Полный текст (3 717 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
القراءات في قوله تعالى: (والله خلق)
قال الله : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور:٤٥]، فهذا آية من آياته سبحانه.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور:٤٥] هذه قراءة الجمهور، وقراءة حمزة والكسائي وخلف: ((والله خالق كل دابة من ماء)).
فلم يكن في عهد النبي ﷺ تحليل طبي لجسد الإنسان ليعرف مم خلق!
стр. 737
كلام علماء الطب عن الماء في جسم الإنسان
قال علماء الطب: إن جسد الإنسان يتكون من سبعين في المائة (٧٠%) منه ماء، وباقي هذا الجسد يتركب من باقي المواد التي خلق منها، وكذلك كل ما يدب على الأرض مخلوق من ماء سواء كان إنساناً أو حيواناً أو ما يكون في الأرض من حشرات، وما يكون في الجو من طير، فالتحليل لأجساد هذه الأشياء يثبت أن التركيب الأغلب فيها هو من الماء.
стр. 738
معنى الماء في الآية الكريمة
والماء يأتي لمعنيين: فيأتي بمعنى النطفة، فكل ما يدب على الأرض يتكاثر بذلك.
ويأتي بمعنى الماء المعروف الذي يتركب منه الجسد، وكان الناس في الماضي يفهمون أن المراد بالماء هو النطفة، وأما أن جسد الحيوان أكثره ماء فهذا لم يعرف إلا بالعلم الحديث، والقرآن قد سبق العلم الحديث في أن الماء ضروري للإنسان، فيمنُّ الله على الإنسان بأنه قد رزقه هذا الماء.
والإنسان ممكن أن يعيش من غير أكل مدة أقصاها ستون يوماً، وأما الماء فلا يستطيع أن يصبر على فقده أكثر من ثلاثة أيام إلى عشرة أيام، ويموت الإنسان إذا فقد الماء أكثر من ذلك.
فالماء ضروري للإنسان وجسده مركب منه، والماء أساس تكوين الدم في الإنسان، وكذلك السائل اللمفاوي، والسائل النخاعي، وإفرازات جسم الإنسان: كالبول والعرق والدموع واللعاب والمخاط، والسوائل الموجودة في الغضاريف والمفاصل، وسبب رخاوة جسم الإنسان هو الماء الذي فيه، ولو أن الإنسان فقد عشرين بالمائة من الماء الذي فيه فإنه يوشك أن يموت.
فالله يمن على العباد أنه خلقهم من ماء، وسقاهم منه، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، ليطهرهم به، وليثبت به أقدامهم.
فالماء نعمة عظيمة، فإنه يذيب المواد الغذائية والفضلات الموجودة في جسد الإنسان حتى تخرج منه كالبول والعرق، فيجب على الإنسان أن يحمد الله على هذه النعمة العظيمة بعد الشرب وكذلك بعد أكل الطعام، فصاحب النعم العظيمة لا يعرفها إلا إذا فقدها، فاحمد ربك في وقت الرخاء يعطك في وقت البلاء، ولا تكن كالذي لا يذكر ربه إلا إذا فقد النعمة.
стр. 739
تفسير سورة النور [٤٢ - ٤٦]
يدلل الله على عظيم قدرته في هذا الخلق والكون بأنه ينشئ السحاب الثقال المحملة بالماء الكثير والبرد فيرزقه من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، ويقلب الليل والنهار ليستفيد منهما الإنسان للعمل والراحة والسكنى، وخلق المخلوقات على أشكال وصور مختلفة، كل هذا ليدلل على قدرته العظيمة، وحكمته البالغة، وآياته الواضحة الباهرة.
стр. 740
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ * وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور:٤٤ - ٤٦].
أخبرنا الله تعالى في هذه الآيات وما قبلها عن بديع صنعته في خلقه ، وعن قدرته العظيمة، وأنه يسبح له من في السموات والأرض، والطير كذلك تسبح ربها صافات، فكل قد علمه الله صلاته وتسبيحه.
فالله عليم يعلم كل شيء، والله خالق كل شيء، والله أعلم بمن خلق، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فخلق كل شيء وجعل له ما يفهم به ويخاطب به، والله يفهم جميع لغات هذه الأشياء من إنسان وحيوان وبهائم وحشرات وطيور وجماد ونبات، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، والله عليم بما يفعلون، وعلمه محيط بكل شيء، ولا يحيط الخلق بشيء من علمه، فالله أحاط بكل شيء علماً، فانظر إلى الإنسان كيف أحاط الله به علماً، يكتب ما يعمل هذا الإنسان منذ خلق، ويؤمر الملك أن يكتب أجل هذا الإنسان وعمله، وشقي أو سعيد، فكم سيبقى هذا الإنسان في بطن أمه؟! ومتى سينزل من بطن أمه؟! وهل سيموت فيها أم يخرج منها حياً؟! فيأمر الله الملك أن يكتب جميع ما يكون عليه، فيؤمر بكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد.
فنزل إلى هذه الدنيا وقد علم الله قبل خلقه كيف سيكون هذا الإنسان فيها، هل يعيش أم يموت، وهل يموت صغيراً أم شاباً أم كهلاً أم شيخاً، وما الذي سيتعلمه، وما الذي سيعمله، وما الذي سينويه، وهل سيكون على الإسلام أم على غيره، فعلم الله كل شيء، والإنسان قد يبتلى ويصاب بأشياء من مصائب الدنيا، يصاب بأشياء تسعده وأشياء تشقيه، والله قد علم ذلك كله، فهذا في الفرد الواحد، ويعلم فوق ذلك بكثير، فيعلم نفس الإنسان حين يخرج ونفسه حين يدخل، ومتى يكون آخر نفس لهذا الإنسان، فهؤلاء الناس جميعهم الله يعلم من كل واحد منهم هذا الشيء، يعلم من يموت ومن يعيش، ويعلم في النبات ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، فهذا شيء عظيم جداً جداً، فعندما تنظر في علم الله سبحانه في ورقة من ورق الشجر فهو يعلم متى ستنبت هذه الورقة، ومتى تكتمل، ومتى تسقط على الأرض، وكذلك الحبة الصغيرة يعلم الله متى تنمو، ومتى تكون في الشجرة، ومتى تكون ثمرة، ومتى تجف، ومتى تسقط في الأرض، ومتى تبتلعها، ومتى تنمو من جديد، وهذا شيء عظيم جداً من علم الله سبحانه، فيتحير الذي ينظر ويفكر في هذا، فعلم الخالق علم محيط بكل شيء.
والإنسان لا يحيط بشيء من علم الله، والإنسان هنا جنس فيشمل كل الناس، فلو اجتمعوا فلا يحيطون بشيء من علم الله ، والذي ينظر في علم الإنسان يريد أنه كلما ازداد علماً تخصص في شيء، وإذا ازداد علماً بعد ذلك قلّ الشيء الذي يتخصص فيه، فانظر للإنسان الذي يتعلم وهو صغير فعندما يكبر ويذهب إلى الكلية يتعلم الطب، فيدرس جميع الفروع دراسة ليست تفصيلية، وإنما يدرسها دراسة عامة، فإذا ترقى بعد ذلك تخصص في فرع واحد فقط، فإذا ترقى بعد ذلك تخصص في شيء من هذا الفرع، وتجد إنساناً أصبح طبيباً ممارساً أو أصبح أخصائياً لجزء من جسم الإنسان، ويقوم بتحضير الدكتوراة في جزء منها في شيء معين فيه، وبعد ذلك يتخصص في مرض معين من الأمراض يكون له باع في هذا الشيء، فعلم الإنسان كلما ازداد تخصص وضاق، وبقية الأشياء ليس لديه فيها خبرة، فتذهب لطبيب مشهور جداً في نقطة معينة في هذا الشيء يعرفه، فعندما تسأله عن منطقة بعيدة منها يقول لك: اذهب إلى أخصائي فيها، فهذا الإنسان علمه لا يحيط بشيء واحد من كل جهاته، والله أحاط بكل شيء علماً، قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فهو العليم الخبير، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور:٤١].
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٤٢] جميع ما في السموات وما في الأرض ملك لله تعالى، فهو المالك الحقيقي، فيملك كل شيء، ويحكم على كل شيء، ثم المصير إليه ، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [النور:٤٢] أي: المرجع والمآب.
ثم يعجبنا من قدرته العظيمة كيف يكون السحاب كما ذكرنا في الحديث السابق: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٣] (يُزْجِي): يسوق ويدفع برفق، ثم يؤلف بين هذه السحاب، ثم يركمها بعضها فوق بعض حتى تصير جبلاً عالياً بمقدار (١٥) كيلو متراً أو (٢٠) كيلو متراً بعضها فوق بعض.
قوله: (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) أي: فترى قطرات المطر تنزل من خلاله، فلو شاء لسكبه دفعة واحدة، وتخيل لو انسكب هذا السحاب دفعة واحدة، كيف سيصنع بمن ينزل فوقه؟ فهذا يكون شيئاً عظيماً ومهولاً، ولكن الله بفضله ورحمته سبحانه ينظم كونه.
قوله: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) وهذا مثل هيئة الجبل الموجود على الأرض.
(فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) أي: قطع الثلج.
ومن رحمة رب العالمين أنه لا يجعل السحابة تسقط قطعة ثلج واحدة؛ لأنها ستنزل على الناس وتكسر كل ما تنزل عليه، لكن الله بفضله ورحمته ينزل البرد قطعاً صغيرة من الثلج، ولو شاء الله لجعله مهلكاً لخلقه، ولكنه رحيم بنا سبحانه ﵎.
قوله: (فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ) يصيب بهذا المطر والبرد من يشاء، فرحمة الله مقسومة، فيقسم الأرزاق لعباده، فيكون في هذا المكان مطر كثير، وفي هذا المكان مطر غزير، وفي هذا المكان مطر يسير، بحسب ما يقدره رب العالمين سبحانه من أرزاق للعباد، ويكون في مكان ما مهلكاً، وفي مكان آخر منبتاً، والله يفعل ما يشاء.
قوله: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ) أي: ضوء البرق الذي يخرج من خلال هذه السحاب ومن خلال هذا الرعد، وفي البرق شحنات كهربائية تكون بداخل هذه السحاب، فيكاد سنا وضوء هذا البرق يذهب بأبصار من ينظر إليه.
стр. 741
تفسير قوله تعالى: (يقلب الله الليل والنهار)
قال تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٤].
كما ذكرنا أنه يجعل الليل يطول فيقصر النهار، ويجعل الليل بارداً والنهار حاراً، ويجعل الليل مظلماً وقد يكون منيراً، ويجعل النهار مضيئاً وقد يظلمه بسحاب، فيقلب أرزاق العباد بين الليل والنهار، ويقلب حالاتهم من نوم وغيره بالليل والنهار.
قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ) أي: هذه عبرة وعظة لأولي الأبصار، فينظرون كيف يقلب الله الليل والنهار، ولو شاء لجعل الليل سرمداً إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ [القصص:٧١]، فلو أنه فعل ذلك فمن سيقدر أن يأتي بالضياء، ولو شاء الله لجعل النهار سرمداً إلى يوم القيامة، وقال تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ [القصص:٧٢]، فجعل الليل سكناً، وجعل فيه النوم سباتاً، وجعل النهار فيه معاشاً، فالإنسان يحتاج إلى أن يستريح، وقد يقول الإنسان: أنا أستطيع أن أظل بغير نوم لمدة ثلاثة أيام، ويحاول هذا الشيء ويجد في النهاية أنه يستسلم للنوم ولا يقدر على هذا الشيء، وإلا فإنه يتعب ويموت في النهاية، فالله جعل الليل والنهار، وتقلب العباد واحتياجهم لليل والنهار والنوم والعمل عبرة لأولي الألباب والأبصار، فيعلمون أنهم محتاجون لربهم سبحانه، ومحتاجون إلى فضله ورحمته جل وعلا، فيحتاج الإنسان إلى رزقه فيقول: يا رب! ويحتاج إلى صحته وعافيته فيقول: يا رب!، ويحتاج إلى نومه فيقول: يا رب! ولا يشعر بحاجته إلا حين يفقدها، وعندما تجد نفسك أرقت ليلة ثم ليلة أخرى فتصير كالمجنون، ولا تعرف كيف ينام! فتقول: يا رب! اجعلني أنام، وتقوم بشرب المسكنات والمنومات، لكي تجد النوم، فالله صاحب الفضل العظيم على الإنسان، فهو الذي يجعلك تنام بالليل، والإنسان يريد أن يعمل وفجأة يمرض، فيقول: يا رب! اشفني أريد أن أعمل، وأريد أن آكل، وأريد كذا، ولا يعرف فضل الله ونعمته عليه، فلا يشكره على هذه النعمة إلا حين يبتليه الله سبحانه بفقدان هذه النعمة، فالإنسان المؤمن دائماً يتذكر ويبصر ما بصره الله به.
стр. 742
تفسير قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء)
ثم يذكر الله نعمة أخرى من نعمه كما ذكرنا في الحديث السابق، وهذه النعمة هي الماء، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور:٤٥].
قوله: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ)، أي: كل ما يدب على الأرض خلقه الله من ماء، والله خلق خلقاً كثيراً، فخلق الملائكة وجعلهم من نور، وخلق الجان فجعلهم من نار، وخلق الإنسان والدواب فجعله من ماء، فالله خلق كل ما يدب على الأرض من ماء.
قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ) هنا يرينا الله آياته العظيمة ، فهو الخالق وحده لا شريك له، فخلق الخلق وجعل لكل شيء من خلقه قدرة معينة قدره عليها، فمن هذه المخلوقات ما يمشي على بطنه كالثعبان والحية وغيرها، فهذه تمشي على بطنها على الأرض، أو في الماء كالحيتان ونحو ذلك.
قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ)، فهذا الإنسان الذي جعله الله يمشي على رجلين، وكرمه ، وشرف يديه فرفعها ولم يجعله كغيره ممن يمشي على يديه، ثم يتناول بها طعامه، ولكن جعل اليدين مرتفعتين، وجعل القدمين على الأرض، فشرف الإنسان وكرمه .
قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ)، والله يخلق ما لا تعلمون، ولكن هذا الغالب المشاهد، وإن وجدنا من الحشرات ما له أكثر من أربع أرجل، فالله يخلق ما يشاء، ولكن هذا الغالب الذي نراه أمامنا، فلو شاء الله لجعل الإنسان يمشي على يديه ورجليه، فأراد أن يريه كيف كرمه ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء:٧٠] أي: جعلنا الإنسان مكرماً يركب فوق الجمل والخيل ولا يمشي على أربع، ولا يُركب ولكنه يَركب، فكرمه الله سبحانه ليعبده ويشكره، ولو شاء لجعله مثل الحشرات، ولو شاء لجعله مثل الثعابين يمشي على بطنه.
فقد أرانا الله هذه القدرة منه سبحانه حتى نحمده ونشكره على ما أنعم به علينا، فيقول سبحانه: (يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) يخلق الله ما يشاء ممن يمشي على رجلين، وممن يمشي على أربع، وممن يمشي على بطنه، وخلق الملائكة تطير بأجنحتها ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١]، يخلق ما يشاء .
قوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فكل شيء قد جعله الله للإنسان عبرة، فيرى آية من آيات الله: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فالإنسان يتفكر في كل مخلوقات الله التي تدل على بديع صنعها، وعلى أن الخالق واحد، فينظر إلى النملة كيف خلقها الله! وكيف تكسب رزقها! وكيف جعل لها تفكيراً فتعرف كيف تأتي بهذا الطعام! وكيف تخزنه للشتاء! وإذا كانت الحبة التي ستأتي بها لو مكثت إلى الشتاء فستنبت، فيفهمها ربها سبحانه كيف تخرق هذه الحبة حتى لا تنبت ولا تنمو! فجعل فيها قدرة أن تأكل وتبحث عن طعامها، وأن تعيش مع غيرها، فالذي أعطاها هذا الشيء، وأعطى الحيوان من بهائم وغيرها هذه القدرة هو الله ، وأعطى الإنسان ما هو فوق ذلك، فيتفكر الإنسان كيف أن الله جعل لهذه قدرة وجعل لهذه قدرة! أفلا يكون هو القدير على كل شيء ؟! وجعل في هذه حياة وفي هذه حياة، أفلا يكون هو الحي الباقي ؟ فيرينا آيات قدرته سبحانه وبديع صنعته في هذه المخلوقات، لنتفكر أن الذي جعل هذا معجزاً وهذا معجزاً وهذا معجزاً هو الله الواحد القادر على كل شيء سبحانه!
стр. 743
تفسير قوله تعالى: (لقد أنزلنا آيات مبينات)
قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور:٤٦].
قوله: (لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ) هي آيات بينات، وهي مبينات، والآية البينة: هي الآية الواضحة، فأنزل كتاباً واضحاً، وجعل لنا في الكون آيات واضحة لكل ذي عينين وبصيرة، فيبصر ويعلم أن الله خلق هذا عبرة لخلقه ليتفكروا.
(مُبَيِّنَاتٍ) اسم فاعل، والمعنى: أنها مبيِّنة للإنسان فيما يحتاج إليه، وهذه قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف، وباقي القراء يقرءونها: (لقد أنزلنا آيات مبيَّنَات) أي: قد وضحنا ما أشكل عليكم فيها، وهي في نفسها مبَّينة قد بينها الله ، وبينها لنا النبي صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، والآيات المبيَّنَة لا يفهمها كل إنسان، ولكن ذلك راجع لأمر قضاء الله وقدره سبحانه، وحكمته وعلمه، فهو يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وكم يمر الإنسان على آيات من آيات رب العالمين في الكون فينظر إلى الآية ولا يعتبر بها، ويقرؤها ولا ينتبه لها! حتى يقول له إنسان: انظر إلى هذا الشيء فينتبه؛ لعظيم قدرة الله على هذا الأمر، وكم من آيات نراها ولا نتعجب لها! فإذا تفكرنا فيها أو دلنا إنسان عليها كأننا لأول مرة نسمع هذه الآية ونرى مقتضاها في الكون الذي أمامنا، فالله هو الذي يهدي سبحانه، فمهما استعان الإنسان بغيره فلا يقدر أن يعينه على الهدى إلا رب العالمين سبحانه، فهو الذي يهدي من يشاء إلى دينه القويم وإلى شريعته ومنهاجه.
وكلمة (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) فيها إثبات للقضاء والقدر، وأن الله من شاء أن يهديه هداه، ومن شاء أن يضله أضله، فإنه سبحانه يهدي من يشاء ويعافي ويعصم فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً، فالإنسان الذي يضله الله هذا عدل من الله؛ لأنه يستحق غير ذلك، والإنسان الذي يهديه الله فهذا فضل من الله يتفضل به على من يشاء.
قوله: (إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) الصراط: هو الطريق، أي: إلى طريق مستقيم، وهو طريق شريعة رب العالمين سبحانه.
وكلمة صراط هنا فيها ثلاث قراءات: فتقرأ بالصاد، وتقرأ بالسين، وتقرأ بالزاي المشمة.
فيقرؤها قنبل عن ابن كثير، ورويس: (إلى سراط مستقيم) بالسين.
ويقرؤها خلف عن حمزة بالزاي: (إلى زراط مستقيم).
ويقرؤها باقي القراء: (إلى صراط مستقيم) بالصاد المكسورة.
نسأل الله أن يهدينا، ونعوذ به أن يضلنا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 744
تفسير سورة النور [٤٧ - ٥٢]
يخبرنا الله سبحانه هنا عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فأعمالهم تخالف أقوالهم، فهم يقولون أنهم مؤمنون بينما أعمالهم تنافي الإيمان وتضاده، وهذا فيه تحذير من الله للمؤمنين حتى لا يقعوا فيما وقع فيه أولئك من النفاق والكفر بالله تعالى، وقد بين سبحانه للمؤمنين بأن الفلاح والفوز كله في طاعته وطاعة رسوله ﷺ .
стр. 745
تفسير قوله تعالى: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم)
стр. 746
عدم التحاكم إلى شرع الله من صفات المنافقين
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورو النور: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧].
يخبرنا الله في هذه الآية عن المنافقين وكيف يتصرفون حين يدعون إلى الاحتكام لرسول الله ﷺ .
يحذرنا الله من مثل هذه الأخلاق التي عليها هؤلاء المنافقون، فهم يقولون بألسنتهم: آمنا، ويقولون: سمعنا وأطعنا، وفي وقت الجد إذا بهم يندفعون عن الإيمان إلى ما يشتهون من هوىً ومن باطل.
فإذا كان الشيء الذي يطلبونه عند النبي ﷺ قالوا: نتحاكم إليه، وإذا لم يكن عند النبي ﷺ ولن يعطيهم هذا الشيء -لأنهم يعرفون أنهم مبطلون- تحاكموا إلى غير النبي صلوات الله وسلامه عليه.
قال الإمام الطبري وغيره: (كان رجل من المنافقين اسمه بشر كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة في أرض، فدعاه اليهودي إلى التحاكم إلى رسول الله ﷺ ، وكان المنافق مبطلاً فرفض، وقال: إن محمداً يحيف علينا)، حاشا له صلوات الله وسلامه عليه، بل إن هذا المنافق كان ظالماً لليهودي، فانظروا إلى أهل النفاق كيف تخرج كلمة الكفر من ألسنتهم، فمهما أخفوا ما في قلوبهم فلا بد وأن تتلفظ الألسن بهذا الشيء الذين يبطنونه، ويظهر في فلتات الألسن منهم ذلك.
فاليهودي يقول له: تعال نتحاكم إلى النبي ﷺ ؛ لأن اليهودي علم أن النبي ﷺ سيحكم بالحق، وأنه نبي حقاً صلوات الله وسلامه عليه، وإن لم يعترف هذا اليهودي أنه نبي.
ولكن على كلٍ عرف اليهودي أنه ﷺ لن يحكم إلا بالحق، وكان له حق فقال للمنافق: (تعال نذهب للنبي ﷺ ، فرفض المنافق وقال: تعال نذهب إلى كعب بن الأشرف) لأن الضلِّيل كعب بن الأشرف يهودي يقبل الرشوة، فهذا المنافق يذهب لليهودي فيعطيه الرشوة فيحكم له على أخيه اليهودي، لكن النبي ﷺ سيحكم بالعدل وبالحق صلوات الله وسلامه عليه.
فالله يعجب من أمر هؤلاء المنافقين الذين يقولون: آمنا بألسنتهم ولا يتجاوز الإيمان الألسن إلى القلوب، فقال تعالى مخبراً عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٤٧] هذه المقالة بالألسن.
ثم قال: ((ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ))، فيسهل على المنافق أن يقول: لا إله إلا الله، لكن كونه ينفذ مقتضى لا إله إلا الله بأن يتحاكم إلى شرع الله ، فهذا ما لا يفعله المنافق إلا إذا كان الشرع في هذا الشيء سيوافق هواه، وإذا كان هو المظلوم والشريعة ستعطي له حقه ففي هذه الحالة يذهب ويقول: أريد الشريعة، فالحاكم الذي سيعطيه ما يهواه فهو تابع لهذا الذي يريد.
فهنا ربنا يقول: ((ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ)) أي: من بعد هذا القول.
ثم قال: ((وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ))، فالله أخبر المؤمنين أن هؤلاء ليسوا من المؤمنين في شيء، فالذي يدعى إلى كتاب الله تعالى ليحكم بيننا ويرفض هذا الشيء فهذا ليس مؤمناً، وليس على دين النبي ﷺ .
стр. 747
تفسير قوله تعالى: (وإذا دعوا إلى الله ورسوله وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين)
يقول سبحانه في هؤلاء المنافقين: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور:٤٨]، قوله: ((وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ)) ذكر هنا الله وذكر الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ثم أعاد الضمير لواحد، فقال: ((لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ))، فالذي سيحكم بين الاثنين بشرع الله هو النبي ﷺ ، وهو الذي سيقضي في الخصومة ﷺ ، فلذلك أعاد الضمير إلى النبي ﷺ وحده، فذكر الله أنه الذي أنزل الكتاب وهو الذي أنزل الأحكام الشرعية وجعلها شريعة ومنهاجاً، لكن الذي سيحكم بهذه الشريعة هو النبي ﷺ ، فقال: ((لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ)) يعني: النبي ﷺ .
ثم قال: ((إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ)) كأن هؤلاء هم الذين يقولون: آمنا بألسنتهم، فمنهم من يستجيب ويذهب، ومنهم من يعرض.
فكأن الفريق الذي يذهب للنبي ﷺ ويتحاكم إليه إنما ذهب استحياءً، وهم قالوا: آمنا بألسنتهم، فاستحيوا وذهبوا وتحاكموا، وأما الفريق الآخر منهم الذي لا يذهب للنبي ﷺ إلا إذا رأى في زعمه أن الحق معه، وأنه سيحكم له بذلك، فيذهب للنبي ﷺ .
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور:٤٩] فالحق إما لك وإما عليك، فإن كان الحق عليك فأده، وإن كان الحق لك فخذ حقك، فالنبي ﷺ سيحكم بالحق، ويعطي كل ذي حق حقه، فيأخذ من الظالم ليعطي للمظلوم، فهؤلاء المنافقون إذا كانوا مظلومين تحاكموا للنبي ﷺ ؛ لأنه سيأتي لهم بحقهم، وإذا كانوا ظالمين ذهبوا لأهل الرشوة وأهل الفساد ليتحاكموا إليهم.
فقوله: ((وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ)) أي: طائعين منقادين خاضعين مسرعين للنبي ﷺ طالما أنهم سيأخذون منه، لكن إذا كان سيحكم عليهم ذهبوا إلى غير النبي ﷺ .
стр. 748
تفسير قوله تعالى: (أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا)
قال الله : ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور:٥٠] أي: أن هذا الذي يبعد عن حكم الله وحكم رسول الله ﷺ هل يظن أن الله سيظلمه؟ حاشا لله .
وهل يظن أن الرسول ﷺ سيظلمه؟ هذا مستحيل أيضاً، فيقول سبحانه: ((أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)) أي: هل في قلوبهم النفاق والكفر.
ثم قال: ((أَمِ ارْتَابُوا)) أي: صاروا متشككين في شرع رب العالمين سبحانه، ومتشككين في النبي ﷺ أنه لن يحكم بينهم بالعدل، فهذا كله من النفاق، وهذا كفر بالله ، فكون في قلوبهم الشك والريبة من النبي ﷺ هذا كفر.
ثم قال: ((أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ)) أي: إن ظنوا أن الله سيظلمهم فقد كفروا بذلك، فالله يعجب من أمرهم: فإما أن يكونوا مؤمنين فمستحيل أن يظنوا هذه الظنون، وإلا فهم على كفرهم فالله يفضحهم.
وقال سبحانه: ((أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) أي: يميل ويجور ويظلم.
وقوله: ﴿بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور:٥٠] أي: أن الله لا يظلم أحداً شيئاً ، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه.
فهؤلاء الذين يخافون أن يظلمهم الله كيف يظلمهم وهو يملك كل شيء؟! وقال سبحانه: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا).
قال أهل العلم: إن القاضي الذي يحكم بين المسلمين بعضهم مع بعض لا بد وأن يكون مسلماً، فلا يجوز أن يكون الكافر قاضياً ولا والياً على المسلمين ويحكم بينهم، وكيف سيحكم بشرع الله سبحانه وهو كافر به؟! وقال سبحانه: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١].
