Полный текст (3 717 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
تفسير قوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً)
يقول الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، أي: قدمنا إلى ما عمل هؤلاء الكفار، ومعنى ذلك: عمدنا إلى أعمالهم التي عملوها وقدموها في الدنيا، فالكافر قد يفعل الخيرات فيبر أمه، ويصل رحمه، ويتصدق على إنسان على دينه أو على غير دينه، لكن الله لا يدخر له أجراً للآخرة، بل يعطيه في الدنيا فقط، فقد يعطيه صحة حين يمرض ويشفيه الله ، وقد يعطيه مالاً ويعطيه البنين بحيث لا يبقى له عند الله يوم القيامة شيء، فإذا مات وجاء يوم القيامة ضاع هذا العمل فجعله الله ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، والهباء: الذرة التي تراها من النافذة حين تدخل الشمس، وحين تمسك هذه الذرات بيدك لا تجد شيئاً في يدك، فهذا الهباء، أو هو غبار التراب الذي تبثه وتذروه الرياح، فكذلك هؤلاء الذين كانوا يعملون في الدنيا بالخير لا يقبل منهم؛ لأن قبول الخير مقيد بشرطه وهو الإيمان، أن يكون مؤمناً بالله سبحانه، ومؤمناً برسله عليهم الصلاة والسلام، ومؤمناً بالملائكة، ومؤمناً باليوم الآخر، ومؤمناً بالقضاء والقدر، فإذا جاء بأصول الإيمان يقبل الله منه عمله، وإذا لم يأت بأصول الإيمان لا يقبل الله منه شيئاً.
стр. 807
تفسير قوله تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً)
أما أصحاب الجنة فيذكرهم ربنا وكأنهم صحبوا الجنة، فهم معها دائماً لا يخرجوا منها وكما أن هؤلاء أصحاب النار ملازمين للنار ملازمة الرفيق لرفيقه والصاحب لصاحبه، كذلك أصحاب الجنة يلازمونها ولا يخرجون منها أبداً، وبين الله حالهم فقال سبحانه: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤]، والمستقر: مكان القرار، فأصحاب في خير مستقر، وأهل النار في شر مستقر وهو النار، وهؤلاء في خير مقر يستقرون فيه وهو الجنة، وفي أحسن مقيل يقيل فيه الإنسان وإن كانوا لا ينامون، والمعنى: أنه مكان راحة، أي: يدخل أهل الجنة الجنة فيستريحون فيها، والله يمتعهم بما شاء خالدين فيها أبداً، ولا نوم في الجنة.
فهنا المقيل بمعنى: الراحة، أو بمعنى: المنزل، أو بمعنى: المثوى والمأوى، يقول ابن مسعود ﵁: لا ينتصف النهار يوم القيامة من نهار الدنيا حتى يقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار.
يعني: يفصل الله القضاء بين خلقه ولا يشغله شيء عن شيء، ويطيل الله يوم القيامة على من يشاء ويخفف على من يشاء ، فلا ينتصف النهار حتى يدخل هؤلاء الجنة ويدخل هؤلاء النار.
стр. 808
تفسير قوله: (ويوم تشقق السماء بالغمام)
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً﴾ [الفرقان:٢٥]، أي: اذكر ذلك ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان:٢٥]، فقبل أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يسبق ذلك حساب الله لعباده، فاذكر ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان:٢٥]، يعني: اذكروا هذا اليوم، وليكن على بالكم، واعملوا لهذا اليوم، يوم تشقق السماء فترى فيها الغمام الذي يحجب ما وراءه، وينشق هذا الغمام وينزل منه الملائكة، يقول ابن عباس: تتشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ويبدل الله سبحانه الأرض، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨]، إذاً: فالأرض تسع هؤلاء كلهم، ولا شك أن الأرض شيء صغير جداً بجوار السماء، فالملائكة حينما ينزلون، لا تسعهم هذه الأرض، ولكن الله يبدلها أرضاً أخرى فتسع هؤلاء كلهم، فيأتي الملائكة وينزلون من عند رب العالمين سبحانه.
يقول ابن عباس: فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ثم تنشق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر ممن في السماء الأولى، ثم كذلك حتى تنشق السماء السابعة.
وهذا شيء فظيع جداً وشيء مهول، فالخلق واقفون، والملائكة تنزل وتحيط بهم، والناس في فزع عظيم نسأل الله العفو والعافية، ويسأل الناس الملائكة أفيكم ربنا؟ مما يرونه من عظمة الملائكة في هذا اليوم ونزولهم من السماء، فيظنون أن فيهم الله سبحانه، ثم يأتي الله لفصل القضاء، نسأل الله العفو والعافية.
يقول سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾ [الفرقان:٢٥]، أصلها: تتشقق، فقوله: (تشَّقَّق) قراءة أبي عمرو، وأما قراءة الكوفيين: عاصم وحمزة والكسائي وخلف وباقي القراء: (وَيَوْمَ تَشَّقَّقُ السَّمَاءُ) بمعنى: تتشقق السماء، والمعنى: المبالغة، فالسماء يأتي أمر الله إذا بها تكشط كما يكشط الشيء من على وجه اللبن.
فقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان:٢٥]، يعني: تتشقق فيبدو الغمام عن الغمام، وقوله تعالى: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥]، أي: ملائكة السماء ينزلون من السماء وأهل الأرض يسألونهم: فيكم ربنا؟ فيقولون: لا، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، فجاءت الملائكة من السماء وأتى ربنا ، قال تعالى: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ﴾ [الفرقان:٢٥]، يعني: أنزلهم الله ، هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير: (وننزِلُ الملائكة تنزيلاً)، يعني: ينزلهم الله من السماء فيحيطون بأهل الأرض.
стр. 809
تفسير قوله تعالى: (الملك يومئذ الحق للرحمن)
قال الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾ [الفرقان:٢٦]، فهذا يظهر الملك الحقيقي، فالإنسان في الدنيا يقول: أنا ملك وأنا مالك، أي: أملك بيتي وأملك كذا، ويقول: أنا حاكم على الناس، فإذا أتى يوم القيامة ظهرت الحقيقة، وهي أنه لا أحد يملك شيئاً، وإنما ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٢٦]، .
وفي الدنيا كذلك الملك لله ، ولكن جعل الناس بعضهم لبعض، وسخر بعضهم لبعض، فبعضهم يملك بعضاً، وبعضهم ملوك على البعض في الدنيا، وليس هذا على الحقيقة، فالمالِكُ والملِكُ الحقيقي هو الله ، فيوم القيامة يظهر ذلك جلياً، قال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا﴾ [الفرقان:٢٦]، أي: يوم القيامة ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان:٢٦]، أي: يوماً شديداً شاقاً فظيعاً، يقولون: يا رب! اصرفنا ولو إلى النار، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 810
تفسير سورة الفرقان [٢٧ - ٢٩]
يندم الإنسان يوم القيامة فلا توبة تنفعه ولا ندم، فقد كان في الدنيا يعرف الحق، ولكنه ضل وانحرف، وكان من أصدقاء السوء من يبعده عن طريق الحق ويشجعه على اتباع الباطل، وهذه الآيات من سورة الفرقان توضح ذلك.
стр. 811
تفسير قوله تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الفرقان: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩].
في هذه الآيات من سورة الفرقان يخبرنا الله عن ندم العصاة والظلمة يوم القيامة وندم المجرمين يوم لا ينفع الندم، فالإنسان يندم في الدنيا وينفعه ندمه، ويتوب إلى الله وتقبل توبته، فإذا غرغرت نفس الإنسان وخرجت فلن تقبل له توبة، فذاك حين ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨].
ويوم القيامة يريد الكافر أن يؤمن؛ لأنه قد رأى أمامه ما كان غيباً قبل ذلك، فلا ينفعه هذا الإيمان، وإنما ينفعه في الدنيا حين كان الإيمان بالغيب، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، فالإيمان ينفع حين يكون الأمر غيباً، أما أن يؤمن والأمر مشاهد أمامه فلا ينفعه ذلك، فيوم القيامة يكثر الندم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩]، يوم يرى المؤمن نفسه مقصراً فكيف بالفاجر؟ وكيف بالعاصي؟ وكيف بالكافر؟ المؤمن يقول: ضيعت من عمري أياماً كان من الممكن أن أفعل فيها طاعات فترتفع درجاتي، وآخذ بها ثواباً أكثر مما أنا فيه، وسمى الله ذلك اليوم بيوم التغابن؛ لأن كل إنسان يرى أنه مغبون، والغبن في الدنيا: أن تشتري السلعة بأكثر من ثمنها، أو تبيع السلعة بأقل من ثمنها، فالإنسان يرى أنه اشترى الدنيا ودفع فيها الكثير، فضيع من وقته وضيع من جهده ودينه، فيوم القيامة يندم؛ لأنه اشترى هذه الدنيا ودفع فيها العمر الذي كان من الممكن أن يستغله في شيء أفضل من ذلك، كذلك يرى أنه باع الآخرة بثمن بخس قليل في الدنيا، باع آخرته بالمعاصي التي فعلها، وبشهوات ضاعت، وبلذات انقضت، وبأموال تركها لورثته، فذلك يوم التغابن، يوم يشعر فيه كل إنسان أنه غبن نفسه وخدعها، وخانته نفسه.
وفي هذه السورة يخبرنا الله عن الظالمين والمجرمين والمشركين والكفرة يوم القيامة، وذلك حين يعض الظالم على يديه، فالإنسان عندما يستشعر الندم لشيء ضيعه يعض أصبعه، كذلك النادم يوم القيامة يعض يديه، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧].
стр. 812
سبب نزول قوله تعالى (ويوم يعض الظالم على يديه)
قال المفسرون: هذه الآية نزلت في خصوص بعض المشركين، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ، فلا مانع من أن نعرف هؤلاء الذين نزلت في خصوصهم هذه الآية، وإن كان كل ظالم يوم القيامة يفعل ذلك: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ [الفرقان:٢٧]، فالذي لم يتبع النبي ﷺ ولم يقتد به ولم يدخل في دينه، يعض على يديه يوم القيامة ويقول ذلك.
يقول ابن عباس وسعيد بن المسيب: إن الظالم هاهنا يراد به عقبة بن أبي معيط وخليله أمية بن خلف، فقوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٨]، هي على عمومها، فكل إنسان صادق إنساناً من أهل السوء ومشى معه، وأحبه للدنيا يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]، فلا صلات فيما بينهم، ولا قرابات تنفعهم، فيندم كل إنسان على ما فرط وضيع، ويقول: ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٨]، قال ابن عباس: سبب نزول هذه الآية أن عقبة بن أبي معيط كان خليلاً لـ أمية بن خلف، وأمية بن خلف وأبي بن خلف أخوان، وكان الثلاثة يؤذون النبي ﷺ .
