Полный текст (3 717 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
تفسير قوله تعالى: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا)
ثم قال: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦] أي: هلا إذ سمعتموه ﴿قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦] أي: لولا أنكم فعلتم ذلك فقلتم: هذا شيء فظيع ولا نتكلم بمثله أبداً، لخمدت الفتنة في مهدها.
قال تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور:١٦] أي: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا الإفك الفظيع في زوجة النبي ﷺ ، فإن ذلك يؤذي النبي ﷺ .
فلو أنهم عقلوا ذلك فنظروا أن هذا رسول الله ﷺ وحاشا لله سبحانه أن يجعل له ما يؤذيه في أهل بيته، وقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣].
فهلا أحسنتم الظن في ربكم سبحانه وقلتم: حاشا لله أن يجعل أحداً يؤذي رسول الله ﷺ في زوجته وحبيبته، سبحانك يا ربنا أن يحدث هذا، أو أنك تجعل من يؤذي نبيك ﷺ بمثل ذلك، فيقولون: هذا الذي قالوه بهتان عظيم، والإفك أعظم الكذب، والبهت أن يرمي الإنسان غيره بما ليس فيها جهاراً.
فيقولون: لو أننا قلنا ذلك فهو بهتان عظيم.
стр. 597
تفسير قوله تعالى: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً)
قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾ [النور:١٧] أي: يحذركم بهذه الموعظة وبما حدث أن ترجعوا لمثل ذلك أبداً، قال: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور:١٧]، وهذا تحضيض وتهييج للإيمان في القلوب، فإذا كنتم مؤمنين فلا تعملوا هذا الشيء، وهذا كما تقول لإنسان: إن كنت رجلاً فاعمل كذا، وهنا إن كنتم مؤمنين فلا ترجعوا إلى هذا أبداً واحذروا أن تتكلموا به أبداً.
стр. 598
تفسير قوله تعالى: (ويبين الله لكم الآيات والله عليكم حكيم)
قال تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:١٨] أي: يوضحها لكم لئلا يكون لكم حجة على الله سبحانه بعدما بين ووضح ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:١٨] يقول هشام بن عمار: سمعت مالكاً يقول: من سب أبا بكر وعمر أدب، ومن سب عائشة ﵂ قتل.
هذه فتوى الإمام مالك ﵀، وأبو بكر الصديق أفضل أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، ومنزلته منزلة عظيمة، والنبي ﷺ يقول: (لو كنت متخذاًَ خليلاً لاتخذت أبا بكرٍ خليلاً) وإيمانه لو وزن بإيمان الأمة ليس فيها النبي ﷺ لرجح إيمان أبي بكر على الأمة، فيقول مالك: لو أن إنساناً سب أبا بكر ﵁ فإنه يستحق أن يعزر وأن يؤدب، وكذلك عمر رضي الله وتعالى عنه.
وأما من سب عائشة -يعني: بالإفك- فيستحق القتل، فما الفرق بين الاثنين؟ الفرق أن أبو بكر الصديق ﵁ من أصحاب النبي ﷺ ، وهو رجل فاضل من المؤمنين، فالإنسان الذي يقذفه يكون فاسقاً وكذاباً يستحق الحد الذي ذكر الله في الكتاب.
لكن الذي يقذف عائشة فهذا مكذب بكتاب الله سبحانه، فربنا أنزل براءة عائشة ﵂ في القرآن، فلما يأتي إنسان يرميها بذلك كالشيعة أو كالمجرمين منهم الذين يرمونها بذلك فهنا ربنا يشهد عليهم بأنهم كاذبون، فلذلك أفتى الإمام مالك: أن من يسبها -يعني يرميها بهذه الفاحشة- فإنه يستحق القتل.
ثم قال الله : ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:١٨] حكيم بما يشرعه لكم؛ ليردعكم وليؤدبكم، ولتنتهجوا منهج الله في أمره ونهيه.
стр. 599
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩] أي: الذي يحب ويتمنى في قلبه أن يشيع أمر الفاحشة ويفشو ويكثر.
والفاحشة هي الأمر المفرط في القبح، والمقصود به جريمة الزنا.
فالإنسان الذي يحب ذلك ويتمنى أن يكون هذا بين الناس أمراً عادياً والناس يفعلونه، فالذي يحب ذلك ولو لم يفعل، ولو لم يعن على ذلك، ولكن يتمنى بقلبه ذلك هذا له عذاب أليم في الدنيا والآخرة، فكيف بالذي يفعلها ويأتيها؟! وقد قال النبي ﷺ في الحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن).
قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩]، في الدنيا لهم عذاب أليم بإقامة الحد وغيره مما يبتليهم الله به في ذلك الأمر، وذلك إذا لم يتوبوا إلى الله سبحانه، وقد رأينا كيف أن الله يبتلي هؤلاء الزناة واللواطين بالإيدز، ويبتليهم بالسيلان وبالزهري وبالهربز وغيرها من الأمراض الفتاكة التي لا يعرفون لها دواءً.
وفي الآخرة العذاب الأليم في نار جهنم، لكنه هنا مقيد في عذاب الآخرة بمن مات مصراً على هذا الذنب، وأما من تاب فيتوب الله عليه، والله يعلم مقدار عظم هذا الذنب والمجازاة عليه، ويعلم كل شيء وأنتم لا تعلمون، فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩].
وقد روى الإمام أبو داود والإمام أحمد أيضاً من حديث معاذ بن أنس الجهني قال النبي ﷺ : (من حمى مؤمناً من منافق بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم) يعني: سمع منافقاً يتكلم في عرض مؤمن من المؤمنين فيرميه بالفاحشة، ويرميه بكلام زور، فحمى عرضه منه وقال له: فلان لا يفعل مثل هذا الشيء، وأنت كاذب فيما تقول، فحمى عرض المؤمن، ودافع عنه، فالله يبعث له ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، فلا يدخلها، فإذا مر على الصراط وكاد أنه يهوي بذنوبه إذا بالملك يعدله على الصراط ولا يجعله يقع في نار جهنم.
ثم قال: (ومن رمى مسلماً بشيء يريد شينه حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قاله) فالإنسان الذي يسيء الظن في المسلمين فيفتري عليهم، أو يتحدث عنهم بأكاذيب سواء عرف أنها أكاذيب أو لم يعرف كان مصيره ما ذكر في الحديث؛ لأن التحدث في أعراض الناس لا يحل لأحد، وإذا تكلم فإنه يأتي بشهود على هذا الذي يقوله حتى يقبل منه هذا الشيء، فيقام الحد على من رماه بهذه الجريمة.
وإذا كان يتكلم نقلاً للحديث يريد شينه كأن يكون مغتاظاً من شخص فيقول: أنا سمعت الناس يقولون عنه كذا وكذا، يريد شين هذا الإنسان فأخبر النبي ﷺ أن الله يحبسه يوم القيامة على جسر جهنم، فإذا مر على الصراط يحبس فوقه فلا يستطيع أن يمر على الصراط حتى يخرج مما قال، فهو محبوس على جسر جهنم تلفحه النار، ولن يستطيع أن يخرج مما قال؛ لأنه قد قاله في الدنيا.
وكأن المعنى أنه يعذب بذلك في هذا المكان، ويحبس على جسر جهنم حتى يخرج مما قال.
وهذا الحديث حسنه الألباني في سنن أبي داود في الطبعة الثانية.
وقد ذكر هنا الإمام القرطبي حديثاً بهذا المعنى رواه الطبراني وإسناده فيه ضعف، وفيه: (أيما رجل شد عضد إمرئ من الناس في خصومة لا علم له بها فهو في سخط الله حتى ينزع عنها) وهذا يشهد له الحديث الذي ذكرنا في المعنى.
فأي رجل -وكذلك المرأة- شد عضد إمرئ من الناس في خصومة لا علم له بها، يعني: لقي اثنين يختصمان من الناس فوقف مع واحد على الثاني، فشد عضده وهو لا علم له بشيء ولكن عصبية وتحيز له، وبدأ يتكلم مع هذا ويفتري أيضاً فيقول: أنا رأيته وسمعته، وهو لم ير ولم يسمع شيئاً، فذكر هنا أنه في سخط الله حتى ينزع عنها.
ثم قال: (وأيما رجل حال بشفاعته دون حد من حدود الله أن يقام فقد عاند الله حقاً) وهذا الحديث إسناده ضعيف لكن له شاهد آخر بهذا المعنى: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره) كأنه يعاند الله تعالى، فربنا يأمر بإقامة الحد، وهذا يرفض ذلك ويمنعه.
قال هنا: (فقد عاند الله حقاً، وأقدم على سخطه، وعليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة، وأيما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها بريء يرى أن يشينه بها في الدنيا كان حقاً على الله تعالى أن يرميه بها في النار) وهذا الجزء من الحديث الذي ذكرناه حسنه الشيخ الألباني في سنن أبي داود وإن كان ضعفه في ضعيف الجامع الصغير لكنه في طبعة ثانية حسن هذا الحديث.
والحديث الذي عند الطبراني يشهد له ما عند أبي داود وعند الإمام أحمد من حديث سهل بن معاذ بالمعنى نفسه.
فذكر هنا أن الذي يريد أن يشين امرأً مسلماً فيرميه بشيء هو منه بريء، فقال: (كان حقاً على الله تعالى أن يرميه بها في النار، ثم تلا مصداقه من كتاب الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩]).
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 600
تفسير سورة النور [١٩ - ٢٢]
لقد نهى الله المؤمنين عن اتباع خطوات الشيطان، وعن سبيل المجرمين، فإن الشيطان حريص على رؤية المسلمين والناس أجمعين في النار، لكن الله يعصم بفضله المؤمنين عن اتباع سبيله، وطريق غوايته، ثم بين تعالى أنه على المنفقين ألا يقطعوا نفقاتهم عن الذين تكفلوا بالإنفاق عليهم ورعايتهم؛ لأنه من اتباع خطوات الشيطان الرجيم، المطرود من رحمة رب العالمين.
стр. 601
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان)
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢١].
стр. 602
مصير الذين يحبون إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا
في هذه الآيات وما قبلها من هذه السورة الكريمة يخبر الله عن أحكام عظيمة، منها ما قدمناه قبل ذلك من أن الله بين لنا الآيات، وأخبرنا أن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، وهذا في الذين يحبون إشاعة الفاحشة فقط فكيف بالذين يفعلون الفاحشة؟! لا شك أن لهم عذاباً أليماً في الدنيا، بإقامة الحد عليهم، وبشؤم معصيتهم التي صنعوا، يقول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، فمن شؤم هذه الفاحشة أن ينزع الإيمان من قلبه، ويعلق فوق رأسه حتى يتوب إلى الله ثم يرجع إليه إيمانه.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩] أي: أن الله يعلم من يستحق هذه العقوبة ويعلم أن الإنسان الذي يقع في رمي المحصنات الغافلات إنسان يستحق العقوبة العظيمة عند الله ؛ لإفساده بين الخلق، ولاتهامه المؤمنين أهل العفاف وأهل الصدق وأهل التقوى بهذا البهتان العظيم، فالله يعلم من الذي يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة ممن لا يستحقها، وهو يعلم كل شيء، وأنتم لا تعلمون إلا ما يخبركم ويعلمكم به سبحانه.
إذاً: الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم العذاب الأليم في الدنيا بإقامة الحد عليهم، وإذا ماتوا وهم مصرون على هذا الذي قالوه فالله يعذبهم عذاباً أليماً في نار جهنم.
قال سبحانه: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٠]، والجواب هنا محذوف ولك أن تتخيل ما الذي يحدث حين تعصي ربك سبحانه؟ وما الذي تستحقه من الله على هذه المعصية؟ ((وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) فتقدير
الجواب
لعذبكم في الدنيا بعذاب أليم، كأن ينزل عليكم من السماء عذاباً، أو يفتح عليكم من الأرض عذاباً، أو يخسفها بكم، ولو يؤاخذ الله العباد بذنوبهم وبما كسبوه لعجل لهم العقوبة في الدنيا، ولكن الله ذو فضل عظيم، حيث يتفضل فيعفو عن العباد، ويتفضل فيعطي العباد، ويتفضل فيفتح باب التوبة للعباد.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والرءوف اسم من أسماء الله الحسنى فيه رحمة الله سبحانه وحنانه بعباده.
وفيها قراءتان: قراءة نافع وأبي جعفر وابن عامر وحفص عن عاصم ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٠]، وقراءة باقي القراء: (وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُوف رَحِيمٌ) الأولى: رءوف على وزن فعول، والثانية: رَؤُف على وزن فَعُل، وكذا في آيات القرآن التي فيها هذه اللفظة: (رءوف).
стр. 603
التحذير من اتباع خطوات الشيطان
يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] يحذر الله المؤمنين من أن يتبعوا مسالك الشيطان ومداخله وأهواءه التي يدعو الناس إليها، والمعنى: لا تسلكوا الطريق التي يدعوكم الشيطان لسلوكها.
قوله: ((خُطُوَاتِ)) الخطوات واحدها خطوة، والخطوة ما بين القدمين، كأن تمد رجلاً للأمام فتقيس ما بين القدم الأمامية والقدم الخلفية، فتلك المسافة تسمى: خطوة.
قوله: ﴿لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] بالضم للطاء وهذه قراءة قنبل عن ابن كثير وقراءة ابن عامر وقراءة حفص عن عاصم وقراءة الكسائي وقراءة أبي جعفر ويعقوب، وأما باقي القراء فيقرءونها بالفتح: (لا تَتَّبِعُوا خَطَوَاتِ الشَّيْطَانِ).
يقول سبحانه ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] أي: ومن يسر في مسالك الشيطان، وكأن الشيطان يمشي ثم يضع علامة، فيأتي الإنسان ويمشي على هذه العلامة وهكذا، فمن تبع خطوات الشيطان فإن الشيطان يأمره بالفحشاء والمنكر، والله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر، فالذي يسير وراء الشيطان سيكون من أهل الفحشاء -وهي القبائح- ومن أهل الزور والبهتان، ومن أهل الأفعال والأقوال القبيحة، قال سبحانه في سورة البقرة: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة:٢٦٨] أي: أن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، ويأمركم بأن تقعوا في كل فاحشة؛ لأن الشيطان لا يحب الخير للإنسان، فهو عندما خلق الله آدم ﵇ كاد له، فجعله الله شيطاناً رجيماً، وتوعده بالنار، قال سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الحجر:٣٦ - ٣٧] أي: المؤخرين فلن نعذبك الآن، وإنما سنؤخر عذابك إلى يوم القيامة، ووعد الله حق لا يخلف، ولذا ظل الشيطان يتغيظ من ابن آدم؛ فهو بخلق آدم أظهر ما في داخله من الكبر والغرور، قال الله حاكياً عن إبليس: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠].
فقد ابتلي آدم بالشيطان، فهو يحسده أن خلقه الله بيده، وأمر الملائكة أن يسجدوا له، فرفض أن يسجد لآدم، واستكبر عليه وكان من الكافرين باستكباره، فالله جعله من أهل العذاب.
