Полный текст (3 717 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
تفسير قوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة)
أمر الله نبيه ﷺ بأمرين: فقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٦ - ٩٨]، فعلمه كيف يدعو صلوات الله وسلامه عليه، فبعد أن قال: ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون:٩٤]، وسأل ربه ألا يكون مع الظالمين، قال الله له: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون:٩٦]، وهذا تعليم من الله سبحانه، أي: ادفع بالشيء الحسن الشيء السيئ، فمن أساء إليك فأحسن إليه.
وقد علم الله نبيه في سورة الأعراف الدفع بالتي أحسن أيضاً، فالإنسان المؤمن يدفع اعتداء الناس بالإحسان لهم؛ لأنه يرغب في هداية هؤلاء، فإذا هدى الله على يديك إنساناً من الخلق فلك أجر عظيم عند الله سبحانه، فعلم الله نبيه ﷺ أن يعامل الناس بالحسنى، وأنه إذا عامل بالحسنى ودفع بالتي هي أحسن فالله يأجره على ذلك ويدافع عنه، وهذه الصفة تشمل التعامل مع الكفار ومع المسلمين، فالكافر في البداية يُدفع بالتي هي أحسن ترغيباً له في الإسلام، فإذا أصر على ذلك فالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأيضاً ادفع بالتي هي أحسن لعلهم يرتدعون، وقد كان بعض الأعراب يسيء للنبي ﷺ ، فإذا به يحلم عليه ويتحمل منه، وشيئاً فشيئاً حتى يهدي الله هذا الأعرابي للإسلام.
وقد رأينا كيف فتح النبي ﷺ مكة، ولما وصل إلى هنالك وقام مؤذن النبي ﷺ يؤذن، وإذا ببعض الناس يستهزئ بمؤذن النبي ﷺ وفيهم أبو محذورة، وأبو محذورة كان صوته جميلاً، وسمع النبي ﷺ الاستهزاء بمؤذنه، وكان يستطيع أن يأمر بقتل هذا الكافر الذي يستهزئ، ولكنه نادى عليهم ففر من فر وجاء أبو محذورة، فقال ﷺ : (أيكم كان أرفع صوتاً؟)، أي: من الذي سمعت صوته، ثم علمه رسول الله ألفاظ الأذان، فأسلم الرجل وصار المؤذن في مكة، فهنا يتحقق قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾.
وهذا أدب من النبي ﷺ ولطف منه، عندما يأتي أبو محذورة ويعلمه رسول الله وهو شاب ولم ينهره ﷺ ، فتأدب الرجل وصار بعد ذلك مؤذن مكة رضي الله ﵎ عنه.
قال الله سبحانه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وهذا أمر بالصفح وأمر بمكارم الأخلاق، وفي الحديث: (إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على الشدة)، فالإنسان برفقه يدعو الناس إلى ربه سبحانه، ولكن قد يصل بالرفق وبالعنف إلى نتيجة واحدة، وذلك عندما يدعو إنساناً برفق فيصل به إلى أن يصير مؤمناً، أو يدعوه بعنف وبغلظة وشدة ويصل به إلى أن يكون مؤمناً، فأي الوصفين يكون أعظم لهذا الإنسان وأكثر أجراً عند الله؟
الجواب
أن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، فالإنسان برفقة يتأسى بالنبي ﷺ في رفقه بالخلق.
قال سبحانه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ فإذا أساءوا إليك فأحسن إليهم لعلك تتألف هؤلاء، وقد لا يتألف هؤلاء، ولكن قد يتألف من وراءه كأهاليهم وأقوامهم عندما يرون أن فلاناً أساء ومع ذلك فالنبي ﷺ حلم عنه، فعندما يقولون: إن الرجل على حسن خلق فلماذا لا نتبعه؟ والإنسان عندما يرى الكافر وعناده قد يقول: لن أدفع إلا بالأسوأ، فهذا الكافر لا يستحق الإحسان، ولكن أمر الله مقدم إذ قال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ولعله ﷺ يقول: هؤلاء يكفرون، ويقولون: كذا، فقال تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾، أي: نحن قد حلمنا عنهم، فاحلم أنت لعل الله يهديهم على يديك.
فهذا الأدب لا بد أن يكون في الدعوة إلى الله ، فإذا لم ينفع واستمر هؤلاء على كفرهم وعنادهم فالجهاد بالسيف الذي أمر به النبي صلوات الله وسلامه عليه بعد ذلك، قال تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ أي: من الشرك والتكذيب.
стр. 492
تفسير قوله تعالى: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين)
قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ٩٨]، وهذا التعليم لرسول الله كيف يدفع شياطين الإنس ويدفع شياطين الجن، فشياطين الإنس الذين يسيئون إليك وإلى دينك، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فإذا لم ينفع ذلك فجاهدهم كما أمر الله ، ولكن شياطين الجن لا طاقة لك بمحاربتهم بالسيف، فماذا تعمل معهم؟ أخبر الله هنا أنه هو خالقهم ، وهو الذي يقدر عليهم، فعليك أن تلجأ إليه ، فالشياطين يرونك من حيث لا تراهم، فاستجر بخالقهم ، فالله خالق هؤلاء الشياطين، فإذا جاءك الشيطان فقل: يا رب! اكفني هؤلاء، فإن الله سيكفيك شره.
﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكْ﴾، أي: أتعوذ بك، وألجأ إليك، وأستجير بك، وأستغيث بك أن تجيرني من هؤلاء وتصرفهم عني.
قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّياطِينِ﴾ والهمزات: هي الوسوسة من الشياطين، والهمز واللمز بمعنى: الطعن، وإن كان الهمز هو الطعن في الخفاء، واللمز الطعن في العلن.
فقوله: ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾، أي: من وساوس الشياطين، ومن دفعهم إياك إلى الباطل.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 493
تفسير سورة المؤمنون [٩٦ - ١٠١]
إن تعامل الإسلام ذو منهجية عظيمة، فحيث ينفع الترغيب والإحسان كان ذلك هو المطلوب، وحيث يصر العدو ويعاند يأتي الجهاد كحل مناسب معه.
وإن الإنسان البعيد عن الله تزيد غفلته، ولكنه عند مجيء الموت يريد الإمهال ولا يعطاه، فالخطب بعد الموت عظيم، فمن حياة برزخية مخيفة، إلى وقوف للحساب على الكبير واليسير، في يوم ينسى فيه القريب والبعيد.
стр. 494
تفسير قوله تعالى: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين)
قال الله في سورة المؤمنون: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ٩٨].
لما أمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يدفع بالتي هي أحسن السيئة، وقال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩٦]، وهذا في الآية يقصد فيما بينه وبين شياطين الإنس فقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون:٩٦]، أي: من أساء إليك بإساءة فادفع سوءه بالحسنى؛ لعل الله أن يهدي هذا الإنسان، ولعله يراجع نفسه ويعلم أنه ظالم فيرجع إلى الحق الذي أنت عليه، وهذا الأمر إنما يكون إلى قدر معين، فإذا ازداد الأمر فقد أمر الله النبي ﷺ بجهاد أعداء لله .
فهو يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، فإذا استجابوا فكان بها، فإن لم يستجيبوا وأصروا على الإعراض والكفر وإنكار ما يقوله والاستهزاء به، فقد أمر بأن يجاهدهم صلوات الله وسلامه عليه بالسيف والسنان.
وقوله سبحانه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون:٩٦]، يفيد أن هناك أحسن وهناك حسن، فما قال: ادفع بالحسن السيئة، ولكن ادفع بالتي هي أحسن، فهناك حسن وهناك أحسن منه، فادفع بأفضل الأشياء وأحسنها، وادفع سيئات هؤلاء لعلك تؤثر في قلوبهم فيستجيبون لك، قال تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩٦]، أي: بما يكذبون عليك وبما يشركون بالله سبحانه ﵎.
قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ٩٨]، والإنسان في وقت غضبه قد يأتيه الشيطان فينفخ فيه ويدفعه لأن يرد الإساءة بالإساءة، فقال الله لنبيه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾، فإذا ابتلي الإنسان بمن يسيء إليه فليدفع سوءه بالحسنى، وليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقد أمرنا النبي ﷺ في حالة الغضب أن نقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وقد جاء (أن النبي ﷺ رأى رجلاً قد غضب واشتد غضبه واحمر وجهه، فقال: إني لأعلم كلمة لو قالها هذا ذهب عنه الذي فيه، قالوا: ما هي؟ قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم).
فالإنسان الغضبان إذا تعوذ بالله من الشيطان الرجيم أذهب الله عنه ثورة غضبه، ولم يجعله يندفع ويتهور في هذا الغضب.
لذلك ذكر الله رسوله بأمرين: الأول: أن يدفع بالتي هي أحسن؛ لأن الشيطان ينزغ في نفس الإنسان المؤمن حينما يرى عدوه يسيء إليه، فدفع الإنسان لابد أن يكون بالتي هي أحسن، فإن لم يجد ذلك فالجهاد في سبيل الله ، وذلك مع الإنس، أما مع شياطين الجن فلا حيلة معهم إلا أن يلجأ العبد إلى ربه ، وربه هو الذي سيعصمه، وقد أخبر الله أن كيد الشيطان كان ضعيفاً، فإذا لجأت إلى الله صرف عنك الشيطان.
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ﴾، أي: أتعوذ بك وألجأ إليك، وأستجير بك وأستغيث بك من همزات الشياطين، أي: وسوسة الشياطين.