وعقبة بن أبي معيط ابنته من المؤمنات المهاجرات ﵂، واسمها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط هاجرت وحدها إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأبوها من رءوس الكفر، يقول ابن عباس: يراد بهذه الآية عقبة بن أبي معيط وخليله أمية بن خلف، فأما عقبة فقتله علي بن أبي طالب ﵁، وكان عقبة في الأسارى في يوم بدر، فأمر النبي ﷺ بقتله؛ بسبب إيذائه الشديد للنبي ﷺ وهو في مكة، ولو كان هذا الرجل أسلم لتركه النبي ﷺ ، ولكن ظل على كفره فأمر بقتله صلوات الله وسلامه عليه، فقال: (أأقتل دونهم؟ فقال: نعم بكفرك وعتوك)، أي: أنت كنت كافراً شديد الإفساد وشديد العتو، فقال عقبة: من للصبية؟ قال: (النار)، فقتله علي رضي الله ﵎ عنه.
стр. 813
مقتل أمية بن خلف في غزوة بدر
وأما خليله أمية بن خلف فقتله النبي صلوات الله وسلامه عليه، وفيها قصة يرويها الإمام البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله ﵎ عنه قال: انطلق سعداً بن معاذ معتمراً فنزل على أمية بن خلف وكنيته: أبو صفوان، وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد، إذ كانا صديقين أي: أن سعد بن معاذ كان صديقاً لـ أمية بن خلف، وأمية هذا كافر في مكة، وذاك أسلم وهو في المدينة ﵁، فكان سعد إذا راح إلى هنالك يطوف بالكعبة ينزل على أمية بن خلف، وكان أمية كذلك إذا جاء المدينة نزل على سعد، فلما نزل سعد في مكة قال أمية: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت، وذلك بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة وإيواء الأنصار له، وكان على رأس الأنصار سعد بن معاذ ﵁، وكان يحبه النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهؤلاء هم الذين آووا النبي ﷺ ونصروه، وكونه يذهب إلى مكة فإن أهل مكة يعرفون أن هذا سعد بن معاذ الذي آوى النبي ﷺ ، ولذلك ستحصل مشاكل هنالك.
لذلك نزل على أمية بن خلف صديقه، فـ أمية بن خلف قال: انتظر لا تطف حتى ينتصف النهار، فلما انتصف النهار أخذ يطوف، فبينما هو يطوف إذا بـ أبي جهل لعنة الله عليه يقول: من هذا الذي يطوف بالكعبة؟ فقال سعد: أنا سعد، فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة آمناً وقد آويت محمداً -صلوات الله وسلامه عليه-؟ فقال له: نعم أطوف آمناً بالبيت وقد آويناً محمداً صلوات الله وسلامه عليه، وكان شجاعاً رضي الله ﵎ عنه، فتلاحيا بينهم، يعني: كل واحد شتم الثاني، أبو جهل شتمه، وهو رد عليه الشتمة، ولاحظ أنه وحده ﵁ وأبو جهل في وسط الناس وفي وسط الكفرة الذين يبغضون النبي ﷺ ، فخرج أمية وقال لـ سعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي، فقال سعد: والله لإن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام، وقد قال الله سبحانه يمن على قريش: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش:١ - ٢]، أي: يذهبون إلى الشام فيتاجرون، ويذهبون إلى اليمن فيتاجرون، فجعل أمية يقول: لا ترفع صوتك على أبي الحكم فقال له: دعنا عنك، فإني سمعت محمداً ﷺ يزعم أنه قاتلك، وكلمة يزعم هنا بمعنى: يقول وليس معناه: أنه ظن أو كذب، فقال أمية: أنت سمعت هذا من محمد ﷺ قال: نعم، فقد كانوا يلقبون النبي ﷺ بالصادق الأمين، فمهما كذب هؤلاء الملاعين النبي ﷺ فإنه في قرارة أنفسهم أنه صادق؛ ولذلك قال ربنا سبحانه: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]، لذلك لما قال سعد لـ أمية: إن النبي ﷺ زعم أنه قاتلك، قال: أنت سمعت هذا من محمد ﷺ ؟ قال: نعم، فقال أمية: والله ما يكذب محمد إذا حدث، فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي؟ فقالت: وما قال؟ قال: زعم أن محمداً يزعم أنه قاتلي، قالت: فوالله ما يكذب محمد ﷺ وهي كافرة وزوجها كافر، وهم الذين يقولون عنه كاذب، ويكذبونه ﵊، ولكن بينهم وبين أنفسهم هو ليس بكذاب، بل هو صادق ﷺ ، فلما خرجوا إلى بدر وجاء الصريخ في يوم فنادوا: تعالوا نقاتل محمداً ومن معه ﵊، فقالت له امرأته: أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ فقال: نعم، فأراد ألا يخرج؛ لأنه خاف من النبي ﷺ أن يقتله، وقدر الله أن يلقاه أبو جهل ويقول له: إنك من أشراف الوادي، فاخرج معنا يوماً أو يومين، فسار معه حتى كانت نهايته بعد ذلك، وكان من المحفزين له على الخروج عقبة بن أبي معيط، ذلك الملعون الذي قال له: اخرج، وأتى بجمرة فيها بخور ووضعها أمامه وقال: اقعد إنما أنت مع النساء، فقال أمية: قبحك الله وأخذته العصبية وخرج معهم حتى يقتل هنالك.