فآدم كان سبب عذاب هذا الشيطان، فالشيطان جعل يحسده ويحسد بنيه، يقول الله سبحانه مخبراً عن توعد الشيطان بإغواء بني آدم: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]، ويقول في موضع آخر: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧]، فهو يكيد للإنسان حتى يأخذه معه إلى النار، والله بين لنا في كتابه أنه عدو لنا فقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦] أي: احذروا أن تكونوا من أهل النار، فالشيطان يدعوكم إلى ذلك، وهنا في سورة النور يخبر أنه يأمر بالفحشاء والمنكر، فهذا سبيله وهذا ديدنه.
قال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور:٢١]، فتكررت (لولا) مرات في هذه السورة، وقد لا يذكر جوابها أحياناً ويذكر أحياناً أخرى كما في هذا الموضع: ((وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ))، وذلك بأن هداكم وأن علمكم سبحانه، ولولا رحمته بكم سبحانه: ((مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا)) يعني: ما تزكى وما تطهر منكم أحد أبداً، وما استحق أن يكون من أهل الجنة، وما استحق أن يهدى، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٦ - ٢٨]، وهذا محض فضل من الله ، إذ أنه يريد بكم الخير والرحمة والتخفيف فضلاً منه ونعمة، فلولا فضله ورحمته بالناس ما تطهر أحد أبداً، ولا عرف شرع الله سبحانه ولا طريق جنته.
يقول الله سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١] أي: يهدي من يشاء إلى طريق الحق وطريق الإسلام، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ [النور:٢١] كل شيء، ((عَلِيمٌ)) بمن يستحق منكم أن يهدى ومن يستحق منكم أن يضل.
стр. 604
تفسير قوله تعالى: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة)
قال الله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢] هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وفي غيره من المؤمنين، لكنه كان سبب نزولها، فقد كان ينفق على مسطح بن أثاثة، وأم مسطح هي بنت خالة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، أما مسطح فهو ابن خالته مجازاً، واسمه مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف، وقيل: إن مسطح لقب له واسمه عوف، وكان فقيراً مسكيناً، وكان من المهاجرين من أهل بدر، وربنا قد اطلع على أهل بدر، فقال النبي ﷺ : (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
وكان مسطح بن أثاثة ممن خاضوا في حديث الإفك، وقد جاء عنه أنه اعتذر لـ أبي بكر ﵁ عن ذلك، وقال: إنما كنت أغشى مجالس حسان، وكان حسان شاعراً، فـ حسان كان يقول الشعر وأنا أسمعه ولا أقول، فقال له أبو بكر: لقد شاركت فيما قيل، وأقسم أبو بكر يميناً أنه لا ينفق عليه مرة ثانية؛ لأنه كان يحضر المجلس الذي يتكلم فيه عن عائشة، أما اعتذاره ذاك فالله أعلم بثبوته، إلا أن الله قد أمر بإقامة الحد، فكان مسطح ممن أقيم عليه الحد، ويلزم منه أنه تكلم فأقيم عليه الحد ﵁، كما أقيم الحد على حسان بن ثابت وحمنة أخت زينب بنت جحش، فهؤلاء الثلاثة أمر الله بأن يقام عليهم الحد؛ تطهيراً لهم في الدنيا، فلا يكون عليهم يوم القيامة شيء، وأما عبد الله بن أبي ابن سلول ذاك المنافق فالله أخره للآخرة، فلم يقم عليه الحد في الدنيا؛ ليكون له العذاب الأليم في الآخرة، وقد فضحه في كتابه سبحانه حيث قال: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١].
فلما حلف أبو بكر ﵁ ألا ينفق على مسطح أنزل الله هذه الآية يأمر أبا بكر وغيره بأن يرجعوا في ذلك الحلف الذي حلفوه.
فقال سبحانه: ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ [النور:٢٢] يعني: لا يحلف ولا يقسم، فأصلها من الألية، والألية بمعنى اليمين والحلف.
قوله: (ولا يأتلِ) هذه قراءة الجمهور، وقرأها أبو جعفر: (ولا يتأل أولوا الفضل منكم والسعة) أي: لا يقسم أولو الفضل منكم والسعة، وفيه مدحة لـ أبي بكر الصديق ﵁ أنه صاحب فضل، كما أن فيه إشارة إلى أن كل صاحب فضل يجب أن يراعي أن الله سبحانه قد أعطاه من فضله، وجعله أفضل من غيره، فإن أكرمك الله فكن كريماً في معاملتك وأخلاقك مع الناس.
قوله سبحانه: ﴿وَالسَّعَةِ﴾ [النور:٢٢] أي: الغنى.
قوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور:٢٢] أي: أن يؤتوا أهل القرابة، وقد كان مسطح ابن خالة أبي بكر الصديق ﵁، وهو من أصحاب المسكنة وأصحاب الفقر والمهاجرين في سبيل الله، والملاحظ هنا أن الذي أتى به مسطح وغيره كبيرة من الكبائر، إذ الوقوع في عرض إنسان مسلم كبيرة من الكبائر، فضلاً عن أن يقع في عرض عائشة ﵂ وهي المكرمة المطهرة.
وهذه الكبيرة لم تحبط له عملاً، ودليل عدم حبوط العمل من الآية أن الله ذكر أنهم من أولي القربى من المساكين والمهاجرين في سبيل الله، وقد كان مسطح من المهاجرين، فدل على أن الذي وقع فيه لم يحبط عمله، ولذلك كان البعض من أهل العلم يقولون: هذه أرجى آية في كتاب الله ، وآيات الرجاء كثيرة في كتاب الله .
قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ومع أن أبا بكر الصديق مقصود بالآية إلا أنها عامة له ولغيره، أي: ينبغي أن تراعي قرابتك وإن أساءوا إليك، فهذا أبو بكر أساء إليه قريبه بأفظع ما يكون، حيث رمى ابنته زوجة النبي ﷺ ، فأمره الله أن يعطيه وإن كان قال ذلك.
قوله: ((وَالْمَسَاكِينَ)) أي: راع الفقير والمسكين؛ لكونه فقيراً أو مسكيناً مسلماً، فيعطى حتى ولو كان مسيئاً في جانب آخر ووقع في كبيرة من الكبائر.
قال تعالى: ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور:٢٢]، فوصفه بأنه مهاجر، وهجرته في سبيل الله، فلم يهاجر لدنيا مع أنه وقع في كبيرة، ومع ذلك لم يلغ له ذلك سبحانه، وهذا من فضله ورحمته سبحانه.
قوله: ((وَلْيَعْفُوا)) اللام لام الأمر، فالله يأمر المؤمنين بالعفو، فإذا كان العفو في ذلك الشيء الفظيع وهو الطعن في العرض، وقد يحمي الإنسان عرضه بدمه، مع ذلك فالله يقول له: ((وَلْيَعْفُوا))، فكيف بما هو أقل من ذلك؟! فيجب العفو أيضاً.
قوله: ((وَلْيَصْفَحُوا)) الصفح: هو التجاوز والمغفرة عن هذا الذي وقع في الإساءة، وقد تعظم الإساءة عند إنسان حتى إذا قيل له: اعف واصفح قال: لا؛ لأنك لا تعرف ماذا عمل بي، فقد عمل فيّ كذا وعمل فيّ كذا، فالله يقول ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور:٢٢] أي: اعف واصفح ليكون جزاؤك من جنس عملك، كما أنك تعفو عن الناس فالله يعفو عنك، وإذا كنت تصفح عن الناس فإن الله يصفح عنك.
ولذا حين تحدث إساءة لإنسان ينبغي أن يتذكر ذنوبه في جانب ربه ، ويتذكر إساءاته مع الله ، ويتذكر معصيته لله ، فإذا تذكر ذلك ورغب في مغفرة الله له فعليه أن يغفر للناس ويصفح عنهم، قال : ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢]، فلما قال الله ذلك قال أبو بكر ﵁: بلى بلى أحب والله أن يعفو ويصفح عني.
فقد وعد الله سبحانه كرماً منه بالعفو والصفح لمن كان من أهل العفو والصفح، فقال: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] أي: يغفر ويتجاوز ويعفو ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢].
стр. 605
بيان ما تحبط به الأعمال
قال العلماء: في هذه الآية دليل على أن القذف وإن كان كبيرة من الكبائر فإنه لا يحبط العمل، وإنما يحبط عمل الإنسان الكفر بالله والشرك به، قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] يعني: لا يحبط العمل إلا إذا مات الإنسان على الشرك بالله، فإنه إذا أشرك بالله ومات على ذلك حبط عمله؛ لقوله تعالى: ((لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ))، والراجح أن جميع الكبائر غير محبطة لعمل الإنسان، لكن الكبيرة ذنب عظيم يستوجب العذاب عليه، ومع ذلك قد يكون للإنسان أعمال أخرى يقبلها الله ، فلا تحبط هذه الكبيرة هذه الأعمال.
ومن محبطات الأعمال مع الشرك بالله سبحانه أن الإنسان يمن بالعمل الذي عمل، فلو أن مؤمناً عمل عملاً يبتغي به وجه الله سبحانه ثم منّ بعمله سواء كانت صدقة أو غيرها فإنه يحبط.
стр. 606
بعض الأحكام المستنبطة من قوله تعالى: (ولا يأتل أولوا الفضل)
لقد أخذ أهل العلم من الآية مع ما ورد في الأحاديث النبي ﷺ : أن الذي يحلف على شيء أنه لا يفعله فرأى أن فعله أولى فعليه أن يرجع عن هذا الحلف، ويفعل هذا الذي حلف ألا يفعله، ويكفر عن يمينه، وقد قال النبي ﷺ : (إني والله لأحلف على شيء فأرى غيره خيراً منه إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير)، فالإنسان إذا حلف على ألا يعمل كذا ثم وجد أن ما حلف على تركه واجب عليه، وهو آثم بتركه، كأن يحلف أن يقطع الرحم، فهنا يحرم عليه قطيعة الرحم، ويجب أن يصل الرحم ويكفر عن هذه اليمين.
وفي الحديث (لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه)، أي: لأن يصر في يمينه، كمن يغضب ثم يقسم أن يفعل المعصية، فالنبي ﷺ يخبره أن الإصرار على هذه اليمين أشد إثماً من أن يرجع في يمينه ويكفر عنها.
قال الفقهاء: من حلف ألا يفعل سنة من السنن وأقسم على ذلك، جُرحت عدالته، وردت شهادته؛ لأن الله ينهانا أن نحلف على فعل شيء باطل لا يجوز ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور:٢٢]، ولذا ينبغي ألا تحلف على منع خير، فلو أن إنساناً حلف على منع خير وجب عليه أن يفعل الخير، وأن يكفر عن هذه اليمين.
وأما إذا كان على التأقيت كأن يقسم ألا يصوم يوماً بعينه وصيامه نافلة، فلا يفسقه ذلك، ولا ترد شهادته بذلك، إنما الذي يفسق الإنسان أن يحلف أنه لا يفعل سنة للنبي ﷺ أبداً، فهذا جارح قوي فيه، وقد تصل التهمة في الإنسان الذي يقسم على ترك سنه إلى الكفر والعياذ بالله، إذا كان يرفض سنة النبي ﷺ من أصلها، كأن يأخذ بالقرآن ويترك سنة نبيه ﷺ رافضاً لسنة النبي ﷺ ، والله سبحانه قد أمرنا بأخذ القرآن والسنة، فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، فكل ما يلفظ به النبي ﷺ من كتاب وسنة هو وحي من عند الله، فمن رد السنة كأنه يرد الوحي من عند الله، والله أعلم.
стр. 607
تفسير سورة النور [٢٣ - ٢٦]
من الموبقات المهلكات التي توعد عليهن رب الأرض والسماوات: قذف المحصنات الغافلات المؤمنات، فإن هذه الجريمة من أعظم الكبائر، ومن أشد المخاطر، فكيف يقف من وقع في أعراض المؤمنات -وبالأخص في عرض عائشة أم المؤمنين وسيدة الطاهرات- أمام الله ؟! وماذا يصنع من تشهد عليه جوارحه بذلك عند الحكم العدل؟! فإياك إياك من الوقوع في الهلاك والخسران!
стр. 608
تفسير قوله سبحانه: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ * الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور:٢٣ - ٢٦].
في هذه الآيات من سورة النور يخبرنا ربنا عن الجزاء الأخروي والدنيوي للذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، وذكر الله قبل ذلك حد القذف، وهذا جزاء في الدنيا، وذكر هنا شيئاً آخر من العقوبة التي تكون في الدنيا وفي الآخرة وهي اللعن؛ لأنهم يستحقون ذلك، واللعن: هو الطرد من رحمة الله .
стр. 609
أوجه القراءة في كلمة المحصنات
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣] أي: هؤلاء الذين يقذفون المحصنات، وهنّ العفيفات من النساء، وكلمة: (المحصنات) في كل القرآن فيها قراءتان: قراءة الجمهور: (المحصنات)، وقراءة الكسائي: (المحصِنات)، ما عدا التي في سورة النساء في آية التحريم: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] إلى قوله سبحانه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٤]، فقد اتفق الجميع على أنها هنا بالفتح.
والمحصنات هن المتزوجات، لكن كلمة: (المحصنات) في غير هذا الموضع تقرأ بقراءتين: قراءة الجمهور: (المحصنات)، على أنها اسم مفعول، يعني: أن غيرها أحصنها، وقراءة الكسائي: (المحصِنات)، على أنها اسم فاعل، يعني: أنها أحصنت فرجها ونفسها، فهي محصنة، وهي محصَنة يعني: أحصنها زوجها لما تزوجها، فجعلها عفيفة؛ لأنه كفها عن غيره.
كذلك: أحصنها وليها، أو أحصنها الله ، أي: فطرها عفيفة، وجعل العفة من طبيعتها، فهي محصَنة وهي محصِنة، أي: عفيفة مانعة فرجها عن غير ما أباح الله لها.
قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ [النور:٢٣] أي: يقذفون، ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٢٣] أي: العفيفات، ﴿الْغَافِلاتِ﴾ [النور:٢٣]، وهذا مدح للمرأة المؤمنة، فليس فيها لؤم أو خبث أو نوع من التطفل، بحيث إنها تريد أن تعرف كل شيء، فهذا مدح للمرأة المؤمنة المبتعدة عن الناس، التي لا تستمع إلى الوشايات وإلى أقوال الزور وإلى الكلام غير الطيب، فهي غافلة عن أحوال الناس، وعما يراد بها، فتجدها دائماً في سترها وبيتها، فقد أعفها الله عن الحرام، فهي في غفلة عن أمر الدنيا، مقبلة على ربها ، فهذا مدح للمرأة المؤمنة.
стр. 610
صفات المحصنة في هذه الآية
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور:٢٣]، فمن صفاتها: أنها مؤمنة عفيفة غافلة عن هذا الكلام الفارغ الذي يقال عنها، وحكم المحصن أيضاً نفس هذا الشيء، فكما أن العفاف موجود في النساء، فهو كذلك موجود في الرجال، فالذين يرمون هؤلاء لعنوا في الدنيا والآخرة، أي: استحقوا اللعن، وهو الإبعاد عن رحمة الله .
