← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

تفسير قوله تعالى: (مستكبرين به سامراً تهجرون) قال الله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٧] هؤلاء المشركون كانوا يستمعون إلى القرآن ولكن لا يريدون أن يدخلوا في دين النبي ﷺ ، والقرآن عظيم، وهم يعرفون ذلك، وله حلاوة، وهم يحبون أن يستمعوا إلى حلاوة القرآن، أما أن يؤمنوا به، فهم يسمعون القرآن لجماله لا أنهم يريدون أن يدخلوا في الدين، فإذا أمرهم النبي ﷺ بأمر لا يفعلونه؛ لأنهم هم الذين يأمرون وينهون، ولذلك كانوا يقولون: إن النبي ﷺ صادق أمين ﵊ لا يكذب، ويقول أبو جهل: كنا وبنو هاشم كفرسي رهان، أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، حتى إذا كنا وهم قاب قوسين أو أدنى قالوا: منا نبي، وأنى لنا ذلك! فالأمر أمر عناد واستكبار من أن يكونوا أتباعاً لبني هاشم. وكانوا يقولون كما ذكر الله عنهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] أي: أنزل هذا القرآن على محمد من بني هاشم ﵊ ولم ينزل على الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفي أو على غني آخر من أغنياء قريش. ومعنى ذلك: أنهم لم يتبعوه ولم ينظروا إلى الحق الذي جاء به وإنما نظروا إليه ﷺ أنه أفضل منهم فلم يدخلوا في الدين، فربنا أخبر عن حال هؤلاء أنهم نكصوا عن دين الله وتراجعوا القهقرى، ولم يدخلوا دين الله، مستكبرين بالمكان الذي هم فيه، فهم أهل الحرم، فإذا جاء وقت الحج خرج الناس إلى عرفة، وعرفة من الحل، أما هم فلا يصعدون جبل عرفة؛ لأنهم أهل الحرم فهم مميزون على غيرهم، ولذلك أمر النبي ﷺ أن يفيض هو ومن معه من هؤلاء القرشيين من حيث أفاض الناس، فيخرجون من الحرم إلى الحل -وهو جبل عرفات- ثم يرجعون إلى مزدلفة ومنى فيجمعون في الحج بين الحل والحرم، فالكفار كانوا يعتقدون أنهم أعظم الناس حرمة، وأن لهم حقوقاً على الناس، وأن الناس أتباع لهم وليسوا أتباعاً لأحد، هذا مع بعدهم عن دين الله وعبادتهم للأصنام من دون الله سبحانه، فهم يستكبرون عن آيات الله لأنهم أهل الحرم، والمفترض أن الذي يعيش في الحرم يتواضع لأنه في هذا المكان الأمين العظيم الذي فيه بيت الله . وقوله تعالى: (سَامِرًا تَهْجُرُونَ) (سامر) تأتي مفرداً وجمعاً، وهي بمعنى: سمار، والسمر: هو حديث الليل في ضوء القمر، ويتسامرون أي: يجلسون ويتكلمون بالليل في أمور دنياهم، ومنه الأسمر، وهو لون بين الأسود والأبيض كلون القمح والحنطة، فالكفار يتسامرون في الليل ويطعنون ويسبون النبي ﷺ ، فهم مستكبرون بالحرم وساهرون بالليل يهجرون.

стр. 457

القراءات في قوله تعالى (تهجرون) وقوله تعالى: (تَهْجُرُونَ) فيها قراءتان: قراءة نافع المدني: (تُهجرون)، وقراءة باقي القراء: (تَهجرون)، و (تُهجرون) من أهجر، ومنه الهُجر في الكلام بمعنى: الفحش والكلام القبيح، فهم يتكلمون بالفاحش من القول والقبيح من الطعن في النبي ﷺ ، و (تهَجرون) من الهجر، أي: قطيعة النبي صلوات الله وسلامه عليه، ومنه الهجرة أي: قطع هذا الشيء وانتقل عنه إلى غيره، فهم يقاطعون النبي ﷺ ، أو من الهجر بمعنى الهذيان والتخريف، يقال: المريض يهجر، بمعنى: يخرف، و (سامراً تهجرون) أي: يخرفون كهذيان المريض ويخلطون في الكلام، وكانوا يسهرون ويقولون عن النبي ﷺ أنه مجنون، وهذا القول من خرافاتهم وأكاذيبهم على النبي ﷺ ، وهم يعرفون أنه ليس بمجنون صلوات الله وسلامه عليه، ويقولون عنه: ساحر، وأنه جاء بقطيعة الرحم وأنه كذاب، فيخلطون في الأقوال، والإنسان المجنون لا يميز بين الحق والباطل وبين الصواب والخطأ، وهؤلاء لا يميزون في كلامهم مع النبي ﷺ ، فهم يهجرون أي: يهجرون ويخرفون في القول ويتكلمون بالفحش في النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه نهى عن الكلام في الليل، وكأنه من عادة المشركين، فهم يسهرون الليل من أجل أن يتكلموا في حقوق الناس أو ينشئوا الأشعار مثلاً.

стр. 458

كراهة السمر في الليل جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٧] والليل قد جعله الله محلاً للنوم، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٧]، فالنهار للاستيقاظ والليل وقت للنوم، أو إذا قمت بالليل فصل واعبد ربك ، وليس الليل محل السمر، إلا الإنسان العاصي البعيد عن الله وعن طاعته، فـ ابن عباس ﵄ ذكر في هذه الآية أن الله تعالى ذم أقواماً يسمرون في غير طاعة الله ، إما في هذيان وتخريف وكلام فارغ، أو في أذى وطعن وتدبير مكائد للناس. وكان سليمان بن مهران الأعمش من علماء وفقهاء التابعين ومن المحدثين كان يقول: إذا رأيت الشيخ ولم يكتب الحديث فاصفعه فإنه من شيوخ القمر، ومعنى كلامه: أنه لا يستحق الاحترام وإنما يستحق الضرب على قفاه؛ لأنه ضيع عمره وحياته في السهر بالليل للكلام والهذيان والتخريف حتى جاء في آخر حياته ولم يعرف شيئاً من سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد كان بعض العلماء يجتمعون في ليالي القمر فيتحدثون مع الخلفاء والأمراء ولا يحسن أحدهم أن يتوضأ، فيحسنون كل شيء إلا أمر دين الله تعالى. وجاء في صحيح مسلم عن أبي برزة الأسلمي قال: (كان النبي ﷺ يؤخر العشاء إلى ثلث الليل ويكره النوم قبله والحديث بعده)، ومعنى ثلث الليل: أن الليل من المغرب إلى الفجر يقسم أثلاثاً، فالثلث الأول كان يصلي النبي ﷺ فيه صلاة العشاء أحياناً وليس دائماً، وكان يخشى أن يشق على أصحابه ﷺ من التأخير، وكان يحب أن يؤخر العشاء، وكان يكره النوم قبل صلاة العشاء لأنه سيضيع صلاة العشاء، ويكره الحديث بعدها وهو السمر والسهر، فمن صلى العشاء وأوتر ثم نام فقد غفر الله له في نومه. فالإنسان الذي يسهر بعد صلاة العشاء في غير عمل صالح فإنه يجلب على نفسه ذنوباً بالسمر واللهو، والطعن في أعراض الناس بالغيبة والنميمة، ولذلك لا ينبغي للإنسان أنه يسمر إلا أن يكون في مدارسة العلم وفي طاعة الله . يقول العلماء: وأما الكراهية للنوم قبلها فلئلا يعرضها للفوات عن كل وقتها أو عن أفضل وقتها، ولهذا قال عمر ﵁: فمن نام قبل العشاء فلا نامت عيناه، وهذا دعاء على الذي ينام قبل العشاء ويضيع صلاة العشاء. والله يمحو عن المحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها خطاياه، فقد جاء في حديث النبي ﷺ أنه قال: (تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الفجر غسلتها،) يعني: الذنوب، ولا يزال الإنسان على ذلك حتى يصلي صلاة العشاء، والله يذهب عنه من الخطايا ومن الذنوب، فالمفترض بعد ذلك إذا كان ربنا كفر عنك السيئات فلا تعمل سيئات جديدة باللهو وبالكلام الفارغ بعد العشاء. كذلك السهر إلى ساعة متأخرة من الليل كما يحدث عند كثير من الناس أنهم يسهرون إلى الساعة الثانية عشرة أو الواحدة أو الثانية بعد منتصف الليل، ثم بعد ذلك ينامون فيضيعون صلاة الفجر ويستيقظون بعد شروق الشمس ثم يصلون صلاة الصبح، فيضيعون على أنفسهم الفضيلة ويكتسبون من الآثام، فكره النبي ﷺ الحديث بعدها لما يجر هذا الحديث إلى تضييع العبادة واكتساب المآثم. فإذا ذهب إنسان إلى آخر بعد العشاء لحاجة من الحاجات فلا يطول عليه السهر فيضيع عليه وقته، فلا يستطيع أن يقوم من الليل، ولعله يضيع على نفسه صلاة الفجر، فاحرصوا على أوقاتكم، وكل إنسان مسلم يضن بوقته أن يضيعه في لهو ولعب ولغو، فإن الأوقات محسوبة عليك، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، فإن لم تقطع وقتك بأخذ الثواب فاتك هذا الوقت ولن يرجع إليك مرة ثانية، فلذلك اجعل لنفسك في يومك وقتاً يكون لذكر الله من نوافل وغيرها، واعمل لنفسك وقتاً لطلب العلم ولقيام الليل، ولا تضيع وقتك ووقت غيرك، فالوقت بعد العشاء إما أن يكون للنوم، أو لذكر الله ، فإذا كنت في ذلك فهذا خير، وإذا كنت في غير ذلك فلا. والدليل على جواز السمر بعد العشاء لذكر الله ونحوه: ما جاء من أحاديث عن النبي ﷺ أنه كان يأتي إليه بعض أصحابه أحياناً ويجلسون عنده جزءاً من الليل، كـ أبي بكر الصديق ﵁، وقد جاء حديث طويل في ذهاب أبي بكر إلى النبي ﷺ ودروسه معه بالليل ثم رجوعه إلى بيته. وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 459

تفسير سورة المؤمنون [٦٤ - ٧١] يخبر الله سبحانه في هذه الآيات أنه إذا أخذ المنعمين المترفين بعذاب من عنده سبحانه إذا بهم يصرخون ويستغيثون ويضجون، لكن ذلك لن ينفعهم؛ لأنهم كفروا بالله وأشركوا معه غيره، ولن يستطيع أحد على نصرتهم، فقد كانوا يسمعون آيات الله من النبي ﷺ فيرجعون القهقرى ويبتعدون عنه حتى لا يسمعوا القرآن، وهم مع ذلك يستكبرون بمكانهم ومحلهم الذي هو مكة، ويتسامرون بالكلام القبيح الذي فيه طعن في النبي ﷺ ، ثم إن الله نعى عليهم عقولهم حيث إنهم كانوا يسمعون القرآن ولا يفهمونه ولا يتبعونه.

