Полный текст (3 717 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
تفسير قوله تعالى: (وقال الملأ من قومه إنكم إذاً لخاسرون)
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون:٣٣].
الملأ: هم علية القوم في الناس، و (الملأ) مأخوذة من ملء الشيء، ملأ الإناء يمتلئ امتلاءً، فهؤلاء الملأ كأنهم الذين يملئون العيون، ويملئون أماكنهم، ويكون في قلوب الناس منهم هيبة لمكانهم ومكانتهم، ولكونهم كبار القوم.
قوله: ((وَقَالَ الْمَلَأُ)) أي: الكبار من القوم، ((مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ)) أي: صفاتهم أنهم كفار وأنهم مكذبون بيوم الدين، وبلقاء رب العالمين سبحانه، ((وَأَتْرَفْنَاهُمْ في الحياة الدنيا)) أي: والحال أننا قد أترفناهم وأعطيناهم الرغد من العيش، والخصوبة والمال الوفير الكثير، والنعمة التي يتنعمون بها، فهؤلاء لما نظروا إلى أنهم مترفون وأنهم الكبار من القوم اغتروا بذلك، فقالوا عن نبيهم صلوات الله وسلامه عليه: ((مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ))، أي: لا يوجد إلا هذا الذي يأتيكم ليدعوكم إلى الله، وهو بشر مثلكم، ((يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ)) أي: يأكل ويشرب مثلكم، وإذا كان يأكل ويشرب فإنه سيخرج هذا الشيء ويتبول ويتغوط، فلا ميزة له علينا.
فهؤلاء لم ينظروا إلى الحجة والدليل، وإنما نظروا إلى الهيئة التي أمامهم، وقالوا: هذا إنسان مثلنا فكيف يكون أحسن منا؟! فهو يأكل ونحن نأكل ويشرب ونحن نشرب، ويقضي حاجته ونحن مثله، فما الذي فضل به علينا؟ فهم لم يسمعوا لما يقول؛ لأن الكفر يدفع الإنسان للعمى وعدم النظر في حجة من يتكلم، والمكانة والرياسة والسيادة للإنسان كل ذلك يجعله يعمى عن أن ينظر إلى الحجة، أو يخاف على المكان الذي هو فيه، فيقول: لا داعي للنظر في دليل وفي حجة، فتجد الواحد منهم يرد ويقول: إنك لا تفهم شيئاً، وتقول كلاماً مثلنا.
قالوا: ((مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ))، وأصلها (ويشرب مما تشربون منه) أي: يشرب نفس الشراب الذي تشربونه.
قال تعالى حاكياً عن قوم هود: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون:٣٤]، انظر هنا إلى الكلام الذي ليس له معنى! نقول: إذا كانت طاعة البشر فيها الخسران، فهؤلاء الذين يطيعونكم أنتم، أنتم بشر وهم بشر، فلماذا طاعة نبيكم فيها الخسران وطاعتكم أنتم ليست فيها الخسران؟! إذاً: إذا احتججتم عليهم بهذا الشيء -وهو أنكم إذا اتبعتم بشراً فإنكم خاسرون- فكذلك أنتم بشر إذا اتبعوكم فهم خاسرون، ولكن العمى عن دين الله رب العالمين يجعل الإنسان يهرف بما لا يعرف، ويتكلم بما لا يفهمه هو ولا يقتنع بما يقول، ولكنهم يظنونها حجة يقولونها فقالوها: ((وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ)) فهو من البشر، ولكنه لا يأمرهم بطاعة نفسه، وإنما يأمرهم بطاعة الله رب العالمين سبحانه، فالطاعة لله، فلو دروا ما يقولون لعلموا أن هذا وإن كان بشراً فإنه لا يدعو إلى طاعة نفسه، ولكن يدعو إلى طاعة رب العالمين، بما جاء به من عند ربه.
إذاً: طاعة الله فيها الفلاح لو كان يعقلون.
стр. 422
تفسير قوله تعالى: (أيعدكم أنكم إذا متم هيهات هيهات لما توعدون)
قال الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون:٣٥] أي: يعطيكم الوعد وتصدقونه في الكلام الذي يقوله: أننا بعدما نموت ونكون تراباً وعظاماً سنخرج مرة أخرى؟ وقوله: ((مِتُّمْ))، هذه قراءة نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف بالكسر، وقراءة الجمهور غير هؤلاء يقرءون: (إذا مُتم) بالضم من مات يموت موتاً، ومات يمات كذلك، فتكون مِتُ ومُتُ.
قوله: ((إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا)) أي: صرتم تراباً وعظماً، ((أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ)) هؤلاء يتعجبون ويقولون: كيف سنرجع مرة ثانية إلى هذه الدنيا؟! قال تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون:٣٦] أي: لم ننظر أحداً مات ثم رجع، وكأنهم يقيسون الآخرة على الدنيا، ولذلك قالوا: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون:٣٥ - ٣٦] وقوله: (هيهات) أي: بعد بعداً عظيماً، ومستحيل أن يكون هذا.
فقوله: ((هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ))، هذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي جعفر (هيهاتِ هيهاتِ لما توعدون) بالكسر فيها، ووقف عليها الكسائي وأبو عمرو هكذا: (هيهاه) وإذا وصلاها قالا: (هيهات هيهات) على قراءة الجمهور، لكن الجمهور إذا وقفوا عليها قالوا: (هيهات) بالتاء.
стр. 423
تفسير قوله تعالى: (إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن له بمؤمنين)
قال الله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون:٣٧]، أي: ما هي وما الشأن والأمر إلا أننا نعيش في هذه الدنيا ثم نموت وما نحن بمبعوثين.
وهنا قدموا ذكر الموت على الحياة، فهل هذا فيه دليل على أنهم يؤمنون بأن بعد الموت حياة؟ لا، هم لا يقصدون هذا؛ لأنهم لو قصدوا ذلك لما قالوا بعد ذلك: ((وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)) لكن المقصود من كلامهم: ((نَمُوتُ وَنَحْيَا)) أنه يموت جيل ويحيا جيل آخر، يموت الآباء ويحيا الأبناء، ويموت الأبناء ويحيا الأحفاد وهكذا، أو (نموت ونحيا) أي: كنا أمواتاً وكنا نطفاً ثم صرنا أحياء، وبعد ذلك نموت ولا بعث بعده، أو على التقديم والتأخير، وأصلها نحيا ونموت، أي: حياة وبعد ذلك موت ولا يكون هناك بعث مرة أخرى.
قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون:٣٨]، يقولون عن نبيهم صلوات الله وسلامه عليه وعلى نبينا: ((إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ)) أي: (ما هو) فقصر الوصف عليه، أي: أن هذا صفة رجل من الرجال مثله مثلنا، ولكنه مفتر كذاب، والافتراء أشد الكذب، ((إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى)) أي: اختلق وكذب، ((عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ))، وكأنهم يقولون: نحن القدوة ونحن لن نؤمن له، فاتبعونا في هذا الشيء، وافعلوا كما نفعل نحن، فإننا لسنا لَهُ بِمُؤْمِنِينَ.
стр. 424
تفسير قوله تعالى: (قال رب انصرني بما كذبون فبعداً للقوم الظالمين)
لما يئس رسولهم ﵊ من إيمانهم دعا ربه سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون:٣٩] أي: هؤلاء الذين كذبوني فانصرني عليهم بسبب تكذيبهم لي، وعدم قدرتي عليهم، فقال الله مطمئناً له: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون:٤٠] أي: اتركهم وانتظر عليهم فهم بعد حين ووقت يسير قليل سيصبحون نادمين على ما فعلوا، فهم يندمون حين لا ينفع الندم، ويطلبون الاستدراك في وقت العدم، انتهى الأمر وجاء العذاب من عند الله سبحانه، ولا رجوع إلى الدنيا مرة ثانية، ولا ينفعهم ندمهم يوم القيامة ولا في قبورهم.
وقوله: ((لَيُصْبِحُنَّ))، اللام قبل الفعل المضارع والنون المثقلة في آخره تدل على القسم، كأن الله سبحانه يطمئنه ويقول: والله ليصبحن نادمين فلا تخف، فكأن الله يقسم لنبيه ﵊ أننا سننصرك عليهم، وسينظرون ما الذي يحدث لهم.
قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون:٤١] هذا هو الذي عاقب الله به قوم عاد، وجاء في آية أخرى قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت:١٦] أي: ريح عاصفة شديدة البرودة عظيمة الهبوب فيها الأحجار تقذف هؤلاء وترفعهم ثم تقلبهم على رءوسهم، فهم ينزلون كأعجاز نخل منقعر، قد انقعر وقد جز من أصله، فالله أرسل عليهم ريحاً شديدة، وصاح بهم ملك من ملائكة رب العالمين، قال تعالى: ((فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) أي: أهلكهم الله ورفعهم بالرياح فألقاهم على رءوسهم، فصاروا كأعجاز نخل منقعر، وقوله: ((فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً)) أي: جعلهم غثاء كغثاء السيل، وهو الزبد الذي يكون على سطح الماء على وجه ماء البحر أو النهر، هذا هو الغثاء الذي ليس له قيمة ولا ينتفع بمثله، فصاروا كهذا الغثاء فلا قيمة لهم ولا قدر لهم.
((فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) أي: سحقاً لهم وتباً لهم وعقوبة شديدة للقوم الظالمين، ليس هؤلاء فقط بل هم وأمثالهم وكل من فيه هذه الصفة صفة الظلم الأكبر، من ظلم نفسه بتركه عبادة الله سبحانه، وظلم أنبياء الله سبحانه فلم يتبعهم فيما قالوا، وكذبهم وافترى عليهم، فبعداً وسحقاً وعذاباً للقوم الظالمين.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 425
تفسير سورة المؤمنون [٤٢ - ٤٩]
يخبر الله عن الأقوام السابقين، وما كانوا عليه من الجهل بالله والكفر والشرك، ولكنه برحمته ولطفه يرسل إليهم الرسل ليقيم عليهم الحجة والبرهان، فمنهم من يؤمن بهؤلاء الرسل ويصدقهم، وهم قليل، ومنهم من يكذب بهؤلاء الرسل ويعاندهم ويحاربهم بكل ما أوتي من قوة، وهم للأسف كثير، فأعداء الرسل والحق دائماً كثر، ولكن الله لهم بالمرصاد.
стр. 426
تفسير قوله تعالى: (ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة المؤمنون: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ * ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:٤٢ - ٤٤].
يخبر الله في هذه الآيات أنه أنشأ بعد قوم نوح وقوم عاد قروناً آخرين، منهم من ذكر الله لنا في كتابه، ومنهم من لم يذكر لنا.
قال: (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ)، المذكورون قبل ذلك كانوا قوم نوح، وقوم عاد أو ثمود، ثم أنشأ الله خلقاً آخر بعدما أهلك قوم نوح، ومن بعدهم أهلك عاداً، ثم أنشأ قروناً آخرين.
стр. 427
تفسير قوله تعالى: (ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون)
قال تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [المؤمنون:٤٣]، الأجل محدود عند الله ، والعمر معدود عنده سبحانه، فلا أمة تسبق أجلها ولا تستأخر عنه، وتسبق الأجل: كأنه يأتيها فتفوت من الأجل، أو أنها تسبقه وتموت ويقضى عليها قبل ما كتبه الله ، ولا يستأخرون عن أجلهم، فإذا جاء الأجل فمهما طلبوا النظرة لا ينظرهم الله ، فهم لا يستأخرون عنه.
إذاً: لا يقدرون على أن يفوتوا الله سبحانه وما هم بمعجزين، لا يموتون قبل الأجل الذي كتبه الله، ولا يتأخرون عن هذا الأجل، فهم لا يسبقون أجلهم ولا يستأخرون.