стр. 495
هدي النبي ﷺ في الاستعاذة
جاء عن النبي ﷺ أنه كان يتعوذ بالله من همز الشيطان، ويقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه)، وكان رسول الله ﷺ في صلاته قبل أن يقرأ فاتحة الكتاب يبدأ بالتعوذ، كما في الحديث عند أبي داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل كبر)، يعني: في صلاة التهجد أو قيام الليل، (ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، وهذا هو دعاء الاستفتاح في صلاة الليل،: (ثم يقول لا إله إلا الله ثلاثاً، ثم يقول: الله أكبر كبيراً ثلاثاً، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه)، فذكر العلماء أن كلمة (همزه) معناها وسوسة الشيطان ونفخ الشيطان وهو الكبر، فالكبر يدفع الإنسان لأن يصير في نفسه عظيماً، فيؤدي به إلى الكفر في النهاية والعياذ بالله! والنفث بمعنى: السحر، أي: أنه يكيد للإنسان بشيء من السحر، وقال بعضهم: النفث هو الشعر؛ لأن الشيطان ينفث في الإنسان بأن يقول الأشعار التي يكون فيها عدم ذكر الله سبحانه، وفيها اللهو والتعريض بالنساء وغير ذلك.
وقد يأتي النفث بمعنى: الكبر، أو بمعنى: ما يأمر به الشيطان الإنسان من الزهو والغرور، وأما معنى همز الشيطان فهو الجنون، فيأتي إلى الإنسان فيوسوس إليه حتى يجعله ذاهب العقل مجنوناً، أو يجعله يتيه بنفسه ويفخر بنفسه ويستكبر على الخلق، أو يجعله لا يدري هل فعل الشيء أو لم يفعله؟ فالله أمرنا أن نتعوذ به سبحانه، ونقول: يا رب! يا من تقدر على كل خلقك! أعذنا.
وهذه الآية فيها قراءات: فقراءة يعقوب: (وأعوذ بك رب أن يحضروني) بالإشباع، وقراءة الجمهور: (أن يحضرون) بالكسرة في آخرها دون الإشباع، والمعنى: أني أتعوذ بك يا رب أن يأتيني الشيطان ويحضرني في حال ذكر الله ، وفي غيره من الأحوال.
وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه ﷺ قال: (إذا فزع أحدكم في النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنها لن تضره)، وذلك أن الشيطان يأتي للإنسان في يقظته، فيوسوس له أو يدفعه للتهور والغضب، أو يدفعه للغرور والجنون، فأمرنا أن نتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بل قد ينام الإنسان ولا يتركه الشيطان فيأتي له بالكوابيس وبالأحلام التي تفزعه، فأمرنا النبي أن نتعوذ بالله من الشيطان وأن نقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون)، ثم قال: (فإنها لن تضره)، أي: نزعة الشيطان ونزغته وهو نائم لن تضره إذا قال هذه الكلمات العظيمة.
أيضاً جاء في الحديث عنه ﷺ كما في صحيح مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه، حتى يحضره عند الطعام)، فالشيطان لا يترك الإنسان في كل شأن من شئونه، بل يوسوس له ويلهيه عن ربه سبحانه، فيأتيه في عباداته، وكذلك في وقت طعامه، قال ﷺ : (فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان).
إن الشيطان يراك ولا تراه، فهو من حولك، ويأتيك وأنت تدخل بيتك، ويريد أن يدخل معك ليبيت معك بداخل البيت، وقد أمرنا ﷺ إذا دخلنا البيت أن نتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو نسم فنقول: (اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، باسم الله ولجت وباسم الله خرجت، وعلى الله توكلت)، وبهذا يقوم الشيطان ولم يدرك المبيت معك، كذلك إذا حضر العشاء وأنت تأكل فالشيطان يريد أن يأكل معك وأنت لا تراه، ولكن يخبرك النبي ﷺ بالخبر الصدق الذي أخبره به ربه سبحانه، فيعلمك أن تسمي الله سبحانه عند طعامك؛ حتى لا يأكل معك، وكذلك لعل الإنسان يأكل فيسقط منه شيء من طعامه، فهل يتركه أو يأخذه أم ماذا يفعل؟ طالما أنه لم يتلوث فأمط ما به من أذى وكل طعامك ولا تتركه، ولو تركته فإن الشيطان سيأكل معك منه، فلا تدع للشيطان طعاماً لك، ولا تجعل له مبيتاً عندك في البيت، فعلى الإنسان أن يكون ذا ذكر لله سبحانه وفعل للعبادة والطاعة، وأن يحرص على تطهير بيته من الشياطين بذكر الله .
стр. 496
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون)
стр. 497
حال الغافل مع الموت
قال الله : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، ولا زالت الآية في ذكر المشركين الذين: ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ﴾ [المؤمنون:٨٢ - ٨٣]، فهم يقولون ذلك في حياتهم، فإذا جاء الموت وعرفوا اليقين الذي كانوا يهربون منه، وعرفوا الحق الذي كانوا يكذبونه، فقد كانوا يقولون: ﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾، فلما رأوا ذلك وعاينوه إذا بهم يقول قائلهم كما قال الله عنهم: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾، أي: نزل الموت بأحدهم، يقول قائلهم مستجيراً بربه: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾، أي: أرجعني إلى هذه الدنيا مرة أخرى ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾.
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب: ((قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي))، بالياء مكان الكسرة.
وقوله: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، أي: من الدنيا، قال الله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، أي: أن جواب الله له: أنه يستحيل أن ترد إلى الدنيا مرة ثانية، فلن يكون هذا إنما هي مرة واحد تكون فيها في الدنيا، فإما أن تفوز وإما أن تخسر الخسران المبين والعياذ بالله.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ هذه الكلمة هي قوله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾، فهي كلمة لا ينظر إليها ولا يأبه بها، ولا يرد عليه عند طلبها بجواب يفرح به، وإنما قال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، البرزخ: حياة القبر، وهي ليست كحياة الدنيا ولا كحياة الآخرة، بل هو ميت الجسد، ولكن روحه إذا كان من الكافرين فهي في أسفل سافلين تعذب، وإن كان من المؤمنين فإن روحه تنعم عند الله .
وهؤلاء عندما يقولون: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾، هم في هذا الوقت في حياة البرزخ، أي: المرحلة التي بين الدنيا وبين الآخرة، وهي مرحلة القبور.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾، قيل: يرجع الضمير في (إنها) على الكلمة وهي قولهم: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾، وقيل: إنها تعود على كلمة الله أنه لن يؤخر نفساً إذا جاء أجلها، فهي كلمة قالها ربنا سبحانه وقوله صدق وحق.
وعلى القول الأول فالرد على طلبهم هو قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾، وكلمة (من ورائهم) تأتي بمعنى: خلف الإنسان، وتأتي بمعنى: الغيب، وهذا الغيب قد يكون أمام الإنسان، فهنا قوله سبحانه: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾، أي: أمامهم، ولكن هذا غيب لا يراه أحد، فعبر بقوله سبحانه، ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾، أي: كأنهم مستورون عن الناس في الدنيا، والبرزخ هو الحاجز بين الشيئين.
стр. 498
تفسير قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون)
وقال : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]، النفخ في الصور نفختان: نفخة الموت، ونفخة البعث والإحياء والنشور، فنفخة الموت يموت فيها الجميع، وبعدها يصبح الكل أمواتاً.
والنفخة الثانية: يوم يبعثون للحساب والجزاء، فإذا بعثوا فكل إنسان يفر من كل أقربائه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].
قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾، فعندها لا أحد ينظر إلى نسبه، بل الكل يقول: نفسي نفسي.
قال ابن عباس ﵁: لا يفتخرون بالأنساب في الآخرة كما يفتخرون بها في الدنيا.
وهناك معنى آخر: وهو أنه لا يقول الإنسان: أنا فلان بن فلان، فهذا إنما كان في الدنيا، فقد كانوا فيها يتساءلون عن أنسابهم، أما في الآخرة فلا يتساءلون عن الأنساب كما كانوا يتساءلون في الدنيا؛ لهول ما يرون، فقد قاموا مفزوعين عندما رأوا أن الملائكة تنزل من السماء وتحيط بهم وهم في فزع عظيم، فعلى ذلك لا أنساب بينهم ولا يتساءلون.
وعنه أيضاً قال: إن ذلك في النفخة الأولى حين يصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، وصحيح إنه إذا جاء الموت فلا يسأل الناس بعضهم البعض عن الأنساب، ولكن عند القيام من القبور للحساب فهذا أشد وأفزع، وقد جاء في حديث النبي ﷺ (أنهم يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلاً)، والسيدة عائشة ﵂ لما سمعت ذلك سألت النبي ﷺ : (عراة ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: الأمر أشد من ذلك)، أي: أن كل إنسان مشغول بنفسه.
ولقد سأل رجل ابن عباس ﵄ عن هذه الآية: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٢٧]، كيف يكون ذلك وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]؟ وهنا يقول تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٥٠]، فوضح له ابن عباس رضي الله ﵎ عنه، فقال: لا يتساءلون في النفخة الأولى؛ لأنه لا يبقى على الأرض حي.
أما قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٢٧]، فذلك أنهم إذا دخلوا الجنة تساءلوا، وهذا صحيح، وقد يقال: إن ذلك في النفخة الثانية حين يبعثون من قبورهم، فلا أحد يسأل أحداً عن شيء ولكن بعد أن يفوز المؤمنون بدخولهم الجنة يسأل بعضهم بعضاً عن أشياء كانت في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٦]، أما حين قاموا من قبورهم يوم الفزع الأكبر فلا أحد يسأل أحداً عن شيء.