فإذا كانت هناك خصومة بين مسلم وبين كافر فالذي يحكم بينهما هو القاضي المسلم، وأما إذا كانت الخصومة بين ذمي وذمي وبين كافر وكافر، فإذا تحاكما للمسلمين جاز أن يحكموا بينهما، وجاز أن يعرضوا عنهما إذا علموا أنهما مبطلان، وإذا تحاكما إلى غير المسلمين فشأنهما.
فهنا وجوب الحكم إذا تخاصم المسلمون فيما بينهم إلى القاضي المسلم، وأن الواجب عليهم أن يحكِّموا بينهم من يصلح للقضاء وللحكم، ومن يصلح لفصل الخصومة من المسلمين، وليس من الكافرين ولا من المنافقين.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١].
قوله: ((إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ)) (قول) خبر كان مقدم، واسمها (أن يقولوا) وهو المصدر المنسبك من أن والفعل، كأنه يقول: إنما كان قولَ المؤمنين قولهُم، أي: أنهم يقولون: سمعنا وأطعنا.
فالمعنى: أن السمع والطاعة هو قول المؤمنين حين يدعون إلى الله إلى رسوله ﷺ للحكم بينهم.
وقوله: ((إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ)) (إنما) أداة قصر وحصر، والمعنى: أن هذا القول فقط هو الذي يصدر عن المؤمن، ولا يصدر عنه قول غير هذا القول أبداً، فالمؤمن إذا دعي إلى الله ورسوله: تعال نتحاكم لشرع الله، قال: سمعنا وأطعنا، فإن كان الحق له أخذه، وإن كان الحق عليه أعطى الحق لصاحبه.
ثم قال: ((إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ)) ((لِيَحْكُمَ)) هذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي جعفر: ((لِيُحْكَمَ)) بينهم، أي: ليُحْكَمَ بينهم بشرع رب العالمين.
وقوله: ((أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا)) أي: ننفذ أمر الله ونطيعه بما يحكم فينا النبي ﷺ .
ثم قال: ((وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) فقضى الله بأن الذين يقولون ذلك إذا دعوا ليحكم بينهم رب العالمين لكتابه وبسنة النبي ﷺ أنهم الناجون يوم القيامة، والناجحون النجاح الأبدي، وأهل النعيم المقيم، وأهل الجنة.
فالواجب على كل إنسان مؤمن إذا حدث بينه وبين غيره خصومة أن يتحاكما، إلى قاض مسلم؛ ليحكم بينهما بشرع رب العالمين سبحانه.
فالمؤمن عليه أن يحكِّم شرع الله، وإذا كان يعلم أنه ليس له حق على الآخر ولكن في يده أوراق، أو في يده شيكات فليس له أن يقول: سأرفع عليك قضية؛ لأن بيدي أوراقاً بهذا الشيء؛ لأن المؤمن يعرف شرع رب العالمين سبحانه، ويخاف من عقوبة رب العالمين، والمؤمن لا يكذب ولا يغش ولا يخدع ولا يخون ولا يزور، وإنما يقول بالحق، قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥].
فالإنسان المؤمن يكون قائماً بالعدل، وشهيداً ولو على نفسه، أو على والديه أو على أقاربه، فيشهد بالحق ولا يكذب أبداً.
وربنا يحذرنا من أكل أموال الناس بالباطل حيث يقول سبحانه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٨]، فالإنسان المؤمن يتحاكم لشرع رب العالمين .
وأيضاً الذي يحكم بين الناس لا بد وأن يعرف شرع رب العالمين، ولا بد أن يكون دارساً لشرع رب العالمين، وخاصة مسائل القضاء التي تكلم فيها الفقهاء، وأما إذا كان شيخ حارة، أو حافظاً للقرآن وهو لا يعرف شيئاً من أحكام رب العالمين سبحانه فهنا لا يلزم أن يذهب إلى هذا الإنسان، وإنما الواجب أن يذهب إلى من يعرف الأحكام الشرعية، وكم من إنسان يجهل الأحكام الشرعية ويقضي بالهوى والإثم، فتجد بعض هؤلاء إذا سأله إنسان عن شيء أجاب بما يعرفه هو ولم يرجع إلى أهل العلم في ذلك، لذلك فاحذر أن تحكم بين الناس وأنت جاهل، وأنت لا تعرف الحكومة في هذه المسألة، ولكن قبل أن تحكم اقرأ واطلع واعرف الحكم الشرعي في الشيء قبل أن تقضي بشيء فيوبقك يوم القيامة، وقد جاء عن النبي ﷺ في الحديث: (أن القضاة ثلاثة: رجل عرف الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق ولم يقض به فهو في النار، ورجل قضى على جهل فهو في النار).
لذلك فالمؤمن إذا دعي إلى كتاب الله وسنة النبي ﷺ قال: سمعنا وأطعنا، ولا يتحاكم إلى غير شرع الله سبحانه، فلا يتحاكم إلى إنسان يقبل الرشوة، أو إنسان لا يعرف شرع الله سبحانه، أو يحكم بالهوى ويحكم بالعرف، فبعض الناس يحكمون في المسألة بالقضاء العرفي كما يزعمون، فتجدهم يقولون لمن تحاكم إليهم: سنحكم عليك أن تذبح جملاً، أو تذبح خروفاً، أو عليك دية أو ديتين أو ثلاث ديات، في أشياء لم يحكم الله فيها بذلك، فهذا الذي يحكم بهذا كأنه يحكم مع الله ، وكأنه يشرع شيئاً لم يقله رب العالمين ولا حكم به النبي صلوات الله وسلامه عليه.
لذلك فالذي يقضي بين الناس أو يفصل في الخصومات لا بد وأن يكون على علم بشرع رب العالمين سبحانه.
стр. 749
تفسير قوله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه)
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢] أي: أن الإنسان الذي يسمع ويطيع الله ورسوله فهو المفلح والفائز، ففي الآية الأولى ذكر السمع والطاعة في الحكم، وفي هذه الآية ذكر السمع والطاعة في جميع الأمور.
فالأولى: ((إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ)) يعني: في حال الحكم، قالوا: سمعنا وأطعنا على العين والرأس، فالذي يقوله ربنا ننفذه، وليست مقالة باللسان فقط، ولكن يقول باللسان وينفذ ذلك بالفعل، فإن كان عليه الحق دفع هذا الحق، ولم يتهرب ولم يتملص من ذلك، فحكم الله يجب على العبد أن ينفذه.
ثم عمم ربنا سبحانه في كل قضية وفي كل عمل من الأعمال أنك تطيع رب العالمين سبحانه، فقال: ((وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) أي: في كل شيء من أمور العبادات، ومن أمور المعاملات، ومن أمور الأحوال الشخصية، ومن أمور الجنايات والديات، ومن أمور حياته ومعاشه، فهو في كل الأمور يطيع الله فيها، ويطيع الرسول ﷺ ، مع خشيته وإخلاصه لرب العالمين؛ لأن الإنسان قد يطيع في الظاهر ولكنه في باطنه لا يخشى، بل ينافق ويرائي، فلابد من هذا القيد: الطاعة مع الخشية لرب العالمين سبحانه، فهي طاعة في الظاهر وفي الباطن.
وقوله: ((وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ)) أي: يتقي غضب الله ، ويكف عن نفسه غضب الله بطاعة الله سبحانه، فالتقوى أن يجعل وقاية وحاجزاً بينه وبين معصية الله، وبينه وبين غضب الله سبحانه.
فقوله: ((وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ)) (يتقه) هذه فيها قراءات للقراء، فيقرؤها: (ويتقْهِ) بسكون القاف حفص عن عاصم فقط، كأنها على نية الجزم؛ لأن أصلها: يتقي، ففي آخرها حرف العلة، فإذا جزمت حذفت حرف العلة فقط، وتصير القاف مكسورة، ولكن حفصاً سكن القاف، وكأنه اعتبر في هذا الأخير نية الوقف عليه، أو بنية الجزم له، كذا قال النحويون فيها.
فقراءة حفص: ((ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقْهِ فأولئك هم الفائزون))، وأما بقية القراء غير حفص عن عاصم فيقرؤنها بكسر القاف: (ويتقِه) لكن اختلفوا في الهاء، فمنهم من يختلسها، يعني: يجعلها كسرة، ومنهم من يشبعها، يعني: يجعلها كالياء فيها، فقرأ قالون ويعقوب وابن عامر بخلفه: (ويتقِهِ) بكسر القاف والهاء بعدها.
وقرأ ورش وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وكذلك أبو جعفر بالإشباع للهاء بكسر الهاء: (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقِهي فأولئك هم الفائزون).
وقرأها أبو عمرو وشعبة عن عاصم -وهذه قراءة ثانية عن عاصم - وهشام وخلاد بخلفهما، وكذلك ابن وردان بسكون الهاء وبكسر القاف، فتصير قراءة هؤلاء: (ويخش الله ويتقِهْ).
فالله حكم لهم بأنهم مفلحون، وبأنهم فائزون قد نالوا الفوز العظيم، ونالوا الدرجات العظيمة عند رب العالمين بطاعتهم له سبحانه.
نسأل الله أن يجعلنا منهم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 750
تفسير سورة النور [٥٣ - ٥٥]
إن أعظم ما يواجهه المؤمنون الصادقون هو ذلك الصنف المتلوث المدعو بالمنافقين، فهو ظاهره الإيمان وباطنه الكفر، ولما كان الوحي الكريم يبين للمؤمن ما ينفعه ويريه ما يضره كشف المولى سبحانه صفات هذا الطابور الخامس، ومن صفاتهم: أنهم يكثرون الحلف ويبالغون فيه أنهم إن أمروا ليخرجن، ولكن الله خبير بأعمالهم، ومطلع على قلوبهم، فيجازي كل واحد بما عمل.
стр. 751
تفسير قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لإن أمرتهم ليخرجن)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له,, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [النور:٥٣].
في هذه الآيات يذكر الله المنافقين وكيف أنهم يقسمون بالله ويجتهدون في أيمانهم وهم كاذبون، وقد حذر الله نبيه ﷺ من طاعة كل حلاف مهين، فهؤلاء المنافقون كانوا يحلفون للنبي ﷺ ، ويكثرون من الحلف، والإنسان إذا وجد نفسه أنه يكذب في الكلام فإنه يؤكد كلامه باليمين حتى يظن به أنه صادق ولا يهتم أن يكذب، فإنه قد امتلأ قلبه بالنفاق، فإذا به لا يهتم بأن يعظم اليمين ويعظم ذكر الله .
فالمنافق في باطنه الكفر، ويظهر الإسلام بلسانه فلا يهتم أن يحلف صادقاً أو كاذباً، فيحلفون أمام النبي ﷺ مجتهدين بأغلظ الأيمان: إنهم لصادقون، كما ذكرهم الله وفضحهم في سورة التوبة قال: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة:٥٦]، فيحلفون للنبي ﷺ بالله رب العالمين أنهم من المؤمنين، وربنا يكذبهم (وَمَا هُمْ مِنْكُمْ)، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ [النور:٥٣] متى يكون هذا الكلام؟ إذا انتهت الحرب وإذا انتهى القتال، فتظهر شجاعتهم في الكلام فقط فيقولون: نحن مطيعون لما تأمرنا وسنقاتل في سبيل الله، ويجتهدون في الأيمان المغلظة، والحقيقة أنهم لن يفعلوا ذلك ولكنهم قوم يكذبون.
فيكذبون على النبي ﷺ ، ويكذبون على الناس فإذا جاءوا يوم القيامة كذبوا على الله ، ويحلفون بالله سبحانه إنهم من المؤمنين والله يعلم أنهم كاذبون في الدنيا، ويشهدون بالله إنهم مع المؤمنين والله يشهد أنهم لكاذبون، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١].
فكم كذبهم الله في كتابه، وكم فضحهم في كتابه العزيز سبحانه، فهنا من ضمن ما يكذبون به يقول: ((وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم)) يعني: بالجهاد والطاعة (ليخرجن) مطيعين مجاهدين في سبيل الله، فأجاب الله وقال للنبي ﷺ : ((قل لا تقسموا)) أي: لا تحلفوا فأنتم كذابون، ثم قال: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور:٥٣] وفيها معنيان: المعنى الظاهر منها والقريب: طاعتكم طاعة معروفة، يعني: قد عرفنا دأبكم وعرفنا عادتكم وكذبكم، فطاعتهم باللسان فقط، وأما الحقيقة فهي التكذيب في القلوب، وعدم فعل الذي تحلفون أنكم ستفعلونه، قال سبحانه ﴿لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور:٥٣] أي: طاعتكم طاعة معروفة، فهي طاعة باللسان لا يصدقها القلب ولا تصدقها الأفعال.
والمعنى الآخر: أن الطاعة التي يريدها الله عز جل طاعة معروفة، فليست هي التي تصنعون، وإنما هي أن تنفذوا أحكام رب العالمين سبحانه، وقد بين الله في القرآن ما هو المطلوب منكم وهو: أن تطيعوا الله، وأن تطيعوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وأن تفعلوا ما جاء في القرآن، وما جاء في سنة النبي ﷺ ، فالطاعة ليست غائبة عنكم وليست بعيدة منكم وليست مجهولة لكم، فهي أوامر الله وأوامر رسول الله ﷺ ، وكل ذلك معروف عندكم، ولكنكم لا تفعلون.
فالطاعة التي يريدها الله معروفة وليست مجهولة فنفذوا إن كنتم صادقين، وأما طاعتكم التي تزعمون فهي أيضاً معروفة وأنها أكاذيب، وأنكم لا تصنعون ما تقولون.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [النور:٥٣] أي: خبير بما خفي في قلوبكم وما خفي من أفعالكم، فالله خبير بما تعلمون من أفعال باطنة تكتمونها عن النبي ﷺ ، ويعلم الله سبحانه ما تعملون فيما بينكم، وما تقولونه وتخفونه عن النبي ﷺ وعن الناس.