وقوله: (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ)، أي أمة لها أجل عند الله ، تكون الأمة فيها العدد وفيها العُدد، وفيها الكثرة والقوة، فيأتي عليهم العذاب في حينهم، فإذا بالله يهلكهم ويبيدهم، ويخلق من بعدهم قروناً آخرين، وتصبح هذه الأمة التي كانت في يوم من الأيام موجودة ذكرى من ذكريات الأقوام الذين يجيئون من بعدهم.
فانظروا إلى قوم نوح كيف كانوا، وكيف علو، وكيف كان يقال عنهم: إنهم يعيشون ويعمرون عمراً طويلاً، ونوح ﵊ مكث فيهم يدعوهم إلى الله ، حتى ظن أنهم لن يؤمنوا، يئس من إيمان هؤلاء القوم، وأخبره الله سبحانه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦]، فكانوا في عزة ومنعة وقوة، وفجأة أبادهم الله وأغرقهم فلا شيء من هؤلاء الأقوام يبقى إلا الأثر.
وجاء من بعدهم قوم عاد، ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر:٧]، وقد كانوا يبنون البيوت العالية في الجبال فيتحصنون بها، ويعيثون في الأرض فساداً، فكفروا بالله سبحانه، وكذبوا نبيهم هوداً على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وافتخروا بأنفسهم وبقوتهم وعلوهم؛ فجاء وقتهم وأجلهم، فأبادهم الله سبحانه بصيحة ورياح صرصر شديدة، فأهلكهم وجعلهم ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر:٢٠]، وانتهى قوم عاد فانتهت عاد الأولى.
ثم جاءت من بعدهم عاد الأخرى أو قوم ثمود، ولم يعتبروا بما حدث لقوم نوح ولقوم عاد، والله حذرهم على لسان نبيهم صالح على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
فكل أمة تأتي وتعيش تظن أنها لن يهلكها الله ، فظنوا أنهم لا يزالون موجودين هم وأبناؤهم وأحفادهم وأنهم لن يهلكوا، ولكن الله أبى أن يرفع شيئاً إلا وضعه.
فهنا يذكر أنه أنشأ من بعدهم قروناً آخرين منهم من نعرفهم، ومنهم من لم نسمع عنهم، قال: (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ)، فيأتي الأجل فلا تسبقه ولا تستأخر عنه.
стр. 428
تفسير قوله تعالى: (ثم أرسلنا رسلنا تترا)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:٤٤].
قوله: (تَتْرَا) بمعنى متتابعين، وقد يكون معنى التتابع على كلمة (تترا) أي: بينهم مهلة، فيأتي الرسول ويمكث في قومه فترة، ثم بعد ذلك يأتي هؤلاء القوم فيهلكهم الله ويموت الرسول ﵊، وينشئ الله قوماً آخرين، ويرسل إليهم رسولاً آخر يدعوهم إلى الله ، فكأن قوله: (أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا)، أي: أن قوماً يأتيهم رسول فيهلكهم الله ، ثم يأتي القوم من بعدهم فيرسل إليهم رسولاً، وهكذا.
فالتواتر: هو التتابع، ومنه تواتر المطر أي: نزل بعضه وراء بعض، وهنا الرسل أرسلهم الله متتابعين يتبع بعضهم بعضاً.
وهذا من رحمة رب العالمين بعباده سبحانه، أنه لا يتركهم وأنفسهم وهواهم وشياطينهم، وإلا فإنهم سوف يضلون ولا شك في ذلك، ولكن الله ينزل كتباً من السماء، ويرسل رسلاً لكي لا يكون لهؤلاء الأقوام حجة على الله بعدما أنزل الكتب، وبعدما أرسل الرسل.
والله جعل حججاً كثيرة على ابن آدم، فجعل في نفسه قلباً وعقلاً فينظر ويعتبر ويستمع ويتأثر، ويعرف بفطرته وقلبه وعقله وتفكيره أن هذا الكون لا بد أن يكون له خالق ، ويعرف أن هذا الخالق هو الذي يستحق أن يعبد، ومع ذلك يغويه الشيطان، ويجعله يعبد غير خالقه سبحانه، فلم يترك الله العباد لفطرهم فقط، ولكن أنزل كتباً من السماء، وأرسل رسلاً يدعون القوم إلى ربهم سبحانه، ولعل هؤلاء الأقوام يكذبون الرسل، فجعل مع كل رسول علامة ومعجزة وآية تدل على أنه رسول من عند رب العالمين.
إذاً: هنا أرسل الرسل وجعل معهم الحجج، وجعل الآيات البينات التي يفهمها كل ذي عقل، ويراها كل ذي عينين، وحينها ليس لأحد حجة على الله بعدما فعل بهم ذلك سبحانه.
وقوله: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا) (تترا) فيها قراءات: فعلى الوصل تقرأ: (ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها)، وتقرأ: (ثم أرسلنا رسلنا تتراً كل ما جاء أمة رسولها).
فقرأها أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو بالتنوين: (تتراً) ويظهر هذا في الوصل، وقرأها باقي القراء: (تترا) بالألف في آخرها، فعلى قراءة هؤلاء سيقرأ البعض منهم بالتقليل مثل ورش، وسيقرأ البعض منهم بالإمالة: مثل حمزة والكسائي وخلف، وسيقرؤها الباقون بالفتح: (تترا)، وسيظهر الفرق بين قراءة هؤلاء والآخرين عند الوصل، أي: في قراءة: (تترا كلما)، و (تتراً كلما) وفي الوقف سيظهر أيضاً الخلاف بينهم فيمن يقف عليها بالفتح، ومن يقف عليها بالتقليل، ومن يقف عليها بالإمالة.
قوله: (كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ)، (كل) هنا فيها عموم، فكل الأقوام الذين أرسل الله إليهم رسلاً أول ما يواجهون رسولهم بالتكذيب، ولذلك يخبر الله النبي ﷺ أنه ليس بدعاً من الرسل: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٩]، فهو ليس شيئاً جديداً، بل من قبله كانت هناك رسل، وليس هو أول من جوبه بالتكذيب ﵊، بل كل الرسل من قبله قد جوبهوا بالتكذيب.
إذاً: الإنسان الذي يدعو إلى الله لا ينتظر أن يكون الأمر سهلاً، أنه مجرد ما يدعو إنساناً إلى الله فإنه يستجيب له بسرعة، فلست أكرم على الله من رسله عليهم الصلاة والسلام الذين جوبهوا بالتكذيب من أول ما دعوا.
قال تعالى: (كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ)، أي: أنهم قلدوا من قبلهم، فجاءهم ما جاء الذين من قبلهم، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] أي: قيسوا أنفسكم على هؤلاء الرسل، فهؤلاء المكذبون كذبوا رسل الله عليهم الصلاة والسلام فأهلكوا.
فالذين من بعدهم اتبعوهم في التكذيب فأتبعناهم بالعقوبة، وعجلناهم بها، والذين من بعدهم هكذا، (فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا) أي: إهلاكاً بعد إهلاك، فكل من كذب الله أهلكه.
قال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ) والأحاديث هنا: جمع أحدوثة، وهي ما يتحدث به، يعني: جعلناهم قصصاً وحكايات للناس، فيتذكروا قوم عاد، وماذا عملوا حتى أهلكهم الله، فبعدما كانوا قوماً لهم مكانة وشأن وديار انتهوا، ولكن تتحدث عنهم حكايات قوم نوح وقوم عاد فقوله: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ) جمع أحدوثة، وهي: ما يتحدث به، كالأعاجيب تتعجب من شأنهم وأمرهم.
وغالباً ما يطلق ذلك على الشر، أي: جعلناهم أحاديث في الإهلاك، وقد يطلق ذلك في الخير، ولكن الغالب في الشر، فجعل هؤلاء القوم أحاديث معناه: أنه أبادهم وأفناهم وجعل فيهم عبرة لمن اعتبر، قال الله سبحانه في الآية الأخرى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ:١٩]، فأصبحوا ذكرى، فتتذكر هؤلاء القوم الذين أساءوا فأهلكهم الله ومزقهم وأبادهم.
ثم من بعد هؤلاء أنشأ الله قروناً كثيرة، ما بين نوح وبين موسى على نبينا وعليهم الصلاة والسلام آلاف السنين، ومئات القرون الذين أرسل الله إليهم رسله، قال تعالى: ﴿مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨].
ثم بعد ذلك التراخي: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا) وراء بعض، ومن ثم في النهاية جاء موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وأخوه هارون.
стр. 429
تفسير قوله تعالى: (ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [المؤمنون:٤٥] أرسل الله موسى ﵊ ومعه أخوه هارون: (بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) بالآيات التسع البينات: اليد، والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والأخذ بالسنين، فالله أرسل آيات لقوم فرعون، فأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات، وأرسل عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم واليد والعصا ليروا آيات الله البينات، فكذبوا.
فكان قوم فرعون كلما رأوا شيئاً من الآيات يكادون أن يستجيبوا، ثم يرجعون مرة ثانية إلى التكذيب، فيقولون: ﴿يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف:١٣٤] كلام باللسان، ومجرد ما يدعو لهم موسى ربه ويكشف عنهم الغم الذي هم فيه سرعان ما يرجعون إلى التكذيب، ويقولون عن موسى: إنه ساحر ﵊.
قوله: (وَسُلْطَانٍ) السلطان هو الحجج البينة عندما يناظره فرعون، يقول فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣] فيرد عليه موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء:٢٤ - ٢٨].
وفرعون كلامه كله تخريف، أي: كلام ينطق به، فيقول: ما رب العالمين؟ وعندما يجيبه يقول له: أنت ساحر مبين، تتكلم بكلام جنوني، وسندخلك السجن فنجعلك من المسجونين، ولكن موسى يرد عليه بالآيات البينات، وبالحجج الواضحة، يقول: ربنا رب السماوات والأرض.
وفرعون كان يقول لقومه: أنا ربكم الأعلى، فهو الذي زعم أنه رب مع الله، وهذه الكلمة لا تكون إلا لله ، والخلق كلهم يعرفون ذلك مستيقنين أنه لا رب إلا الله ، فلا يقدر على الخلق والرزق والإعطاء والمنع إلا الرب ، ولم يجادل في ذلك إلا اثنان فقط جعلهم الله عبرة للخلق، وهما: النمرود وفرعون، النمرود قال لإبراهيم ذلك: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] تجبر وزعم ذلك، فأحرجه إبراهيم ﵊ وقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨] ألست تدعي الربوبية فأت بالشمس من المغرب؟ ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨]، فعندما يزعم الإنسان أنه رب لا بد أن يظهر الله كذبه ويفضحه، فبهت هذا الإنسان ولم يقدر على الجواب.
وهذا فرعون ذلك الذي زعم أنه رب وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ [غافر:٣٦]، وقال: ﴿فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص:٣٨] ويصعد فوق الصرح والسور العالي، ثم ينزل فيقول: لم أجد شيئاً، لا يوجد رب هناك! ومن ثم يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ويقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١] انظر هنا إلى هذا الكلام الفارغ الذي يقوله هذا الملعون! يقول لقومه: انظروا أنا الملك هنا! أليست هذه الأنهار تجري من تحتي؟! كأنه هو الذي أوجد هذه الأنهار، وكأنه هو الذي خلق هؤلاء، فقال الله سبحانه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤].
قوم لا عقل لهم، فاستخف بهم وضحك عليهم وخدعهم، فإذا بهم يستجيبون لما يقول ويتابعونه فيما يأمرهم به.
стр. 430
تفسير قوله تعالى: (إلى فرعون وملئه فاستكبروا)
فلما جاءه موسى وجادله بالحجج البينة، وأراه الآيات البينات، أبى فرعون إلا أن يكذب، قال الله : ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ﴾ [المؤمنون:٤٥ - ٤٦] موسى رسول ﵊، وأخوه هارون أرسله الله ، وكان أكبر من موسى بسنة، وكان نبيناً ببركة دعوة موسى له، فقد دعا له أن يكون نبياً، فالله جعله مع أخيه نبياً.