стр. 499
دقة الحساب يوم القيامة
جاء عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة فينصب على رءوس الأولين والآخرين، ثم ينادي مناد: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه، فتفرح المرأة أن يدور لها الحق على أبيها أو على أخيها أو على زوجها)، وقد كان الناس في الدنيا كل منهم يقول للآخر: أفديك بكل شيء عندي، لكن هذا الكلام يوم القيامة يذهب، فإذا بالمرأة تفرح أن يكون لها على أبيها حق، فتأخذ من حسناته، وكذلك الحال في زوجها.
ثم قرأ ابن مسعود: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]، أي: ينسى كل إنسان أن هذا أبوه أو هذا أخوه أو هذا ابنه، فهو يريد أن يأخذ حسنات من أي إنسان لكي يفلت من العذاب ويدخل الجنة.
ثم قال ابن مسعود: فيقول الرب : آت هؤلاء حقوقهم، فيقول الإنسان: يا رب! قد فنيت الدنيا فمن أين آتيهم به؟ فيقول الرب للملائكة: خذوا من حسناته، فأعطوا كل إنسان بقدر طلبته -فوزعت هذه الحسنات على هؤلاء- فإن كان هذا الإنسان الذي يؤخذ من حسناته ولياً لله في الدنيا ففضلت من حسناته مثقال حبة من خردل، ضاعفها الله تعالى له حتى يدخله بها الجنة، وهذا من فضل الله العظيم ، أي: أنه إذا فضلت وبقيت من حسنات هذا الإنسان أشياء يسيرة فإن الله يضاعفها، وتلا ابن مسعود رضي الله ﵎ عنه هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠]، فيضاعف الله له هذه الحسنة حتى يستحق بها أن يدخل الجنة، قال: (وإن كان عبداً شقياً قالت الملائكة: رب! فنيت حسناته) أي: انتهت حين وزعت على هؤلاء الذين ظلمهم، وبقي آخرون يطالبونه بحقوقهم، (فيقول الله تعالى: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، يعني: خذوا من سيئات هؤلاء المظلومين وأضيفوها على سيئاته حتى يعذب بها بدلاً عن هؤلاء الذين ظلمهم، قال: (وصكوا له صكاً إلى جهنم)، والعياذ بالله.
ولذلك فينبغي للإنسان المؤمن أن يكون ضنيناً بحسناته أن يضيعها، فلا يقع في غيبة أو نميمة، أو زور وبهتان، ولا يظلم أحداً من الخلق فيظلم نفسه، فإن الحساب يوم القيامة عسير.
نسأل الله أن يجعل حسابنا يسيراً.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 500
تفسير سورة المؤمنون [١٠١ - ١٠٨]
يذكر الله في هذه الآيات أن الكفار في يوم القيامة لا أنساب تنفعهم أو تنقذهم من عذاب الله كما كانت تنفعهم في الدنيا، وعندما توضع صحائفهم في الميزان فإن سيئاتهم ترجح على حسناتهم، فيأمر الله بهم إلى النار فتلفح وجوههم فتشوهها، فيقرون ويعترفون لله تعالى أنهم كانوا قوماً ضالين، ويطلبون من الله تعالى أن يعيدهم إلى الدنيا ليوحدوه ويعبدوه، فيرد الله عليهم رداً شديداً وشنيعاً أن اخسئوا فيها ولا تكلمون.
стр. 501
تفسير قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون)
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم, بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة المؤمنون: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠١ - ١٠٨].
ذكر الله في هذه الآيات قيام الساعة فقال سبحانه: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾، وقد ذكر لنا ربنا في آيات أخرى النفخ في الصور، وذكر أنه ينفخ مرتين: نفخة الصعق، ونفخة الإحياء والبعث.
فإذا نفخ النفخة الأولى فإنه يموت جميع الخلق، فلا أحد ينفع غيره، لا الوالد ينفع ولده، ولا الولد ينفع والده وهكذا.
فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية قاموا من القبور إلى العرض والنشور، وكل إنسان في فزع شديد، فلا أحد ينظر إلى أحد، ولا أحد ينفع أحداً، ولا يدعى إنسان بنسبه، فلا يقال: يا فلان تعال أنقذني أنا أبوك أو أنا ابنك، فكل إنسان يقول: نفسي نفسي، فلا يسأل الناس في هذا اليوم عن أسمائهم أو أنبائهم أو أحوالهم أو أنسابهم، فكل إنسان منشغل بنفسه.
стр. 502
تفسير قوله تعالى: (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون)
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢] تحضر الخلائق للعرض أمام رب العالمين سبحانه ويؤتون الكتب، فمنهم من يأخذ كتابه بيمينه ومنهم من يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، فالإنسان الذي يأخذ كتابه بيمينه ينجح النجاح العظيم ويقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩]، ويحضر الميزان وربنا يقول: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف:٨] أي: العدل القسط عند رب العالمين سبحانه، فهنا لا أحد يظلم شيئاً، فتوزن أعماله الصالحة وتوزن أعماله السيئة، وأيهما رجح كان من أهل النجاح أو من أهل الخسران، قال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: أفلحوا ونجحوا وكان النجاح الدائم والفوز المبين العظيم عند رب العالمين.
стр. 503
تفسير قوله تعالى: (ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم)
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣] فصحيفة أعماله وضعت في كفتي الميزان، فإذا بالسيئات رجحت على الحسنات فكان من الخاسرين، وكفة الأعمال الصالحة لم ترجح لأنها خفيفة، وكفة الأعمال السيئة ثقيلة، فإذا به والعياذ بالله يخسر أعظم الخسران.
والخسران في الدنيا هو أن يخسر الإنسان ماله وأولاده وأصدقاءه، ولكن الخسران العظيم أن يخسر نفسه، والإنسان في الدنيا يفدي نفسه بأي شيء من أجل أن ينجو بها، فإذا جاء يوم القيامة يقول: نفسي نفسي، وإذا به في خسران مبين، ضاعت منه الدنيا وضاع منه العمل وإذا به من أهل النار والعياذ بالله.
فالكفار خالدون في النار ولن يخرجوا منها، والموحدون لهم خلود في النار ولكن خلود دون خلود، ويكفي وصفه بأنه خلود فترة طويلة جداً لا يعتد بالسنين، فلا هو مائة سنة ولا مائتي سنة ولا ألف سنة ولا غير ذلك، ولكن ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] فإذا كان اليوم الواحد بألف سنة فكم سيكون الخلود في نار جهنم والعياذ بالله؟!
стр. 504
تفسير قوله تعالى: (تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون)
قال تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٤] والنار والعياذ بالله تلفح الوجه، وأشرف ما في الإنسان وجهه، وهو يحميه بسائر أعضائه ويكف عنه الشرور بيده وبرجله.
فالنار تبدأ في وجوه هؤلاء الكفار فتشويها، وتلفح بمعنى: تنفح في الوجه أو تنفخ بلهيبها في وجوههم فتحرقها وتلسعها بنار جهنم.
стр. 505
معنى قوله تعالى (وهم فيها كالحون)
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ كلح الإنسان بمعنى: عبس وجهه وكان فيه عبوس وضيق وانقباض، (وهم فيها كالحون) قال ابن عباس: وهم فيها عابسون، وأيضاً الكلوح في خلقة الإنسان التشويه والقبح فيها، فهم في غاية العبوس من شدة ما يقاسونه من نار جهنم والعياذ بالله فهم فيها عابسون.
قالوا: الكلوح تكشر في عبوس، يقال: فلان كشر عن أنيابه أي: أنه تقلصت العضلات التي في الوجه بحيث انفتح الفم وظهرت الأنياب، وبمعنى: تبسم، لأنه عندما يتبسم الإنسان تنقبض عضلات الوجه، فيبدو الفم والأسنان، فهذا أصل الكشر.
وهنا يقول أبو الدرداء ﵁: إننا نكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم، فنكشر بمعنى نتبسم، أي: ندفع شر هؤلاء بالتبسم في وجوههم ولكننا لا نحبهم، فهذا الكشر بمعنى ظهور أسنان الإنسان، وهم في النار لا يضحكون ولكن من شدة العذاب تقلصت الشفاه فإذا بالأسنان تبدو فيها، والمنظر غاية في القبح فالوجوه عابسة والأسنان بادية.
وقال ابن مسعود ﵁: ألم تر إلى الرأس المشيط بالنار قد بدت أسنانه وقلصت شفتاه.
وفي الترمذي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: (وهم فيها كالحون) قال: (تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته)، وإن كان في إسناده ضعف.
والإنسان المحروق بالنار فإن جلده يشيط وينكمش، فكذلك هؤلاء، فعندما تأتي نار جهنم والعياذ بالله على وجوههم فإنها تنكمش هذه الوجوه، فإذا بهم عابسون في نار جهنم من شدة الضيق والهم والعذاب الذين هم فيه، كذلك الوجوه مشوية ومشوهة، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] والعياذ بالله.
والموحدون الذين كانوا يصلون في الدنيا وكانوا يعصون ربهم وغلبت عليهم السيئات فدخلوا النار، فإن النار لا تأتي على الأماكن التي كانوا يسجدون عليها، وهي: الجبهة والكفان والركبتان وبطون أصابع القدمين.
