Полный текст (3 717 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
فضل المساجد وفضل أهلها وما يقال عند دخولها
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٦ - ٣٨].
ذكرنا في الحديث السابق هذه الآية وهي قوله سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور:٣٦].
ففيها ذكر هذه المساجد التي عظمها الله وقضى وأمر برفعها، وأن يذكر فيها اسمه سبحانه، وأن يسبح له فيها في الصلاة وغيرها.
قوله: (بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) الغدو: أول النهار، ومنه صلاة الغداة أي: الفجر.
والآصال: جمع أصيل وهو من الظهر إلى العشاء، فدخلت مواقيت الصلوات الخمس فيها، فكأن التسبيح يكون في جميع أوقات الصلاة في المساجد، فهؤلاء هم الرجال الذين من صفاتهم: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧].
فهم يأتون بيوت الله سبحانه فيصلون لله ، ويذكرونه ويسبحونه، ويحضرون حلق الذكر، فتشهد لهم الملائكة بذلك من وقت إتيانهم من بيوتهم إلى رجوعهم إلى بيوتهم، فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون.
ومن سنة النبي ﷺ أنك إذا جئت بيت الله ودخلته أن تسمي الله تعالى، وتدخل برجلك اليمنى، وتدعو ربك سبحانه أن يفتح لك أبواب رحمته.
فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي حميد -أو عن أبي أسيد - قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك)، فداخل المسجد طالب للرحمة، والخارج من المسجد طالب لفضل الله ، فالذي يأتي إلى بيت الله يريد المغفرة ويريد فضل الله ورحمته، والخارج من المسجد يبحث عن رزقه عندما يرجع إلى بيته، فيسأل الله من فضله، وأن يرزقه ويغنيه ويعفه ويعطيه من فضله سبحانه.
وقد جاء في الحديث الآخر: (إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم، وليصل على النبي ﷺ ، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك).
وجاء في حديث السيدة فاطمة ﵂ أن رسول الله ﷺ : (كان إذا دخل المسجد قال: باسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم! اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم! اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك).
فدخول المسجد ليس كدخول غيره، فعندما تدخل المسجد تطلب الرحمة، وعندما تخرج من المسجد تطلب الفضل من الله ، وهذه مزية لبيت الله سبحانه.
وقد ثبت عنه ﷺ : (أنه كان إذا دخل المسجد يقول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم، ويدخل برجله اليمنى ويقول: باسم الله، اللهم صل على محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك)، وجاء في هذا الذكر في قوله: (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم) يقول النبي ﷺ : (فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم).
فيجب على المسلم أن يحفظ هذا الذكر العظيم، فإذا دخل بيت الله قال: (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم)، فإن الله يعصمه من الشيطان الرجيم، (يقول الشيطان: حفظ مني سائر اليوم).
وإذا دخل صلى على النبي ﷺ بأي صيغة من صيغ الصلاة عليه، ومن هذه الصيغ كما في هذه الرواية: (اللهم صل على محمد) وفي رواية: (والصلاة على رسول الله)، أو (والسلام على رسول الله) ﷺ ، ثم تسأل الله من رحمته.
فالدخول إلى المسجد يكون بالرجل اليمنى، والخروج من المسجد يكون بالرجل اليسرى.
стр. 702
بعض من أحكام تحية المسجد
وفي الحديث عن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)، وهذا أدب آخر يختص به بيت الله ، فإذا دخلت المسجد فلا تقعد حتى تصلي ركعتين تحية المسجد.
وفي حديث آخر يقول أبو قتادة: (دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس فجلست، فقال رسول الله ﷺ : ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟ قلت: يا رسول الله! رأيتك جالساً والناس جلوس، قال: فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين)، فمن السنة ألا تقعد إذا دخلت بيت الله مباشرة، بل لابد أن تفرق بين المسجد وبين غيره، فتصلي ركعتين تحية المسجد، ثم تجلس بعد ذلك.
وتحية المسجد سنة على قول جماهير أهل العلم، وذهب البعض إلى أن تحية المسجد واجبة، واحتجوا على ذلك: (بأن النبي ﷺ كان يخطب الجمعة فدخل سليك الغطفاني والنبي ﷺ يخطب، فجلس الرجل، فأمره النبي ﷺ أن يقوم وأن يصلي ركعتين، وأن يتجوز فيهما)، قالوا: وسماع خطبة الجمعة واجب، فكون النبي ﷺ يأمره أن يقوم وأن يصلي ركعتين دليل على أنه سيترك الواجب، فليس من الممكن أن يترك الواجب لأجل المستحب على قولهم، فعلى ذلك يترك الواجب للواجب، فقام فصلى ركعتين تحية المسجد، فعلى ذلك تكون ركعتا تحية المسجد واجبتين، وهو قول البعض من الظاهرية، كـ داود بن علي، وأما ابن حزم فذهب إلى أنها سنة وليست فريضة، وهو الصواب.
ودليله ما جاء في حديث المعراج: قال الله : (هن خمس في العدد وهن خمسون في الأجر، أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي)، فالصلوات المفروضات خمس من عند الله ، وهن في الأجر خمسون.
ومن الأدلة: حديث الرجل الذي سأل النبي ﷺ : (هل علي غيرهن؟! قال: لا، إلا أن تتطوع)، فدل ذلك على أن غير الصلوات الخمس لا تكون فريضة إلا ما كانت الصلاة فيها فرض كفاية مثل: صلاة الجنازة، وأما غير الصلوات الخمس فليست بفريضة إلا أن يكون نذراً نذره الإنسان على نفسه.
وقد ذكر أهل العلم: أن تحية المسجد لو كانت واجبة لوجب على كل من دخل أن يصليها، ويلزم من ذلك عدم جواز دخول المسجد إلا على وضوء.
يقول القرطبي ﵀: ولا أعلم قائلاً بذلك.
وهذا الاستدلال صحيح، إذ لو كانت واجبة لما جاز لأحد أن يدخل المسجد إلا وهو متوضئ؛ لأنه يلزمه أن يصلي تحية المسجد، ولكن أهل العلم يقولون بجواز أن يكون متوضئاً أو غير متوضئ، فإن لم يكن متوضئاً جاز له أن يجلس، ولكن الأفضل فيه أن يكون على وضوء حتى يصلي ركعتين تحية المسجد.
стр. 703
حكم تعارض تحية المسجد مع الخطبة في الجمعة أو السلام على الناس وأيهما يقدم
وإذا كان الخطيب يخطب فليصل ركعتين وليتجوز فيهما، حتى يدرك الخطبة ولا يضيع على نفسه واجباً، فإن ضيع بعضها فلن يضيع الكثير، ويجب عليه ألا يطيل في تحية المسجد، فقد قال النبي ﷺ : (صل ركعتين وتجوز فيهما)، فأمر بالتجوز في ذلك.
وقال ﷺ في صلاة تحية المسجد هنا: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين).
ولو أن الإنسان دخل المسجد فسمع شيئاً ينشغل به عن تحية المسجد كسماعه للأذان، فإنه يجوز له أن يصلي تحية المسجد ثم يدرك ترديد ما بقي من الأذان، والأفضل أن ينتظر حتى يردد الأذان مع المؤذن ثم يصلي على النبي ﷺ ويدعو، ثم بعد ذلك يصلي تحية المسجد؛ لما جاء عن النبي ﷺ في قوله: (إذا سمع أحدكم المؤذن فليقل مثلما يقول، ثم يصلي علي، ثم ليسأل الله لي الوسيلة، فإنها منزلة لا تنبغي إلا لعبد واحد وأرجو أن أكون أنا هو)، صلوات الله وسلامه عليه.
ولو أن الإنسان دخل المسجد فهل يبدأ بالسلام على الناس أم بتحية المسجد أولاً؟ الصواب فيها: هو قول النبي ﷺ : (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، فنهى عن الجلوس حتى يصلي ركعتين، فيجوز له أن يسلم على الناس إذا دخل لقول الله سبحانه: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١]، فإذا دخل الإنسان المسجد بدأ فسلم على الناس، ثم صلى ركعتي تحية المسجد، والتسليم لن يأخذ منه وقتاً، ولن يجلس ليسلم على الناس، والنهي في الأصل ليس عن التسليم وإنما النهي عن الجلوس فقط حتى يصلي ركعتين، ونحن نقول هذا الكلام لأن بعض إخواننا يسأل عن ذلك.
وأما تسمية هذه الصلاة: بتحية المسجد فلم يأت عن النبي ﷺ حديث فيه كلمة تحية المسجد، أو أنه سمى هذه الصلاة: تحية المسجد، ولكنه قال: (فليصل ركعتين)، فهذا ما ثبت عنه ﷺ ، لكن الفقهاء سموها: تحية المسجد، فالشاهد: أن من قال: إنه يمنع السلام على الناس حتى يبدأ بتحية المسجد فقد أخطأ، وقد قال الله : ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا﴾ [النور:٦١]، فجاء بالفاء المفيدة للترتيب والتعقيب مباشرة، فإذا وجدت المسلم أمامك فسلم، فقد أمر النبي ﷺ بالسلام على المسلمين، فإذا وجدت المسلم في طريقك أو في مسجدك أو في أي مكان فابدأه بالسلام، حتى إنه يشرع السلام إذا فرق بينك وبينه شيء من جدار أو شجرة أو نحوه، وتسلم عليه أيضاً إذا التقيتما بعد ذلك، ولا ينبغي لي أن أدخل المسجد والناس أمامي يقابلوني ثم لا أسلم على أحد حتى أصلي ركعتين وبعد ذلك أتوجه إلى الجميع بالسلام، فلم يقل ذلك النبي ﷺ ، ولم يقل ذلك أحد من أهل العلم، وإنما الصواب: أنه يسلم على من لقيه في المسجد أو في غيره، ثم يصلي تحية المسجد بعد ذلك.
وقد نبهنا قبل ذلك: على أنك إذا جئت والإمام يخطب ودخلت المسجد فلا بد عليك أن تصلي ركعتين ثم تجلس، ولا ينبغي أن تلقي السلام على أحد والخطيب يخطب، فالواجب عليك أن تستمع الخطبة فقط، وكلامنا هنا: هو في إلقاء السلام على الناس إذا لم يوجد ما يمنع من الكلام، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال لصاحبه: أنصت! والإمام يخطب فقد لغا).
وفي حديث آخر: (ومن لغا فلا جمعة له)، والإنسان إما أن يتكلم لحاجة أو لغير حاجة، كأن يقطع كلام الخطيب ويكلم الناس، أو يعطس الإنسان فيرفع صوته بالحمدلة، فيجيبه أحدهم بصوت مرتفع فيقول: يرحمك الله، فيرد عليه، فهذا كله لا ينبغي في أثناء الخطبة، لكن إذا عطست والخطيب يخطب فقل: الحمد لله في سرك، ولا ترفع بها صوتك، وإذا رفعت صوتك وقلت: الحمد لله، فلا ينبغي لأحد أن يشمتك إلا إذا سكت الخطيب، فيقول: يرحمك الله؛ حتى لا يكون هناك كلام في أثناء الخطبة، فإن من تكلم في أثنائها فقد لغا، ومن لغا فقد ضيع على نفسه صلاة الجمعة، لكن إذا كان الإنسان خارج المسجد فلا تحية عليه حينئذ، فلا توحد تحية للشارع مثلاً، فإذا جاء والخطيب يخطب وهو في الشارع، فليجلس في الشارع، لكن هل يجوز له أن يسلم على الناس ويرفع صوته مدِّعياً أنه في غير مسجد؟ لا؛ لأن للشارع حكم المسجد في السماع؛ لأنه يسمع الخطيب، فيلزمه أن يستمع للخطبة كما أمر النبي ﷺ بذلك.
стр. 704
تفسير قوله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله)
стр. 705
جواز الوقف والوصل في قوله تعالى: (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال)
قوله سبحانه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور:٣٦] >قوله: (يُسَبِّحُ): أي: ينزه الله عن النقص ويقول: سبحان الله! ويسبح: أي: يصلي لله ، ولذلك سميت صلاة النافلة بالسبحة؛ لأن الله سبحانه يسبَّح فيها.
وقوله: (يُسَبِّحُ)، فيها قراءتان، قراءة الجمهور: (يُسَبِّحُ).
وقراءة ابن عامر وشعبة عن عاصم: (يُسَبَّحُ).
وإذا قرئ بقراءة ابن عامر وشعبة فالمستحسن أن يقف على رأس الآية فيقول: (يسبَّح له فيها بالغدو الآصال)، ثم يبدأ: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٧]، وهنا شيء محذوف يدل عليه ما بعده.