فأرسلهما إلى فرعون وملئه، والملأ: السادة الكبار من القوم، (فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ)، أخذتهم العزة بالإثم واستكبروا نظراً لأنهم أكبر من موسى وأفضل منه، فرأوا في أنفسهم القوة والعلو، ورأوا في غيرهم الضعف والهوان، فقال الله سبحانه: (فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص:٤]، والعلو هنا هو قهر الغير والتجبر عليه، (وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ) أي: متكبرين قاهرين لغيرهم ظلماً، كما قال الله : (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ).
стр. 431
تفسير قوله تعالى: (فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا فكانوا من المهلكين)
قال تعالى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون:٤٧]، هذه دعوى كل الأقوام المكذبين للرسل: لم يجد الله غيركم! وأنتم بشر مثلنا! لماذا أنتم الذين جئتم تدعوننا؟! لا ينظرون إلى ما أتوا به من كتب من عند الله ومن آيات ومعجزات، ولكن ينظرون إلى كونه من البشر، فأنت بشر مثلنا، تأكل مما نأكل وتشرب مما نشرب، فبماذا فضلت علينا حتى يبعثك الله؟ إذاً لن نؤمن لك.
قال تعالى: (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ) أي: إن بني إسرائيل مسخرون في مصر خداماً وعبيداً لفرعون وملئه، فإذا كنت أنت من هؤلاء القوم فكيف نؤمن لكما وقومكما لنا عابدون؟! لنا نؤمن لكما، قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون:٤٩] فلم يهتدوا بهذا الكتاب الذي جاءهم به موسى ﵊ بل كذبوا فكانت النتيجة: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون:٤٨] هذه هي العاقبة في الدنيا، العاقبة السيئة لكل من كذب رسل الله، وأعرض عن الله، قال ﵊: (إن الله ليمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته).
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 432
تفسير سورة المؤمنون [٤٩ - ٥٣]
يذكر الله لنبيه ﵊ ما كان عليه من سبقه من الأنبياء، ومنهم موسى وعيسى ﵉، ويعتبر عيسى وأمه وتفاصيل حياتهما معجزة أبهرت العقول.
ويأمر الله عباده أن يأكلوا من الطيبات، فالأكل من الطيب ينبت جسداً طيباً فيكون عوناً له على طاعة الله جل في علاه.
стр. 433
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ * يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٤٩ - ٥٢].
يخبر الله في هذه الآيات أنه قد آتى النبي موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الكتاب، أي: التوراة، وقوله (لعلهم يهتدون) أي: من أرسل إليهم وهم بنو إسرائيل، لعلهم يهتدون بأحكامها والشريعة التي أنزل الله فيها.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون:٤٩]، فالله أنشأ القرون وأرسل إليهم رسلاً يدعونهم إلى دين رب العالمين، ويهدونهم إلى صراط الله سبحانه، فما جاء به النبي ﷺ قد جاء أنبياء ورسل قبل النبي ﷺ إلى أقوام بكتب من عند الله كما جاء النبي ﷺ ، فليس بدعاً من الرسل، بل إن موسى دعا بني إسرائيل، ولكن نبينا صلوات الله وسلامه عليه قد خصه الله بأشياء، وفُضل على من قبله بأشياء، منها: أن رسالته عامة صلوات الله وسلامه عليه، وأما الأنبياء قبله فكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، أما نبينا ﷺ فقد بعث إلى الثقلين الإنس والجن، وإلى الأبيض والأحمر والأسود، وإلى جميع الخلق يدعوهم إلى رب العالمين .
وهذه السورة مكية يخبر الله فيها عن أحوال الرسل، وعن الأقوام الذين دعاهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكيف كذبوا وكيف انتقم الله منهم.
وبنو إسرائيل الذين كانوا مستضعفين في الأرض أراد الله أن يمن عليهم وأن يظهرهم وأن يقويهم، وأرسل إليهم موسى ﵊ برسالة من عند رب العالمين وهي التوراة، رسالة فيها شريعتهم، فجاء ودعا بني إسرائيل وعلمهم وأرشدهم، ودعا فرعون ليعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً.
فأخبر أنه كذب موسى، قال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون:٤٨]، أي: فرعون وملؤه، (فَكَذَّبُوهُمَا) أي: كذبوا موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام (فَكَانُوا) فرعون وملؤه (مِنَ الْمُهْلَكِينَ).
стр. 434
تفسير قوله تعالى: (وجعلنا ابن مريم وأمه آية)
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون:٥٠].
قوله: (وجعلنا ابن مريم) أي: عيسى المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو أحد رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وأحد أولي العزم من الرسل، والذي جعله الله سبحانه وأمه آية من آيات رب العالمين، وقد نذرت أمها أن تجعل ما في بطنها لله محرراً، فكان ما في بطنها أنثى فرضي بذلك، وقالت لربها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران:٣٦]، أي: الله أعلم بالذي وضعته أنه أنثى، وقد نذرته باعتبار أن يكون ذكراً، ولكن وفت بنذرها وجعلت الذي في بطنها لله محرراً، أي: لخدمة ربها سبحانه، وخدمة دين ربها، وخدمة بيت المقدس، فكانت مريم آية من الآيات أن حملت وهي لم يطأها أحد، ولم تتزوج، فجعل الله فيها آية من الآيات، وجاء المسيح على نبينا وعليهم الصلاة والسلام بغير أب، فهي حملت بغير زوج وإنما بنفخة من روح القدس، وجاء المسيح ﵊ بغير أب، فكان هو وأمه آية من آيات رب العالمين.
قال تعالى: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)، أي: جعلناها تأوي هي وابنها إلى مكان في الأرض، في بلد من بلدان الله ، (إلى ربوة)، والربوة هي المكان المرتفع، وقالوا: إنها توجد في مكان اسمه: (الرملة) من بلاد فلسطين، والله آواهما، فهو سبحانه الذي يخلق وهو الذي يرزق، وهو الذي يؤوي، وهو الذي يدافع عن الذين آمنوا.
ولما جاءت أمه بهذا الولد إذا ببني إسرائيل يتهمونها بالزنا، ويحاولون إشاعة هذا الأمر بين الناس، فحماها الله وآواها، فجاء بنو إسرائيل ليكذبوا المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فأنطقه الله وهو في المهد صبياً: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ?وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم:٣٠ - ٣١]، تكلم وهو رضيع يرضع من ثدي أمه، وقد كلم القوم بهذا الكلام الفصيح البليغ، يدعوهم إلى رب العالمين، ويخبر عن نفسه أنه نبي من أنبياء رب العالمين، فكان آية، والله حماهما ودفع عنهما البلاء، وآواهما إلى مكان مرتفع (إلى ربوة ذات قرار) أي: مكان طيب يستقرون فيه أو يستقرون عليه، والقرار: هو المكان المستوي، ولا يُستقر إلا بمكان فيه زروع وثمار، فيستطيع الإنسان أن يعيش فيه، وكأنه كناية عما في هذا المكان من أرض فلسطين أو غيرها من زروع وثمار يأكل منها المسيح ﵊ وأمه.
(ومعين) وكذلك فيها معين أي: عين ماء جارية، والسيدة مريم كفلها الله زكريا، وجعلها في كفالة زكريا وهي صغيرة، إلى أن بلغت وهو الذي يكفلها، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٣٧]، فكان أمر الرزق الذي يسوقه الله إليها آية من الآيات، فهي في المحراب، وفي غرفتها، وفي بيت المقدس، في مكان لا يدخل إليها أحد فيه، والذي يأتيها بالطعام هو زوج خالتها، وهو زكريا على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فكان عندما يدخل إليها ينظر وإذا به يلقى طعاماً يختلف عن الذي أتاها به، فكان يسألها فتقول: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧]، فكانت آية من الآيات أن آواها الله هي وابنها (إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) أي: عين مياه عذبة جارية.
وقد رعاها الله وهي تلد، فكان يقول لها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥]، فالله آواها إلى مكان تلد فيه ولا يطلع عليها أحد في هذا المكان، ولا يزعجها أحد، فحملت في بطنها هذا الغلام الكريم والذي هو نبي من أنبياء الله على نبينا وعليه الصلاة والسلام، والله جعلها في هذا المكان لتستقر فيه وتضع فيه ولدها، فآواها الله سبحانه، ولم تحتج إلى مولدة تولدها، ولم تحتج إلى أحد يعينها، فالله تكفل لها بكل أمرها كما يكفل لغيرها سبحانه، ولكن اعتنى بها مزيد عناية من فضله ، قال تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم:٢٦]، وقد جعل تحتها جدول ماء تأكل من البلح والرطب من هذه النخلة وتشرب من الماء.
قال سبحانه: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون:٥٠]، (ربوة) بفتح الراء، وهذه قراءة ابن عامر وعاصم، وقراءة باقي القراء: (إِلَى رِبْوَةٍ) ففيها لغتان.
وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون:٥٠]، (قرار) البعض يرققها مثل الأزرق عن ورش، وحمزة أيضاًً يقرؤها بالإمالة أو بالتقليل، وغيرهم يقرءونها بالإمالة، وهم أبو عمرو وابن ذكوان وبخلفه والكسائي، وورش وحمزة يقللونها، وباقي القراء يقرءونها: ((قَرَارٍ)) بالفتح، إذاً: فيها ثلاث قراءات.
стр. 435
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً)
قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١]، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ) مع أنه لا يوجد على قيد الحياة غير النبي ﷺ ، ولكن الخطاب باستحضار جميع من أرسلهم الله ، فالله كأنه يحضرهم ويخاطب الجميع، فحين يذكرهم الله هنا أي: اذكروا أني خلقت الرسل كلهم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام وأني أمرتهم بهذا الأمر، فقلت لهم: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ)، بما فيهم النبي صلوات الله وسلامه عليه: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون:٥١]، وإذا قال هذا للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام والذين يستحيل أن يأكلوا من غير الطيبات وهم الذين عصمهم الله، وهذا من باب: إياك أعني واسمعي يا جارة، فإذا كان الرسل نأمرهم بهذا فأنتم يا بني آدم أولى بهذا الأمر؛ لأن الرسل لن يعصوا ربهم ولن يأكلوا من غير الطيبات، فأنتم أولى بهذا الأمر، فإذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١] فكأنه يقول: لباقي الخلق ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١].
وقد وضح لنا ذلك نبينا صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢]، ثم ذكر النبي ﷺ الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له)، وهنا الأمر للرسل عليهم الصلاة والسلام، والأمر للمؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]، فأمر الله خلقه أن يأكلوا من الطيبات.
فقد أمر الله الرسل بذلك، وأمر المؤمنين بذلك، ثم ذكر لنا النبي ﷺ ما يترتب على خلاف ذلك، وإذا كان الإنسان في حياته لا يهتم لأمر مأكله ومشربه حلالاً كان أو حراماً، ولا يهمه ما ستكون النتيجة وهي أنه سيحتاج إلى ربه، ويرفع يديه لربه وهو محتاج، وهو في ضيق، وفي شدة، وفي كرب، وقد لا يستجاب له، فقال: (ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر) والإنسان المسافر مستجاب الدعوة، والمؤمن الذي يسافر يجد في طريقه صعوبات ومشقات فتأتيه رحمة رب العالمين سبحانه فيما هو فيه، فيستجيب دعاء هذا الإنسان المكروب، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] .