стр. 752
تفسير قوله تعالى: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)
قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور:٥٤] أي: أطيعوا الله والرسول، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله؛ لأنه يبلغ أوامر رب العالمين سبحانه.
وهنا أكد فقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور:٥٤]، فهؤلاء فهم منافقون يحتاجون إلى أن يؤكد عليهم؛ فلعلهم إن قيل: أطيعوا الله قالوا: نطيع الله ولا نطيع الرسول ﵊، فأكد ربنا أنه لا بد من طاعة الله وطاعة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور:٥٤]، فإن تولوا أصلها إن تتولوا، فقال هنا: قل مخاطباً لهم أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول؛ فإن تتولوا عن طاعة الله وطاعة الرسول صلوات الله وسلامه عليه فإنما عليه ما حمل، وعليكم ما حملتم، فهنا إدغام تاء في تاء.
فإن تولوا فإنما على الرسول ﷺ البلاغ المبين، وهذا هو الذي حمل من ربه سبحانه، أي: فإنما عليه ما حمل من تبليغ الرسالة، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤]، فهذا هو المطلوب من النبي ﷺ أنه يبلغ، وأما الهداية فعلى الله، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، فالله يهدي من يشاء من عباده، والنبي ﷺ لا يقدر على تحويل القلوب، ولا على تغيير قناعات الناس، وإنما يأمر وينهى بأمر رب العالمين.
قال تعالى: ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور:٥٤] أي: من طاعة الله وطاعة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فهو مكلف بالتبليغ وأنتم مكلفون بالتنفيذ وبالطاعة، فهو لا يحمل من أوزاركم شيئاً، وأنتم عليكم هذه الأوزار وعليكم ما حملتم.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤]، أكد ربنا سبحانه بهذا طاعة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ثم قال: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤] أي: تبليغ ما أمر الله به، البلاغ المبين: هو البلاغ الواضح، وقد فعل صلوات الله وسلامه عليه، فبلغ البلاغ الواضح، وأدى الأمانة التي أمره الله بها، وبيَّن للناس ووضح لهم وشرح لهم ما يحتاجون إليه، فما تركهم إلى أن لقي ربه سبحانه.
стр. 753
تفسير قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض)
ثم جاء وعد رب العالمين فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٥]، فوعد الله سبحانه النبي صلوات الله وسلامه عليه في هذا الكتاب العظيم ووعد المؤمنين فقال: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ))، وقيَّد وعده بالإيمان والعمل الصالح، فوعد الله بالتمكين في الأرض للمؤمنين، وهذا وعد لا بد أن يكون ولا بد أن يحدث، فالله لا يخلف الميعاد.
فإذا لم يحدث هذا فالمسلمون لم يأتوا بالشرط الذي ينبني عليه الجواب، والحكم الذي قاله الله سبحانه ووعده وعد مشروط فيه أن تكونوا مؤمنين، وأن تعملوا الصالحات.
فإذا كانوا مؤمنين وعملوا الصالحات -والصالحات كل ما أمر الله به في دينه-: فأقاموا أمر دينهم، وجاهدوا عدوهم، وكانوا صالحين في أنفسهم مصلحين لغيرهم، هادين مهديين، فالله عز جل ينجز ما وعد.
قال تعالى: ((لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم)) الفعل المضارع إذا كان قبله لام التوكيد وآخره نون التوكيد الثقيلة فتكون هذه الجملة واقعة في جواب قسم محذوف، فالتقدير هنا: والله ليستخلفنهم، فالله سبحانه يقسم أنه لابد أن ينصر هؤلاء، وليجعلنهم خلفاء في الأرض.
قال تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٥]، فقد استخلف الذين من قبلهم من المؤمنين في الأمم التي كانت قبل أمتنا، والتي جعل الله عز جل لها نصراً على عدوها، فقد كانت أمة موسى ﵊ مستضعفة في الأرض، فوعدهم الله أن يستخلفهم ويمكن لهم، فنصرهم على فرعون وجنوده، ومكن لهم وأهلك فرعون ومن معه.
لهذا وعد الله المؤمنين أنهم إذا نصروا الله فإن الله ينصرهم، فقال: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، ووعدهم الله إذا أعدوا القوة واستعدوا لأعدائهم وكانوا مؤمنين صالحين أن ينصرهم وأن يستخلفهم.
قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص:٥]، وتمكين الله للمؤمنين في الأرض إنما يكون بهذا القيد وبهذا الشرط وهو: طاعة رب العالمين، فكما جعل الذين من قبلنا يتمكنون بإيمانهم، وجعلهم أئمة بطاعتهم لرب العالمين، فكذلك أرانا كيف جعلهم أذلة بمعصيتهم له، فبنو إسرائيل الذين أطاعوا الله مع موسى نصرهم الله، ثم عبدوا العجل فإذا بالله يأمرهم أن يقتل بعضهم بعضاً، فقتلوا في غداة واحدة سبعين ألفاً منهم، فالمؤمن ينصره الله، والذي يخالف يخذله الله.
فلما أطاعوا ربهم سبحانه نجاهم وخرجوا منصورين، ولما انحرفوا عن دين رب العالمين إذا بربنا سبحانه يجعلهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، فلما رجعوا إلى الطاعة رجع الله إليهم بالفضل، فلما عصوا ربهم رجع عليهم بالعقوبة قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة:٧٨].
فالمؤمنون الذين يتبعون النبي ﷺ ، ويتمسكون بدينهم، ويعملون الصالحات وكان عملهم خالصاً لله، وعدهم الله أن ينصرهم، فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم﴾ [النور:٥٥] يعني: يجعلهم خلفاء، فيزيل الأمم ويجعل هؤلاء الذين يتمكنون يخلفونهم في الأرض، فيزيل حكاماً ويزيل ملوكاً ويذهب طغاة ويجعل هؤلاء هم الخلفاء في الأرض.
فأول من مكن الله لهم من هذه الأمة هم أصحاب النبي ﷺ ، فقد أطاعوا الله ، وأطاعوا النبي ﷺ ، وجاهدوا في سبيل الله، ففتحت لهم الفتوح، ومكن لهم ربنا ، وقد قال النبي ﷺ في الحديث: (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً)، فكأن ذلك هو التطبيق الحرفي لهذه الآية في هؤلاء، وليس فيهم فقط ولكن في كل من يفعل كفعلهم رضوان الله ﵎ عليهم.
فالخلافة كانت ثلاثين سنة، يروي هذا الحديث أبو داود والترمذي عن سفينة مولى رسول الله ﷺ ، ويفسره سفينة ويقول لمن يحدثه: أمسك عليّ خلافة أبي بكر سنتان، وخلافة عمر عشر سنين، وخلافة عثمان ثنتا عشرة سنة، وخلافة علي ست سنين، فيكون المجموع ثلاثين سنة سنة كما قال النبي ﷺ .
وهذه من علامة نبوته ومعجزاته صلوات الله وسلامه عليه، فقد أخبر أنه ستكون خلافة على منهاج النبوة ثلاثين سنة ثم يكون ملكاً عضوضاً.
فلما تولى معاوية ﵁ تحولت الخلافة إلى ملك، ولكن كان يحكم بشرع رب العالمين.
فالذين استخلفهم المؤمنون في هذا العصر العظيم في الثلاثين سنة كان فيها الحق والعدل والاتباع لسنة النبي ﷺ ، وفيها النصر والتمكين، ثم جاء الخلفاء من بعدهم فأقاموا دين رب العالمين وتمسكوا، وإن كان من بعدهم أقل ممن كانوا من قبل، ولكن كانوا مستمسكين بدين الله، ففتح الله لهم بلاد الأرض مشارقها ومغاربها.
ثم ترك المسلمون دين رب العالمين سبحانه فإذا بالله يذلهم وإذا بهم يتقهقرون ويتراجعون، وتتمكن منهم الأمم؛ لأنهم خالفوا ما قال الله : ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٥] يعني: بني إسرائيل ومن قبلهم ممن كانوا مؤمنين.
وهذه فيها قراءتان ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٥]، وهي قراءة الجمهور.
وقراءة شعبة عن عاصم: ﴿كَمَا اسْتُخْلفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
وقال تعالى: ((وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ)) هذا وعد من الله سبحانه بتمكين دين الإسلام الذي قال فيه: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وهذا أيضاً جواب للقسم والتقدير: والله ليمكنن لكم هذا الدين طالما أنتم على الإسلام وعلى الصلاح في العمل، وأنتم تعبدون الله ولا تشركون به شيئاً، قال تعالى: ((وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا)) بشرط أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 754
تفسير سورة النور الآية [٥٥]
لقد وعد الله أولئك المتطلعين إلى النصر والتمكين، ونشر دين رب العالمين، والذين يريدون الاستخلاف في الأرض وتمكين دينكم فيها، وإزالة الرعب وإبداله أمناً، وعدهم بذلك بشرط أن يؤمنوا ويعملوا ويعبدوا الله حق عبادته، ويحذروا من الشرك بنوعيه، فإذا حققوا ذلك فإن الله لا يخلف الميعاد.
стр. 755
تفسير قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥].
في هذه الآية الكريمة وعد من الله للذين آمنوا به سبحانه، وعملوا الصالحات التي أمروا بها بالتمكين في الأرض والاستخلاف.
قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥]، فهذه ثلاثة أشياء وعد الله بها هاهنا: الاستخلاف في الأرض، فيعطيهم الله الحكم فيحكمون بشرعه ، فقد آمنوا وعملوا الصالحات وتربوا على العقيدة الصحيحة وعلى العمل الصالح، فاستحقوا أن يسودوا العالم، وأن يحكموا غيرهم، فوعدهم بالاستخلاف، ووعدهم بأن يمكن لهم هذا الدين العظيم الذي ارتضاه لهم.
قال تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور:٥٥]، والخطاب هنا لأصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [النور:٥٥].
والمعنى: أنه سيعجل لكم هذا ما استمسكتم بدين الله، وما استمسكتم بهدي النبي ﷺ ، ولن يؤخره عنكم، وكان وعد الله الحق ، فرأى الصحابة ذلك مباشرة، فهم أولى الناس بأن يستخلفوا، ولذلك خير القرون وأحبها إلى الله هم قرن النبي ﷺ ، وهم الصحابة الذين رباهم النبي ﷺ بنفسه على هذا الدين العظيم.
قال: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).
فإذا كان الله وعد المؤمنين فالوعد عام، فإذا نص على هؤلاء فالوعد عاجل في التنفيذ: أنه يا من أنتم آمنتم بالنبي ﷺ ، وابتليتم وتعبتم وأوذيتم في سبيل الله سنمكن لكم، فكان الوعد من الله ، وكان التنفيذ في حياة النبي صلوات الله وسلامه عليه، والله لا يخلف الميعاد.
فأخبر هنا أنه ليستخلفنهم فكانت الخلافة للنبي ﷺ ، فحكم بدين رب العالمين، وجاء الخلفاء الراشدون من بعده فحكموا بشرع الله، ومكن الله لهم، كما قال النبي ﷺ في وعده للمؤمنين: (والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون).
فالآية وعد من الله ، والحديث وعد من النبي ﷺ بوحي من الله .
وهذا الحديث في صحيح مسلم وفيه: أن الله سيتم هذا الأمر بعدما كانوا في ضعف، وفي قلة، وفي ذلة، وفي خوف، وفي أذى من الكفار، فالله يعدهم أن سنمكن لكم وستكونون أقوياء، وسيسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله سبحانه، يعني: أنه في غاية الأمان وليس خائفاً من أحد إلا الله ، والذئب على غنمه وهذا خوف الطبع، فإذا كان معه غنم فهو ليس خائفاً من أحد أن يسرقها؛ فبالإسلام استتب الأمن والأمان، لكنه يخاف الخوف الجبْلي الطبعي: أن الذئب يأكل الغنم.
وحدث مثل هذا الأمن في يوم من الأيام، بل وفي أعوام كثيرة طالت واستقر الأمن وحدث وعد الله للمؤمنين، وذلك لما فعلوا ما أمر الله به، فقال: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٥] يعني: المؤمنين السابقين قبلهم من بني إسرائيل وغيرهم قد استخلفهم الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٥].
فمنّ عليهم وجعلهم -بعدما كانوا عبيداً- سادة، وبعدما كانوا مقهورين أذلة جعلهم منصورين أعزة، والفضل بيد الله ﵎.
قال تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور:٥٥]، فدين الإسلام في أيام مكة لم يكن ممكناً له، فكان المشركون يؤذون المؤمنين، ويؤذون النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولكن لما هاجر النبي إلى المدينة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، مكن له ربه ، أي: نصره، وجعل له المكانة في الأرض.
قال تعالى: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥].
وهو الخوف الذي كانوا فيه من المشركين ومن أذى الكفار، والخوف الذي كانوا فيه من غيرهم، فالله يذكر أنه سيبدل هذا الخوف إلى الأمن والأمان بالقوة التي يعطيهم الله ، وبالعلم والعزة التي يعزهم الله بها، بالضعف الذي يصيب أعداءهم، وكيف نصر الله نبيه ﷺ والمؤمنين؟ قال النبي ﷺ : (نصرت بالرعب مسيرة شهر)، فكان من جنود النبي ﷺ التي جعلها الله ليمكن له الرعب في قلوب المشركين.
قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران:١٥١].
إذاً: فالإنسان الكافر المشرك يجعل الله في قلبه الرعب والخوف، فإذا به يخاف من النبي ﷺ ، ويخاف من المؤمنين، وهذا من تمكين الله لدينه.