والمقصود بالذين يرمون المحصنات: إما المنافقون، فهم ملعونون في الدنيا والآخرة؛ لأنهم يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، ولذلك لن يدخلوا الجنة أبداً، فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار لكفر قلوبهم.
أو: أنهم الفسقة والمجرمون، فعلى ذلك ستكون اللعنة والطرد من رحمة رب العالمين سبحانه إلى حين، فهناك فرق بين لعن الكافر ولعن المنافق ولعن الإنسان الذي هو على التوحيد، فقد يخلد في النار كما يخلد القاتل نفسه في نار جهنم إلى ما يشاء الله ، ولكن خلود هذا الموحد دون خلود الكافر، فالكافر خالد مخلد فيها أبداً بلا خروج، وأما عصاة الموحدين وإن أتوا من الكبائر ما أتوا فسيدخلون نار جهنم إلى ما يشاء الله سبحانه، فإذا أخبر أنهم ملعونون، أو أنهم خالدون، فخلودهم أقل من خلود الكفار وإن كان مدة طويلة جداً لا تحصى، نسأل الله العفو والعافية.
إذاً: فهؤلاء الذين يقذفون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة، فهم ملعونون مطرودون من رحمة الله سبحانه في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا وقعت عليهم لعنة من يلعن أمثالهم، فهو يقول: لعنة الله على الذين يرمون المحصنات الغافلات، فيستجاب لمن يدعو عليهم بذلك، وفي الآخرة يطردهم الله من رحمته ويدخلهم نار جهنم والعياذ بالله، وقد يكون ذلك في الكفار -كما ذكرنا- والمنافقين فهو خلود أبدي، وقد يكون في عصاة الموحدين فهو خلود دون خلود، وقد يكون هذا لمن أصر على ذلك ومات عليه، وقد يكون الإنسان وقع في هذا الجرم ولكنه تاب إلى الله ، فأمره إلى الله سبحانه إن شاء عذبه وإن شاء رحمه ، ولكن لا بد من القصاص، فيقتص للمؤمن أو المؤمنة الذي وقع هذا الإنسان فيهما، فيحبسون حتى ولو كان هذا الإنسان من أهل الجنة، حتى ولو كانت له أعمال صالحة تدخله الجنة، فيحبس على جسر قبل الجنة حتى يقتص هذا الآخر منه، فيأخذ من حسناته ما يشاؤه الله ، فالإنسان إذا تاب إلى الله تاب الله عليه، لكن في حقوق الآدميين لا بد من القصاص، فإن لم تكن عنده حسنات أخذ من سيئاتهم فوضعت عليه، وذلك حتى يقتص لحقوق الآدميين.
قال الله سبحانه عن هؤلاء: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣] يعني: يوم القيامة لهم العذاب العظيم، وقد يكون العذاب في الدنيا أيضاً كما في الآخرة.
стр. 611
تفسير قوله تعالى: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم إن الله هو الحق المبين)
قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤]، وهذا متعلق بما قبله، فلهم عذاب عظيم، إذاً: فهم ملعونون في الدنيا والآخرة: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣]، أي: في يوم القيامة، وفي هذا اليوم يقول سبحانه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة حمزة والكسائي وخلف (يوم يشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون)، ففصل بين الفعل والمفعول بالجار والمجرور، وهي كلمة: عليهم، فجاز فيها الوجهان، إما التأنيث على الأصل فيها، وإما التذكير على أنه فصل بين الفعل والمفعول بهذا الضمير.
قال: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ [النور:٢٤] يعني: يوم القيامة ﴿أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤]، وجاء عن النبي ﷺ في التحذير من رمي المحصنات الغافلات المؤمنات حديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات)، والموبقة هي المهلكة، وهي من عظائم الذنوب التي تهلك صاحبها، قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)، فهذه الخصال من كبائر الذنوب.
فبدأ بالشرك بالله، ثم السحر وهو من الكفر، وذكر من الجرائم العظيمة قتل النفس، قال: (وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)، إذاً: فمن أعظم الكبائر الوقوع في هذه الأشياء.
والحديث هنا لم يذكر فيه أشياء أخرى هي من الكبائر، وكأن هذه الأشياء من أعظم الكبائر.
إذاً: فاللسان يشهد على صاحبه، فالإنسان كان يتكلم في الدنيا بلسانه، وعقله يوجه لسانه إلى كيفية الكلام، فيكذب ويصدق ويخبر، وأما يوم القيامة فالله سبحانه هو الذي يجعل اللسان ينطق بالحق، ولا يستطيع عقل الإنسان أن يوجه اللسان في تلك اللحظة، وإذا باللسان الذي كان يجادل عن صاحبه في الدنيا يشهد عليه يوم القيامة: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ﴾ [النور:٢٤] أي: وتنطق أيدي هؤلاء بما كانوا يقترفون، ﴿وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤]، فكل هذه الجوارح تنطق يوم القيامة، فيومئذ يكون الجزاء وافياً، قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور:٢٥]، والدين هنا بمعنى: الجزاء والحساب، كما قال سبحانه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤].
وقد جاءت أحاديث عن النبي ﷺ توضح نطق أعضاء الإنسان يوم القيامة بالخير شاهدة له، أو بالشر الذي كان يفعله في الدنيا.
فمن الأحاديث التي جاءت في أمر الخير: حديث رواه الترمذي والإمام أحمد وأبو داود أيضاً من حديث يسيرة -امرأة من المهاجرات- قالت: (قال لنا رسول الله ﷺ : عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، واعقدن بالأنامل؛ فإنهن مسئولات مستنطقات، ولا تغفلن فتنسين الرحمة)، فأمرهن بالتسبيح والتهليل والتقديس، أي: ذكر الله سبحانه بقول: سبحان الله، وقول: لا إله إلا الله، وهذا معنى التسبيح والتهليل، وأما التقديس فمعناه: أن تقول: سبوح قدوس، فتقدس ربك سبحانه.
قال: (واعقدن بالأنامل)، والأنملة: هي طرف الأصبع، فالأفضل أن يسبح الإنسان بيده؛ لأن الأنامل تنطق يوم القيامة أنها كانت تسبح لله .
قال: (فإنهن مسئولات مستنطقات) أي: الأنامل، فسيسألن وسيطلب منهن النطق والشهادة لصاحبهن.
قال: (ولا تغفلن فتنسين الرحمة) يعني: عن ذكر الله سبحانه، فإذا غفل الإنسان عن ذكر الله نسي رحمة الله، فنُسي يوم القيامة، فهذا في الخير.
وأما في الشر فقد جاء عنه ﷺ فيما رواه مسلم من حديث أنس قال: (كنا عند رسول الله ﷺ فضحك ﷺ ، فقال: هل تدرون مما أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب! ألم تجرني من الظلم؟ -يعني: يحتج على الله ، وهو كذاب فيما يحتج به- يقول: يا رب! ألم تجرني من الظلم؟ فيقول الله ﵎: بلى، فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني)، وهذا من كذب العبد وإجرامه، فهو يريد أن يكذب على الملك ، وهو يظن أن جوارحه ستنطق بما ينفعه يوم القيامة، وهذا كما قال سبحانه: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢].
قال: (فيقال: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيدعو على نفسه: بُعداً لكنّ فعنكن كنت أناضل)، أي: أدافع عنكن ثم تشهدن علي؟! فما نفعته أعضائه يوم القيامة، بل شهدت عليه.
والآية أخبرت أن اللسان أيضاً ينطق شاهداً على العبد، وجاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: أنهم سألوا النبي ﷺ فقالوا: (يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال ﷺ : هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست دونها سحابة؟)، أي: هل يصيبكم الضرر أو يزدحم بعضكم على بعض؟ وفي رواية: (هل تضامون؟)، يعني: هل يظلم بعضكم بعضاً من أجل النظر إلى الشمس؟ بل كل الناس ستنظر من مكانها.
إذاً: فليس أحد في الدنيا يتضرر أو يزدحم عند رؤيته الشمس، فكذلك الحال في النظر إلى الجبار ﷻ ، ولله المثل الأعلى سبحانه، قال: (فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، قال ﷺ : فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما)، والمعنى: لن تتضرروا في رؤية ربكم سبحانه تعالى، ولن تزدحموا لتروا ربكم، بل سيرى كل مؤمن ربه يوم القيامة.
قال: (فيلقى العبد) أي: يلقى الله عبده، (فيقول: أي فل!)، أصلها: أي فلان! (ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟) أي: سخرت لك هذه النعم العظيمة، قوله: (وأسودك) من السيادة، أي: أجعلك سيداً ورئيساً على قومك، (وأزوجك) أي: أعنتك وجعلتك تتزوج، (وأسخر لك الخيل والإبل)، فكنت أنت المالك لها، والمتحكم فيها، والمسيطر عليها، (وأذرك ترأس وتربع) يعني: تركتك تترأس على قومك (وتربع)، أي: ترتع كما تشاء، أو: تملك الرباع، وتملك الأطيان والديار، أو: تأكل مرباع قومك، قال: (فيقول: بلى، فيقول: أفظننت أنك ملاقيّ؟ -أي: هل خطر على بالك أنك ستقف هذا الموقف؟ -فيقول الرجل: لا، فيقول: سبحانه: فإني أنساك كما نسيتني) أي: مثلما نسيت أنك ستقابل ربك وأنه سيحاسبك.
قال: (ثم يلقى الثاني، فيقول: أي فل! ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى أي رب! فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك، فيقول الثالث: يا رب! آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع، فيقول له: هاهنا)، أي: قف هنا؛ لأنه يعلم أنه كذاب، فيحاسبه الله حساباً عسيراً، ثم يقال له: (الآن نبعث شاهدنا عليك)، فيفكر في ماهية هذا الشاهد ومن يكون، قال: (فيختم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فينطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق الذي يسخط الله عليه)، فهذا الإنسان تنطق أعضاؤه بالشهادة عليه أنه فعل كذا وفعل كذا، وفي الحديث الذي قبله ذكر: أنه يدعو على نفسه، ويدعو على أعضائه إذا شهدت عليه.
وهنا في الآية يقول الله : ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ [النور:٢٤]، فلسان الإنسان أيضاً ينطق شاهداً عليه يوم القيامة، قال: ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤] أي: بكل ما كانوا يعملون في الدنيا، قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور:٢٥] أي: جزاءهم الحق، ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور:٢٥]، أي: في يوم القيامة ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [النور:٢٥] أي: الحكم العدل ، فهو الحق الذي يحق الحق ، ويعلمون أن ما سواه مما عبدوه من دون الله باطل، وأن الله هو الحق وحده ، ﴿الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٥] أي: الظاهر الجلي، والمبين كذلك: الذي يبين شريعته ومنهاجه ويظهرهما، فيبين طريق الهدى وما يحتاج إليه خلقه من شرعه ، قال: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [النور:٢٥] قالوا: بمعنى: يبين لهم الحقائق ويظهر حقائق ما كانوا يصنعونه في الدنيا، وما كان يعدهم به من ثواب ويهددهم به من عذاب يوم القيامة، فالله هو الحق المبين.
стр. 612
تفسير قوله سبحانه: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات)
ثم يقول سبحانه: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور:٢٦]، الخبيثات: أكثر المفسرين على أن المراد بها هنا: الكلمات، يعني: الكلمات الخبيثات، والسياق نفسه يدل على ما حدث من أهل الإفك في كذبهم على عائشة، فقد أخذوا الكلمات الخبيثة في ذم السيدة عائشة رضي الله ﵎ عنها وفي قذفها، فالله يقول للناس: تفكروا! فالكلمات الخبيثة لا تخرج إلا من خبيث، فالخبيثات للخبيثين، والخبيثون هم: أهل الخبث، وهم متلازمون مع الكلام الخبيث، فهي لهم وهم لها.
قال: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور:٢٦] أي: أصحاب الكلمات الطيبة الجميلة، فهي لا تخرج إلا من الإنسان الطيب، صاحب الكلام الحسن، والنية السليمة، والقلب الطيب، فالطيبات للطيبين، فهم أهل لذلك.
وكلام الإنسان دليل على ما في قلبه، فإن كان لا يتكلم إلا بكلام خبيث فهو إنسان خبيث، وإن كان لا ينطق إلا بطيب فهو إنسان طيب، قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦].
ثم قال: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦] يعني: أن الطيبين والطيبات بريئون من كلام هؤلاء الخبثاء الذين يرمونهم بالفواحش، يعني: المنافقين.
ثم قال: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور:٢٦]، فقد أعد الله لهم المغفرة العظيمة يوم القيامة، وكذلك الرزق الكريم؛ جزاءً على صبرهم في الدنيا على أصحاب الكلام الخبيث.
نسأل الله العافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 613
تفسير سورة النور [٢٣ - ٢٧]
يبين المولى سبحانه سنة من سننه الماضية في الغابرين واللاحقين، وهي أن الرجل الطيب لا يتكلم إلا بطيب الكلام، ولا ينكح إلا طيب النساء، وأن الرجل الخبيث لا يتفوه إلا بخبيث الكلام وفاحشه، ولا يقع إلا على خبيثات النساء، وذلك إذا لم يتوبوا، وأما لو تابوا فإن التوبة تجب ما قبلها، وتلحقهم بالصنف الأول وهم الطيبون.
стр. 614
تفسير قوله تعالى: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور:٢٦].
ذكر الله في هذه الآية وما قبلها أحكاماً في يوم القيامة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣].
وقد قدمنا قبل ذلك أن الله سبحانه حرم أعراض المؤمنين كما حرم دماءهم وأموالهم، فالمؤمن لا يحل له أن يقع في عرض أخيه المؤمن أو المرأة المؤمنة، فلا يتكلم عنه بما يسوءه وما لا يحل له الكلام فيه، بل لو أنه رأى فيه ما لا يجوز فينبغي عليه أن ينصح، وأما القذف بجريمة الزنا فلا يجوز لأحد أن يقع فيه إلا أن يأتي بأربعة شهود على هذا الذي يقوله، فإن لم يفعل ذلك فهذا إنسان كذاب كما وسمه الله بذلك، مع أنه قد يكون رأى ذلك بنفسه ولكن الشريعة لم تبح له أن يتكلم حتى يكون معه أربعة يشهدون على ذلك، فأخبر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣].
فهم في الدنيا ملعونون، وفي الآخرة مطرودون من رحمة رب العالمين سبحانه، قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤].
وقدمنا كيف أن الإنسان يأتي يوم القيامة يجادل عن نفسه فإذا بأعضائه تشهد عليه بما كان يصنعه يوم القيامة، فيوفيهم الله جزاءهم وعقابهم الوافي الذي يستحقونه، جزاءً على ما قدموا، قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٥].
فالله يحق الحق، ويأبى أن يدوم الباطل، فإنه وإن ترك أهل الباطن ففي النهاية يقصمهم ، ويأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
فمن أسماء الله تعالى الحق، وهو يحق الحق يوم القيامة، فيرون كيف يحكم الملك الحق بالعدل المبين، ويظهر الحق يوم القيامة فهو الحق المبين، أي: المبين المظهر لهذا الحق يوم القيامة، والمبين في الدنيا للناس طريق الهدى، وما يحتاجون إليه من شرع رب العالمين سبحانه.