قال: (يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء)، (أشعث): غير مرتب الشعر، (أغبر): عليه من غبار الطريق، (يمد يديه إلى السماء)، وفيه أن السنة عند الدعاء أن ترفع يديك إلى السماء في الدعاء، قائلاً: (يا رب يا رب! ومطعمه حرام)، أي: والحال أن الأكل الذي كان يأكله قبل ذلك أو حالاً كان أكلاً حراماً، (ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له) أي: من أين يستجاب لهذا الإنسان؟! وهذا لا يعني أنه لا يستجاب له أبداً، فأمر الاستجابة لله ، ولكن أسباب الإجابة ليست موجودة، فلا يستحق هذا الإنسان أن يستجاب له، ولكن الله رءوف بعباده، فالله لطيف، والله كريم سبحانه، وقد يعصي العبد ويدعو ربه فيستجيب له ، ولكن يعلمنا النبي ﷺ أن مثل هذا لا يستحق الإجابة، فإذا دعا العبد ولم يستجب له فليراجع نفسه في طعامه، وفي شرابه، وفي ملبسه وفي غذائه، وهل هو مطيع لله أم هو يأكل المحرمات ويفعل المحرمات.
قال الله سبحانه: (وَاعْمَلُوا صَالِحًا)، فالإنسان يأكل من الطيبات فإذا أكل شكر الله ، وإذا أنعم الله على العبد وأعطاه من فضله ومن رزقه فشكر الله فله نعمتان: نعمة الإعطاء من الرزق، والنعمة الأخرى: التوفيق للحمد وللشكر.
وإذا أكل العبد وقال: الحمد لله، والشكر لله، وحمد ربه وشكره، كان هذا أحب إلى الله مما أعطاه للعبد، فالله يعطي للعبد دنيا، والدنيا لا قيمة لها عند الله ، والعبد يتقرب إلى الله سبحانه بالتسبيح والتحميد والشكر له سبحانه، وهذا يترتب عليه الأجر الأخروي، فهذا أحب إلى الله ، وإن كان الاثنان من الله الكريم سبحانه، فالله هو الذي يرزق، والله هو الذي يوفقك لشكره ، فكانت الثانية أحب إلى الله وهي توفيق عبده لأن يشكره سبحانه.
قال تعالى: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً)، وكأن الأكل الطيب يعين على العمل الصالح، والأكل الحرام لا يعين على العمل الصالح، فينبت جسد الإنسان من الحلال، والجسد النابت من حلال أحرى أن يعبد الله وأن يتصرف في ملكوت الله بما يرضي الله سبحانه، والذي يأكل من حرام ينبت جسده من حرام، فالنار أولى به.
فلذلك قال: (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ) فإذا أكلتم من الطيبات اعملوا صالحاً فسوف توفقون لذلك (وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)، وهذا دليل على أن الله سبحانه ﵎ يعلم كل شيء من عمل الإنسان الظاهر والخفي، وعمل القلب، وهذا كله عند الله معلوم لا يخفى عليه شيء.
وكذلك في سياق الآية التهديد والوعيد بالأسلوب اللطيف من ربنا ، فإذا كان يعلم ، وقدرة الله وراء ذلك، فهو الذي يعلم وله القدرة العظيمة أن يجازي العبد على عمل الخير بخير وعلى عمل الشر بما يستحق، فإذا قال: (إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)، يعني: أعرف ما تعملون وأجازيكم على أفعالكم.
стр. 436
تفسير قوله تعالى: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة)
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥٢].
قوله: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) هذه قراءة عاصم وحمزة والكسائي وخلف، ويقرؤها أبو عمرو: (وَأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً)، ويقرأها باقي القراء وهم نافع وأبو جعفر المدنيان وابن كثير المكي وأبو عمرو ويعقوب البصريان: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ).
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ [المؤمنون:٥٢]، الأمة تطلق على معانٍ، ولكن في هذه الآية أطلقت على أحد المعاني وهو الدين، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢]، أي: على ملة، فقال الله للمؤمنين: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ [المؤمنون:٥٢]، أي: هذه ملتكم، وهذا دينكم دين واحد وهو دين التوحيد، ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ [المؤمنون:٥٢] أتيتكم بهذا الدين، وعلمتكم شرائعه فاعبدون واتقون وحدي .
(وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ)، أي: هذه ملتكم وهذا دينكم، وهو دين واحد دين التوحيد فاعبدوا ربكم سبحانه، ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥٢].
стр. 437
تفسير قوله تعالى: (فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً)
يبين لنا الله في الآية التي بعدها ماذا عمل العباد فقال تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣]، أي: إذا بهم يتفرقون في دين الله، فهذا يعبد الله وهذا يشرك بالله، وتأتي كتب الله تدعو الناس، ولا ينظرون إلى المتأخر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويتبعونه، وشريعة نبينا ﷺ هي التي نسخت كل الشرائع من قبله، قال تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ [المؤمنون:٥٣] أي: قطعاً، والزبر: جمع زبور وهو الكتاب، وكأن كل واحد فرح بالكتاب الذي عنده ولم ينظر إلى ما جاء به النبي ﷺ فلم يتبعه، ففرحوا بما عندهم.
قال تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣]، فالله سبحانه ينهى الأمة عن التفرق ويأمر الجميع أن يستجيبوا للنبي ﷺ ، ولأمة النبي ﷺ ، وأمة الدعوة، فهؤلاء صاروا نصارى، وهؤلاء الصابئة، وهؤلاء عباد الكواكب والنجوم، وهكذا، وأمة النبي ﷺ اختلفوا أيضاً، كما قال النبي ﷺ : (اختلفت اليهود على إحدى وسبعين ملة، واختلفت النصارى على ثنتين وسبعين ملة، وستختلف أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال ﷺ : هي الجماعة)، أو قال: (هم من كانوا على مثل ما أنا عليه وأصحابي)، أو قال: (ما أنا عليه وأصحابي)، والذي عليه النبي ﷺ هو كتاب ربه وسنته ﵊، فمن تمسك بذلك كان من الفرقة الناجية.
نسأل الله أن يجعلنا من أتباع النبي ﷺ الذين هم الفرقة الناجية، ونسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 438
تفسير سورة المؤمنون [٥١ - ٦٠]
يذكر الله أن دينه واحد لجميع الأمم والأنبياء والرسل، فهو دين يدعو إلى الخير ويحارب الشر، ومع ذلك لما جاء البشر العلم والطريق الصحيح اختلفوا فيه وتفرقوا إلى فرق وأحزاب وطوائف، كل حزب بما لديه متمسك وفرح، وكل حزب يحسب أنه على الصواب وأنه على هدى، وقد بين رسول الله ﷺ أن كل أمة أو فرقة تبعث يوم القيامة على ما كانت عليه من دين، وفي ذلك اليوم يتبرأ النبي ﷺ ممن أحدثوا من أمته من بعده وغيروا وبدلوا.
стр. 439
تفسير قوله تعالى: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة كل حزب بما لديهم فرحون)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة المؤمنون: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٢ - ٦١].
لما أمر الله الرسل عليهم الصلاة والسلام بأن يأكلوا من الطيبات، وأن يعملوا صالحاً، وأخبر أنه بما يعملون عليم، وجاء في حديث النبي ﷺ (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١])، فذكر أن الرسل مأمورون بأن يأكلوا من الطيبات، وأن المؤمنين كذلك مأمورون بما أمر به المرسلون عليهم الصلاة والسلام، والله بما يعمل الجميع عليم سبحانه، وفيها من التهديد ما فيها، أن الإنسان إذا لم يأكل من الحلال ويترك الحرام فالله به عليم، وإذا كان الله عليماً بما يعمل هذا الإنسان فسوف يحاسبه ويعاقبه، ولا مفر له من ربه إلا أن يتوب إلى الله.
ثم قال الله سبحانه: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)، وقد قلنا: إن كلمة (أمة) تأتي بمعانٍ عدة، والمعنى المقصود هنا: أن الأمة بمعنى: الملة، أي: وإن هذه ملتكم، فهي ملة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، والملة التي ارتضاها الله هي الدين، قال تعالى: ﴿ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فهو دين الإسلام، والمعنى: إن هذا دينكم دين واحد، وهو دين التوحيد، وهي عقيدة واحدة أُرسل بها جميع الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام، يدعون إلى قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٣٢]، أي: يدعون إلى (لا إله إلا الله) إلى دين واحد، وأخبرنا أنهم يتفرقون في ذلك، فقال تعالى: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)، وأخبر الله سبحانه بقوله: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]، فلا يزال الناس مختلفين، والله يعلم ذلك، وخلقهم وقدر عنده ما يكون من أمر عباده، فالعباد مهما جاءهم من عند الله من كتاب أو شريعة فمنهم مؤمن ومنهم كافر، والمؤمنون منهم لا يزالون مختلفين فيما بينهم، وقد قال النبي ﷺ عن هذه الأمة: (وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)، فكلهم يقولون: لا إله إلا الله، ولكن يتنازعون فيما بينهم في أشياء؛ فيفرقون دينهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩]، فقد تبرأ النبي ﷺ ممن اتخذ دينه لعباً، وممن اتخذ دينه فرقة يفرق فيه بما يشاء ويتبع هواه، ويتبع غير سبيل المؤمنين، والله يحذرنا من التفرق.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ [الأنبياء:٩٢]، فالرب واحد، وبذلك يكون الدين واحداً، والله هو الرب وهو الذي شرع هذا الدين سبحانه، فالعبيد عبيد لله سبحانه، فلا بد أن يتبعوا منهج الله فيكونوا على ملة وعلى دين واحد، ولكن جاء الشيطان فنزع الناس من دين ربهم إلى الأهواء فـ (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)، أي: كل إنسان فرحٌ بما هو فيه من أهواء، ومن بعد عن دين الله، ويظن أنه على الحق.
قال سبحانه: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا)، أي: تقطعوا أمر دين رب العالمين، وأمر شرعه سبحانه، تقطعوه فيما بينهم، فكل إنسان أخذ بشيء واتبع هواه في أشياء، فتقطعوا الدين زبراً، والزبر: القطعة، أي: كل واحد أخذ قطعة منه ولم يتوحد الجميع، والله يقول: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣]، فالإنسان المؤمن يأخذ دين الله سبحانه كتاباً وسنة، ولكن الذي ينزع بشيء فيأخذه ويترك باقي الأشياء، فهذا من الذين اتبعوا أهواءهم.
قال تعالى: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا)، أي: قطعاً، (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)، أي: هؤلاء يفرحون بهذا الجزء وهؤلاء بهذا الجزء، وكل منهم يتمسك بشيء ويترك أشياء لا يأخذ بها، فيفرح بما أخذ ولا ينعى على نفسه أنه ترك باقي هذا الدين العظيم.
وأهل البدع وأهل الضلال كل إنسان منهم يقول: لا إله إلا الله، لكنه يبتدع ويخترع في دين الله، ويفرح بما اخترعه وابتدعه، ويظن أنه على شيء، فهو ترك الكتاب وترك سنة نبيه ﷺ وفرح ببدعته، ولعله يترك واجبات من واجبات الدين، ويظن أنه على خير، ويظن أنه على صلاح وعلى تقوى، والله يخبر عن حال هؤلاء أهل البدع والأهواء أنهم فرحون بما هم فيه.
ولذلك كان صاحب المعصية قد يرجى أن يتوب سريعاً إلى الله ، وصاحب البدعة تتباطأ عنه توبته، وصاحب المعصية يعرف أنه عاصٍ، فلعله يندم على المعصية ويتوب، أما صاحب البدعة فهو فرحٌ بما هو فيه، فلذلك لا يراجع نفسه، فقلَّ أن يتوب صاحب البدعة ويراجع أمر دينه ويرجع إلى ربه ، فالله وسم هؤلاء بأنهم في فرح بالذي هم فيه، ويظنون أنهم على شيء، ويحسبون أنهم مهتدون.