وقوله: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ)، إما أنه عائد على الآية التي قبلها (فِي بُيُوتٍ)، فيكون المعنى: في بيوت رجال؛ لأن (رجال) هنا مبتدأ، و (في بيوت) الجار والمجرور في محل رفع خبر مقدم عليه.
أو هم رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله على الابتداء والخبر.
وعلى قراءة الجمهور: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا) بالفعل المبني للمعلوم، فإنه قوله: ﴿رِجَالٌ﴾ [النور:٣٧] يكون فاعلاً، وبالتالي فلا يجوز الفصل بين الفعل والفاعل، فعلى ذلك يصل بينهما فيقال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]، فيصل الفاعل مع فعله؛ حتى لا تنقطع الجملة.
стр. 706
المؤمنون لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله سبحانه
قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾ [النور:٣٧]، فذكر أن هؤلاء الرجال لا يلهيهم شيء عن ذكر الله سبحانه، وأعظم شيء يلهي الإنسان عن الذكر هو المال، وأعظم الأموال: هي التي تكون مكتسبة من التجارة.
فهؤلاء المؤمنون لا يلتهون عن ذكر الله بتجارة ولا ببيع، وقالوا: إن التجارة هي ما يجلب من خارج البلد، والبيع: ما يكون فيما بينهم من تجارة حاضرة.
قالوا: (لا تلهيهم تجارة ولا بيع)، أي: لا شيء يجيء من الخارج، ولا شيء موجود بينهم يبيعونه.
стр. 707
عظم أجر الذهاب إلى المساجد والمرابطة فيها
ووجود الإنسان المؤمن في بيت الله فيه أجر عظيم جداً حتى ولو كان جالساً لا يصلي، فلو كان جالساً ينتظر الصلاة أو في عقب الصلاة فله أجر عظيم، بل في مشيه إلى بيت الله سبحانه الأجر العظيم، كما جاء في الأحاديث، ومنها ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه)، وهنا: أن أجر الذي يأتي إلى الصلاة المكتوبة كأجر الحاج المحرم، وليس معنى هذا أنه يغني عن الحج، ولكنه أجر يماثل أجر الحاج المحرم.
قال: (ومن خرج إلى تسبيح الضحى) أي: وقت صلاة الضحى، ليصلي ركعتين في المسجد.
قال: (لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين).
فقوله: (وصلاة على إثر صلاة) أي: صليت الصبح وبعد ذلك رجعت إلى بيتك ثم جئت في صلاة الظهر بشرط ألا تلغو بين الصلاتين، أي: لا تضيع الوقت في كلام فارغ، أو أشياء تأثم عليها أو أشياء مكروهة، فإذا حفظت لسانك فيما بين الصلوات كتب لك كتاب في عليين، أي: أعلى الجنة، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
وجاء في الحديث: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)، ومشاء: غير معنى ماش؛ فالماشي قد يمشي مرة أو مرتين، لكن المشاء: هو المداوم على المشي، فهو يواظب على صلاة الفجر، ويواظب على صلاة العشاء في بيت الله ، فلا يمتنع من ذلك بزعم: أن الدنيا مظلمة، والجو بارد، أو الجو حار، بل يأتي بيت الله في كل وقته، خاصة في أوقات الظلم: الفجر والعشاء، فالذي يأتي في الظلام إلى بيت الله سبحانه فليبشر بنور تام يوم القيامة، والنور التام هو عكس النور الناقص، والإنسان يوم القيامة قد يكون له نور يضيء أمامه ما يشاء الله سبحانه، وقد تكون أمامه ظلمات يوم القيامة، فالله ينيرها لأصحابها بصلاتهم، وبإتيانهم المساجد في وقت الظلم: في الفجر وفي العشاء.
وبعض الناس يتقد له النور ويخبو مرة على قدر عمله، وعلى قدر قربه من الله ؛ ولأنه ابتعد وعصى، فيتقد له نور يرى به قليلاً ثم ينطفئ النور ويظلم عليه، ويتقد مرة أخرى وبعد ذلك يظلم عليه، لكن أهل صلاة الفجر وصلاة العشاء لهم نور تام كامل لا يخبو ولا ينطفئ، وذلك بمواظبته على الصلاة في هذين الوقتين: في العشاء وفي الفجر.
قوله: (بشر المشائين) أي: المواظبين على صلاة الفجر، (بالنور التام يوم القيامة).
وقد جاء كذلك في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح).
و (النزل): هو طعام الضيف، فتقول: فلان نازل عندي، أو: جهزت له نزله، أو: جهزت له القرى -وهو طعام الضيف- فكأن هذا الذي يغدو إلى بيت الله في الصباح، أو يروح وقت العشي ونحوه، كالضيف لله ، فالله يجهز له في الجنة نزله وطعامه، فالله يتفضل على زائر مساجده بأن يعطيه من فضله ورحمته في جنته.
نسأل الله أن يرزقنا من فضله ومن رحمته، وأن يجعلنا من أهل عليين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 708
تفسير سورة النور (تابع٣) الآية [٣٦]
إن المشي إلى المساجد له فضل عظيم، وثواب جسيم، فكل خطوة ترفع درجة، وتمحو سيئة، وكذلك المكث في المساجد له ثواب عظيم، فالمرء في صلاة إذا كانت الصلاة هي التي تحبسه في المسجد.
стр. 709
فضل المشي إلى المساجد والصلاة فيها مع الجماعة
الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٦ - ٣٨].
ذكرنا أن الله جعل له في الأرض بيوتاً، وهي: المساجد، وجعل عمّارها أفضل الخلق، وأقربهم إلى الله ، والذين يستحقون أن يهديهم الله في الدنيا، وأن يظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله.
وجعل من هؤلاء من يحفظون كتاب الله ، وجعلهم أهله سبحانه، وبشرهم بمشيهم في الظلمات إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة، قال النبي ﷺ في الحديث: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة).
وذكر النبي ﷺ في الحديث: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: رجل قلبه معلق بالمساجد) إذا خرج منها حتى يرجع إليها، فتعلقت القلوب بالمساجد، والذي يتعلق قلبه ببيت الله هو متعلق بالله ، فإذا كان يوم القيامة نفعه هذا التعلق ببيت الله سبحانه في أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله؛ ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة) وهذا ثواب عظيم من الله لمن أتى إلى بيت الله، فكل خطوة يرفعه الله بها درجة، ويحط عنه بها خطيئة.
وفي الحديث عنه ﷺ أيضاً: (صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعاً وعشرين درجة) أي: أن صلاته في الجماعة في بيت الله تزيد على صلاته منفرداً في بيته أو في سوقه ببضع وعشرين درجة.
قال ﷺ موضحاً: (وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، فلم يخطُ خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحسبه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه)، فأي فضيلة أعظم من هذه الفضائل التي ذكرت في هذه الأحاديث.
فصلاة الإنسان في جماعة تضاعف على صلاته وحده ببضع وعشرين درجة، وسبب هذه الدرجات هو أن المسلم قام بأفعالٍ كثيرة وليس مجرد الصلاة فقط، بل إنه توضأ وتطهر وأحسن وضوءه، ثم خرج يمشي من بيته إلى المسجد، فالخطوة الواحدة يرفعه الله بها درجة، والأخرى يحط عنه بها خطيئة، وهكذا، لكن بشرط أنك لم تأت إلا للصلاة، وليس من أجل أن تقابل أحداً، أو أن لديك موعد مع إنسان، لا، ولكنك جئت لا تنهزك إلا الصلاة، ولم تدفعك وتحضك على المجيء إلى بيت الله إلا الصلاة، وحب الله .
стр. 710
فضل الجلوس في المسجد
قال ﷺ : (فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه) فمن حين أن يدخل بيت الله فهو في صلاة حتى يخرج.
وفي هذا الحديث يخبرنا ﷺ وهو يرى ما لا نرى، ويعلم ما لا نعلم، صلوات الله وسلامه عليه، حيث يقول: (والملائكة يصلون على أحدكم)، وهناك فرق بين: يصلون عليكم، وقوله: يصلون على أحدكم، فمعنى يصلون عليكم أي: على الجميع، فتكون الصلاة على جميع الموجودين، فقد ينال البعض منها الكثير وينال البعض القليل، ولا ينال البعض الآخر، ولكنه قال: (يصلون على أحدكم) أي: على كل واحد منكم، وكل واحد تختصه الملائكة بالصلاة عليه، فتدعو له، وجميع الموجودين في المسجد ينالهم الخير العظيم، وتنالهم دعوات الملائكة الكرام ﵈.
قال: (يصلون على أحدكم) أي: يدعون لأحدكم، (ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه) وهذه دعوات عظيمة، والواحد منا إذا وجد أحد الصالحين فإنه يقول له: ادع لي، فالملائكة هنا تدعوا للعبد دعاء مستجاباً من فضل الله وكرمه ، ولن تخص أحداً دون الآخر، بل تدعوا للجميع واحداً واحداً، فتقول لكل واحد من القادمين إلى بيت الله : (اللهم ارحمه) تدعو لهم بالرحمة.
(اللهم اغفر له) تدعو له بالمغفرة.
(اللهم تب عليه) تدعو له بالتوبة، فإذا كان مذنباً تاب الله عليه، وغفر له ورحمه، وإذا تاب الله عليه وغفر له ورحمه، فقد فاز بجنة الله ورضاه سبحانه.
فهذه الدعوات، وهذا الجزاء العظيم يناله بشرط أن يأتي إلى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، أي: أنه جاء من بيته متطهراً من أجل الصلاة، ثم قيد الحصول على تلك الفضيلة بقيدين في آخر الحديث، فقال ﷺ : (ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه)، فالمؤذي أذاه في كل مكان، فإذا كان في المسجد آذى نفسه بأذاه لغيره، فإذا آذى أحداً من الناس: بغيبة، أو بنميمة، أو بلمز، أو برفع صوت، أو بشتم، أو بسب، أو بأي نوع من أنواع الأذى باليد أو باللسان، فلا يستحق ذلك الجزاء العظيم، حتى وإن كان جاء للصلاة ولم ينهزه إلا الصلاة.
والقيد الآخر: قوله ﷺ : (ما لم يحدث فيه)، قال النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وقال ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود عليه، إذاً: فقوله: (ما لم يحدث فيه) أي: ما لم يبتدع في بيت الله .
فإذا لم يؤذ أحداً من الناس، ولم يبتدع في دين الله ، فقد استحق هذا الأجر العظيم الذي جاء في الحديث.
وقد سئل أبو هريرة عن معنى الحدث؟ ففسره ببعض معنى الحدث، وقال: (ما لم يحدث) أي: يفسو أو يضرط، بمعنى: خروج الحدث منه، وهذا معنى صحيح أيضاً، ولكن الحديث المرفوع للنبي ﷺ قال: (ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه)، ولم يزد على ذلك صلوات الله وسلامه عليه.
فهذا تفسير من الراوي، وهو: أبو هريرة ﵁، وهو من أعلم الناس بحديث النبي ﷺ ومعناه، فذكر بعض معاني الحدث، ومن ضمن الإحداث في المسجد: أن يبتدع الإنسان بدعة في دين الله، وهذا فسره قول النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد).
ومن ضمن الإحداث، بمعنى: الحدث: أن يجلس في المسجد على غير وضوء، فمن توضأ وجلس في المسجد نال من الأجر وكأنه في صلاة، وذلك من حين أن يدخل المسجد إلى أن يخرج، حتى ولو كان جالساً في سهو أو يتفكر، فإذا كان على وضوء ناله هذا الأجر كله.
فينبغي على المسلم أن ينتهز فرصة وجوده في المسجد بأن يكون على وضوء، وأن يكثر من ذكر الله سبحانه، وألا يلغو وهو في بيت الله .
стр. 711
المكوث في المسجد أو حضور الجنازة
قال حكيم بن زريق: قيل لـ سعيد بن المسيب: أحضور الجنازة أحب إليك أم الجلوس في المسجد؟ بمعنى: هل تفضل أن تجلس في المسجد من الصلاة إلى الصلاة، أو تترك المسجد وتخرج لحضور الجنازة؟ فقال ﵁: بل الجلوس في المسجد أحب إلي؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (من صلى على جنازة فله قيراط، ومن شهد دفنها فله قيراطان) وأما الجالس في المسجد فإن الملائكة تقول: (اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه).