والله هو الحق المبين أي: الحق الثابت بذاته، الظاهر في ألوهيته .
والله الحق أي: هو ذو الحق وصاحب الحق البين، فيعلمون يوم القيامة أن الله هو الحق المبين الذي يبين لهم حقائق ما كانوا يعملون في الدنيا، وما كان يتوعدهم عليه فيها فيظهره سبحانه.
ثم قال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور:٢٦]، والخبيثات وصف لمحذوف تقديره: الكلمات، والمعنى: أن الكلمة الخبيثة لا تخرج إلا من إنسان خبيث، والكلمة الطيبة لا تخرج إلى من إنسان طيب.
ثم قال: ﴿وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور:٢٦] يعني: لا ينتظر من خبيث إلا كلاماً خبيثاً كلاماً غير طيب.
قال تعالى: ﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦] يعني: المنتظر من الأناس الطيبين المؤمنين أن يتفوهوا ويتكلموا بالكلام الطاهر الطيب الجميل، فكأن هذه أوصاف للكلمات وأوصاف لأصحابها.
ثم قال: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦] يعني: أن الطيبين والطيبات بريئون مما يقول هؤلاء المنافقون وهؤلاء الفساق, ومما يرمونهم به من كلام خبيث، كأن المقصود بذلك عائشة رضي الله تعالى عنها وصفوان، فهؤلاء الطيبون، ولا يخرج منهم إلا الطيب، وهؤلاء قد برأهم الله مما وقع في أعراضهم من أهل الكذب وأهل النفاق.
وقيل: إنها تحمل على ما تقدم قبل ذلك في قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣].
وجاء عن النبي ﷺ : (أن الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله)، وكأن المعنى المقصود: أن الزاني المجلود مفضوح أمام الناس؛ فقد شهد عليه أربعة بهذه الجريمة، فإذا كان عاهراً مجاهراً بذلك ولم يتب فلا يجوز لإنسان أن يزوج ابنته الطيبة لمثل هذا الإنسان الخبيث الذي يجاهر بهذا الزنا، أو بهذه الأفعال الفاحشة، فهذا يتزوج امرأة مثله في ذلك.
لكن إذا تاب وعلمت توبة، وإذا تابت المرأة وعلمت توبتها، جاز أن يتزوج الرجل وأن تتزوج المرأة، وأما أن يغر إنسان طيب بمثل ذلك فهذا يعد عيباً من العيوب، فلا ينبغي لمسلم أن يتزوج مثل هذه، وإنما يبحث عن المرأة الطيبة كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، فالإنسان المؤمن يتزوج لقضاء وطره، وهذا شيء ولكن ليس هو كل شيء، وإنما يتزوج أيضاً لتكون له أسرة طيبة، وأولاد طيبون ينفعونه في الدنيا وفي الآخرة، ففي الدنيا ينفعونه بالبر والإحسان، فإذا كبر الإنسان احتاج إلى أولاده، فيكونون بجواره يعينونه على طاعة الله ، فإذا مات دعوا له، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١].
فالبيت الطيب ينفع صاحبه والبيت الخبيث يضره دنيا وآخرة، لذلك فالمؤمن يكون حريصاً على أن يكون بيته بيتاً مؤمناً، فيظفر بذات الدين، وإلا فتربت يداه.
وقد ذكر بعض أهل العلم عن عائشة ﵂ أنها أعطيت تسعاً لم تعطهن امرأة من نسائه ﷺ ، فالله فضلها بذلك، فذكر بعض أهل العلم عن عائشة أنها قالت ذلك، وإن كان إسناده ضعيفاً إليها، فمما أعطاها سبحانه: أن جبريل ﵇ نزل على النبي ﷺ بصورة عائشة ﵂ حين أمر أن يتزوجها كما صح بذلك الحديث، فنزل في سرقة من حرير وقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة، فكانت عائشة ﵂ زوجة للنبي ﷺ تزوجها بإعلام الله له في ذلك.
كذلك تزوجها بكراً، وما تزوج بكراً غيرها.
وكذلك توفي رسول الله ﷺ ورأسه في حجرها ﵂، وكانت تقول: توفي رسول الله ما بين حاقنتي وذاقنتي، تعني: على صدرها تحت ذقنها.
فلا شك أن لها فضيلة أن يجعل الله وفاة النبي ﷺ أقرب ما يكون إليها.
وقالت: إنه قُبر في بيتها، وهذا موجود حتى الآن، وهو دليل على فضيلة عائشة رضي الله تعالى عنها.
والملائكة تحف بيت عائشة ﵂؛ لأن فيه قبر النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وإذا كان في أهله لا يأتيه جبريل حتى ينصرف عن أهله، وأما عائشة فقد كان النبي ﷺ معها فجاءه جبريل وبلغها السلام، فقالت للنبي ﷺ : ترى ما لا أرى.
وتقول: إن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، فما يبعدني عن جسده صلوات الله وسلامه عليه.
وقد أنزل الله عذرها في كتابه، وبرأها مما قال الكذابون عنها.
وكذلك أبوها أبو بكر الصديق ﵁ قال الله عنه: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠].
وهو خليفة رسول الله ﷺ ، ولو وزن إيمانه بإيمان الأمة لوزنه، كما قال النبي ﷺ .
وكذلك وعدها الله بمغفرة ورزقاً كريماً على أنها إحدى زوجات لنبي ﷺ ، ثم خصها في هذه الآية فقال: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور:٢٦].
وقال النبي ﷺ في فضلها: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام).
وذكروا أيضاً في فضائل عائشة ﵂: أن يوسف ﵇، لما رمي بالفاحشة برأه الله على لسان شاهد، فقال: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف:٢٦ - ٢٨].
فبرأه الله على لسان إنسان قال ذلك، قيل: كان صبياً صغيراً أو كان رجلاً كبيراً فالله أعلم بذلك، فكان على لسان بشر.
والمسيح صلوات الله وسلامه عليه لما رموا أمه وقالوا: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم:٢٧].
أنطقه الله سبحانه فقال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٣٠]، فأجاب عن نفسه وعن أمه.
فلما رميت عائشة ﵂ بالإفك برأها الله ولم يجعل براءتها على لسان أحد من الناس، لا على لسان النبي ﷺ من عند نفسه، ولا على لسان أحد يدافع عنها، وإنما في كتاب الله ، بآيات تتلى إلى يوم القيامة، فجعل لها فضيلة أن ذكر شأنها في كتابه في هذه السورة الكريمة.
стр. 615
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا)
يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:٢٧].
هذا أمر من الله للمؤمنين بالاستئناس والاستئذان، وهذه آية من آيات الآداب التي يجهلها كثير من الناس، وإن علموها فلا يطبقها أكثرهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور:٢٧].
فالبيوت التي هي غير بيتك لها حكم، وبيتك له حكم آخر، فقال: (لا تدخلوا بيوتاً).
стр. 616
القراءات في قوله (بيوتاً)
في هذه الآية قراءتان: قراءة ورش وأبي عمرو وحفص عن عاصم، وجعفر ويعقوب: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور:٢٧] بضم الباء في بيوت.
وقراءة باقي القراء: ﴿لا تَدْخُلُوا بِيُوتًا غَيْرَ بِيُوتِكُمْ﴾ [النور:٢٧] بكسر الباء فيها.
قال: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧]، والاستئناس هو طلب الأنس الذي يكون بين الناس، والألفة التي تكون بيهم، فالألفة تكون بالحديث وبالمودة؛ لأنك إذا اقتحمت على الناس بيتهم يخافون من دخولك، فجعل الله أمرين هنا: أمر الاستئذان بالقول، وكذلك تؤنس هذا الذي دخلت عليه من نفسك فيستشعر الراحة، ويستشعر الألفة والمودة، فيستمع إليك فيما تريد.
فالله كرم بني آدم فقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء:٧٠].
فمن تكريم الله للإنسان أن خلقه إنساناً يمشي على قدميه، وليس كغيره من الحيوانات التي تمشي على الأيدي والأقدام.
وجعل للإنسان عقلاً يفكر به، وجعل له مراكب يركبها، وحمله في البر والبحر، وجعل له بيتاً لراحته، وجعل الأرض كفاتاً للإنسان في حياته ومماته، ففي الحياة هو فوق الأرض، وفي الممات هو في باطن الأرض، وأكرمه الله بأن جعله يستتر في الدنيا في البيت، ويستتر في الموت بالقبر، فالبيت سترة للإنسان يقضي فيه حاجته، أو يغير فيه ثيابه، ويتحرر فيها من أشياء تكون أمام الناس قيوداً عليه، وفي بيته يتخفف من ثيابه، وينام كما يشاء.
فالبيت مكان راحته، فلذلك جعل لهذه البيوت آداباً بحيث إنه لا أحد يحرج الآخر في بيته ولا يضايق عليه، فخصص الله بني آدم بالمنازل، وأما الحيوان فيقضي حاجته في الطريق، والإنسان يذهب إلى بيته فيستتر تكريماً من الله له.
فستره عن أبصار غيره في بيته، وجعل له الاستمتاع بهذه البيوت على الانفراد، وجعله ملكاً في بيته، وهذه من المنن التي منّها ربنا سبحانه على بني إسرائيل قال: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة:٢٠].
فليس كل واحد من بني إسرائيل سيكون ملكاً على الناس، وإنما المقصود كالملوك، والملك لا يختلف كثير عن غيره من الناس، فهو يملك بيتاً، وأنت تملك بيتاً، وتملك مالا، وتملك طعاماً وشراباً، وعندك أمن في بيتك.
فالله جعل للإنسان طعامه وشرابه، وجعل له مكان أمنه في بيته، وملكهم الاستمتاع بها على الإنفراد، وحجر على الخلق أن يطلعوا على الإنسان في بيته، ومنعهم من النظر داخل البيت حتى يستأذنوا ويلجوا بإذن، وأما بغير إذن فلا يحل لأحد أن يطلع على بيت أحد بغير إذنه.
جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من اطلع في بيت قوم من غير إذنهم حل لهم أن يفقأوا عينه).
ومعنى الحديث: إذا كان الإنسان يتجسس وينظر إلى نافذة إنسان آخر أو من داخل ستارة أو نحوها، جاز لهذا الآخر أن يفقأ عينه ولا دية في ذلك.
وجاء عن النبي ﷺ : (أن رجلاً نظر إليه وهو في بيته وبيده مدرى -أي: عود يمشط به شعره ﷺ والرجل يتلصص وينظر، فأراد النبي ﷺ أن يفقأ عينه به، ثم قال: إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) وذلك أن الإنسان له حرية بداخل بيته، فمن حقه أنه يكون له أشياء يسترها عن غيره، وليس من حق أحد أن يتدخل في ذلك.
وذكر الإمام الطبري في سبب نزول هذه الآية ما جاء عن علي بن ثابت: (أن امرأة من الأنصار سألت النبي ﷺ فقالت: إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد) فالمرأة في بيتها لعلها تخلع شيئاً من ثيابها فلا تحب أن يراها أحد إلا إن يكون زوجاً لها، قالت: (لا أحب أن يراني عليها أحد، وإنه لا يزال يدخل علي الرجل من أهلي وأنا على تلك الحال) يعني: يأتي أبوها يفتح الباب ويدخل، ولعلها تكون متجردة من ثيابها، فيدخل الأب على هذه الحالة، فشكت للنبي ﷺ ذلك، فأنزل الله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧].
قالوا: والاستئناس بمعنى الاستعلام، أي: طلب العلم، كأنك تعلم من بداخل البيت أنك موجود في الباب، والاستئناس يكون قبل الدخول وبعده، وأما قبل الدخول فيكون بصوت يعلم أن هذا الإنسان موجود بالخارج، ثم إذا كان الآخر يسمع، فيقول: السلام عليكم أأدخل؟ أما بعد الدخول فيكون الاستئناس بالمودة في الكلام، حتى يرتاح الآخر بدخولك عليه.
ومن ذلك لما دخل عمر على النبي ﷺ وكان قد غضب على نسائه واعتزل في مشربة له، فخشي عمر وغيره أن يكون النبي ﷺ قد طلق نساءه، فذهب عمر للنبي ﷺ واستأذن، فلم يؤذن له إلا في المرة الثالثة، فدخل على النبي ﷺ وجلس فوجد النبي ﷺ غضبان، فجلس ساكتاً وبعد قليل استأذن النبي ﷺ في الكلام، فأذن له فتكلم عمر حتى ضحك النبي ﷺ .
فالغرض أن الاستئناس إذا كان قبل الدخول فهو من باب الاستئذان والاستعلام، أو إعلام من في الداخل بوجود هذا الذي في الخارج، ثم يستأذن فيدخل، فإذا دخل فيؤنس أهل البيت بالكلام الطيب الذي يقوله والله أعلم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 617
تفسير سورة النور الآية [٢٧]
إن الدين الإسلامي دين الآداب، ففيه مراعاة وحفظ لعورات الآخرين، ومما يدلل على ذلك أنه شرع أدباً حث عليه في القرآن الكريم وعلى لسان النبي الأمين وهو أدب الاستئذان، وهذا الأدب فيه حفظ لعورات المسلمين، فتنبغي مراعاته والعمل به والتأدب بآدابه.
стр. 618
تفسير قوله تعالى: (يا أيها آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور:٢٧ - ٢٩].
стр. 619
وجوب الاستئذان قبل الدخول
في هذه الآيات من سورة النور يذكر الله لنا آداباً من الآداب الشرعية التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمنون، فقال: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧]، وذكر أن ذلك ﴿خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:٢٧]، والاستئناس كما ذكرنا في الحديث السابق طلب الإيناس، وهو من الأنس: ضد الوحشة، فتدخل البيت فيأنس بك أهل البيت ولا يستوحشون منك، فينبغي على الإنسان ألاّ يدخل على أهل بيت ويهجم عليهم هجوماً، ولكن يجب عليه أن يستأذن قبل الدخول، ويعلن بأنه على الباب، أو أنه قادم إليهم، فيشعرون بنوع من الأنس وعدم الاستيحاش منه.
فقالوا: إن الاستئناس من الإيناس، أي: أن تؤنس غيرك أو أن تجعله يأنس بك ويألفك ولا ينفر من دخولك عليه.
стр. 620
الفرق بين الاستئذان والاستئناس
ذكر الله هنا الاستئناس وذكر الاستئذان، ولكل منهما معنى يختلف عن الآخر، فلذلك قالوا في الاستئناس: أنه قبل دخوله الدار يعلن أنه فلان، أو أنهم يستشعرون منه بصوت ونحو ذلك، فجاء عن أبي أيوب ﵁ ذكر الاستئناس ورفعه للنبي ﷺ أنه قال: (على الرجل أن يتكلم بتسبيحة، أو بتكبيرة، أو يتنحنح، فيأذن له أهل البيت) والمعنى: أن الذي يأتي إلى أهل بيت عليه قبل الدخول أن يعلمهم أنه آت ولا يدخل دون أن يشعرهم بذلك فسيشعر الناس بالوحشة منه، سواءً كان هو صاحب البيت أو غير صاحب البيت.