стр. 440
تفسير قوله تعالى: (فذرهم في غمرتهم حتى حين)
قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون:٥٤]، يقول الله للنبي ﷺ : لا يضيق صدرك من عمل هؤلاء الذين فرقوا الدين، والذين تأخروا عن دين الله سبحانه، وقد قلنا: إن النبي ﷺ بعث إلى الخلق جميعهم، فيقال: هذا نبينا ﷺ وهذه أمته، والأمة: إما أمة الدعوة وإما أمة الإجابة، وكلا الأمتين تتفرق، وأمة الدعوة هي التي بعث إليهم النبي ﷺ ، فيهم الذكر والأنثى، وفيهم الإنسان التقي وفيهم الشقي، وفيهم من أهل الأوثان وأهل عبادة الصليب واليهود وغير ذلك، فأمة الدعوة: كل من يدعوهم النبي ﷺ ، ومن أرسل إليهم، وقد أرسل إلى جميع من هم على الأرض في عهده إلى يوم القيامة، وأما أمته الذين يأتي إمامهم يوم القيامة: فهم الذين استجابوا له صلوات الله وسلامه عليه، وقالوا: لا إله إلا الله.
فالله أخبر عن هذه الأمة كلها أنهم لا يزالون مختلفين، فيأتي اليهود على ما هم فيه، والنصارى على ما هم فيه، وأهل الأوثان على ما هم فيه، ويأتي المسلمون الذين يقولون: (لا إله إلا الله) يدخلون في الدين يخترعون ويبتدعون ويتركون دين الله سبحانه، ويخبر عنهم يوم القيامة أنهم يذادون عن حوضه يوم القيامة، قال رسول الله ﷺ : (ليذادن أقوام عن حوضي يوم القيامة فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: ألا سحقاً ألا سحقاً، ألا بعداً ألا بعداً)، يقول: بعداً لهؤلاء الذين أحدثوا، وهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله، ولكنهم ابتدعوا في دين الله وفرقوا دينهم، فلما جاءوا يوم القيامة جاءوا مسلمين، وعلامات الصلاة بادية في وجوههم من آثار السجود، وفي أيديهم وفي أرجلهم، ولكنهم لما كادوا يصلون إلى حوض النبي ﷺ أبعدوا عنه؛ لأنهم ابتدعوا في دين الله سبحانه، فكل إنسان يترك دين الله وسنة نبيه ﷺ يخشى عليه أن يأتي يوم القيامة فيذاد عن حوض النبي ﷺ ، أي: يدفع ويبعد عن حوضه، ويقول له النبي ﷺ : (ألا بعداً) أي: لمن أحدث بعدي، وقد قال ﷺ في الحديث: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)، وقال ﷺ : (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد)، وقال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، والذي يحدث في دين الله ويعمل عملاً ليس عليه أمر النبي ﷺ ولا جماعة المسلمين فأمره مردود عليه، مهما زعم أنه يتقرب إلى الله بذلك.
فالله سبحانه نزل الكتاب وأرسل رسوله ﷺ حتى يتبع الناس ما جاء به النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف:٣]، أي: لا تتبعوا شركاء من دون الله سبحانه، ولكن اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، فالمؤمنون على بصيرة من دينهم يتعلمون أمر دينهم، ويتبعون الكتاب وسنة النبي ﷺ ، حتى يكون إمامهم يوم القيامة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
أما أهل الأهواء فيتبعون ما يخترعون، قال تعالى: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ).
يقول تعالى: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ) والغمرة: ما يغمرك، وهو الشيء الذي يغمر الإنسان ويغطيه، ومنه الغمر: الماء الكثير الذي يغمر الأرض ويغمر ما تحته، فقوله تعالى: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ)، أي: في عمايتهم، وفي ضلالتهم، وفي حيرتهم، وفي شكهم، وفي ابتعادهم عن دين الله ، وفيما طبع على قلوبهم من غشاوة وغلاف، فذرهم في ذلك واتركهم، ولا تحزن عليهم، فنحن سنحاسبهم ونعذبهم.
وقوله تعالى: (فَذَرْهُمْ) كلمة وعيد وتوعد من الله تعالى، وما جاءت هذه الكلمة في القرآن كله إلا بمعنى الوعيد، قال تعالى: (حَتَّى حِينٍ)، لو قال: (إلى حين) فقد يكون فيها شيء من المتاع، وشيء من الراحة، ولكن (حَتَّى حِينٍ) معناها: اصبر عليهم فسنريهم حتى يأتيهم العذاب أو حتى يأتيهم الموت فيحاسبهم الله سبحانه.
стр. 441
تفسير قوله تعالى: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين بل لا يشعرون)
ثم يقول سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٥ - ٥٦].
قوله: (أَيَحْسَبُونَ)، قرأها نافع وابن عامر وحمزة وأبو جعفر: (أيحسِبون)، وقرأها باقي القراء: (أيحسَبون).
وقوله: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ) أي: هل تظنون أننا كلما أعطيناكم من مال وأمددناكم ببنين وذرية معناه: أنكم من أهل الخير وتستحقون الخير؟ هل هذا دليل على استحقاقكم عند الله يوم القيامة الجنة والنعيم؟ إن الدنيا قد يعطيها الله من يحب ومن لا يحب، فعطاء الله للناس في الدنيا ليس دليلاً على أنه يعطيهم يوم القيامة أيضاً، بل قد يكون إملاء واستدراجاً لهم، ولهذا قال تعالى: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ)، أي: ما نعطيهم في هذه الدنيا، وقوله تعالى: (مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ)، فليس معنى هذا: أننا نسارع في إعطائهم الخيرات من أجل أن نعطيهم خيرات يوم القيامة، فهذه الخيرات معجلة لهم في الدنيا ولا خير لهم في الآخرة، فهم لم يحسوا أننا نملي لهم، قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣].
وقوله تعالى: (بَل لا يَشْعُرُونَ) أي: فهم في غفلة، فالإنسان في غفلة وفي نوم حتى إذا مات استيقظ من هذا النوم، وقام من رقدته ومن غفلته، فالدنيا غفلة للإنسان وحلم من الأحلام، إذا مضى هذا الحلم وجاءه الموت واستيقظ يرى الواقع الأليم الذي كان عليه.
стр. 442
تفسير قوله تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بربهم لا يشركون)
ثم ذكر المؤمنين الصالحين الذين يتقربون إلى الله بالعمل الصالح وقلوبهم وجلة، وما أكثر الصفات الحسنة في المؤمنين التي يذكرها الله في كتابه، فيذكر في سورة بعضاً من الصفات وفي سورة أخرى بعضاً آخر منها، فبدأ هذه السورة بقوله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٤]، إلى آخر ما ذكر، ثم ذكر صفات أخرى لهؤلاء المؤمنين في نفس السورة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧]، فالمؤمن يخشى ربه سبحانه، وقلبه ممتلئ خوفاً ووجلاً من الله ، فيعمل الأعمال الصالحة وهو خائف ألا تقبل هذه الأعمال فكيف يكون حاله إذا عصى الله سبحانه! وما من إنسان إلا ويقع في معصية، مؤمن وغيره، والله تواب رحيم، وقد قال النبي ﷺ : (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون).
فهؤلاء المؤمنون يعملون الطاعة خائفين من الله ألا يقبلها منهم، فهل يتخيل في هؤلاء أنهم يعصون الله وهم غير مشفقين؟! قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ)، أي: خائفون وجلون من لقاء ربهم سبحانه ومن عذابه.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:٥٨]، أي: أن العقيدة الإيمانية ملأت قلوبهم، فهم يؤمنون ويصدقون، ويعملون بما يعتقدون وبما يصدقون، ويعملون لليوم الآخر، ويعملون خوفاً من الله إيماناً به، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٥٩]، فهم بربهم لا يشركون، فعبادتهم موجهة لربهم وحده لا شريك له، لا رياء فيها، ولا خوف من أحد إلا من الله ، ولا يوجهونها إلى الله وإلى غيره، بل إلى الله وحده لا شريك له، فهم لا يشركون بالله في شيء من العبادات أبداً.
стр. 443
تفسير قوله تعالى: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]، من الصفات الكريمة في الإنسان المؤمن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ)، أي: يعطون، فيعطون عملاً، ويعطون مالاً، ويعطون إخلاصاً ونية، ويعطون ويقدمون أعمالاً تكتبها الملائكة، فهم يعطون الأعمال والملائكة يكتبونها، فكل أعمالهم على الإخلاص وعلى التقوى، وهم كما قال الله تعالى: (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)، أي: قلوبهم خائفة وخاشعة لله رب العالمين، (أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)، فالمؤمن يعرف أنه راجع إلى الله، فمهما عمل من عمل ينظر أمامه: يا ترى هل هذا العمل موافق للكتاب والسنة أو مخالف لهما؟ وهل هو موافق لمراد الله؟ وإذا كان موافقاً فهل هذا الذي أعمله أنا مخلص فيه أو لست مخلصاً؟ فهو يقدم العمل المتابع للكتاب والسنة وينظر في إخلاصه، وبعد ذلك يخاف ألا يقبل هذا العمل.
وقد جاء في حديث عند الترمذي وابن ماجة ما يوضح لنا هذا المعنى، تقول السيدة عائشة ﵂: (سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠]: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟)، أي: يؤتون ما آتوا من المعاصي وهم خائفون؟ هل هذا هو المعنى؟ فقال ﷺ : (لا يا ابنة الصديق! ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون ألا يقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون).
هذه هي طبيعة المؤمن، وهي فطرة الله ، فقلبه قد عرف ربه، وصدق وآمن، فهو يخشى ربه، ففي قلبه الإيمان الذي عرفه بقدرة الله سبحانه، والناس ما قدروا الله حق قدره، والإنسان المؤمن يحاول أن يصل إلى درجات المعرفة واليقين العالية، فهو في خوف من الله ، فيؤتي ما آتى، يصلي ولا يمن، ولا يقول: أنا صليت، وأنا سأدخل الجنة، بل يعطي زكاته ويتصدق بالصدقة ويعمل الخيرات ولا يركن إلى ذلك أنه قد نجا بهذا الشيء، فتراه يخاف ألا يقبل منه.
فإذا كان إبراهيم النبي المعصوم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وإسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يقولان لله : ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة:١٢٧]، وهما يبنيان البيت الذي سيحج إليه الملايين من البشر إلى يوم الدين، وهذا يعني أنه (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها)، فالإنسان الذي يبني لله مسجداً كلما صلى فيه إنسان كان له بهذا الذي بناه أجر، إذاً: سيكون أجر إبراهيم وإسماعيل ببنائهم هذا البيت من آلاف السنين ويحج إليه الملايين ويصلون فيه ما لا يحصيه من الأجور إلا الله، ومع ذلك يخافون من الله ألا يقبل منهما، فيقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧]، فالإنسان المؤمن يخاف من الله سبحانه ألا يقبل عمله، ويعمل العمل وهو ينظر إلى الآخرة أنه راجع إلى الله، فيخاف أن يموت على غير الإسلام، فيقول كما قال يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما ذكر الملك الذي هو فيه: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١].
فيوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام آتاه الله الملك والعلم والنبوة، وعلم تأويل الرؤى والأحلام، وآتاه الله من فضله في الدنيا، وهو وليه سبحانه، دافع عنه، وكان معه حين طرده إخوته، ووضعوه في غيابة الجب، وحين أُخِذَ عبداً وحين نجاه الله ، فجعله ولداً عند من أخذوه وربوه، وبعد ذلك صار عزيزاً لمصر ﵊.
مع كل ما أعطاه الله من النعم والأفضال يقول: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا)؛ لأن هذه الدنيا لا تساوي شيئاً، إنما المهم هي الآخرة، فثبتني على دين الإسلام حتى ألقاك عليه، وتوفني على الإسلام، قال تعالى: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).