ويخبر عبد الرحمن بن عوف فيما رواه البخاري أنه كان بينه وبين أمية مكاتبة قال: كتب أمية بن خلف بأن يحفظني في ضيعتي بمكة وأحفظه في ضيعتي في المدينة، فلما جاء يوم بدر وخرج أمية بن خلف، وقد حضر لنفسه أجود بعير في مكة ليهرب منه صلوات الله وسلامه عليه، فلما جاء إلى بدر أراد أن يهرب، وحاول عبد الرحمن بن عوف أن يحميه، فإذا بـ بلال ﵁ يراه، وقد كان أمية يعذب بلالاً ﵁، فقال: أمية بن خلف رأس الكفر لا نجوت إن نجا، فنادى الأنصار فحاول عبد الرحمن بن عوف أن يحمي أمية فلم يستطع، وكان مع أمية ابنه علي بن أمية بن خلف، فقال عبد الرحمن بن عوف: فشغلتهم بابنه فقتلوه، وجاء من وراءه أمية حتى لا يقتلوه، قال عبد الرحمن بن عوف: فقلت له: ابرك ونم على الأرض، ونام فوقه عبد الرحمن بن عوف يريد أن يحميه، فإذا به تتناوشه السيوف من تحت عبد الرحمن بن عوف وجرحوا عبد الرحمن بن عوف رضي الله ﵎ عنه، وقتلوا رأس الكفر أمية بن خلف وصدق رسول الله ﷺ .
стр. 814
أسر عقبة بن أبي معيط يوم بدر وأمر النبي ﷺ بقتله
وأما عقبة بن أبي معيط خليل أمية فله قصة أخرى مع النبي ﷺ في إساءته إليه، روى البخاري من حديث عمرو بن العاص وقد سأله عروة عن أشد ما آذى الكفار النبي ﷺ فقال: بينا النبي ﷺ يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ وهو يقول: أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله.
أيضاً: جاء أن ابن أبي معيط وأبي بن خلف التقيا، وكان عقبة خليلاً لـ أبي بن خلف، وقد كان أبي ذهب إلى النبي ﷺ وكاد يسلم، فصنع وليمة ودعا لها النبي ﷺ فرفض النبي ﷺ أن يأتيها؛ لأنه كافر، فقال: أريد أن أسلم، فلما قال ذلك للنبي ﷺ إذا بـ عقبة بن أبي معيط يلومه ويقول له: لم تبق بيني وبينك مودة ولا محبة حتى تذهب إليه وتشتمه وترد عليه الذي قال.
وذكر في رواية أخرى أنه أمره أن يذهب إلى النبي ﷺ وأن يدخل عليه ويشتمه، فلما كان يوم بدر أسر عقبة بن أبي معيط في الأسارى، فأمر النبي ﷺ بقتله، بسبب أفعاله الشنيعة التي استحق بها أن يقتل وألا يعفى عنه، فأمر النبي ﷺ علياً فقتله.
стр. 815
مقتل أبي بن خلف على يد النبي ﷺ في غزوة أحد
وقد كان أبي بن خلف يريد قتل النبي ﷺ فبلغ النبي ﷺ أن أبياً بن خلف يقول ذلك، فقال ﷺ : (بل أنا قاتله إن شاء الله)، وقتله النبي ﷺ بيده الكريمة ﵊، أما أخوه أمية فقتله الأنصار الذين كانوا مع بلال ﵁، وانطلق أبي للنبي ﷺ وأراد أن يلتمس غفلة من النبي ﷺ ليحمل عليه، وكان ذلك يوم أحد، فإذا بالمسلمين يحولون بينه وبين النبي ﷺ ، فلما رأى ذلك النبي ﷺ قال: (دعوه)، وأخذ النبي ﷺ رمحاً لا نصل له فرماه بها، فنزلت من تحت درعه في رقبته فخنقته، ورجع وقد خدش منه خدشاً صغيراً، فرجع إلى قومه وحملوه، وقال: قتلني محمد، فضحكوا منه فقال: بل قتلني محمد ﷺ ووالله لو تفل علي لقتلني، وفعلاً قتل بهذه الضربة من النبي صلوات الله وسلامه عليه، قالوا: فلم يخرج كثير دم، واحتقن الدم في جوفه فجعل يخور كما يخور الثور فأقبل أصحابه حتى احتملوه، ونزلت فيه هذه الآية، وهي قول الله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧]، نزلت في عقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف وأبي بن خلف، ومن كان على شاكلتهم ممن عصى الله ورسول الله ﷺ ولم يتبعوه على دينه، يقول هذا الظالم: ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٨].
أما القراءات في هذه الآية: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ [الفرقان:٢٧]، فهذه قراءة الجمهور بإظهار الذال، وهي قراءة يعقوب وابن كثير وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب، فإنهم يقرءون: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧]، أما بقية القراء فيقرءونها: (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذتُّ)، بإدغام الذال في التاء، فتقرأ تاء فقط.
وقوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَا﴾ [الفرقان:٢٨]، وقفاً ووصلاً، والجمهور يقرءونها كذلك: ﴿يَا وَيْلَتَا﴾ [الفرقان:٢٨]، ويقرأ رويس وقفاً فيها: (يا ويلتاه)، يعني: كأن الواو للندب هنا، فهو يندب حظه ويندب على نفسه، وأصلها: (يا ويلي) للويل، والويل: الهلاك والموت، وكأنه ينادي: يا هلاك احضر! تعال خذني لأموت، فعندما يدعو الإنسان على نفسه يقول: (يا ويلي) معناها: يا هلاكي احضر! ولا موت يوم القيامة.