стр. 506
تفسير قوله تعالى: (ألم تكن آياتي تتلى عليكم وكنا قوماً ضالين)
ثم قال لهم ربهم سبحانه: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٥] فيبكتهم ربهم ويقررهم على ما كانوا عليه في الدنيا: أليس كان القرآن يتلى عليكم؟ ولماذا لم تصدقوا به بل كنتم به تكذبون؟ وسيكون جوابهم على سؤال ربهم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦]، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة حمزة والكسائي وخلف: (ربنا غلبت علينا شقاوتنا)، أي: كنا في شقاوة في الدنيا، ولها معاني: المعنى الأول: غلب علينا ما كنا فيه من لذات وشهوات وشبهات، فكنا من أهلها وضيعنا أنفسنا، وهذا معنىً صحيح.
ومعنىً آخر: أنهم قالوا ذلك لربهم سبحانه: غلبت علينا شقوتنا أي: حسن ظننا بأنفسنا أننا لن نعذب، وأنك كما أعطيتنا في الدنيا ستعطينا يوم القيامة فلم نعمل صالحاً.
وهذه مصيبة الإنسان أن يحسن الظن بنفسه ويظن أن إعطاء الله له في الدنيا دليل على أنه يحبه، ولذلك ترى الإنسان إذا كسب مكسباً فإنه يقول: ربنا يحبني لأنني كسبت هذا النهار كذا! وما يدريه أنه يحبه أو يبغضه، وكونه يعطيه من الدنيا ليس دليلاً على المحبة، وإلا لو كان هذا محبة لكان أولى بها النبي ﷺ الذي كان يبيت أحياناً ويطوي ﷺ على بطنه من شدة الجوع، وكانت النار لا توقد في بيته الشهر والشهرين والثلاثة صلوات الله وسلامه عليه، وإنما كان يأكل الأسودين التمر والماء ﵊، فإعطاء الله العبد في الدنيا ليس دليلاً على محبته وليس دليلاً على أنه سوف يعطيه يوم القيامة.
المعنى الثالث من المعاني: أنهم احتجوا بالقدر واعتذروا به، فقالوا: مثلما أنت تقول في الدنيا: قدر الله وما شاء فعل، فهذا قدر الله ، فقالوا ذلك على وجه الحسرة: أنه غلبت علينا شقوتنا، أي: ربنا كتب عنده أننا معذبون، وهانحن عذبنا بما كتبه الله ، وربنا إذا حاسبهم لن يقول: قدرت عليكم كذا فأدخلتكم النار، وإنما يقول: عملتم كذا، فيسأل الإنسان عن عمله وليس عن قدر الله .
وأمر القدر مبني على علم الله وحكمته وقدرته ، فهو على كل شيء وتقديره لكل شيء، وهذا أمر أمرنا أن نؤمن به، أما أن تحتج به فلا ينفعك الاحتجاج بالقدر؛ لأنك تعمل الحسنة وتجد نفسك قادراً على فعلها، ومختاراً أن تفعل أو تترك.
والله علم أنك تفعل، وقدر أنك تفعل، ولكن أعطاك اختياراً فاكتسبته باختيارك، ولم تستشعر وأنت تعمل الحسنة أنك مجبر عليها، وفي وقت فعل السيئة أيضاً لا تستشعر أنك مجبر عليها وإنما تفعلها باختيارك.
وقد أمرنا الله تعالى أن نؤمن بالقضاء والقدر، وأن الله قدر وعلم سبحانه وكتب عنده ، وأن ما علمه مستحيل أن يغير، ولكن حين نعمل نحن نستشعر بالاختيار وبالكسب في العمل، فالإنسان عندما يأكل فهو قادر أن يمسك اللقمة وأن يضعها في الإدام أو في الملح أو في الحلو، ومختار أن يأكل هذا أو يتركه، ولم يقل في هذه الحال: القدر جعلني آكل هذا وأترك هذا.
فكذلك العمل، فكما قدر الله لك قوتك أن تأكله ومكتوب عنده ذلك، كذلك قدر عنده سبحانه أنك تعمل هذا الخير أو هذا الشر، فهذا الأمر نؤمن به، أما العمل فيلزمك أن تعمل الخير وأن تترك الشر، فأنت محاسب على اكتسابك خيراً أو شراً، ولن يقول الله للناس يوم القيامة: ادخلوا النار لأنني كتبتها عليكم، ولكن يقول: جزاءً بما كنتم تعملون.
فلما احتج هؤلاء بالقدر أنه ساقهم إلى النار وأنهم ضلوا في الدنيا وتاهوا عن طريق الجنة لم يسمع منهم ذلك.
стр. 507
تفسير قوله تعالى: (ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون)
ثم قالوا متذللين لرب العالمين ذلاً لا ينفعهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧] فعرفوا هذا الوقت أنه ربهم سبحانه، فإذا بهم يتذللون له: ربنا غلبت علينا شقوتنا، وأين إيمانكم بالقضاء والقدر عندما كنتم في الدنيا؟ والآن آمنتم، فهنا ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:١٥٨] فيوم القيامة يوم الجزاء، أما الدنيا فهي للعمل، ويوم القيامة لا إيمان فيها ولا عمل، فقد صار الغيب شهادة.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ أي: لن نعمل هكذا مرة أخرى إن رجعنا إلى الدنيا، وقد أخبرهم الله تعالى في الدنيا أنها مرة واحدة فقط، وأن الله يحيي الإنسان ثم يميته ثم يبعثه ليوم القيامة ولا رجوع إلى الدنيا مرة ثانية، فلما قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ كان
الجواب
﴿ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] يقال: خسئت الكلب بمعنى: طردته وأبعدته، وهذه الكلمة تقال للكلاب والخنازير، فصاروا كالكلاب في نار جهنم والعياذ بالله، ورد الله عليهم بهذا الرد الشديد الفظيع القبيح: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ أي: اذهبوا إلى نار جهنم مطرودين من الرحمة ولا تكلمون.
وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: إن أهل جهنم يدعون مالكاً خازن النار فلا يجيبهم إلا بعد أربعين عاماً، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]، وذلك عندما يأمر الله البهائم أن تكون تراباً، فيتمنى الكافر أن يكون كالبهائم، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠]، ولما أيقن أنه لن يكون تراباً وأنه سيكون في نار جهنم خالداً فيها، فإنه ينادى مالكاً أن يميته الله في جنهم، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، فكان الجواب أنه سكت عنهم أربعين سنة ثم قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾.
وقال عبد الله بن عمرو: هانت والله دعوتهم على مالك ورب مالك، قال: ثم يدعون ربهم فيقولون: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٧] فيسكت عنهم ربهم أمداً طويلاً، قال: عبد الله بن عمرو: قدر عمر الدنيا مرتين، وتركهم في نار جهنم، ثم يرد عليهم بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] قال: فوالله ما نبس القوم بعدها بكلمة.
يعني: بعدما تضرعوا وطلبوا من مالك ليقض عليهم ربهم، ثم سألوا رب العالمين وكان الجواب ذلك، قال: فما نبس القوم بعدها بكلمة، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم، فشبه أصواتهم بصوت الحمير، أوله زفير وآخره شهيق.
وجاء أيضاً في الأثر أن الله مكث عنهم ما شاء الله وناداهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٥] فلما سمعوا ذلك ظنوا أن الله سيرحمهم وسيخرجهم من نار جهنم، فقالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٧]، فقال عند ذلك: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فانقطع عند ذلك الرجاء والدعاء وأقبل بعضهم على بعض ويصرخ بعضهم في وجوه بعض، وأطبقت عليهم النار والعياذ بالله.
هؤلاء هم أهل النار، وهذا حالهم في نار جهنم يستغيثون فيغاثون بماءٍ كالمهل يشوي الوجوه، ويطلبون الطعام وطعامهم من شجرة الزقوم، ونار مطبقة عليهم، وينادون ربهم أن يرجعهم إلى الدنيا ولا رجوع، ويقال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾، ويطلبون أن يكونوا تراباً فلا يكونون كذلك أبداً، فهذا حال أهل النار، فمن من الناس يتذكر هذا الحال فيود أن يكون مع هؤلاء والعياذ بالله؟! وعمل الإنسان في الدنيا هو الذي ينجيه من عذاب رب العالمين يوم القيامة، والدنيا عمرها قصير وخطرها كبير عظيم، فالإنسان المسلم يحتاط لنفسه في هذه الدنيا قبل أن يرد هذا المورد الذي لا خروج منه.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 508
تفسير سورة المؤمنون [١٠٢ - ١١٨]
في هذه الآيات تقريع من الله وتوبيخ لأهل النار على ما ارتكبوه من الكفر والمآثم والمحارم والعظائم التي أوبقتهم، ومن ذلك استهزاؤهم بعباد الله المؤمنين وأوليائه المتقين والسخرية منهم، ووبخهم على تضييعهم أعمارهم القصيرة في الدنيا بما يسخط الله ويغضبه، ثم إنه حذر وتوعد من أشرك به غيره وعبد معه سواه، وأنه لا فلاح ولا فوز لديه يوم القيامة للكافرين.
стр. 509
تفسير قوله تعالى: (إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا)
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: قال الله في سورة المؤمنون: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١٨].
هذه الآيات الأخيرة من هذه السورة الكريمة سورة المؤمنون، يذكر الله فيها الجزاء الذي يكون يوم القيامة، وأن الناس في هذا اليوم العظيم منهم من تثقل موازينه، ومنهم من تخف موازينه، قال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣].
هؤلاء الخاسرون خسروا أعظم شيء عندهم وهي أنفسهم، فالإنسان قد يخسر أي شيء ويصبر على هذا الخسران، ولكن أن يخسر نفسه فيكون في نار جهنم فهذا هو الخسران المبين.