نسأل الله أن يتوفانا مسلمين وأن يحلقنا بالصالحين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 444
تفسير سورة المؤمنون [٥٧ - ٦٦]
بين الله في كتابه صفات عباده المؤمنين من أجل أن يتصف بها المسلم، ويتخلق بها في حياته، ويظهرها في سلوكه، فوصفهم الله بأعظم الصفات وأفضلها وأرقاها، فهم في خشية منه سبحانه، مؤمنون به، بعيدون عن الشرك، خائفون وجلون منه سبحانه، مع مسابقتهم بالخيرات بين يديه تقرباً إليه.
ومن رحمته سبحانه بخلقه أنه لم يكلفهم ما يشق عليهم، أو يوقعهم في الحرج، وإنما كلفهم ما يستطيعونه ويقدرون عليه، ومع هذه الرحمة منه سبحانه بعباده إلا أن الكفار بعيدون عن هديه ودينه، معرضون على شرعه وكتابه، لا يعرفونه إلا وقت الشدائد والأزمات.
стр. 445
تفسير قوله تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون أنهم إلى ربهم راجعون)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة المؤمنون: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ * وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ * حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧ - ٦٦].
أخبر الله في هذه الآيات عن صفات للمؤمنين ترفعهم عند الله .
ومن أهم هذه الصفات: الخشية من الله ، والإيمان بآيات الله، وعدم الشرك بالله سبحانه، والخوف من عدم قبول الأعمال، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧]، أي: أنهم يخافون من الله ، ويشفقون من لقائه.
فكل إنسان منهم يتهم نفسه في معاصيه لعلها لا تغفر له، ويتهم نفسه في طاعته لعلها لا تقبل منه، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) فهم قد عرفوا قدرة الله سبحانه، وعرفوا عذابه فكانوا مشفقين من عذابه.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:٥٨]، أي: أنهم صدقوا بكل ما جاء من عند رب العالمين سبحانه، وعملوا بمقتضى هذا التصديق، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٥٩]، أي: أنهم لما صدقوا لم يجعلوا مع الله إلهاً آخر يتوجهون إليه بالعبادة، ولم يشركوا في عبادتهم لله شيئاً، ولم يراءوا ولم يسّمعوا بعملهم، وإنما عملوا لله مخلصين له في دينه.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠]، جاء في الحديث أن السيدة عائشة ﵂ سألت النبي ﷺ عن هؤلاء الذين: يُؤْتُونَ مَا آتَوا، قالت: (أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون وهم مشفقون خائفون من الله ؟ فقال: لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون).
فالإنسان المؤمن يصوم ويصلي ويتصدق ويفعل الطاعات، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويخشى ألا يقبل منه ذلك فهو يخلص لله ، ويتوجه إليه بالدعاء أن يستجيب له سبحانه، وأن يتقبل منه هذا العمل، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا) أي: أنهم عملوا أعمالاً سجلتها الملائكة، فآتوا الملائكة ما يكتبونه في الكتب التي بأيديهم.
وقوله: (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)، أي: أنهم يعلمون أنهم سيرجعون إلى الله وسيقفون بين يديه، وأنه سيحاسبهم ويجزيهم سبحانه، فخافوا من ذلك.
стр. 446
تفسير قوله تعالى: (أولئك يسارعون في الخيرات)
قال الله يمدحهم: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٦١]، أي: ويسابقون فيها، والخير لا بد أن يسبق إليه الإنسان المؤمن، كما قال الله : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [الحديد:٢١]، وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣].
فالإنسان المؤمن يسارع ويسابق إلى الخير، وأما الشر فهو بطيء عنه ومتباعد عنه، فلا يريد أن يقع فيه؛ لأنه يخاف من الله.
فأولئك المؤمنون (يسارعون في الخيرات) أي: في جميع وجوه الخير، وهذه عادة الإنسان المؤمن أنه يحاول أن يحصل الطاعة من كل وجوهها، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فإذا قدر أتى بالفريضة، والنافلة، وأتى بكل ما أمر الله به ما استطاع سبيلاً إلى ذلك، فهو يسارع في الخيرات، ويخشى أن يسوف.
وأما الإنسان طويل الأمل فإنه يبدأ ويقول: غداً سوف أصلي وغداً سوف أصوم وغداً سوف أتوب وغداً سوف أعمل كذا، ثم لا يأتي غداً هذا الذي يزعمه، وقد يأتي عليه الموت قبل أن يتوب، وأما الإنسان المؤمن فإنه يسارع؛ لأنه لا يدري ما الذي سيحدث له بعد ذلك، فهو يفعل الخير الذي نواه، ولا يؤجله، فلعله يموت قبل أن يفعله، وإن كانت نية الخير يؤجر عليها، ولكن فرق بين من نوى وعمل، وبين من نوى ولم يعمل.
والإنسان الذي يعمل تضاعف له الحسنة بعشر أمثالها، إلى أضعاف مضاعفة مما يشاء الله سبحانه، وأما الذي نوى ولم يعمل فلعل الذي منعه عن العمل بخله بالطاعة، فتكون لا له ولا عليه، ولعل الذي منعه شيء من قدر الله ولو استطاع لفعل، فهذه يأجره الله وقد يضاعف له، ولكن ليست المضاعفة للإنسان الذي نوى وعمل كالمضاعفة للإنسان الذي نوى ولم يعمل، والأمر إلى الله سبحانه يفعل ما يشاء.
فالإنسان المؤمن يحرص على ألا تضيع منه طاعة من الطاعات، وألا يضيع عليه أجر من الأجور، فهو يسارع ويسابق بالخير كي يملأ كتابه عند ربه سبحانه من الثواب ومن الحسنات، كما قال تعالى: (أُوْلَئِكَ)، أي: المؤمنون (يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)، أي: سبقت لهم من الله السعادة فسارعوا في الخيرات، وقالوا: معناها: هم من أجل الخيرات سابقون فهم مسابقون لغيرهم، وسابقون لهم في الطاعة، كما قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] قال تعالى: (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)، أي: لجنة رب العالمين هم من السابقين الذين يحرصون على ذلك، فسبقوا غيرهم، وسبقت لهم من ربهم الحسنى، فهم سابقون.
وقد قال الله عن هؤلاء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا﴾ [الأنبياء:١٠١]، أي: عن النار، ﴿مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١].
стр. 447
تفسير قوله تعالى: (ولا نكلف نفساً إلا وسعها)
قال الله سبحانه: ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:٦٢].
لما ذكر الله الخيرات والمسارعة إليها فلعل الإنسان يقول: لا أطيق أن أفعل كل شيء، فالله يقول له: لا يكلفك الله كل شيء وأنت لا تقدر عليه، ولكن افعل ما استطعت، فما تستطيع إليه سبيلاً فافعله وسارع إليه، كما قال تعالى: (وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٧].
فلا يكلفك الله من العمل إلا ما تطيق، بل دون ما تطيق، وكل ما فرضه عليك فهو أقل مما تطيق، وانظر مثلاً إلى الصلاة، فقد كلفك الله بخمس صلوات في اليوم والليلة، فأنت تصلي في اليوم والليلة خمس صلوات، سبع عشرة ركعة، وأنت تصلي معها نوافل اثنتي عشرة ركعة وزيادة، فأنت تطيق أكثر مما فرض الله عليك، وقد يقوم الإنسان من الليل قياماً طويلاً وهو يطيق هذا القيام، ويأتي رمضان على الإنسان فيصلي التراويح، ويصلي التهجد، ويصلي الفريضة، ويصلي نوافل بالليل وبالنهار، فهي صلوات كثيرة يطيقها الإنسان، والله لم يكلفك كل هذا، وإنما كلفك بخمس صلوات في اليوم والليلة، وأما الباقي فهي نافلة إن شئت فعلت، وإن شئت لم تفعل، فالله سبحانه فضله عظيم، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
وفي الإنفاق يأمرك أن تنفق، فتبدأ بالنفقة الواجبة عليك، فيقول لك النبي ﷺ : (أبدا بنفسك، ثم بمن تعول)، فلست مكلفاً بأن تعطي كل العائلة مالاً إذا كنت لا تملك شيئاً، بل لا تعط أحداً حتى تبدأ بنفسك أنت.
فإن كان معك أكثر من ذلك فإن عليك أن تعول أولادك، وزوجتك، وخادمك، وأمك وأباك، فتبدأ بالأهم وبعد ذلك بالمهم وهكذا، فتكلف في الإنفاق أن تنفق بقدر الواجب الذي عليك، وإذا فرض الله عليك الزكاة كلفك أن تخرج ما لا يشق عليك، وقد شرعت الزكاة للرفق والمواساة، فكانت الزكاة مبناها على أمر الرفق بالمعطي الغني الذي يعطي هذه الزكاة، والمواساة للإنسان الفقير، من غير أن تضر بمالك، فجعلت الزكاة في الذهب والفضة ربع العشر، أي: اثنين ونصفاً في المائة، وهو شيء يسير لا يشق عليك، كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
وأما زكاة الزروع والثمار إذا كانت تروى بالسقي وبالتعب منك فإن الواجب في ذلك نصف العشر، وأما إذا كانت تسقيها الأمطار ولا تتعب فيها فإن الواجب في ذلك العشر، والواحد من العشرة أو الواحد من العشرين شيء يسير، فالله بفضله وبكرمه جعل الإنفاق الواجب عليك شيئاً يسيراً وليس شيئاً كثيراً.
وعندما أمرك أن تحج إلى بيته الحرام لتطيع الله وتوحده سبحانه، وتقيم الشعيرة الذي نادى إليها إبراهيم، فإنه لو شاء لجعله واجباً عليك كل سنة، ولكنه جعل الحج والعمرة في العمر كله مرة واحدة، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ لما سألوه عندما قال: (إن الله فرض عليكم الحج فحجوا قالوا: أكل عام يا رسول الله؟ قال: لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم) إلى آخر الحديث، فجعل الحج والعمرة مرة واحدة، وهذه المرة الواحدة أيضاً مقيدة بالاستطاعة والقدرة، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧].
وهكذا في كل طاعة لله سبحانه لا يُكلف الإنسان ما يشق عليه فيستحيل أن يفعله، وإنما يكلف بالشيء الذي قد يكون فيه شيء من الجهد والتعب حتى يؤجر، وهو أيضاً يقدر على ذلك، ويقدر على ما هو أشبه به.
стр. 448
تفسير قوله تعالى: (بل قلوبهم في غمرة من هذا)
ولكن كأن الكتاب الذي ينطق عليك بالحق يكون يوم القيامة، تأخذه من صحيفة الحسنات وصحيفة السيئات.
قال سبحانه: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون:٦٣]، يعني: هؤلاء الذين أشركوا بالله وكذبوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه معرضون عن الكتاب، ومعرضون عن نصح ربنا ونصح نبينا صلوات الله وسلامه عليه، وقلوبهم في غمرة، أي: مغمورة، تقول: هذا الغمر مغطٍ وجه الأرض، فالقلوب مغطاة، أي: عليها أغلفة وحجب وعماء، فهم في عماء وفي غطاء وفي غفلة وفي عماية عن القرآن، وعن هذا النصح الذي في كتب الله ، كما قال تعالى: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ).
فقلوب هؤلاء المشركين وقلوب هؤلاء الفجار والعاصين في حيرة، وفي عمى عما وصف الله من أعمال البر، فهم عنها معرضون، فيسمعون الأمر بالصلاة ولكن القلوب غافلة، وليست حاضرة، ويسمعون الأمر بالصيام ويرون الناس صياماً في رمضان وهم مفطرون يشربون السجائر ولا يريدون أن يصوموا.
فقلوبهم في غفلة، وهم غافلون عن العقوبة التي تكون يوم القيامة وغافلون عن عذاب الله ، وهنا يخبرنا سبحانه: أن لهم أيضاً أعمالاً من دون ذلك.
فالقلوب في غفلة عن الثواب، وهم معرضون عن الأعمال الصالحة، وأعمالهم دون الصلاح، أي: أنها من الأعمال الفاسدة والرديئة، يعني: ولهم أعمال في المعاصي رديئة وقبيحة أيضاًَ يفعلونها.
