهم: سبحوا الله مائة، يعني: تسبيحاً جماعياً، ويقول: احمدوا الله مائة، كبروا الله مائة.
ولو أن أي إنسان غير هذا الصحابي الفاضل أو غير أصحاب النبي ﷺ الذين عرفوا هذا الدين من كتاب الله ومن سنة النبي ﷺ أخبر بذلك لقال: وماذا في ذلك؟ رجل قاعد في المسجد مع الناس يذكرون الله تعالى! لكن ابن مسعود ﵁ لما سمع ذلك ذهب فوجد الحلقة والرجل قاعد في وسط الحلقة يصنع ما ذكر، فقال ابن مسعود ﵁: والله لأنتم على ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو أنكم مفتتحو باب ضلالة؟ يعني: إما أنتم أحسن من النبي ﷺ وإما أنتم على ضلال، فهذا شيء لم يفعله النبي ﷺ .
فقالوا له: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير.
قال: وكم من مريد للخير لا يبلغه.
فليس الأمر أن تفعل شيئاً، وتقول: أنا أتقرب إلى الله به، إنما يجب أن تنظر قبل العمل هل فعله النبي ﷺ أو لم يفعله؟ فقد مكث النبي ﷺ مدة حياته لم يفعل ذلك التحلق والذكر الجماعي، وإنما أرشد وعلم وترك كل واحد يذكر الله على انفراد، ولما علمهم الذكر عقب الصلاة يسبحون الله ثلاثاً وثلاثين، ويحمدون الله ثلاثاً وثلاثين، ويكبرون الله ثلاثاً وثلاثين، ويقولون: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، تمام المائة، أو يحمدون ويكبرون ويسبحون كل واحدة إحدى عشرة حتى يكون المجموع ثلاثة وثلاثين، ولم يفعل ذلك جماعياً، إنما السنة أن يفعل ذلك فرادى.
أما التحديد بهيئة معينة لم يفعلها النبي ﷺ ، فيظن الفاعل في نفسه أنه أفضل من النبي ﷺ ، بل عليه أن يفعل ما فعله النبي ﷺ ، وبذلك يحفظ دين الله من البدع والضلالات.
وهناك الآن من يفتي الناس ويقول: كل الأحاديث المروية عن النبي ﷺ صحيحة، ولا توجد أحاديث ضعيفة؛ لأن الذين رووها أناس يحترمون النبي ﷺ ويقدرونه! ويريدون بذلك إلغاء علم الحديث وعلم المصطلح، وبناءً على ذلك لا ينكرون ما قد يزاد من أشياء لا تصح كالزيادة في ألفاظ الأذان، ويقولون: ليس في ذلك شيء.
نقول: هذه عبادة، ولها ألفاظ مخصوصة علمنا إياها النبي ﷺ فلا نزيد فيها، ولو فتح هذا الباب لزاد كل إنسان ما يستحسنه.
ومرة دخلت مسجداً والمؤذن يقيم الصلاة ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا ومولانا محمد رسول الله! ولم نسمع مثل هذا إلا بعدما جاء هذا المفتي الجديد وقال للناس: ليس في ذلك شيء.
ونحن ما صدقنا أن ألغي ما كانوا يصنعونه بعد الأذان، فيقف المؤذن بعد الأذان ويقول: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله، يا خير خلق الله!! ونحن لا ننكر أبداً أنه رسول الله وخير خلق الله وأحب الخلق إلى الله، ولكن ننكر الزيادة في الأذان؛ لأن ألفاظه مخصوصة، وعددها إما تسعة عشر لفظة أو سبعة عشر لفظة أو خمسة عشر أو أحد عشر لفظة، وذلك معلوم من قول النبي ﷺ أو من تقريره، ولا نفتح باباً للبدع، ولو قلنا بقول هذا المفتي لما أنكرنا على الشيعة قولهم في الأذان: حي على خير العمل.