وكل إنسان كان له خليل يدعوه إلى السوء يوم القيامة يتبرأ منه ويقول: يا ليتني ما صادقتك؛ ولذلك على المؤمن أن يحذر من رفقاء السوء.
стр. 816
تفسير قوله تعالى: (لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني)
يقول الله هنا عن هذا الإنسان حاكياً قوله: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ [الفرقان:٢٩]، أي: لقد أضلني عن كتاب الله، وعن ذكر الله، وعن متابعة النبي ﷺ بعد إذ جاءني هذا الذكر، وجاءتني التذكرة، وجاءتني الموعظة، فأضلني وأبعدني عن دين رب العالمين سبحانه، فقوله: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ [الفرقان:٢٩]، أي: رماني في الضلال بعد أن جاءني الذكر، يقول الله : ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٩]، فالشيطان ضحك على الإنسان في الدنيا، وخدعه وخذله يوم القيامة وتبرأ منه، قال تعالى: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢]، أي: أنتم أشركتموني، ولكن أنا كافر بشرككم، فتبرأ الشيطان منهم يوم القيامة، والمسلم ينظر في هذه الآيات، فيعتبر بما يكون يوم القيامة، ويعمل من الآن، فيعبد الله ولا يشرك به شيئاً، ويطيع الله ويطيع الرسول ﷺ ، ويفارق رفقاء السوء، فإنهم يضرونه ولا ينفعونه وقت الحاجة إليهم.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 817
تفسير سورة الفرقان [٣٠ - ٣٣]
صورة بلاغية حقيقية يصورها القرآن الكريم قبل مجيء يوم القيامة، وهي موقف النبي ﷺ من أمته يوم القيامة، حيث إنه يشتكي إلى الله من بعض أمته الذين هجروا القرآن فلم يتلوه ولم يعملوا به، ولم يتحاكموا إليه، ولكن الله جعل لكل نبي عدواً من المجرمين، فهي سنة الله الكونية التي لا تتبدل، فإنزال القرآن على رسول الله ﷺ له حكمة في كيفية نزوله، وبعد نزوله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده.
стр. 818
تفسير قوله تعالى: (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً)
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وبعد: قال الله في سورة الفرقان: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان:٣٠ - ٣٣].
يخبرنا الله في هذه الآيات كيف يأتي النبي ﷺ يوم القيامة ويشكو إلى ربه إعراض قومه، واتخاذهم هذا القرآن مهجوراً.
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ [الفرقان:٣٠]، أي: يوم القيامة، أو أنه في الدنيا يشكو إلى ربه ما حصل، والجزاء يكون يوم القيامة، يقول: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، أي: هجروا القرآن فجعلوه كالبيت المهجور، والبيت إما أن يكون معموراً وإما أن يكون مهجوراً، والبلد والمكان والموطن والموضع إما أن يكون هذا كله معموراً أو مهجوراً، وكذلك هؤلاء مع القرآن: إما أن يعمروا قلوبهم بذكر الله ، وبحفظ كتابه سبحانه، وبكثرة قراءة القرآن والعمل به، فيعمرون ديارهم وبيوتهم وقلوبهم بهذا القرآن العظيم الذي فيه شرع رب العالمين، وإما أن يتركوه فلا يعملون به، فإذا تركوه وراءهم كذبوه ورفضوا أن يعملوا به، وعصوا الله فقد هجروا هذا القرآن، ومن أشد الناس جرماً من يحفظ كتاب الله ثم لا يعمل به، أو يحفظ القرآن ثم ينساه، فهذا من أشد الناس جرماً، وداخل تحت هذه الآية، والعبرة بعمومها، فالذين اتخذوا هذا القرآن مهجوراً هم المجرمون والفجار والعصاة، والإنسان الذي لا يقبل على قراءة القرآن من المسلمين فقد اتخذه مهجوراً، والذي يعلم الأحكام الشرعية الموجودة فيه ثم لا يعمل بها فقد اتخذه مهجوراً، والذي يحفظ القرآن ثم يتناساه أو يتغافل عنه حتى يتفلت من صدره فقد اتخذه مهجوراً، فيأتي الرسول ﷺ يوم القيامة شاكياً إلى ربه أن قومه اتخذوا هذا القرآن مهجوراً.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، هذه قراءة الكوفيين وابن عامر أيضاً، ويقرؤها نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وروح عن يعقوب: (إن قوميَ اتخذوا هذا القرآن مهجوراً) بالفتح.
ولفظ (القرآن) يقرؤها جمهور القراء بالهمزة، ويقرؤها ابن كثير المكي بدون همزة (القران).
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، أي: هجروا هذا القرآن، فكأنهم عرفوا ما فيه ثم تركوه بعد ذلك، فاتخذوه كالشيء الخرب الذي يهجر.
стр. 819
تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين)
قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١]، (ذلك) اسم إشارة، (وكذلك) تشبيه بالمشار إليه، أي: كذلك جعلنا قبلك كمثل هؤلاء، فجعلنا مع كل نبي أعداء، وجعلنا لكل نبي مجرمين يعادونه، ويتركون ما جاءهم به من شريعة.