فهم في إعراض عن الطاعة وعن الصلاة وعن الصوم، وعن الأفعال التي يتسابق بها المؤمنون إلى الله ، فهؤلاء العصاة في غفلة عن ذلك، وزيادة على ذلك هم في معاص وذنوب وأعمال دون ذلك.
(هُمْ لَهَا عَامِلُونَ)، أي: من معاص ونحو ذلك، فلهم خطايا قد سجلها الله وكتبها عليهم قبل ذلك.
قال تعالى: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ)، أي: نحن نعلم أنهم سيعملون معاصي، وقد كتبنا ذلك عندنا، وسيفعلون ما قلناه، فيقعون في المعاصي يوماً من الأيام فقوله: (هُمْ لَهَا عَامِلُونَ)، أي: سيعملونها.
стр. 449
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون)
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٤].
والإنسان المترف: هو المنعم، فتنعم الإنسان في الدنيا مدعاة إلى الترف، ومدعاة إلى البعد عن الله، فتجد المنعم المرفه ينام الليل ولا يقوم لصلاة الفجر؛ لأن السرير أحلى عنده من أن يقوم لله .
فهم مترفون قد أترفوا بالنعم التي من المفروض على الإنسان أن يشكر الله عليها، وأن يقدرها بالشكر، وأن يقدم العمل الصالح الذي يوفقه الله به لأن يدخل الجنة، ولكن هؤلاء لا يشكرون الله على نعمه، بل يعرضون عنه، ومنهم المشركون الذين كانوا مع النبي ﷺ ، فإنهم لما رأوا أن الله أنعم عليهم بالنعم أشركوا في عبادته وعبدوا غيره سبحانه، وجعلوا بهيمة الأنعام قسمين: فقسم لله وقسم لآلهتهم، فما كان لله فإنه يصل إلى آلهتهم، وما كان لآلهتهم فلا يجعلونه لله ولا يصل إلى الله.
فهؤلاء المشركون لما أنعم الله عليهم عبدوا غيره، فإذا جاءتهم البأساء والضراء يدعونه وحده ، فلما تعنتوا على النبي ﷺ دعا عليهم ربه سبحانه فقال: (اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف)، أي: مثل السنين التي أصابت أهل مصر، أي: سبع سنوات عجاف، فطلب من ربه أن يضيق عليهم، لكي يرجعوا إليه، فقد كانت عادتهم أنهم في وقت الرخاء يشركون، وفي وقت البلاء يهرعون إلى النبي ﷺ : ادع لنا ربك، كما فعل بنو إسرائيل مع موسى، وكما فعل فرعون مع موسى.
قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ)، والعذاب هنا هو العذاب الدنيوي؛ لأن العذاب الأخروي لن يرجعوا منه مرة أخرى، وأما في الدنيا فقد يتوبون ويرجعون إلى الله ، فيكشف عنهم العذاب، وأما يوم القيامة فلا كشف للعذاب عن هؤلاء.
قالوا: والمقصد من هذا العذاب -أي: ما كان من دعوة النبي ﷺ عليهم- هو ابتلاؤهم، فإذا بهم يجأرون، أي: يصرخون ويضجون ويستغيثون ويرفعون أيديهم لربنا ليكشف عنهم هذا البلاء الذي هم فيه، فقد ابتلاهم الله بالقحط، وبالجوع، حتى أكلوا العظام والميتة والكلاب والجيف والجلود، فما وجدوا شيئاً إلا وأكلوه.
فلما اشتد عليهم الأمر ذهبوا إلى النبي ﷺ وجلسوا يبكون ويطلبون منه ﷺ أن يدعو لهم، وكان رحيماً ﷺ ، فدعا ربه سبحانه أن يكشف عنهم هذا العذاب، وقد ذكر الله في سورة الدخان أنه أرسل عليهم هذه الشدة العظيمة، وبعد ذلك قال: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان:١٥]، أي: سترجعون وتكفرون مرة ثانية، وفعلاً رجعوا إلى ما كانوا عليه ولم يدخلوا مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، فكأن هذه الآية إشارة إلى ذلك، وفصلها في سورة الدخان.
قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ)، أي: بالعذاب في الدنيا، سواء ما كان من القحط الذي نزل عليهم، أو ما كان من القتل بالسيف في يوم بدر، وقتل رؤسائهم، فإذا هُمْ يَجْأَرُونَ، أي: الذين بقوا يجأرون ويضجون إلى الله .
стр. 450
تفسير قوله تعالى: (لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون فكنتم على أعقابكم تنكصون)
قال سبحانه: ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٥]، أي: إذا جاء عليكم العذاب فلن تقدروا أن تمتنعوا من بطشنا ومن عذابنا.
(إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ)، وكأن المعنى: أن هؤلاء الذين قتلوا لا أحد يجيرهم، ولذلك وقف عليهم النبي ﷺ وهم في قليب بدر يناديهم ﷺ : (يا عتبة بن ربيعة! ويا شيبة بن ربيعة! ويا وليد بن عتبة! ويا أبا جهل بن هشام هل وجدتهم ما وعد ربكم حقاً؟ فيقول له عمر: ما تسمع من أجساد قد جيفت -يعني: لا تسمع قولك- فقال النبي ﷺ : ما أنتم بأسمع منهم)، فالله أسمعهم ما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد وجدوا ما وعد ربهم حقاً ولم يعد لهم الآن توبة ولا شيء، فقد صاروا أمواتاً، وصاروا إلى النار.
وأما هؤلاء الأحياء فرجعوا يتعنتون، وجاءوا إلى النبي ﷺ بعد ذلك في يوم أحد، ثم رجعوا بعد ذلك في الخندق، إلى أن أعز الله جنده، وقال لهؤلاء: (لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ)، أي: لا تصرخوا، ولا تستغيثوا.
(إِنَّكُمْ مِنَّا) أي: من عذابنا (لا تُنصَرُونَ) قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٦ - ٦٧]، أي: قبل ذلك -قبل أن ينزل عليكم هذا العذاب بالقتل وبغيره- كانت تتلى عليكم هذه الآيات، (فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ)، أي: تعرضون عن سماع النبي ﷺ ، فقد ملأ الكبر قلوبهم، وجعلهم يعرضون عن سماع ما يقوله النبي ﷺ ، وعن الاستفادة منه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 451
تفسير سورة المؤمنون [٦٣ - ٦٧]
ذكر الله في هذه الآيات أن قلوب الكافرين في غفلة وضلالة عن الدين، وأن الله عندما ينزل عليهم العذاب يوم القيامة إذا بهم يستغيثون به أن يكشف عنهم ما هم فيه، فاستغاثتهم بالله أن يرفع عنهم العذاب لا تنصرهم من عذاب الله؛ لأنهم كانوا في الدنيا مستكبرين على الحق تاركين له وراء ظهورهم.
стр. 452
تفسير قوله تعالى: (بل قلوبهم في غمرة من هذا)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة المؤمنون: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ * حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٣ - ٦٩].
في هذه الآيات من سورة المؤمنون يقول الله عن الكفار المشركين الذين لم يستجيبوا للنبي ﷺ مع ما بين لهم من الآيات وما دعاهم إليه من الهدى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون:٦٣] أي: قلوبهم في غفلة وعماية وضلالة من هذا التذكير ومن هذا الدين الذي جئت به، ولهم أعمال قبيحة من دون ذلك، كطعنهم في القرآن وطعنهم في النبي صلوات الله وسلامه عليه، و (هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) أي: قد عرفها الله وأخبر النبي ﷺ بذلك، فلا تيأس من هؤلاء وادعهم إلى الله ، ولا تحزن عليهم إذا أخذهم عذاب رب العالمين سبحانه، فهم على ما عملوا في كفرهم وإعراضهم سيعملون أعمالاً أخرى قبيحة.
стр. 453
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون)
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٤] والمترفون من الناس هم المنعمون، وهؤلاء أكثر الناس عدم استجابة لأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، فكلما كانوا في دعة وفي رغد من العيش وفي علو في المناصب كلما كان إعراضهم أشد وبعدهم عن الدين أكثر، فهم فيما نعمهم الله فيه مبسوطون بهذا الشيء مسرورون به، لا يريدون أن يدخلوا في دين النبي ﷺ ، حتى لا ينقص شيئ في هذه الدنيا من رئاستهم وعلوهم، فالله يملي لهم حتى إذا أخذهم لم يفلتهم.
ومعنى قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) أي: كلما يأتيهم العذاب من عند الله سبحانه في أي صورة من صوره كالقتل في يوم بدر وغيرها من أيام نصر المؤمنين عليهم فأخذهم الله بهذا العذاب.
قال تعالى: ((إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ)) أي: كلما أتاهم شيء من عذاب الله فإنهم يصرخون ويضجون ويستغيثون أن يكشف عنهم هذا العذاب مع أنهم في كفرهم وضلالهم.
стр. 454
تفسير قوله تعالى: (لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون)
قال الله : ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٥] وهم يصرخون ويستغيثون الله فيقال لهم: لا تصرخوا ولا تجأروا ((إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ))، وحين أراد الله أن يعذبهم وأن يأتي نصر الله للمؤمنين يجأر الكافرون ويستفتحون ويدعون ربهم: اللهم من كنت غضبت عليه منا فأته بهذا العذاب، اللهم أقطعنا للرحم، يقصدون النبي ﷺ وهو لم يأت بقطيعة الرحم ﵊، وإنما هم بإعراضهم وتكذيبهم هم الذين صنعوا بأنفسهم ذلك، فقد جاء ليصل الأرحام ﵊، وهم كانوا يعترفون بذلك أنه جاء يأمرهم بصلة الأرحام، وبالصلاة، ويأمرهم صلوات الله وسلامه عليه بالإنفاق على ذوي القربى، ويأمرهم بالزكاة، ويأمرهم بالخير كله ﵊، عرفوا ذلك ومع ذلك يقولون: هو أقطع الناس للرحم صلوات الله وسلامه عليه، قال لهم ربنا لما جاءهم العذاب: لا تجأروا، لا تصرخوا اليوم (إنكم منا) أي: من عذابنا (لا تنصرون).
стр. 455
تفسير قوله تعالى: (قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون)
قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ [المؤمنون:٦٦] والمعنى: أنهم كانوا يعرضون فلا يسمعون للنبي ﷺ ، وكانوا يغطون وجوههم حتى لا يروا النبي ﷺ فيعرضون عنه.
ومعنى (ينكصون) أي: يرجعون ويتقهقرون إذا رأوا النبي ﷺ يدعوهم إلى الله تعالى، فيبتعدون عنه ﷺ ، ويرجعون على ظهورهم.
стр. 456
تفسير قوله تعالى: (مستكبرين به سامراً تهجرون)
قال الله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٧] هؤلاء المشركون كانوا يستمعون إلى القرآن ولكن لا يريدون أن يدخلوا في دين النبي ﷺ ، والقرآن عظيم، وهم يعرفون ذلك، وله حلاوة، وهم يحبون أن يستمعوا إلى حلاوة القرآن، أما أن يؤمنوا به، فهم يسمعون القرآن لجماله لا أنهم يريدون أن يدخلوا في الدين، فإذا أمرهم النبي ﷺ بأمر لا يفعلونه؛ لأنهم هم الذين يأمرون وينهون، ولذلك كانوا يقولون: إن النبي ﷺ صادق أمين ﵊ لا يكذب، ويقول أبو جهل: كنا وبنو هاشم كفرسي رهان، أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، حتى إذا كنا وهم قاب قوسين أو أدنى قالوا: منا نبي، وأنى لنا ذلك! فالأمر أمر عناد واستكبار من أن يكونوا أتباعاً لبني هاشم.