فاستحضر ﵀ أن الملائكة تدعو له وهو جالس في المسجد، وفضل أن يجلس في المسجد على أن يحضر الجنازة، وفي كل خير، فحضور الجنازة فيه أجر عظيم، وقد جاء عن عبد الله بن عمر ﵁، لما سمع حديث النبي ﷺ : (من شهد -أي: تبعها- فصلى عليه جنازة فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان) أي: بشهوده الجنازة، والانتظار حتى تنزل في قبرها، فلما سمع ذلك قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة.
ففيه أن ابن عمر تحسر على أنه اكتفى بأن صلى على الجنازة، ولم يشهدها، أو أنه وصلها وانصرف قبل أن تنزل إلى قبرها، فقال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة.
فينبغي على الإنسان أن يحرص على حضور الجنازة ما لم يمنعه عذر، فإذا خير بين أن يعتكف في المسجد وبين أن يحضر الجنازة، فهو مخير بين خيرين، وإن كان حضور الجنازة فيه خير ونفع متعد، وثوابه عظيم، كما فيه أيضاً تطيب لقلب أهل الميت، ومواساة لهم، وفيه دعاء للميت وهو في قبره بالتثبيت، وأجور كثيرة من نواح أخرى قد تزيد على وجود الإنسان في المسجد، ولكن في كل خير.
стр. 712
المفاضلة بين المكوث في المسجد وحضور الجنازة
قال حكيم بن زريق: قيل لـ سعيد بن المسيب: أحضور الجنازة أحب إليك أم الجلوس في المسجد؟ بمعنى: هل تفضل أن تجلس في المسجد من الصلاة إلى الصلاة، أو تترك المسجد وتخرج لحضور الجنازة؟ فقال ﵁: بل الجلوس في المسجد أحب إلي؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (من صلى على جنازة فله قيراط، ومن شهد دفنها فله قيراطان) وأما الجالس في المسجد فإن الملائكة تقول: (اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه).
فاستحضر ﵀ أن الملائكة تدعو له وهو جالس في المسجد، وفضّل أن يجلس في المسجد على أن يحضر الجنازة، وفي كل خير، فحضور الجنازة فيه أجر عظيم، وقد جاء عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه لما سمع حديث النبي ﷺ : (من شهد جنازة -أي: تبعها- فصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان) أي: بشهوده الجنازة والانتظار حتى تنزل في قبرها، فلما سمع ذلك قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة.
ففيه أن ابن عمر تحسر على أنه اكتفى بأن صلى على الجنازة ولم يشهدها، أو أنه شهدها وانصرف قبل أن تنزل إلى قبرها، فقال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة.
فينبغي على الإنسان أن يحرص على حضور الجنازة ما لم يمنعه عذر، فإذا خير بين أن يعتكف في المسجد وبين أن يحضر الجنازة فهو مخير بين خيرين، وإن كان حضور الجنازة فيه خير ونفع متعد، وثوابه عظيم، كما فيه أيضاً تطيب لقلب أهل الميت، ومواساة لهم، وفيه دعاء للميت وهو في قبره بالتثبيت، وأجور كثيرة من نواح أخرى قد تزيد على وجود الإنسان في المسجد، ولكن في كل خير.
стр. 713
ذم الكلام بغير ذكر الله في المسجد
جاء عن النبي ﷺ في الحديث أنه قال: (سيكون في آخر الزمان رجال يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقاً حلقاً، ذكْرهم) وفي رواية: (إمامهم الدنيا فلا تجالسوهم؛ فإنه ليس لله بهم حاجة)، ذكره الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة، وذكر له شواهد، وصححه أو حسنه.
أي: أنهم جاءوا يتسامرون في المسجد، فيجلسون حلقاً حلقاً يتكلمون في الدنيا وليس في ذكر الله .
وقوله: (ذكْرهم أو إمامهم الدنيا) بمعنى: ما يأمونه، أي: مقصدهم وذكرهم ليس ذكر الله ، ولكن يذكرون الدنيا، فيتكلم هذا عن ما عنده في البيت، ويتكلم ذاك بما وراءه من الشغل، وهكذا، فكثير من الناس هذا حالهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قوله: (فلا تجالسوهم) أي: لا تقعدوا معهم في مثل هذه المجالس، فإذا رأيت شخصاً يحدثك عما صنع بالأمس، أو أنه ذهب إلى مكان كذا، أو بقي له عند فلان كذا، فلا تجلس معه، فإنه يحرمك من الأجر، ومن دعوة الملائكة لك.
والإنسان المؤمن يضن بعمره، ويضن بوقت العبادة أن يضيعه في كلام فارغ لا يؤجر عليه.
فإذا كنت في المسجد فاحرص ألا يلهيك أحد عن ذكر الله ، وإذا وجدت نفسك جالساً تسبح الله بعد الصلاة، وتريد أن تقرأ آية الكرسي والمعوذات، وجاء أحدهم يريد أن يتكلم معك ويشغلك فلا ترد عليه، وقل له: اصبر حتى اختم الصلاة؛ لأن كثيراً من الناس يحب أن يضيع وقته بالكلام، فإذا وجدك في الشارع، أو في المسجد تكلم معك، فاحرص على ألا تضيع وقت العبادة معه.
إن الذي يأتي ليتكلم معك في أمور الدنيا قد ضيع عليك أجراً عظيماً، فآية الكرسي التي تقرأ عقب الصلاة يقول فيها النبي ﷺ : (من قرأ آية الكرسي دبر الصلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت) أي: أنك إذا صليت الفريضة، وقرأت آية الكرسي ثم مت، دخلت الجنة، فالذي يأتي ليكلمك عن أمور الدنيا في هذا الوقت فإنه يحرمك من هذا الثواب، فلا يستحق الجواب، إلى أن تختم الصلاة، وتختم بهذه الأذكار التي علمنا إياها النبي ﷺ ، فينبغي على الإنسان ألا يفرط في وقته أو وقت غيره.
وكثير من الناس يقولون: إنهم مشغولون وورائهم أعمال مهمة، فيصلي مستعجلاً ويترك الأذكار، فإذا خرج وقف على باب المسجد يحدث هذا ويتكلم مع ذاك، فينشغل عن ذكر الله ، وعن التسبيح والصلاة على النبي ﷺ بكلام هذا وذاك، وبأشياء له عنها مندوحة أن يتركها.
إن العمر لا يعوض، واليوم الذي يمضي من الإنسان لا يعود إليه، واليوم قد يقدر الإنسان على شيء، ولا يقدر عليه غداً، فليحرص على أن يأخذ من الدنيا أعظم ما فيها وهو ذكر الله وطاعته.
стр. 714
من آداب المساجد
لقد جمع الإمام القرطبي حوالي خمسين عشر خصلة في تعظيم حرمة المساجد، وهي أكثر من ذلك بكثير، ولكن نذكر الملخص الذي ذكره القرطبي ﵀، قال من حرمة المسجد: أن يسلم وقت الدخول إن كان القوم جلوساً، فيلقي السلام إذا دخل المسجد على أقرب الناس إليه، ولا يرفع بذلك صوته فيزعج الآخرين، ويسمع كل من في المسجد؛ لأنه لو رفع كل إنسان دخل المسجد صوته بالسلام ليتأذى الناس بذلك، خاصة وفيهم من يقرأ القرآن، أو يسبح، أو يصلي.
ولذلك قال ﵀: إن كان الناس جلوساً، فكأنه احتراز من إزعاج المصلين، حتى لا يشغلهم بالسلام.
ولذلك يقول جابر بن عبد الله: لا أحب أن أسلم على من يصلي، وإن سلم علي أحد رددت، أي: أنه إذا وجد أحداً يصلي لا يقول له: السلام عليكم، ولكن إذا سلم عليه أحد وهو في الصلاة ردّ ﵇، وذلك بأن يشير بيده، أو بإصبعه أنه سمع ذلك، ولكن لا يرد بالقول وإلا بطلت صلاته.
فمن آداب المسجد: أن يسلم الداخل على من فيه، فإن لم يكن في المسجد أحد فإنه يسلم كذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١] أي: يسلم بعضكم على بعض، وإذا لم يكن فيه أحد من الناس فإن فيه ملائكة الله ، فإذا دخل استحب أهل العلم أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أي: أنه يسلم على نفسه، وعلى من في المسجد من ملائكة الله ، ولذلك قال القرطبي رحمه الله تعالى: إن لم يكن في المسجد أحد قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
ومن آداب المساجد أيضاً: أن يركع ركعتين قبل أن يجلس كما ذكرنا في الحديث السابق.
قال: وألا يشتري ولا يبيع فيه، والمعنى: أنه لا يجوز أن يجري عقد الشراء والبيع أو المساومة على المبيع في المسجد، ولكن لو أن إنساناً اشترى من إنسان شيئاً خارج المسجد، وجاء هذا بالشيء إلى المسجد، وأعطاه له فقط من غير كلام آخر، فهذا جائز؛ لأنه مجرد مناولة، كأن يشتري إنسان كتاباً من آخر خارج المسجد، ثم جاء البائع وأعطاه كتابه داخل المسجد.
وقد دعا النبي ﷺ على من يبيع أو يشتري في المسجد فقال: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك) أي: يدعون عليه.
قال ﵀: ومن آدابها: ألا يسل فيه سهماً ولا سيفاً، والغرض أنه لا يؤذي أحداً من المسلمين بشيء في يده، فإذا دخل المسجد ومعه حديدة، أو شيء قد يؤذي به الناس فليتجنب أن يمشي به في وسط الزحمة؛ لكي لا يخدش بحديدته أو ما معه أحداً.
قال القرطبي ﵀: ولا يطلب فيها ضالة، وقد ذكرنا من قبل أنه لا يجوز للإنسان أن يعرف فيه ضالة، كأن يقول: وجدت كذا، أو ضاع مني كذا، فمن أراد ذلك فليكن خارج المسجد.
قال: ولا يرفع فيه صوتاً بغير ذكر الله ، أي: بالكلام عن أمور الدنيا، وإذا رفع صوته فليكن في درس علم أو في صلاة.
وأيضاً: لا يرفع الصوت بذكر الله ؛ حتى لا ينزعج الناس، ولذلك لما خرج النبي ﷺ على الصحابة في رمضان وهم يصلون التروايح خشي أن تفرض عليهم، فلم يصل بهم صلاة التراويح جماعة، إلا مرة أو مرتين، ولم يفعل بعد ذلك، وقال: (خشيت أن تفرض عليكم أو تكتب عليكم).
فكان الصحابة يصلون فرادى، فخرج مرة فسمعهم يصلون، وكل شخص يصلي وحده، ويرفع صوته، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، وقال: (كلكم يناجي ربه، فلا يرفع بعضكم صوته على بعض، ولا يؤذي بعضكم بعضاً) أو كما ذكر صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً لا يرفع في المساجد صوت بغير ذكر الله سبحانه، وكذلك إذا كان بذكر الله فلا يرفع بحيث يؤذي الناس بعضهم بعضاً، فإذا كان الناس جالسين في انتظار صلاة الجمعة فلا يرفع الإنسان صوته بقراءة القرآن؛ حتى لا يشغل الذي بجواره، بل يسمع نفسه فقط، أو يسر القراءة، وقد قال النبي ﷺ : (الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة).
والجاهر بالقرآن: هو الذي يرفع صوته، والله تعالى يقول: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة:٢٧١] أي: شيء حسن أن تبدي الصدقة، ولكن: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] أي: أفضل لكم، وكذلك في قراءة القرآن، فالجهر بها بين الناس شيء طيب، لكن من غير أن يتأذى بها أحد من الناس، فإذا كان في رفع الصوت بها أذى فيجب على القارئ أن يخفض صوته، ومع هذا فالإسرار بها أعظم في الأجر إذا كان بين الناس.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 715
تفسير سورة النور [٣٦ - ٣٧]
إن أحب البقاع إلى الله تعالى هي المساجد، وقد أمر الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وللمساجد آداب ينبغي لكل مسلم مراعاتها، وقد بين أهل العلم هذه الآداب بأدلتها من الكتاب والسنة وقواعد الشريعة ومقاصدها.
стр. 716
آداب المساجد
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٦ - ٣٨].
ذكر الإمام القرطبي في هذه الآية خصالاً في تعظيم بيوت الله وهي المساجد، فقال ﵀: قد جمع بعض العلماء في ذلك خمسة عشرة خصلة قال: من حرمة المسجد أن يسلم وقت الدخول إن كان القوم جلوساً، وإن لم يكن في المسجد أحد قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وأن يركع ركعتين قبل أن يجلس، وألا يشتري ولا يبيع، ولا يسل فيها سهماً ولا سيفاً، ولا يتخطى رقاب الناس.