والنصر له أسباب مادية، وأسباب معنوية، فمن أسبابه المادية قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] , وقال: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦٦].
إذاً: فالقوة المادية: هي قوة السيف، وقوة العدد.
وقوة الإيمان في قلوب المؤمنين من القوى التي يجهز المؤمنين أنفسهم بها، فالمؤمن يؤمن بالله، ويثق في نصر الله، والله يزيده إيماناً، ويزيده قوة، ويجعل قلبه ثابتاً، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، فيربط على قلوب المؤمنين ويجعلهم في ثبات ولا يخافون ولا يبالون بأعدائهم.
والكافر يجعل الله الخوف في قلبه، فأقل شيء يفزعه ويخيفه، ولذلك أخبرنا عن بني إسرائيل فقال: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤].
أي: لا يجتمعون لقتالكم وأنتم جيش وقوة، فهم يخافون منكم، إلا إذا فقدتم أسباب النصر فلم توجد قوة عندكم: لا قوة بدنية، ولا قوة عقدية، ولا قوة معنوية، فعندئذ يبتدئ الكافر يتحرش بكم.
فأهل الكتاب يخافون من المؤمنين، وقد جعل الله بأسهم بينهم شديداً طالما كان المؤمنون متمسكين بعهد الله سبحانه وبدينه، فالله يلقي في قلوب الذي كفروا الرعب، قال سبحانه: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر:١٤].
إذاً: لما يكون عندهم حصون، وأما وجهاً لوجه فيخاف إذا كان المؤمن في قوة، وعنده جيش، وعنده سلاحه.
ولذلك ترى هؤلاء بدباباتهم وبمدافعهم يجرون وراء الصبيان الذي يحذفوهم بالحجارة في فلسطين، فهو يخاف أن يجري وراءه بحجر مثله، لكنه يجري وراءه بمدفع، فهذا يحذفه بحجرة، وهذا يرميه بالرصاص، فطالما هو في دبابته فهو متحصن بحصنه وسيقاتل، قال الله تعالى: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤] أي: من وراء سواتر، أو من وراء جدار، لكنه يخاف من المواجهة وذلك مما جعل الله في قلبه من رعب ومن خوف.
قال الله سبحانه للمؤمنين: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥].
فتبديل الخوف الذي أنت فيه أمناً هو من الله سبحانه، ويقلب الأمر على هؤلاء الكافرين، فالكافر مستقر في نفسه أنه سينتصر، فيزعزع الله هذا في قلبه، ويزلزل قدمه، ويبعد عنه أسباب النصر، ويهزمه ، ويقول للنبي ﷺ : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] أي: أنت أخذت بالأسباب وأنت ترمي، فعليك الرمي فقط، والذي يوصل هذا الشيء ويجعله يصيب ويجعله يقتل هو الله .
فالله يطمئن المؤمنين ويقول: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢]، فلا تخف من الكافر، واقدم عليه واقطع رقبته ويده والله معك.
هذا إذا استمسك المؤمنون بدين رب العالمين سبحانه يمكنهم وينصرهم.
стр. 756
القراءات في قوله تعالى: (وليبدلنهم)
قال تعالى: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥] هذه قراءة الجمهور: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ [النور:٥٥].
وقراءة ابن كثير، وشعبة عن عاصم ويعقوب: ((وليبدِلنهم من بعد خوفهم أمناً)).
فيبدل الخوف الذي في القلوب أمناً وأماناً، وهذا الوعد من الله له شروط، قال سبحانه: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]، إذاً: فالمؤمن يعبد الله سبحانه ولا يشرك به شيئاً، وكأنه يقول: أنتم أيها المؤمنون طالما تمسكتم بدين رب العالمين، وكنتم تعبدون الله ولا تشركون به شيئاً: لا شركاً أكبر يخرجكم من الملة، ولا شركاً أصغر، ولا شركاً خفياً، فلكم الاستخلاف والنصر.
والشرك الأكبر أن يعبد الإنسان وثناً أو حجراً، أو يطلب من غير الله ما لا يطلب إلا من الله ، أو يتوكل على غير الله ولا يتوكل على الله سبحانه، فهذا من الشرك الذي يخرج صاحبه من الملة.
والشرك الأصغر كأن يقول: لولا السلاح الذي في يدي لما انتصرت، وينسى الله .
والشرك الخفي في قلب الإنسان كالرياء والسمعة، كأن يقول: نحن ذاهبون إلى القتال وسنعمل كذا، وكأنه هو الذي يفعل وينسى الله .
فإذا انتفى ذلك عن قلب الإنسان المؤمن وكان صادقاً مع الله، وأخلص لله كان الله معه ينصره سبحانه.
قال: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ [النور:٥٥] أي: يتوجهون بالعبادة إلي وحدي، فالمؤمن حين يجد نفسه قد ضاقت به السبل وقد اعتاد أن يقول: يا رب، ففي وقت الضيق ينصره الله .
وأما إذا ضاق عليه الأمر وابتلي فدعا: يا سيدي فلان، يا وليي فلان، يا فلان، فيسأل غير الله سبحانه فقد أشرك بالله، وإن زعم أنه على الإسلام.
وكذلك إذا نسي الله، ونسي التوكل على الله سبحانه، وبدأ يتوكل على الخلق، فيتوكل على فلان أن يمده بسلاح، ويتوكل على فلان أنه ينصره ويكون معه في وقت الذل، وينسى الله ، فهنا يتخلى عنه ربه.
فالتوكل على الله: أن تجعل الله وحده وكيلك الذي يقوم بأمرك، وهو الذي يدبر أمرك.
فالإنسان المؤمن توكله على الله، ويقول النبي ﷺ : (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير: تغدوا خماصاً، وتروح بطاناً).
فلو أن المؤمن يتوكل على الله حق التوكل ثقةً بالله ، ويأخذ بالأسباب، فالله يكون معه، وينصره .
فهذا وعد من الله سبحانه، وقد جاء في حديث تميم الداري الذي رواه الإمام أحمد في مسنده أن النبي ﷺ قال: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر) وكان تميم الداري ﵁ يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافراً الذل والصغارة والجزية.
والحديث إسناده صحيح.
قال هنا: (ليبلغن هذا الأمر)، ليبلغن: فعل مضارع مسبوق باللام المؤكدة، ومنتهي بالنون المثقلة المؤكدة، فهو جواب لقسم، كأنه يقول: والله ليبلغن هذا الأمر، يعني: هذا الدين العظيم، سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، وهذا من جوامع كلمه صلوات الله وسلامه عليه، ومن محاسن التشبيه العظيم، فالإسلام يبلغ ما بلغ الليل والنهار، إذ الليل والنهار يدخلان كل البيوت، فكذلك هذا الدين العظيم لابد وأن يبلغ جميع بقاع الأرض يوماً من الأيام.
وهذا وعد من الله على لسان رسوله صلوات الله وسلامه عليه، كما يأتي الليل على الجميع، ويأتي النهار على الجميع فسيأتي هذا الدين على الجميع، قال: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر) المدر: الطوب، والوبر: الشعر.
فبيوت الخيام في الصحاري، وبيوت الطوب والأبنية في البلدان والقرى كلها سيدخلها هذا الدين يوماً من الأيام.
قال: (إلا أدخله الله هذا الدين) يدخله هذا الدين وإن أبى المشركون.
قال ﷺ : (بعز عزيز، أو بذل ذليل) يعني: إنسان يعزه الله بهذا الدين، أو إنسان آخر يرفض هذا الدين فيذله الله برفضه إياه، حتى يدخل هذا الدين كل البيوت.
قال: (عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر وأهله).
فهنا وعد من الله سبحانه وقد تحقق شيء من هذا الوعد، وجاء دين الله ودخل الناس فيه أفواجاً، وانتشر في بقاع الأرض، ولكن بهذه الصورة التي في هذا الحديث سيكون يوماً من الأيام؛ فإن الله لا يخلف الميعاد، ولم يحدث أن الدين دخل جميع البيوت فأسلم جميع الناس، ولكن سيكون بهذا الوعد الذي في هذا الحديث يوماً من الأيام يعز الله هذا الدين كما كان قبل ذلك وأكثر من ذلك، فيدخل الجميع فيه، وذلك حين ينزل المسيح صلوات الله وسلامه عليه، فيحكم الناس ليس بالتوراة ولا بالإنجيل، ولكن يحكمهم بهذا القرآن، ويكون إمام المسلمين من المسلمين، فيصلي بهم ويتأخر للمسيح ﵊ حتى يتقدم، فيقول المسيح: لا إمامكم منكم.
ويقول النبي ﷺ : (إن المسيح ﵊ ينزل فيضع الجزية -يعني: يمتنع من أخذها- فلا يقبل إلا الإسلام، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب)، فلا يكون في الدنيا إلا هذا الدين العظيم.
قال الله :: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥] فهذا شرط، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فإذا كانت حياة المؤمن ظاهراً وباطناً، قولاً وعملاً، كلها فيما يحبه الله ، استحق أن ينصره الله وأن يمكن له.
قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [النور:٥٥] أي: بعدما ذاق حلاوة الإيمان، وعرف ربه سبحانه، قال: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥].
والفسق هنا: الفسق الأكبر بمعنى: الخروج من دين رب العالمين سبحانه، وأصله من فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها، فكذلك هؤلاء بعدما دخلوا في دين الله لم ينالوا منه شيئاً كفروا بالله، ففسقوا فخرجوا عن دين الله، وخرجوا عن طاعته، فلا يضرون إلا أنفسهم، قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥] بمعنى: الفسق الأكبر، فالكفر منه أكبر مخرج لصاحبه من الملة، ومنه أصغر.
والظلم منه ظلم أكبر، ومنه ظلم أصغر.
والفسق منه فسق أكبر وفسق أصغر، فهنا الفسق المقصود به الكفر برب العالمين، والخروج من هذا الدين.
نسأل العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 757
تفسير سورة النور [٥٦ - ٥٩]
لقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين بإقامة الصلاة، وهي عبادة لله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة، وهي الإحسان إلى المخلوقين ضعفائهم وفقرائهم، وأن يكونوا في ذلك مطيعين لرسول الله ﷺ ؛ لعل الله يرحمهم بذلك.
وذكر سبحانه أحكام استئذان الأقارب بعضهم على بعض، فأمر الله المؤمنين أن يستأذنهم خدمهم مما ملكت أيمانهم وأطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم منهم في ثلاثة أوقات: ألأول: من قبل صلاة الغداة، والثاني: وقت القيلولة، والثالث: بعد صلاة العشاء، وفي غير هذه الأوقات لا جناح عليهم في الطواف على بعضهم البعض.
стр. 758
تفسير قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور:٥٦].
لما وعد الله المؤمنين الذين يعبدون الله سبحانه ولا يشركون به شيئاً أن يمكن لهم في الأرض، وأن يستخلفهم، وأن يبدل خوفهم أمناً، أمرهم بعد ذلك بأن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويطيعوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه؛ لعلهم يرحمون، فالوعد من الله بالتمكين في الأرض، والوعد من الله بالرحمة في الدنيا وفي الآخرة، إذا كان المؤمنون على صلاح وعلى حسن عبادة لرب العالمين، فإذا فعلوا ذلك استحقوا الاستخلاف والتمكين، وأن يؤمنهم الله في الدنيا، وكذلك استحقوا أن يرحمهم الله يوم القيامة.
فهنا استحقاق الرحمة كان بما قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور:٥٦]، فخصص عبادات ثم عمم الطاعة، فهنا خصص العبادة البدنية والعبادة المالية بالذكر، فالعبادة البدنية: الصَّلاة، وهي أفضل العبادات البدنية، والعبادة المالية: الزكاة، فعلى صاحب المال أن يؤدي ما فرضه الله عليه، فإذا كان عنده نصاب من أي نوع من أنواع الأموال التي فيها الزكاة وحال عليه الحول وجب عليه أن يؤدي زكاة ماله.
قوله: ((وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ))، إن إقامة الصلاة ليست مجرد الأمر بالصلاة، وإنما هي أن تستقيم فيها، ولا تتلهى عنها، ولا تسهو فيها، بل تقيم الصلاة على النحو الذي أمرك به ربك سبحانه، والذي وضحه لك النبي ﷺ حين قال: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب).
وكذلك أمر في الصلاة بقوله: (اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً)، فيطمئن الإنسان في صلاته، وليكن مقبلاً على الله سبحانه فيها، كما قال النبي ﷺ : (صل صلاة مودع) أي: لا يظن أن يصلي غيرها، فأنت تقوم في الصلاة على الهيئة التي كان عليها النبي ﷺ ، وبالخشوع الذي أمرت به، فإذا أقمت الصلاة كما أُمرت نهتك عن الفحشاء وعن المنكر، وكذلك الزكاة تبعد عنك شح النفس الذي خلق في الإنسان.
قوله: ((وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ))، وقد ذكر ربنا سبحانه في غير هذه الآية: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩]، وقال في آية أخرى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران:١٣٢]، وقال في الآية الأخرى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، فطاعته ﷺ طاعة لله ، فأمر وقال: ((وأَقِيمُوا الصَّلاةَ)) أي: على الهيئة التي أمرتم بها، ((وَآتُوا الزَّكَاةَ)) أي: على ما فرض الله عليكم، ((وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)) أي: فيما يأمركم به ﵊، وكل ما نهاكم عنه تنزجرون عنه.
قوله: ((لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) هذا وعد من الله ، وهو لا يخلف الميعاد، فإذا قال: لعلك ترحم فيقيناً سيرحمك، لكن إذا أتيت بهذا الشرط الذي ذكره لك، فرحمة الله عظيمة وواسعة، وأخبر عنها بقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦]، هذا وعده سبحانه أنه يكتب هذه الرحمة ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧] أي: بكل معروف، ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الأعراف:١٥٧] يعني: عن كل منكر، ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧].