وجاء عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أن ابن مسعود كان إذا دخل الدار استأنس فيتكلم ويرفع صوته، ومن في البيت يستشعرون أن أحداً آتٍ فيتهيئون لذلك.
وقد جاء عن مجاهد أنه قال: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧] أي: تتنحنحوا أو تتنخموا، وليس الغرض التنحنح ولا التنخم ولكن الغرض أنك لا تدخل البيت فجأة فيفزغ منك أهل البيت، فإذا أردت دخول البيت فعليك أن تؤنس أهل البيت، ثم تسلم عليهم، ثم تدخل.
وفي بيتك أيضاً عليك أن تستأنس وتستأذن وتدخل، إلا أن يكون داخلاً على امرأته أو العكس، فيجوز ذلك دون إذن، لكن دخول الابن على أبيه، أو البنت على أبيها أو على أمها، والابن على أمه أو على أخته فكل ذلك لا بد من الاستئناس والاستئذان؛ فإنه قد يدخل على وضع قد يتأذى ويكره صاحبه أن يراه أحد وهو على هذا الوضع.
يقول أهل العلم في ذلك: مد الله التحريم في دخول بيت ليس هو بيتك لغاية وهي الاستئناس وهو الاستئذان، وإن كان الراجح أن الاستئناس غير الاستئذان.
(تستأنسوا) أي: فتعلموا أهل البيت أنكم آتون بأي صورة من الصور، فيصبح أهل البيت يستشعرون أن هناك أحداً موجوداً فيتهيئون، فإذا سلم أجابوا وردوا ﵇.
стр. 621
من آداب الاستئذان
﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧]، والتسليم أنك تستأذن على أهل البيت ثلاث مرات وتسلم فتقول: السلام عليكم أأدخل؟ السلام عليكم أأدخل؟ السلام عليكم أأدخل؟ فإذا أذنوا دخلت، وإذا لم يأذنوا لم يجوز لك أن تفتح الباب وتدخل، قال تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧].
وذكرنا قبل ذلك حديث أبي موسى الأشعري مع عمر رضي الله ﵎ عنهما، فقد أرسل عمر إليه فذهب أبو موسى واستأذن ثلاثاً، ولم يأذن عمر ﵁؛ لأنه كان مشغولاً، فبعد الثالثة انصرف أبو موسى الأشعري، فقال عمر بن الخطاب: ألم أسمع صوت الأشعري؟ فقالوا: بلى، فقال: علي به، ائتوا به، فأتوا بـ أبي موسى الأشعري ﵁ فسأله عمر ﵁: ما منعك أن تأتينا؟ فقال: أتيت فسلمت ثلاث مرات فلم ترد علي فرجعت، وقد قال رسول الله ﷺ : (إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع) فأراد عمر رضي الله تعالى عنه أن يستيقن من ذلك فأمره بأن يأتي بمن يشهد له بذلك، فجاء أبو سعيد الخدري وأبي بن كعب وشهدا له بأن النبي ﷺ قال ذلك.
فعلى ذلك إذا استأذن الإنسان على أهل بيت فليستأذن ثلاث مرات وهذا أقصى ما فيه، وليس له أن يزعج أهل البيت بأكثر من ذلك، فإذا أرادوا أن يردوا عليه ردوا، وإذا لم يردوا عليه رجع وانصرف إلا أن يستيقن أنهم لم يسمعوا استئذانه فله أن يستأذن أكثر من ثلاث مرات، ولكن إذا سمعوا ولا يريدون مقابلتك فارجع، والله يقول: ﴿وإَذْا قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور:٢٨].
فقد جاء عن النبي ﷺ : (أن رجلاً من بني عامر استأذن النبي ﷺ وهو في البيت فقال الرجل: أألج؟) يعني: أأدخل، وهذا ليس من أدب الاستئذان؛ فالأدب أن يبدأ بالسلام.
وجاء في حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه)، ولأن ذلك ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨] كما قال الله .
يقول العلماء: إنما خص الاستئذان بثلاث؛ لأن الغالب من الكلام أنه إذا كرر ثلاثاً سمع وفهم؛ ولذلك كان النبي ﷺ إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً، أي: إذا تكلم بكلمة وأراد أن يحفظوا هذه الكلمة أعادها ثلاثاً حتى يحفظوها، فالعادة أنه إذا تكرر الشيء ثلاث مرات فإنه يكفي فهماً وعرفاً، فالذي يستأذن ثلاث مرات يعرف أنه يستأذن فإما أن يسمح له بالدخول وإما ألا يسمح له.
وأيضاً جاء عنه ﷺ : (كان إذا سلم على قوم سلم ثلاثاً)، وهنا لعل القوم عدد كبير فيريد أن يسمع الجميع فيسلم ثلاثاً، فلعله يظن أنهم مشغولون فلا يسمعون في المرة الأولى، فيسلم الثانية ويسلم الثالثة صلوات الله وسلامه عليه؛ ليسمع الجميع.
يقول أهل العلم: فإذا لم يؤذن له بعد الثالثة فقد ظهر أن رب المنزل لا يريد الإذن، فإذا ما أذن بعد ثلاث مرات - سواء كان الاستئذان بالتسليم، أو بالطرق على الباب، أو برن جرس الباب - فأهل البيت لا يريدون دخول هذا الضيف.
قالوا: أو لعله يمنعه من الجواب عذر، فربما أن صاحب المنزل في دورة المياه فيتأذى من كثر طرق الباب.
وقد جاء عن النبي ﷺ : أنه ذهب إلى أحد الصحابة وهو عتبان بن مالك ﵁ فأتاه ﷺ واستأذنه، فخرج الرجل مستعجلاً، في رواية (أنه خرج يجر إزاره)، كأن الرجل كان يغتسل أو كأنه كان قد أتى أهله، فلما سمع صوت النبي ﷺ لبس ثيابه وأسرع، فقال النبي ﷺ : (لعلنا أعجلناك)، وهذا من أدب النبي الكريم ﵊.
ولم يرد هنا أنه استأذن أكثر من ثلاث، أو أنه أمر الرجل بالخروج حالاً، ولكنه استأذن ﷺ فسمع الرجل النبي ﷺ فخرج متعجلاً.
وجاء عنه ﵊: (أنه أتى سعد بن عبادة الأنصاري ﵁ فاستأذن فسلم ﷺ ثلاث مرات يسمعه سعد بن عبادة ولا يجيب إلا في سره -يعني: يستكثر من تسليم النبي ﷺ عليه- ولما انتهى النبي ﷺ من الثالثة انصرف ﵊، فخرج سعد ﵁ وأدرك النبي ﷺ ورد ﵇ جهراً، وقال: إنما أردت أن أستكثر من تسليمك -يعني: أحبينا أنك تكثر من السلام علينا؛ من أجل أن ينالنا بركة هذا السلام- ثم رجع النبي ﷺ معه).
وجاء عن ابن عباس ﵄ قال: ترك الناس العمل بالاستئذان.
وكأنه يقصد في زمنه ﵁ أن الناس تركوا العمل به؛ لوجود الأبواب على البيوت، فأصبح الذي في الداخل لا يسمع صوت التسليم فيحتاج أن يطرق الباب، فكأن هذا معنى كلام ابن عباس.
فقال العلماء: وذلك لاتخاذ الناس الأبواب فيصعب على الإنسان في هذه الأزمنة أن يأتي على باب العمارة مثلاً ويقول: السلام عليكم أأدخل؟ وهذا لن يسمعه أحد، فعليه أن يرن جرس الباب.
وجاء عن عبد الله بن بسر ﵁: (كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: السلام عليكم السلام عليكم).
وهذا من الأدب، فأنت حين تطرق على الباب أو ترن الجرس ولا تقف بوجهك أمام باب الشقة؛ فلعل امرأة تفتح الباب فتنظر للداخل، أو لعل صاحب البيت يفتح فتنظر إلى داخل البيت، ولكن يجب أن تقف عن يمين أو عن شمال الباب بحيث يكون وجهك تلقاء الحائط وليس تلقاء الباب.
وقد كان ﵊ يفعل ذلك؛ بسبب أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور، فإن كان الباب مغلقاً فله أن يقف حيث شاء منه ويستأذن وإن شاء دق الباب؛ لما رواه أبو موسى الأشعري ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان في حائط بالمدينة على قف في البئر، فمد رجليه في البئر، فدق الباب أبو بكر فقال له رسول الله ﷺ -يعني للحاجب-: ائذن له، وبشره بالجنة).
فكان النبي ﷺ في حائط، أي: في بستان جالساً على بئرٍ، وكأن الجو كان حاراً فأراد أن يبرد رجليه بداخل البئر صلوات الله وسلامه عليه، والبستان له باب، فجاء أبو بكر ﵁ فطرق الباب لأنه أتى من بعيد وطرق الباب حتى يسمع من بالداخل.
يقول الإمام القرطبي: صفة الدق أن يكون خفيفاً بحيث يُسمع، ولذلك ثبت في حديث عن أنس بن مالك قال: (كانت أبواب النبي ﷺ تقرع بالأظافر) أي: أن الصحابة لما كانوا يأتون إلى النبي ﷺ لا يطرقون الباب بأكفهم، ولكن يطرقون الباب بأظافرهم، وهذا من الأدب.
ويتحكم في مثل هذا الشيء اختلاف المكان، وبحسب سماع أهل البيت.
стр. 622
ذم قول الطارق: (أنا)
ومن الأدب أن الذي بداخل البيت إذا سأل من؟ فعلى الطارق أن يقول: فلان، أو يقول: أنا فلان، لكن لا يقول: أنا فقط، فالذي بداخل البيت لا يعرف من يكون الذي بخارجه، فقد جاء (أن جابراً استأذن على النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : من هذا؟ فقال جابر ﵁: فقلت: أنا، فقال النبي ﷺ : أنا أنا، كأنه كرهها)، إذاً فالأدب أن يقول الإنسان: أنا فلان.
وجاء عن عمر بن الخطاب (أنه أتى النبي ﷺ وهو في مشربة له فقال: السلام عليك يا رسول الله! أيدخل عمر؟)، فالاستئذان يجب أن يذكر صاحبه اسمه.
وكذلك في التلفون فبعض الناس أحياناً عندما يتكلم لا يذكر اسمه ظناً أن الذي يتكلم معه يعرفه، فهذا مما لا ينبغي، فعلى الإنسان أن يتواضع، وأما الذي يستكبر فيحس أن كل الناس يعرفونه بمجرد أن يتصل بالتلفون، فالإنسان يجب عليه أن يتواضع ويستشعر في نفسه أن غيره أفضل منه، فمن تواضع للناس يرفعه الله ، قال ﵊: (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، ومن تواضع لله رفعه الله).
وقد جاء عن الصحابة والتابعين آثار في هذا الأمر: فـ أبو موسى الأشعري جاء إلى عمر بن الخطاب يستأذن وقال: السلام عليكم هذا أبو موسى، السلام عليكم هذا الأشعري ثلاثاً، فيذكر نفسه، فربما ما سمع الأولى فيسمع الثانية أو الثالثة، فذكر اسمه ووصفه رضي الله ﵎ عنه.
وذكر الخطيب البغدادي في جامعه عن علي بن عاصم الواسطي قال: قدمت البصرة فأتيت منزل شعبة بن الحجاج ﵁، وهو من أمراء وأئمة المؤمنين في الحديث، قال علي بن عاصم: فدققت عليه الباب، فقال شعبة: من هذا؟ قال: فقلت: أنا، فقال شعبة: يا هذا ما لي صديق يقال له أنا! ما أعرف أحداً اسمه أنا، ثم خرج إلي ﵁.
وذكر عمر بن شبة حدثنا محمد بن سلام عن أبيه قال: دققت على عمرو بن عبيد الباب فقال لي: من هذا؟ فقلت: أنا، فقال: لا يعلم الغيب إلا الله.
وجاء عن كثير من السلف كراهة أن يصف الطارق نفسه ويقول: أنا، ولكن يقول: أنا فلان، أو يقول: فلان.
وجاء في سنن أبي داود: (أن صفوان بن أمية أرسل إلى النبي ﷺ بلبن وجدايا وضغابيث، والنبي ﷺ بأعلى مكة -أي: أرسل إليه بلبن ولحم ضباء غزلان وضغابيث وهي قثاء- فدخل الذي أتى بالهدية ولم يسلم -فلم تشفع له الهدية التي أتى بها- فقال له ﷺ : ارجع فقل: السلام عليك).
وجاء عنه ﷺ أنه قال: (من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه).
وجاء عن أبي هريرة قال: إذا قال الرجل: أأدخل؟ ولم يسلم، فقل: لا، حتى تأتي بالمفتاح وهو: السلام عليكم.
فالذي يريد أن يدخل يأتي بمفتاح الدخول وهو: الاستئذان مع التسليم.
وجاء عن حذيفة أنه جاءه رجل فنظر إلى ما في البيت -بسبب أن الباب كان مفتوحاً- فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقال حذيفة ﵁: أما بعينك فقد دخلت، وأما استك فلم تدخل، أي: ما دخلت وقعدت بمقعدتك ولكن بعينك قد دخلت.
وقد جاء عن النبي ﷺ في الصحيحين من حديث سهل بن سعد: أنه اطلع رجل من جحر في حجرة للنبي ﷺ ومع النبي ﷺ مدراة يحك بها رأسه - أي: كان معه عود يحك بها رأسه ﷺ ، والرجل ينظر من خرم في الجدر على النبي ﷺ فقال ﷺ : (لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر).
يقول الإمام القرطبي هذه الأحكام كلها إنما هي في بيت ليس لك، فأما بيتك الذي تسكنه الذي فيه أهلك فلا إذن عليك، إلا أنك تسلم إذا دخلت، وعند الدخول على المرأة يفضل أن يستأنس؛ لعله يرى منها ما يكره، كأن تكون المرأة في غير حالة الاستعداد لأن يراها الزوج، فلعلها تتأذى بهذا الشيء، فقد كان ابن مسعود يقول: السلام عليكم حتى يشعروا أنه موجود، فتقوم زوجته تتهيأ لاستقبال زوجها، وخاصة إذا كان قادماً من سفر.
يقول قتادة: إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك؛ فهم أحق من سلمت عليهم، فإن كانت التي تدخل عليها أمك أو أختك قالوا: تنحنح واضرب برجلك؛ حتى تنتبه لدخولك.
قال قتادة: لأن الأهل لا حشمة بينك وبينها -ويقصد بالأهل: الزوجة- قال: أما الأم والأخت فقد يكونا على حالة لا تحب أن تراهما فيها.
ولذلك قال مالك ﵀: ويستأذن الرجل على أمه وأخته إذا أراد أن يدخل عليهما.
روى عطاء بن يسار (أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أستأذن على أمي؟ قال: نعم.
قال: إني أخدمها -يعني: أستأذن وأنا أخدمها؟ - فقال: استأذن عليها.
فعاوده ثلاثاً، فقال: أتحب أن تراها عريانة؟ فقال: لا.
قال: فاستأذن عليها)، الحديث رواه مالك في موطئه بإسناد رجاله ثقات، ولكنه مرسل عن عطاء، وعطاء بن يسار من كبار التابعين.
