← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

اختلاف العلماء في الملاعنة اختلف العلماء هل الملاعنة التي بين الرجل وبين امرأته شهادة لأن الله قال: شهادة أحدهم، أو هي أيمان، موثقة بكلمة الشهادة؟ فذهب الجمهور إلى أنها يمين، ولكن وثقت هذه اليمين بكلمة الشهادة، وبكونه يستحضر أنه شاهد نظر هذا الشيء، فهو على يقين مما يقول. وذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى أن الملاعنة هذه شهادة وليست أيماناً، ولكن أكدت بلفظ اليمين. إذاً: قيل هي شهادة فيها شائبة يمين، وقيل: بل هي يمين فيها شائبة شهادة، فسيبنى على هذين القولين: أنها إذا كانت شهادة فلن تقبل إلا ممن تقبل شهادته، فإذاً لا بد أن يكون الرجل حراً والمرأة حرة، وأما إذا كان أحد الاثنين حراً والآخر عبداً فلن تقبل منه الشهادة؛ لأن العبد ليس من أهل الشهادة. فإذا كان الرجل عبداً متزوجاً بامرأة أمة فلا تصح بينهما هذه الملاعنة على قول من يقول: إنها شهادة. وأما على قول الجمهور: إنها يمين، فقالوا: إن اليمين يصح من أي أحد سواء كان حراً أو عبداً. والذين قالوا: إنها يمين احتجوا بأن هذه الآية ذكر الله فيها: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور:٦]، ففصل كلمة شهادة بأن يقول: بالله كذا، وهذه ليست صيغة شهادة، وإنما هي صيغة يمين؛ لأن الأصل في الشهادة أن الشاهد لا يحلف، وهنا الشاهد يحلف على الشهادة التي رآها، والأصل أن الشاهد عدل، فطالما أن الشاهد عدل إذاً فتقبل شهادته في الشيء الذي يقوله. ولكن كونه يذكر هنا أنه لا بد أن يقول: بالله كذا، ويكرر هذا اليمين أربع مرات، ففيه دليل على أن هذا من الأيمان وليس من الشهادات. ويدل على ذلك أنه جاء في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال للرجل: (احلف بالله الذي لا إله إلا هو إني لصادق، يقول ذلك أربع مرات)، فسماه حلفاً، وفي هذا دليل على أن هذا من الحلف وليس من الشهادة. وجاء عنه ﷺ أنه قال بعد هذه الأيمان: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن)، فدل هذا على أن الذي قاله الرجل والذي قالته المرأة يمين. إذاً فالراجح أن هذا اللعان بين الرجل وبين امرأته يمين من الأيمان. قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ [النور:٦] أي: يقذفون: ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:٦] أي: الرجل يقذف المرأة فتكون الملاعنة بين الاثنين، وبالملاعنة تحرم عليه المرأة نهائياً، وإذا كانت حاملاً ينتفي عنه الحمل بسبب هذه الملاعنة، والصيغة في (يرمون) لجمع المذكر، فهي في رمي الرجل للمرأة وليس العكس. والمرأة إذا رمت زوجها فإنها تدخل تحت مسألة القذف السابقة. وأما الرجل حين يقذف امرأته فإن فيه مهانة شديدة جداً، وسيكون هناك ولد في يوم من الأيام فينتفي منه هذا الرجل، فيكون ضرره متعدٍ، فلذلك كان فيه هذه الملاعنة. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ [النور:٦]، فلو كان هناك أربعة شهداء آخرون فشهد الشهود لرجمت المرأة بذلك.

стр. 562

القراءات في قوله: أربع ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٦]، هذه قراءة حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ [النور:٦]، وكأنه مبتدأ وخبر، والتقدير: الشهادة أربع. وقرأ باقي القراء نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن عامر وشعبة عن عاصم: (فشهادة أحدهم أربعَ شهادات بالله)، وكأن شهادة هنا مصدر أصله: أن يشهد أحدهم أربعَ شهادات بالله، فنصبت على ذلك. فسيقول أربع جمل فيها: أنه يشهد بالله أنه صادق فيما يقول، وأنها فعلت هذه الجريمة.

стр. 563

تفسير قوله تعالى: (والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) قال الله سبحانه: ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ [النور:٧] أي: الشهادة الخامسة، أو الجملة الخامسة التي يقولها هي: ﴿أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٧]، فيدعو على نفسه باللعنة، وهذا شيء فضيع جداً؛ فاللعنة معناها: الطرد من رحمة الله ، ولما كان يدعو على نفسه باللعنة إن كان كاذباً فيما يقول، دل هذا على أن القذف فضيع جداً، وأنه إن كان كاذباً فقد استحق أن يطرد من رحمة رب العالمين سبحانه. القراءات فيها: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ [النور:٧] هذه قراءة الجمهور، وقرأها نافع ويعقوب: (أنْ لعنةُ الله عليه إن كان من الكاذبين)، وكلمة (لعنة) مكتوبة في المصحف بالتاء المفتوحة، فالجميع يقرءونها: (أنَّ لعنةَ الله)، أو (أنْ لعنةُ الله)، والأكثرون عند الوقف عليها يقفون عليها بالتاء، إلا ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب، فإنهم يقفون عليها بالهاء.

стр. 564

تفسير قوله تعالى: (ويدرأ عنها العذاب إن كان من الصادقين) قال الله سبحانه ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ)) [النور:٨ - ٩]، وهي بالفتح قراءة حفص عن عاصم فقط، وباقي القراء يقرءونها بالضم: (والخامسةُ)، وكأن قراءة حفص عن عاصم: (أن تشهد أربع شهادات، والخامسة معطوفة على أربع شهادات. وعلى قراءة الجمهور أنه استئناف، فتكون مبتدأ، والتقدير والخامسة في الملاعنة كذا وكذا. ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [النور:٩]، هذه قراءة الجمهور، وقرأها نافع: (أن غضِب الله عليها) على الفعل الماضي. وقراءة يعقوب: (أن غضبُ الله عليها إن كان من الصادقين)، فيكون لفظ الجلالة مضافاً. وقراءة نافع: (أن غضِب الله) على أن لفظ الجلالة فاعل، وقراءة الجمهور: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [النور:٩]، على أن غضب مصدر، ولفظ الجلالة مضاف إليه. وسبب نزول هذه الآية: ما رواه أبو داود عن ابن عباس: أن هلال بن أمية، قذف امرأته عند النبي ﷺ بـ شريك بن سحماء، وهلال رجل من الصحابة، وقد رجع إلى بيته فوجد امرأته ومعها رجل في البيت، فلم يهيجهما، فلما أصبح ذهب إلى النبي ﷺ فأخبره بذلك، فقال له النبي ﷺ : (البينة، وإلا حد في ظهرك) أي: إما أن تأتي ببينة على ما تقول، أو يقام عليك الحد. والحد في القذف كان قد نزل لكن آية الملاعنة لم تكن قد نزلت بعد، فالرجل لما سأل النبي ﷺ في الأمر وماذا يعمل معها، فقال له النبي ﷺ : (البينة) يعني: ائت بأربعة شهود يشهدون لك على ذلك وإلا فالحد في ظهرك. فقال الرجل: (يا رسول الله! إذا رأى أحدنا رجلاً على امرأته يلتمس البينة؟!) أي: من أين سيأتي بالبينة؟ قال: (فجعل النبي ﷺ يقول: البينة وإلا حد في ظهرك، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله في أمري ما يبرئ ظهري من الحد) وفعلاً نزلت هذه الآية تبرئ الرجل من الحد بهذه الملاعنة، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور:٦] الآية حتى قوله: ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٩]، فأتى به النبي ﷺ وتلا هذه الآية وحصلت الملاعنة من الاثنين. ومما جاء في ذلك ما قاله سعد بن عبادة ﵁، قال: (يا رسول الله! إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة؟! والله لأضربنه بالسيف غير مصفح) يعني أنه سيضربه بحد السيف، وصفحة السيف هي عرضه. ويعني: لن اضربه ضرب تأديب ولكن سأضربه ضرب قتل. فقال رسول الله ﷺ : (أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل ذلك حرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن). وجاء أيضاً في قصة رجل آخر من الصحابة وهو عاصم بن عدي الأنصاري، أنه سأل النبي ﷺ فقال: (جعلني الله فداك، لو أن رجلاً منا وجد على بطن امرأته رجلاً فأخبر بما جرى جلد ثمانين، وسماه المسلمون فاسقاً فلا تقبل شهادته، فكيف لأحدنا عند ذلك بأربعة شهداء؟! وإلى أن يلتمس أربعة شهود فقد فرغ الرجل من حاجته، فقال ﵊: كذلك أنزلت يا عاصم). وكان عويمر العجلاني -وهو قريب لـ عاصم - يسأل عن هذا الأمر كثيراً، وكأنها مسألة خطرت في قلبه فبدأ يسأل عنها، وقال: سل لي يا عاصم! أي: اذهب واسأل النبي ﷺ في الرجل يجد مع امرأته رجلاً أيسكت أم أنه يفعل شيئاً، ومن أين يأتي بالشهود على ذلك. وكرر الرجل كلامه، فذهب عاصم وسأل النبي ﷺ ، فغضب النبي ﷺ ، أي: لا تسأل عن شيء لم يحصل، فإذا حصل فاسأل، وأحياناً يكون السؤال عن شيء قد سكت عنه الشرع فينزل الأمر بتحريمه، أو يسأل الإنسان عن شيء فيه بلاء فيبتلى بسبب سؤاله، فهذا سأل عن شيء لم يحصل فإذا به هو الذي يبتلى به، فوجد مع امرأته رجلاً، وكأن هذا من شؤم هذا السؤال. فـ عاصم سأل النبي ﷺ ورجع إلى الرجل وقال له: إنك لم تأت بخير، لقد غضب النبي ﷺ من الكلام الذي قلته، والآخر رجع إلى بيته فوجد الرجل مع امرأته. وقد نزلت الآية لهذه الأسباب، وإن كان الأقوى أنها نزلت في هلال، ثم طبق هذا الحد على الباقين، كما يذكر بعد ذلك، والله أعلم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 565

تفسير سورة النور [٦ - ١٠] لقد حد الشارع الحكيم حدوداً وشرع شرائع حماية للمجتمعات من الرذيلة، وحفاظاً على الأعراض والأنساب، ومن تلك الأحكام التي شرعت ملاعنة الرجل لزوجته إذا اتهمها بالزنا ولم يأت بأربعة شهود، ويترتب على ملاعنة الزوجين أحكام منها: نفي الولد إن كانت حاملاً، والفراق للأبد، وألا ينسب الولد إلى أبيه.

стр. 566

تفسير آيات اللعان الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٦ - ١٠].