فتنفيذ أمر النبي ﷺ هو من التأدب معه، أما من يفصل بينهما فيقول: أنا أتأدب مع النبي ﷺ ويخالف بتأدبه المزعوم الأمر فهذا سوء أدب مع النبي ﷺ ، ومع الرب ، حيث يترك دين الله ويشرع ديناً آخر! وقد سأل رجل الإمام مالك رحمة الله عليه فقال: من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة، قال: ما علي لو أحرمت من المدينة؟ يعني: من غير الميقات فقال: أخاف عليك الفتنة.
قال: وأي فتنة في ذلك، إنما هي أميال أزيدها، يعني: فيكون أكثر في الإحرام وأكثر في الثواب.
فقال: وأي فتنة أعظم من أن تظن أنك فعلت ما لم يفعله النبي ﷺ ! والنبي ﷺ كان في المدينة ولم يحرم منها، إنما أحرم من ذي الحليفة، وبينها وبين المدينة خمسة أو ستة كيلومتر، وقد كان أهون عليه أن يغتسل في بيته ويلبس لبس الإحرام ويستريح من هذه المسافة الزائدة، لكنه لم يفعل ذلك؛ لأن هذا هو الميقات الذي شرعه الله .
فتأمل هنا فقه الإمام مالك رحمة الله عليه! قال الإمام مالك: يقول الله : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] أي: فليحذر الذين يخالفون عن أمر النبي ﷺ أو أمر الله تحت أي دعوة من الدعوات، وما من بدعة تبتدع في الدين إلا وألغيت مقابلها سنة، فإذا أنكرت على من يزيد في ألفاظ الأذان قوله: أشهد أن سيدنا ومولانا محمد رسول الله ﷺ ، يقول لك: أنت لا تحب النبي ﷺ ! وكذلك يقول: الأعداء يشتمون النبي ﷺ وأنتم تقولون ما تقولون! سبحان الله! هل ينصر النبي ﷺ بالابتداع في دين الله ، ولكن علينا أن نتمسك بدين الله ونحذر من البدع والضلالات، ونكون كما قال الله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣].
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3676
تفسير سورة محمد [١٨ - ٢٠]
توحيد الله هو الغاية من خلق الخلق، وقد جاءت جميع الشرائع لتحقيق توحيد الله وتكميله وإزالة ما يناقضه وينقصه، وقد أمر الله رسوله بالعلم بأنه لا إله إلا الله قبل أن يأمره بالعمل، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل.
стр. 3677
تفسير قوله تعالى: (فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة محمد ﷺ : ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ * فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد:١٨ - ٢١].
لما ذكر الله سبحانه ﵎ أمر الساعة وقال للكفار ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨]، فقد حذر الله سبحانه ﵎ عباده جميعهم من الحساب يوم الحساب، وإذا جاءت الساعة فهي تأتي بغتة سواءً الساعة الكبرى القيامة، أو ساعة كل إنسان يعني: وقت وفاة كل إنسان، فإذا جاء وقت الوفاة فهو يأتي بغتة، ولا يستطيع العبد أن يراجع نفسه أو يتوب أو يرد المظالم إلى أصحابها، بل لعله لا يقدر على أن يتلفظ بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله إذا جاءت ساعته، وذلك حين لا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] أي: جاءت أشراط الساعة وقدمنا الأحاديث التي فيها هذا المعنى.
قال الله : ﴿فَأَنَّى لَهُمْ﴾ [محمد:١٨] أي: من أين لهم؟ وكيف لهم؟ إذا جاءت الساعة وإذا جاءت القيامة وإذا جاء الموت ﴿إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد:١٨] الذكرى والتذكر والتذكرة، فتنجيهم هذه التذكرة وتنفعهم الذكرى، قال الله : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]، ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]، والذكرى لا تنفع في وقتين: وقت القيامة الكبرى، ووقت الوفاة حين تحشرج النفس وتبلغ الروح الحلقوم، فذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.
ومعنى قوله تعالى: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد:١٨]، بمعنى: تذكيرهم بما عملوه من خير أو شر ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد:١٨]، فعلى ذلك ربنا يحذر الإنسان من عدم التوبة وتسويفها إلى أن يأتي الموت فلا يقدر على التذكرة.