стр. 460

تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون إنكم منا لا تنصرون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله : ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٦٤ - ٧١]. يخبرنا الله في هذه الآيات عن المكذبين الذين كذبوا النبي ﷺ فجعلهم الله عبرة لغيرهم، كالذين من قبلهم لما كذبوا المرسلين أتاهم العذاب من عند رب العالمين. قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾ [المؤمنون:٦٤]، أي: المنعمين منهم، ﴿بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٤]، والعذب الذي كان في عهد النبي ﷺ لم يكن عذاباً عاماً؛ لأن الله سبحانه قال للنبي ﷺ : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]، ولكن كان عذاباً لمجموعة من الناس بالقتل، قالوا: إنه لم يمنع عنهم المطر ولم يصابوا بالقحط، حتى دعا النبي ﷺ عليهم وقال: (اللهم أعني عليهم بسبع كسني يوسف)، فلما جاءهم مثل هذا العذاب جأروا لله ، ودعوا واستغاثوا بالنبي ﷺ أن يدعو لهم ربه ليكشف عنهم الذي هم فيه، كما ذكر الله في سورة الدخان: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان:١٥ - ١٦]، فقد أخبر أنه سيرفع عنهم العذاب قليلاً من قحط وعدم نزول المطر، ومن جوع، ومن شدة، حتى يرجعوا ويؤمنوا بالنبي ﷺ ، ولكن الله أخبر عنهم، ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان:١٥]، أي: إلى غيكم وإلى ضلالكم ولن ينفعكم ذلك. وهنا قال: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٤] أي: يصرخون ويضجون، ويستغيثون. قال سبحانه: ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٥]، وهذا فيمن كتب الله عليهم الشقاوة، وأنهم سيعيشون على الكفر ويموتون عليه، فمنهم من قتل يوم بدر ومنهم من أخذه الله بعد ذلك.

стр. 461

تفسير قوله تعالى: (قد كانت آياتي تتلى عليكم مستكبرين به سامراً تهجرون) قال سبحانه مبكتاً لهؤلاء: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ [المؤمنون:٦٦]، يعني: كنتم لا تستمعون لهذا القرآن ولا لهذه الآيات، ولا تعتبرون بها، بل ترجعون القهقرى فتتأخرون وتبتعدون عن النبي ﷺ حتى لا تستمعوا لما يقوله ﵊. قال سبحانه: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٧]، يعني: بمساركم، أو بمحلكم، أو بالمكان الذي أنتم فيه وهو مكة، متعالين لأنكم أهل الحرم وأنكم أفضل من غيركم، وكان ينبغي لهؤلاء وإن كانوا أهل الحرم وقد جاءهم ذكر من الله سبحانه، أن يفتخروا بالقرآن العظيم، وكان المفروض عليهم أن يتبعوا القرآن العظيم الذي نزل من عند رب العالمين، ولكن كان حالهم أنهم (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً)، (سامراً) مفرد جمعها: سمار، أي: تتسامرون، فقد كانوا يسهرون الليل ويقولون الأقوال القبيحة يؤيدون بها ما هم عليه من باطل، ويردون ويطعنون على النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقوله: (تهجرون)، أي: تتكلمون بالقبيح من القول، فقال: إنكم بالليل تسهرون لتكيدوا للنبي ﷺ وتطعنون فيه، فأنتم تهجرون، وكذلك تتكلمون وتهرفون بما لا تعرفون، فأنتم تهجرون، وتتكلمون بكلام الهجر الذي فيه الهذيان.

стр. 462

حكم السمر بعد العشاء لقد ذكرنا أن النبي ﷺ نهى عن السمر بعد العشاء، فإذا صليتم العشاء فإما أن تناموا وإما أن تدعوا ربكم، وإما أن تصلوا، لكن الإنسان الذي يسهر ويلهو ويضيع وقته بعد العشاء فهذا لا ينبغي، وفي الحديث: (أن النبي ﷺ كان يؤخر العشاء إلى ثلث الليل ويكره النوم قبلها والحديث بعدها)، فإن الإنسان إذا نام قبل العشاء لعله يغلبه النوم فلا يقوم لصلاة العشاء، وكان يكره الحديث بعدها؛ لأن الإنسان آخر عمل يعمله هو صلاة العشاء، والملائكة قد كتبت هذه الصلاة، وهذه الصلاة كفارة لذنوبه التي بين الصلاتين، فلا ينبغي أن يلهو بكلام تكتب عليه بسببه ذنوب مرة أخرى، فالإنسان لا يزال في المباح حتى يقع في المكروه وحتى يقع في الحرام، فعلى ذلك نهى النبي ﷺ عن المسامرة بعد العشاء. والكراهية للحديث بعدها إلا أن يكون في ذكر الله وفي قراءة القرآن، وفي مدارسة العلم وتعليمه، وفي مصالح المسلمين فهذا جائز، والسهر بالليل للحراسة في سبيل الله مباح بل فيه أجر عظيم، فقد جاء عند الترمذي عن ابن عباس عن النبي ﷺ : (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، والليل وإن كان وقتاً للنوم لكن هذا في طاعة لله وفي حراسة بلاد المسلمين، فله أجر عظيم على ذلك، وآخر قام يصلي ويبكي من خشية الله ، وليس مقيداً بالليل بل إن بكى بالليل أو بالنهار فله أجر عظيم عند الله . وجاء في الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁ أن أصحاب الصفة كانوا أناساً فقراء، وأن رسول الله ﷺ قال مرة: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس بسادس)، أو كما قال ﷺ : وإن أبا بكر جاء بثلاثة وانطلق نبي الله ﷺ بعشرة، وأبو بكر الصديق ذهب بهم بعد العشاء، وأهل الصفة كانوا يجلسون في مسجد النبي ﷺ يتعلمون من النبي ﷺ ، فإذا أراد شيئاً أرسلهم إليه كجهاد ونحوه، وكانوا فقراء، يأتي وقت العشاء وليس عندهم ما يأكلون، فكان النبي ﷺ يأمر أصحابه الذي عنده طعام واحد يأخذ معه ثانياً، والذي عنده طعام اثنين يذهب معه بثالث، والذي عنده طعام ثلاثة يذهب معه برابع وهكذا. فـ أبو بكر الصديق أخذ ثلاثة وانطلق بهم إلى بيته ﵁، والنبي ﷺ أخذ عشرة ليطعمهم صلوات الله وسلامه عليه، قال عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: وإن أبا بكر تعشى عند النبي ﷺ ثم لبث حتى صلى العشاء ثم رجع فمكث مع رسول الله ﷺ ، فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، يعني: كأن أبا بكر الصديق تعشى قبل صلاة العشاء، وبعد ذلك صلى العشاء ورجع إلى النبي ﷺ فمكث مع النبي ﷺ ، وهذا هو الشاهد: أنه كان يسهر مع النبي ﷺ في طاعة وذكر وحاجات المسلمين، ففي مثل ذلك يجوز للإنسان أن يسهر بالليل، أما السمر من باب اللهو فلا، لكن من باب ذكر الله ، ومن باب الإعانة على الطاعة، فهذا جائز. فـ أبو بكر سهر عند النبي ﷺ حتى قام النبي ﷺ فقام وانصرف، وكان قبل ذلك قد ذهب بثلاثة من أهل الصفة إلى بيته ليتعشوا. فجاء أبو بكر ﵁ بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، فقالت له امرأته: ما أخرك عن أضيافك؟ قال: أوما عشيتهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء قد عرضوا عليه فغلبوهم، أي: كأنهم استحيوا ألا يأكلوا وأبو بكر الصديق غير موجود، فرفضوا أن يأكلوا في بيته حتى يأتي أبو بكر، وكان المفترض طالما أنه أخذهم للعشاء أن يأمر أهل البيت أن يعشوهم فيتعشوا وينصرفوا، ولكن رفض الضيوف حتى يأتي أبو بكر ﵁. وفي لفظ في صحيح البخاري أن أبا بكر ﵁ غضب من ذلك: لماذا تحرمونا من الأجر والثواب؟ ولماذا لم تأكلوا حتى هذا الوقت؟ فغضب أبو بكر وأمرهم أن يأكلوا، فحلفت امرأته ألا تطعم الطعام حتى يطعم، كأنها غضبت لغضب أبي بكر الصديق ﵁، فحلف أبو بكر ألا يأكل من الطعام، والأضياف حلفوا ألا يأكلوا حتى يأكل أبو بكر، وكأن الضيوف لهم وجهة نظر وهي أنهم لو تعشوا لربما أكلوه كاملاً فيرجع أبو بكر وهم لم يتعش فلن يجد شيئاً، فانتظروا حتى يتعشوا هم وأبو بكر، فحلف أبو بكر ألا يأكل وحلفت المرأة ألا تأكل حتى يأكل أبو بكر، وحلف الأضياف ألا يأكلوا حتى يأكل أبو بكر ﵁، لقد حلف مغضباً رضي الله ﵎ عنه بسبب الذي فعلوه، ولكن مع ذلك الرجوع للحق أحق، فلما حلف الجميع ألا يأكلوا قال: أكفر عن اليمين ونأكل، فأكل معهم ﵁، وقد قال النبي ﷺ : (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه). وربنا قال لنا في القرآن: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:٢٢٤]، فتجعل يمينك بالله عرضة وصادة عن فعل الخير فتمتنع من الخير وتقول: لقد حلفت، بل كفر عن اليمين وافعل الخير ولو حلفت. والمقصود أن أبا بكر رضي الله ﵎ عنه أكل فأكلت المرأة وأكل الأضياف، وهنا كان العجب! قال: فجعلوا يأكلون وجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ظهر من أسفلها أكثر منها، فكانت بركة من الله لـ أبي بكر ﵁، جزاء ما أخذ الأضياف ليأكلوا معه وحلف ألا يأكل ثم كفر عن يمينه وأكل معهم، فقال لامرأته: يا أخت بني فراس! ما هذا الذي حصل؟ فقالت: وقرت عيني إنها الآن لأكثر قبل أن نأكل منها، فأكلوا وبعث بها إلى النبي ﷺ فذكر أن النبي ﷺ أكل منها، فكانت من الله بركة عظيمة أن يأكل أبو بكر ومن معه والطعام لا ينفد. والشاهد من الحديث: أن أبا بكر كان يسهر عند النبي ﷺ فيتعلم منه، حتى يقوم النبي ﷺ فيقوم أبو بكر ويرجع إلى بيته رضي الله ﵎ عنه، فهذا قيد للنهي عن المسامرة بعد العشاء فهي جائزة في مدارسة العلم والطاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك، أما في اللهو واللعب فهذا لا ينبغي.