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٤] فإذا دخلوا نار جهنم والعياذ بالله لفحت النار وجوههم، وتبقى آثار لفحها على وجوههم، ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٤] قد تشوهت وجوههم وعبست.
ويناديهم ربهم سبحانه: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون:١٠٥] وهذا فيه تبكيت لهم من ربهم، أي: قد جاءكم هذا القرآن العظيم فلم تعملوا به، واتخذتموه وراءكم ظهرياً وكنتم به تكذبون.
قال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦].
فأرادوا أن يحتجوا بالقدر يوم القيامة، أي: أنك كتبت علينا الشقاوة في الدنيا فصرنا إلى النار، فلم يسمع الله لقولهم؛ لأن الإنسان يعلم وهو يعمل الشيء الحسن أن هذا حسن، ويفعله وهو قادر على فعله، ويرى في نفسه القدرة على عمل الصالحات وترك السيئات.
فهو مختار مكتسب للحسنات أو للسيئات، والله يوفق من يشاء من عباده سبحانه ويهدي من يشاء.
فذكر تعالى أنهم طلبوا الرجوع إلى الدنيا، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧]، فكان الجواب عليهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، أي: ابقوا في نار جهنم مطرودين من رحمة رب العالمين سبحانه، كالكلب حينما يطرده الإنسان.
ثم ذكر تعالى أن من أسباب دخول هؤلاء النار أنهم كانوا يستهزئون من المؤمنين، فالمؤمنون في الدنيا كانوا يدعون ربهم سبحانه، ويدعون إليه سبحانه، والكافرون كانوا غالبين قاهرين، فنظروا إليهم بنظرة استهزاء واستخفاف، فسخروا منهم وعذبوهم، قال الله : ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١٠٩].
стр. 510
تفسير قوله تعالى: (فاتخذتموهم سخرياً حتى أنسوكم ذكري)
قال الله تعالى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون:١١٠].
فالكفار في الدنيا كانوا أقوياء لا يعبئون بالمسلمين، فينقلب الأمر عليهم يوم القيامة، يوم يحق الله فيه الحق ويبطل الباطل، فلم تنفعهم قوتهم التي كانت في الدنيا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤].
أي: فيجيئون إلى ربهم سبحانه فرادى لا يملكون مالاً ولا شيئاً ينفعهم ويدفع عنهم العذاب.
وفي قوله تعالى: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ) قراءتان: القراءة الأولى بعدم الإدغام، وهي قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب.
والقراءة الثانية بإدغامها، وهي قراءة باقي القراء، فإنهم يدغمون الذال في التاء ويقرءونها تاءً.
و (سخرياً) كذلك فيها قراءتان: القراءة الأولى بكسر السين وهي قراءة نافع وأبي جعفر المدنيين، والقراءة الثانية بضم السين، وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف: (سُخرياً) وكأنها من التسخير، أي: سخرتموهم وألزمتموهم بأعمال شاقة وأتعبتموهم في الدنيا.
فقوله تعالى: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا) بمعنى: تسخرون من المؤمنين وتستهزئون بهم، وبمعنى: أتعبتموهم بالأعمال الشاقة؛ لأنهم كانوا عليهم قادرين وقاهرين.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾، فالكافر ينسى ذكر الله ، والمؤمن يدعو إلى الله ، فهو ذاكر لله ، فكيف أنسى المؤمن الكافر ذكر الله؟
و
الجواب
أنساه المؤمن بأن انشغل الكافر به، فكلما ذكر المؤمن ربه كان الكافر له بالمرصاد يستهزئ به ويتعبه ويسخر منه.
فشغلة الكافر السخرية والاستهزاء والإتعاب للإنسان المؤمن، فانشغل بذلك عن أن يذكر الله وعن أن يتفكر فيما يقوله المؤمنون، قال تعالى: ﴿حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١١٠].
قال الله تعالى في السورة الأخرى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين:٣٤ - ٣٦].
وقال تعالى قبلها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣١].
فالكفار إذا رأوا المؤمنين ضحكوا منهم حتى وإن أظهروا لهم كلاماً طيباً أمامهم، فإنهم من ورائهم يسخرون منهم، هذا إذا كان المؤمن قوياً، أما إذا كان المؤمن ضعيفاً فإن الكافر يستهين به علانية ويسخر منه ويستهزئ به.
وكذلك إذا انقلب الكفار إلى أهاليهم فإنهم يقولون: رأيت اليوم واحداً من هؤلاء المؤمنين! ويضحك منه ويستهزئ به ويجعله قصته في بيته.
فهو في الطريق يضحك من المؤمن وفي بيته ويوم القيامة يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٣٤].
فالكافر في نار جهنم والمؤمن ينظر إليه وهو في الجنة ويسخر منه ويضحك عليه كما كان يفعله في الدنيا، فقد انقلب عليه في هذا اليوم، قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين:٣٤ - ٣٦]، أي: هل جوزي الكفار ما كانوا يفعلونه في الدنيا؟
стр. 511
تفسير قوله تعالى: (إني جزيتهم اليوم بما صبروا)
قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١١١] فقد جزاهم الله الخير على ما صبروا في الدنيا، فهؤلاء هم الفائزون الفوز العظيم الذي لا خسران بعده.
وفي قوله تعالى: ((أنهم هم الفائزون)) قراءتان: القراءة الأولى بفتح همزة (أنهم)، وهذه قراءة الجمهور، والقراءة الثانية بكسر همزة (إنهم)، وهذه قراءة حمزة والكسائي: ((إنهم هم الفائزون)).
стр. 512
تفسير قوله تعالى: (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين فاسأل العادين)
قال تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٣] يذكر سبحانه عن هؤلاء الكفار حين خرجوا من قبورهم فيسألهم ربهم سبحانه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢] أي: كم مكثتم وجلستم في هذه الدنيا؟ وعندما يقارنون بين أيام الدنيا وعمر أحدهم الذي قضاه في الحياة الدنيا وبين يوم القيامة، فإن يوماً واحداً بخمسين ألف سنة، فيجدون أن هذا العمر الذي لبثوه في الدنيا لا شيء.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ هذه قراءة الجمهور، وقرأها ابن كثير وحمزة والكسائي: ((قل كم لبثتم في الأرض عدد سنين))، وكذلك كلمة ((لبثتم)) نصف القراء يقرءونها بالإدغام، والنصف الآخر يقرءونها بدونه، فقرأها أبو جعفر وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي بالإدغام، وقرأها الباقون بدون الإدعام.
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢] يسألهم ربهم بعد ما بعثوا من قبورهم ووقفوا في يوم الموقف العظيم بين يدي رب العالمين: كم قعدتم في هذه الدنيا؟ فالمكث هو العمر الذي كان في الدنيا أو الذي كان في قبورهم، وسواء هذا أو ذاك فهو عمر حقير وقليل بالنسبة إلى يوم القيامة.
فيجيبون مستقلين لعمرهم السابق، بعدما قارنوا هذه الأيام التي كانت في الدنيا والتي كانوا فيها في البرزخ في القبور مع يوم القيامة هذا اليوم العظيم، قال تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣].
وفي آية أخرى قال : ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه:١٠٣ - ١٠٤] فهنا عندما يقارنون بين أيام الدنيا وبين أيام الآخرة يقولون: لم نلبث فيها إلا يوماً واحداً.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣] أي: اسأل من يعد من الملائكة فإنهم يعرفون ذلك، ونحن لسنا عارفين هل لبثنا يوماً أو جزءاً من اليوم.
وقوله تعالى: ((فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ)) هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير والكسائي وخلف ((فسل العادين)) أي: اسأل من يحسبون ذلك ويعدونه.
стр. 513
تفسير قوله تعالى: (قال إن لبثتم إلا قليلاً)
قال تعالى: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:١١٤] فيجيبهم ربهم سبحانه، وقيل: إنه النبي ﷺ ، فإنه يقول لهم: لم تلبثوا في الدنيا إلا شيئاً يسيراً وقليلاً إذا قورن بالآخرة.
وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (لو) حرف امتناع، أي: امتناع وقوع الجواب لامتناع وجود الشرط، فلو كنتم تعلمون لآمنتم، ولكنكم أخذتم كلام المرسلين استهزاءً فلم تنتفعوا بذلك؛ لأنكم لم تعلموا العلم الذي ينفعكم.
وفرق بين من عرف الشيء ومن علمه واستيقنه، فالكفار عرفوا ما أخبرتهم الرسل بأنهم يكونون في الدنيا دار التكليف وأن الآخرة دار الجزاء، أما أنهم يعلمون ذلك علم اليقين الذي يدخل في قلوبهم فلا، فلو كانوا يعلمون لآمنوا بهذا اليوم ولكنهم لم يصدقوا ولم يستيقنوا.
стр. 514
تفسير قوله تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً لا إله إلا هو رب العرش الكريم)
قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] أي: أفحسبتم أننا خلقناكم كالبهائم وكالدواب وتركناكم عبثاً؟! فحاشا لله سبحانه أن يكون في خلقه عبث ولعب! ولكنه يخلق كل شيء بحكمة منه وبعلم وقدرة.