стр. 567

خلاف العلماء في الشهادات هل هي شهادة أم يمين ذكر الله في هذه الآيات حكماً من الأحكام، وحداً من الحدود وهو حد القاذف، وهو الذي يقذف المحصنة أو المحصن من المؤمنين، والمقصود بالمحصن أي: العفيف من الرجال، والمحصنة: العفيفة من النساء يعني: المؤمنات، فهذا يشمل عموم المحصنات، وهنا خص الله الذين يرمون أزواجهم، ورمي الرجل لامرأته هذا شيء نادر أن يحدث، فجعل له حكماً من الأحكام وهو: أن الرجل يتلاعن هو وامرأته في ذلك. فالرجل يقول: إنها فعلت هذه الفاحشة، والمرأة تكذب ذلك ولكن بصورة معينة جاءت في هذه الآية، فأحدهما سيشهد بالله أربع شهادات إنه لمن الصادقين فيما رمى به امرأته من ذلك، والشهادة الخامسة أنه يدعو على نفسه بلعنة الله إن كان من الكاذبين. فإذا قال الرجل ذلك وجب على المرأة العذاب، ويدرأ عنها أنها تجيب وترد على هذه الدعوى بأن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما يقول، وقد قدمنا في الحديث السابق أن العلماء اختلفوا في أن أيمان الملاعنة التي ذكرت بصيغة الشهادات هل هي أيمان بصيغة الشهادة أم هي شهادة بصيغة الأيمان؟ والجمهور على أنها أيمان بصيغة الشهادات؛ لأن النبي ﷺ حلّف الرجل والمرأة، فقال: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن) ففي الحديث بيان أن هذه أيمان. وذهب الأحناف إلى أنها شهادة، وعلى ذلك لا تكون الشهادة إلا ممن هو أهل للشهادة، فالعبد لا تقبل شهادته؛ لأن العبد ليس أهلاً للشهادة، هذا عند الأحناف. واحتج الجمهور بما قاله النبي ﷺ ، والأحناف ذكروا أنها شهادة واحتجوا بهذه الآية: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ [النور:٦]، قالوا: إن الأصل في الذي يقذف المحصنة أنه لابد أن يأتي بأربعة شهداء، وهنا قام الرجل مقام الأربعة الشهود، فهو الآن شاهد، ولكن لولا أنه جاء في حديث النبي ﷺ تسميتها بالأيمان لكان قول الأحناف قولاً وجيهاً.

стр. 568

قصة الملاعنة التي وقعت في عهد النبي ﷺ جاءت قصة الملاعنة في صحيح البخاري وغيره، أن النبي ﷺ لاعن بين رجل وامرأته، وذكر القصة أبو داود عن ابن عباس ﵄ بإسناد فيه ضعف يسير، ولكن يشهد له أحاديث أخرى في هذا المعنى، فسياق الإمام أبي داود سياق طويل وفيه تفصيل، ففيه قال ابن عباس ﵄: (جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، فجاء من أرضه عشياً، فوجد عند أهله رجلاً، فرأى بعينه وسمع بأذنه، فلم يزد حتى أصبح، ثم غدا على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني جئت أهلي عشاءً فوجدت عندهم رجلاً، فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ ما جاء به واشتد عليه صلوات الله وسلامه عليه، فنزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٦] الآية، فسرَّى عن النبي ﷺ وقال للرجل: أبشر يا هلال! قد جعل الله لك فرجاً ومخرجاً، قال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي، فقال رسول الله ﷺ : أرسلوا إليها، فأرسل النبي ﷺ إلى المرأة لتأتي، فجاءت فتلاها عليهما رسول الله ﷺ يعني: هاتين الآيتين، (فذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا). فهنا الرجل قذف امرأته والمرأة كذبته، فالنبي ﷺ وعظ الاثنين: (الله يعلم أن أحدكما كاذب) أي: لا يمكن أن يكون الاثنان صادقين، فأحدهما كاذب، فذكر النبي ﷺ وذكر المرأة والرجل وقال: (إن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا) ففي الدنيا كان الرجم شديداً، ولكن ما في الآخرة أشد وأفظع، فلما قال ذلك ﷺ قال هلال: (والله لقد صدقت عليها، فقالت: قد كذب) فقال رسول الله ﷺ : (لاعنوا بينهما)، فهذا الحكم الذي في كتاب الله فطبقوه، (فقيل لـ هلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كان الخامسة قيل له: يا هلال! اتق الله؛ فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة) يعني: أنت حلفت أربعة أيمان، فهذه الخامسة هي الموجبة عليك لعنة الله إن كنت من الكاذبين، (فقال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها، فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل للمرأة: اشهدي) فهنا المرأة شهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (فشهدت حالفة بالله سبحانه إنه لمن الكاذبين، فلما كانت عند الخامسة قيل لها: اتقي الله؛ فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب) يعني: العذاب في الآخرة (فتلكأت ساعة) يعني: المرأة سمعت النصيحة فكادت أن تؤثر فيها (فتلكأت ساعة ثم قالت: والله لا أفضح قومي)، وهنا قارن بين النظر في الآخرة ثم النظر في الدنيا، الإنسان ينظر إلى الآخرة على أنها بعيدة، فهي رأت أن قومها سيفتضحون فقالت: لا أفضح قومي، فنظرت وآثرت الدنيا على الآخرة، قال: (فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) ثم قال: (ففرق رسول الله ﷺ بينهما).

стр. 569

الأحكام المترتبة على الملاعنة وهنا حكم من الأحكام الشرعية وهو: التفريق بين الاثنين (وقضى ألا يدعى ولدها لأب)، فهي كانت حاملاً من ذلك، فقضى النبي ﷺ بالتفريق، ففرق بين المرأة والرجل، وهذا يكون تفريقاً أبدياً، فالرجل الذي يطلق امرأته ثلاثاً لو أنها تزوجت بعد ذلك بآخر ثم طلقها جاز له أن يراجعها ويتزوجها مرة أخرى، ولكن في مسألة الملاعنة إذا تمت فإنه يفرق بين الاثنين ولا يجتمعان أبداً، سواء تزوجت غيره أو لا، فلا يجتمعان أبداً طالما تمت الملاعنة. وقضى النبي ﷺ في هذه القضية بألا يدعى ولدها لأب، ولا ترمى، فيقال: ابن أبيه، أو يدعى لأمه: فلان بن فلانة، لكنه ليس لفلان هذا، قال: ولا ترمى المرأة؛ لأنه لم يثبت عليها شيء، فلا ترمى المرأة ولا يرمى ولدها، لكن لو حصل أن شخصاً عيرها وقال لها: أنت زانية ما النتيجة؟! قال: (ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد)، فقد حصلت الملاعنة بين الرجل والمرأة فحكمهما مؤخر إلى يوم القيامة، فالله يفصل بينهما، ولكن في الدنيا لو أن إنساناً رمى هذه المرأة حتى ولو كان يوجد هناك شيء يفيد أن هذه المرأة هي فعلاً وقعت في هذا الشيء فليس لأحد أن يرميها، فإن فعل أحد ذلك أقيم عليه الحد، كذلك الولد الذي جاء لا يدعى لأب، ولكن إذا رماه إنسان بالزنا فإنه يقام عليه الحد بذلك. قال: (وقضى ألا بيت عليه ولا قوت؛ من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفىً عنه)، وهنا حكم آخر، (فقضى ألا بيت لها)، يعني: أن المرأة المطلقة لها النفقة والسكنى إذا كانت في فترة العدة، فالمرأة التي طلقت مرة أو مرتين لها النفقة والسكنى، ولا نفقة ولا سكنى للمرأة بعد الطلقة الثالثة. فقوله: (ولا قوت؛ من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنه)، فيه بيان أن المرأة المطلقة لها النفقة والسكنى على التفصيل الموجود عند الفقهاء، والمتوفى عنها كذلك. ثم أشار في الحديث إلى شيء ليبين أن المرأة ستكون صادقة أو كاذبة فقال: (إن جاءت به أورق، جعداً، جمالياً، خدلج الساقين، سابغ الإليتين فهو للذي رميت به)، فالنبي ﷺ نظر إلى زوجها هلال، ونظر إلى شكل شريك بن سحماء فإذا هو رجل غليظ سمين، فقال: -ولم يقل ذلك لكل الناس وإنما للبعض- إذا جاء هذا الولد (أورق، جعداً، جمالياً خدلج الساقين، سابغ الإليتين، فهو للذي رميت به، فجاءت به على هذا النعت)، أورق يعني: أسمر، وجعداً يعني: شعره ليس ناعماً، جمالياً يعني: ممتلئ، خدلج الساقين أي: رجلاه يخينتان وسمينتان، وسابغ الإليتين أي: مقعدته سمينة، (فهو للذي رميت به). فهنا أشار النبي ﷺ لشيء ومع ذلك فالحكم باق، وهو أن الذي يرمي هذه المرأة حتى ولو ظهر الولد الذي جاءت به يشبه الذي وقعت المرأة به ليس لأحد أن يرمي المرأة، ولا أن يرمي الولد، ومن فعل أقيم عليه الحد قال: (فجاءت به أورق، جعداً، جمالياً، خدلج الساقين، سابغ الأليتين، فقال رسول الله ﷺ : لولا الأيمان) وهنا سمى هذه الشهادة يميناً، فأخذ الجمهور بهذا، قال: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن). قال عكرمة: عن ابن عباس: فكان بعد ذلك أميراً على مصر وما يدعى لأب، يعني: أميراً على قطر من الأقطار، فهذا الولد كبر وفاق غيره وصار أميراً في يوم من الأيام، ومع ذلك لا يعرف أبوه، فلو أنه مات فأمه هي التي ترثه، وهذه هي المسألة الوحيدة التي فيها: أن الأم تكون عصبة للابن، فالأم تأخذ كل الميراث في هذه المسألة، فلو أنه مات أخذت الأم نصيبها ونصيب الأب في هذه المسألة، والغرض أن هذا صار أميراً في يوم من الأيام ولا أحد يرميه بشيء؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك. يقول الإمام القرطبي ﵀ في ذلك: إذا نفى الرجل الحمل فإنه يلاعن، يعني: غاب عنها فترة طويلة ثم جاء فإذا بها حامل فهنا يجوز له أن يرميها في هذه الحال، قال: فإذا نفى الحمل فإنه يلاعن، فيقول: هذا ليس ابني، فتكون الملاعنة بين الاثنين لإثبات ذلك. يقول القرطبي ﵀: واللعان عندنا يكون في كل زوجين حرين كانا أو عبدين، مؤمنين أو كافرين، فاسقين كانا أو عدلين، ومبنى ذلك على أن الملاعنة هي أيمان وليست شهادات، فأي إنسان فإنه يصح أن يحلف، والمرأة كذلك تلاعن إذا نفت عنها التهمة، فمن يقول: إنها شهادة فلا تصح الملاعنة إلا إذا كانوا من أهل الشهادة، وإذا كانوا ليسوا من أهل الشهادة فلا يقام ذلك. فـ القرطبي يقول: وعندنا وعند الشافعي هي يمين -وهذا قول الجمهور أيضاً- أنها يمين، وهذا هو الأرجح من ناحية الدليل. يذكر العلماء هنا مسألة: وهي لو أن إنساناً تزوج امرأة ثم طلقها، وبعدما طلقها قذفها، فهل تحصل بينهما ملاعنة أم أنه يقام عليه الحد لأنه الآن صار غريباً؟ قالوا: ننظر في ذلك هل المرأة حامل أو لا، أي: الرجل عندما طلق المرأة هل كانت حاملاً؟ فإذا كانت حاملاً فله أن يلاعن؛ لأن الملاعنة هنا إنما هي لنفي نسب هذا الولد، حتى لا تنسبه إليه، وإذا لم تكن المرأة حاملاً وانتهت عدتها فبعد انقضاء العدة ليست زوجة له، وفي خلال العدة قد يجوز للرجل أن يراجع امرأته إذا كانت له مراجعة، فإذا انتهت العدة صار غريباً عنها، فإذا قذفها لا يقال: لا بد من ملاعنة بين الاثنين، وإنما يقال له: البينة أو حد في ظهرك. وهنا مسألة: الملاعنة لا تكون بين الزوجين في بيت من البيوت مثلاً، وإنما يتلاعنا عند القاضي، فالقاضي هو الذي يفعل ذلك، وهو الذي يفرق بين الاثنين، والملاعنة حكم خطير جداً يبنى عليه التفريق الأبدي بين الاثنين؛ فعلى ذلك لابد من حضور الاثنين عند القاضي ليقوم بذلك، وليس لآحاد الناس أن يفعل ذلك. كذلك من المسائل: إذا شهد أربعة على امرأة بالزنا أحدهم زوجها، الزوج ومعه ثلاثة آخرون شهدوا بذلك، فهل يحسب الزوج شاهداً فيقام عليها الحد أم أن الرجل يلتعن مع المرأة؟ يقول العلماء: إذا شهد أربعة على امرأة بالزنا أحدهم زوجها فإن الزوج يلاعن، فلا بد من ملاعنة بين الرجل وبين امرأته، والشهود ليس لهم قيمة الآن، فلابد من أربعة شهود حتى يثبت قول الرجل، ويقام على المرأة حد الملاعنة. الدليل قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:٤] فهنا الرجل رمى المرأة ولابد له من أربعة شهود يشهدون على المرأة أنها زنت، فذهبوا وشهدوا أمام الحاكم وقالوا: رأينا فلانة تزني وهنا الآن أربعة شهود شهدوا فيقام عليها الحد الرجم. من المسائل التي ينقلها الإمام القرطبي عن ابن العربي المالكي يقول: من غريب أمر هذا الرجل -يقصد الإمام أبا حنيفة - أنه قال: إذا قذف زوجته وأمها بالزنا أنه إذا حد للأم سقط حد البنت، وإن لاعن البنت لم يسقط حد الأم، قال ابن العربي: وهذا لا وجه له، وما رأيت لهم فيه شيئاً يحكى، وهذا باطل جداً، فإنه خص عموم الآية في البنت وهي زوجة بحد الأم من غير أثر ولا أصل قاسه عليه. قلت: الإمام القرطبي ينقل هذا الكلام عن ابن العربي المالكي، وابن العربي أحياناً يكون غير منصف في كلامه، والعجب أن القرطبي ساق هذا الكلام دون أن يبين وجه الصواب، والصواب: أن هذه المسألة هي نفسها التي ذكرناها قبل ذلك في الخلاف بين أبي حنيفة والجمهور من أن الملاعنة هل هي شهادة أو أيمان، فبناها على هذا الأصل، وهنا قول ابن العربي المالكي أن الإمام أبي حنيفة ليس له أصل يرجع إليه غير صحيح، بل له أصل يرجع إليه، وكان المفروض أن الإمام القرطبي ينبه على ذلك. [النور:٤] والمسألة: لو أن الرجل رمى امرأته بالزنا وقال: يا زانية يا بنت الزانية! فشتمها بذلك، فهو رماها ورمى أمها، فمذهب الإمام أبي حنيفة أنه إذا قذف الرجل الزوجة وأمها فإن حد للأم سقط حد البنت، وإن لاعن البنت لم يسقط حد الأم؛ لأنه يرى أن الملاعنة شهادة وليست أيماناً، فإذا حد لأجل الأم أصبح فاسقاً لا تقبل شهادته في ابنتها، لأن الله يقول: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] الآية. فعلى ذلك لا يصلح أن يتلاعن مع المرأة، فالرجل مشى على أصله رحمة الله عليه في ذلك، فالخلاف في الأصل وليس في هذا التفريع، فكلام ابن العربي ليس بصواب، وقوله: إنه كلام باطل، وأثر غريب، ولا أصل قاسه عليه ولا نظر، هذا كلام خطأ من ابن العربي كعادته إذا لم يعجبه الرأي شن على صاحبه. وذكرنا ذلك لبيان أن القرطبي كان المفروض عليه أن ينبه في المسألة أن أبا حنيفة له أصل يرجع إليه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 570