стр. 463

تفسير قوله تعالى: (أفلم يدبروا القول) قال الله : ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:٦٨]، وهنا ينكر على المشركين وينعي عليهم أين عقولكم؟ هذا القرآن الذي جاء من عند رب العالمين سبحانه، وكانوا يستمعونه ويقولون: إنه كلام جميل، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، فهل كان استماعهم لهذا القرآن العظيم من النبي ﷺ مجرد استماع كالذي يستمع لأغنية فتعجبه ولا ينتبهون لما يقول؟ فهذه مصيبة على من يستمع إلى القرآن على أنه كلام جميل، ولا يتدبر ما فيه، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون:٦٨]، أي: أفلا يفهمون هذا الذي يستمعون إليه، ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:٦٨]، (أم) يقولون: إنها منقطعة فيها معنى الإضراب ومعناها: (بل قد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين)، فالمعنى: هؤلاء ما تدبروا، ولو كانوا يتدبرون لفهموا هذا الشيء، ولكن كانوا يستمعون بآذانهم فقط. (أَمْ جَاءَهُمْ) أي: بل قد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين، وهذا سبب الإعراض أنهم قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، أي: نحن نفعل ما كان آباؤنا يفعلونه ولن نفعل غير ذلك، فكأن الله يقول: (بل قد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين)، فلماذا لا يتدبرون هذا القرآن؟ وقال في الآية الأخرى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، أي: هل على كل قلب قفل أقفل به هذا القلب وأغلق فلا يتدبر القرآن؟

стр. 464

تفسير قوله تعالى: (أم لم يعرفوا رسولهم وأكثرهم للحق كارهون) قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٩]، أنكر على هؤلاء ونعى عليهم عدم فهمهم، هل هو بسبب عدم معرفة هذا الرسول الذي كنتم تصفونه بأنه الصادق الأمين؟ ومستحيل أن يسأل عن النبي ﷺ أحد منهم فلا يعرفه، فالله يقول: إن الذي يرفض أن يسمع القرآن ولا يتدبره ولا يفهمه كالأنعام، أو كالذي لم يعرف الرسول الكريم. يقول سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون:٧٠]، (أم يقولون) أي: بل أيقولون إنه مجنون، وقد قالوا ذلك عن النبي ﷺ ، ولكن الحقيقة أنهم غير مقتنعين بما يقولون، يقولون عنه: كذاب، وهم في أنفسهم يشعرون أنه صادق، فهم لم يسمعوا منه كذباً قبل ذلك، ويقولون عنه مجنون وهم لم يروا منه أثراً لهذا الجنون، فهم يقولون ويكذبون، فينعي ربهم عليهم ذلك الكذب الذي يقولونه، ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون:٧٠]. بل قد جاءهم النبي ﷺ من عند ربه بالحق العظيم، قال تعالى: ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون:٧٠]، والكافر كاره للحق؛ لأنه يعرف أن الحق يدعوه إليه وهو لا يريد أن يأتي إلى هذا الحق الذي يراه، فقد عرف الحق وعرف الصواب، وعرف توحيد الله، ولكن أبى ذلك، فقد جاءهم النبي ﷺ بالحق لكنهم يكرهون الحق حسداً، وبغياً، وتقليداً، فبعضهم يقلد بعضاً، وحسدوا النبي ﷺ فكرهوا ما جاء به؛ ولذلك يقول الله : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤]، يقصد بالناس هنا النبي ﷺ ، ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ [النساء:٥٤ - ٥٥]، فالنبي ﷺ جاء بالحق، وسبب إعراض هؤلاء وكراهتهم لما جاء به النبي ﷺ أنهم حسدوه صلوات الله وسلامه عليه، حتى قال أبو جهل: حتى قالوا منا نبي، فأنى لنا بنبي!

стр. 465

تفسير قوله تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض) قال سبحانه: ﴿وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٧١]، فالله أتى بهذا القرآن العظيم ليرشد الناس، وليهديهم إلى الصراط المستقيم، ولو كان في هذا القرآن ما يتبع أهواء هؤلاء -وحاشا لكلام رب العالمين أن يتبع أهواء أحد من الناس- فمعنى ذلك: أنه ليس من عند الله ، وما هي أهواؤهم؟ هي أن تكون الآلهة متعددة، ولو فكروا قليلاً هل هناك إله غير الله لتبين لهم قول الله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، أي: لفسدت السماوات والأرض، فسيكون هذا الإله يريد الشمس أن تشرق من المشرق، والثاني يريدها تشرق من المغرب، والأول يريد القمر هنا والثاني يريده في مكان آخر، وعندئذٍ ستتغير السماوات وتفسد، ولكن لما لم يحدث هذا في السماوات ولا في الأرض، ولم يفسد أي منهما، دل ذلك على أن الإله الذي يدبرها إله واحد، وهذا دليل التمانع. قال سبحانه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المؤمنون:٧١]، أي: لو جاء في القرآن ما يهواه هؤلاء وما يريدونه لكان هناك إله غير الله سبحانه، وحاشا لله سبحانه، فلو كان هناك إله مع الله لفسدت السماوات والأرض، وفسد الكون، ولكن لم يحدث ذلك، فالقرآن يأتينا بالحق من عند رب العالمين وليس بما تريده أهواء هؤلاء، قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ [المؤمنون:٧١]، أي: أتيناهم بفخرهم وبشرفهم وبعزهم وهو القرآن لو اتبعوه، ولكنهم أعرضوا عنه (فهم عن ذكرهم معرضون)، وشرف الدنيا والآخرة هو كتاب رب العالمين، وما جاءنا به من هدى من عنده سبحانه، فمن اتبعه كان له الشرف والعزة في الدنيا وفي الآخرة، ولكنهم أعرضوا عن القرآن فاستحقوا الهوان في الدنيا وفي الآخرة. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 466

تفسير سورة المؤمنون [٧٠ - ٨٠] إن الدعاة إلى الله وعلى رأسهم أنبياء الله لا يأخذون على دعوتهم أجراً ولا يسألونه، فمن العجب أن يتنكر الناس لدعوتهم، كيف لا وهم يدعون إلى صراط رب العالمين، ومن ثم يعرض عنهم المعرضون الذين لم يؤمنوا بالآخرة، الذين علم الله أنهم قد استحقوا العذاب الأليم في الآخرة، بل قد أصابهم بشيء من ذلك في الدنيا فلم يرتدعوا عن غيهم، ولم يشكروا نعم الله عليهم.

стр. 467

تفسير قوله تعالى: (بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. ثم أما بعد: قال الله في سورة المؤمنون: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ * وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ * حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون:٧٢ - ٨٠]. في هذه الآيات من سورة المؤمنون يخبر الله أنه أتى عباده بهذا الحق العظيم من عنده، قال سبحانه: ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون:٧٠] يريد بالحق في الآية: القرآن العظيم، إلا أن أكثرهم عن القرآن معرضون كراهية له.

стр. 468

تفسير قوله تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض) ﴿وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٧١]، ذكرنا أن الله أنزل هذا القرآن بالحق، فيه الشريعة وفيه المنهج وفيه البيان، وفيه إرشاد القوم بإخراجهم من الظلمات إلى النور، ولكنهم كانوا يحبون الابتعاد عن النبي ﷺ وعما جاء به من حق من عند رب العالمين، فقالوا كما حكى الله عنهم في سورة ص: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، فتعجبوا من غير عجب، وكذبوا النبي ﷺ من غير سبب، ولكن كان الهوى في أنفسهم هو الذي يدفعهم إلى ذلك؛ لأنهم لو اتبعوا النبي ﷺ فسيتركون الرئاسة التي هم فيها، ولأن كل إنسان يريد إتباع نفسه هواها يظن أنه لو اتبع النبي ﷺ فإنه تنازل عما كان عليه، وذلك لأن عقولهم بعدت عن ربهم ، فتجدهم يقولون ما لا يعرفون، ويتكلمون بأشياء مفتراة، ومن ثم عندما يسلمون بعد ذلك يتبين لهم ما كانوا فيه من باطل، فتجد من يدخل الإسلام منهم يعجب من نفسه: كيف كان يعبد غير الله سبحانه! وكيف كان يتعجب من النبي ﷺ ! ويعلم أنه كان خليقاً به أن يتعجب من نفسه في إنكاره على النبي ﷺ ، ولكن الله أعمى أبصارهم، قال سبحانه: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] فتجد أن الأبصار لا ترى الحجج، وأن القلوب لا تعقل ما يقوله النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك لما جاءهم الحق كرهوه حسداً وبغياً على النبي ﷺ ، وأخذ يقلد بعضهم بعضاً، وطلبوا أن يكون هذا الذي يأتي به القرآن مثل الذي هم عليه، وأرادوا وقوع الشرك في هذا القرآن. قال سبحانه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون:٧١]، أي: لو كان الأمر بحسب أهواء هؤلاء، فإن أهواءهم متباينة ومتعارضة، وكل منهم يشتهي شيئاً قد لا يشتهيه الآخر ولا يطلبه، فلو نزل القرآن على ما يشتهيه هؤلاء فستفسد السماوات والأرض، ولأن كل شيء قام بالعدل، فلو نزل القرآن بالهوى الذي هم عليه لجاء بالباطل، وحاشا لكلام الله أن يكون فيه باطل. قال سبحانه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون:٧١]، ولكن الوقع أنها لم تفسد السماوات ولا الأرض ولا من فيهن، فعلى ذلك ما يقول هؤلاء هو الباطل، فأما القرآن فلم يأت إلا بالحق؛ لأنه لو جاء بباطل لفسدت السماوت والأرض ومن فيهن. إن التذكير مهمة القرآن، إذ إنه كتاب ذكر، قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ [المؤمنون:٧١]، أي: أتيناهم بهذا القرآن العظيم الذي فيه الذكر، وفيه شرف لهؤلاء لو أنهم اتبعوه، ولكنهم أعرضوا فأنى لهم الشرف. قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٧١]، أي: هم عن شرفهم المنوط باتباع هذا القرآن قد أعرضوا، كما هم عن ذكر الله معرضون، وإعراضهم ليس بسبب أنك أثقلت عليهم أجر دعوتك فأنت لم تسألهم مالاً على دعوتك، قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المؤمنون:٧٢]، (أم) هي المنقطعة بمعنى: بل والهمزة، والمعنى: بل أتسألهم خرجاً؟ والخرج هو الرزق. وقد أمر الله النبي ﷺ أن يقول لهؤلاء: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] أي: قل لهم يا محمد: لا أريد منكم أجراً ولا رزقاً، وإنما أطلب منكم أن تراعوني في قرابتي، فتدركوا أن بيني وبينكم قرابة ورحماً فارعوا هذه الرحم، ولا تؤذوني، ودعوني أبلغ رسالة الله سبحانه، أما الخراج فإن ربي قد أغناني.

стр. 469

تفسير قوله تعالى: (بل أتيناهم بذكرهم) قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المؤمنون:٧٢] أي: رزق ربك خير وأبقى، فأنت لا تنتظر إلا الأجر من الله فإنه: ﴿هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المؤمنون:٧٢]. و (خرج) و (خراج) فيها للقراء ثلاث قراءات: قراءة الجمهور منهم: المدنيون نافع وأبو جعفر، والبصريون: يعقوب وأبو عمرو وابن كثير المكي وكذلك عاصم الكوفي يقرءونها: (أم تسألهم خرجاً فخراج ربك خير وهو خير الرازقين). وقرأها ابن عامر: (أم تسألهم خرجاً فخرج ربك خير وهو خير الرازقين). وقراءة باقي القراء وهم: حمزة والكسائي وخلف: (أم تسألهم خراجاً فخراج ربك خير). والخرج والخراج بمعنى: الرزق، وبمعنى المال، وبمعنى الأجر من هؤلاء، وإن فرق البعض بينهما، كما فرق أبو عمرو بن العلاء في المعنى فقال: الخرج: ما لم يلزم من النفقة، أي: ما كان من الصدقة، والخراج: ما يلزمك من النفقة ومن الصدقة، وعلى المعنيين سيكون معنى الآية: هل تسألهم خرجاً، أو هل تسألهم خراجاً، أي: هل تسألهم شيئاً لزمهم؟! فأنت لم تسألهم شيئاً، لا شيئاً على وجه اللزوم، ولا شيئاً على وجه التطوع منهم؛ لأنك لم تسألهم أجراً أصلاً؛ إذ إنك تطلب من الله الأجر، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المؤمنون:٧٢].