والنبي ﷺ قد نهى عن البيع والشراء في المسجد فقال: (من رأيتموه يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك).
وفي صحيح البخاري من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: (من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها؛ لا يعقر مسلماً) يعني: الذي يمشي في زحمة سوق أو في مسجد وفي يده شيء قد يؤذي به الناس كسيف أو سهم ونحو ذلك، فيأخذ النصل بيده حتى لا يؤذي به أحداً من الناس.
وأيضاً لا يجوز أن يطلب في المسجد ضالة كأن يقول: لقد ضاع مني الشيء الفلاني، ولكن يطلبها خارج المسجد وليس داخله، ومن وجد شيئاً فليعرفه خارج المسجد وليس في داخل المسجد.
стр. 717
حرمة تخطي رقاب الناس في المسجد وإيذائهم
ومن آداب المسجد أن السابق إلى المكان أحق به، فالإنسان الذي جاء إلى الصف الأول مبكراً هو أحق بمكانه، ولا أحد ينازعه في المكان فيقيمه ويجلس مكانه؛ لنهي النبي ﷺ أن يقيم الرجل الرجل من مكانه ويجلس هو فيه.
وكذلك نهى عن تخطي الرقاب، فقد رأى رجلاً يتخطى الرقاب في صلاة الجمعة والنبي ﷺ في الخطبة، فقطع خطبته وقال للرجل: (اجلس فقد آذيت وآنيت) أي: آذيت الناس وتأخرت عن الصلاة.
فإذا كان الناس قد ازدحموا وملئوا المكان فلا ينبغي لأحد أن يتخطى رقابهم حتى يجلس أمامهم، وهذا تجده كثيراً، فبعض الناس في وقت صلاة الجمعة والمسجد مزدحم، فيدخل متأخراً من باب المسجد فيتخطى الصفوف حتى يجلس في الصف الأول! وهذا من سوء الأدب، فقد تأخر عن المجيء إلى المسجد وجاء ليؤذي الناس، والإيذاء للمسلمين حرام، فلا يجوز لأحد أن يؤذي أحداً من المسلمين، فمن الأذى لهم أن يتخطى أحد الصفوف ويجلس بينهم فيزحمهم في صفهم، وقد نهى النبي ﷺ أن يجلس الرجل بين الرجلين إلا بإذنهما، فلعل إنساناً يحب إنساناً آخر ويحب أن يجلس بجواره، فيأتي ثالث ويقول: وسع وسع، ويقف بين الاثنين، هذا من سوء الأدب، فالأدب أن يسلم ويستأذن فإذا أذنا له جلس، وإلا لم يجلس بينهما.
وأيضاً من الأدب في بيت الله ألا يرفع فيه صوت بغير ذكر الله ، ولا يتكلم في المسجد بأحاديث الدنيا.
وكذلك لا يضيق على أحد في الصف، وعلى الإنسان أن يحرص على الصف الأول، ففي الحديث: (إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول)، ولكن ليس معنى هذا أن يزاحم الإنسان المصلين، بل يأتي مبكراً حتى يجلس في الصف الأول.
وكثيراً ما يحدث هذا الخطأ فتجد الصف ممتلئ ولا يوجد مكان لآخر، فتجد من يدخل في الصف، حتى إن بعضهم يترك له المكان ويرجع إلى الصف الثاني، فهذا أخذ مكان غيره وليس مكانه ولا يستحقه.
وأحياناً بعض الناس يضايق الآخرين في الركوع أو السجود بكوعه، فقد علم أن النبي ﷺ كان إذا سجد فرج بين يديه، فيحاول أن يصنع ذلك في صلاة الجماعة، والنبي ﷺ كان يفعل ذلك إذا كان منفرداً أو إماماً ﷺ .
فعلى المصلي في الصف أن يحرص على آداب الصف، ولا يؤذي أحداً من المصلين.
وكذلك لا يرفع صوته بذكر الله لا في الصلاة ولا في غيرها بحيث يتأذى منه الناس، فالبعض يقرأ من المصحف بصوت عالٍ، وهذا خطأ، فعليه أن يخفض صوته ويسمع نفسه فقط، وإذا كان المسجد فارغاً فليرفع صوته إذا شاء: (والجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة) كما في الحديث.
وكثير من الناس يرفع صوته حتى في الصلاة، فيسمع الناس قراءته وتسبيحه ودعاءه، ويؤذي من بجواره.
عليك أن تقبل على الصلاة نشيطاً فرحاً بأنك تصلي كما في الحديث: (أرحنا بها يا بلال)، لكن لا ترفع صوتك فيها فتؤذي أحداً من الناس.
وبعض الناس في الصلاة يقرأ الفاتحة سراً حتى يصل إلى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] فيرفع صوته، فيزعج الذين بجواره.
وبعض الناس يظهر تعبه في الصلاة كالكسلان، فأنت تصلي بين يدي الله ، وفي الحديث: (إن الله لا يمل حتى تملوا)، فالله لا يمنع عنك ثوابه حتى تمتنع أنت من طاعته ، ومن ذكره سبحانه، فاحرص على إتقان الصلاة وإحسانها، فقف فيها بجد وبنشاط فإنك بين يدي الله ، وأري ربك أنك تعبده عبادةً حقيقة لا عبادةً فيها ملل.
ومن الآداب: ألا يمر أحد بين يدي مصلي، فإذا كان إنسان يصلي وجعل أمامه سترة فامش من وراء السترة.
والسترة للمصلي مشروعة، وبعض الناس يصلي في آخر المسجد بلا سترة، فيوقع الناس في الحرج عند الخروج والبحث عن أحذيتهم.
فاحرص إذا كنت مسبوقاً أن تصلي إلى سترة، وإذا لم تجد سترة أمامك فتقدم ودع غيرك يمر من ورائك.
стр. 718
تنزيه المسجد من النجاسات والقاذورات واللعب وكلام الدنيا
ومن الآداب: ألا يبصق ولا يتنخم ولا يتمخط في بيت الله ، إلا إذا كان محتاجاً إلى ذلك فيخرج منديلاً ويتفل في منديله بطريقة مهذبة بحيث لا يؤذي من بجواره من الناس.
ولا يفرقع أصابعه في الصلاة، ولا يعبث بشيء من جسده، فهذا ليس من أدب الصلاة.
وكذلك ينزه المسجد عن النجاسات وعن الصبيان والمجانين، فمن كان على ثيابه نجاسة قد يلوث بها الأرض.
فليجتنب دخول بيت الله حتى يزيل النجاسة.
ويجنب دخول المسجد الصبيان الذين لا يعقلون، فقد يجري ويلعب في المسجد، ويرفع صوته ويؤذي الناس، فمثل هذا ينزه المسجد عن إدخاله فيه، والذي يؤتى به إلى المسجد هو من كان في سن يصلى فيها وذلك بعد سبع سنوات، ويكون معلوماً من حاله أنه يعرف أن يصلي، وإذا قيل له: اسكت يسكت، وبعض الناس عنده سفاهة غريبة جداً، فهو يعلم أن ابنه قليل الأدب يلعب في المسجد، فإذا قيل له: يا أخي اتق الله لماذا أتيت به؟ فيقول: ما هو دليلك يا أخي؟! يعني الذي عمله ابنه في المسجد من سوء الأدب غير مهم عنده، لكن أنت ما هو دليلك على أنك تمنعه؟! وقد ذكرنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره على حرمة ذلك، فالمساجد لها حرمة، فلا يجوز الإتيان إلى المسجد بالصبيان المعروفين بأذى الناس واللعب لا للصلاة ولا لغيرها، لكن الذي يؤتى به لبيت الله من يصلي ويتأدب، وإذا أمر أن يسكت سكت.
وكذلك المجنون لا يمكَّن من دخول المسجد، فهو غير مكلف أصلاً حتى يدخل بيت الله، وإنما يخرج من بيت الله سبحانه حتى يستطيع الناس أن يصلوا، فالمسجد ليس مكاناً للمجانين ولكنه بيت الله سبحانه.
وإذا علم من حال إنسان أنه يأتيه حالات جنون فمثل هذا يمنعه أهله من المجيء للمسجد حتى يزول عنه ذلك.
أيضاً: من حرمة المساجد عدم إقامة الحدود فيها من جلد ونحوه؛ لأنه الذي يقام عليه الحد سيصرخ ويصيح، وليس المسجد مكاناً لذلك، وإذا كان حد القتل فسيلوث المسجد بدمائه.
ومن الآداب: أن يكثر من ذكر الله تعالى ولا يغفل عن ذكره سبحانه، ولا ينشغل بكلام الدنيا، فهذا بيت الله ، فينبغي أن يعظم، فعلى المرء أن يجلس في بيت الله لطاعة الله وليس لإزعاج المصلين، فكل مصل منشغل بصلاته، ويكفيه الوساوس التي تأتيه وهو في الصلاة يسرح فيها، فلا تزدها عليه بكلامك ورفع صوتك وكأنك تنفر الناس عن الصلاة.
стр. 719
عدم اتخاذ المساجد طرقاً والحرص على نظافتها
قال النبي ﷺ : (من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلاً، فيقال: لليلتين، وأن تتخذ المساجد طرقاً، وأن يظهر موت الفجأة) رواه الدارقطني، وقال الألباني: حديث حسن.
قوله: (أن يرى الهلال قبلاً) قبلا: بفتحتين، ومعناه أنه يرى الهلال كبيراً، والهلال في أول ليلة من الشهر يرى صغيراً جداً ولا يكاد يراه إلا القليل من الناس، ويختفي سريعاً، ولكن من علامات الساعة أنه يكبر في أول ليلة من الشهر، فيظن الناس أنه قد طلع قبل تلك الليلة ولم ينتبهوا له! قال: (وأن تتخذ المساجد طرقاً) هذا من أشراط الساعة، فالمسجد يكون طريقاً للناس، فيدخل الرجل المسجد ليمر منه ولا يصلي، وإنما يدخل لحاجة وينصرف، وكأن المسجد شارع وليس هو بيت الله سبحانه! قال: (وأن يظهر موت الفجأة) يعني: يكون الرجل قاعداً صحيحاً وفجأة يموت، وهذا يحدث كثيراً، ومن الماضي كان يحدث ولكن يكون في آخر الدنيا موت أكثر الناس كذلك، وقد قال النبي ﷺ : (موت الفجأة أخذة أسف).
وهذا للإنسان الفاجر يعني: أن الله يعاجله بالعقوبة ولا يعطيه فرصة ليتوب إليه سبحانه، وقد كان الصحابة يفرحون إذا مرض الإنسان قبل أن يموت، ويحبون أن يمرض شهراً أو شهرين أو أكثر من ذلك أو أقل؛ لأن المرض كفارة، فيكفر المرض من ذنوب الإنسان، فإذا مات بعد ذلك لعله يموت مغفوراً له، فإذا غضب الله على عبد فإنه لا يترك له فرصة ليتوب، ويأخذه فجأة، قال الله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤]، وفي الحديث: (إن الله يملي للفاجر حتى إذا أخذه لم يفلته) أي: يتركه يعلو ويعلو ويعلو وفجأة يأخذه فلا يفلته، يقبضه الله ليعذبه على جميع ذنوبه، ولا يجعل له شيئاً من الكفارات، فمن أشراط الساعة أن يكثر شرار الخلق، فيكثر فيهم موت الفجأة.
وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها)، وهذا إذا كانت أرض المسجد تراباً، فإذا كان المسجد مفروشاً بسجاد فلا يحل لأحد أن يبصق عليه، فإذا فعل وجب عليه أن يطهر ذلك المكان من أثر ذلك.
وفي حديث أبي ذر عن النبي ﷺ في صحيح مسلم قال: (عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق)، فإماطة الأذى من محاسن أعمال هذه الأمة عند الله ، فقد تكون هناك قشرة موزة قد يتزحلق بها أحد فأماطها وأبعدها عن الطريق، فله أجر، أو وجد أذىً يؤذي الناس فأزاله عن الطريق، أو وجد مجاري تخرج إلى الشارع فأصلحها، فإنه يؤجر على ذلك.
فمن الحسنات أن تميط الأذى عن الطريق، وقد صار الناس يأنفون من ذلك، بل وانقلب الحال، فصار الناس بدل أن يميطوا الأذى عن الطريق يضعون الأذى في الطريق، فيضع الزبالة في الطريق مع وجود صناديق القمامة، وبعضهم يرميه أمام الجيران، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول النبي ﷺ : (فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن).