стр. 3678
تفسير قوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك)
يقول سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٩]، (فَاعْلَمْ)، وهو يعلم ﵊، وهو الداعي إلى الله والداعي إلى هذه الكلمة، والعلم المذكور هنا ليس العلم المنافي للجهل وإنما المنافي للشك، فالجميع يعلمون أن الله هو الخالق الرازق البارئ القادر على كل شيء سبحانه ﵎، ويعلمون ربوبية الله سبحانه ﵎؛ ولذلك لم يجادل أحد من الكفار في أن الله هو الرب، بل هم مقرون بذلك، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧].
وهذا أمر مفروغ منه عند الكفار ومثل المسلمين، ولا يجادلون في هذا الشيء، فهو الذي يأتي بالشمس من المشرق، وهو الذي يخفي الشمس في المغرب، فلا يوجد أحد من آلهتهم يزعمون أنها تفعل ذلك، لكن الأمر فيمن يعبدون، فمن يعبدون؟ وإلى من يتوجهون في العبادة؟ فقال الله لنبيه ﷺ وللمؤمنين وللخلق جميعهم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] أي: استيقن من ذلك، فقد علمتم أن الآلهة التي تعبدونها لا تنفع ولا تضر، فاستيقنوا يقيناً لا شك فيه أن الإله المستحق للعبادة هو الرب الذي ينفع ويضر ويرفع ويخفض ويعز ويذل سبحانه، فاعلم أنه هو وحده المستحق للعبادة.
ولقد زينت الشياطين للمشركين أن يعبدوا الأصنام بحجة أنها توصل إلى الله، وكأنهم يتواضعون وأنهم لا يقدرون أن يوصلوا إلى ربنا دون واسطة، وهو يخبرنا أنه ليس كذلك، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]، والله قريب من عباده، ولا داعي أن تجعل الواسطة بينك وبين الله سبحانه ﵎.
стр. 3679
فضل العلم
سفيان بن عيينة سئل عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله حين بدأ به ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]؟ يعني: فضل الله العلم حين بدأ بالعلم، فأمر النبي ﷺ وقال: ((فاعْلَمْ))، وأول ما بدأ النبي ﷺ بوحي من السماء قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، ولقد فضل الله عباده أن خلق لهم عقولاً يعون بها ويعقلون ويعلمون بها فيعملون، فقال: ألم تسمع قوله حين بدأ به أي بالعلم ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]؟ فأمر بالعمل بعد العلم.
والاستغفار ينفع العبد؛ لأنك علمت من الذي تستغفره، وعلمت من هو ربك بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، فهو الله الغفور فتستغفر وأنت موقن أنه سيغفر سبحانه ﵎.
قال سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد:٢٠]، إلى أن قال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [الحديد:٢١]، فاعلم وبعد ذلك سابق إلى المغفرة بعدما تعلم أن الدنيا لعب ولهو.
وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٢٨].
فبعدما أعلمكم الله سبحانه ﵎ بأمر الأزواج قال في سورة أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤]، فاحذروا هذه الأصناف.
وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١]، فعلمكم الله ثم قسم هذه الصدقات على ما ذكر الله سبحانه ﵎، فأمر بالعمل بعد العلم.
فالإنسان ليعمل لابد أن يعلم، وقبل أن تصلي لابد أن تعلم ما هي الصلاة، وكيف تتقرب بها إلى الله ، وكيف تأتي بشروطها وأركانها وأفعالها وهيئاتها وسننها، فالعلم ثم العمل، وكذلك في كل العبادات وفي كل المعاملات وفي كل شيء تفعله في دين الله عليك أن تتعلم ثم تعمل.
стр. 3680
الحث على الاستغفار للنفس وللمؤمنين
قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] أي: استيقن بذلك، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، فأمر النبي ﷺ بالاستغفار، وقد قال الله له: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢]، فهو مغفور له ذنبه، وهو معصوم ﵊ من أن يقع في شيء يغضب ربه سبحانه ﵎.
إذاً كأنه يعلم المؤمنين إذا كان النبي يستغفر ويكثر من الاستغفار فأنتم أولى أن تستغفروا ربكم سبحانه.