стр. 470

تفسير قوله تعالى: (وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم) قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون:٧٣]، في هذه الآية بيان دعوة النبي ﷺ ، وأنه يدعو هؤلاء بل ويدعو العالمين جميعهم إلى الدين القويم وإلى الصراط المستقيم، الطريق القيم العظيم، والصراط: هو طريق رب العالمين سبحانه وسمي مستقيماً لأنه يؤدي إلى جنة رب العالمين، ولا ينحرف بصاحبه يميناً ولا شمالاً كالطرق المنحرفة التي تقود أصحابها إلى النار. وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون:٧٣] قراءات، وهذه القراءات هي ذاتها التي في سورة الفاتحة وقد تقدمت، ولمزيد بيان فإنها كالتالي: (إلى صراط) و (إلى سراط) و (إلى زراط مستقيم)، فيقرؤها بالسين قنبل عن ابن كثير ويقرؤها أيضاً رويس عن يعقوب فتكون: (إلى سراط مستقيم). ويقرؤها جمهور القراء: (إلى صراط مستقيم) بالصاد. ويقرؤها خلف وخلاد بالإشمام، ومعنى الإشمام: أن يشابه الصاد الزاي في النطق به، فيصبح كأنه يشبه حرف الزاي فيها لتكون: (إلى زراط مستقيم). والمعنى واحد على اختلاف القراءات، فالصراط: الطريق، والمعنى: إلى طريق مستقيم.

стр. 471

تفسير قوله تعالى: (وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون) قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ [المؤمنون:٧٤]، وهذه الآية فيها قراءات، وإن وجد خلاف فيها لـ خلاد عن حمزة في الإشمام، فسيكون فيها قراءة السين: سراط، وصراط، والإشمام بالزاي، أما معنى قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ لآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ [المؤمنون:٧٤] أي: عن طريق رب العالمين متنكبين راجعين القهقرى، مولين ظهورهم لطريق رب العالمين سبحانه، ومعنى النكوب: من نكب الطريق نكوباً إذا عدل عن الطريق ومال عنها إلى غيرها، وإليه نسبت الريح إذا خرجت عن مجرى ورجعت إلى مجرى آخر، ومعنى الآية: أن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن طريق رب العالمين متنكبون، أي: مائلون زائغون أو مرتدون راجعون عن طريق رب العالمين، وهم بذلك إنما يتبعون أهواءهم.

стр. 472

تفسير قوله تعالى: (ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون) قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون:٧٥] أي: بعد أن مات المعرضون عن طريق رب العالمين وأدخلهم الله رب العالمين نار جهنم والعياذ بالله، يتضرعون لله أن يعودوا إلى الدنيا، ولأن الله يعلم أنهم حتى ولو عادوا فلن يؤمنوا فقد قال سبحانه: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون:٧٥] والمعنى: أن الله علم من هؤلاء أنهم لا يؤمنون، وأنهم ينتفعون بدعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام حين يدعوهم إلى رب العالمين، فلو أنهم بعد الممات ردوا إلى الدنيا مرة أخرى فسيرجعون إلى ما كانوا عليه من قبل، فقد علم الله ما هم عاملون، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون:٧٥]، واللج: التمادي، ومعنى قوله: (للجوا في طغيانهم) أي: لتمادوا في طغيانهم، والطغيان: مجاوزة الحد، فمعنى: طغى الإنسان أي: جاوز حده، وعليه فسيكون معنى الآية: (للجوا في طغيانهم) أي: علو واستكبروا وتمادوا في ضلالهم، وقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون:٧٥] أي: يتذبذبون ويتخبطون، ومنه العمى -عمى البصر- فإن الأعمى حين يمشي فإنه لا يعرف طريقه إلا أن يقوده إنسان، والعمه أشد من ذلك؛ لأنه يشمل عمى قلب الإنسان، ولذا فإن المصابين بالعمه متذبذبون متحيرون، فقد أعميت قلوبهم فهم لا يفقهون شيئاً ولا يعرفون طريقاً ولا يهتدون إلى سبيل.

стр. 473

تفسير قوله تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب) تقدم قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾ [المؤمنون:٧٥] أي: من عذاب الآخرة، إلا أنهم قد استحقوا عذاب الآخرة، ولكن الله قبل ذلك قد أذاقهم شيئاً من العذاب في الدنيا، ثم كشفه عنهم، ولذا قال مذكراً: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ [المؤمنون:٧٦] أي: أخذناهم بالعذاب الدنيوي، ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون:٧٦]، أي: لم يخضعوا لرب العالمين، ولم يتضرعوا ولم يخشعوا لله، ولم يرجعوا إلى طريق رب العالمين سبحانه. جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: نزلت هذه الآية في قصة ثمامه بن أثال، فإنه لما أسرته سرية النبي ﷺ أسلم وخلى النبي ﷺ سبيله، وكان ثمامة من اليمامة، وهي على طريق قريش فأخذ على نفسه عهداً ألا يأخذ الكفار من أرضهم شيئاً لا غلالاً ولا شعيراً ولا غيرها إلا أن يأذن النبي ﷺ في ذلك، ثم حقق عهده ومنع كفار مكة من الحبوب. قال ابن عباس ﵁: وأخذ الله قريشاً بالقحط والجوع حتى أكلوا الميتة والكلاب والعلهز؛ إذ أصابتهم دعوة النبي ﷺ ، فقد دعا الله على قريش بأن يعينه عليهم بسنين كسني يوسف، ولم يكن دعاؤه من أجل تعذيبهم فحسب؛ بل أيضاً من أجل أن يتأدب هؤلاء ولعلهم يرجعون عن غيهم، فكان هذا العذاب الذي ذكر الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ [المؤمنون:٧٦]، فجاعوا وعطشوا، واشتد عليهم الحر حتى أكلوا الميتة والكلاب والعلهز، وقد سئل ابن عباس: ما العلهز؟ قال: كانوا يأكلون الصوف والوبر فيبلونه بالدم ثم يشوونه ويأكلونه. وإنما أكلوا هذا الشيء على خسته من شدة الجوع. فقال أبو سفيان للنبي ﷺ : (أنشدك الله والرحم أليس تزعم أن الله بعثك رحمة للعالمين؟ قال: بلى. قال: فوالله ما أراك إلا قتلت الآباء بالسيف، وقتلت الأبناء بالجوع، فنزل قول الله : ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون:٧٥])، وجاءت روايات أخرى بمثل هذا المعنى، وفيها: أن النبي ﷺ دعا عليهم فاستجاب الله سبحانه، وجعل عليهم أياماً فيها قحط شديد، فجاعوا حتى أكلوا الميتة والكلاب والجلود والعلهز، فذهبوا إلى النبي ﷺ وقالوا له: ادع ربك أن يكشف عنا. فدعا لهم الله ، فلما كشف عنهم ذلك تمادوا في غيهم، ولم يستجيبوا للنبي ﷺ ، وكان الأولى بهؤلاء وقد عرفوا أنه دعا عليهم ﷺ فأصابهم ما أصابهم، ودعا لهم ﷺ فانكشف عنهم ما هم فيه، كان الأولى أن يؤمنوا، ولكنهم مع ذلك لم يؤمنوا، ولذلك علم الله أن هؤلاء لا يستحقون إلا الجزاء الذي استحقه من مات منهم على الكفر، وهو أن يدخلوا نار جهنم ولا يرجعون إلى الدنيا مرة أخرى.

стр. 474

تفسير قوله تعالى: (حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد) الأصل في الإنسان الذي يبتليه الله بشيء من المصائب في العادة أن يستكين لله سبحانه، ويتضرع له، أما أن يبتليه بالمصائب في الدنيا ويضل على عجرفته وبعده عن الله سبحانه، فهذا يستحق أن يقصمه الله، ولذا قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [المؤمنون:٧٧]. أي: إذا جاءهم عذاب رب العالمين سواء بالقتل أو بالموت والرجوع إلى رب العالمين أو عذاب يوم القيامة، سترى أنهم إذا جاءهم هذا العذاب سيبلسون، قال تعالى: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [المؤمنون:٧٧]، أبلس الإنسان، أي: يئس من الرحمة، وتحير في مكانه لا يدري ما الذي يصنعه، فالمبلس: المتحير اليائس، فهؤلاء ييئسون وهم في نار جهنم والعياذ بالله من الرحمة، وخاصة إذا نادوا ربهم سبحانه بالرجوع، فقال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]. وقد جاء في تفسر الباب الذي يفتح عليهم بالعذاب المذكور في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [المؤمنون:٧٧] أثر عن عكرمة أنه قال هو باب من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربعمائة ألف، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم، إذا بلغوه فتحه الله عليهم، والله أعلم.

стр. 475

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة) قال سبحانه مذكراً بنعمه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون:٧٨]. قوله: ﴿أَنشَأَ لَكُمُ﴾ [المؤمنون:٧٨] أي: خلق لكم سبحانه، ﴿السَّمْعَ﴾ [المؤمنون:٧٨] أي: جعلكم تسمعون، ﴿وَالأَبْصَارَ﴾ [المؤمنون:٧٨] أي: جعلكم تبصرون وتنظرون، ﴿وَالأَفْئِدَةَ﴾ [المؤمنون:٧٨] أي: جعل فيكم قلوباً تعقلون بها، ومع ذلك القليل من يشكر قال سبحانه: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون:٧٨]. وحري بكل إنسان أن ينظر إلى هذه النعم وينظر إلى مدى شكره لربه، وهل هو من هؤلاء الذين ذكر الله أنهم: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون:٧٨]؟ أم أنه ممن يشكر نعم الله عليه؟ والحق أن نعم الله لا تحصى، ومن نعمه سبحانه على الإنسان أنه يعقل، فلم يجعله مجنوناً، وجعل الإنسان ينظر ولو شاء لجعله أعمى، وجعله سميعاً يسمع ولو شاء لجعله أصم، فهذه من نعم الله على العبد، فهل يشكر ربه أم ينسى هذه النعم؟ بل لعله يستغل هذه النعم في غير ما خلقها الله له، كأن يوجه سمعه إلى الغيبة والنميمة وإلى غير ذلك مما حرم الله سبحانه، ويوجه بصره إلى النظر إلى ما لا يحل له، ويوجه قلبه إلى التشكك وإلى الشهوات وإلى الشبهات، بل يجب على الإنسان أن يشكر نعم الله عليه، فيستخدم هذه النعم فيما أحل الله ، ويديم شكر ربه ليل نهار على ما أعطاه من السمع والأبصار ومن الأفئدة.