فمن مساوئ الأعمال تقذير بيت الله سبحانه، فعلى المسلم أن يحرص على نظافة بيت الله ، فقد كانت امرأة تقم وتكنس المسجد في عهد النبي ﷺ ، فافتقدها النبي ﷺ يوماً فسأل عنها، فقالوا: ماتت بالليل فدفناها، فقال: (هلا آذنتموني؟)، يعني: هلا أخبرتموني بموتها، وهذا لفضيلتها، فذهب النبي ﷺ بنفسه إلى قبرها فصلى عليها هنالك بعدما دفنت المرأة؛ لأنها كانت تكنس المسجد وتزيل الأذى من المسجد، فعرف النبي ﷺ لها فضيلتها فذهب فصلى عليها عند قبرها، وقال: (إن هذه القبور ممتلئة ظلمة على أصحابها، وإن صلاتي عليهم تنور قبورهم).
قوله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧] وخص الرجال بالذكر، والمعنى: هم رجال ليسوا كغيرهم من الرجال، كذلك قال الإمام القرطبي هنا، وتخصيصهم بالذكر دليل على أن النساء لا حظ لهن في ذلك، فالمرأة صلاتها في البيت وليس في المسجد، فإذا جاءت المسجد لحاجة فهذا حسن، كأن تأتي لسماع درس علم أو نحوه ما لم تفتن أو تفتن، قال النبي ﷺ : (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن، وليخرجن وهن تفلات).
وقد جاء في سنن أبي داود عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي ﷺ : (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها) يعني: كلما صلت المرأة في المكان البعيد عن أن يراها الناس كان هذا أفضل لها، ومع أن النبي ﷺ قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) فإنه نبه على أن البيوت خير للمرأة من المساجد إلا أن تحتاج المرأة لشيء في المسجد فيجوز لها أن تذهب إلى المسجد.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 720
تفسير سورة النور [٣٦ - ٣٩]
ذكر الله تعالى صنفاً من عباده يتميزون عن غيرهم من اللاهثين وراء الدنيا والغافلين عنها بأنهم يسبحون الله تعالى ليل نهار في الغدو والآصال، فلا يلهيهم تصرفهم في قضاء حوائجهم ومعاشهم من تجارة وبيع عن ذكر ربهم، أو عن إقامة صلاتهم، أو أداء حق الله الواجب في أموالهم؛ لأنهم يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، فالمولى الكريم سيجزيهم أحسن ما عملوا، ويبدلهم بعد خوفهم أمناً.
وأما الكافرون فلا ينفعهم ما عملوه في الدنيا، بل يكون حالهم كالعطشان في الصحراء يرى السراب فيظنه ماءً، فإذا جاءه لم يجده شيئاً.
стр. 721
تفسير قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع والله يرزق من يشاء بغير حساب)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٩].
ذكر الله في هذه الآيات رجالاً لا تلهيهم التجارة والبيع عن المجيء إلى بيوت الله سبحانه، ولا تشغلهم الدنيا عن رحمة رب العالمين، ولا عن حب الله وطاعته سبحانه.
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور:٣٦] أي: في الصباح والمساء، ففي كل وقت يسبحون الله سبحانه ويصلون طائعين، فهم رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة.
فالمؤمنون الصالحون الذين يعرفون حق الله يعبدونه ولا يشركون به شيئاً، فأقبلوا بقلوبهم ووجوههم عليه، وأتوا إلى المساجد حين سمعوا النداء، وحرصوا على صلاة الجماعة، وتعلقت قلوبهم بالمساجد فلا تلهيهم تجارة ولا بيع.
ولعل المقصود بالتجارة التي تقدم عليهم من خارج البلد، والبيع: التجارة الحاضرة التي بينهم.
فلا يلهيهم الشيء البعيد الذي يتشوق الناس إليه، وينتظرونه، ولا الشيء القريب الذي هو في متناول أيديهم شغلهم عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فهم في ذكر لله دائماً، فإن كانوا في تجاراتهم فهم في ذكر لله.
وقد اختلف العلماء في قوله سبحانه: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاة﴾ [النور:٣٧] فقال بعضهم: (عن ذكر الله) يعني: الأذان، فكأنهم يسمعون الأذان ويرددونه، ويأتون إلى المساجد حين يسمعون النداء.
وقيل: حضور الصلاة.
وقال ابن عباس: عن الصلاة المكتوبة.
وقيل: عن ذكره بأسمائه الحسنى، فيوحدونه ويمجدونه بها.
وقيل: نزلت في أهل الأسواق، قال سالم: جاز عبد الله بن عمر ﵁ في السوق وقد أغلق الناس حوانيتهم وقاموا ليصلوا في جماعة، فقال فيهم نزلت: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٧].
والغرض: أن ذكر الله أعم من أن يكون الصلاة أو غيرها، فذكر الله سبحانه في قلب الإنسان المؤمن، وعلى لسانه في كل حين، فلا ينشغل عن الذكر وهو يبيع؛ لأن ذكر الله في قلبه وفي عقله، فهو يخاف من الله ولا ينساه أبداً، فلا يغش في بيعه، ولا يخون، ولا يطفف في الكيل، ولا في الميزان، ولا يخدع، ولا يدلس ولا يغبن، ولا يفعل فعلاً يسخط الله عليه، فهو بذلك ذاكر لله لا ينساه: لا في بيعه، ولا في تجارته، ولا في مشيه، ولا في بيته ليل نهار.
وهذا الإنسان المؤمن يلهمه الله ذكره، فإذا به يستمتع به، فإذا أكل قال: بسم الله، وإذا دخل بيته قال: بسم الله، وإذا مشى وهو في الطريق سمى الله سبحانه، ويذكر الله في أبسط ما يكون من ذكر الله، فكيف إذا قرأ كتاب الله سبحانه، وذكر الله بكلام الله سبحانه؟! وكذلك لا ينشغل عن إقام الصلاة، فيحضرها عند إقامتها، ويحرص على تكبيرة الإحرام مع الإمام، وقد جاء عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)، ويحرص الصف الأول.
فإذا صلى أقام صلاته فأحسنها ولم يسئ فيها، ولم ينقرها نقر الغراب، ولم يصل صلاة الإنسان المتلهف على الدنيا، المسرع إليها المفرط في الصلاة.
كذلك لا يلهيه البيع ولا التجارة عن إيتاء الزكاة، وكم من إنسان يكون معه مال، ويخاف إن أخرج الصدقة أن ينقص المال، فيبخل ويشح ويضل، فإذا أتى عليه وقت الزكاة بدأ يفكر هل يخرج الزكاة دفعة واحدة أو على دفعات وأقساط؟! وكأنه يشح ويظن على ربه سبحانه، وكأنه يستكثر أن يعطي الفقير المال جملة واحدة، وقد يخشى إن أعطاها الفقير أن تضيع منه!! فيقال لمن هذا حاله: أنت لم ترسل حافظاً على الفقير، ولا حسيباً عليه، ولكن الله أمرك أن تخرج زكاة مالك في وقتها.
لكن لو أن إنساناً أخرج جزءاً قبل وقته لحاجة الناس، فلا مانع من ذلك، وأما إذا جاء وقت الزكاة فصار عليك إخراجها فرضاً، فإذا أخرتها صارت ديناً عليك، فإذا قسطته شيئاً فشيئاً كان ديناً عليك تسدده بالتقسيط، ولا تدري لعلك تموت قبل تسديده كاملاً ولا يخرج ما بقي عنك أحد، فيضيع عليك الأجر في الدنيا، وعليك الوزر في الآخرة؛ لأنك منعت زكاة المال.
فهؤلاء لا يلهيهم البيع، ولا تلهيهم التجارة عن ذكر الله، ولا عن إقام الصلاة، ولا عن إيتاء الزكاة، فيفعلون كل ذلك مخافة الله .
قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧] أي: يخافون يوماً عظيماً خطيراً، ونكّره الله معظماً لشأنه، والتقدير: يخافون يوماً وأي يوم يكون هذا اليوم؟ إنه يوم عظيم.
﴿يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧] أي: الشر فيه منتشر وعظيم، وشر هذا اليوم ما يكون فيه من عذاب وأهوال.
وفي هذا اليوم يقوم الناس خمسين ألف سنة ينتظرون أن ينتهي بهم هذا الموقف إما إلى الجنة، وإما إلى نار.
ومن شدته يقول بعض الناس: يا رب! اصرفنا ولو إلى النار، ويظنون أن النار أهون عليهم من هذا الموقف، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧] أي: تتحول قلوب الناس عن أماكنها، وهذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨] فالكفار يوم القيامة لا يطمئنون أبداً فهم في غاية الفزع، وقد كانوا في الدنيا مطمئنين وهم يعصون، ولك أن تتخيل إنساناً في شدة الفزع يقول: قلبي، وهذا في فزع الدنيا وهو فزع خفيف، وأما فزع يوم القيامة فلا نجاة منه، بل تتحول فيه القلوب عن أماكنها.
وكذلك تتقلب وتتحول فيه الأبصار، فإذا ببعضهم قد ازرقّت أبصارهم، قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:١٠٢] أي: عيونهم زرقاء وألوانهم سوداء، وذلك أقبح ما يكون في الإنسان.
وكذلك تعمى أبصارهم يوم القيامة والعياذ بالله.
وكذلك تتحير الأبصار فتصير عينا الإنسان المفزوع زائغتين، فتتقلب شمالاً ويميناً يبحث عن منجى وملجأ فلا يجد ملجأً، ولا منجىً من الله إلا إليه.
وإذا دخلوا النار تقلبت قلوبهم وأبصارهم في نار جهنم.
وأما المؤمنون فيعصمهم الله وينجيهم، نسأل الله العصمة والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [النور:٣٨]، فالمؤمن يجزيه الله سبحانه أفضل ما عمل.
وأصل الجزاء يوم القيامة أن يكون على الإحسان في الدنيا وعلى الإساءة، لكن لأنهم كانوا مؤمنين، واجتنبوا كبائر الذنوب، غفر الله لهم صغائر ذنوبهم وتجاوز عنها، قال سبحانه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١].
بل يبدل سيئاتهم حسنات من فضله وكرمه .
قال تعالى: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٨]، وهذا كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فالزيادة النظر إلى وجه الله ﵎.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٨] فلا أحد يطلب من الله شيئاً وهو مخلص لرب العالمين سبحانه، راجٍ له إلا أعطاه الله سبحانه.
فالله هو الغني بذاته، فيرزق من يشاء في الدنيا وفي الآخرة ولا أحد يجبر الله أن يعطيه شيئاً، وإذا أراد أن يضيق على أحد فلا أحد يغالبه سبحانه.
فهو يعطي من يشاء على الحسنة عشر أمثالها، وعلى الحسنة مائة مثل أو سبعمائة مثل، أو بغير حساب، أي: من غير عد.
وقوله تعالى: (بغير حساب) لها معنيان: الأول: بغير خوف أن ينفد ما عنده؛ فإن خزائنه ملآى لا تغيظ أبداً.
والثاني: أن يرزق عبده بغير أن يحاسبه، والله يفعل ما يشاء، وقد يدخل أناساً من المؤمنين جنته من غير أن يحاسبهم على شيء، بل يغفر لهم ويدخلهم جنته بفضله ورحمته.
стр. 722
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة)
أما الكفار فذكر أمرهم وحالهم ومآلهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩].
فالكفار عملوا أعمالاً في الدنيا ظنوا أنها نافعتهم، فلما أتوا يوم القيامة صارت هباءً منثوراً، قال الله سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣].
وقد يفعل الكافر في الدنيا الأعمال الصالحة، فقد يحسن إلى جاره، وقد يفعل الخير، وقد يتصدق بصدقة، ولكن ذلك لا يقبل منه، إنما يوفيه الله به في الدنيا، ولا يدخر له شيئاً يوم القيامة.
فإذا جاء الكافر يوم القيامة جعل الله عمله هباءً منثوراً، والهباء هو ما يراه الإنسان في شعاع الشمس وهي داخلة من الكوة، وكذلك عمل الكافر يكون هباءً منثوراً لا قيمة له في يوم القيامة.
وذلك أن العمل لكي يكون مقبولا لا بد فيه من شرطين: الأول: الإخلاص، وهو أن يعمله لله وحده لا شريك له.
والثاني: المتابعة للنبي ﷺ .
فهذان شرطان لقبول العمل؛ فإذا أتى الإنسان بالعمل الخالص لله المتابع للنبي ﷺ فيه قبله الله.