تفسير سورة النور (تابع) [٦ - ١٠] لقد حد الله تعالى حدوداً لهذه البشرية، وبيّن لهم ما يجب عليهم تجاهها، ومن تلك الحدود: اللعان الحاصل بين الزوجين، واللعان يكون إذا قذف الزوج زوجته ولم يأت بأربعة شهداء، فهنا يلاعن بينهما بالطريقة الواردة في هذه الآيات، وبعد ذلك يفرق بينهما أبداً، وينسب الابن إلى أمه، وإذا مات ورثته أمه، ولا يجوز أن يرمى هو ولا أمه، ومن رماهما جلد حد القذف.

стр. 571

سبب نزول آيات اللعان الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٦ - ١٠]. ذكرنا في الحديث السابق سبب نزول هذه الآيات، وهي قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ [النور:٦]، وكان ذلك في قصة هلال بن أمية لما رمى امرأته بهذه الفاحشة ثم ذهب للنبي ﷺ يطلب الحكم الشرعي في ذلك، فما كان من النبي ﷺ إلا أن قال له: (البينة وإلا حد في ظهرك) أي: إما أن تأتي بالبينة على قولك أو حد في ظهرك، والبينة هنا مأخوذة من الآيات السابقة التي قال الله فيها: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٤]، وهذا الذي كان معمولاً به قبل نزول هذه الآية، فقد قال النبي ﷺ لـ هلال: (البينة وإلا حد في ظهرك)، فقال الرجل للنبي ﷺ لحسن ظنه بالله : إن الله سينزل فيه ما يبرؤ ظهره، وبالفعل فقد أنزل الله ما يبرؤ ظهره. وحدثت أيضاً قصة أخرى لرجل آخر من الصحابة اسمه: عويمر العجلاني. فقد جاء في صحيح البخاري أن سهل بن سعد قال: إن عويمراً أتى عاصم بن عدي -وكان سيد بني عجلان- فقال: كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يصنع؟ فطلب من عاصم بن عدي سيد بني عجلان أن يسأل النبي ﷺ ، فأتى عاصم النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! وذكر له ما قاله عويمر، فكره رسول الله ﷺ هذه المسائل وعابها صلوات الله وسلامه عليه. وهذا في رواية لـ مسلم: قال: (فسأل عاصم رسول الله ﷺ فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله ﷺ . إذاً: فهذه من ضمن الأسئلة التي لا ينبغي أن يسألها الإنسان، وهي أن يسأل عن بلاء أو فاحشة ولو حصلت في أهل بيته، فإنه لا يدري لعل البلاء يكون موكلاً بمنطقه وما يقوله، وكان النبي ﷺ يكره المسائل خاصةً التي لم تقع، وقد كان النبي ﷺ يقول: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)؛ لأنهم كانوا يسألونه كثيراً، فكره النبي ﷺ ذلك، وأخبرهم أن الله يكره ذلك، وأخبرهم: (أن من أشد الناس جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته). فالأصل في المسائل التي سكت عنها الشارع العفو؛ ولذلك كان من أشد الناس جرماً من حرمت بسببه أشياء كان قد سكت عنها الشارع، فهذا الرجل وهو: عويمر العجلاني لما سأل عاصماً أن يسأل النبي ﷺ كره النبي ﷺ هذه المسائل وعابها؛ حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله ﷺ ، فلما رجع إلى عويمر قال له: يا عاصم! ماذا قال لك رسول الله ﷺ ؟ فقال عاصم لـ عويمر: لم تأتني بخير، قد كره رسول الله ﷺ المسألة التي سألته عنها، فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها، وكأنه هو الذي ابتلي بهذه المصيبة، فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله ﷺ وسط الناس فقال: يا رسول الله! أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ : (قد نزل فيك وفي صاحبتك)، وكان الحكم في هذا قد نزل قبله بقليل في قصة هلال بن أمية وامرأته، فقال له النبي ﷺ : (قد نزل فيك وفي صاحبتك) أي: أن نفس الحكم في هلال وامرأته سيطبق عليك وعلى صاحبتك، (فأت بها).

стр. 572

بعض الأحكام المتعلقة بالعان ففيه: أن النبي ﷺ أمره أن يأتي بالمرأة إلى مجلسه ﷺ حتى يفصل بينهما، وهذا يدل على أن الملاعنة تكون عند القاضي أو الحاكم، وليس بين المرأة وزوجها. قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ ، فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله! إن أمسكتها)، وهذه رواية الإمام مسلم، قال: (فطلقَها ثلاثاً قبل أن يأمره النبي ﷺ . قال ابن شهاب الزهري راوي الحديث: فكانت سنة المتلاعنين. يعني: التفريق بين الاثنين، وأخذ جمهور أهل العلم من هذا الحديث: أن طلاق الثلاث يقع ثلاثاً، وليس ذلك بحجة في هذا الحديث؛ لأن التفريق هنا ليس بطلاق، وإنما حصل هذا من النبي ﷺ ، فالفرقة حصلت بالملاعنة، وبإمضاء النبي ﷺ لها، وبتفريقه بينهما، ثم طلاق الثلاث لا يحرم مطلقاً، فإنه يجوز له أن ينكحها إذا نكحت هي زوجاً غيره، لكن الملاعنة تفريق نهائي إلى الأبد. وفي رواية أخرى لهذا الحديث قال: (وكان فراقه إياها بعدُ سنة في المتلاعنين)، وفيه قال سهل: (فكانت حاملاً)، أي: أن زوجة عويمر كانت حاملاً، فكان ابنها ينسب لأمه فقط، ثم جرت السنة أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها، وأن الزاني بها لا يرث؛ لأنه أب غير شرعي، فالأم ترث منه بالفرض، فإذا لم يوجد لهذا الابن من الزنا أحد يرثه من عصبات ونحوهم ففي هذه الحالة ترث الأم الفرض منه، وترث ما تبقى من الإرث تعصيباً، وهذه هي الصورة الوحيدة التي ترث فيها الأم جميع الميراث. وفي رواية أخرى: في صحيح مسلم أيضاً قال: (فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد) أي: تمت الملاعنة بحضور النبي ﷺ في المسجد، وكأن عظمة المسجد تمنعهما من الكذب خاصة مع هذه الأيمان المغلظة، قال: (فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد). وفي الحديث: (فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ، ففارقها عند النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (ذاكم التفريق بين كل متلاعنين). فهذه قصة أخرى من القصص التي حدثت في عهد النبي ﷺ ، وقد نزلت الآية بسبب قصة هلال بن أمية لما رمى امرأته بـ شريك بن سحماء، وكأن بين القصتين وقتاً بسيطاً وقليلاً بحيث إن عويمراً لم يعرف شيئاً عن نزول هذه الآية؛ ولذلك ذهب ليسأل النبي ﷺ في ذلك.