стр. 476

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يحيي ويميت) قال : ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِ وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون:٨٠]، من نعم الله العظيمة على العباد: أنه هو الذي خلقهم وأحياهم ليبتليهم، ثم يميتهم ليأجر المؤمنين الأجر الحسن ويدخلهم الجنة، ويحاسب الكفار والمفسدين ويدخلهم النار. ومن نعمه كذلك الليل والنهار، قال سبحانه: ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [المؤمنون:٨٠]، فقد خلق الله الليل والنهار، ويملك ما في الليل وما في النهار، وكل ما يأتي عليه الليل والنهار، ومعنى اختلاف الليل والنهار: أن هذا مختلف عن هذا، فالنهار فيه نور، والليل فيه ظلمة، والليل يكون بارداً، والنهار يكون حاراً، وقد يفسر اختلافهما كذلك بالزيادة والنقصان، وقد يفسر كذلك بالتكرار، تقول: اختلفت في شيء: تكرر مني الذهاب إليه. وقد فسر قوله تعالى: ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [المؤمنون:٨٠] بتواصل الليل والنهار خلف بعضهما بعض حتى يأتي يوم القيامة، وفسرت الآية أيضاً: بأن له ما مضى فيهما من سعادة الناس ومن شقاوة آخرين. ثم أنكر عليهم عدم الاعتبار بآياته فقال: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون:٨٠]، فقد جعل لكم الحواس التي تعقلون بها، وجعل لكم آيات في الكون فهل تعتبرون بذلك؟ إذ إن من اعتبر فقد عرف الله وعبده، فيذكره ويشكره، ومن لم يعتبر فذاك الشقي الذي كتبت عليه الشقاوة.

стр. 477

تفسير سورة المؤمنون [٧٨ - ٩٠] يبين الله فضله على عباده، ونعمه سبحانه لا تحصى، وقد تفرد سبحانه بربوبيته على خلقه، فهو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، وقد عرف الكفار والمشركون ذلك، ولكن عنادهم وتكبرهم أعماهم عن رؤية الحق واتباعه، وسورة المؤمنون إحدى السور المكية التي نزلت في فترة كان المشركون فيها ينكرون البعث والنشور والإعادة مرة أخرى، ففيها آيات فيها مجادلة للكفار بالحجج والبراهين القاطعة.

стр. 478

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة) أعوذ بالله من الشيطان الرحيم، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٧٨ - ٨٩]. يخبرنا الله ﵎ عن فضله وعن نعمه على عباده في هذه الآيات، فيذكر أنه هو الذي أنشأ السمع والبصر والأفئدة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [المؤمنون:٧٨]، فهذه نعم من نعم الله سبحانه الذي يستحق أن يعبده العبد حق العبادة، وأن يستيقن أن الذي أعطاه ذلك قادر على أن يسلبه منه، والذي منحه قادر على أن يمنع ذلك وأن يأخذه، فيشكر العبد ربه سبحانه على هذه النعم وغيرها، وما أكثر نعم الله على عباده وما أعظمها. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون:٧٨] والعبد قليل شكره، وهو ينظر بعينيه، ويسمع بأذنيه، ويتكلم بلسانه، ويعقل بقلبه، ومع ذلك إذا جاء عند شكر الله سبحانه نسي أو تناسى شكر المنعم العظيم الذي أنعم عليه بهذه النعم وغيرها. أما المؤمن فهو يشكر ربه ويحمده ليل نهار، ويعلم أن النعم من الله سبحانه، وأن الله قد قال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] فالإنسان الذي يشكر الله فإن الله من فضله يتكرم عليه ويزيده، والذي يكفر ويجحد نعم الله سبحانه فإن عذاب الله شديد.

стр. 479

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون) قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المؤمنون:٧٨ - ٧٩]، أي: هو الذي ذرأ، والذرء: البث، أي: بثكم ونشركم في الأرض، ولو شاء لجعل لكم موضعاً واحداً منها ولن تستفيدوا بباقيها، ولكن هو الذي نشركم في أرجاء الأرض، فجعل شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً، وملأها بعباده لمن شاء منهم سبحانه، فالذرء بمعنى: الإنشاء والبث والخلق، أي: فنشركم فيها، بأن خلقكم ووزعكم على هذه الأرض. وكلمة (هو) تأتي في القرآن كله بقراءتين فيها: فيقرؤها قالون عن نافع وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب، (وهْو) بتسكين الهاء. واقي القراء وهى قراءتنا قراءة حفص عن عاصم، وغيره من القراء يقرءونها: (وهُو) بضم الهاء. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المؤمنون:٧٩] والحشر: هو الجمع، أي: يجمعكم إليه، ويعيدكم ويخرجكم من قبوركم، ويبعثكم، وينشركم، ثم يجازيكم ويحاسبكم، قوله تعالى: ((وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ))، يعني: المرجع والمآب إلى الله رب العالمين سبحانه.

стр. 480

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يحيي ويميت) قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون:٨٠]. قوله: ((وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)) ونرى الإحياء والإماتة، نرى خلق الله سبحانه في كل يوم، هذا جنين يولد وهذا إنسان يموت، وفي كل يوم يحدث ذلك، فيرى الإنسان قدرة رب العالمين على الخلق والإيجاد، وعلى الإفناء والإماتة، فهو الذي يحيي وهو الذي يميت. قوله تعالى: ((وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارَِ))، أي: يجعل الليل والنهار مختلفين، هذا فيه نور، وهذا فيه ظلمة، فالنهار مضيء، والليل مظلم، وكذلك يجعل اختلافاً بين الليل والنهار بالزيادة والنقصان في الصيف والشتاء ونحو ذلك. فقوله تعالى: ((وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ))، أي: تكرار الليل والنهار، يأتي يوم ويذهب يوم، يأتي ليل ويذهب ليل، وهكذا، فله اختلاف ذلك، والتكرار والإيجاد حتى يأتي وعد الله . وقوله تعالى: ((وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ))، أي: يملك ذلك الله ، وإليه هذا العمل، وهو الذي يعمله، وهو الذي يأتي بالشمس من المشرق، وهو الذي يجعلها تغرب من المغرب، فهو على كل شيء قدير . وله أيضاً اختلاف ما مضى في الليل والنهار من أعمال العباد، فهؤلاء سعداء وهؤلاء أشقياء، وكل ذلك لله سبحانه بتقديره، فإذا كانت هذه قدرته قال تعالى: ((أَفَلا تَعْقِلُونَ))، أي: ألا تعقلون وتنتبهون ما الذي يراد منكم؟ ولماذا خلقكم الله ؟ وقد قال في كتابه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فهلا عقلتم ذلك وعبدتم الله حق عبادته سبحانه؟!

стр. 481

تفسير قوله تعالى: (بل قالوا مثل ما قال الأولون إن هذا إلا أساطير الأولين) قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ﴾، أي: لن يعقلوا، ولن ينتبهوا، ولن يفهموا، فقد قالوا كما قال الأولون من أهل الجهل والكفر والبعد عن الله، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾، فتعجبوا كما تعجب الأولون، ونسوا ما الذي صنعه الله بهؤلاء الأولين، فقد كذبوا وأعرضوا فجاءهم عذاب رب العالمين، فقد أرسل الله إليهم الرسل بالآيات وبالبينات عليهم الصلاة والسلام، فكذب هؤلاء الكفار المرسلين فأخذهم الله، ولم يعتبر هؤلاء الذين من بعدهم. فقوله تعالى: ((قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ))، أي: هل يبعثنا مرة ثانية بعد ما نصير تراباً وعظاماً نرجع مرة ثانية؟ ويستبعدون ذلك، قال الله سبحانه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] ، والذي يتعجب كيف يحييه الله مرة ثانية هل نسي كيف كان هو؟ لقد كان في بطن أمه جنيناً، وكان قبل ذلك نطفة، ثم صار هذا الجنين، ثم صار هذا الإنسان، ثم رأى من يموت وهو سوف يموت ويستيقن من ذلك، فهل نسي أن الذي بدأ خلقه قادر على أن يعيده مرة ثانية؟! وقوله تعالى: ((قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ))، (أئذا)، (أئنا) للقراء اختلاف في قراءتها: فذهب نافع والكسائي ويعقوب إلى البدء بالاستفهام في الهمزتين الأوليين: (أئذا) والثانية بالإخبار فيها (إنا)، فيقرءون: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، وقرأ ابن عامر وأبو جعفر بالإخبار في الأولى وبالاستفهام في الثانية: (إذا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، على اختلاف في الأداء، بالتسهيل وبغير ذلك، وباقي القراء يقرءونها: ((أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)). وكذلك (متنا) تقرأ: (مُتنا)، و (مِتنا)، ففيها قراءتان. قال تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:٨٣]، يقولون ذلك ويكذبون، وهم قد رأوا كيف خلق الله الخلق، وكيف أمات وأحيا سبحانه، ثم يقولون ((لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ)) أي: وعدوا بالموت، بأنهم يموتون ثم يبعثون، قالوا: وهذا كذب. والآباء قبل ذلك قال لهم الرسل: إنكم ستموتون وتبعثون، فقال الآباء: ليس هناك أحد سيبعث، فهم يطلبون البعث الآن، والله لم يقل: إنه سوف يبعثهم الآن، ولكن أخبر أنهم مجموعون لميقات يوم معلوم، فقالوا: ((إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ))، وهذا كلام المكذبين وأهل الجهل: إنا وجدنا آباءنا على أمة، والتقليد للآباء، وإذا أرادوا الرد على النبي ﵊ يبدءون برميه بالأكاذيب والاختلاقات، فيقولون: ((إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ))، والأساطير: الخرافات التي كان يتكلم بها الأولون، والأباطيل والترهات.

стр. 482

تفسير قوله تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها قل أفلا تذكرون) قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤] فقوله: ((قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا))، أي: أجيبوا عن ذلك، فيسأل الله هؤلاء الكفار من يملك هذه الأرض؟ وهم يقرون بالصانع، وأن الله هو الذي خلقها وصنعها وفعل فيها ما يشاء سبحانه، فيقرون بالربوبية للرب . فقوله: ((قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ))، أي: من يملكها؟ ((وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)) قال تعالى: ((سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ))، وهكذا كانوا يجيبون النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهم يعرفون أن الرب هو الخالق، فإذا قال لهم: فلماذا لا تعبدون هذا الذي خلق؟ يقولون: نعبد آلهة تقربنا إلى الله زلفى، أي: يتقربون إلى الله بعبادة غيره، فإذا قيل لهم: من الذي أمركم بعبادة غيره؟ لا جواب عندهم، لا أثارة من علم، ولا دليل من عقل، لا نقلٌ صحيح ولا عقلٌ صريح في هذا، وإنما هو الكذب الصراح. يقول الله : ((قُلْ لِمَنِ))، أي: من الذي يملك الأرض ومن فيها وكل ما فيها من خلق؟ ((إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)) * ((سَيَقُولُونَ لِلَّهِ))، أي: هذا كله يملكه الله، قال تعالى: ((قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ))، أي: فإذا كان الأمر هذا لله أفلا تعتبرون بهذا الذي نذكره لكم، وتعرفون أن الذي خلق هو الذي يستحق أن يعبد؟ وقراءة حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٥]، وباقي القراء: (أفلا تذّكرون) بتشديد الدال، والمعنى: أن تتذكر أن الذي خلق ذلك هو الذي يستحق العبادة، ليس غيره . وقوله تعالى: ((قُلْ لِمَنِ))، بدأ الاستفهام باللام، فكان الجواب أيضاًً باللام، قال تعالى: ((سَيَقُولُونَ لِلَّهِ))، وهذه قراءة جميع القراء.