فإذاً: الذي فعل بك ليس شيئاً جديداً، بل إن سنة الأنبياء من قبلك والرسل عليهم الصلاة والسلام أن قومهم يكذبونهم، ويتخذون ما جاءهم من عند ربهم مهجوراً، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ [الفرقان:٣١]، والنبي أعم من الرسول، فالأنبياء كثيرون، والرسل هم الأقل، فإذا قال: (لكل نبي)، فيدخل فيه الرسل كذلك، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ [الفرقان:٣١]، كل القراء يقرءونها (نبي) ما عدا نافع، فإنه يقرؤها (نبيء) بالهمز.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان:٣١]، فالله يخلق ما يشاء، ويفعل ما يريد ، وكان قادراً على أن يلهم الناس بأن يوحدوا الله سبحانه، وأن يصدقوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ولكن مشيئة الله قضت أن يوجد المصدق والمكذب، شاء الله ذلك، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان:٣١]، فالله هو الذي يهدي، وكذلك الله هو الذي يضل، قال تعالى: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٤] .
قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ [الفرقان:٣١]، يكفي أن الله هو الذي يقدر وحده على أن يهدي هؤلاء، وعلى أن يضلهم، وعلى أن ينصرك ويخذل أعداءك ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان:٣١]، والمعنى: لا تبالي بعداوة من يعاديك، فإنهم لا يملكون لك شيئاً، وإن الله ناصرك، وقد وعده سبحانه وصدق في وعده، فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، فعصمه ربه حتى بلغ هذه الرسالة العظيمة.
فإذاً: الإنسان المؤمن عندما يتلو هذه الآية: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، يخاف على نفسه أن يدخل تحت هؤلاء، وأن يكون قد هجر كتاب رب العالمين، لذلك لا بد من متابعة قراءة القرآن، وحفظ القرآن ليل نهار، فيراجع ما حفظه من القرآن كما قال النبي ﷺ من القرآن: (إنه أشد تفلتاً من البعير في عقالها)، فالجمل يتفلت بسرعة إن لم يربطه صاحبه بالعقل، وكذلك هذا القرآن العزيز، فأنت تحتاج إليه وهو ليس محتاجاً إليك، فالله يقول: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت:٤١]، فتأمل هذه اللفظة العظيمة التي وصف بها نفسه سبحانه الله العزيز الغالب القاهر فوق عباده الذي لا يغالب، والذي لا يمانع، فلم يقدر أحد أن يمنع شيئاً يريده الله ، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٢]، فهو العزيز الذي يفعل ما يريد، ويحكم ما يشاء ، وكتابه كتاب عزيز منيع الجانب، لا يقدر أحد على أن يحرف كتاب رب العالمين، وقد حاول الكفار طيلة ألف وأربعمائة سنة أن يحرفوا أو يبدلوا، أو يزعزعوا ويذبذبوا المؤمنين في كتاب ربهم فما قدروا على ذلك، وما استطاعوا إليه سبيلاً.
فالقرآن كتاب عزيز، فهو كتاب رب العالمين، المؤمن يحفظه، والله يكون معه، ويملأ قلبه نوراً، والإنسان الذي تركه وهجره فإنه يجد ظلمة في قلبه، ويجد نفسه قريبة من المعاصي؛ فيضيع نفسه بترك هذا النور العظيم من عند رب العالمين؛ لذلك احرص على كتاب ربك سبحانه، فكتاب الله فيه الشريعة العظيمة، وفيه الهدى والنور، من تمسك به فإن نهايته إلى الجنة، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ : (القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله وراءه ساقه إلى النار)، القرآن شافع عظيم يشفع للعبد يوم القيامة، وماحل مصدق، فيأتي ليجادل أشد الجدل عند الله عن صاحبه الذي عمل به حتى يأمر الله بصاحبه إلى الجنة.
ولا يزال يجادل ويدافع كالمحامي الشديد الدفاع عن موكله، وكذلك القرآن يوم القيامة يدافع عن صاحبه أشد المدافعة، حتى ينزع صاحبه.
فهذا القرآن ماحل مجادل عظيم الجدل عن صاحبه، مدافع عظيم الدفاع عن صاحبه يوم القيامة، فهو ماحل مصدق، والذي يدافع في الدنيا قد يصدق وقد يكذب، لكن القرآن كتاب رب العالمين لا يوجد كلام غير هذا مصدق يوم القيامة للدفاع عن صاحبه.
والإنسان الذي يجعل القرآن إمامه يقوده إلى الجنة، والقائد دائماً في الأمام، فالذي يجعل القرآن أمامه فإنه يأخذ بيده، ويقوده إلى الجنة حتى يدخلها، فمن جعله وراءه كأنه جعله سائقاً وراءه يدفعه إلى النار والعياذ بالله! لذلك اجعل القرآن دائماً نصب عينيك، واحفظ كتاب الله، وتدبر ما فيه، كما قال ربنا: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فالقرآن كتاب من عند رب العالمين، طرفه بيد الله سبحانه، وطرفه الآخر بيدك أنت، فتمسك بهذا القرآن ليقودك إلى ربك، إلى جنة الله كما جاء في حديث النبي صلوات الله وسلامه عليه.
لذلك احرصوا على حفظ القرآن قبل تعلم الفقه والعقيدة والأصول، احفظ كتاب رب العالمين سبحانه، فهذا شيء عظيم جداً، فالقرآن كل حرف منه بعشر حسنات، وكل كلمة من هذا القرآن فيها أجر عظيم، وكل آية يرفعك الله بها درجة يوم القيامة، فتكون فوق كثير من خلق الله يوم القيامة.