стр. 573

رجل قذف امرأته بعدما سكت عنها، فهل يلاعن أم لا ؟ وهنا يقول العلماء: هل للرجل أن ينفي حمل امرأته بعدما سكت عنها أم لا؟ فالكثير من العلماء يقولون: ليس له أن ينفيه بعد سكوته؛ لأن سكوته بعد العلم به ينزل منزلة الرضا به، وبعض العلماء يقول: إذا وجد امرأته حاملاً ولم يعلم بذلك فإنه يلاعنها لزاماً، وبعضهم يقول: بل يسأل عن سبب سكوته، فإن أعطى عذراً وجيهاً قبل منه، كأن يعتذر بأنه كان يظن انتفاخ بطنها مرضاً من الأمراض أو نحو ذلك. قالوا: فإن أخر ذلك إلى أن وضعت ثم قال: رجوت أن يكون ريحاً أو سقطاً لأستريح من القذف، فالراجح: أن هذا عذر مقبول، وله أن يلاعن بعد ذلك. يقول الإمام القرطبي: قال ابن القصار: إذا قالت امرأة لزوجها أو لأجنبي: يا زانية، فقد رمي بالزنا، فهل لها الملاعنة؟ أقول: لا؛ لأن الملاعنة تكون في رمي الرجل لامرأته، فهذا أفحش وأشد، لكن إذا رمت المرأة زوجها فعليها الحد إلا أن تأتي بشهود فيرجم الرجل، لكن لو أن المرأة رمت زوجها بالزنا بلفظ التأنيث فقالت: يا زانية! فهل يعتبر ذلك صريحاً في الرمي أم يعتبر تعريضاً فقط؟ الراجح: أنه من صريح الكلام، سواء قالت: يا زاني! أو يا زانية!

стр. 574

حكم اللعان في النكاح الفاسد ومن المسائل أيضاً: يقول الإمام القرطبي ﵀: يلاعن في النكاح الفاسد؛ لأن النكاح إما أن يكون صحيحاً أو فاسداً، أما السفاح فليس نكاحاً بلا خلاف بين العلماء، وهذا مثل نكاح المتعة، وهو أن يتزوج الرجل المرأة يوماً أو يومين ثم يطلقها من دون ولي ولا شهود، وهذا النكاح كان موجوداً في أيام الجاهلية ثم وجد في الإسلام ثم نسخ وأزيل، والآن موجود عند الشيعة، فهذا من قبيل الزنا، والنكاح باطل في الأصل، لكن النكاح الفاسد: هو الذي فقد بعضاً من الشروط التي اختلف فيها العلماء. وقد جاء في الحديث: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)، فإذا جاء بولي دون الشهود واكتفوا بإعلان النكاح، فعند بعض العلماء: أنه يكفي ذلك ويغني عن الشهود، وعند البعض: أنه لا بد من شاهدي عدل في ذلك، وأما الإعلام فهو من ضمن الواجبات في ذلك، فهذا النكاح على هذه الصورة يصير فاسداً عند من اشترط الولي والشاهدين، فهو نكاح وإن وصف بالفساد، لكن لو رمى الرجل امرأته بالزنا وكان نكاحهما فاسداً فإن له أن يلاعنها؛ لأن الفساد لا يخرج النكاح عن مسماه في الأصل. واختلفوا فيما لو أبى الرجل أن يلاعن امرأته بعد رميه لها بالزنا هل يحد أم لا؟ فقال الإمام أبو حنيفة ﵀: لا حد عليه؛ لأن الله تعالى جعل على الأجنبي حداً وعلى الزوج اللعان، وهذا خطأ، بل الصواب أن الحد يقع على الاثنين معاً؛ لقول النبي ﷺ لـ هلال بن أمية: (البينة، وإلا حد في ظهرك)، فلما نزلت آية اللعان أمره بالملاعنة بدلاً عن الحد، فيسقط الحد بالملاعنة؛ ولذلك قال الإمام مالك، والشافعي، وأحمد وجمهور العلماء: إذا لم يلتعن الزوج حُدّ؛ لأن اللعان براءة كالشهود للأجنبي، وفي حديث العجلاني وهو عويمر ما يدل على ذلك، وهو قوله في الحديث: (إن سكت سكت على غيظ، وإن قتلت قتلت، وإن نطقت جلدت أو أقيم علي الحد). فالراجح: أن الإنسان إذا رمى امرأته بهذه الجريمة فإنه يقام عليه الحد إلا أن يأتي بشهود، أو يلتعن مع المرأة.

стр. 575

من الذي يبدأ به في اللعان والبداءة في اللعان تكون بما بدأ الله به، فإذا كانا في مجلس الحاكم أمر الرجل بالبداءة، فيقسم أربع مرات بهذه الصيغة: أشهد بالله إني لمن الصادقين، وهي ضرب من القسم، يعني: أشهد حالفاً بالله سبحانه تعالى إني لمن الصادقين فيما قذفت به هذه من هذا الأمر، ويشهد بشيء قد رآه لا بشيء قد أخبر عنه، ثم يقول في الخامسة: أن عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين فيما رمى به هذه من ذلك. فحينئذ وجب عليها الحد بذلك، فالذي يدرأ عنها العذاب أنها ترد بأربع شهادات، فتقسم بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من هذه الجريمة، ولذلك قال تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور:٨]، وكأنها قد استوجبت الحد بكون الرجل قال هذه الشهادات الأربع، فهي تدرأ وتدفع عن نفسها هذا الحد بأن تشهد بالله أربع مرات فتقول: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من هذه الجريمة، وفي المرة الخامسة تقول: إن غضب الله عليها إن كان الرجل من الصادقين.

стр. 576

انقطاع الصلة بين الزوجين المتلاعنين إلى الأبد فإذا تمت الملاعنة فرق بينهما فلا يجتمعان أبداً، ولا يتوارثان، وبهذا انفسخ هذا النكاح من أصله، فالفرقة هنا ليست فرقة طلاق، بل فرقة فسخ؛ ولذلك فلا ميراث بين الاثنين، ولا نفقة ولا سكنى للمرأة، ولا يحل للرجل أن يراجعها أبداً، هذا قول جمهور أهل العلم. وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن الرجل لو كذب نفسه بعد ذلك وقال: إنه كاذب فيما رماها به من ذلك، فإنه يقام عليه حد القذف، ثم بعد ذلك يكون خاطب من الخطاب. والراجح: أن السنة قد جاءت بأنهما لا يجتمعان أبداً.

стр. 577

ما يفتقر إليه اللعان يقول العلماء: اللعان يفتقر إلى أربعة أشياء، فإذا تمت هذه الأشياء فرق بينهما: الأول: أنه يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم يدعو على نفسه في المرة الخامسة باللعنة إن كان من الكاذبين، والمرأة تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. إذاً: فعدد الألفاظ مقصور. الثاني: قالوا: إنه يفتقر أيضاً إلى المكان، والراجح: أن هذا ليس بشرط صحة في الملاعنة، فهو يصح في أي مكان طالما حضر الحاكم أو القاضي. الثالث: الوقت، وليس شرطاً لصحة اللعان، فقد اختار العلماء: أن المساجد تختار لهذا لشرفها، وبعضهم حدد الوقت فقال: بعد صلاة العصر؛ لأنه الوقت الذي يعظم فيه اليمين؛ لما جاء عن النبي ﷺ في هذا المعنى. الشرط الرابع: جمع الناس. والصواب: أن عدد الألفاظ وحضور الحاكم لهذه الملاعنة شرطان رئيسيان لصحة اللعان، وكذلك وجود الناس في ذلك؛ حتى يشهدوا على الرجل وامرأته، فإذا حدثت هذه الملاعنة فرق بين الاثنين، والله أعلم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 578

تفسير سورة النور الآية [١١] إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، ونبينا ﷺ كان له من البلاء أوفر نصيب، فقداتهم في عرض أحب نسائه إليه، وزيادة في التمحيص واستخراج مكنون الصبر ينقطع الوحي شهراً، فعمت الشائعة، وهمس المنافقون ثم صرحوا، واشتد الكرب على بيت النبوة وصاحبه الكريم لتصفى خلته لربه، ولما بلغ الأمر ذروته جاء الفرج والوحي من الرب الرحيم ببراءة الطاهرة زوجة المصطفى وحبيبته رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

стр. 579

تفسير قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١]. يذكر الله في هذه الآية وما بعدها حديث الإفك الذي قاله المنافقون، ووقع فيه بعض المسلمين في شأن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، وفي ذلك موعظة لكل إنسان مؤمن لئلا يتطاول على أشياء قد حرمها الله فيقع فيها. وقد بدأت هذه السورة بذكر حرمة الزنا، ثم الكلام عن القذف وأن الإنسان الذي يقذف غيره إن لم يأت بالشهداء فهو عند الله من الكاذبين، وقال سبحانه: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤]. فالأصل في الإنسان المسلم أن يمسك لسانه عن الوقوع في أعراض الناس، كما أنه يكف يده عن أن يقع في سفك الدماء، أو أن يأخذ أموال الناس بالباطل. ولما ذكر الله في أول هذه السورة القذف والزنا حدثنا هنا عن أمر من الأمور التي وقعت لزوجة النبي ﷺ وأحب أزواجه إليه، ففي ذلك موعظة وبيان أنه إذا نزلت بإنسان مصيبة فليست هي آخر الدنيا، وأنها ليست الهم الذي يجعل الإنسان يستشعر الشر العظيم في ذلك، ولكن ما من مصيبة تنزل إلا وفيها خير من الله ، ولذلك يطمئن الله المؤمنين ويقول: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١]، وإن كانت صورته شراً للمؤمنين، وشراً في بيت النبي ﷺ أن يحدث هذا الإفك الذي يفتريه الكذابون على آل بيت النبي ﷺ ، ولكن مع ذلك يقول الله: هو خير، وما من شر يحدث للإنسان إلا ومن وراءه خير لو صبر على الذي ابتلي به. وليس هناك شيء يدوم، بل إن الشر الذي يبتلى به الإنسان لا بد أن يأتي عليه الوقت ويزيله الله ، ويرفعه بعدما يكون هذا الإنسان المؤمن قد أخذ الأجر العظيم من الله سبحانه على صبره على ذلك. قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ [النور:١١]. الإفك: حديث الكذب، يقال: الإنسان الأفاك، أي: الكذاب الذي يختلق الشيء، ويؤلف الكذبة ويقولها، فيتناقلها الناس ويتناولونها منه. والعصبة: الجماعة من الناس من ثلاثة فما فوق، وتطلق على العشرة أيضاً، وقد تطلق على الأربعين. فقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) أي: أن مجموعة منكم وقعوا في الإفك، إلا أن صاحب الجريمة والإفك والكذب هو عبد الله بن أبي ابن سلول زعيم المنافقين، وكان خزرجياً أنصارياً، ووقع فيه كذلك مجموعة آخرون من المسلمين أساءوا بالوقوع في ذلك، فأمر الله نبيه ﷺ أن يقيم عليهم الحد، والعجيب أن هذا المنافق لم يقم عليه الحد؛ لأنه تكلم في السر وكلم المنافقين أمثاله، وشاع الخبر فتناقله المسلمون، ووقعوا فيه، فكان ممن تكلم في ذلك مسطح بن أثاثة، وأمه ابنة خالة أبي بكر الصديق ﵁، وكان أبو بكر ينفق عليه؛ لأنه كان فقيراً، وكان ممن شهد بدراً، فوقع في شأن عائشة ﵂، ووقع فيها رجل آخر وهو شاعر النبي ﷺ حسان بن ثابت ﵁، وكان ممن نقل هذا الكلام أيضاً أخت زوجة النبي ﷺ واسمها حمنة بنت جحش، وهي أخت زينب بنت جحش ﵂ وضرة عائشة، ولكن عصمها الله بالورع. ومعلوم أن النساء الضرائر تكيد كل ضرة لصاحبتها، ولكن هذه التي كانت في منزلة عائشة عند النبي ﷺ تقول عنها عائشة: وكانت تساميني عند النبي ﷺ ، فلما تحدث الناس بهذا الحديث الكاذب فـ زينب ﵂ مع كونها ضرة لها عصمها الله بالورع، وقالت: لا أقول إلا خيراً، أحمي سمعي وبصري، ما علمنا إلا خيراً. لكن أختها حمنة بنت جحش وقعت في ذلك وتكلمت، فأمر النبي ﷺ بجلد هؤلاء الحد الشرعي بعد القصة الطويلة التي حصلت. والله له حكم عظيمة في هذا الأمر الذي حدث لأحدى نساء النبي ﷺ ، فغيرها لن تكون أفضل منها فإذا حدث لها مثل ذلك فلتتصبر بما حدث لـ عائشة ﵂. وكذلك أبو بكر الصديق ﵁ لما وجد مسطحاً ابن خالته يتكلم عن ابنته وكان ينفق عليه حلف أنه لا ينفق عليه، فنزل القرآن يؤدب أبا بكر الصديق ويحذره من ذلك ويقول: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢]. فإذا به يقول: بلى أحب أن يغفر الله لي.