стр. 483

تفسير قوله تعالى: (قل من رب السماوات السبع قل أفلا تتقون) قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون:٨٦]، أي: من رب هذه السماوات التي ترون والتي لا ترون؟ ومن ((َرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ))، الذي استوى عليه سبحانه، وحكم خلقه، وتصرف فيهم بما يشاء سبحانه؟ قال تعالى: ((سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ))، وقراءة الجمهور: ((سَيَقُولُونَ لِلَّهِ))، وقرأ البصريان: أبو عمرو ويعقوب: (سيقولون الله) باعتبار: ((قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ))، أنه سؤال ليس فيه لام، فالجواب يكون بغير لام، هذا على قراءة البصريين: أبي عمرو ويعقوب: (سَيَقُولُونَ اللَّه)، وباقي القراء بتقدير اللام في السؤال، كالآية التي قبلها. فقوله تعالى: ((مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ))، أي: من الذي يملك هذه السماوات؟ أو لمن هذه السماوات؟ ولمن هذا العرش العظيم؟ ف الجواب (( سَيَقُولُونَ لِلَّه))، والرب هو المالك سبحانه، وهو الخالق، وهو الذي يربي، وهو الذي يتعاهد خلقه سبحانه ويقوم عليهم، فهو قائم على كل نفس بما كسبت ، وهو الذي يعطي والذي يمنع، والذي يرزق، والذي ينفع، والذي يضر، هو ((ْرَبُّ السَّمَوَاتِ السبع ورب العرش العظيم))، . قال تعالى: ((سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ))، أي: فإذا إذا كان ربنا سبحانه هو يملك هذه السماوات العظيمة، وهذا العرش العظيم، ((أَفَلا تَتَّقُونَ))، أي: أفلا تخافونه ، وأنتم لا تساوون شيئاً بجوار هذه السماوات والأرضين؟ فقوله تعالى: ((قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ))، أي: ألا تتقون هذا الإله العظيم الذي يملك السماوات والأرض؟

стр. 484

تفسير قوله تعالى: (قل من بيده ملكوت كل شيء قل فأنى تسحرون) قال تعالى: ((قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:٨٨]، قراءة الجمهور في قوله: (بيده ملكوت) بالصلة، وقراءة رويس عن يعقوب بعدم الصلة فيها: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كل شيءٍ)، والصلة بمعنى: أن تتحول الكسرة إلى ياء. و (ملكوت) صيغة مبالغة من الملك، كأن نقول: الرحمن، فهو له رحمة سبحانه، والرحمة هي الرحموت، وهي صيغة مبالغة من الرحمة، أي: هو صاحب الرحمة، و (الملك) المبالغة فيه أن تقول: (الملكوت)، و (الجبر) يأتي منه (الجبروت)، و (الرهبة) يأتي منها (الرهبوت)، وهذه من صيغ المبالغة فيها، فالملكوت معناه: الملك العظيم. فقوله تعالى: ((قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ))، أي: ملك كل شيء خلقه ويدبره ولا يعجزه أبداً ، قال تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾، أي: الله هو الذي يغيث من يشاء، وهل أحد يقدر أن يغيث أحداً من الله إذا أراد الله عذابه؟! وهل يقدر أحد أن يمنع الله عن ذلك؟ فالله يجير ويمنع، قال رسول الله ﷺ : (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، فإذا اجتمع كل الخلق إنسهم وجانهم ليضروا إنساناً والله يجير هذا الإنسان لا يقدرون أن يضروه بشيء، وإذا اجتمعوا على أن ينفعوه وقد أراد الله ألا ينفعه، بل أراد الله أن يضره لا يقدرون أن يغيثوه من بطش رب العالمين سبحانه، فمن يجير من الله ؟ أي: من يمنع من الله سبحانه؟ لا يمنع منه أحد، فالله يؤمن من يشاء من عذابه، ولا يقدر أحد أن يؤمن من عذاب الله ، وهذا في الدنيا وفي الآخرة. فقوله تعالى: ((وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ)) أي: لا يقدر أحد أن يمنع من غضب الله ، ولا من بطشه، ولا يقدر أحد أن يمنع عذاب الله إذا أراده بأحد، قال تعالى: ((إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ))، أي: إن كنتم تعلمون ذلك فأخبروني من الذي يجير على الله؟ الجواب لا أحد. قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ﴾ أي: ذلك كله لله سبحانه، فهو الذي يقدر عليه ويملكه، وليس لنا منه شيء، وفي هذه الآية قراءة البصريين: أبي عمرو ويعقوب، (سَيَقُولُونَ اللهَ)، في هاتين الآيتين فقط، أما الآية الأولى فلا يوجد فيها إلا قراءة واحدة فقط، والتي هي قوله سبحانه: ((قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)) * ((سَيَقُولُونَ لِلّهَ))، هذه القراءة اتفاقاً، لكن الآيتين اللتين بعدها تُقرأ: (سَيَقُولُونَ اللهَ). قال : ((قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ))، يسحر الإنسان أي: يصرف، بأن يخيل له الشيطان أشياء وهماًً على خلاف الحقيقة، فيا من تقولون: إن ذلك كله لله كيف سحرتم؟ وكيف غفلتم؟ وكيف توهمتم أشياء على غير حقيقتها فابتعدتم عن الله ؟ وكيف خدعكم الشيطان وقد أقررتم أن الله هو الذي يملك هذا كله؟ فقوله تعالى: ((فَأَنَّى تُسْحَرُونَ))، أي: فكيف تخدعون وتصرفون عن طاعة رب العالمين وتوحيد الله سبحانه؟ وكيف تتخيلون أنكم تشركون بالله سبحانه ما لا ينفع ولا يضر؟ فقد خيل لهم الشيطان أن هذه الأشياء تنفع وتضر؛ فعبدوها من دون الله، فكان من أفعالهم العجب، أن يعبدوا غير الله سبحانه، فإذا سئلوا أعدوا الجواب ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فإذا سألتهم: هل هذه الأشياء تنفع وتضر؟ يقولون: لا تنفع ولا تضر، فإذا سألتهم: كيف تعبدون ما لا ينفع ولا يضر؟ يقولون: ((وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ))، وهؤلاء القوم أنفسهم إذا أنعم الله عليهم بالإسلام يعجبون من جهلهم وضلالهم في جاهليتهم: كيف عبدنا هذه التماثيل من دون الله سبحانه؟! وكيف عبدنا هذه الأصنام وانتظرنا منها نفعا وضراً؟! فهم يتعجبون، ولكنهم في كفرهم وفي غيهم يعمهون، ولا ينتبهون لما يقعون فيه من خطأ.

стр. 485

تفسير قوله تعالى: (بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون) وتدل هذه الآيات على جواز جدال الكفار بالحجج والبراهين، والله ذكر هذا على وجه المناظرة لهؤلاء والإلزام لهم بالحق، قال سبحانه: ((بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ))، أي: جاءهم الله بهذا الكتاب الحق، قال تعالى: ((وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ))، أي: مكذبون، كذبوا النبي ﷺ ، وأيضاً كذابون يكذبون على الله ، ويكذبون على النبي ﷺ ، فحين يقولون عنه: إنه ساحر، هم يعرفون أنهم كذابون، وحين يقولون عنه: إنه مجنون، يعرفون أنهم كذابون. فالله ذكر هنا من صفات الكفار أنهم مكذبون للنبي ﷺ ، وأنهم أيضاً كاذبون في اختلاقهم وفي رميهم النبي ﷺ بالكذب، وقبل ذلك في ادعائهم لله ولداً، قال تعالى: ((مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ))، أي: حاشا لله أن يكون له ولد. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 486

تفسير سورة المؤمنون [٨٤ - ٩٨] إن الحق ظاهرة أنواره لمن أرادها، ولا تخفى إلا على معاند مكابر، يأتيه الحق فيكذبه، وذلك ما وقع من منكري تفرد الله بالألوهية، فأنزل الله بهم وعيده، ولكن المؤمن مع إيمانه يظل في خشية لله أن يصيبه ما أصابهم، وهو مأمور بدفع سوئهم بالإحسان لعلهم يهتدون، كما أنه مأمور بالالتجاء إلى الله أن يعيذه من شر الإنس والجن.

стр. 487

مجادلة الله تعالى للكافرين بالحجج الباهرة قال الله عز جل في سورة المؤمنون: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:٩٠ - ٩٥]. بعد أن أخبر الله عن قدرته العظيمة، وأنه هو الذي أنشأ لعباده السمع والأبصار والأفئدة، وأنهم قليلاً ما يشكرون، وأنه الذي يحيي ويميت ، وأنه له اختلاف الليل والنهار، ثم قال لعباده: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون:٨٠] وبعد أن ذكر قول هؤلاء الكفار المكذبين في إنكارهم للبعث بعد موتهم قال: ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:٨٢ - ٨٣]، فزعموا أن هذا من خرافات ومن أكاذيب وأباطيل وترهات الأولين، أي: القول بأننا سنبعث مرة ثانية. قال الله سبحانه مبيناً قدرته: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤]، فالجواب من هؤلاء أنهم يثبتون أن الله الخالق، وأنه الذي يفعل ما يريد سبحانه، فيقولون: إن الله يملك الأرض ويملك من فيها، فقال تعالى: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٥]، أفلا تتدبرون أن الذي يخلق هو الذي يستحق أن يعبد. ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون:٨٦ - ٨٧]، فهم معترفون أن الله رب السماوات وأنه رب الأرض وأنه رب كل شيء سبحانه، قال الله: ﴿قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون:٨٧] أي: إن اعترفتم بذلك أفلا تتقون هذا الخالق العظيم الذي يملككم وما تملكون، والذي خلق سماوات فلا تقدرون أن تعجزوه سبحانه لا في السماوات ولا في الأرض؟! ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون:٨٨]، أي: بيده الملك كما قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١]، فهو يملك كل شيء سبحانه، والملكوت صيغة مبالغة من الملك، فهو المالك لكل شيء سبحانه، وله ملكوت كل شيء وحده لا شريك له، قال: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون:٨٨]، أي: لا أحد يمنع ما يريده الله سبحانه، ولا يغيث من يعذبه الله ، بل هو الذي يجير، فإذا أردتم أن تفعلوا شيئاً فهو وحده الذي يقدر على منعكم من ذلك، وإذا أراد إنسان أن يوقع بآخر شيئاً من الأضرار فإن الله يقدر أن يمنع ذلك، وكذلك فلا أحد يجير من الله . قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون:٨٩]، أي: الذي يفعل ذلك هو الله ، وهو الذي يقدر عليه، ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٩]، أي: كيف تصدقون تخييل الشيطان لكم أنكم لا تبعثون؟! وبعد هذا كله قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [المؤمنون:٩٠]، أضرب الله عن قولهم الذي يقولونه، ثم أخبر أنه قد جاءهم بالحق وبهذا الكتاب العظيم، وبالوعد الحق من عند رب العالمين، وإنهم لكاذبون يفترون على الله الكذب، وإنهم لكاذبون في دعواهم أن هذا القرآن أساطير الأولين.