القرآن إذا حفظه الإنسان يحلى والداه بتاج الإيمان يوم القيامة، وتاج الوقار، يحليان من حلي الجنة، تاج لا يقوم لنوره أحد، فكيف بصاحب القرآن يوم القيامة؟! فاحرصوا عليه ولا تتخذوه وراءكم مهجوراً: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، هجروه فلم ينظروا فيه، ولم يتأملوه، وحاجوا النبي ﷺ وأرادوا أن يبطلوا ما جاء من عند رب العالمين.
فإذاً: كفروا وكذبوا به، ثم الهجر بعد ذلك بحسبه، فهجر الإنسان العاصي يكون بترك أحكام الله ، وهجر الإنسان المسلم لكتاب ربه ألا يواظب على حفظه، وإذا حفظ منه شيئاً نسي هذا الذي يحفظه، ولا يحاول أن يراجع ما يحفظه من كتاب الله، فتكون المصاحف في البيوت معلقة للزينة، ويتركها الإنسان لا يحفظ منها شيئاً ولا يعمل بها.
стр. 820
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة)
يقول الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان:٣٢]، الكفار يتعجبون ويعجب بعضهم بعضاً، فيقولون: ﴿لَوْلا نُزِّلَ﴾ [الفرقان:٣٢]، أي: هلا نزل القرآن هذا كله مرة واحدة؟! لماذا ينزل آية آية وسورة سورة؟ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ﴾ [الفرقان:٣٢]، أي: على النبي ﷺ : ﴿الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان:٣٢].
الجواب من عند رب العالمين سبحانه حيث قال: ﴿كَذَلِكَ﴾ [الفرقان:٣٢]، أي: فعلنا ذلك: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان:٣٢]، هذا فيه التثبيت لك.
تخيل لو أن القرآن نزل مرة واحدة وفيه الناسخ والمنسوخ، كيف يأمرهم ﷺ بالشيء الذي يعرفون أنه سينسخ بعد ذلك؟! فلعلهم لا يعملون به، وكيف يأتي الأمر أن هذا الغذاء الذي يخلق الله منه سكراً ورزقاً حسناً؟! الناس يأكلون ويشربون وبعد ذلك يحرم عليهم الخمور، كيف يأتي هذا مع ذاك؟ فهؤلاء قالوا: إن موسى ﵊ نزلت عليه التوراة مرة واحدة، والمسيح ﵊ جاءه الإنجيل مرة واحدة، فلماذا لم ينزل عليك القرآن مرة واحدة؟! فيجيب الله عن ذلك، بأنه لو نزل هذا القرآن مرة واحدة لما كان فيه التثبيت للنبي ﷺ .
قال: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان:٣٢]، يعني: نزلناه منجماً آية آية، وسورة سورة، وآيات من سورة وآيات من سورة أخرى لنثبت به فؤادك، والكفار يأتون فيسألون النبي ﷺ عن شيء، فتنزل الآيات من عند رب العالمين تجيبهم، فيثبت قلب النبي ﷺ ، ويطمئن قلبه بذلك، فإذاً: الله حكيم ، تستجد لهم الحادثة من الحوادث فينزل حكم رب العالمين فيها، ويأتي عليهم شيء في القتال مع الكفار، فينزل عليهم من كتاب رب العالمين، كيف أنه ثبته في هذه الغزوة، وكيف أنه: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال:١١]، فينزل ما يوافق كل حادثة ما يناسبها من آيات من كتاب رب العالمين سبحانه؛ تثبيتاً للنبي ﷺ ، وكذلك تثبيتاً للمؤمنين، قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان:٣٢]، أي: قلبك ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان:٣٢]، أي: نزلنا هذا القرآن منجماً ومفصلاً من عند رب العالمين، ويأتي التوكيل بمعنى القراءة، أي: قرأه جبريل على النبي ﷺ بقراءة مرتلة رتيبة منتظمة، يطمئن بها قلب النبي ﷺ ، ويعيها قلبه ولبه وعقله ﵊، ويحفظ ذلك.
كذلك قال ابن عباس: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان:٣٢]، أنها بمعنى: رسلناه ترسيلاً، يعني: نزلناه مفرقاً، فالترتيل يأتي بمعنى القراءة، والمعنى: أن جبريل قرأه على النبي ﷺ ، ويأتي بمعنى: الترسيل، والمعنى الأول هو الأشهر، والمعنى الثاني كأن تقول لشخص: على رسلك، يعني: على مهلك، فكذلك نزلنا هذا القرآن شيئاً فشيئاً، وتلوناه عليك ترتيلاً، يعني: قرأه جبريل متمهلاً متأنياً حتى تتقن وتحفظ منه ذلك، ولذلك كان القرآن عندما ينزل على النبي ﷺ كان يتعجل في حفظه ﵊، ويحرك لسانه بسرعة حتى يحفظ هذا الذي يقوله جبريل ﵊، فالنبي ﷺ لما فعل ذلك نزل القرآن من عند ربه سبحانه يقول له: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٩].