стр. 580

سياق قصة الإفك كما في صحيح مسلم وهذه القصة موجودة في الصحيحين: صحيح بخاري وصحيح مسلم لكنها في صحيح مسلم أكمل وأتم، فنذكر رواية مسلم لهذا الحديث عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ ﵂ حين قال لها أهل الإفك مقالاً فبرأها الله مما قالوا. فـ الزهري أخذ هذا الحديث من أربعة من التابعين وهم: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن مسعود، قال: وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني، وبعض حديثهم يصدق بعضاً. فهنا تتبين قوة حفظ ابن شهاب الزهري ﵁، فقد كان جبلاً في الحفظ؛ لذلك كانوا يقولون: الحديث الذي لا يعرفه الزهري ليس حديثاً أصلاً. فـ ابن شهاب الزهري يذكر الحديث عن أربعة كل واحد حدثه بهذا الحديث، ويعرف ماذا قال كل واحد، وما هو النقص الذي عنده، والزيادة التي عند الآخر، ويذكر هذه الألفاظ، وقد حفظ الله هذا الدين بهؤلاء الحفاظ رضوان الله تعالى عليهم. قال: ذكروا أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه) أي: كانت عادته -وهو متزوج تسع نساء- إذا أراد أن يخرج في غزو أو سفر أن يقرع بينهن، فلم يكن يقول: هذه المرة فلانة، والمرة الثانية فلانة، وهو لا يعرف هل ستكون المرة الثانية أو لا، فلذلك كان في أمر السفر يقرع بينهن، والتي يخرج سهمها يأخذها معه صلوات الله وسلامه عليه. قالت: (فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله ﷺ وذلك بعدما أنزل الحجاب)، وهذا كان في غزوة بني المصطلق أو غزوة المريسيع، وكان ذلك سنة ست بعدما أنزل الله آية الحجاب. قالت: (فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه مسيرنا، حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوه وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل)، فقد أمر الله نساء النبي ﷺ وبناته بالحجاب الذي هو حجاب الشخص فلا ترى، فهي تحمل في هودج، وهو محفة مثل الصندوق فوق ظهر الجمل، فلا يعرف من حمله أبداخله أحد أم لا؟ فهي مطيعة لله حين أمرها بالحجاب على هذه الهيئة وليس مجرد لبس الثياب فقط. فتقول ﵂: (فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت من شأني أقبلت إلى رحلي) يعني: كأنها ذهبت تقضي حاجتها ثم رجعت، وكان معها عقد تلبسه فضاع في المكان الذي ذهبت تقضي حاجتها فيه، فرجعت تأتي بالعقد من ذلك المكان، وعند ذلك جاء الذين يحملون الهودج فحملوه وظنوا أنها بداخله، وهي تذكر لماذا لم ينتبهوا إلى الهودج هل هو ثقيل أم خفيف؟ وهل فيه أحد أم لا؟ تقول ﵂: (وكانت النساء إذ ذاك خفاف لم يثقلن ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام) يعني: لم يكن عندهم سعة، فكان أكل النساء أكلاً قليلاً؛ فلذلك كانت خفيفة لم تحمل اللحم ولا غيره، فالذي يحمل الهودج لا يعرف هل هناك أحد أم لا؟ قالت: (فرحلوا الهودج) يعني: على البعير (وهم يحسبون أني فيه، قالت: وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم) فهي تذكر أنها كانت جارية حديثة السنة ولا زالت صغيرة، إذ حين تزوجها النبي ﷺ كان لها من العمر ست سنوات ودخل بها ولها تسع سنوات في المدينة، فالعقد كان في مكة والدخول كان في المدينة، وهذه الغزوة كانت في سنة ست، أي: أن عمرها خمسة عشر عاماً ﵂، وتذكر أنها كانت جارية حديثة السن. فقالت: (فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب)، وقد كان تفكيرها على قدر سنها ﵂، فذهبت تبحث عن العقد الذي ضاع، وكان من الممكن أن تخبر النبي ﷺ بذهابها؛ ولكن لعله لم يكن موجوداً بجوارها ﷺ ، ولم يخطر على بالها أن تخبر أحداً بالأمر، فظنت أنها ستأتي به وترجع قبل أن يمشوا، فما كان منهم إلا أنهم مشوا قبل رجوعها. قالت: (فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب) أي: أن المكان الذي كانوا موجودين فيه ليس فيه أحد. قالت: (فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت) أي: نامت في المكان الذي كانت فيه. قالت: (وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش) والتعريس: هو النزول للمبيت من وراء الجيش، فكأنهم يجعلون مثل ذلك بحيث إنه لو فقد الجيش شيئاً يجده من عرس وراءه. قالت: (فأدلج فأصبح عند منزلي) يعني: مكث في المكان الذي هو فيه وبعد ذلك قام من الليل وصار وراء الجيش فجاء على المكان الذي هي فيه في وقت الصباح. قالت: (فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب عليّ). يعني: كأنها نامت في مكانها فلما نامت انكشف حجابها عن وجهها فهو جاء فرآها فعرفها، وكان يعرفها من قبل ذلك. قالت: (فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني) استرجاعه يعني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. قالت: (فخمرت وجهي بجلبابي فوالله ما كلمني كلمة). فانظروا أدب الرجل لم يكلمها ما الذي أتى بك إلى هنا؟ وما الذي أخرك؟ لم يقل شيئاً ﵁ أكثر من أن قال: إنا لله وإنا إليه راجعون: (والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين عرفني، فأناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها) أي: أناخ الجمل ودعس على يده بحيث يكون ثابتاً على الأرض، فركبت عائشة رضي عنها. قالت: (فانطلق يقود بي الراحلة) فهي راكبة وهو يمشي يقود الجمل. قالت: (حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغلين في نحر الظهيرة) يعني: خرج بها من مكانها في الصبح ووصلت إلى الجيش عند الظهر. قالت: (فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول) فأبوه أبي، وأمه سلول؛ ولذلك يقال له: عبد الله بن أبي ابن سلول فعندما نكتبها نثبت همزة الوصل في ابن الثانية دون الأولى؛ لأن سلول أم عبد الله وليست أم أبي. قالت: (فقدمنا المدينة فاشتيكت حين قدمناها شهراً، والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي) يعني: تغير النبي ﷺ وهو بشر، وذلك حين سمع الناس يقولون هذا الكلام. وكان الذي بدأ بالكلام في ذلك عبد الله بن أبي ابن سلول، فجاء في رواية في غير صحيح مسلم أن هذا الرجل حين وجدهما راجعين قال: والله ما سلم منها ولا سلمت منه، فبهذه الكلمة تعرف إجرام هذا الرجل الذي تسامح النبي ﷺ معه كثيراً، ومن ذلك أنه حين مات هذا المجرم -لعنة الله عليه وعلى أمثاله- إذا بابنه -وابنه رجل صالح- يطلب من النبي ﷺ أن يصلي على أبيه، فمجاملة للابن ذهب النبي ﷺ فصلى عليه. وقد قال هذا الرجل مقالته في استخفاءً، فلما ذكر مقالته تكلم الناس وانتشر الحديث، فتغير النبي ﷺ ، فلما مرضت لم تعرف من النبي ﷺ ذلك اللطف الذي كان فيه قبل ذلك، فقد كان يأتيها ويسأل عنها ولا يزيد على أن يقول: كيف تيكم؟ وينصرف ﷺ ، وهي لا تدري ما الأمر، وما الذي حصل. قالت ﵂: (فذاك يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع، وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلاً إلى ليل) يعني: كان أمر العرب أن البيوت ليس فيها دورة مياه، فلكي يخرجوا للخلاء تخرج المرأة بالليل في صحبة امرأة أخرى، وتذهب إلى المناصع وهو المكان الذي تقضي فيه حاجتها وترجع بالليل. قالت (فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح) أي: دعت على ابنها بالتعاسة، فتعجبت عائشة من ذلك وقالت لها: (أتسبين رجلاً قد شهد بدر؟) يعني: ابنك شهد بدراً ثم تسبينه وهي لا تعرف ما الذي عمله مسطح وما الذي عمله غيره. فقالت لها: (أي هنتاه أتسمعي ما قال) تعني: أنت لا تعرفين ماذا قال فيك. قالت: (وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً إلى مرضي) يعني كانت في بداية شفائها من مرضها، فإذا بها تخبرها بذلك فازداد مرضها ﵂. قالت: (فلما رجعت إلى بيتي فدخل عليّ رسول الله ﷺ فسلم ثم قال: كيف تيكم؟ قالت: قلت أتأذن لي أن أتي أبوي، وأنا حينئذٍ أريد أن أتيقن الخبر) أي: ليست مصدقة أن يكون الناس قد قالوا عليها هذا الشيء، فأذن لها رسول الله ﷺ . قالت: (فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ فقالت: يابنية هوني عليك). أمها هي أم رومان وهي امرأة مؤمنة تقية، فق

стр. 581

تفسير سورة النور [١١ - ١٥] إن للقدر أسراراً عظيمة قد لا تنكشف لأول وهلة، فيظن من يظن أن في الأمر شراً فإذا به خير عظيم، فحادثة الإفك التي حدثت على عهد النبي ﷺ اضطرب بها البيت النبوي، واشتد الكرب، وازدادت البلبلة خصوصاً وقد انقطع الوحي شهراً زيادة في التمحيص، ثم يأتي الفرج من القريب المجيب، فيشرع الأحكام، وترفع الدرجات، ويلاقي المنافقون شنيع صنيعهم.