إذاً: هنا ربنا سبحانه جعل المطيعين من المؤمنين هم المرحومون وأهل الرحمة، وهم المفلحون يوم القيامة.
стр. 759
تفسير قوله تعالى: (لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض)
قال الله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور:٥٧]، قوله: ((لا تَحْسَبَنَّ))، جاءت بالخطاب وجاءت بالغائب، فقوله: ((لا تَحْسَبَنَّ))، هي قراءة عاصم وقراءة أبي جعفر، أي: يقول هنا للنبي ﷺ : لا تظن ولا تحسب أن هؤلاء المشركين يعجزون الله في الأرض.
وأما قراءة ابن عامر وقراءة حمزة: (لا يحسَبن الذين كفروا معجزين في الأرض)، وقراءة باقي القراء: (لا تحسِبَن الذين كفروا معجزين في الأرض)، ففي كل القرآن يقرأ: (تحسَب) عاصم وابن عامر وحمزة وأبو جعفر بفتح السين، وأما باقي القراء فيقرءون (تحسِب) بالكسرة.
إذاً: أربعة يقرءونها في كل القرآن: (تحسَب) أو (يحسَب) أو (تحسبَن) أو (يحسبَن)، كلها بفتح السين، وهؤلاء هم: ابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر، وأما باقي القراء فيقرءون هذه الألفاظ كلها: (تحسِب) و (يحسِب) و (تحسِبن) و (يحسِبن) بكسر السين.
قوله: (لا تحسبن) هي على الخطاب للنبي ﷺ ، وهي تنصب مفعولين، فقوله: ((لا تَحْسَبَنَّ)) أي: هؤلاء الكفار، ((مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ)) أي: لا تحسب أنت، فهنا الفاعل هو النبي ﷺ ، وقوله: (الذين كفروا) هذا المفعول الأول، وقوله: ((مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ)) هذا هو المفعول الثاني لتحسب.
والقراءة على الغائب: (لا يحسبَن) قراءة ابن عامر وقراءة حمزة وقراءة إدريس عن خلف، والمعنى: لا يحسبَن الذين كفروا أنفسهم يعجزون الله في الأرض، فهنا قوله: أنفسهم هو المفعول الأول، و (مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ) هو المفعول الثاني.
قوله: ((لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ)) أي: ومعاجزين، يقال: أعجزت الإنسان أو أعجزت الرجل أن يدركني، يعني: بحيث لا يقدر عليه ولا يقدر أن يأتي به، فهؤلاء الكفار وصل غرورهم أن يظنوا أنهم يعجزون الله ، وأن ربنا لا يقدر عليهم، فهو قال لهم: لا تظنوا هذا الشيء، فأين تذهبون من الله والأرض أرضه، والسماء سماؤه؟ فلا ملجأ من الله إلا إليه، فلا يحسبون أنفسهم أنهم معجزون لله ، وفائتون من الله في الأرض.
قوله: ((وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ)) أي: أنهم لا يفلتون من الله ، وأنهم إذا ماتوا سيجمعهم من الأرض مهما تفرقوا فيها، وانظروا إلى ذلك الإنسان الذي أمر بنيه وقال: (إذا مت فاحرقوني، ثم اسحقوني، ثم انظروا يوماً شديداً ريحه فذروني في البر والبحر، إن الله إن يقدر علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين).
فهنا الإنسان ظن أنه إذا عمل هذا الشيء فلن يفلت من الله ، فأين يذهب من الله ؟ فالأمر يسير عليه جداً سبحانه، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥] أي: جامعة لما فوقها في الحياة وبعد الممات، فلما مات هذا الإنسان وذروه في البر والبحر جاء أمر الله يوم القيامة: يا أرض هاتي ما كان فيك منه، فجمعته الأرض، ويا بحر هات ما كان فيك فاجتمع الرجل، فأحياه الله وسأله يوم القيامة، والحديث معروف.
والمقصود أن الإنسان لا يغتر ولا يظن أنه يعجز ربه ، فمهما هرب فالله يأتي به، فليتأدب المرء مع ربه سبحانه، وليحسن الظن بالله ، وليفعل الطاعات، وليعلم أنه مهما هرب فإن الله آت به، ثم يكون مأوى هؤلاء الذين يهربون من الله نار جهنم.
قال تعالى: ((وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ)) فهذا مصير بئيس وفظيع لهؤلاء، فبئس المكان مكان هؤلاء، وما صاروا وذهبوا إليه يوم القيامة وهو النار.
стр. 760
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم)
يأمر الله المؤمنين بأدب من الآداب الشرعية العظيمة فيقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٨]، وهذه الآية في الاستئذان الخاص، والآية السابقة كانت في الاستئذان بعمومه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧] أي: في أي بيت غير بيتك لا تدخل حتى تستأذن وتستأنس، فإذا كان في بيتك فهناك ثلاثة أحوال لا بد من الإذن فيها، فخصص هنا وقال: ((لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)) أي: العبيد الذين تملكونهم في بيوتكم، وكذلك ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور:٥٨] أي: الأطفال الصغار، والطفل متى فهم ووعى وعرف العورة واستحيا منها فإنه يؤمر بالاستئذان، ولذلك قال الزهري حين سئل عن عُمْر هذا الذي يستأذن؟ فقال: أربع سنوات، يعني في هذا السن يعرف العورة، وإذا نظر يستحي من هذا الشيء، فعلى ذلك يعلم الصبي أنه لا يفتح الباب ولا يدخل على أبيه وأمه إلا بعد أن يستأذن، فيعلَّم في هذا السن.
والصبي ليس مكلفاً ولذلك أمر الله المؤمنين بقوله: ((لِيَسْتَأْذِنْكُمُ)) أي: ليستأذنوكم أنتم لكن لا يأثم إن دخل دون استئذان وإنما هو تعويد حتى لا ينظر إلى شيء يتأذى به ولا يفهمه، فقد يدخل الصبي الصغير ويفتح الباب ويجد الأب يجامع الأم، فهذا منظر بالنسبة له يجعله يتحير فيه، ولعله يمرض بسببه، وكم رأينا من أصيب بعقدة نفسية في حياته من صغره بسبب أنه نظر لشيء لا يفهمه، لذلك ربنا يؤدب المؤمنين ويؤدب الصغار والكبار ويعلمهم أن الصغير يستأذن طالما أنه يعقل ويفهم ذلك، فإذا أراد أن يدخل باباً مغلقاً فيه الأب أو فيه الأم، أو فيه الأخ، أو فيه الأخت فإنه يستأذن في هذه الأوقات الثلاثة؛ لأن هذه الأوقات هي مظنة أن يكون الإنسان فيها عارياً، فقال سبحانه: ((لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثلاث مرات)) يعني: الأطفال الصغار الذين يفهمون العورات، يستأذنون ثلاث مرات، وهنا المقصد أن يستأذنوا في الأوقات الثلاثة التي سيأتي بيانها، وليس المعنى أنه يستأذن ثلاث مرات ويقول: أأدخل؟ أأدخل؟ أأدخل؟ لا؛ لأن بقية الآية يوضح مقصد الله من الثلاث المرات، فقال تعالى: ((مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ))، فهذه هي الأوقات الثلاثة التي الغالب فيها أن الإنسان وخاصة في الحر يدخل غرفة نومه، ويخلع ثيابه، فلعله ينام وليس عليه إلا ما يستر العورة المغلظة فقط.
وإذا كان الصغير الذي هو غير مكلف ومرفوع عنه القلم ومع ذلك هو مأمور بأن يستأذن، ومأمور الولي أن يعلمه أن يستأذن فكيف بالبالغ الكبير؟! قال : ((مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ)) يعني: هذه الأوقات الثلاثة أوقات قد تنكشف فيها عوراتكم وأنتم نائمون أو مستيقظون، ((ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ)) يعني: هي ثلاث عورات لكم، فهنا المبتدأ محذوف، والخبر فيها (ثلاثُ) على قراءة الجمهور، وأما شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف فقرءوا: (ثلاثَ عورات لكم) يعني: كأن هذه الأوقات أوقات عورات لكم.
فقوله: ((ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ)) أي: حرمنا على الإنسان فيها أن يفتح باباً مغلقاً في هذه الأوقات حتى يستأذن مَن بداخلها، ((لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ)) أي: ليس عليكم أنتم أن تفتحوا باباً في بيتكم، فيدخل بعضكم على بعض، لكن في الماضي كانت الغرف ليس لها أبواب، وإنما عليها ستور، فكان الواحد يفتح ستره ويدخل بسهولة، فالله علم أدب الاستئذان سواء الستر موجود أو الباب مغلق، ففي غير هذه الأوقات عادة الإنسان أنه يلبس فيها ثيابه، فلا بأس أن يدخل بعضهم على بعض، إلا أن يكون الباب مغلقاً، فإذا كان الباب مغلقاً فلا أحد يفتح باباً ويدخل فيه؛ لعل إنساناً يبدل ثيابه، ولعله يكون متعرياً، فطالما أن الباب مغلق فإن عليه أن يستأذن.
إذاً: في هذه الأوقات الثلاثة قد يكون الباب مفتوحاً بالليل مثلاً وعليه ستارة، ويكون وراء الستار الرجل مع امرأته أو نحو ذلك، فنهى عن الدخول فيها دون استئذان؛ لأن هذه الأوقات مظنة انكشاف العورة.
قال سبحانه: ((لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ))، فهنا الخطاب في قوله (عليهم) للعبيد الذين ملكت أيمانكم، وأما الأطفال الصغار فليس عليهم إثم أصلاً، وإنما الإثم على الكبير البالغ.
وقوله: (جناح) يعني: إثم قوله: ((طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ)) يعني: يطوف بعضكم على بعض؛ لأن العادة في بيت الإنسان أن أبواب الغرف تكون مفتوحة، ويدخل من مكان إلى مكان ويتحرك براحته في بيته، ولكن في هذه الأوقات يراعي الإنسان أن يستأذن حتى لا ينظر إلى أمه أو إلى أبيه وهما على حال لا ينبغي أن ينظر إليهما فيه.
فقوله: ((طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ)) يعني: في سائر الأوقات، قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [النور:٥٨] يعني: كهذا البيان العظيم الواضح، فالله يوضح لكم دينكم ويوضح لكم آدابكم، فهو سبحانه لا يستحيي من الحق، فعلى ذلك هنا تأمر ابنك أن يستأذن، وتعلمه أدب الاستئذان من صغره، حتى يتعود على ذلك، فإذا كبر لا يفتح باباً مغلقاً أبداً حتى يستأذن مَن بداخل هذا المكان.
قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ [النور:٥٨] أي: بما تحتاجون إليه وبما ينفعكم، ﴿حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٨] في أمره سبحانه، فكل ما يأمر به مبناه على حكمته .
стр. 761
تفسير قوله تعالى: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٩].
يعني: هذا الطفل الصغير إذا كان يعود على الاستئذان، فإنه حين يبلغ الحلم من باب أولى أن يستأذن كما استأذن الكبار قبل ذلك، وإلا يكون عليه الإثم في ذلك.
قوله: ((وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ)) أي: الاحتلام، وهي علامة البلوغ، ((فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ)) يعني: البيان واضح وليس بخفي ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٩]، فإذا اتضح لك هذا البيان فلا يحل لك أن تفعل ما نهاك الله عنه.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 762
تفسير سورة النور [٥٨ - ٦٠]
أمر الله النساء بالحجاب والستر؛ صوناً لهن وحفاظاً عليهن، وأباح للقواعد منهن اللاتي لا يرجون النكاح أن يضعن بعض ثيابهن رفقاً بهن، وتيسيراً عليهن، ومراعاة لكبر سنهن، لكن ذلك بشرط ألا يتبرجن بزينة، ومع ذلك فإن الستر خير حتى للعجائز، والله أعلم بخلقه وما يصلحهم.
стр. 763
تفسير قوله تعالى: (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٦٠].
ذكر الله آيات الاستئذان وأمر المؤمنين أن يستأذنهم الذين ملكت أيمانهم والذين لم يبلغوا الحلم منهم؛ حفاظاً على العورات، ودعوة إلى التستر في البيوت، فأخبر الله أن الذين هم في ملك اليمين وإن كانوا يدخلون على أهل البيت إلا أنهم في هذه الثلاثة الأوقات لا بد وأن يستأذنوا.
وكذلك الأطفال الصغار الذين لم يبلغوا الحلم عليهم أن يستأذنون في هذه الأوقات الثلاثة: من قبل صلاة الفجر، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء؛ لأن هذه ثلاث عورات، فيضع الرجل والمرأة الثياب في هذه الأوقات؛ للنوم والراحة.
وقوله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور:٥٨] أي: في البيوت يطوف بعضكم على بعض، ويخرج هذا من مكان ويدخل في مكان آخر، ولكن هذه الأوقات لا بد من الاستئذان عند الدخول.
ثم ذكر بعد ذلك أن هؤلاء الصغار إذا بلغوا الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم، فقال: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٩]، إذاً: فالكبار يستأذن الرجل منهم على أبيه، وعلى أمه، ويستأذن على أخيه، وعلى أخته؛ لأنه إذا لم يستأذن فقد يفتح باباً ويرى عارياً مثلاً فيتأذى بذلك الرائي والمرئي، فأمر الله بالاستئذان، فيعلم الصبي الصغير ويربى على ذلك، فإذا بلغ فلا يفتح باباً مغلقاً حتى يستأذن قبل الدخول.
ثم قال الله : ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٩]، فكرر المعنى للتأكيد أن الله يبين آياته التي أنزلها من عنده سبحانه، ويبين أحكامها التي فيها حكمته العظيمة البالغة، وهي من علمه سبحانه، قال الله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٩].