وكانوا يقولون كما ذكر الله عنهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] أي: أنزل هذا القرآن على محمد من بني هاشم ﵊ ولم ينزل على الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفي أو على غني آخر من أغنياء قريش.
ومعنى ذلك: أنهم لم يتبعوه ولم ينظروا إلى الحق الذي جاء به وإنما نظروا إليه ﷺ أنه أفضل منهم فلم يدخلوا في الدين، فربنا أخبر عن حال هؤلاء أنهم نكصوا عن دين الله وتراجعوا القهقرى، ولم يدخلوا دين الله، مستكبرين بالمكان الذي هم فيه، فهم أهل الحرم، فإذا جاء وقت الحج خرج الناس إلى عرفة، وعرفة من الحل، أما هم فلا يصعدون جبل عرفة؛ لأنهم أهل الحرم فهم مميزون على غيرهم، ولذلك أمر النبي ﷺ أن يفيض هو ومن معه من هؤلاء القرشيين من حيث أفاض الناس، فيخرجون من الحرم إلى الحل -وهو جبل عرفات- ثم يرجعون إلى مزدلفة ومنى فيجمعون في الحج بين الحل والحرم، فالكفار كانوا يعتقدون أنهم أعظم الناس حرمة، وأن لهم حقوقاً على الناس، وأن الناس أتباع لهم وليسوا أتباعاً لأحد، هذا مع بعدهم عن دين الله وعبادتهم للأصنام من دون الله سبحانه، فهم يستكبرون عن آيات الله لأنهم أهل الحرم، والمفترض أن الذي يعيش في الحرم يتواضع لأنه في هذا المكان الأمين العظيم الذي فيه بيت الله .
وقوله تعالى: (سَامِرًا تَهْجُرُونَ) (سامر) تأتي مفرداً وجمعاً، وهي بمعنى: سمار، والسمر: هو حديث الليل في ضوء القمر، ويتسامرون أي: يجلسون ويتكلمون بالليل في أمور دنياهم، ومنه الأسمر، وهو لون بين الأسود والأبيض كلون القمح والحنطة، فالكفار يتسامرون في الليل ويطعنون ويسبون النبي ﷺ ، فهم مستكبرون بالحرم وساهرون بالليل يهجرون.
стр. 457
القراءات في قوله تعالى (تهجرون)
وقوله تعالى: (تَهْجُرُونَ) فيها قراءتان: قراءة نافع المدني: (تُهجرون)، وقراءة باقي القراء: (تَهجرون)، و (تُهجرون) من أهجر، ومنه الهُجر في الكلام بمعنى: الفحش والكلام القبيح، فهم يتكلمون بالفاحش من القول والقبيح من الطعن في النبي ﷺ ، و (تهَجرون) من الهجر، أي: قطيعة النبي صلوات الله وسلامه عليه، ومنه الهجرة أي: قطع هذا الشيء وانتقل عنه إلى غيره، فهم يقاطعون النبي ﷺ ، أو من الهجر بمعنى الهذيان والتخريف، يقال: المريض يهجر، بمعنى: يخرف، و (سامراً تهجرون) أي: يخرفون كهذيان المريض ويخلطون في الكلام، وكانوا يسهرون ويقولون عن النبي ﷺ أنه مجنون، وهذا القول من خرافاتهم وأكاذيبهم على النبي ﷺ ، وهم يعرفون أنه ليس بمجنون صلوات الله وسلامه عليه، ويقولون عنه: ساحر، وأنه جاء بقطيعة الرحم وأنه كذاب، فيخلطون في الأقوال، والإنسان المجنون لا يميز بين الحق والباطل وبين الصواب والخطأ، وهؤلاء لا يميزون في كلامهم مع النبي ﷺ ، فهم يهجرون أي: يهجرون ويخرفون في القول ويتكلمون بالفحش في النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه نهى عن الكلام في الليل، وكأنه من عادة المشركين، فهم يسهرون الليل من أجل أن يتكلموا في حقوق الناس أو ينشئوا الأشعار مثلاً.
стр. 458
كراهة السمر في الليل
جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٧] والليل قد جعله الله محلاً للنوم، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٧]، فالنهار للاستيقاظ والليل وقت للنوم، أو إذا قمت بالليل فصل واعبد ربك ، وليس الليل محل السمر، إلا الإنسان العاصي البعيد عن الله وعن طاعته، فـ ابن عباس ﵄ ذكر في هذه الآية أن الله تعالى ذم أقواماً يسمرون في غير طاعة الله ، إما في هذيان وتخريف وكلام فارغ، أو في أذى وطعن وتدبير مكائد للناس.
وكان سليمان بن مهران الأعمش من علماء وفقهاء التابعين ومن المحدثين كان يقول: إذا رأيت الشيخ ولم يكتب الحديث فاصفعه فإنه من شيوخ القمر، ومعنى كلامه: أنه لا يستحق الاحترام وإنما يستحق الضرب على قفاه؛ لأنه ضيع عمره وحياته في السهر بالليل للكلام والهذيان والتخريف حتى جاء في آخر حياته ولم يعرف شيئاً من سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد كان بعض العلماء يجتمعون في ليالي القمر فيتحدثون مع الخلفاء والأمراء ولا يحسن أحدهم أن يتوضأ، فيحسنون كل شيء إلا أمر دين الله تعالى.
وجاء في صحيح مسلم عن أبي برزة الأسلمي قال: (كان النبي ﷺ يؤخر العشاء إلى ثلث الليل ويكره النوم قبله والحديث بعده)، ومعنى ثلث الليل: أن الليل من المغرب إلى الفجر يقسم أثلاثاً، فالثلث الأول كان يصلي النبي ﷺ فيه صلاة العشاء أحياناً وليس دائماً، وكان يخشى أن يشق على أصحابه ﷺ من التأخير، وكان يحب أن يؤخر العشاء، وكان يكره النوم قبل صلاة العشاء لأنه سيضيع صلاة العشاء، ويكره الحديث بعدها وهو السمر والسهر، فمن صلى العشاء وأوتر ثم نام فقد غفر الله له في نومه.
فالإنسان الذي يسهر بعد صلاة العشاء في غير عمل صالح فإنه يجلب على نفسه ذنوباً بالسمر واللهو، والطعن في أعراض الناس بالغيبة والنميمة، ولذلك لا ينبغي للإنسان أنه يسمر إلا أن يكون في مدارسة العلم وفي طاعة الله .
يقول العلماء: وأما الكراهية للنوم قبلها فلئلا يعرضها للفوات عن كل وقتها أو عن أفضل وقتها، ولهذا قال عمر ﵁: فمن نام قبل العشاء فلا نامت عيناه، وهذا دعاء على الذي ينام قبل العشاء ويضيع صلاة العشاء.
والله يمحو عن المحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها خطاياه، فقد جاء في حديث النبي ﷺ أنه قال: (تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الفجر غسلتها،) يعني: الذنوب، ولا يزال الإنسان على ذلك حتى يصلي صلاة العشاء، والله يذهب عنه من الخطايا ومن الذنوب، فالمفترض بعد ذلك إذا كان ربنا كفر عنك السيئات فلا تعمل سيئات جديدة باللهو وبالكلام الفارغ بعد العشاء.
كذلك السهر إلى ساعة متأخرة من الليل كما يحدث عند كثير من الناس أنهم يسهرون إلى الساعة الثانية عشرة أو الواحدة أو الثانية بعد منتصف الليل، ثم بعد ذلك ينامون فيضيعون صلاة الفجر ويستيقظون بعد شروق الشمس ثم يصلون صلاة الصبح، فيضيعون على أنفسهم الفضيلة ويكتسبون من الآثام، فكره النبي ﷺ الحديث بعدها لما يجر هذا الحديث إلى تضييع العبادة واكتساب المآثم.
فإذا ذهب إنسان إلى آخر بعد العشاء لحاجة من الحاجات فلا يطول عليه السهر فيضيع عليه وقته، فلا يستطيع أن يقوم من الليل، ولعله يضيع على نفسه صلاة الفجر، فاحرصوا على أوقاتكم، وكل إنسان مسلم يضن بوقته أن يضيعه في لهو ولعب ولغو، فإن الأوقات محسوبة عليك، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، فإن لم تقطع وقتك بأخذ الثواب فاتك هذا الوقت ولن يرجع إليك مرة ثانية، فلذلك اجعل لنفسك في يومك وقتاً يكون لذكر الله من نوافل وغيرها، واعمل لنفسك وقتاً لطلب العلم ولقيام الليل، ولا تضيع وقتك ووقت غيرك، فالوقت بعد العشاء إما أن يكون للنوم، أو لذكر الله ، فإذا كنت في ذلك فهذا خير، وإذا كنت في غير ذلك فلا.
والدليل على جواز السمر بعد العشاء لذكر الله ونحوه: ما جاء من أحاديث عن النبي ﷺ أنه كان يأتي إليه بعض أصحابه أحياناً ويجلسون عنده جزءاً من الليل، كـ أبي بكر الصديق ﵁، وقد جاء حديث طويل في ذهاب أبي بكر إلى النبي ﷺ ودروسه معه بالليل ثم رجوعه إلى بيته.
وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 459
تفسير سورة المؤمنون [٦٤ - ٧١]
يخبر الله سبحانه في هذه الآيات أنه إذا أخذ المنعمين المترفين بعذاب من عنده سبحانه إذا بهم يصرخون ويستغيثون ويضجون، لكن ذلك لن ينفعهم؛ لأنهم كفروا بالله وأشركوا معه غيره، ولن يستطيع أحد على نصرتهم، فقد كانوا يسمعون آيات الله من النبي ﷺ فيرجعون القهقرى ويبتعدون عنه حتى لا يسمعوا القرآن، وهم مع ذلك يستكبرون بمكانهم ومحلهم الذي هو مكة، ويتسامرون بالكلام القبيح الذي فيه طعن في النبي ﷺ ، ثم إن الله نعى عليهم عقولهم حيث إنهم كانوا يسمعون القرآن ولا يفهمونه ولا يتبعونه.
стр. 460
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون إنكم منا لا تنصرون)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله : ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٦٤ - ٧١].
يخبرنا الله في هذه الآيات عن المكذبين الذين كذبوا النبي ﷺ فجعلهم الله عبرة لغيرهم، كالذين من قبلهم لما كذبوا المرسلين أتاهم العذاب من عند رب العالمين.
قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾ [المؤمنون:٦٤]، أي: المنعمين منهم، ﴿بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٤]، والعذب الذي كان في عهد النبي ﷺ لم يكن عذاباً عاماً؛ لأن الله سبحانه قال للنبي ﷺ : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]، ولكن كان عذاباً لمجموعة من الناس بالقتل، قالوا: إنه لم يمنع عنهم المطر ولم يصابوا بالقحط، حتى دعا النبي ﷺ عليهم وقال: (اللهم أعني عليهم بسبع كسني يوسف)، فلما جاءهم مثل هذا العذاب جأروا لله ، ودعوا واستغاثوا بالنبي ﷺ أن يدعو لهم ربه ليكشف عنهم الذي هم فيه، كما ذكر الله في سورة الدخان: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان:١٥ - ١٦]، فقد أخبر أنه سيرفع عنهم العذاب قليلاً من قحط وعدم نزول المطر، ومن جوع، ومن شدة، حتى يرجعوا ويؤمنوا بالنبي ﷺ ، ولكن الله أخبر عنهم، ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان:١٥]، أي: إلى غيكم وإلى ضلالكم ولن ينفعكم ذلك.
وهنا قال: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٤] أي: يصرخون ويضجون، ويستغيثون.
قال سبحانه: ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٥]، وهذا فيمن كتب الله عليهم الشقاوة، وأنهم سيعيشون على الكفر ويموتون عليه، فمنهم من قتل يوم بدر ومنهم من أخذه الله بعد ذلك.
следующие страницы →