стр. 582

تفسير قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١]. ذكرنا في الحديث السابق أن هذه الآيات من هذه السورة الكريمة نزلت في تبرئة السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها مما قاله الأفاكون الكذابون المنافقون عنها، وذكرنا ما رواه البخاري ومسلم من هذه القصة التي فيها حديث الإفك، وكيف أن النبي ﷺ قام في الناس لما سمع ذلك وقال: (من يعذرني في رجل قال عن أهل بيتي ما قال، وذكر النبي ﷺ ذلك، فقام رجل من الأنصار وهو سعد بن معاذ سيد الأوس ﵁ وقال: نحن نعذرك يا رسول الله) يعني: نحن ننصفك في ذلك الذي حدث، (فإن كان من الأوس قتلناه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا بأمرك، قالت عائشة ﵂: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج -وكان رجل صالحاً ولكن أخذته الحمية، فقال لـ سعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تقتله)، وهنا أحياناً العصبية تكون في قلب الإنسان فتدفعه إلى الخطأ وقد يكون مؤمناً، وقد يكون على صلاح، فيتكلم بكلام يحاسبه الله عليه، فهذا من أخطر ما كان. فالنبي ﷺ شغله هذا الحديث الفظيع الذي قيل عن زوجته ﵂ ومع ذلك هذا يتكلم ويقول لـ سعد بن معاذ: (كذبت لعمر الله لا تقتله)، ويقصد المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول، (فكاد الأوس والخزرج يقتتلون بسبب ذلك، فسكتهم النبي ﷺ ، وتأملوا كيف أن عصبية الجاهلية تدفع الناس لنسيان المشكلة الأساسية والدخول في أمور فرعية بعيدة عن الأصل. وأخبرت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ جاءها وقال لها: (إذا كنت قد ألممت بأمر فتوبي إلى الله)، فهي ردت على هذا بما ذكر سابقاً، وفي النهاية أنزل الله بعد شهر عذر السيدة عائشة، وأنها بريئة من هذا الذي قيل عنها، فكان لها منزلة عظيمة جداً عند ربها سبحانه أن ينزل في شأنها عشر آيات. وكانت تقول: كان شأني في نفسي أحقر من ذلك، يعني: كانت تتمنى أن لو رأى النبي ﷺ رؤيا في منامه تبرئها، لكن أن ينزل قرآن فما كان ذلك على بالها. وتقول عائشة ﵂: سأل رسول الله ﷺ زينب بنت جحش ﵂ عن أمري: ما علمت أو ما رأت؟ فقالت: زينب ﵂: يا رسول الله! أحمي سمعي وبصري، يعني: أخاف من ذلك، وإني لا أقول كلاماً كذباً أبداً، والله ما علمت إلا خيراً. وفيه تقوى أزواج النبي ﷺ وهن القدوة للمسلمين والمسلمات من بعد ذلك، كما أن النبي ﷺ قدوة الجميع، فهؤلاء نساء النبي ﷺ طهرهن الله تطهيراً؛ فلذلك قالت: أحمي سمعي وبصري. ومهما تكون الغيرة في المرأة من ضرتها لكن لا يدفعها ذلك إلى أن تقول مثل هذه المقالة الشنيعة. فقالت زينب وهي كانت تغار من عائشة، والسيدة عائشة تغار منها، ولكن مع ذلك شهدت بالحق وأنه مستحيل أن تقع عائشة في ذلك فقالت: ما رأيت إلا خيراً، وما علمت إلا خيراً، وأقسمت بالله على ذلك ﵂. إن الذي بدأ بهذا الإفك هو عبد الله بن أبي ابن سلول الرجل المنافق، وقد أسر ذلك لمن حوله من المنافقين فأشاعوا هذا الكلام، ولذلك لم يثبت عليه شيء وإن كان هو صاحب هذه الكذبة العظيمة والإفك العظيم، فحين جاءت السيدة عائشة ومعها صفوان بن معطل السلمي يقود الناقة التي تركبها قال هذا الرجل المجرم: والله ما نجت منه ولا نجا منها، فكان أصل الكلام من هذا الرجل فتناقله الناس، وممن تناقله وثبت عليه حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، فهؤلاء لما أنزل الله براءة السيدة عائشة أمر بهم فأقيم عليهم الحد، وأما عبد الله بن أبي ابن سلول فلم يقم عليه شيء، وهذا من الله إملاء واستدراج، وقد قال النبي ﷺ : (الحدود كفارة) فمن أقيم عليه الحد فهذا كفارة فيتوب الله عليهم بذلك، وأما هذا فالله يستدرجه ويمهله ويؤخره إلى يوم القيامة للحساب العظيم، ولنار جهنم التي يستحقها هنا المنافق وأمثاله. لذلك إذا كان ربنا لا يعاقب العبد في الدنيا فليس معنى ذلك أنه أفلت من العقاب، ولكن إن تاب تاب الله عليه، وهذا الرجل لم يتب إلى الله، وكان إلى آخر حياته على كفره ونفاقه وكذبه، وعلى الوقيعة بين المؤمنين حتى أهلكه الله وهو مشهور بالنفاق بين الناس. فمن كان يدافع عن هذا الرجل علم يقيناً كيف آل الأمر به في آخر حياته إلى النار، وكان النبي ﷺ قد صلى عليه حين مات، ثم نهاه ربه بعد ذلك أن يصلي على المنافقين، فلما نهاه عن أن يصلي على أحد منهم مات أبداً علم الناس يقيناً أن هذا الرجل كان من المنافقين، وأنه كان لا ينبغي للنبي ﷺ أن يدعو له كما ذكر الله ﵎. وقد ظلم في هذه القصة مع السيدة عائشة صفوان بن المعطل السلمي فلما عرف أن حسان كان يتكلم فيه أخذ السيف واختبأ في مكان، فلما ظهر حسان علاه بسيفه وقال: تلقّى ذباب السيف عني فإنني غلام إذا هوجيت لست بشاعر فإن كنت شاعراً تستطيع الرد فأنا لا أرد إلا بالسيف، فضربه السيف، فذهب حسان يشكو للنبي ﷺ ذلك. وهنا النبي ﷺ حكم بالعدل، وإن كان حسان من ضمن من وقع في السيدة عائشة فقد أقيم عليه الحد، فعلى ذلك يكون له القصاص. فالنبي ﷺ طلب من حسان أنه يهب ذلك له، قال: واستوهبه النبي ﷺ ذلك، يعني: اتركها من أجلي، فتركها حسان رضي الله وتعالى عنه، وكان حسان بعد ذلك يقول شعراً يمدح عائشة ﵂، فجلس عند غرفتها وقال عنها ﵂: حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل يذكرها أنها على غاية الكمال في العفة رضي الله ﵎ عنها، فهي رزينة عاقلة ما يظن فيها أبداً أن تقع في ريبة فضلاً عن أن تقع في ذلك الذي قالوه عنها. وتصبح غرثى من لحوم الغوافل، غرثى بمعنى: جائعة غير آكلة، أي: أنها نظيفة طاهرة لا تقع في عرض أحد أبداً، ولا تأكل لحوم الناس بمثل هذه المقالة. فلما قال لها ذلك رضي الله وتعالى عنهما قالت: ولكنك لست كذلك. فلما كان الناس يريدون أن يقعوا فيه كانت تنهاهم عن ذلك، وتقول: إنه قد أقيم عليه الحد، وإنه كان شاعر رسول الله ﷺ ، فكانت تذكره بخير. فتأمل ما قال عليها وما قالت عليه، فكان من شعره فيها قوله: حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس ديناً ومنصباً نبي الهدى والمكرمات الفواصل عقيلة حي من لؤي بن غالب كرام المساعي مجدها غير زائل مهذبة قد طيب الله خيمها وطهرها من كل شين وباطل فإن كان ما بلغت اللغت أني قلته فلا رفعت سوطي إلي أناملي فكيف وودي ما حييت ونصرتي لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس كلها تقاصر عنها سورة المتطاول إذاً: يمدح السيدة عائشة، ويمدح النبي ﷺ ، وكان يلقب بشاعر رسول الله ﷺ ، وكان من أقوى شعراء النبي ﷺ هجاء للكفار، بل جاء عن النبي ﷺ قوله: (أهجهم وروح القدس معك). يعني: كل شاعر من الشعراء تكون الشياطين من وراءه، لكن هذا كان جبريل من وراءه يؤيده. فعلى ذلك فله فضيلة، فمن رحمة رب العالمين سبحانه أن أنزل الحدود وأمر النبي ﷺ أن يقيم الحد عليه وعلى من معه من المسلمين الذين تكلموا؛ تطهيراً لهم لكي يعرف أنهم قد طهروا من هذا الذي وقعوا فيه. وأما عبد الله بن أبي ابن سلول فأمره إلى يوم القيامة للعذاب الأليم هو وأمثاله. جاء في سنن أبي داود عن عائشة ﵂ قالت: (لما نزل عذري قام النبي ﷺ فذكر ذلك وتلى القرآن، فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم، وسماهم: حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش). قال العلماء: إنما لم يحد عبد الله بن أبي ابن سلول لأن الله ﵎ قد أعد له في الآخرة عذاباً عظيماً، فكأنه أخر ذلك ليوم القيامة فيأخذ العذاب الشديد. قال الله : ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:١٢]، هذا تأديب للإنسان المؤمن ألا يسمع كلاماً فيه كذب، أو فيه انتهاك لعرض إنسان مسلم، وأنه إذا سمع ذلك رد على الذي يقوله، ولا يسيء الظن في المسلمين، فالأصل براءة عرض الإنسان المسلم، وأنه بريء مما يرمى به حتى يأتي الرامي بأربعة شهود كما ذكر الله يشهدون على ذلك.

стр. 583

القراءات في قوله تعالى: (لا تحسبوه شراً لكم) وفي قوله سبحانه: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ [النور:١١] قراءتان: قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة وأبي جعفر: (لا تحسَبوه) بفتح السين. وباقي القراء: (لا تحسِبوه شراً لكم) بالكسر. والمعنى: أن مثل هذا البلاء الذي قد يرمى ويلقى على إنسان في الدنيا ليس بالشر للإنسان طالما كان من وراءه الأجر عند الله، فيصبر الإنسان المؤمن على ذلك. قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١]، أي: وإن كان في ظاهره أنه مصيبة ولكن فيما عند الله فيه أجر، فلذلك قال: ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١]، يعني: فيما تنتظرون من أجر عند الله ، وأيضاً في الدنيا من تمحيص واختبار وتمييز الخبيث من الطيب، فينتبه الناس من هذا الإنسان الخبيث، ويحذرون شر مثل عبد الله بن أبي ابن سلول في المؤمنين. قال الله سبحانه: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ﴾ [النور:١١] يعني: إلا أن يتوب الإنسان ويقام عليه الحد؛ لأن الحدود كفارات للذنوب. قال تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ [النور:١١] وكأن كثيراً قد تكلموا لكن الذين اشتهر أمرهم أقام النبي ﷺ الحد عليهم، وأما غيرهم فلم يحصل لهم شيء ولعلهم حكوا الكلام فقط. وهذا الرجل لم يقم عليه الحد تأخيراً له ليوم القيامة، ووصفه بأنه ﴿َالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ [النور:١١]، وفي ذلك قراءتان: هذه قراءة الجمهور. وقراءة يعقوب ((والذي تولى كُبره منهم))، والكبر من الأمر معناه: عظيم الأمر وأعظم الجرم في ذلك فهو أول من قال بالمقالة الذي ذكرناها والباقون رددوا ذلك، فمن عرف منهم أقيم عليه الحد، والله يبسط يد التوبة لمن يتوب إليه سبحانه، فقال: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١]، يعني: أن الحد لا يكفي لتطهيره؛ لذلك لم يقم عليه في الدنيا، ويدخر له العذاب العظيم ليوم القيامة.