وذكر الله أن المرأة يجب عليها أن تستتر، وأنه لا ينظر إنسان إلى شيء منها، ثم تكلم عن القواعد من النساء، والقواعد: جمع قاعد، والقاعد من النساء: المرأة الكبير العجوز، ولا يقال: قاعدة؛ لعدم وجود المذكر فيها، وأما قولهم: الرجل قائم، والمرأة قائمة فلوجود الوصف في الرجل وفي المرأة، فيحتاج لتاء التأنيث للتفريق بينهما، ولكن القاعد تكون عن الحمل، ولا يوجد رجل قاعد عن الحمل، فكلمة قاعد هنا ليست محتاجة لتاء التأنيث، إذاً فالقاعد من النساء هي المرأة الكبيرة في السن التي لا تشتهى، ولا يرجى من وراءها حمل إذا تزوجت، والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً، قالوا: هن العجز اللواتي قعدن عن التصرف في حوائجهن، وقعدن عن الولد والمحيض؛ بسبب كبر السن.
وهذا قول أكثر أهل العلم، والمقصد أنها عجوز كبيرة لا يشتهى مثلها لزواج.
﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠]، فلم يقل: ((فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن)) فقط، بمعنى وضع جميع الثياب، ولكن قيد ذلك بشرط وهو: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠]، أي: لا زال هناك ثياب أخرى عليهن، فالمقصد هو التخفيف من بعض الثياب، فليس عليهن جناح أن يضعن من ثيابهن ويبقى عليهن ثياب؛ حتى لا يكن متبرجات، ولذلك قال: ((غير متبرجات بزينة))، وخص القواعد بذلك لانصراف الأنفس عنهن، فلا حاجة للرجال فيهن، فأبيح لهن ما لا يباح لغيرهن.
إذاً: فالمرأة الشابة البالغة إلى أن تصل إلى سن القواعد قبل ذلك يجب عليها أن تستتر، والراجح أن تستر جميعها؛ لقول النبي ﷺ : (المرأة عورة)، فتضع الخمار فوق رأسها، وتلبس الدرع، وهو القميص الذي تلبسه النساء، ثم تجعل الجلباب ساتراً فوقها، وهو العباءة تلبسها فتتغطى من رأسها إلى رجليها.
وإذا كانت المرأة قاعداً فيجوز أن تترك العباءة التي تضعها النساء فوق الثياب، وتكتفي بالقميص والخمار الذي فوق رأسها وتستر به شعرها، فتلبس الثياب التي تستتر فيها، ولا تحتاج إلى لبس العباءة والجلباب.
قال العلماء: إن الكبيرة في السن كالشابة في التستر، إلا أن الكبيرة تضع الجلباب الذي يكون فوق الدرع والخمار، والمقصود بالدرع: القميص الذي يسمى بالجلابية، والخمار هو الغطاء الذي تستر به رأسها ومنكبها ورقبتها.
قال ابن مسعود وابن جبير: إن القاعد من النساء تضع الجلباب الذي يكون فوق الدرع.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠] أي: غير مظهرات زينة، والتبرج مأخوذ من البروج، والبروج جمع برج، والبرج يطلق على القصر، ويطلق على منازل الكواكب في السماء، والبروج كأنها منازلها والقصور التي تنزل فيها، وسميت البروج لكونها مضيئة ومزينة، ولذلك جعلها الله زينة في السماء.
فقوله: غير متبرجات، يعني: أن المرأة لا تبدوا أمام الرجال مظهرة زينتها بحيث تفتنهم بمنظرها، فغير متبرجات أي: غير مظهرات ولا متعرضات بالزينة لينظر إليهن، فإن ذلك من أقبح الأشياء وأبعدها عن الحق.
إذاً كأن التبرج هو التكشف والظهور للعيون، ومنه قوله سبحانه: ﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨]، والمرأة الكبيرة لا تشتهى، فلا يجوز لها أن تزين نفسها بحيث تبدو أمام الناس في فتنة.
قيل لـ عائشة ﵂: يا أم المؤمنين! ما تقولين في الخضاب والصباغ والقرط والخلخال وخاتم الذهب؟ فقالت: يا معشر النساء! قصتكن قصة امرأة واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات، تعني: أن المرأة في بيتها تلبس الخلخال والخاتم وتتزين، ولكن الظهور بهذه الزينة أمام الرجال الأجانب ممنوع، فقالت: لا يحل لكن أن يروا منكن محرماً.
стр. 764
صنفان من أهل النار
إن التبرج شيء نهى الله عنه، ونهى النبي ﷺ عنه أشد النهي، ففي الصحيح عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس) أي: ما رآهم النبي ﷺ ، ولم يكونوا في عهده ﵊.
الصنف الأول: هم الشُّرَط، وقوله: (قوم معهم سياط كأذناب البقر) أي: معهم كرابيج وسياط يضربون بها الناس، ويعذبوهم بها.
والصنف الثاني: (ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)، فمن الكبائر التي تقع فيها المرأة هو تبرجها وإظهار زينتها، وتعريها للناس، فهذه من أشد النسا عذاباً يوم القيامة.
يقول الإمام القرطبي: قال ابن العربي: إنما جعلهن كاسيات؛ لأن الثياب عليهن، وإنما وصفهن بأنهن عاريات؛ لأن الثوب إذا رق يصفهن.
أي: أنهن يلبسن الثوب الرقيق، وفي الزمان الماضي لم يكونوا يعرفون البنطلونات ولا الثياب المحزقة ولا الشفافة، وإنما الذي يعرفونه هو أن المرأة إما أن تلبس جلابية ثقيلة أو خفيفة، والجلابية الخفيفة هي التي يتحدث عنها ابن العربي، فتكون رقيقة تصف المرأة إذا لبستها، ولو عاش ابن العربي إلى هذا الزمان لذهل مما يراه بين الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول الإمام القرطبي: هذا أحد التأويلين.
التأويل الثاني: أنهن كاسيات من الثياب عاريات من لباس التقوى، أي: أنها لابسة للثوب وليس عندها تقوى، فالذي كان في زمنهم هو أن المرأة إذا خرجت عارية تكون مكشوفة وليست كاسية عارية، ففسروا الكاسية العارية بأنها كاسية بالثوب عارية من التقوى، ويستشهد له بقول الشاعر: إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلب عرياناً وإن كان كاسيا وخير لباس المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصيا كما يحتج له بما في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص، منهم ما يبلغ الثدي ومنهم ما يبلغ دون ذلك، ومر عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: ماذا أولت ذلك؟ -أي: الثوب- قال: الدين)، فكأن القرطبي ﵀ يقول: إن هؤلاء النساء كاسيات من الثياب عاريات من الدين، وهذا الذي يمكن أن يفهم في الزمان الماضي.
يقول القرطبي: هذا التأويل أصح التأويلين، وهو اللائق بهن في هذه الأزمان، وخاصة الشباب، فإنهن يتزين ويخرجن متبرجات، فهن كاسيات بالثياب عاريات من التقوى حقيقة ظاهراً وباطناً، حيث تبدي زينتها، ولا تبالي بمن ينظر إليها، بل ذلك مقصودهن، وذلك مشاهد في الوجود منهن، فلو كان عندهن شيء من التقوى لما فعلن ذلك، ولم يعلم أحد ما هنالك، هذا كلام القرطبي ﵀.
يقول: مما يقوي هذا التأويل: ما ذكر النبي ﷺ في وصفهن في باقي الحديث: (رءوسهن كأسنمة البخت المائلة) أي: أن المرأة منهن تلبس طُرحة بعد أن لفت شعرها وجعلته بارزاً يظهر من تحت الخمار، ومنه ما يسمى في زماننا بالكعكة.
وما ذكر في الحديث موجود في هذه الأيام، فالمرأة تمشي متبرجة، وفوق رأسها لفات كبيرة من الشعر، وتذهب إلى الكوافير؛ حتى تتزين للناس، وتمشي كاسية تلبس ثياباً رقيقة، وتبدي ما تحتها، بل تكشف صدرها، ويدها، ورجلها، وفخذها، وتلبس البنطال الضيق الذي يرى منه كل جسمها، فمن فعلت ذلك فهي من أشد الناس عذاباً يوم القيامة، وهي من الملعونات، كما قال النبي ﷺ : (العنوهن إنهن ملعونات)، وهذا على العموم، ولا يخص واحدة دون أخرى.
فكل من فعلت ذلك فهي منحرفة بعيدة عن دين الله سبحانه، وعن شرع رب العالمين بتبرجها، وداعية إلى الفتنة والفحش ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال النبي ﷺ : (رءوسهن كأسنمة البخت) البخت: نوع من أنواع الجمال، عظام الأجسام، ضخام الأسنمة، فقوله: (رءوسهن كأسنمة البخت المائلة) أي: أنهن يقمن بلف شعورهن وجمعها في مكان فوق الرأس، ومن يرى ذلك يعلم أن الشعر قد لف بطريقة معينة تلفت الأنظار.
وقوله: (لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) يعني: الذي لم يدخل الجنة قد يشم رائحتها من مسيرة مئات السنين، وهذه لن تدخل الجنة ولن تشم رائحتها.
стр. 765
خير النساء وشر النساء
يقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البيهقي عن أبي أذينة قال النبي ﷺ : (خير نسائكم الودود الولود، المواتية المواسية إذا اتقين الله)، فهي ودود فيها مودة ومحبة مع زوجها وأهلها، وولود: لها أولاد، والمواتية: المطيعة لزوجها، فهي امرأة ذات حنان ورقة وطاعة لزوجها، فهي مواتية وليست مخالفة.
وأما المرأة التي تتبنى مبدأ: خالف تعرف، فتخالف زوجها وتعارضه ولا تطيع أوامره فليست من خير النساء، بل هي من شر النساء.
والمواسية: هي التي تواسي الزوج بنفسها وبطيب كلامها، ففيها رحمة ورأفة، فهذه من خير النساء، وهذه الصفات قد توجد في المرأة المسلمة، أو قد توجد فيها الكثير من هذه الصفات، ولكنه ﷺ قال: (إذا اتقين الله)، فإذا كانت المرأة مؤمنة تتقي ربها فهي من خير النساء.
ثم بدأ ﷺ بالمتبرجات، فالمتبرجة أشر امرأة على الأرض، فقال: (وشر نسائكم المتبرجات المتخيلات) من الظهور وتحسين الخلقة، فالمرأة المعجبة بنفسها، والمهتمة بزينتها، والتي تحب أن تفتن الناس بمنظرها وجمالها: متخيلة، ويقال: الروضة متخيلة، أي: روضة نضرة، فكذلك المرأة التي تريد أن تبدي زينتها للناس، والأصل في المرأة ألا يرى جمالها إلا زوجها، وأما أن تبيح نفسها للناس -ولا حول ولا قوة إلا بالله- فهذا لا يجوز، ولعلها في بيتها لا تتزين لزوجها ولا تلبس له، فإذا خرجت تزينت لغير أهلها، فهذه شر النساء (المتبرجات المتخيلات)، وهن المنافقات اللاتي قل إيمانهن.
وهذا النفاق قد يكون نفاقاً أكبر مخرجاً من الملة وذلك إذا استحلت التبرج، وزعمت أنه لا دليل على إن التبرج حرام، وأنه مسألة شخصية مزاجية، فتنكر فرضية الحجاب، وتنكر ما أمر الله به من استتار المرأة، فهذه أنكرت ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فتكون بذلك كافرة، ونفاقها نفاق أكبر مخرج من دين رب العالمين.
وأما من اعتقدت أن التبرج حرام إلا أنها تفعله فنفاقها من النفاق العملي، والأولى والثانية لا يدخلن الجنة كما ذكر النبي ﷺ بقوله: (لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم)، فالغربان بيضاء وسوداء، وهذا فيهن كثير، لكن الغراب الأعصم صاحب المنقار الأحمر والذي رجلاه حمروان نادر في الغربان، فكذلك لا يدخل الجنة من هؤلاء إلا النادر منهن ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 766
التحذير من فتنة النساء
جاء في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)، وذكر النبي ﷺ أنه سيكون في هذه الأمة ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى لو كان في بني إسرائيل من يأتي أمه علانية والعياذ بالله لكان في هذه الأمة من يصنع ذلك، وانظروا إلى حال المسلمين الآن، وانظروا إلى المسلمات في تشبههن بالكافرين والكافرات، فالمرأة تتبرج ولا تبالي بدين ربها سبحانه، بل لا تعرف منه شيئاً، فلا تصلي ولا تصوم ولا تصنع شيئاً من الدين، ومن النساء من تسأل عن حكم الصلاة بالبنطلون؛ لأنها تريد أن تصلي مع الناس بالبنطلون الجنز، فتسأل عن شيء لا يجهله أحد، فالكل يعلم أن صلاتها باطلة، ولكن ذلك من الجهل بدين رب العالمين، وقد تسأل المرأة عن حكم الصلاة ورأسها مكشوف، وغير ذلك من الأسئلة التي تدل على جهل الناس بدين الله سبحانه.
فعلى المسلمين أن يتقوا الله في نسائهم ويعلموهن أمور دينهن، ولا يتركوهن لمن يعلمهن التبرج.
إن من المسلمين من يصلي وعلامة الصلاة على رأسه ولكنه يمشي مع ابنته في الشارع متبرجة، فإذا أمرته بالمعروف ونهيته عن المنكر قال لك: لا زالت صغيرة، وقد يكون عمرها عشرين سنة مثلاً، فلعلها لن تكون كبيرة في نظره إلا عندما تكون من القواعد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 767
تفسير سورة الفرقان [ ١ - ٣]
بدأ الله سورة الفرقان بتنزيهه وتقديسه عن النقائص جل وعلا، ممتناً على عباده بإنزال القرآن على حبيبه محمد ﷺ ، ومذكراً لعباده بأنه المالك للخلق وحده ولم يكن له شريك في الملك، الذي أحصى كل شيء وخلقه وقدره تقديراً؛ ولذا كان العجب من أولئك الذين عبدوا غيره من أصنام وأحجار لا تنفع نفسها فكيف ستنفع غيرها؟!