وأما الكافر: فقد امتنع أن يتابع النبي ﷺ ، ثم عمل عملاً أشرك بالله فيه وعبد غيره، فالله أغنى الشركاء عن الشرك، فجعل أعمالهم التي عملوها وظنوا أنهم ينتفعون بها يوم القيامة كالسراب.
والسراب هو: الشيء الذي تراه في وقت الظهيرة في الصحراء المنبسطة أمامك كأنه ماء، فمن شدة الحر يسخن الهواء ثم تنعكس الأشعة، فتظن أن الأشعة المنعكسة فوق الأرض ماءً وليست ماءً.
والإنسان العطشان في الصحراء يجري وراء هذا السراب يظنه ماءً؛ فإذا وصل إلى مكانه لم يجده شيئاً، فكذلك الإنسان الكافر.
فقد كان في الدنيا يعمل أعمالاً يظن أنه يتقرب بها، وأنها صالحة، وأنها تنفعه، وقد رفض أن يتابع النبي ﷺ ، وأن يؤمن به، وأن يدخل في هذا الدين العظيم الذي ارتضاه الله لعباده ولم يرض لهم غيره.
فلما رفض إذا بالله سبحانه لا يقبل منه عملاً، فقدموا يوم القيامة وأعمالهم كسراب بقيعة.
والقيعة والقاع: المنبسط من الأرض الصحراء، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور:٣٩] أي: أن هذا الإنسان الظمآن الذي يكون في الصحراء يشتهي شُرْب الماء، فإذا رأى السراب جرى إليه ولهث حتى يصل فلا يجد شيئاً؛ وكذلك هذا الكافر يوم القيامة يظن أنه ينتفع بعمله فلا يقبل منه شي.
стр. 723
القراءات في قوله تعالى (يحسبه الظمآن)
وفي قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور:٣٩] قراءتان: قراءة ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وخلف: (يحسَبه) بفتح السين.
وقراءة باقي القراء: (يحسِبه الظمآن) بكسر السين.
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور:٣٩] أي: إذا وصل إليه لم يجده شيئاً.
وانتقل إلى يوم القيامة فقال: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور:٣٩]، فكأن الظمآن حين يصل إلى الذي ظنه ماءً ولم يجد شيئاً سيموت من شدة العطش، والكافر يوم القيامة يقدم ويظن أن ينتفع بعمله، فإذا جاءه ضاع منه هذا العمل، ووجد الله عنده؛ ليوفيه حسابه، والله له بالمرصاد، فيأخذه ويحاسبه الجزاء الوافي، والله سريع الحساب.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 724
تفسير سورة النور [٣٩ - ٤٠]
يضرب الله تعالى مثلاً رائعاً لمآل أعمال الكافرين في الآخرة برجل مسافر انقطع عنه الماء، واشتدت عليه حرارة الجو، ولا أنيس له ولا سمير في الصحراء القاحلة، فيلوح له من بُعد سراب لامع، فيحسبه ماء، فيهرع إليه وإذا به ينصدم، فبعد أن يجهد نفسه ويزداد عطشه لشدة جريه يجد أن ذلك سراباً فلا ينتفع به، وكذلك أعمال الكافرين، فهم يظنون أنها تنفعهم، فيجعلها الله سبحانه يوم القيامة هباءً منثوراً.
стр. 725
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩].
لما ذكر الله قبل هذه الآيات أمْر المساجد وأن هذه المساجد يوجد فيها المؤمنون الذين يعبدون الله ، ويخلصون له، والذين ينير الله قلوبهم بحفظ كتابه سبحانه، وبكثرة تسبيحهم وصلاتهم في بيوت الله، ثم ذكر المؤمنين وذكر شيئاً من أعمالهم وذكر جزاءهم.
ثم انتقل لذكر الكافرين كيف تكون أعمالهم وكيف يكون جزاؤهم عند الله ﵎، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور:٣٩]، فالكافر مهما عمل من خير فإنما يجزى عليه في الدنيا فقط.
وأما عند الله يوم القيامة فلا أجر له ولا ثواب؛ لأن الأجر والثواب عند الله مرتبط بإيمان العبد، وشرط الثواب على العمل أن تعمله خالصاً لله ، فليس فيه ريا ولا شرك.
فهؤلاء الكفار عملوا أعمالاً هي شرك بالله ﵎، وتقربوا إلى غير الله، أو عملوا أعمالاً ابتغوا بها الخير لغيرهم، ولكن أصل الإيمان ليس في قلوبهم، فقد كفروا وجحدوا ربهم، وكذبوا رسل رب العالمين، ثم عملوا أعمالاً فلن تقبل منهم؛ لأن شرط القبول: الإيمان والتصديق والدخول في هذا الدين العظيم، فإذا رفضوا كلام رب العالمين، وكذبوا النبي صلوات الله وسلامه عليه، ثم بعد ذلك تصدقوا أو عملوا أعمالاً صالحة في الظاهر فهذه لا قيمة لها عند الله ، فإذا جاءوا يوم القيامة اغتروا بأعمالهم، وظنوا أن لهم أعمالاً مقبولة عند الله سبحانه، فلما قدموا وجدوا هذه الأعمال هباء منثوراً، قال سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] أي: كالذرات المتناثرة التي تراها في الكوة إثر دخول الشمس منها، فكذلك أعمالهم لا يؤجرون عليها.
وهنا ضرب الله ومثلاً آخر يتبين منه عدم قبول أعمال هؤلاء وكيف يكون شأنها، وكيف يتحسرون عليها يوم القيامة، فيقولون: يا ليتنا عملنا هذه الأعمال مع تصديقنا بالله ﵎، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور:٣٩]، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النور:٣٩] مبتدأ، و ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ [النور:٣٩]، مبتدأ ثانٍ وخبر، والجملة خبر للمبتدأ الأول، أو ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ [النور:٣٩]، بدل من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النور:٣٩].
قال تعالى: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ [النور:٣٩]، وهو هذا الشيء اللامع البعيد الذي تراه في وقت الظهيرة وأنت تمشي في صحراء واسعة منبسطة في شدة الحر، فتنزل الحرارة وتبخر الأبخرة الموجودة في طبقات الهواء مع تمدد أشياء منها، فتنكسر عليها أشعة الشمس فتراها كأنها ماء أمامك، فمثل عمل الكافر كإنسان يمشي في صحراء في غاية العطش، فوجد أمامه قاعاً منبسطاً فظن أن فيه ماء وهو سراب في وقت شدة الظهيرة، فجرى تجاه هذا الماء يريد أن يشرب منه، فلما وصل بعد تعب لم يجد ماء ولا شيئاً، ولكن وجد سراباً لامعاً كالماء وليس ماء حقيقة.
قال تعالى: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور:٣٩]، فغير الظمآن في هذا المكان ليس محتاجاً للماء ولكن الظمآن في غاية العطش هو الذي يكون في غاية الاشتياق أن يصل إلى هذا الماء ليشرب منه، وكذلك الكافر يوم القيامة ينتظر عملاً ينجيه وينقذه مما هو فيه، فإذا به يتذكر الأعمال الصالحة التي عملها، فلما ظن أنه ينتفع بها إذا بالله لا يقبل منها شيئاً.
قال هنا: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور:٣٩]، لما جاء يوم القيامة ولم يقبل منه هذا العمل وجد الله هناك ليسأله ويجازيه على كفره وجحوده وتكذيبه، فكما لم يجد صاحب السراب العطشان ماء، كذلك هؤلاء يوم القيامة لم يجدوا ثواباً على أعمالهم بل قد أحبطها كفرهم فلم يجدوا شيئاً.
قال تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور:٣٩] أي: وجد الله له بالمرصاد، أو وجد جزاء الله له على كفره عند حشره، قال: ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور:٣٩] أي: أعطاه العقوبة الوافية جزاءً بما قدم من كفر قال: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩]، فيحاسب الخلق جميعهم لا يشغله شيء عن شيء يوم القيامة، فيوفي للمؤمنين جزاءهم بالحسنى، ويوفي الكافرين جزاءهم وعقوبتهم على ما فرطوا وما قدموا من أعمال سيئة.
стр. 726
تفسير قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي)
وهذا مثال آخر قال سبحانه: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور:٤٠]، إذاً: فالكفار أعمالهم مثلها الله لنا بهذين المثلين: بمثل السراب، أي: أنها لا شيء، وبمثل الظلمات، فقال: ﴿كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور:٤٠]، فأعمالهم مع كفرهم لا نجاح فيها ولا قبول لها، بل هم في ظلمات الكفر والشك والحيرة، وفي ظلمات المعاصي في الدنيا وكذلك يوم القيامة، فيمثِّل لهم هذه الأعمال وهم في حيرة وشك وفي كفر.
وانظر إلى هذه الصورة قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ﴾ [النور:٤٠]، فهذه الظلمات في بحر شديد غوره وعميق جداً، وليس في أي بحر، ولكن قال: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور:٤٠] أي: في بحر عميق بعيد غوره بعيد قاعه يغشى هذا البحر ﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ [النور:٤٠].
وهنا في هذه الآية يذكر الله موجاً فوقه موج آخر، وقد كانوا في الماضي يقولون: موج من فوقه موج، أي: من ورائه موج.
إذاً: موج عالٍ وراءه موج عالٍ مثلما ترى البحر عندما يكون مرتفعاً عالياً، فتأتي موجة تلو الأخرى، فكانوا يقولون ذلك، ولكن مع تقدم علوم البحار ونزول الناس بآلاتهم إلى أعماق البحار وجدوا تطبيقاً حقيقياً لهذه الآية، وأنه ﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ [النور:٤٠]، وليس موج، من وراءه موج فقالوا: هذا لا يكون إلا في البحر العميق.
قالوا: وهذه من معجزات كتاب رب العالمين سبحانه التي تبين أنه جاء من عند رب العالمين، وليس من كلام النبي ﷺ الذي لم ينزل بحراً قط، ولو كان عند بحر فإنه يكون بحراً سطحياً، وأما البحر العميق فلا، لا هو ولا أحد من أصحابه أبداً نزلوا بحراً عميقاً، ومن يقدر على ذلك؟! قالوا: أقل أعماق الموج الداخلي في البحر مائتا متر من سطح البحر، قالوا: ويكون موجاً داخلياً في البحار العميقة جداً كالمحيطات، فتكون أمواج مختلفة جداً في العمق الذي لا يقدر الإنسان أن يصل إليها في الغطس في البحر، وأكبر مسافة ينزل إليها الإنسان ولا يؤذى بنزوله إليها حوالي ثلاثين متراً أو سبعة وثلاثين متراً، فهذه أقصى مسافة يقدر الإنسان أن يصل إليها من غير آلات ولا شيء.
وإذا نزل أكثر من ذلك فإنه يزيد عليه ضغط الماء فتتحول الغازات الموجودة في دماغ الإنسان كغاز النيتروجين مع شدة الضغط إلى سائل، فإذا خرج وخف الضغط رجع إلى غاز، فيفور دماغه ويموت.
لذلك فهؤلاء الذين ينزلون أقصى من ذلك لا بد أن تكون معهم آلات حتى لا يحدث لهم ذلك، وإذا أرادوا الصعود لا يصعد مرة واحدة، ولكن يصعد مسافة قليلة وينتظر فترة طويلة، ومن ثم يطلع مسافة ثانية وينتظر فترة طويلة، ويحتاج أن تكون معه أنبوبة أكسجين من أجل أن يتنفس، والغواص يعلمونه ذلك حتى لا يصاب بأذى.
فهنا الآية تخبر عن هذا الموج الذي تحت أعماق مائتي متر عن سطح الماء أنه موج وفيه ظلمة، وهذا فعلاً هو الحاصل، فالمكان الذي فيه الموج الداخلي في أعماق المحيطات لا تجد شيئاً من النور، ولذلك الكائنات الحية التي في هذا المكان لها خصائص أخرى غير الكائنات التي فوق السطح القريبة من الناس، فتجد أن بعض الأسماك ليس لها عيون أصلاً؛ لأنها ليست محتاجة للرؤية بداخل هذه الأعماق المظلمة.
فالله يخبر عن هذه الأعماق أنها ظلمات، فإذا نزلت تسبح في البحر مترين مثلاً تجد أشعة الشمس غير منكسرة، فترى ما حولك، ثم تنزل تحت جداً فتجد الظلمة بالداخل التي أخبر الله عنها بقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ﴾ [النور:٤٠]، وليس هذا في أي بحر، وإنما هو البحر العميق ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ [النور:٤٠]، وهو موج داخلي قال: ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ [النور:٤٠]، وهو موج سطحي، فيقولون: هذا الموج السطحي مع حركة الماء يكسر أشعة الشمس، ولذلك عندما تصنع شيئاً داخل الماء ومن ثم تحرك الماء فوقه فإنك لا ترى هذا الشيء الداخلي؛ لانكسار الأشعة، فهذا الموج الداخلي في ظلمة.