стр. 488

تفسير قوله تعالى: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله) قال سبحانه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١]، أي: هؤلاء كاذبون فيما افتروه على الله، إذ قالوا: إن الملائكة بنات الله، وقال اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فأخبر الله أنه ما اتخذ من صاحبة ولا ولد، وما كان معه من إله، بل حتى لو حصل هذا -وهو مستحيل- لكن هذا من باب المناظرة لهؤلاء وإقامة الحجة عليهم من باب التنزل في المناظرة، فلو فرضنا أنه يوجد إله مع الله، فسيذهب كل إله بما خلق؛ إذ هذا يخلق وهذا يخلق، وكل واحد يأخذ معه أتباعه وعبيده الذين خلقهم، فهذا يخلق أجراماً، وذاك يخلق أجراماً أخرى، وهذا له نظام في الكون، وهذا له نظام آخر، فتتعارض الأنظمة، وبعد ذلك إما أن يكون أحدهم أقوى فيغلب غيره فهو الإله المتفرد، وإما أن يختلف بعضهم مع بعض فيتدمر هذا الكون كله، وإن كانت الحقيقة والواقع أنه لم ولن يحدث ذلك، فلا إله غير الله ، والدليل على ذلك هذا النظام الذي في الكون، الذي لم يعطب ولم يتزعزع منذ خلقه الله . قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ﴾، ولا يستحق أحد أن يعبد مع الله ، فلو وجد إله يستحق العبادة مع الله لكان خالقاً؛ لأن الذي يستحق العبادة هو الذي يقدر على أن يخلق، والذي يقدر على أن يفعل ما يريد، وهنا نلاحظ أن الله قد أثبت آلهة غير الله فقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣]، فالهوى إله من دون الله سبحانه، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾ [يس:٧٤]، فالكفار قد ضلوا وعبدوا آلهة من دون الله، ولكن هذه الآلهة باعتراف عبادها لا تملك شيئاً ولا تقدر على شيء، وإنما هي -كما يزعمون- توصلهم إلى الله. فهنا يناقش الله عقولهم الغبية، ويقول: أي آلهة هذه التي تعبدون؟! إذا كانت لا تخلق فلم تعبدونها؟! وإذا قالوا: إنها تخلق فانظروا إلى الكون، فلو كانت آلهة تخلق أو تقدر على الخلق وعلى الرزق لتعارضت هذه الآلهة بعضها مع بعض، ولاضطرب نظام الكون، فالحال أنه لم يضطرب نظام الكون، إذاً: فلا آلهة موجودة مع الله سبحانه، وإنما هو إله واحد. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا﴾، أي: لو كان معه إله يخلق ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، فيبقى الإله الأقوى كعادة الخلق أن القوي يذهب بالضعيف، والقوي يحكم الضعيف، فلو كانت هناك آلهة هذا يخلق وهذا يخلق فالأقوى فيهم هو الذي سيغلب ويصير له الكون وحده، فيقول سبحانه: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، فعندما يصل الإنسان إلى هذا التفكير في ربه سبحانه حاشا له أن يتخذ ولداً أو يتخذ صاحبة، فإن الذي يتخذ الصاحبة هو المخلوق الضعيف، وهو الذي يحتاج إلى من يكون بجواره، ويحتاج لامرأة تعينه ويكون له منها الولد، فإذا به يبقي على نفسه، وهو يفنى ويأتي بعده من يملك ومن يحكم ويأخذ ما تركه، وحاشا لله أن يحتاج إلى ذلك! فلا يحتاج إلى صاحبة، ولا يحتاج إلى ولد سبحانه وتعالى عما يصفون وعما يقولون.

стр. 489

تفسير قوله تعالى: (عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون) (سبحان الله): أي تنزيهاً لله وتقديساً لله سبحانه وتعالى عما يصفونه به من هذه الأوصاف البشعة القبيحة قال تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩٢]، أي: أن الله هو عالم الغيب والشهادة، فمن أسمائه الحسنى عالم الغيب، ومن أسمائه علام الغيوب . وهنا جاء الوصف مجروراً باعتبار أن لفظ الجلالة مجرور، وفي هذه الآية قراءات: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾، فقرأ بالكسر ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن عامر وحفص عن عاصم: (عالمِ الغيب)، وأما باقي القراء فيقرءونها بالرفع: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، على اعتبار الابتداء أي: هو عالم الغيب والشهادة سبحانه ﵎، كأنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو عالم الغيب والشهادة. وقرأها رويس بالقراءتين، ولكن على اعتبار الوصل والوقف، فإذا وصل قرأها بالجر على أنها وصف لما قبلها أو أنها بدل مما قبلها، وإذا وقف قرأها بالرفع، فيقول: (سبحان الله عما يصفون) ويبدأ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فالله يعلم الغيب ويعلم الشهادة، وقدم هنا الغيب على الشهادة لاستواء العلمين عنده سبحانه، لكن المخلوق ما يغيب عنه لا يعرفه، والشيء الذي يشاهده هو الذي يعرفه، سواء شاهده أمامه بنظره، أو شاهده من بعيد بشيء يجعله يرى هذا الشيء البعيد. أما الله فالكل عنده سواء مهما أخفى المخلوق فالله يعلم السر، ويعلم ما هو أخفى من السر، فهو عالم الغيب وعالم الشهادة. قال تعالى: ﴿َتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، أي: تمجد وتنزه وتقدس سبحانه وتعالى عما يقوله هؤلاء بأكاذيبهم من أنه اتخذ الصاحبة والولد، واتخذ الشريك .

стр. 490

تفسير قوله تعالى: (قل رب إما تريني ما يوعدون) أمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يدعو بهذا الدعاء، ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون:٩٣ - ٩٤]. أي: إذا أتيتهم بالعذاب الذي توعدتهم به فلا تجعلني معهم، وقد كان من عذابهم أن قتل بعضهم في الحروب مع النبي ﷺ وأخذ الله عز جل البعض الآخر بالموت، وأسلم منهم من تبقى. وهذه السورة سورة مكية كما ذكرنا، وفيها الإخبار بأشياء من الغيب، كالإخبار عن أسماء الله الحسنى وصفاته العلى سبحانه، والإخبار عن أقدار الله سبحانه، وعن أمور يوم القيامة وما يكون فيها، فهنا يقول الله لنبيه ﷺ : ادع بذلك؛ لأن الرسول لا يعرف ما الذي سيكون بعد ذلك، فإذا كان سيستأصلهم الله بعذاب فقد أمر نبيه ﷺ أن يقول: نجني يا رب من هذا العذاب، ولا تجعلني مع هؤلاء الظالمين. وقد علم ﷺ يقيناً أن الله قد عصمه من أن يكون مع هؤلاء الظالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]، ولكن علمه أن يقول ذلك لأنه لا أحد من المؤمنين يأمن مكر الله سبحانه فضلاً عن غيرهم، قال تعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]. وإلا فإن الله قد قال لنبيه ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢]، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، ولكن كأنه يقول له: في مقام التضرع والدعاء ادع ربك ألا يعذبك، فأنت لا تأمن مكر الله ، فإذا كان رسول الله قد أمر بذلك فغيره من باب أولى، فعلى كل إنسان مؤمن ألا يأمن مكر الله ، خاصة وقد أخبرنا سبحانه أنه إذا نزل عذابه فإنه لا يأتي للظلمة فقط، ولكنه يعم الظلمة وغيرهم، ثم يبعثون على نياتهم يوم القيامة. فعلى الإنسان المؤمن أن يخاف من بطش الله ومن مكره سبحانه. قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:٩٥] أي: ما نتوعدهم به من العذاب سيكون، ولكن لكل شيء عند الله أجل مكتوب عنده سبحانه، فسنظهر لك هذا الذي توعدناهم به.

стр. 491

تفسير قوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة) أمر الله نبيه ﷺ بأمرين: فقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٦ - ٩٨]، فعلمه كيف يدعو صلوات الله وسلامه عليه، فبعد أن قال: ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون:٩٤]، وسأل ربه ألا يكون مع الظالمين، قال الله له: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون:٩٦]، وهذا تعليم من الله سبحانه، أي: ادفع بالشيء الحسن الشيء السيئ، فمن أساء إليك فأحسن إليه. وقد علم الله نبيه في سورة الأعراف الدفع بالتي أحسن أيضاً، فالإنسان المؤمن يدفع اعتداء الناس بالإحسان لهم؛ لأنه يرغب في هداية هؤلاء، فإذا هدى الله على يديك إنساناً من الخلق فلك أجر عظيم عند الله سبحانه، فعلم الله نبيه ﷺ أن يعامل الناس بالحسنى، وأنه إذا عامل بالحسنى ودفع بالتي هي أحسن فالله يأجره على ذلك ويدافع عنه، وهذه الصفة تشمل التعامل مع الكفار ومع المسلمين، فالكافر في البداية يُدفع بالتي هي أحسن ترغيباً له في الإسلام، فإذا أصر على ذلك فالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأيضاً ادفع بالتي هي أحسن لعلهم يرتدعون، وقد كان بعض الأعراب يسيء للنبي ﷺ ، فإذا به يحلم عليه ويتحمل منه، وشيئاً فشيئاً حتى يهدي الله هذا الأعرابي للإسلام. وقد رأينا كيف فتح النبي ﷺ مكة، ولما وصل إلى هنالك وقام مؤذن النبي ﷺ يؤذن، وإذا ببعض الناس يستهزئ بمؤذن النبي ﷺ وفيهم أبو محذورة، وأبو محذورة كان صوته جميلاً، وسمع النبي ﷺ الاستهزاء بمؤذنه، وكان يستطيع أن يأمر بقتل هذا الكافر الذي يستهزئ، ولكنه نادى عليهم ففر من فر وجاء أبو محذورة، فقال ﷺ : (أيكم كان أرفع صوتاً؟)، أي: من الذي سمعت صوته، ثم علمه رسول الله ألفاظ الأذان، فأسلم الرجل وصار المؤذن في مكة، فهنا يتحقق قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾. وهذا أدب من النبي ﷺ ولطف منه، عندما يأتي أبو محذورة ويعلمه رسول الله وهو شاب ولم ينهره ﷺ ، فتأدب الرجل وصار بعد ذلك مؤذن مكة رضي الله ﵎ عنه. قال الله سبحانه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وهذا أمر بالصفح وأمر بمكارم الأخلاق، وفي الحديث: (إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على الشدة)، فالإنسان برفقه يدعو الناس إلى ربه سبحانه، ولكن قد يصل بالرفق وبالعنف إلى نتيجة واحدة، وذلك عندما يدعو إنساناً برفق فيصل به إلى أن يصير مؤمناً، أو يدعوه بعنف وبغلظة وشدة ويصل به إلى أن يكون مؤمناً، فأي الوصفين يكون أعظم لهذا الإنسان وأكثر أجراً عند الله؟ الجواب أن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، فالإنسان برفقة يتأسى بالنبي ﷺ في رفقه بالخلق. قال سبحانه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ فإذا أساءوا إليك فأحسن إليهم لعلك تتألف هؤلاء، وقد لا يتألف هؤلاء، ولكن قد يتألف من وراءه كأهاليهم وأقوامهم عندما يرون أن فلاناً أساء ومع ذلك فالنبي ﷺ حلم عنه، فعندما يقولون: إن الرجل على حسن خلق فلماذا لا نتبعه؟ والإنسان عندما يرى الكافر وعناده قد يقول: لن أدفع إلا بالأسوأ، فهذا الكافر لا يستحق الإحسان، ولكن أمر الله مقدم إذ قال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ولعله ﷺ يقول: هؤلاء يكفرون، ويقولون: كذا، فقال تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾، أي: نحن قد حلمنا عنهم، فاحلم أنت لعل الله يهديهم على يديك. فهذا الأدب لا بد أن يكون في الدعوة إلى الله ، فإذا لم ينفع واستمر هؤلاء على كفرهم وعنادهم فالجهاد بالسيف الذي أمر به النبي صلوات الله وسلامه عليه بعد ذلك، قال تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ أي: من الشرك والتكذيب.