وإذا دخل بيتاً وليس فيه أحد فيستحب أن يسلم على نفسه؛ لعموم قوله : ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١]، فاستحب أهل العلم أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقال قتادة: إذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه يؤمر بذلك، وهذا صح عن ابن عمر ﵁، ورواه البخاري في الأدب المفرد، ورواه ابن أبي شيبة بسند حسن عن ابن عمر ﵁ بهذا المعنى: إذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد فقل ذلك، وليس على سبيل الوجوب، ولكن استحباباً، وذُكر أن الملائكة ترد عليهم.
قال الله : ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:٢٧] يعني: هذا التسليم والاستئناس أخير وأفضل لكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:٢٧]، والذكرى ضد النسيان، وتتذكر أي: تتعظ، وفيها قراءتان ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:٢٧]، وهي قراءة حفص عن عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف، و (لعلكم تذَّّكَّرون) بالإدغام وهذه قراءة باقي القراء، والمعنى أنك تتذكر بهذه الموعظة فلا تنساها، فتعمل بها فتؤجر عليها.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 623
تفسير سورة النور [٢٧ - ٣٠]
من أهم ما جاءت به الشريعة إتمام مكارم الأخلاق، والأمر بمحاسن الآداب، ومنها: أدب الاستئذان، الذي بتطبيقه يستأنس الإنسان بصاحبه، ويحفظ عينه عن الوقوع في نظر ما لا يحل له فيؤذي بذلك قلبه ويؤذي صاحبه، إلا أن البيوت التي فيها منفعة للإنسان ولا يوجد فيها ما يثير الفتنة ومكامن الشهوة فلا بأس ألا يستأذن فيها؛ لأنه إنما جعل الاستئذان من أجل البصر.
стр. 624
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:٢٧].
في هذه الآية يذكر الله أدباً من الآداب يعلمه للمؤمنين في (حالة إتيانهم) بيوتاً غير بيوتهم، وذلك أنهم يستأنسون ويستأذنون ويسلمون على أهلها، قال: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧]، فهنا ذكر الاستئذان والتسليم على أهل البيت كما قدمنا قبل ذلك، ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:٢٧]، ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور:٢٧] وكذلك إذا كان يوجد لك محارم في هذا البيت وأردت أن تدخل فتستأذن أيضاً على الدخول على المحارم، إلا أن تكون الزوجة فهنا لا يجب الاستئذان في الدخول على الزوجة، والعكس الزوجة مع الزوج وإنما هذا الأفضل، فالأفضل أن يستأنس وألا يفزع أهل البيت بأن يدخل فجأة عليهم.
﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ [النور:٢٨] يعني: في هذه البيوت إذا لم تجدوا أحداً فيها فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم.
ومن الآداب أن الإنسان إذا جاء بيتاً واستأنس واستأذن وسلم ولم يرد عليه، وعلم أنه يوجد أحد بداخل البيت فطالما لم يؤذن له فليس له أن يدخل هذا البيت.
﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور:٢٨]، فالبيوت لها حرمات، فعلى ذلك فليس من حقك أن تدخل بيتاً غير بيتك حتى تستأنس، وتسلم على أهله، ويؤذن لك بذلك.
جاء عن قتادة قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبت عمري هذه الآية -يعني: قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور:٢٨]- فما أدركتها: أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي: ارجع وأنا مغتبط.
قال سبحانه: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور:٢٨].
وهذا أدب آخر من الآداب أن صاحب البيت قد يقول لك: ارجع، سواء كان له عذر في ردك أو لا، فعليك أن ترجع ولا تغضب قال تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُم﴾ [النور:٢٨] يعني: أطيب وأطهر لكم، فحين رجعت بزكاء نفسك طيب الله قلبك، وأعطاك الثواب على استجابتك لأمر الشارع الحكيم.
فانظر إلى قصة المهاجر السابقة الذي أراد أن يطبق الآية على نفسه، ويتمنى أن يستأذن فيقال له: ارجع، فيرجع بهذا الأجر والثواب الذي قال الله عنه: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨].
يعني: أنك استجبت لدين ربنا سبحانه، فترجع وقد طهر الله قلبك، وجعل نفسك زاكية، وجعل لك أجراً عظيماً عنده.
وهناك فرق بين هؤلاء وبيننا، فنحن إذا ذهب أحدنا إلى آخر فقال له: ارجع، غضب غضباً شديداً، وتألم لذلك، وأما هم فبالعكس تماماً، فهذه الآداب الشرعية لا بد أن نلتزم بها، ودين الله يعلم الإنسان المؤمن الذوق، والأدب الراقي، ويعلمه أنه لا يغضب من الحق، وهذا هو معنى الاستئذان فإما أن يسمح لك بالدخول أو لا، فطالما أنك رضخت للإذن فارضخ للجواب.
وقد علمهم الله تعالى في الآية الأخرى كيف أنهم يستأذنون على النبي ﷺ إذا دعاهم إلى طعام، فقال: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب:٥٣]، فالأصل أنه إذا دعاك لطعام أن تذهب في وقت الطعام ولا تذهب قبل ذلك، فإذا كانت الوليمة بالليل فلا تذهب من أول النهار وتنتظر، قال: ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] أي: بعد ما انتهيتم من الطعام فانصرفوا.
وعند الدعوة تذهب على وقتها، فإذا قيل لك: أنا أدعوك للطعام عندي في وقت المغرب، فلا تذهب من العصر.
وهنا ربنا يقول: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب:٥٣]، فالدعوة يليها الدخول بعد الإذن، ثم إذا طعمت فانتشر، ويقول لنا: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:٥٣] بمعنى: طبخ الطعام ونضجه، ولكن اذهب في وقت نضج الطعام، فتأكل وتنصرف، وهذا الأدب علمه الله للمؤمنين هو مع النبي ﷺ ومع غيره ﵊.
يقول الإمام القرطبي: إذا ثبت أن الإذن شرط في دخول المنزل فإنه يجوز من الصغير والكبير، يعني: الذي يستأذن سواء كان صغيراً أو كبيراًَ، والذي يأذن سواء كان صغيراً أو كبيراً، فصاحب البيت قد يبعث إليك ابنه يحضرك فيكون قد أذن لك في الدخول فتدخل؛ لأنه وكيل أو مبلغ عن صاحب البيت، وسواء كان هذا الصغير دون البلوغ أو فوق البلوغ، وكان أنس بن مالك ﵁ دون البلوغ وكان يستأذن على رسول الله ﷺ ، وكان يخدمه، ومع ذلك يستأذن عليه في دخوله، ويجلس معه ثم ينصرف في قضاء حوائج النبي ﷺ .
قال الله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢٨] يعني: أن الله يراقبكم ويعلم ما تعملون، فإذا راقبكم وعلم ما تعملون فإنه سيحاسبكم عليه يوم القيامة، وكأنه يهدد الإنسان: أنك إذا لم تلتزم بهذه الآداب الشرعية ولم تلتزم بشرع الله فالله يحاسبك على هذا الذي فعلت يوم القيامة.
ويكون هذا توعد لأهل التجسس على البيوت, وطلب الدخول على غفلة لفعل المعاصي، والنظر إلى ما لا يحل وما لا يجوز، ولغيرهم ممن يقع في المحظور.
فتعلمنا من الآيات كيف نستأذن، وقد كان النبي ﷺ يستأذن، ويعلم أصحابه ألا يستقبلوا الباب بوجوههم، ولكن عن يمين الباب أو عن شمال الباب؛ حتى لا تقع العين على ما في الداخل.
ولو أن إنساناً وقف أمام الباب متغافلاً ويقصد أنه إذا انفتح البيت فإنه ينظر إلى داخل البيت، فالله يهدده ويقول: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢٨]، فيمكن أن يظهر أمام الناس أنه غافل، لكن ما في قلبه يعلمه الله سبحانه.
فمن تجسس على البيوت أو طلب أن يدخل على غفلة من أهل البيت حتى يرى ما لا يجوز له، أو أنه ينظر من خارج البيت إلى ما لا يحل له، فهؤلاء جميعهم الله يقول لهم ولغيرهم: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢٨].
стр. 625
تفسير قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة)
قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور:٢٩] البيوت نوعان: بيوت مسكونة، وبيوت غير مسكونة، فالبيوت المسكونة: إما بيوتكم أو بيوت غيركم، فتتعلم الاستئذان في الجميع، إلا الرجل مع امرأته.
وإذا كانت بيوتاً غير مسكونة مثل أن ينزل في فندق مثلاً ويحجز غرفة فإنه يدخلها بلا إذن؛ لأنه ليس بداخلها أحد أصلاً.
أو إنسان دخل دورات مياه في الطريق وهي خالية فلا حرج في ذلك.
فإذا كانت أماكن فيها منافع للإنسان وليس فيها أحد فلا يوجد إذن ولا معنى للإذن، فيقول: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ [النور:٢٩] يعني: ليس فيها أحد من الناس، ولكن ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور:٢٩] يعني: فيها منفعة لك كالدخول لقضاء حاجة أو نحو ذلك.
يقول جابر بن زيد: ليس يعني بالمتاع: الجهاز، ولكن ما سواه من الحاجة، إما منزل ينزله قوم في ليل أو نهار، أو خربة يدخلها لقضاء حاجة، أو جاء ينظر إليها فهذا متاع، وكل منافع الدنيا متاع.
والمعنى: أن البيت غير المسكون ليس شرطاً أن يكون معداً للنزول فقط، ولكن قد يكون بيتاً للنزول وليس فيه أحد، أو أنه مكان لقضاء الحاجة، أو بستان، أو طريق يأتيه الإنسان لقضاء حاجة من حوائجه، فليس فيه أحد فيجوز له أن يدخل هذا المكان من غير استئذان.
يقول سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور:٢٩]، قد يبدي الإنسان الخير والله يعلم أنه يضمر الشر، فما خفي على الناس فلا يخفى على الله ، فالله يعلم ما تبدون من خير أو شر، وما تخفون من خير أو شر.
стр. 626
تفسير قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)
أمر الله المؤمنين بعد ذلك ويقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠]، فأمر الله نبيه ﷺ أن يبلغ المؤمنين بهذا الأمر: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، وسورة النور أول ما بدأها بأن ذكر حد الزاني والزانية، ومن مقدمات الزنا: النظر، فلذلك هنا أمر بغض الطرف، يعني: اخفض بصرك، ولا ترفعه فتنظر إلى ما يحرم، وقلل من النظر إلى الأشياء حتى لا تقع في الحرام، قال تعالى: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، وما قال: يغضوا أبصارهم وفرق بين يغضوا أبصارهم، ويَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ، فالبصر نعمة من النعم، فتنظر إلى ما يحل لك، وتنظر إلى ما تحتاج إليه، وتنظر إلى أشياء فيها منفعة لك، وتنظر فتعلم أن هذا فيه خير لك أم أنه ليس كذلك.
والبضاعة تشتريها فتنظر إليها، ولكن إذا وصلت للحرام هنا يقول لك: غض من البصر، ولم يقل: غض بصرك فتبقى دائماً تنظر في الأرض ولا تنظر إلى ما أحل لك، وأبغض النظرات هي النظرات المحرمة، وذلك إذا وجدت الفتن، وإذا وجد ما يحرم على الإنسان أن ينظر إليه من امرأة أجنبية، أو أمرد حسن وغير ذلك مما لا يجوز له أن ينظر إليه، فعلى ذلك يغض بصره في هذه الأحوال، والأصل أنه يباح له أن ينظر إلى ما يحل، فإذا عرض شيء يحرم فنظر إليه فله النظرة الأولى، وعليه النظرة الثانية، كأن يكون الإنسان ماش في الطريق وفجأة رأى أمامه ما يحرم عليه، وهو لم يتعمد ذلك فيغض البصر، فإذا استدام البصر فهنا يأثم على ذلك.
جاء في صحيح البخاري أن سعيد بن أبي الحسن قال للحسن بن أبي الحسن أخيه: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورءوسهن، يعني: حين يخرجون للجهاد في سبيل الله فيصلون إلى الأماكن التي فيها الكافرات فتكون المرأة كاشفة عن وجهها، وعن شعرها، وكاشفة عن صدرها.
قال: اصرف بصرك، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠].
وقال قتادة: عما لا يحل لهم.
قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١]، فيحفظ الإنسان نظره عن أن يقع في خائنة عين، فينظر إلى ما نهى الله عنه، يقول الإمام القرطبي: البصر هو الباب الأكبر للقلب، وأعمر طرق الحواس إليه، فإن نظر الإنسان لشيء فسرعان ما يشتهي قلبه هذا الشيء الذي نظر إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته -يعني: من جهة البصر، فينظر الإنسان ولا يزال ينظر حتى يقع في الشيء المحرم- فيجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة من أجله، وقد قال النبي ﷺ لأصحابه: (إياكم والجلوس في الطرقات)، يحذرهم من أن يجلسوا في الطرقات.
فقالوا: (يا رسول الله! ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، فقال: فإذا أبيتم إلا الجلوس فأعطوا الطريق حقه)، فطالما أنكم ستقعد في الطريق وليس لكم أماكن أخرى فافعلوا، وقد كان العرب ليس لهم بيوت ولا نوادٍ للجلوس فيها، وكانت بيوتهم ضيقة، فكان المكان الذي يجتمعون فيه إما المسجد وإما الطريق، فيجتمعون في الطريق، فحذرهم النبي ﷺ من ذلك، فقالوا: ما لنا منها بد، أي: نحن نحتاج لهذا من أجل أن نتحدث في أشياء، أو يرشد بعضنا بعضاً، فقال: (فإذا أبيتم إلا ذلك فأعطوا الطريق حقه، قالوا: ما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، فهذه خمسة حقوق للطريق، فالمار في الطريق يحرم عليه أن ينظر إلى ما حرم الله ، والذي يحط في الطريق أشياء يحرم النظر إليها يأثم إثماً عظيماً؛ كأن يخرج الرجل ابنته أو امرأته متبرجة إلى الطريق، أو يعلق صور نساء عاريات في الطريق، فإذا كان النظر إلى ذلك حراماً، فالذي يجعل ذلك أشد إثماًَ، وواقع في الحرمة الشديدة بسبب ذلك.
ثم قال: (وكف الأذى) أي: أنك لا تؤذي أحداً من المسلمين، والدين يعلمك أنك تكون رفيقاً لا عنيفاً، وترشد الناس برفق، فتأمر بالمعروف تبتغي أن يهدي الله الناس بك، وتنهى عن المنكر حتى يقل، وإذا كان النهي عن المنكر سيسبب منكراً أكبر فلا داعي للنهي عنه، فأمر النبي ﷺ أصحابه، وعلمهم ربنا فقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥].
ومن حقوق الطريق: رد السلام، فإذا مر بك إنسان وسلم عليك وجب عليك أن ترد ﵇.
وقد جاءت أحاديث أخر بحقوق أخرى مثل: إرشاد الطريق، وإعانة الإنسان الذي يحمل شيئاً على دابته، أو يحمل على ظهره فتعينه على ذلك، وتغيث الملهوف والمحتاج.