стр. 768
تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:١ - ٦].
هذه السورة الخامسة والعشرون من كتاب رب العالمين سبحانه، وهي سورة الفرقان، وهي سورة من السور المكية، قيل: إلا ثلاث آيات منها فمدنية، والجمهور على أن هذه السورة مكية، قال ابن عباس: إلا قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٨] إلى قوله سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠] قالوا: فهذه مدنية، وباقي السورة كلها مكية، والسورة فيها خصائص السور المكية، ففيها: ذكر الكفار ومطاعنهم على هذا القرآن العظيم وعلى النبي ﷺ ، وطعن هؤلاء في نبوته ﷺ ، وفيها الرد على مقالات هؤلاء وجهالاتهم.
كذلك فيها: الرد على افترائهم على النبي ﷺ ، وفيها ذكر صفات الله وعظيم قدرته، وفيها أيضاً أخلاق وصفات المؤمنين، وبيان كيف خلق الله الإنسان والبحار والأرض، وجعل آيات لعباده في ذلك على ما يأتي التفصيل.
وفيها أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، والسور المكية تهتم بأمر العقيدة، وذكر اليوم الآخر والجنة والنار، وفيها بيان صفات المتقين: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، إلى غير ذلك من خصائص وصفات السور المكية.
والسورة آياتها سبع وسبعون آية اتفاقاً ليس هناك خلاف بين أهل العلم.
стр. 769
معنى قوله: (تبارك)
بدأها الله بقوله: ﴿تَبَارَكَ﴾ [الفرقان:١]، كما بدأ غيرها بقوله: ﴿سُبْحَانَ﴾ [الإسراء:١]، فتبارك الله بمعنى: تقدس سبحانه، وبمعنى: تعالى الله ، وهو من البركة ومعناه: الخير العظيم، فتبارك الله بمعنى: زاد خيره وثبت ودام، فبدأ السورة بهذه الكلمة العظيمة: ﴿تَبَارَكَ﴾ [الفرقان:١]، أي: تقدس سبحانه، ثبت خيره، دام خيره، زاد خيره، والبركة منه، يعني: يطلب منه البركة التي هي نماء الخير وزيادته.
стр. 770
معنى قوله: (الذي نزل الفرقان)
قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان:١]، أي: الله ، فذكر صفة له ، أنه ينزل، أنه يشرع ، فمن أفعاله أنه ينزل الفرقان على عبده، والفرقان: هذا الكتاب العظيم، وسمي فرقاناً؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل، بين الإيمان والكفر، بين أعمال أهل الجاهلية وأعمال أهل الإسلام.
стр. 771
معنى قوله: (على عبده)
قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، فيه شرائع رب العالمين سبحانه من حلال وحرام وغير ذلك مما يعظ الله به عباده، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١] أي: النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه، وعبد الله ورسوله ﵊.
هذه صفته وهو يقول للناس: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)، صلوات الله وسلامه عليه، ويقول -وهو جالس على الأرض يأكل صلوات الله وسلامه عليه طعامه-: (إنما أنا عبد، أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد)، وقد وصف الله سبحانه نبيه بالعبودية في أشرف المواضع: ففي سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]، فشرفه بهذا الوصف، وأنه عبد لله صلوات الله وسلامه عليه، فذكره في سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]، فهذا مقام الإسراء، وهو مقام عظيم للنبي ﷺ ، فقد أسرى به ربه، ثم عرج به جبريل إلى السماء، فالله شرفه وذكره بهذا الوصف في مقام تفضيله وتكريمه.
وفي مقام التحدي في سورة البقرة، يقول سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣]، فهو عبد نزل عليه القرآن من عند رب العالمين سبحانه، فليس ملكاً من الملائكة ولكنه بشر من البشر، وصفة العبودية صفة جميع خلق الله ، الملائكة والإنس والجن، فكل خلق الله عبيد لله رب العالمين سبحانه.
في مقام الدعوة إلى رب العالمين، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩] صلوات الله وسلامه عليه، وهنا قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١] صلوات الله وسلامه عليه.
فالصفة التي يتشرف بها الإنسان هي صفة العبودية للملك الديان ، فالإنسان المؤمن يتشرف بأن ينسب إلى ربه؛ لأنه عبد لله سبحانه، وطبيعة الإنسان في هذه العبودية إن لم يرض طائعاً أن يكون عبداً لله كان عبداً لهواه، وعبداً للشيطان، وعبداً لأحقر خلق الله .
فنفس الإنسان فيها العبودية، إما أن يعبدها ويذللها لرب العالمين وهذا مقتضى لا إله إلا الله، يعني: لا أعبد إلا الله وحده لا شريك له، وإما أن يأنف الإنسان ويتكبر، فإذا بالله يجعله عبداً لأحقر خلقه فيعبد تمثالاً أو حجراً، يعبد وثناً أو شجراً، يعبد شمساً أو قمراً، يعبد غير الله .
стр. 772
معنى قوله: (ليكون للعالمين نذيراً)
قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، لماذا نزل الفرقان على النبي ﷺ ؟ قال: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، والضمير هنا عائد على الفرقان أو على النبي صلوات الله وسلامه عليه، فالفرقان: القرآن العظيم، هذا الكتاب نذير للبشر.
والنذارة: بمعنى التخويف، أي: مخوفاً ومحذراً للعالمين -عالم الإنس وعالم الجن- جميعهم من بطش الله وانتقامه، ومن غضبه على من عصاه وأشرك به، ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، فالقرآن منذر للناس، وكذلك هو مبشر للمؤمنين الذين يعملون الصالحات.
كذلك النبي ﷺ هو النذير البشير، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح:٨]، فهو شاهد على الخلق صلوات الله وسلامه عليه، ومبشر لمن أطاع بالجنة، ومنذر لمن عصى بالنار، فالنبي ﷺ النذير المبين، والقرآن نذير من عند رب العالمين قال تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، أي: منذراً.
стр. 773
تفسير قوله تعالى: (الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً)
قوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الفرقان:٢]، يعني: رب العالمين سبحانه الذي له ملك السماوات والأرض، (له ملك): الذي يملك ، و (له) هنا للملك، بمعنى: يملك كل شيء، وملك وملكوت واحد بمعنى: أن ما في السماوات وما فوقها وما تحتها، والأرض وكل شيء فوق وتحت وبين كل ذلك ملك لله .
فهو الذي خلق، وهو الذي ملك : ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الفرقان:٢]، وما قال: الذي ملك السماوات والأرض، وكأنها كانت لأحد ثم ملكها هو، ولكن اختص بالملك وحده لا شريك له، فلم يكن لأحد غيره .
وما قال: الذي ملك السماوات والأرض له، وإنما: (الذي له)، فبدأ بالجار والمجرور لبيان الاختصاص الذي له ، فله ملك السماوات والأرض، كما قدم المفعول في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥]، ففرق بين: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥]، و (نعبدك)، فمعنى نعبدك أي: قد يعبد الإنسان ربه ويعبد غيره، فيثبت شيئاً ولم ينف غيره، بخلاف: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥]، فأثبت العبادة له وحده لا شريك له دون غيره.
فهذه فائدة تقديم المعمول على العامل، وكذلك هنا لم يقل: (ملك السماوات والأرض له)، فقد يكون له ولغيره، ولكن الذي له وحده ملك السماوات والأرض.
стр. 774
معنى قوله: (ولم يتخذ ولداً)
قوله: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الفرقان:٢]، حاشا له، وفيه رد على المشركين الذين يقولون: الملائكة بنات الله، ورد على اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، ورد على النصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، فأخبر سبحانه أنه لم يتخذ ولداً حاشا له سبحانه، فالذي يتخذ الولد يكون محتاجاً إليه، حتى إذا كبر سنه وبلغ العجز والشيخوخة احتاج إلى الولد.
والله الحي القيوم سبحانه قائم على كل شيء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد ، فله ملك السماوات والأرض، كيف يكون له الولد؟! وكيف تكون له الصاحبة؟! وأي حاجة به إلى ذلك؟! ثم من يحتاج إلى الصاحبة؟ ومن يحتاج إلى أن يكون له نسل بعد ذلك؟ ولكن الله لا يحتاج إلى شيء، فكل شيء مفتقر إليه سبحانه، ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك.
ولم يكن له من يشاركه في تدبير ملكه حاشا له ، بل الله مدبر لكل شيء، والوكيل على كل شيء، والقائم على كل شيء سبحانه، فليس له شريك في ملكه، ولا في خلقه، ولا في العبادة، فالله المعبود وحده، الخالق وحده، الملك وحده، ملك الملوك سبحانه.
стр. 775
معنى قوله تعالى: (ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً)
قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، فالله الخالق البارئ المصور ، خلق كل شيء فأحسن خلقه، وقدره ودبر أمره تدبيراً محكماً ، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:٢ - ٣] .
يقدر الشيء فيعطيه قدره، فلا يكون أكثر من هذا القدر، ولا أقل من هذا القدر، ومنها ما هو عند البشر، نقول: هذا يقدر كذا، يخرص ويظن ويدبر في نفسه الشيء كيف يكون.
فالخلق والتقدير بمعنى: أنه ظن أن هذا البساط يكون طوله كذا، وعرضه كذا، فبدأ يعطيه المقاسات، ثم قصه على هذا الشيء، فالله المقدر الذي دبر الأمر فأعطى، لهذا يكون كذا، ويكون كذا، ويكون كذا، فلما أوجده كان على هذا الذي دبره الله لا زاد فيه شيء ولا نقص منه شيء.
فانظر إلى قوله سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤]، الخالق معناه: خالق كل شيء، وموجد كل شيء ، البارئ: الموجد أيضاً للأشياء، والمصور أي: للأشياء التي يوجد فيها أشياء معينة، كالعينين، والأذنين، والأنف، والشعر ونحوه.
ولو أتى كل اسم لوحده من هذين الاسمين فإنه يشمل معنى الخلق والتصوير، لكن لما اجتمعا مع بعض صار هناك فرق دقيق بين معاني هذه الأسماء الحسنى العظيمة لرب العالمين، فهو الخالق يعني: الذي يقدر الشيء قبل أن يوجده، هذا سيكون إنساناً، فإذا أوجده لابد وأن يكون إنساناً، وهذا سيكون حيواناً فكذلك، وهذا سيكون جماداً، وهذا سيعيش كذا ويموت في كذا وهذا في صفته كذا وكذا وكذا، فقبل أن يوجده قدره ، فالخالق قدر الشيء، فيكون المعنى: الله خلق الأشياء وأوجدها.
فلما قال: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤]، أعطى معنى التقدير في الخلق الذي قدر ، والبارئ: براه وأوجده بعد أن كان عدماً، والمصور: سماه سبحانه بالتصوير، فجعل له العينين والرأس والشعر، وأعطاه الصورة التي تميزه عن غيره.
فـ ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤]، ، فهنا أخبر أنه خلق كل شيء يعني: دبره وأوجده على حكمة منه سبحانه، فكان على التقدير الذي جعله عليه، وخلق كل شيء فقدره تقديراً، فهو تقدير عظيم محيط بكل شيء إلى يوم يبعثون إليه .
فالله يقدر كل شيء حتى دخول كل إنسان الجنة أو النار إلى ما شاء رب العالمين، فهذا الإنسان يخلق في الوقت الفلاني في العصر الفلاني، وينزل في الوقت الفلاني، ويمكث في الحياة كذا وكذا، ويكون من صفاته كذا وكذا، ويكون عمله كذا وكذا، ويكون في الناس كذا وكذا، وهذه صورة نذكرها في الإنسان، وقس على ذلك ما يكون من حيوان وجان وجماد ونبات، وكل شيء يدخل في هذا التقدير بحكمة رب العالمين سبحانه.
قال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، لا تحيط بهذا الشيء علماً، ما هي الأشياء يا ترى؟ كل شيء أوجده الله في الأرض حتى الحشرة الصغيرة التي في باطن الأرض، يا ترى! كم حشرة موجودة على الأرض؟! لا تعد هذه الأشياء، وكم قد مات منها وكم سيوجد بعد ذلك؟ كل شيء من هذا تقديره عند الله سبحانه، النبات وأوراق الأشجار والثمار والأشجار نفسها، وكل ما يكون على ساق، وكل ما يكون على نجم، هذا كله خلقه الله وقدره تقديراً، وقس على ذلك في كل مخلوقات الله سبحانه، فكل شيء مقدر عند الله .
إذاً: فقد بدأ في بداية السورة بذكر هذا القرآن العظيم، وذكر النبي ﷺ ، وذكر الاعتقاد في كتاب رب العالمين، وأنه الفرقان، وأنه شرع رب العالمين، وأنه جاء من السماء لإثبات صفة العلو لله سبحانه، فقد نزل القرآن فجاء من عند رب العالمين، فالله فوق سماواته سبحانه، ونزل الكتاب على عبده محمد صلوات الله وسلامه عليه، وذكر النبي ﷺ ، وذكر وصفه الذي نعتقد به أنه رسول رب العالمين ﵊، وأنه نذير من عند الله مبين، وأنه عبد من عباد الله صلوات الله وسلامه عليه.
ثم ذكر نفسه سبحانه أنه الملك، وأنه الذي لا شريك له في خلقه ولا في تقديره، ولا في ملكه، ولا في عبادته ، لا شريك له فهو المالك الملك، وهو الذي خلق كل شيء، وهو الذي أحكم وقدر تقديراً.
следующие страницы →