стр. 584

تفسير قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً) ثم أدب المؤمنين فقال: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:١٢]. قوله: ((بِأَنفُسِهِمْ)) تحتمل وجهين: ظن كل إنسان بنفسه الخير، وأنه لا يتكلم بمثل هذه المقالة التي هي محض من الشر، فعلى ذلك الظن الخير إني أحسن الظن فيمن قيل عنه هذا الشيء، فيظن المؤمنون والمؤمنات بعضهم في بعض الخير. قال تعالى: ((ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا)) أي: ظن بعضهم في بعض الخير، أو استحضروا ظن الخير في أنفسهم فقاسوا غيرهم على أنفسهم، فقد جاء أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله ﵎ عنه لما سمع ذلك ذهب إلى امرأته وسألها، فقالت له: يا أبا أيوب أسمعت ما قيل في عائشة ﵂؟ فقال: نعم، وذلك كذب، أكنت يا أم أيوب تفعلين ذلك؟ فهنا ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً، فقالت: لا والله، قال: فـ عائشة أفضل منك لا تفعل هذا الشيء. فهنا لو أن كل الناس كانوا كـ أبي أيوب الأنصاري لأخمد الأمر من أوله، وما كان أحد قال هذا الشيء. فربنا يؤدب المؤمنين لماذا ما قلتم كما قال أبو أيوب الأنصاري، وظننتم الخير في أنفسكم وقستم عائشة على أنفسكم، فهي أفضل منكم، وهي أم المؤمنين، فإذا كان أحدكم يأنف أن تقع امرأته في ذلك فهل يظن بالسيدة عائشة أن تقع في مثل ذلك!! قال تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١٢] (الإفك) أعظم الكذب، و (مبين) يعني: بيِّن واضح، فهذا كذب بين واضح. يقول العلماء: إن هذه الآية أصل في أن درجة الإيمان التي حازها الإنسان، ومنزلة الصلاح التي حلها المؤمن، ولبسة العفاف التي يستتر بها المسلم، لا يزيلها عنه خبر محتمل وإن شاع إذا كان أصله فاسداً أو مجهولاً. والمعنى: أن الإنسان المؤمن إذا قال: لا إله إلا الله فتحلى بهذه الكلمة فهو معصوم الدم والعرض والمال، هذا الأصل. فالإنسان طالما أنه مسلم، فالأصل أنه صالح، والأصل أنه عفيف، فهذه أصول لا نزول عنها، ولا نبتعد عنها إلا بشيء يقيني، وعلى ذلك فمهما جاء من كلام: فلان يعمل كذا، فلا يصدق فيه إلا أن يأتي اليقين أنه فعلاً فعل هذا الشيء، فيقيننا لا يزول عن هذا الوصف الذي هو عليه حتى يثبت الشيء الآخر عليه بدليل يقيني.

стр. 585

تفسير قوله تعالى: (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء) قال سبحانه: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣] قوله: (لولا) أداة تحضيض، والمعنى: هؤلاء القائلون هلا جاءوا عليه بأربعة شهداء، وقد كانت السيدة عائشة وحدها في هذا المكان، وجاء صفوان فدخلا إلى المدينة، فمن أين سيأتون بالشهود حتى يثبتوا هذا الكذب الذي يقولونه؟! قال سبحانه: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣]، هذا فيهم وفي كل من كان مثلهم، فكل من رمى مسلماً في عرضه فالأصل أنه كذاب حتى يثبت ما يقول ببينة واضحة، وبشهود تقبلهم الشريعة، فإذا لم يأت بالشهود فهو كذاب عند الناس وكذاب عند الله . قال الإمام القرطبي: أي: في حكم الله كاذبون، وقد يعجز الرجل عن إقامة البينة وهو صادق في قذفه، ولكن الشريعة جاءت بحرمة أعراض المسلمين. يعني: ليس من حقك أن تتكلم حتى يكون عندك شهود يشهدون بهذا الشيء، ولو ترك الأمر هكذا فكلما رأى شخص شيئاً تكلم عنه، ففضح الناس بعضهم بعضاً، ولكن في مثل هذا الشيء لا بد من أربعة شهود وإلا يكون هذا المتكلم كاذباً عند الناس وكاذباً عند الله .

стр. 586

تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم) يقول سبحانه: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٤]. ولولا فضل الله عليكم ورحمته فإن الأمر أمر خطير جداً أن يغضب النبي ﷺ ، والله لا يسكت على مثل ذلك، ولكن رحمة رب العالمين التي جعلته بفضله وبرحمته يكف عن هؤلاء العذاب العظيم، كأن يزلزل بهم الأرض، أو يخسف بها فيدخلهم النار. ولكنه سبحانه لفضله ورحمته سبحانه في الدنيا والآخرة قال: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٤]، أفاض في الكلام بمعنى: أخذ في الكلام، وكأنهم تكلموا كثيراً، وشاع الكلام في ذلك، فلولا أن الله برحمة عظيمة واسعة رحمكم بها لكان عذبكم جميعكم في الدنيا بما قلتم عن عائشة رضي الله وتعالى عنها.

стр. 587

تفسير قوله تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم) قال: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥]. يعني: يتلقفه بعضكم من بعض في استعجال ودون روية وتثبت.

стр. 588

القراءات في قوله تعالى: (إذ تلقونه) وفي قوله تعالى: ((إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ)) ثلاث قراءات: هذه قراءة الجمهور بسكون الدال، وقراءة ابن كثير: بكسرها. وقراءة حمزة وخلف وأبي عمرو وهشام: بإدغام الذال في التاء. والتلقي بالألسنة لنقل ذلك فأنتم تتكلمون بما ليس لكم به علم، ((وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا)) يعني: أن تتكلم عن عرض مسلم فضلاً عن أن تتكلم عن عرض أم المؤمنين رضي الله وتعالى عنها، فذلك ليس هيناً بل هو عند الله عظيم، وكم من الذنوب يقع فيها الناس وينظرون إليها أنها دقيقة وأنها هينة ولا قيمة لها وهي عند الله عظيمة، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ : (لما مر بالقبرين يعذبان فقال ﷺ : إنهما لا يعذبان وما يعذبان في كبير؛ بلى إنه لكبير -يعني: ما يعذبان في كبير في نظرهما، وفي نظر الناس أنه شيء بسيط ولكنه عند الله عظيم فضيع- أما أحدهما فكان لا يتنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة)، فكم من الذنوب التي يقع فيها الإنسان يحسبها هينة وهي عند الله عظيمة! نسأل الله العفو والعافي في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 589

تفسير سورة النور [١١ - ١٩] إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وقد ابتلى الله خليله وحبيبه محمداً ﷺ ليستخرج منه مكنون خلته، وليعلم أن الخليل لا يرضى بالمزاحمة، فاتهم في عرضه وأحب نسائه إلى فؤاده، ثم زيادة في التمحيص تنتشر الشائعة وينقطع الوحي من السماء، ثم بعد العسر يأتي الفرج وتأتي البشرى: أن ما كنتم فيه من شدة ليس شراً لكم بل هو خير لكم؛ لرفع درجاتكم، ولتسن لكم الحدود، وليجازى المنافقون بسوء صنيعهم.

стр. 590

تفسير قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة النور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * ﴿يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١١ - ١٩] ذكر الله في هذه الآيات حديثاً تكلم به المنافقون عن عائشة ﵂ في أمر الإفك، فكذبوا وافتروا عليها، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١]، وعائشة ﵂ ما كانت تظن أن الله سينزل في شأنها قرآناً، فتقول: كان شأني في نفسي أحقر من أن ينزل في قرآن، ولكن كانت أتمنى أن يرى النبي ﷺ رؤيا في منامه تبرئني، فأنزل الله عشر آيات في هذا الشأن كما سمعنا. فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١] الإفك هو الكذب، وعصبة منكم: أي: مجموعة منكم، وليسوا كل المؤمنين، قال تعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ [النور:١١]، بل هي مصيبة من المصائب، وما من مصيبة إلا وفيها خير للمسلمين وإن كان ظاهرها الشر. قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ﴾ [النور:١١] فالإنسان الذي يكسب خطيئة وإثماً فإنما يكسب ذلك على نفسه، وإن كان قد يضر غيره في الدنيا بهذا الذي قال، ولكن في الحقيقة أن ضرره ذلك يقع عليه في الدنيا وفي الآخرة كما حدث بهؤلاء الذين تكلموا بهذا الأمر، وأما الذي أشاع هذا الأمر واستهواه ونشره في الناس، وتكلم به سراً بينه وبين المنافقين حتى شاع بعد ذلك، فهو الذي تولى كبره كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١].

стр. 591

تفسير قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً) قال تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١٢] يحض الله المؤمنين أنهم إذا سمعوا مثل ذلك أن يحسنوا الظن بإخوانهم، وأنهم إذا أحسنوا الظن في أنفسهم فليقيسوا إخوانهم على أنفسهم، وإخوانهم أفضل منهم، فيقول سبحانه: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ [النور:١٢] يعني: كل مؤمن ومؤمنة، ﴿بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:١٢] يعني: ظن بعضهم في بعض ظن الخير وليس ظن السوء، أو أن كل إنسان عند نفسه أنه على خير، فإذا كان يرى نفسه كذلك فكيف بنظره إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله وتعالى عنها؟. فالمفروض عليهم أن يحسنوا الظن ولا يتكلموا في ذلك، فهلا فعلوا ذلك؟ ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١٢] كما قال ذلك أبو أيوب الأنصاري وامرأته ﵄.

стр. 592

تفسير قوله تعالى: (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء) قال تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣] أي: هؤلاء القائلون الكذابون هلا جاءوا بأربعة شهداء يشهدون لهم أن ما يقولونه حق؟ وهيهات أن يقدروا أن يأتوا بالشهداء على ذلك. قال تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣].

стр. 593

تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم) قال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٤]، فالله رحمن ورحيم في الدنيا والآخرة، فلولا أنه تفضل على المؤمنين فعفا عنهم سبحانه لجازى الجميع بهذا الذي قالوه، وحاسبهم في الدنيا بأن يعذبهم فيجعلهم عبرة لغيرهم. وقوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٤] أي: فيما خضتم فيه من الحديث عذاب عظيم.