جاء في حديث آخر أن النبي ﷺ قال لـ علي بن أبي طالب ﵁ وقد سأله عن نظر الفجأة، فقال ﷺ : (اصرف بصرك)، وقال: (لا تتبع النظرة النظرة) يعني: لو فرضنا أنك كنت ماشياً فوقع بصرك على شيء محرم فتغض البصر ولا تنظر مرة أخرى، قال: (لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى وليست لك الثانية).
قال الإمام الأوزاعي: حدثني هارون بن رئاب أن غزوان وأبا موسى الأشعري كانا في بعض مغازيهم، فكشفت جارية فنظر إليها غزوان وهو أحد التابعين، فلما نظر إليها راجع نفسه ولطم نفسه على عينه ففقأها.
ثم قال لعينه: إنك للحاظة إلى ما يضرك ولا ينفعك.
فلقي أبا موسى الأشعري الصحابي الفاضل الفقيه ﵁، فقال له أبو موسى: ظلمت عينك، فاستغفر الله وتب.
يعني: أنت نظرت والعين أداة، ولكن القلب والعقل هما اللذان يوجهانها، وليس مطلوب منك ذلك، فقد ظلمت عينك فإن لها أول نظرة، وعليها ما كان بعد ذلك.
قال الأوزاعي: وكان غزوان ملك نفسه، فلم يضحك حتى مات رضي الله وتعالى عنه.
يعني: كان يتعهد نفسه بالتأديب أنه لا يضحك فيما لا يليق مثلاً، أو أنه من شدة خوفه من الموت والحساب كان يحاسب نفسه على أعماله وأقواله وضحكاته.
وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري)، فالإنسان المؤمن إذا نظر إلى شيء يحرم عليه من صورة إنسان أمرد فعليه أن يغض البصر، وكما يقال: النظرة سهم من سهام إبليس.
فكلما نظر الإنسان إلى شيء وأطال النظر إليه أورث في قلبه نوعاً من العشق لهذا الشيء، وشيئاً فشيئاً حتى يقع في الحرام، والقلب والفرج يصدق ذلك أو يكذبه، لذلك فالإنسان الذي في البرّ لا يدخل نفسه في اللجة فيغرق.
فإذا نظر إلى الشيء فالعين تستحلي النظر، والقلب يدفع إلى ذلك ولكن إذا غض البصر من أوله عصمه الله ، وأورثه في قلبه إيماناً، وأذاقه الله حلاوة الإيمان في قلبه بذلك.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وعلى طاعته وغض أبصارنا وكف أيدينا، وحفظ فروجنا، نسأل الله أن يعيننا في الدنيا على طاعته، وفي الآخرة على جنته.
стр. 627
تفسير سورة النور [٣٠ - ٣١]
يأمر الله سبحانه المؤمنين أن يغضوا أبصارهم عن الحرام؛ لأن البصر هو بوابة الوقوع في كبيرة الزنا، وبيَّن سبحانه أن غض البصر أزكى للمؤمن وأطهر لقلبه؛ لأن المؤمن إذا فعل الطاعات واجتنب المعاصي والسيئات زكت نفسه وطهرت، ولأهمية غض البصر أمر الله المؤمنات بأمر خاص أن يغضضن من أبصارهن، مع أنهن قد دخلن بالتبع في قوله: (قل للمؤمنين).
стр. 628
تفسير قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣٠ - ٣١].
لقد أمر الله عباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم، وأن يحفظوا فروجهم، فقال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠]، فهذا أمر من الله لنبيه ﷺ أن يأمر أمته بغض البصر.
وغض البصر: هو خفض البصر وعدم النظر إلى ما حرمه الله ، وبدأ بذكر البصر لأن البصر يوصل الإثم إلى الفرج، فغض البصر يجعل في قلب الإنسان الإيمان، ويحصنه من الوقوع في الزنا؛ لأن البصر يرسل النظرة إلى النفس فتتشهى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه، فبدأ بالسبب الذي يؤدي للنتيجة وهي الوقوع في الفاحشة.
وكلمة المؤمنون يدخل فيها الذكور بالأصل والإناث بالتبع، وكذلك نقول لمجموعة من الناس: هؤلاء مسلمون، فهذه الكلمة وإن كانت جمع للذكور لكن يدخل تحتها الإناث، وإنما غلب الذكور، فكان من الممكن أن يكتفى بذلك وتكون الآية للمؤمنين والمؤمنات جميعاً، ولكن الله ذكر المؤمنين الذكور وذكر المؤمنات حتى لا تظن المرأة أن هذا خطاب للرجال فقط، فأكد أنها مقصودة بالآية التي تليها.
قوله: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ توكيد لهذا الشيء، وقد ورد في القرآن أوامر يأمر الله المؤمنين بها بصيغة: يا أيها الذين آمنوا فيدخل فيها الرجال والنساء، ولكن عندما يكون الأمر أمراً خطيراً يحتاج لأن ينبه عليه الجميع، وأن كل إنسان سيسأل عن هذا الأمر يوم القيامة، فإنه يذكر الرجال ويذكر النساء، فهنا السورة في أولها ذكرت الزانية والزاني، ولو كان ذكر الزاني فقط لعرفنا أنه يدخل فيه الزانية أيضاً، ولكن للتأكيد على أن الرجل الذي يقع في هذه الفاحشة مسؤول يوم القيامة والمرأة كذلك، وحتى لا يكون لأحد عذر ذكر الله الرجال والنساء، وعندما جاء ذكر حكم كبيرة من الكبائر قال الله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨]، فنص على الرجل ونص على المرأة، وكذلك عندما تظن البعض من المؤمنات أن الرجال مذكورون في القرآن وحدهم بأن لهم أجراً كبيراً، والنساء بالتبع تأتي الآية وتقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] إلى آخر هذه الآية، فيذكر الرجال ويذكر النساء، ولو ذكر الرجال لكفى ويدخل تحته النساء، ولكن لبيان أن هؤلاء يثابون، وأيضاً هؤلاء يثبن على ما يفعلن من الأعمال الصالحة، ومن هذا الباب جاء التأكيد وأن كل إنسان رجل كان أو امرأة سيسأل يوم القيامة عن هذا الأمر، فالرجل مطلوب منه غض البصر، والمرأة أيضاً مطلوب منها غض البصر.
(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ)، حفظ الفرج: هو أن يستره عن أن يراه من لا يحل له أن ينظر إليه، والمعنى الآخر: ستر الفرج عن الوقوع في الفاحشة.
فعندما قال الله تعالى: (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) لأن بصر الإنسان حاسة يحتاج إلى النظر بها رجلاً كان أو امرأة، ولكن الفرج الأصل فيه الستر والحفظ فلم يقل: ويحفظوا من فروجهم، ولو قال ذلك لكان معنىً صحيحاً، لأن الإنسان يحفظ فرجه إلا عما يحل له، ولكن لما كان الأصل في النظر أن ينظر الإنسان، قال: (يغضوا من أبصارهم) أي: بعضاً من هذه الأبصار، وهو النظر المحرم، ويباح ما سوى ذلك، لكن الفرج على العكس من ذلك، فالأصل فيه الستر والحفظ، فلم يقل: (من فروجهم) ولكن قال: (وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ).
قوله: (ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (ذَلِكَ): أي: الغض والحفظ.
(أَزْكَى لَهُمْ) أي: أطهر لهم، والإنسان كلما عمل طاعة زكى نفسه، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠]، وكلما زكاه الله وطهره أورثه إيماناً في قلبه، والإيمان يزيد وينقص، فيزيد الله المؤمنين هدىً، ويزيدهم إيماناً بطاعتهم له ، وينقص الإيمان بمعصية الإنسان لربه سبحانه، ولا يزال الإيمان ينقص حتى يضيع بالكلية، لذلك فالمؤمن يحرص على المحافظة على إيمانه بطاعة الله سبحانه، وعلى أن يزداد إيمانه بذكره لله سبحانه وبالعمل الصالح، فغض البصر يجعل للإنسان في قلبه نوراً، ولذلك جاء عن الإمام الشافعي ﵀ أنه قال: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي فالإنسان العاصي يبتعد عنه نور الإيمان، والإنسان المطيع يمتلئ قلبه نوراً، فيعرف ما الذي يفعل ويعرف ما الذي يجتنب.
(ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) أي: غض البصر، وحفظ الفرج.
(إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ) الخبرة: هي العلم الدقيق بخفايا الشيء وخباياه، وخفايا النفوس وخفايا الأعين، فالله خبير .
(بِمَا يَصْنَعُونَ) بما يصنع الرجل وبما تصنع المرأة، وبما يتصنع الرجل وبما تتصنع المرأة، فالله خبير بما يبديه هذا الإنسان وبما يخفيه، وبما يصنعه لله وما يصنعه لغير الله .
وقد جاء في حديث بهز بن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه عن جده قال: (قلت: يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟! قال ﷺ : احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك) أي: أن الأصل الستر وحفظ العورة.
(فقال: الرجل يكون مع الرجل) وكان أهل الجاهلية لا يستحيون من هذا الشيء.
(فقال النبي ﷺ : إن استطعت ألا يراها أحد فافعل) أي إن استطعت أن تستتر ولا يرى سوءتك أحد أبداً فافعل، (قال قلت: فالرجل يكون خالياً؟!) أي: وحيداً في البيت، (فقال ﷺ : الله أحق أن يستحيا منه من الناس)، فالإنسان يستحيي من ربه سبحانه أن يقعد متجرداً، وإن كان ليس محرماً عليه إذا كان في حمام أو نحو ذلك فتجرد من ثيابه لحاجة، ولكن إذا كان يستحيي من الناس فليستحيي من الله .
стр. 629
حكم دخول الحمام
يقول الإمام القرطبي ﵀: بهذه الآية حرم العلماء نصاً دخول الحمام بدون مئزر، والمقصود بالحمام هنا: الحمام العمومي، وهو مكان يدخله الناس كلهم يستحمون فيه، وفي الماضي لم يكن هناك حمامات في البيوت، ولم يكن يوجد دورات مياه في البيوت، فكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا أراد أحدهم أن يأتي الخلاء فإنه يخرج إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يرجع إلى بيته، والنساء كن يخرجن من الليل إلى الليل إلى المناصع -مكان- فتخرج المرأة مع امرأة أخرى لقضاء الحاجة، فكان أمراً صعباً جداً، وهذه كانت عادة العرب في أول الأمر، ثم بعد ذلك فتح الله عليهم وأصبحت البيوت بها دورات مياه، ولكن كانت المياه باردة فكانوا يحتاجون لتسخين المياه للاستحمام، ولم يكن البيوت يوجد بها هذا الشيء، فكانوا يحتاجون أن يخرجوا إلى الحمام -وهو مكان فيه نار يخرج منها ماء-، فيذهب الناس يستحمون فيه، والحمام مأخوذ من الحميم، والحميم هو اللهب والنار، فكانوا يذهبون إلى المكان الذي فيه الحميم، ليستحموا بالماء الساخن، فكان البعض من الناس يدخلون ويتكشفون في هذا المكان، فحذر النبي ﷺ من ذلك، ولم يكن ذلك مشهوراً عند الصحابة، ولكن لما فتحوا الفتوح بدأوا يذهبون إلى بلاد الشام ويجدون هذه الحمامات، ويذهبون إلى بلاد العراق ويجدون هذه الحمامات ولم يكن معروفاً في المدينة هذا الشيء إلا على سبيل الندرة.
فإذا دخل الإنسان حماماً عمومياً فلا بد له أن يستر ما بين سرته وركبتيه.
وقد جاء عن ابن عمر ﵁ أنه قال: أطيب ما أنفق الرجل درهم يعطيه للحمام في خلوة.
فذكر في خلوة، وإن وجد إنسان فيه فليكن هذا مستتر والآخر مثله.
وصح أن ابن عباس ﵁ أنه دخل الحمام وهو محرم بالجحفة، فقالوا: يجوز للرجال أن يدخلوا الحمام بالمآزر، ولكن يستر من سرته إلى فخذه.
قالوا: وكذلك النساء للضرورة، ويشدد في أمر النساء، فقد جاء عن النبي ﷺ في الحديث الذي ترويه أم سلمة أنه ﷺ قال: (والذي نفسي بيده! ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت أحد من أمهاتها إلا وهي هاتكة كل ستر بينها وبين الرحمن إن من النساء في زماننا هذا من تنزع ثيابها في الحمام، وفي بيت غير بيتها، ونراها تمشي كاسية عارية، وقد ذكر النبي ﷺ أنها تهتك الستر الذي بينها وبين الله ، أي: تستحق من الله أن يفضحها وأن يعاقبها في الدنيا وفي الآخرة، فقال: (إلا وهي هاتكة كل ستر بينها وبين الرحمن .
وأيضاً جاء عنه ﷺ أنه قال: (احذروا بيتاً يقال له: الحمام) الحديث رواه الطبراني والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عباس، وصححه الشيخ الألباني قالوا: يا رسول الله! ننقي الوسخ، قال: فاستتروا) أي: إذا كنت تحتاج أن تذهب إلى هذا المكان فلا بد أن تكون مستتراًَ ولا تكون متجرداً.
يقول الإمام القرطبي ﵀: وأما دخول الحمام في هذا الزمان فحرام على أهل الفضل والدين.
والمقصود بالزمان زمن القرطبي، وقد كان في القرن السابع رحمه الله تعالى.
قال: لغلبة الجهل على الناس، واستسهالهم إذا توسطوا الحمام رمي مآزرهم أي: أنه يدخل الحمام وعندما يكون في وسط الناس يخلع ثيابه فتبدو عورته أمام الناس، وهذا محرم.
يقول ﵀: حتى يرى الرجل البهي ذو الشيبة قائماً وسط الحمام وخارجه بادية عورته، فهذا أمر بين الرجال، فكيف بين النساء؟! لاسيما بالديار المصرية.
هذا كلام القرطبي، وأصله من قرطبة، وسكن في صعيد مصر، ومات فيها رحمه الله تعالى، وعندما رأى أشياء كثيرة في مصر قال: لاسيما بالديار المصرية؛ فإن حماماتهم خالية عن المظاهر التي هي عن أعين الناس سواتر، أي: أن الأشياء التي تستر الناس في حماماتهم قد خلت منها الحمامات المصرية، فكيف لو أتى في هذا الزمان ورأى البحار التي بها العري ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 630
شروط دخول الحمامات العامة
يقول ﵀: قال العلماء: فإن استتر فليدخل بعشرة شروط: الأول: ألا يدخل إلا بنية التداوي، أو بنية التطهير عن الرحضاء، أي: أن يكون محتاجاً لهذا الشيء، فإن لم يكن محتاجاً فلا يذهب.
الثاني: أن يتعمد أوقات الخلوة أو قلة الناس.
فلا يذهب في وقت يكثر الناس فيه؛ لأنه قد يكون منهم من لا يستحيي فينكشف أمام هذا الداخل.
الثالث: أن يستر عورته بإزار صفيق، والإزار: هو ثوب يستره من سرته إلى ركبته أو أسفل من ذلك، ومعنى صفيق: أي متين وغليظ.
الرابع: أن يكون نظره إلى الأرض، أو يستقبل الحائط؛ لئلا يقع بصره على محظور، أي: إذا ذهب محتاجاً إلى هذا المكان فليكن بصره للحائط أو للأرض؛ حتى لا ينظر إلى شيء محظور.