فإذا كان الله قد خلقهم من أجل أن يمكثوا في الدنيا وهي عمرٌ قليل، ويموت الناس فيها ثم لا يرجعون إلى الله، فأين العدل الإلهي الذي يكون للمظلوم من الظالم؟! فعدل الله أن يعيدهم كما بدأهم، وأن يجازيهم على أعمالهم، والجواب من رب العالمين سبحانه: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦] فتبارك وتعالى سبحانه وتمجد وتنزه وتقدس سبحانه، وهو الملك الحق سبحانه، لا يخلق شيئاً عبثاً، وإنما يخلق كل شيء لحكمة، فهو الله الملك الذي يملك كل شيء، فحكمه والذي يحكم كل شيء هو الحق، وما سواه فهو باطل مهما أوتي من ملك الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦] فهو رب الدنيا ورب الآخرة، فالسماوات السبع والأرضون السبع كلها بجوار كرسي الله كحلقة في فلاة، والكرسي بجوار عرش رب العالمين سبحانه كحلقة في فلاة!! فيستحق العرش أن يوصف بأنه عرش كريم، فالله مالك الدنيا والآخرة، ومالك هذا العرش رب كل شيء ومليكه.
وهذا هو الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي جاء فيه وصف العرش بأنه كريم، وفي سوى ذلك وصفه سبحانه بأنه العرش العظيم.
стр. 515
تفسير قوله تعالى: (ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧]، فالذي يدعو مع الله إلهاً آخر يقيناً لا برهان له به، والحال أنه لا برهان له به، وليس في الآية منطوق ومفهوم.
فالمنطوق: ﴿لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ والمفهوم منها: أن الذي يدعو مع الله إلهاً آخر له برهان، فهذا ليس مقصوداً، إنما معنى الآية: أن من يدعو إلهاً غير الله فهو لا برهان له بهذا الذي يقوله.
ومعنى (لا برهان له به) أي: لا حجة له بذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ هذا وعيدٍ شديد من الله ، فالمشركون الذين عبدوا غير الله أو الذين عبدوا إلهاً مع الله لا يفلحون أبداً.
стр. 516
تفسير قوله تعالى: (وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين)
قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١١٨] هذا أمر للنبي ﷺ ولأتباعه أن يسألوا الله المغفرة والرحمة، وأن يصفوه بهذه الأوصاف الجميلة بأنه خير الراحمين وأرحم الراحمين .
وقد بدأ الله هذه السورة الكريمة بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] وختمها بهذا الدعاء الجميل: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾.
فالمؤمن يدعو ربه سبحانه الذي آمن به وأقام الصلاة وآتى الزكاة وفعل الصالحات من أجله أن يثيبه الله سبحانه وأن يغفر له، فبدأ الله بالأعمال الصالحة كالصلاة والزكاة وغيرهما وختم بهذا الدعاء الجميل: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾.
стр. 517
تفسير سورة النور [ ١ - ٢]
سورة النور من أعظم سور القرآن، وقد ابتدأها الله بذكر بيان شرفها وأهميتها، وذكر أنه أنزلها وفرضها، وأنه أنزل فيها آيات واضحات وموضحات لما نحتاج إليه، والمقصود منها أن نتذكر بها ما ينفعنا في ديننا ودنيانا، وقد اشتملت على أحكام كثيرة لم تذكر إلا فيها؛ ولذا اهتم أهل العلم بتفسيرها قديماً وحديثاً، وأفردوها بالتصنيف.
стр. 518
مقدمة عن سورة النور
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:١ - ٣].
هذه السورة هي الرابعة والعشرون من كتاب الله ، واسمها سورة النور؛ لما ذكر الله فيها من قوله سبحانه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور:٣٥]، الآية.
وهذه السورة من السور المدنية اتفاقاً، فكلها نزلت بالمدينة، ونزلت في أسباب، وسيأتي البعض من هذه الأسباب، والآيات عددها اثنتان وستون آية على العد الحجازي، وعلى العد الحمصي ثلاث وستون آية، وعلى عد باقي القراء أربع وستون آية.
والخلاف في هذا العد مبني على مكان وقف النبي ﷺ ، فيعتبر أنه رأس آية، أو تكون الآية مكملة للآية التي قبلها، وأما الآيات فهي نفسها.
стр. 519
مجمل الأحكام التي ذكرت في سورة النور
لقد بدأها الله بقوله: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١]، وإن كان القرآن قد نزل من عند الله سبحانه، وكل القرآن قد فرض علينا ربنا سبحانه أن نعمل بما فيه من شرعه سبحانه، لكن اختصت هذه السورة بكونها ذكر فيها أحكام عظيمة يحتاج إليها الناس: من العفاف والستر، فذكر الله فيها الأحكام الشرعية في أمر العورات، وأنه ينبغي على الإنسان أن يحفظ عورته ولا يحل له أن يقع في الزنا، فإذا وقع الإنسان في الزنا فهو يستحق الحد الشرعي على ذلك.
وفيها التحذير من مصايد الشيطان ومكايده للإنسان، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور:٢١]، فالشيطان يدعو الإنسان لأن يقع في الفواحش، ويزين له الفاحشة حتى إذا وقع فيها صار الإنسان في كبيرة من المعاصي إلا أن يتوب الله عليه.
وفيها: ذكر الزاني والزانية، وكيف أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج بامرأة زانية مشهورة بذلك إلا أن تتوب إلى الله ، والعكس كذلك، فالمرأة العفيفة لا يجوز لها أن تتزوج برجل عاهر زان مشتهر بذلك، فمن تاب تاب الله عليه، وجاز له أن يتزوج من المرأة بعد التوبة، وكذلك المرأة.
وفيها أيضاً: أن الإنسان الذي يقذف غيره بهذه الفاحشة ولم يأتِ بالبينة فإنه يحد، إذ الأصل أن الإنسان لا يتكلم في أعراض الغير، فإذا تكلم فيها فإنه يتكلم بخير أو يسكت، فإذا وقع في أعراض الناس ورماهم بهذه الفاحشة استحق أن يعاقب عقاباً يردعه ويردع أمثاله ممن يتكلمون في ذلك، فيجلد هذا الإنسان ثمانين جلدة على كونه يقذف إنساناً بأنه زنى، أو أنه وقع في هذه الجريمة.
وقد يرمي الرجل امرأته بهذه الجريمة، ويصعب على الرجل أن يأتي بشهود، ويصعب عليه أن يداوم العشرة مع امرأة قد رآها وقعت في هذه الجريمة، لذا أنزل الله شريعة في هذا الأمر: بأن الرجل يتلاعن هو وامرأته على ما يأتي تفصيله في هذه السورة الكريمة.
وذكر الله فيها أيضاً كيف يتعامل الإنسان مع ربه ، حيث قال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦]، وكيف يواظب على صلته بربه ، وعلى طاعته لله التي تكسبه نوراً في قلبه، وزيادة في إيمانه على ما يأتي فيها.
فهذه السورة ذكر الله فيها هذه الأحكام وغيرها، وقد كتب عمر ﵁ إلى أهل الكوفة يأمرهم بأن يعلموا نساءهم سورة النور، وكان الصحابة يهتمون بهذه السورة جداً، فيتعلمونها ويعلمونها أزواجهم وأولادهم، فكان عمر يكتب إلى أهل الكوفة: علموا نساءكم -يعني: أزواجكم وبناتكم- سورة النور، وكذلك جاء عن عائشة ﵂ مثل ذلك.
стр. 520
تفسير قوله تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها)
قال سبحانه: ﴿سُورَةٌ﴾ [النور:١] أي: هذه سورة عظيمة، ﴿أَنزَلْنَاهَا﴾ [النور:١] أي: نزلت من عند رب العالمين، ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور:١] أي: فرضنا عليكم الأحكام التي فيها أن تعملوا بها، وأن تتعلموها، وأن تأمروا بها أنفسكم وغيركم، وغيرها من القرآن مفروض علينا أن نعلم به، ولكن اختصت هذه السورة بهذا التصريح لما فيها من أحكام عظيمة يحتاجها كل الناس، من أحكام الستر والعفاف.
قرأ الجمهور ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور:١]، وقرأ ابن كثير المكي وأبي عمرو البصري (وفرّضناها) أي: نزلنا هذه السورة من عندنا مقطعة في الإنزال، فلم تنزل كلها مرة واحدة، وكأنها مأخوذة من الفريضة، ومنها علم الفرائض والمواريث، بمعنى: تقطيع الأنصباء، فهذا له النصف وهذا له الربع، وهذا له كذا، ففيه تقطيع الأنصباء، ومنها: فرضة القوس التي تكون في آخر القوس ويربط فيها الوتر، فالفريضة كأنها القطعة من الأحكام المأمور أن نعمل بها.
فـ ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور:١] أي: قطعناها في الإنزال فنزلت من عند الله آيات آيات حتى اكتملت السورة.
وكلمة سورة معناها في اللغة: المنزلة الشريفة، فالسورة مأخوذة من ذلك، أنها جاءت بمنزلة عظيمة، ووقع عظيم في قلوب المؤمنين، ولها القدر العظيم عند الله وعند المؤمنين، فسميت السورة سورة لشرفها، وأنها نزلت من عند رب العالمين سبحانه.
قال: ﴿وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [النور:١] أي: واضحات في دلالتها ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١]، وكأن المعنى: تتذكرون ما نزل من عند الله، فتعملون بهذا الذي ذكركم به، وكلمة ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١] فيها القراءتان: قراءة حفص عن عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف (تذكَّرون)، وقراءة باقي القراء: (تذَّكَّرون)، وأصلها: تتذكرون ما نزل من الأحكام فلا تنسوا ذلك؛ لعلكم تعملون بما جاء من عند الله سبحانه.