ثم قال: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سحاب﴾ [النور:٤٠] إذاً: فوق ذلك سحاب أيضاً فاليوم شاتي والسماء مظلمة وفي سطح البحر موج عالٍ، وداخله موج آخر، قال تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:٤٠]، فالذي في مثل هذا المكان العميق في الماء وفي مثل هذه الظلمة ظلمة السحاب، وظلمة السماء، وظلمة الليل، وظلمة قاع البحر، إذا أخرج يده لا يكاد يراها.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]، إذاً: هذه الظلمات نطبقها على حال الإنسان الكافر فهو في ظلمة كفره، وفي ظلمة حيرته وتخبطه، وفي ظلمة شكه في قلبه، فلا يطمئن الكافر أبداً، فمهما ظهر أمام الناس أنه مطمئن، وأنه ساكن، ولكن قلبه ممتلئ حيرةً بخلاف الإنسان المؤمن.
والإنسان المؤمن وإن تكالبت عليه مصائب الدنيا، فهو مطمئن بالله ، ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فتطمئن القلوب بذكر الله والركون إليه؛ قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، فالمؤمن يعرف ربه، ويعرف مصيره وأنه راجع إلى الله؛ لذلك إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، فهذه كلمة عظيمة يستحق عليها الإنسان المؤمن الثواب العظيم، فإذا قال: إنا لله في وقت المصيبة ووقت البلاء يعني: ماذا حصل: أخذت مني الدنيا أو أخذ مني شيء منها، فأنا كلي لله ، وأمري راجع إلى الله، فهو مطمئن بالله سبحانه.
стр. 727
القراءات في قوله تعالى: (من فوقه سحاب ظلمات)
وأما الكفار فهم في ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ.
وفي قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور:٤٠] ثلاث قراءات: هذه قراءة الجمهور.
وقرأها البزي عن ابن كثير (من فوقه سحاب وظلمات).
وقرأها قنبل عنه (ومن فوقه سحاب ظلماتٍ بعضها فوق بعض) على الإضافة، وكأن المعنى: سحاب فيه ظلمات عظيمة، وهو سحاب الليل أو سحاب الشتاء الذي فيه الظلمة، فهو يستر ضوء الشمس عن الإنسان، أو سحاب من فوقه سحاب.
ثم رجع على البدل من أولها ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ [النور:٤٠]، فقال: ﴿سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور:٤٠]، على البدل من الأول.
قال تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:٤٠]، إذا أخرج يده في هذه الظلمات لم يكد يرى يده ولو قربها من عينه، وقد لا يرى هذه اليد، فمعناه أنه في ظلمات شديدة.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]، فالنور نور الله سبحانه قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥]، وقال: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥]، فالمؤمنون أنار الله قلوبهم وأبصارهم وبصائرهم.
فالمؤمن يرى الآيات فيعتبر ويتعظ، والكافر مهما رأى من شيء فلا عبرة ولا اتعاظ، وهو بعيد عن الله وقد سحب منه النور، فلا نور له.
فمن أراد الله به خيراً أضاء الله قلبه ونورّه فاهتدى، ومن لم يرد الله به خيراً ابتعد عن دين الله ، قال: ﴿مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]، يهتدي به في ظلماته، ويموت هذا الإنسان على كفره إلا أن يشاء الله به خيراً.
لذلك الإنسان المؤمن الذي يواظب على المجيء إلى بيت الله له البشارة العظيمة من كتاب رب العالمين في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [النور:٣٨]، إذاً: فالبشارة في كتاب رب العالمين بالجزاء على أحسن ما عملوا، ويكفر عنهم سيئاتهم .
والبشارة في قول النبي ﷺ : (بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة).
ففي ظلمات الليل يذهب المؤمن لصلاة المغرب، ولصلاة العشاء في بيت الله رب العالمين.
وفي ظلمة الفجر يذهب المؤمن إلى بيت الله، فيقال له: كما ذهبت في الظلمة وأنار الله قلبك بالإيمان؛ فيوم القيامة ينير لك ويضيء لك موقفك ومكانك، ويضيء لك الصراط، فتمر عليه بفضل الله وبنور الله.
نسأل الله أن ينير لنا طريقنا إليه في الدنيا، وفي قبورنا، ويوم القيامة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 728
تفسير سورة النور [٤١ - ٤٥]
يخبر تعالى أنه يسبح له من في السماوات والأرض من الملائكة والإنس والجن والحيوان وحتى الجماد، فكل قد أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله تعالى.
ثم أخبر تعالى أن له ملك السماوات والأرض، فهو الحاكم المتصرف الإله المعبود وحده لا شريك له.
ثم ذكر سبحانه أنه يسوق السحاب بقدرته، وقد يكون المطر النازل من السحاب نعمة وقد يكون نقمة، ويقلب الله الليل والنهار ويتصرف فيهما كيف يشاء، فهذا دليل على عظمته وقوته وعزته تعالى.
стр. 729
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض)
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [النور:٤١ - ٤٤].
يخبر الله في هذه الآيات عن تسبيح الكائنات التي خلقها، فكل مخلوق خلقه الله سبحانه يسبح بحمده، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، ومعنى يسبح بحمده أي ينزهه ويحمده.
فقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٤١] أي: أن السموات والأرض ومن فيهما من جميع المخلوقات تسبح ربها، وأخبر هنا (بمن)، التي يخبر بها عن العاقل، فمن يسبح الله وينزهه ويحمده فهو عاقل وإن كان جماداً أو نباتاً أو حيواناً، فطالما أنه عرف ربه، وحمد ربه وسبحه فهو عاقل، فاستحق أن يخاطب بذلك.
فكل من في السموات والأرض يسبحون ويطيعون الله ، ويخضعون له ويخشونه، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج:١٨].
أي: ما من شيء إلا يسبح بحمد الله سبحانه، ويسجد لله طائعاً أو مكرهاً، فالمؤمن يسجد لله طائعاً له وينفذ أمره، لكونه عرف الله سبحانه وعبده وابتغى رضاه ، والكافر يسجد لله مكرهاً، ويطيعه، وينفذ فيه أمر الله الكوني القدري.
فكل شيء يسجد لرب العالمين سبحانه طائعاً أو مكرهاً، وقوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النور:٤١] أي: ما بين السموات والأرض، وهو هذا الجو وما فيه من مخلوقات من طيور تطير وغيرها، فهذه الطيور تسبح بحمد ربها سبحانه، فتصطف في السماء باسطة أجنحتها مسبحة ربها سبحانه ﵎، حامدة له على ما أعطاها وما قدره لها.
والنبي ﷺ يقول: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير: تغدوا خماصاً، وتروح بطانا).
ففهمت الطيور أن الله ربها وخالقها ورازقها، وأنه لا يتركها، فإذا بها تسبح حامدة ربها، في حال كونها صافات وباسطات أجنحتها في السماء.
﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور:٤١] أي: أن الله قد علم صلاة كل مخلوق وتسبيحه، والإنسان لا يفهم لغة الطيور والحشرات والحيوان، وقد جعل الله لها ما تتخاطب به وتسبحه به.
فالمؤمن يتفكر في خلق الله الخلاق العليم العظيم سبحانه، الذي هو أكبر من كل شيء، ويعلم كل شيء، فهو يعلم لغات الطيور وغيرها في اللغات.
فالعربي يتكلم بلغة يعرفها الله، وكذلك الأعجمي والطير والبهائم، فكل هذه المخلوقات قد علم الله صلاتها ودعاءها وتسبيحها.
وعلماء الحيوان يبحثون في ذلك، ويقولون: هناك لغة للحيوان يتخاطب بها، وكذلك للحشرات وللنمل وللنحل فكل منها يخبر بعضها بعضاً عن أشياء، وهي تصلي لرب العالمين بهيئة يعلمها الله، وتسأل الله فيعطيها، وتتوكل على الله فيرزقها.
ومعنى تسبيح الله: تقديسه وسؤاله ودعاؤه وتنزيهه عن كل معصية.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور:٤١] أي: والله عليم بما يفعل الخلق جميعهم: من إنسان أو حيوان أو جان أو ملك أو جماد، فمن يفعل شيئاً يعمله الله ، ولا يتحرك شيء إلا بمقدار، ولا ينزل شيء إلا بقضاء الواحد القهار، .
فالله قد أحاط بكل شيء علماً، فكل شيء دق أو جل، صغر أو كبر قد أحاط الله به علماً، فلا يخفى عليه شيء .
стр. 730
تفسير قوله تعالى: (ولله ملك السموات والأرض وإلى الله المصير)
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٤٢]، لله يملك السموات وما فيها، والأرضين وما فيها، فكل شيء خلقه الله فهو ملك له.
ومهما زعم إنسان أنه يملك في الدنيا، أو أنه صار ملكاً فملكه هذا عرض، ولكن صاحب الملك الحقيقي هو الله سبحانه ﵎، وملك الإنسان يزول ويرجع كله بعد ذلك إلى خالقه ، قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [النور:٤٢] أي: كل شيء راجع إلى الله، فملك الإنسان في الدنيا راجع إلى الله ، وهو تارك ما أخذه ليرجع إلى صاحبه وخالقه .
стр. 731
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يزجي سحاباً)
يخبرنا الله عن قدرته العظيمة سبحانه ﵎، كما أخبرنا عن تسبيح الكائنات له ، فالله يرزقنا من السماء، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ [النور:٤٣]، ومعنى يزجي سحاباً أي: يدفعها برفق، فيحركها ويسوقها ملك من ملائكة رب العالمين موكل بالسحاب، فالسحاب يتراكم بعضه مع بعض، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور:٤٣]، ثم ينشأ بداخله من الهواء ما يجعله كالشفاط فيسحب السحب بعضها من بعض، ثم يجعله ركاماً، أي: يتراكم بعضه فوق بعض.
إذاً في البداية يسوق الله السحب من مكان إلى مكان، ثم تجتمع، ثم يعلو بعضها فوق بعض حتى تصير كالجبل في النهاية، وهذا الشيء لا يراه أبداً إنسان من الأرض، وإنما يعلمه من صعد فوق السحاب بطائرة، فيرى السحابة فعلاً مثل الجبل بالضبط، والنبي ﷺ لم ير ذلك، وإنما أخبره الله خالق كل شيء .
فإذا صارت السحب كالجبل بعضها فوق بعض إذا بأمر الله يأتي فينزل المطر من خلاها، قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ [النور:٤٣]، والودق هو قطرات المطر، وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور:٤٣] ومعنى من خلاله أي: من بينه.
стр. 732
القرءات في قوله تعالى: (وينزل)
((وَيُنَزِّلُ)) [النور:٤٣]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو: (ويُنِزلُ).
وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٤٣] أي: السحاب الركامي الذي يتكون بعضه فوق بعض حتى صار كهيئة الجبل، فينزل منه فيصيب به من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، فيسوق الله المطر إلى من يشاء من خلقه فيكون رزقاً له، وينزل على من يشاء من خلقه البرد فيهلكهم فيكون وبالاً عليهم، والله يفعل كل خير بعباده ويفعل ما يشاء .
قال تعالى: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٤٣]، قال علماء الفلك: يكون ارتفاع السحاب الركامي من خمسة عشر إلى عشرين كيلو متر ممتداً إلى أعلى، ويمر بثلاثة مراحل: مرحلة الالتحام ثم مرحلة تراكم السحب بعضها فوق بعض، فتكون كالجبل، ثم مرحلة الهطول، ومن ثم تفنى هذه السحابة وتنتهي.
وهذا السحاب الذي خلقه الله يتكون بداخله شحنات كهربائية -الله أعلم بها- فينشأ منها هذا البرق، قال سبحانه: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٣] والمعنى: ليس كل بصر يذهب من ضوء هذا البرق، وإنما يكاد يذهب.
стр. 733
القراءات في قوله تعالى: (يذهب)
وفي قوله تعالى: ﴿يَذْهَبُ﴾ [النور:٤٣] قراءتان: الأولى قراءة الجمهور ببناء الفعل للمعلوم، والثانية: (يُذْهِبُ) وهي قراءة أبي جعفر يزيد بن قعقاع، وهي ببناء الفعل للمجهول أو لما يسم فاعله.