стр. 492

تفسير قوله تعالى: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين) قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ٩٨]، وهذا التعليم لرسول الله كيف يدفع شياطين الإنس ويدفع شياطين الجن، فشياطين الإنس الذين يسيئون إليك وإلى دينك، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فإذا لم ينفع ذلك فجاهدهم كما أمر الله ، ولكن شياطين الجن لا طاقة لك بمحاربتهم بالسيف، فماذا تعمل معهم؟ أخبر الله هنا أنه هو خالقهم ، وهو الذي يقدر عليهم، فعليك أن تلجأ إليه ، فالشياطين يرونك من حيث لا تراهم، فاستجر بخالقهم ، فالله خالق هؤلاء الشياطين، فإذا جاءك الشيطان فقل: يا رب! اكفني هؤلاء، فإن الله سيكفيك شره. ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكْ﴾، أي: أتعوذ بك، وألجأ إليك، وأستجير بك، وأستغيث بك أن تجيرني من هؤلاء وتصرفهم عني. قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّياطِينِ﴾ والهمزات: هي الوسوسة من الشياطين، والهمز واللمز بمعنى: الطعن، وإن كان الهمز هو الطعن في الخفاء، واللمز الطعن في العلن. فقوله: ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾، أي: من وساوس الشياطين، ومن دفعهم إياك إلى الباطل. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 493

تفسير سورة المؤمنون [٩٦ - ١٠١] إن تعامل الإسلام ذو منهجية عظيمة، فحيث ينفع الترغيب والإحسان كان ذلك هو المطلوب، وحيث يصر العدو ويعاند يأتي الجهاد كحل مناسب معه. وإن الإنسان البعيد عن الله تزيد غفلته، ولكنه عند مجيء الموت يريد الإمهال ولا يعطاه، فالخطب بعد الموت عظيم، فمن حياة برزخية مخيفة، إلى وقوف للحساب على الكبير واليسير، في يوم ينسى فيه القريب والبعيد.

стр. 494

تفسير قوله تعالى: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين) قال الله في سورة المؤمنون: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ٩٨]. لما أمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يدفع بالتي هي أحسن السيئة، وقال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩٦]، وهذا في الآية يقصد فيما بينه وبين شياطين الإنس فقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون:٩٦]، أي: من أساء إليك بإساءة فادفع سوءه بالحسنى؛ لعل الله أن يهدي هذا الإنسان، ولعله يراجع نفسه ويعلم أنه ظالم فيرجع إلى الحق الذي أنت عليه، وهذا الأمر إنما يكون إلى قدر معين، فإذا ازداد الأمر فقد أمر الله النبي ﷺ بجهاد أعداء لله . فهو يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، فإذا استجابوا فكان بها، فإن لم يستجيبوا وأصروا على الإعراض والكفر وإنكار ما يقوله والاستهزاء به، فقد أمر بأن يجاهدهم صلوات الله وسلامه عليه بالسيف والسنان. وقوله سبحانه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون:٩٦]، يفيد أن هناك أحسن وهناك حسن، فما قال: ادفع بالحسن السيئة، ولكن ادفع بالتي هي أحسن، فهناك حسن وهناك أحسن منه، فادفع بأفضل الأشياء وأحسنها، وادفع سيئات هؤلاء لعلك تؤثر في قلوبهم فيستجيبون لك، قال تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩٦]، أي: بما يكذبون عليك وبما يشركون بالله سبحانه ﵎. قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ٩٨]، والإنسان في وقت غضبه قد يأتيه الشيطان فينفخ فيه ويدفعه لأن يرد الإساءة بالإساءة، فقال الله لنبيه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾، فإذا ابتلي الإنسان بمن يسيء إليه فليدفع سوءه بالحسنى، وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقد أمرنا النبي ﷺ في حالة الغضب أن نقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وقد جاء (أن النبي ﷺ رأى رجلاً قد غضب واشتد غضبه واحمر وجهه، فقال: إني لأعلم كلمة لو قالها هذا ذهب عنه الذي فيه، قالوا: ما هي؟ قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم). فالإنسان الغضبان إذا تعوذ بالله من الشيطان الرجيم أذهب الله عنه ثورة غضبه، ولم يجعله يندفع ويتهور في هذا الغضب. لذلك ذكر الله رسوله بأمرين: الأول: أن يدفع بالتي هي أحسن؛ لأن الشيطان ينزغ في نفس الإنسان المؤمن حينما يرى عدوه يسيء إليه، فدفع الإنسان لابد أن يكون بالتي هي أحسن، فإن لم يجد ذلك فالجهاد في سبيل الله ، وذلك مع الإنس، أما مع شياطين الجن فلا حيلة معهم إلا أن يلجأ العبد إلى ربه ، وربه هو الذي سيعصمه، وقد أخبر الله أن كيد الشيطان كان ضعيفاً، فإذا لجأت إلى الله صرف عنك الشيطان. قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ﴾، أي: أتعوذ بك وألجأ إليك، وأستجير بك وأستغيث بك من همزات الشياطين، أي: وسوسة الشياطين.

стр. 495

هدي النبي ﷺ في الاستعاذة جاء عن النبي ﷺ أنه كان يتعوذ بالله من همز الشيطان، ويقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه)، وكان رسول الله ﷺ في صلاته قبل أن يقرأ فاتحة الكتاب يبدأ بالتعوذ، كما في الحديث عند أبي داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل كبر)، يعني: في صلاة التهجد أو قيام الليل، (ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، وهذا هو دعاء الاستفتاح في صلاة الليل،: (ثم يقول لا إله إلا الله ثلاثاً، ثم يقول: الله أكبر كبيراً ثلاثاً، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه)، فذكر العلماء أن كلمة (همزه) معناها وسوسة الشيطان ونفخ الشيطان وهو الكبر، فالكبر يدفع الإنسان لأن يصير في نفسه عظيماً، فيؤدي به إلى الكفر في النهاية والعياذ بالله! والنفث بمعنى: السحر، أي: أنه يكيد للإنسان بشيء من السحر، وقال بعضهم: النفث هو الشعر؛ لأن الشيطان ينفث في الإنسان بأن يقول الأشعار التي يكون فيها عدم ذكر الله سبحانه، وفيها اللهو والتعريض بالنساء وغير ذلك. وقد يأتي النفث بمعنى: الكبر، أو بمعنى: ما يأمر به الشيطان الإنسان من الزهو والغرور، وأما معنى همز الشيطان فهو الجنون، فيأتي إلى الإنسان فيوسوس إليه حتى يجعله ذاهب العقل مجنوناً، أو يجعله يتيه بنفسه ويفخر بنفسه ويستكبر على الخلق، أو يجعله لا يدري هل فعل الشيء أو لم يفعله؟ فالله أمرنا أن نتعوذ به سبحانه، ونقول: يا رب! يا من تقدر على كل خلقك! أعذنا. وهذه الآية فيها قراءات: فقراءة يعقوب: (وأعوذ بك رب أن يحضروني) بالإشباع، وقراءة الجمهور: (أن يحضرون) بالكسرة في آخرها دون الإشباع، والمعنى: أني أتعوذ بك يا رب أن يأتيني الشيطان ويحضرني في حال ذكر الله ، وفي غيره من الأحوال. وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه ﷺ قال: (إذا فزع أحدكم في النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنها لن تضره)، وذلك أن الشيطان يأتي للإنسان في يقظته، فيوسوس له أو يدفعه للتهور والغضب، أو يدفعه للغرور والجنون، فأمرنا أن نتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بل قد ينام الإنسان ولا يتركه الشيطان فيأتي له بالكوابيس وبالأحلام التي تفزعه، فأمرنا النبي أن نتعوذ بالله من الشيطان وأن نقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون)، ثم قال: (فإنها لن تضره)، أي: نزعة الشيطان ونزغته وهو نائم لن تضره إذا قال هذه الكلمات العظيمة. أيضاً جاء في الحديث عنه ﷺ كما في صحيح مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه، حتى يحضره عند الطعام)، فالشيطان لا يترك الإنسان في كل شأن من شئونه، بل يوسوس له ويلهيه عن ربه سبحانه، فيأتيه في عباداته، وكذلك في وقت طعامه، قال ﷺ : (فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان). إن الشيطان يراك ولا تراه، فهو من حولك، ويأتيك وأنت تدخل بيتك، ويريد أن يدخل معك ليبيت معك بداخل البيت، وقد أمرنا ﷺ إذا دخلنا البيت أن نتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو نسم فنقول: (اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، باسم الله ولجت وباسم الله خرجت، وعلى الله توكلت)، وبهذا يقوم الشيطان ولم يدرك المبيت معك، كذلك إذا حضر العشاء وأنت تأكل فالشيطان يريد أن يأكل معك وأنت لا تراه، ولكن يخبرك النبي ﷺ بالخبر الصدق الذي أخبره به ربه سبحانه، فيعلمك أن تسمي الله سبحانه عند طعامك؛ حتى لا يأكل معك، وكذلك لعل الإنسان يأكل فيسقط منه شيء من طعامه، فهل يتركه أو يأخذه أم ماذا يفعل؟ طالما أنه لم يتلوث فأمط ما به من أذى وكل طعامك ولا تتركه، ولو تركته فإن الشيطان سيأكل معك منه، فلا تدع للشيطان طعاماً لك، ولا تجعل له مبيتاً عندك في البيت، فعلى الإنسان أن يكون ذا ذكر لله سبحانه وفعل للعبادة والطاعة، وأن يحرص على تطهير بيته من الشياطين بذكر الله .
следующие страницы →