والتذكر عكس النسيان، والنسيان قد يكون طبيعة في الإنسان، وقد يكون عمداً، فالأول يعذر فيه لقول النبي ﷺ : (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)، والنسيان قد يكون بمعنى: معاملة الشيء معاملة المتغافل عنه، وهذا فيه عقوبة على الإنسان، والنسيان يأتي بمعنى الترك كما قدمنا قبل ذلك.
وفي الآية: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]، فالنسيان هنا بمعنى: ترك العمل بما فيها، فالذي يتعامل مع آيات القرآن بتغافل عنها، فيرى الآيات أمامه ومع ذلك لا يعمل بما فيها، فقد تعمد الترك، وهو أحد معاني النسيان لكتاب الله ، وهو الذي يستحق يوم القيامة أن يعامل معاملة المنسي فقال الله : ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٦] أي: تترك في نار جهنم كالمنسي، وإن كان ربنا لا ينسى شيئاً سبحانه.
стр. 521
بيان بعض الحدود الموجودة في كتاب الله
ثم ذكر الله تعالى حكماً من الأحكام فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]، وهذا حد من الحدود الشرعية التي جعلها الله حاجزاً بينك وبين الوقوع في الفاحشة والمعصية، فإذا وقعت في هذه الفاحشة والعياذ بالله فإنه يقام عليك الحد الشرعي فيها.
فحد الزاني حد من الحدود، وسيأتي في السورة نفسها حد آخر وهو حد القاذف، وهو في الذي يقذف غيره بجريمة الزنا ونحوها.
وفي القرآن حدود أخرى مثل حد السارق في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨]، وفي القرآن أيضاً حد الحرابة، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة:٣٣]، فأمر الله بأن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فقال: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣].
وكذلك جاء في سنة النبي ﷺ حد آخر وهو حد شار الخمر، وهو أن يجلد ثمانين جلدة أو أربعين جلدة على الخلاف في ذلك، وكذلك جاء في السنة حد الساحر وهو القتل بالسيف، فهذه حدود من الحدود التي ذكر الله في كتابه أو جاءت في سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ومنها: حد من يقع في اللواط، وهل هو ملحق بالزنا فيكون مثله أو أن له حكم آخر: وهو أن يرجم هذا الإنسان؟ على كلام يذكره العلماء فيه، فهذه الحدود الشرعية هي التي تمنع الإنسان من الوقوع في المعاصي، فالشريعة جاءت لنفع البشر ودفع الضرر عنهم، فالأحكام والحدود الشرعية تعزير وتخويف للإنسان أن يقع في ذلك.
стр. 522
تفسير قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)
قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، قراءة الجمهور (مائة جلدة)، ويقرأها أبو جعفر (مية جلدة)، ويقف حمزة على (مائة).
قال تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢]، قوله: ﴿رَأْفَةٌ﴾ [النور:٢] بسكون الهمزة هي قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير بالفتح (ولا تأخذكم بهما رَأَفَة في دين الله) على خلاف فيها.
والزنا كان معروفاً عندهم في الجاهلية، وكان مشهوراً جداً، وكان في أهل البدو بغايا لهن بيوت معروفة، وعليها رايات وأعلام معروفة، فهذا بيت فلانة، وهذا بيت فلانة، ولذلك كان العرب يقتلون البنات خوفاً من هذا العار، فإذا كان الإنسان لا يربى بناته في بيته تربية صحيحة على دين الله فمن الممكن أن تقع البنت في هذه الجريمة.
стр. 523
تعريف الزنا وحد مرتكبه
الزنا شرعاً قالوا: هو اسم لوطء الرجل امرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح لمطاوعتها.
فإن طاوعته اشتركت معه في الجريمة، وأما إذا كانت مكرهة على ذلك بأن اغتصبها فهو وحده الذي يقام عليه الحد، سواء حد الزنا، أو يقام عليه حد الحرابة في ذلك.
ويعرف الزنا بأنه: إدخال فرج في فرج مشتهىً طبعاً، محرم شرعاً، وتعريف الزنا بهذا يدخل تحته اللواط، وإتيان البهائم والعياذ بالله.
قال تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، هذا الحد في الزاني البكر الذي لم يتزوج، والزانية البكر التي لم تتزوج، وأما الذي تزوج فهذا له حد آخر وهو الرجم، سواء قال العلماء بأنه يجلد أولاً بهذه الآية ثم يرجم بعد ذلك، أو أنه يرجم مباشرة على ما في ذلك من تفصيل.
فالزانية والزاني البكران أمر الله بجلد كل واحد من الاثنين مائة جلدة، أما في أمر الثيب الزاني فجاء في حديث للنبي ﷺ أنه قال: (الثيب بالثيب جلد مائة والرجم)، وفرق الله بين الاثنين فجعل الحد في البكر أخف وفي الثيب أشد؛ لأن الإنسان الذي تزوج ثم وقع في الزنا لا فائدة فيه؛ إذ أنه ترك ما أحل الله له، وقضى شهوته فيما حرم الله عليه، مع تمكنه من قضائها في الحلال فجعل الحد فيه حداً شديداً وهو أن يرجم حتى الموت؛ تأديباً وتكفيراً لسيئته، ولأجل كل من يسمع هذا فيمتنع من الجريمة خوفاً من العقوبة.
ومهما ادعى الناس أن مثل هذه العقوبات فيها قسوة وشدة، فهؤلاء الكفار لا قيمة لقولهم، فهم يهربون من دين الله سبحانه، فما إن يجدوا مفاسد ما ذهبوا إليه إلا ويبدءون بالرجوع إلى الأحكام الشرعية، لكن من غير أن ينسبوها إلى الله ، وانظر إلى الكفار عندما يتكلمون عن الختان، وأن الختان هذا جريمة، وأما اليهود حين يفعلون الختان فليست بجريمة، وهم يريدون بذلك أن تشييع الفاحشة بين المسلمين، حيث إن الختان يهذب شهوة الرجل وشهوة المرأة، فإذا ترك هذا الأمر ثارت شهوة الاثنين فشاع الزنا بين المسلمين، ومن ثم تأتي أبحاثهم وتقول: إن الختان أمر جيد، ويتمنون تطبيقه بينهم، وأما عند المسلمين فهم يتهمونهم بهذا، ويرونه خطأ، وأما عندهم فيبدءون بطرح مسألة الختان؛ وذلك لمنع ثوران شهوة المرأة وتقليل جرائم الزنا، ومن أجل تقليل وجود السرطانات الموجودة عندهم، فهم يفكرون في بلادهم بهذا الشيء، وأما عند المسلمين فيريدون إخراب ديار المسلمين، وأكثر شيء يخرب على المسلمين ديارهم هو الوقوع في الفواحش والعياذ بالله.
стр. 524
الحكمة من ذكر الزاني والزانية في هذه الآية وعدم الإتيان بلفظ يشملهما
قال الله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور:٢]، ذكر الله في هذه الآية الزانية والزاني، وكان يكفي أن يقال الزاني أو الزناة، ومثل هذه الآية آية السرقة حيث قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، ولو ذكر واحداً فقط فقال: الزاني لدخلت فيه أيضاً المرأة من باب التغليب، وهذا كما يقال: المؤمنين، فيدخل معهم المؤمنات أيضاً، ويقال: المسلمون، فيدخل معهم أيضاً المسلمات، ولكن في هذه الآية حتى لا يقع الإشكال فيؤخذ الرجل فقط دون المرأة ذُكرا معاً.
ومثل ذلك ما جاء في أمر الذي وقع على امرأته في نهار رمضان، فقد جاء في الحديث: (أن رجلاً جامع امرأته في نهار رمضان، فذهب إلى النبي ﷺ فأمره بالكفارة بعتق رقبة، فقال: لا أملك غيرها -يعني: رقبته-، فأمره النبي ﷺ بأن يصوم شهرين متتابعين، قال: وهل فعلت الذي فعلت إلا في رمضان -أي: في الصيام-؟ فأمره أن يطعم ستين مسكيناً).
فهنا الكلام مع الرجل الذي واقع امرأته، ولم يسأل عن حكم المرأة، ولذلك اختلف العلماء هنا حيث إنه لم تذكر المرأة: هل الكفارة هذه على الرجل فقط، أو على الرجل والمرأة؟ فأكثر العلماء على أنها على الرجل فقط، والبعض يقول: لو أن المرأة هي التي دعته لذلك لكانت على الرجل والمرأة، ولكن الخلاف موجود، فلو أن الله قال: (الزاني يجلد مائة) لجاء نفس الخلاف هنا في هذه المسألة، ولأتى البعض من الناس يقول: المقصود بالزاني هنا الرجل فقط والمرأة لا تجلد، ولو قال: (السارق اقطعوا يده) لأتى البعض من الناس يقول: إذاً القطع يكون على الرجل فقط؛ إذ المرأة ليس من عادتها أنها تسرق، فحتى يرفع الإشكال ولا يوجد مثل هذا الخلاف قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور:٢]، وقال: ﴿السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة:٣٨].
وأما وجه التفريق بين الآيتين فبدأ بالسارق فقال: ﴿السَّارِقُ﴾ [المائدة:٣٨]، ثم ثنى بالمرأة فقال: ﴿وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة:٣٨]، وأما في هذه الآية فبدأ بالمرأة فقال: ﴿الزَّانِيَةُ﴾ [النور:٢]، ثم ثنى بالرجل فقال: ﴿وَالزَّانِي﴾ [النور:٢]، وذلك أن الطمع في المال موجود في الرجال والنساء ولكن في الرجال أكثر؛ لأن ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤]، فالرجل عليه النفقة، فلعل من عليه النفقة تدفعه نفسه أن يأخذها من حل أو من حرام، وفي الرجال أمر السرقة أكثر.