стр. 594

تفسير قوله تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم) قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ [النور:١٥] أي: تتلقونه من لسان إلى لسان فتتكلمون به، ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [النور:١٥] كأن الكلمة كلمة عظيمة وخطيرة وشنيعة تملأ الفم، فتكلموا بأفواههم. قال تعالى: ﴿مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [النور:١٥]، وربنا سبحانه قد حذرنا من ذلك فقال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، فالإنسان مسئول عن سمعه ماذا يسمع به، وماذا ينصت إليه، ومسئول عن بصره ما الذي ينظر إليه ويبصره، ومسئول عن قلبه ما الذي يكنه فيه وينويه ويضمره. فقال سبحانه: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [النور:١٥] فالذم هنا لمن يتكلم فيما لا يفقهه ولا يفهمه وليس له به علم. وفي قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ [النور:١٥] تحسبون ذلك هيناً في أنفسكم وفي نظركم وهو عند الله سبحانه شيء عظيم فظيع.

стр. 595

القراءت في قوله تعالى: (وتحسبونه هيناً) وفي قوله: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ [النور:١٥] قراءتان: بفتح السين، وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة. وقراءة أبي جعفر وباقي القراء بكسر السين: (وَتَحْسِبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ).

стр. 596

تفسير قوله تعالى: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا) ثم قال: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦] أي: هلا إذ سمعتموه ﴿قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦] أي: لولا أنكم فعلتم ذلك فقلتم: هذا شيء فظيع ولا نتكلم بمثله أبداً، لخمدت الفتنة في مهدها. قال تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور:١٦] أي: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا الإفك الفظيع في زوجة النبي ﷺ ، فإن ذلك يؤذي النبي ﷺ . فلو أنهم عقلوا ذلك فنظروا أن هذا رسول الله ﷺ وحاشا لله سبحانه أن يجعل له ما يؤذيه في أهل بيته، وقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]. فهلا أحسنتم الظن في ربكم سبحانه وقلتم: حاشا لله أن يجعل أحداً يؤذي رسول الله ﷺ في زوجته وحبيبته، سبحانك يا ربنا أن يحدث هذا، أو أنك تجعل من يؤذي نبيك ﷺ بمثل ذلك، فيقولون: هذا الذي قالوه بهتان عظيم، والإفك أعظم الكذب، والبهت أن يرمي الإنسان غيره بما ليس فيها جهاراً. فيقولون: لو أننا قلنا ذلك فهو بهتان عظيم.

стр. 597

تفسير قوله تعالى: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً) قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾ [النور:١٧] أي: يحذركم بهذه الموعظة وبما حدث أن ترجعوا لمثل ذلك أبداً، قال: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور:١٧]، وهذا تحضيض وتهييج للإيمان في القلوب، فإذا كنتم مؤمنين فلا تعملوا هذا الشيء، وهذا كما تقول لإنسان: إن كنت رجلاً فاعمل كذا، وهنا إن كنتم مؤمنين فلا ترجعوا إلى هذا أبداً واحذروا أن تتكلموا به أبداً.

стр. 598

تفسير قوله تعالى: (ويبين الله لكم الآيات والله عليكم حكيم) قال تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:١٨] أي: يوضحها لكم لئلا يكون لكم حجة على الله سبحانه بعدما بين ووضح ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:١٨] يقول هشام بن عمار: سمعت مالكاً يقول: من سب أبا بكر وعمر أدب، ومن سب عائشة ﵂ قتل. هذه فتوى الإمام مالك ﵀، وأبو بكر الصديق أفضل أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، ومنزلته منزلة عظيمة، والنبي ﷺ يقول: (لو كنت متخذاًَ خليلاً لاتخذت أبا بكرٍ خليلاً) وإيمانه لو وزن بإيمان الأمة ليس فيها النبي ﷺ لرجح إيمان أبي بكر على الأمة، فيقول مالك: لو أن إنساناً سب أبا بكر ﵁ فإنه يستحق أن يعزر وأن يؤدب، وكذلك عمر رضي الله وتعالى عنه. وأما من سب عائشة -يعني: بالإفك- فيستحق القتل، فما الفرق بين الاثنين؟ الفرق أن أبو بكر الصديق ﵁ من أصحاب النبي ﷺ ، وهو رجل فاضل من المؤمنين، فالإنسان الذي يقذفه يكون فاسقاً وكذاباً يستحق الحد الذي ذكر الله في الكتاب. لكن الذي يقذف عائشة فهذا مكذب بكتاب الله سبحانه، فربنا أنزل براءة عائشة ﵂ في القرآن، فلما يأتي إنسان يرميها بذلك كالشيعة أو كالمجرمين منهم الذين يرمونها بذلك فهنا ربنا يشهد عليهم بأنهم كاذبون، فلذلك أفتى الإمام مالك: أن من يسبها -يعني يرميها بهذه الفاحشة- فإنه يستحق القتل. ثم قال الله : ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:١٨] حكيم بما يشرعه لكم؛ ليردعكم وليؤدبكم، ولتنتهجوا منهج الله في أمره ونهيه.

стр. 599

تفسير قوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩] أي: الذي يحب ويتمنى في قلبه أن يشيع أمر الفاحشة ويفشو ويكثر. والفاحشة هي الأمر المفرط في القبح، والمقصود به جريمة الزنا. فالإنسان الذي يحب ذلك ويتمنى أن يكون هذا بين الناس أمراً عادياً والناس يفعلونه، فالذي يحب ذلك ولو لم يفعل، ولو لم يعن على ذلك، ولكن يتمنى بقلبه ذلك هذا له عذاب أليم في الدنيا والآخرة، فكيف بالذي يفعلها ويأتيها؟! وقد قال النبي ﷺ في الحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن). قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩]، في الدنيا لهم عذاب أليم بإقامة الحد وغيره مما يبتليهم الله به في ذلك الأمر، وذلك إذا لم يتوبوا إلى الله سبحانه، وقد رأينا كيف أن الله يبتلي هؤلاء الزناة واللواطين بالإيدز، ويبتليهم بالسيلان وبالزهري وبالهربز وغيرها من الأمراض الفتاكة التي لا يعرفون لها دواءً. وفي الآخرة العذاب الأليم في نار جهنم، لكنه هنا مقيد في عذاب الآخرة بمن مات مصراً على هذا الذنب، وأما من تاب فيتوب الله عليه، والله يعلم مقدار عظم هذا الذنب والمجازاة عليه، ويعلم كل شيء وأنتم لا تعلمون، فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩]. وقد روى الإمام أبو داود والإمام أحمد أيضاً من حديث معاذ بن أنس الجهني قال النبي ﷺ : (من حمى مؤمناً من منافق بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم) يعني: سمع منافقاً يتكلم في عرض مؤمن من المؤمنين فيرميه بالفاحشة، ويرميه بكلام زور، فحمى عرضه منه وقال له: فلان لا يفعل مثل هذا الشيء، وأنت كاذب فيما تقول، فحمى عرض المؤمن، ودافع عنه، فالله يبعث له ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، فلا يدخلها، فإذا مر على الصراط وكاد أنه يهوي بذنوبه إذا بالملك يعدله على الصراط ولا يجعله يقع في نار جهنم. ثم قال: (ومن رمى مسلماً بشيء يريد شينه حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قاله) فالإنسان الذي يسيء الظن في المسلمين فيفتري عليهم، أو يتحدث عنهم بأكاذيب سواء عرف أنها أكاذيب أو لم يعرف كان مصيره ما ذكر في الحديث؛ لأن التحدث في أعراض الناس لا يحل لأحد، وإذا تكلم فإنه يأتي بشهود على هذا الذي يقوله حتى يقبل منه هذا الشيء، فيقام الحد على من رماه بهذه الجريمة. وإذا كان يتكلم نقلاً للحديث يريد شينه كأن يكون مغتاظاً من شخص فيقول: أنا سمعت الناس يقولون عنه كذا وكذا، يريد شين هذا الإنسان فأخبر النبي ﷺ أن الله يحبسه يوم القيامة على جسر جهنم، فإذا مر على الصراط يحبس فوقه فلا يستطيع أن يمر على الصراط حتى يخرج مما قال، فهو محبوس على جسر جهنم تلفحه النار، ولن يستطيع أن يخرج مما قال؛ لأنه قد قاله في الدنيا. وكأن المعنى أنه يعذب بذلك في هذا المكان، ويحبس على جسر جهنم حتى يخرج مما قال. وهذا الحديث حسنه الألباني في سنن أبي داود في الطبعة الثانية. وقد ذكر هنا الإمام القرطبي حديثاً بهذا المعنى رواه الطبراني وإسناده فيه ضعف، وفيه: (أيما رجل شد عضد إمرئ من الناس في خصومة لا علم له بها فهو في سخط الله حتى ينزع عنها) وهذا يشهد له الحديث الذي ذكرنا في المعنى. فأي رجل -وكذلك المرأة- شد عضد إمرئ من الناس في خصومة لا علم له بها، يعني: لقي اثنين يختصمان من الناس فوقف مع واحد على الثاني، فشد عضده وهو لا علم له بشيء ولكن عصبية وتحيز له، وبدأ يتكلم مع هذا ويفتري أيضاً فيقول: أنا رأيته وسمعته، وهو لم ير ولم يسمع شيئاً، فذكر هنا أنه في سخط الله حتى ينزع عنها. ثم قال: (وأيما رجل حال بشفاعته دون حد من حدود الله أن يقام فقد عاند الله حقاً) وهذا الحديث إسناده ضعيف لكن له شاهد آخر بهذا المعنى: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره) كأنه يعاند الله تعالى، فربنا يأمر بإقامة الحد، وهذا يرفض ذلك ويمنعه. قال هنا: (فقد عاند الله حقاً، وأقدم على سخطه، وعليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة، وأيما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها بريء يرى أن يشينه بها في الدنيا كان حقاً على الله تعالى أن يرميه بها في النار) وهذا الجزء من الحديث الذي ذكرناه حسنه الشيخ الألباني في سنن أبي داود وإن كان ضعفه في ضعيف الجامع الصغير لكنه في طبعة ثانية حسن هذا الحديث. والحديث الذي عند الطبراني يشهد له ما عند أبي داود وعند الإمام أحمد من حديث سهل بن معاذ بالمعنى نفسه. فذكر هنا أن الذي يريد أن يشين امرأً مسلماً فيرميه بشيء هو منه بريء، فقال: (كان حقاً على الله تعالى أن يرميه بها في النار، ثم تلا مصداقه من كتاب الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩]). نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 600

تفسير سورة النور [١٩ - ٢٢] لقد نهى الله المؤمنين عن اتباع خطوات الشيطان، وعن سبيل المجرمين، فإن الشيطان حريص على رؤية المسلمين والناس أجمعين في النار، لكن الله يعصم بفضله المؤمنين عن اتباع سبيله، وطريق غوايته، ثم بين تعالى أنه على المنفقين ألا يقطعوا نفقاتهم عن الذين تكفلوا بالإنفاق عليهم ورعايتهم؛ لأنه من اتباع خطوات الشيطان الرجيم، المطرود من رحمة رب العالمين.
следующие страницы →