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] أي: استغفر إن وقع منك ذنب، واستغفر ليثبتك الله على الهدى فلا تقع في ذنب، وقد كان ﵊ يجلس في المجلس الواحد ويقول: (إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)، بل كانوا يعدون له في الجلسة الواحدة سبعين مرة يستغفر فيها الله ويتوب إليه صلوات الله وسلامه عليه.
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩]، فأمر النبي ﷺ في هذه الآية أن يستغفر لنفسه وأن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات أيضاً، وقد علمنا النبي ﷺ ألا نبخل بالدعاء، فالإنسان البخيل الذي يبخل بالدعاء لإخوانه المسلمين كأن يقول: رب اغفر لي واغفر لفلان واغفر لفلان، والبخيل من دعا لنفسه فقط، ولذلك الأعرابي الذي قال أمام النبي ﷺ : اللهم! ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، شبهه النبي ﷺ ببعير أهله وقال: (لقد حجرت واسعاً)، فرحمة الله عظيمة واسعة، وأنك بقولك هذا تحجر رحمة الله، قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]، فقد خلقهم ليرحمهم سبحانه ﵎، فرحمة الله عظيمة واسعة، فمن جهل بربه سبحانه ﵎ كان كهذا الأعرابي الجاهل، فلذلك قال ربك: ﴿فَاعْلَمْ﴾ [محمد:١٩] أي: اعلم من الذي تستغفره، ومن الذي تعبده، ومن الذي تطلب منه فتتأدب معه سبحانه ﵎، ولا تحجر رحمته ولا مغفرته سبحانه ﵎.
قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩]، فكان النبي ﷺ يستغفر لنفسه ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وفي الحديث الذي رواه مسلم من حديث عبد الله بن سرجس المخزومي ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وأكلت معه خبزاً ولحماً)، فقال راوي الحديث عنه عاصم الأحول قال: هل استغفر لك النبي ﷺ ؟ فقال الصحابي الفاضل عبد الله بن سرجس: نعم، ولك، فليس لي فقط، وإنما استغفر لي ولك، وعاصم بن الأحول ما شاهد النبي ﷺ فهو تابعي ولكنه تلا هذه الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩]، فلم يحرم أحداً من هذه الأمة من دعوة صلوات الله وسلامه عليه، فقد دعا لأمته واستغفر لنفسه ولأمته صلوات الله وسلامه عليه، فتلا الصحابي هذه الآية، قال الصحابي الذي جلس مع النبي ﷺ : (ثم تحولت فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه صلوات الله وسلامه عليه).
وكان معلوم عند أهل الكتاب أنه ما من نبي يبعث إلا وله خاتم النبوة، وهي علامة يعرف بها أنه نبي، فمن كان يخالطهم كان يأتي للنبي ﷺ ويحاول أن يرى ظهر النبي ﷺ وينظر خاتم النبوة، وهو قطعة من اللحم مثل بيضة الحمامة كانت بين كتفيه صلوات الله وسلامه عليه، من أجل التأكد من صحة أنه نبي صلوات الله وسلامه عليه.
فعلم الله النبي ﷺ أن يستغفر ربه وأن يستغفر للمؤمنين، وأن يدعو للمؤمنين وللمؤمنات بالمغفرة، وكذلك علمنا النبي ﷺ أن ندعو لأنفسنا وللمؤمنين، فقال: (إذا دعوت لأخيك بظهر الغيب أمن الملك وقال: آمين ولك بمثله)، فعندما تدعو لأخيك فأنت ستحصل على تأمين الملك فهو يقول: (آمين ولك بمثل) يعني: أدعو لك بمثل ما دعوت لأخيك.
ومن أعظم وأجمل ما جاء عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (من استغفر للمؤمنين والمؤمنات أعطاه الله بكل مؤمن حسنة)، وأعداد المؤمنين تتجاوز الملايين، وهذا عدد الأحياء فقط أما الأموات ومن يكونون إلى قيام الساعة فأكثر من ذلك بكثير، فحين تدعو لنفسك وتقول: اللهم! اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وتدعو لجميع المؤمنين من هذه الأمة، وتدعو لجميع المؤمنين تعطى بكل مؤمن حسنة، فلا تبخل بالدعاء لإخوانك فإن من أبخل الناس من بخل بالدعاء.
следующие страницы →