الخامس: أن يغير ما يرى من منكر برفق، فيقول: استتر سترك الله، أي: أن يأمر غيره بالاستتار برفق.
السادس: إن دلكه أحد فلا يمكنه من عورته: من سرته إلى ركبته إلا امرأته أو جاريته.
السابع: أن يدخله بأجرة معلومة بشرط أو بعادة الناس.
الثامن: أن يصب الماء على قدر الحاجة.
التاسع: إن لم يقدر على دخوله وحده اتفق مع قوم يحفظون أديانهم على كرائه، أي: عندما يحب أن يدخل مع الناس فلينتظر إلى أن يأتي أناس محترمون أهل دين فيذهب معهم، بحيث يكون في وسط أناس لهم خلق ودين واستتار.
العاشر: أن يتذكر به جهنم، أي: إذا رأى النار تذكر نار جهنم، فيعينه ذلك على الاستتار وعلى غض البصر.
هذه الشروط في الحمام المصري الذي يكون مقفلاً فكيف الحال بالبحر المفتوح الذي فيه الرجال والنساء، فممنوع أن يذهب المسلم إلى مثل هذا المكان فيكون في وسط الناس ويقول: أغض بصري! كيف سيغض بصره؟! إلا أن يكون على الصورة التي ذكرها القرطبي أن يذهب في وسط أناس من أهل الخير والتقوى في وقت خال مثل الفجر أو غيره.
فالمرء المسلم يخاف من الله ، ويحافظ على نفسه، وعلى دينه، ويغض بصره، ولا يذهب إلى مكان يرى فيه الفحش أمامه ولا يقدر على إنكار شيء منه، وقد عمت الفواحش في الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله يقول في كتابه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، فالإنسان عندما يختلط بأهل السفه وأهل العري يسهل عليه أن يكون مثلهم، فتجده يذهب إلى البحر وينزل في وسط الناس، ويقف بينهم وفخذاه ظاهرتان، فيهين نفسه شيئاً فشيئاً، حتى يهون في نفسه، ويهون عليه دينه، وينسى ربه .
فالمسلم دائماً عصمته في الالتجاء إلى الله ، وفي كونه مع جماعة المسلمين وإخوانه الصالحين، فإذا ذهب إلى مكان فليذهب إلى المكان الذي به أهل الصلاح، وليحرص على أن يطيع الله ، ويغض بصره؛ لأن الإنسان إذا نظر إلى شيء سرعان ما يتساهل ويتأول لنفسه حتى يقع في الفاحشة والعياذ بالله، ولنأخذ العبرة من قول النبي ﷺ : (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا أخذهم الطاعون والأمراض التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا من قبل)، فتجد الناس يتساهلون في الحرام وفي المنكر وفي العري، ثم يختلط الرجال بالنساء، وبعد ذلك يقعون في الفاحشة، فيأتي العذاب من عند الله ، وهذا ما نسمع عنه في هذه الأيام، فهناك وباء ظهر في الصين وبدأ ينتشر في شرق آسيا وغيرها، وهو وباء (سارس)، وهو التهاب رئوي، وهو: ميكروب ضعيف جداً، والقضاء عليه في خارج جسم الإنسان لا يستغرق خمس دقائق بكلور أو بغيره، أما إذا دخل جسم الإنسان فإنه ليس له علاج، فلم يجدوا له علاجاً إلى الآن، وقد أخذ ينتشر، فالآلاف من الناس يموتون من هذا المرض، وقد قرأنا في الصحف أن الصين يقولون: نريد أن نرجع إلى تقاليدنا القديمة، فلا داعي لأن يقُبِّل الناس بعضهم بعضاً، لقد بدءوا يعرفون سبب الأمراض، فهم عندما يقبلون بعضهم يقعون في الفواحش فيبتليهم الله بالأمراض، فمرض الهربس والسيلان والإيدز يأتي من المباشرة الجنسية، فقالوا: لا بد من وضع واقٍ لكي لا يأتي بالمباشرة، ولكن هذا الميكروب أصبح ينتقل إليهم عن طريق التنفس، يخادعون الله وهو خادعهم، ويريدون أن يعجزوا ربهم ؟! وهيهات أن يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وقد قالت وزيرة الصحة الصينية ونائبة رئيس الوزراء: نريد أن نرجع إلى التقاليد القديمة، لا داعي لأن يقبل أحدنا الآخر، لا داعي حتى أن يصافح أحدنا الآخر، يريدون أن يسلموا بالإشارة فقط، لقد بدءوا يعرفون أن الفاحشة التي يقعون فيها هي التي تجلب لهم المصائب والأمراض، وكلما كثرت الفواحش في الناس ابتلاهم الله ، وصدق رسول الله ﷺ : (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها)، وأما إذا كانت الفاحشة مستترة فإن الله قد يستر على عباده، حتى إذا أعلنوها بين الناس ضربهم الله بالطاعون والأمراض التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 631
تفسير سورة النور (تابع) [٣٠ - ٣١]
من حكمة الله أن أمر بغض البصر وحفظ الفرج؛ حتى لا تشيع الفاحشة وتنتشر الجريمة، وحتى يتمكن الإنسان من غض بصره وحفظ فرجه عن المحرمات أمر الله النساء بعدم الخروج سافرات، ونهاهن عن التبرج حتى لا يفتن بهن الرجال، وسداً لذريعة الفساد، وإغلاقاً لأبواب الفتن.
стр. 632
الأمر بغض البصر وحفظ الفرج
الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣٠ - ٣١].
في هاتين الآيتين من سورة النور يأمر الله المؤمنين رجالاً ونساءً بأمرين: غض الأبصار، وحفظ الفروج.
ثم ذكر للنساء مزيد تأكيد في ذلك فقال: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] إلى آخر ما ذكره .
ففيه أن هذا الدين العظيم جعل حدوداً للإنسان، وليس من حق الإنسان أن يقتحم هذه الحدود التي جعلها الله حماية له ولغيره، فبصر الإنسان خلقه الله لينظر به إلى ما ينفعه، وحرم عليه النظر به إلى ما يضره، فليحذر الإنسان وليغض بصره، كما أمر الله بقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، ولم يقل: قل للناس، ولكن قال: قل للمؤمنين، تهييجاً لداعي الإيمان في القلوب، فإذا كان العبد مؤمناً فسوف ينفذ ما أمره الله به.
وقوله: (يغضوا من أبصارهم)، (ويغضضن من أبصارهن) أي: من بعض النظر وليس من جميع النظر، وإلا فالعين خلقت لكي تنظر وتبصر، ويتأمل بها الإنسان ما يريد أن يتأمله، ويبصر بها ما يريد أن ينظر إليه.
فيكون غض البصر، واخفض الطرف عن الحرام.
قال تعالى: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠]، وكأن البصر علاقته بقلب الإنسان وبفرجه علاقة شديدة وقوية، فلذلك هنا عقب بعد غض البصر بحفظ الفرج، فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠]، ولما كان الأصل في البصر: غض بعضه، قال: عضوا من أبصاركم، ولما كان الأصل في الفرج: الحفظ، قال: احفظوا فروجكم كاملة، فأمرهم بحفظ الفرج عن كل ما حرم الله إلا ما يباح للإنسان من زوجته أو ملكت يمينه.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] أي: أطيب وأطهر لهم، وقد مدح الله المؤمنين الذين يتطهرون بقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وقال عن الذين يزكون أنفسهم ويطهرونها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩]، فيزكي نفسه أي: يطهرها بطاعة الله سبحانه والبعد عن محارمه.
﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١٠] أي: أوقعها في الرجس والنجس والخبث، وفيما حرم الله من المعاصي ومن الذنوب، فالمؤمن يزكي نفسه بمعنى: يطهرها.
وفرق بين التزكية التي يريدها الله من العبد، والتزكية التي يمنع منها العبد، كما في قوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] أي: لا تمدحوا أنفسكم بالأوصاف التي فيها المدح، بمعنى: لا تجعل نفسك أفضل من غيرك بهذه الصفات، ولكن الله أعلم بما في القلوب، وهو أعلم بأهل التقوى سبحانه، فقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١٠] أي: قد أفلح من زكاها بالعمل وليس بالقول وقوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢] أي: بالأقوال، وبمدح بعضكم بعضاً، فتقطعوا ظهور إخوانكم بهذا المديح الذي لا ينبني عليه إلا العجب والرياء والافتخار، ولكن زكوها بتقوى الله ، وبفعل الطاعات، فمن كان كذلك فهو مفلح، فيزكيه الله ويطهر قلبه، ويعصمه من الشيطان: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠].
وأمر الله المؤمنات بما أمر به المؤمنين، فقال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١]، فبغض الإنسان بصره: يحافظ على فرجه وإيمانه، ويحافظ على قلبه من الشهوات والشبهات؛ لأن الإنسان إذا أطلق لبصره العنان، ونظر إلى ما حرم الله: اشتهى هذا الذي حرمه الله، فوقع في العشق الحرام، وبعد ذلك يستبيح الحرمات التي حرمها الله .
стр. 633
التحذير من فتنة النساء وما يقع في آخر الزمان
لقد ذكر لنا النبي ﷺ أن أشد ما يخشاه على هذه الأمة هو فتنة النساء، فقال: (اتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).
فخاف ﷺ على هذه الأمة من النساء، وأمر المرأة بأن تحتجب، وقال: (المرأة عورة)، كما أمرها الله ألا تبدي زينتها إلا لمحارمها، فإذا أبدت المرأة زينتها للأجانب عنها أوقعت نفسها في الفتنة، وأوقعتهم في ما حرم الله ، فأوشك الناس أن يستبيحوا للزنا، وهذا هو الحاصل في هذا الزمان ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقد أصبح الإنسان يترخص في شرع الله سبحانه، وينسى دينه، ويقع في المحرمات، رجالاً ونساء، ولذلك قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البزار وابن حبان عن عبد الله بن عمرو بن العاص: (لا تقوم الساعة حتى يتسافدوا في الطريق تسافد الحمير.
قال: قلت: إن ذلك لكائن؟ قال: نعم، ليكونن)، فلا تقوم الساعة حتى يحدث ذلك، وقوله (يتسافدوا في الطريق) أي: يزني الرجل بالمرأة في الطريق.
وهذا ما يحدث في دول الغرب، ففي الحدائق العامة أمام الناس لا يستحي الإنسان أن يأتي المرأة فيفعل بها ما يشاء، طالما أنها بالغة وكبيرة راشدة، فالقانون عندهم لا يمنع من هذا الشيء، وأما بلاد المسلمين - ولا حول ولا قوة إلا بالله - فقد وجدت بعض تلك الصور سواء قلت أو كثرت، فالرجل يحتضن الفتاة في الشارع، ويمشي معها في الطريق، ويضع يده على كتفها، وتتعرى المرأة في الطرقات، وفي البحار، إلى غير ذلك من العري والأشياء الفاضحة التي تحدث هنالك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: (لا تقوم الساعة حتى يتسافدوا - يقعوا في الزنا- في الطريق تسافد الحمير)، كما تفعل البهائم بلا حياء.
قال عبد الله بن عمرو: (قلت: إن ذلك لكائن؟) كأنه يتعجب: هل من الممكن أن يحصل هذا الشيء؟ قال: (نعم، ليكونن).
وصدق رسول الله ﷺ ، فالإخبار بما يكون من معجزاته ﵊، وذلك أن الله يخبره بما يكون، فيخبر الناس، فيكون على ما قاله صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 634
ما ينبغي للمسلم فعله حتى يغض بصره ويحفظ فرجه
روى الترمذي وابن حبان، من حديث جابر عن النبي ﷺ : (إن المرأة إذا أقبلت أقبلت في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأتي أهله؛ فإن الذي معها مثل الذي معها).
وهذا الحديث قاله النبي ﷺ قولاً وبينه عملاً صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان جالساً مع أصحابه ﵊ -والنساء في عهده ﷺ كن محتجبات، فليس هناك امرأة تمشي كاشفة أو عارية، التزاماً بأمر الله فتمر امرأة من بعيد، ويقوم النبي ﷺ ويذهب إلى بيته ويأتي أهله، ثم يخرج إليهم بعد ذلك ويخبرهم أنه رأى هذه المرأة، فذهب إلى بيته وأتى أهله ﷺ .
والنبي ﷺ لا يهيجه الشيطان، أو يوسوس له؛ لأن الله قد عصمه من ذلك، ولكنه أراد أن يعلم أصحابه ﵊، فأتى أهله، ثم اغتسل، ثم خرج وأخبرهم بما حدث، وكأنه يقول: لا تجعل نفسك تشتهي ما لا تفعله ولا تحصل عليه إلا بطريق الحرام، ولكن اذهب إلى ما أحله الله لك.
أما الشباب العزاب فقد قال لهم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء).
فعلمهم أن من استطاع منهم تكاليف الزواج، وعنده القدرة عليه فليتزوج: (فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج) أي: فإن الزواج يعين المؤمن على أن يغض بصره، وعلى إحصان فرجه.
والذي لا يقدر على الزواج فعليه ألا يتمنى ما لا يقدر عليه، ولكن قال له ﷺ : عليك بالصوم؛ لأن الصوم يقلل ما في نفسه من شهوة، فالغذاء إذا قل قلت شهوة الإنسان، وكثْرة الصيام نوع من تقليل الأغذية.
والأمر الآخر أن الصوم يذكر الإنسان بمحارم الله، فيحفظ لسانه وبصره وأذنه ويده ورجله عن الحرام، فإذا بصومه -إذا كان صوماً حقيقاً- يبعده عن ذلك، ويعينه على غض بصره وحفظ فرجه، فأمر النبي ﷺ المؤمن أن يتزوج، والأمر بالزواج هنا للاستحباب، ولكن إذا خشي الإنسان على نفسه الوقوع في الفتنة وعنده قدرة على الزواج وجب عليه أن يتزوج؛ حتى يحصن فرجه، ويعف نفسه عن الوقوع في ما حرم الله سبحانه.
وقوله سبحانه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] فيه أمر للنساء أن يحفظن فروجهن، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (احفظ فرجك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك).
فيجب على المرأة أن تحفظ فرجها إلا من زوجها، كما يحرم عليها وعلى الرجل إبداء ما حرم الله إبداءه.
стр. 635
حفظ الفرج نوعان
حفظ الفرج -كما ذكرنا قبل- نوعان: الأول الحفظ من النظر، فلا ينظر إليه أحد.
والثاني: الحفظ من الوقوع في الحرام، ولذلك مدح الله المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٥] فهذا هو الأصل، ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٦] أي: أن الرجل يحفظ فرجه إلا من زوجته أو ما ملكت يمينه، فله أن يملك الأمة فيطأها ويكون له منها الولد، أما المرأة فإنها تحفظ فرجها إلا من زوجها فقط، وأما ما ملكته يمينها فلا يجوز لها معاشرته.
والآن وفي زماننا لا يوجد إماء ولا عبيد، وعلى ذلك فيجب على الرجل حفظ فرجه إلا من زوجته فقط، والمرأة كذلك مع زوجها.
следующие страницы →