وأما الزنا فالمرأة سببه، فعندما تتبرج المرأة للرجل ويراها فإنه يشتهي مواقعتها، فلما كانت هي السبب بدأ الله بها، وقد كان الزنا في الجاهلية منتشراً، وكانت النساء فتنة للرجال، وكن سبب ذلك فبدأ بهن، وكان إماء العرب وبغاياه مجاهرات بذلك.
وقالوا أيضاً: بدأ بالمرأة؛ لأن الزنا في المرأة أشد وأقبح، فإنه عار عليها وعلى أهلها.
وقالوا أيضاً: لأن المرأة شهوتها أشد من الرجل، وإن كان الله قد هذب ذلك بأن ركب في المرأة حياء، فجعلها أكثر حياء من الرجل، فإذا وقعت في هذه الجريمة نزع منها الحياء فصارت مصيبة بين الناس.
وجاء في الحديث عند أبي داود من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا زنا العبد خرج منه الإيمان، وكان فوقه كالظلة) يعني: كالسحابة فوق رأسه، (فإذا انقلع منها -يعني: رجع عن هذه المعصية وتاب إلى ربه- رجع إليه الإيمان)، فالمعاصي سبب لنزع الإيمان الواجب من قلب الإنسان، ولذلك جاء في الحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب النهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن).
فالإنسان وقت وقوعه في المعصية لو أن عنده الإيمان الواجب الذي يمنعه منها لما وقع فيها، ولكنه في هذه الحالة ينزع منه القدر من الإيمان الذي يمنعه من هذه المعصية، فيقع في هذه المعصية.
стр. 525
صفة السوط الذي يجلد به الزناة
قال الله هنا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢]، فأمر بالجلد، والجلد: هو ضرب الإنسان على جلده، والضرب أو الجلد يكون بالجريد، والجريدة لها صورة معينة، فليست جريدة قصيرة ضعيفة بحيث لا تؤثر فيه، ولا هي طويلة شديدة بأشواك فتقتل الإنسان، ولكن المقصود التهذيب والتأديب لهذا الإنسان، فهي وسط بين الاثنين.
وجاء حديث مرسل عن النبي ﷺ وفيه: (أن رجلاً اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله ﷺ ، فدعاء له رسول الله ﷺ بسوط)، يعني: عصا أو جريدة، (فأتي بسوط مكسور، فقال: فوق هذا، فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته) أي: سوط جديد قطع تواً من الشجرة، وفيه شوك، ومثل هذا سيؤذي الإنسان، (فقال: ولا هذا، فأتي بسوط قد ركب به ولان) يعني: ليس فيه أشواك وصار فيه شيء من اللين، (فأمر به رسول الله ﷺ فجلد)، وهذا مرسل، ولكن عليه العمل.
стр. 526
حكم تجريد الزناة من ثيابهم عند الجلد
هل يجرد الإنسان الذي يجلد من ملابسه ويضرب على جلده؟ اختلف العلماء في ذلك: فذهب مالك وأبو حنيفة وغيرهما إلى أنه يجب أن يعرى ظهره ويضرب على جلده، وكأن الجَلد مأخوذ من ذلك، وأما المرأة فقالوا: نترك عليها ما يسترها ولا يقيها، يعني: لا تكون ثياباً غليظة بحيث تحميها من الضرب، ولكن تكون ثياباً ينفذ منها الضرب إلى جلد المضروبة.
وذكر الإمام الأوزاعي إمام أهل الشام أن القاضي أو الإمام مخير، فإن شاء جرد وإن شاء لم يفعل.
وقال الشعبي والنخعي: لا يجرد، وهذا قول ابن مسعود ﵁، ولعل هذا هو الأولى، فإذا كان الإنسان لابساً ثياباً لا تعوق ضربه، وتجعل الضرب ينفذ إليه فلا تنزع، والله أعلم.
أقول قولي هذا، واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 527
تفسير سورة النور (تابع) [١ - ٢]
لقد حد الله تعالى لهذه الأمة حدوداً وواجبات، وبين حرمة تعديها وتجاوزها، ومن هذه الحدود: حد الزنا؛ ليرتدع الزاني، وليرتدع المفكر فيه كذلك، والحقيقة أن هذه الحدود حياة للمؤمنين؛ لما فيها من حفظ الدين والنسل، ولكي لا يختلط الحابل بالنابل في أمة الإسلام، وقد بين الشارع أهمية إقامة حدود الله، وكيفية إقامتها بما يتناسب مع الحد، وبما يحصل به المقصود.
стр. 528
تفسير قوله تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها)
قال الله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:١ - ٣].
هذه السورة بدأها الله بذكر السورة، فقال: ((سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) أي: هذه السورة العظيمة سورة نزلت من عند الله ، وقد فرض عليكم أن تقيموا الأحكام والشرائع التي أنزل فيها.
ثم ذكر حكماً من الأحكام التي في هذه السورة فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور:٢]، وقدم الزانية على الزاني لشدة فتنة المرأة، فهي تدعو الرجل إلى الوقوع في هذه الجريمة الشنيعة، فبدأ بها وقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، وهذا الحكم عام في جميع الزناة سواء كانوا محصنين بزواج أو غير محصنين بزواج، فيكون الجلد مائة على غير المحصن، وزاد عليه النبي ﷺ أنه يغرب سنة، كما في الحديث، ويكون الجلد مائة في الثيب من النساء والرجل المحصن بزواج، ثم بعده الرجم، كما صنع ذلك علي رضي الله ﵎ عنه.
وقد يختص الحكم هنا بغير المحصنين، فيكون قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور:٢] أي: إذا لم يكونا محصنين بزواج ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور:٢].
стр. 529
بيان ما يجلد به الزناة، وكيفية الضرب بالنسبة للرجل والمرأة
لقد ذكر العلماء أن هذا الجلد يكون بجريدة لا يكون فيها شوكها فتؤذي في قطع لحم أو إدماء جلد، ولا قديمة منهكة صغيرة بحيث لا تؤلم الذي يضرب بها.
واختلف العلماء في كيفية ضرب الرجل والمرأة، فقال الإمام مالك ﵀: الرجل والمرأة في الحدود كلها سواء، لا يقام واحد منهما، يعني: يضرب الرجل وتضرب المرأة وهما جالسان، ولا يكون الضرب عند الإمام مالك إلا في الظهر.
وذهب الأحناف والشافعي إلى أن الرجل يضرب وهو واقف، والمرأة وهي قاعدة، وتكون مستورة بثياب حتى لا تتكشف.
وقال الليث وأبو حنيفة والشافعي: الضرب في الحدود كلها وفي التعذيب يكون الرجل مجرداً قائماً غير ممدود، يعني: يجرد ظهره الرجل إذا ضرب، وذكر غيرهم أنه يضرب الرجل والمرأة وعليهما الثياب، ولكن تكون ثياب الرجل رقيقة بحيث إنها لا تمنع وصول الضرب إلى الجسم.
стр. 530
أقوال العلماء في مواضع الجلد
اختلف العلماء في مواضع الضرب هل هو على الظهر فقط أم على الجسد كله؟ والراجح أن الضرب يوزع على الجسد كله؛ لأنه لو كان الضرب على الظهر فقط أو في موضع واحد فكثرة الضرب قد تجرح، ولذا يوزع الضرب على الجسد، ولكن تجتنب مقاتل الإنسان، ويجتنب وجه الإنسان.
وقال العلماء: يجب أن يكون الضرب مؤلماً لا يجرح -أي: لا يشق ويسيل الدم- ولا يبضع -أي: يقطع اللحم-.
قالوا: ولا يخرج الضارب يده من تحت إبطه، أي: لا يرفع يده حتى يظهر إبطه، وهذا هو قول الجمهور، وممن قال بذلك علي وابن مسعود ﵄.
وأتي عمر ﵁ برجل في حد، فأتى بسوط بين سوطين، أي: لا هو جديد بشوكه بحيث يجرح ويؤذي، ولا قديم ضعيف بحيث لا يؤثر، وقال للضارب: اضرب ولا يرى إبطك، وأعط كل عضو حقه، أي: وزع الضرب على الجسد، ولا تضرب في مكان واحد فتتسبب في شدة الأذى، ولكن وزع الضرب على الأعضاء.
وأتي ﵁ بشارب فقال: لأبعثنك إلى رجل لا تأخذه فيك هوادة، فبعث به إلى مطيع بن الأسود العدوي لكي يجلده، وقال: إذا أصبحت الغد فاضربه الحد، فجاء عمر ﵁ وهو يضربه ضرباً شديداً، يعني: وعمر ما كان يظن أنه سيضربه بهذه القسوة، فهو يقصد بقوله: (لا تأخذه فيك هوادة) يعني: أنه لن يرحمك على ما ذكر الله في الكتاب، وإنما سيقيم الحد بتمامه ولا ينقص فيه، فلما رآه يضربه ضرباً قاسياً، قال ﵁: قتلت الرجل، كم ضربته؟ قال: ستين، فقال: أقصّ عنه بعشرين، يعني: اجعل بدل الثمانين ستين، ولا تضرب أكثر مما ضربت؛ لأنك أوجعت وقسوت في الضرب.
следующие страницы →