قال علماء الفلك: إن هذا السحاب فيه شحنات كهربائية مفرقة فيه قد تصل إلى أربعين شحنة في الدقيقة الواحدة، فإذا حصلت هذه الكمية من الشحنات بعضها وراء بعض تكون البرق، فالذي ينظر إليه تخطف بصره، ولذلك فإن الراصد لهذه البروق يذهب بصره، وهو ما يحدث للملاحين والطيارين الذين يخترقون عواصف الرعد والبرق، كما في المناطق الحارة، فينجم عن فقد أبصارهم أضرار عظيمة في غرق المراكب أو السفن وفي سقوط الطائرات بسبب النظر إلى هذا البرق.
فهل كان هناك طائرات في عهد النبي ﷺ ليرون ذلك؟ أم هل راقبه أحد الصحابة حتى ذهب بصره من هذا البرق؟
стр. 734
تفسير قوله تعالى: (يقلب الله الليل والنهار)
قال الله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٤].
والمعنى أن الله تعالى يقلب الليل الطويل في الشتاء إلى ليل قصير في الصيف، والعكس من ذلك في النهار، فالليل تكون فيه البرودة، والنهار تكون فيه الحرارة، والليل يكون فيه القمر، فيكون هلالاً ثم محاقاً وسراراً الخ والنهار تأتي فيه الشمس، وقد تأتي السحب فتحجب ضوء الشمس، ويقلب ما يشاء ، فيقلب أرزاق العباد بالليل والنهار، فيعطي من يشاء ويمنع من يشاء، فهو يقلب الليل والنهار كما يشاء سبحانه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٤] أي: ما يفعله الله من تقليب الليل والنهار فيه عبرة لأصحاب الأبصار الذين ينظرون ويعقلون ويفهمون ويعلمون أن الذي يفعل ذلك هو الله ، فهو الذي خلق الإنسان ورزقه وقدر له المقادير، وهو الذي يعطي من يشاء ويمنع من يشاء.
فهم ينظرون في الكون ويعلمون أن مدبر هذا الكون واحد لا شريك له، فلو كان في هذا الكون إله غير الله سبحانه لفسد الكون كله، ولكن هذا الكون أصلحه الله وجعله على هذا النظام البديع الذي يظل عليه إلى أن يأتي قضاء الله وقدره .
стр. 735
تفسير قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء)
стр. 736
القراءات في قوله تعالى: (والله خلق)
قال الله : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور:٤٥]، فهذا آية من آياته سبحانه.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور:٤٥] هذه قراءة الجمهور، وقراءة حمزة والكسائي وخلف: ((والله خالق كل دابة من ماء)).
فلم يكن في عهد النبي ﷺ تحليل طبي لجسد الإنسان ليعرف مم خلق!
стр. 737
كلام علماء الطب عن الماء في جسم الإنسان
قال علماء الطب: إن جسد الإنسان يتكون من سبعين في المائة (٧٠%) منه ماء، وباقي هذا الجسد يتركب من باقي المواد التي خلق منها، وكذلك كل ما يدب على الأرض مخلوق من ماء سواء كان إنساناً أو حيواناً أو ما يكون في الأرض من حشرات، وما يكون في الجو من طير، فالتحليل لأجساد هذه الأشياء يثبت أن التركيب الأغلب فيها هو من الماء.
стр. 738
معنى الماء في الآية الكريمة
والماء يأتي لمعنيين: فيأتي بمعنى النطفة، فكل ما يدب على الأرض يتكاثر بذلك.
ويأتي بمعنى الماء المعروف الذي يتركب منه الجسد، وكان الناس في الماضي يفهمون أن المراد بالماء هو النطفة، وأما أن جسد الحيوان أكثره ماء فهذا لم يعرف إلا بالعلم الحديث، والقرآن قد سبق العلم الحديث في أن الماء ضروري للإنسان، فيمنُّ الله على الإنسان بأنه قد رزقه هذا الماء.
والإنسان ممكن أن يعيش من غير أكل مدة أقصاها ستون يوماً، وأما الماء فلا يستطيع أن يصبر على فقده أكثر من ثلاثة أيام إلى عشرة أيام، ويموت الإنسان إذا فقد الماء أكثر من ذلك.
فالماء ضروري للإنسان وجسده مركب منه، والماء أساس تكوين الدم في الإنسان، وكذلك السائل اللمفاوي، والسائل النخاعي، وإفرازات جسم الإنسان: كالبول والعرق والدموع واللعاب والمخاط، والسوائل الموجودة في الغضاريف والمفاصل، وسبب رخاوة جسم الإنسان هو الماء الذي فيه، ولو أن الإنسان فقد عشرين بالمائة من الماء الذي فيه فإنه يوشك أن يموت.
فالله يمن على العباد أنه خلقهم من ماء، وسقاهم منه، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، ليطهرهم به، وليثبت به أقدامهم.
فالماء نعمة عظيمة، فإنه يذيب المواد الغذائية والفضلات الموجودة في جسد الإنسان حتى تخرج منه كالبول والعرق، فيجب على الإنسان أن يحمد الله على هذه النعمة العظيمة بعد الشرب وكذلك بعد أكل الطعام، فصاحب النعم العظيمة لا يعرفها إلا إذا فقدها، فاحمد ربك في وقت الرخاء يعطك في وقت البلاء، ولا تكن كالذي لا يذكر ربه إلا إذا فقد النعمة.
стр. 739
تفسير سورة النور [٤٢ - ٤٦]
يدلل الله على عظيم قدرته في هذا الخلق والكون بأنه ينشئ السحاب الثقال المحملة بالماء الكثير والبرد فيرزقه من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، ويقلب الليل والنهار ليستفيد منهما الإنسان للعمل والراحة والسكنى، وخلق المخلوقات على أشكال وصور مختلفة، كل هذا ليدلل على قدرته العظيمة، وحكمته البالغة، وآياته الواضحة الباهرة.
стр. 740
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة النور: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ * وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور:٤٤ - ٤٦].
أخبرنا الله تعالى في هذه الآيات وما قبلها عن بديع صنعته في خلقه ، وعن قدرته العظيمة، وأنه يسبح له من في السموات والأرض، والطير كذلك تسبح ربها صافات، فكل قد علمه الله صلاته وتسبيحه.
فالله عليم يعلم كل شيء، والله خالق كل شيء، والله أعلم بمن خلق، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فخلق كل شيء وجعل له ما يفهم به ويخاطب به، والله يفهم جميع لغات هذه الأشياء من إنسان وحيوان وبهائم وحشرات وطيور وجماد ونبات، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، والله عليم بما يفعلون، وعلمه محيط بكل شيء، ولا يحيط الخلق بشيء من علمه، فالله أحاط بكل شيء علماً، فانظر إلى الإنسان كيف أحاط الله به علماً، يكتب ما يعمل هذا الإنسان منذ خلق، ويؤمر الملك أن يكتب أجل هذا الإنسان وعمله، وشقي أو سعيد، فكم سيبقى هذا الإنسان في بطن أمه؟! ومتى سينزل من بطن أمه؟! وهل سيموت فيها أم يخرج منها حياً؟! فيأمر الله الملك أن يكتب جميع ما يكون عليه، فيؤمر بكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد.
فنزل إلى هذه الدنيا وقد علم الله قبل خلقه كيف سيكون هذا الإنسان فيها، هل يعيش أم يموت، وهل يموت صغيراً أم شاباً أم كهلاً أم شيخاً، وما الذي سيتعلمه، وما الذي سيعمله، وما الذي سينويه، وهل سيكون على الإسلام أم على غيره، فعلم الله كل شيء، والإنسان قد يبتلى ويصاب بأشياء من مصائب الدنيا، يصاب بأشياء تسعده وأشياء تشقيه، والله قد علم ذلك كله، فهذا في الفرد الواحد، ويعلم فوق ذلك بكثير، فيعلم نفس الإنسان حين يخرج ونفسه حين يدخل، ومتى يكون آخر نفس لهذا الإنسان، فهؤلاء الناس جميعهم الله يعلم من كل واحد منهم هذا الشيء، يعلم من يموت ومن يعيش، ويعلم في النبات ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، فهذا شيء عظيم جداً جداً، فعندما تنظر في علم الله سبحانه في ورقة من ورق الشجر فهو يعلم متى ستنبت هذه الورقة، ومتى تكتمل، ومتى تسقط على الأرض، وكذلك الحبة الصغيرة يعلم الله متى تنمو، ومتى تكون في الشجرة، ومتى تكون ثمرة، ومتى تجف، ومتى تسقط في الأرض، ومتى تبتلعها، ومتى تنمو من جديد، وهذا شيء عظيم جداً من علم الله سبحانه، فيتحير الذي ينظر ويفكر في هذا، فعلم الخالق علم محيط بكل شيء.
والإنسان لا يحيط بشيء من علم الله، والإنسان هنا جنس فيشمل كل الناس، فلو اجتمعوا فلا يحيطون بشيء من علم الله ، والذي ينظر في علم الإنسان يريد أنه كلما ازداد علماً تخصص في شيء، وإذا ازداد علماً بعد ذلك قلّ الشيء الذي يتخصص فيه، فانظر للإنسان الذي يتعلم وهو صغير فعندما يكبر ويذهب إلى الكلية يتعلم الطب، فيدرس جميع الفروع دراسة ليست تفصيلية، وإنما يدرسها دراسة عامة، فإذا ترقى بعد ذلك تخصص في فرع واحد فقط، فإذا ترقى بعد ذلك تخصص في شيء من هذا الفرع، وتجد إنساناً أصبح طبيباً ممارساً أو أصبح أخصائياً لجزء من جسم الإنسان، ويقوم بتحضير الدكتوراة في جزء منها في شيء معين فيه، وبعد ذلك يتخصص في مرض معين من الأمراض يكون له باع في هذا الشيء، فعلم الإنسان كلما ازداد تخصص وضاق، وبقية الأشياء ليس لديه فيها خبرة، فتذهب لطبيب مشهور جداً في نقطة معينة في هذا الشيء يعرفه، فعندما تسأله عن منطقة بعيدة منها يقول لك: اذهب إلى أخصائي فيها، فهذا الإنسان علمه لا يحيط بشيء واحد من كل جهاته، والله أحاط بكل شيء علماً، قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فهو العليم الخبير، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور:٤١].
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٤٢] جميع ما في السموات وما في الأرض ملك لله تعالى، فهو المالك الحقيقي، فيملك كل شيء، ويحكم على كل شيء، ثم المصير إليه ، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [النور:٤٢] أي: المرجع والمآب.
ثم يعجبنا من قدرته العظيمة كيف يكون السحاب كما ذكرنا في الحديث السابق: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٣] (يُزْجِي): يسوق ويدفع برفق، ثم يؤلف بين هذه السحاب، ثم يركمها بعضها فوق بعض حتى تصير جبلاً عالياً بمقدار (١٥) كيلو متراً أو (٢٠) كيلو متراً بعضها فوق بعض.
قوله: (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) أي: فترى قطرات المطر تنزل من خلاله، فلو شاء لسكبه دفعة واحدة، وتخيل لو انسكب هذا السحاب دفعة واحدة، كيف سيصنع بمن ينزل فوقه؟ فهذا يكون شيئاً عظيماً ومهولاً، ولكن الله بفضله ورحمته سبحانه ينظم كونه.
قوله: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) وهذا مثل هيئة الجبل الموجود على الأرض.
(فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) أي: قطع الثلج.
ومن رحمة رب العالمين أنه لا يجعل السحابة تسقط قطعة ثلج واحدة؛ لأنها ستنزل على الناس وتكسر كل ما تنزل عليه، لكن الله بفضله ورحمته ينزل البرد قطعاً صغيرة من الثلج، ولو شاء الله لجعله مهلكاً لخلقه، ولكنه رحيم بنا سبحانه ﵎.
قوله: (فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ) يصيب بهذا المطر والبرد من يشاء، فرحمة الله مقسومة، فيقسم الأرزاق لعباده، فيكون في هذا المكان مطر كثير، وفي هذا المكان مطر غزير، وفي هذا المكان مطر يسير، بحسب ما يقدره رب العالمين سبحانه من أرزاق للعباد، ويكون في مكان ما مهلكاً، وفي مكان آخر منبتاً، والله يفعل ما يشاء.
قوله: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ) أي: ضوء البرق الذي يخرج من خلال هذه السحاب ومن خلال هذا الرعد، وفي البرق شحنات كهربائية تكون بداخل هذه السحاب، فيكاد سنا وضوء هذا البرق يذهب بأبصار من ينظر إليه.
следующие страницы →