فربنا العظيم يعلم النبي ﷺ ويعلم المؤمنين كيف يتعلمون العلم الشرعي، ويعلم الإنسان كيف يتعلم ويحفظ، فقال له سبحانه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة:١٦]، لماذا تعجل؟ افهم أولاً وتأنى وأعد ما نقوله لك ونحن سنثبته في قلبك، كذلك حين يسمع العلم لا يذهب يتكلم وهو يسمع، فلن يعقل هذا الذي يقول، ولكن يتفهم ويتدبر بقلبه وعقله، ويسمع حتى يفهم ذلك ويكون من الله التحفيظ بعد ذلك، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨]، تتبع ما يقوله متفهماً متأنياً متأملاً واعياً، (ثم إن علينا بيانه) فنحن نعلمك، و (إن) أداة النصب والتحقيق، ومعناه: يقيناً نبين لك ذلك ونعلمك: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا﴾ [القيامة:١٩]، وليس على غيرنا، بل نحن الذين سنعلمك ونفهمك ذلك، فعلينا البيان: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٩].
ثم يقول الله : ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٣].
فالقرآن كثير ضرب المثال، ويحتاج إلى أمثلة ليفهم الإنسان، فالذي يجادل يضرب المثل، والكفار يضربون الأمثال للنبي ﷺ ، ويكذبون ويضلون ويضلون، لكن الله يضرب الأمثلة الحقة، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦]، فيضرب لك المثل بالبعوضة، وهذه الذبابة لو اجتمعتم على أن تخلقوا مثلها لم تقدروا، ولو يجتمع الناس فيحاولون على أن يخلقوا ذبابة لما استطاعوا إلى ذلك، ولن يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً، ثم يتحداهم ربنا بالذبابة نفسها قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]، فالذبابة عندما تأخذ من الشخص شيئاً لا يستطيع أن يأخذه منها، والإنسان ضعيف ولكن الذبابة أضعف منه، قال تعالى: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]، فالمؤمن يصدق كلام رب العالمين، والكافر ينظر ثم يجرب هذا الأمر، فيأتي الكفار ينظرون إلى الذبابة إذا وقفت على قطعة سكر وأخذت منه قتلوها، ثم نظروا أين ذهب هذا السكر، فلا يجدون، الذبابة حللت السكر وأصبح شيئاً آخر، يقول الله : ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]، هذا المثال الحق من رب العالمين، والقرآن كله حق من رب العالمين.
والكفار يضربون الأمثلة للنبي ﷺ ، فيقولون: لم تكن ملكاً مثل قيصر وكسرى! لماذا لم يكن لك بيت من ذهب مثلاً؟ لماذا لا تكون لك حقول وبهائم وأنعام وجنات؟! فالله يعجبه: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال)، بدلاً من أن ينظروا ويتأملوا في كتاب رب العالمين، وهذه الآيات العظيمة يقولون: نريد جنة وبساتين وأنهاراً، ماذا يفعل بالبستان؟ جنة رب العالمين أعظم، أما ما طلبوه في الدنيا فهذا شيء يزول، ولو جاءهم من عند رب العالمين فكذبوه لكان العذاب بعده مباشرة، ولكن رحمة الله سبحانه أن يؤخر هؤلاء لعلهم يسلمون مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، لذلك يقول: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٣]، من هذه الأمثلة الكاذبة الباطلة التي يقولونها، فنحن نجيؤك بما هو أفضل من ذلك بالحق من عند رب العالمين، وأحسن تفسيراً، فقد جئناك بالحق من الأمثلة من عندنا، وجئناك بالحق من كتاب رب العالمين، وما هو أحسن تفسيراً وتأويلاً ونظراً وفهماً من كتاب رب العالمين.
نسأل الله أن يجعلنا ممن يتدبرون كتابه كما يريد.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 821
تفسير سورة الفرقان [٣٤ - ٤٠]
يحشر الله الكافرين إلى جهنم على وجوههم يوم القيامة، فهم شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل، ويحشر المؤمنين إلى الجنة، فهم في خير مكان وأحسن مقيل، وقد أشار الله سبحانه في سورة الفرقان إلى الأمم السابقة وتكذيبهم لأنبيائهم وإهلاكه سبحانه لهم.
стр. 822
تفسير قوله تعالى: (الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الفرقان: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا * فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا * وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا * وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان:٣٤ - ٣٩]، ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ [الفرقان:٢٠].
يخبر الله في هذه الآيات من سورة الفرقان عن قوم يحشرهم الله يوم القيامة على وجوههم، وهم الكفار الذين كذبوا بآيات الله سبحانه وكفروا بلقائه، فأخبر أن حشرهم يوم القيامة يكون كذلك: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الفرقان:٣٤].
فالإنسان يوم القيامة يبعثه الله من قبره ويحشره إلى يوم القيامة، ويجمع الله الخلق كلهم فيقفون في صعيد واحد، فإذا انتهى الحساب، يساق أهل النار إلى النار، ويدخل أهل الجنة الجنة، فأهل النار يدخلون النار على هذا الحال والعياذ بالله، إذ يحشرون على وجوههم إلى جهنم، فيدفعون ويكبون على وجوههم، فيتقون النار بوجوههم والعياذ بالله.
جاء في حديث الصحيحين من حديث أنس بن مالك: أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: يا نبي الله! يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال النبي ﷺ : (أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟) بلى، فالله على كل شيء قدير.
فالإنسان في الدنيا يتقي الأشياء بكفه، وسمي الكف كفاً؛ لأنه يكف بها عن نفسه، أي: يدفع بها عن نفسه، فعندما يسقط يتكئ بيده، وعندما ترميه بحجر يتقيها ويكفها بيده، أما في نار جنهم فلا يقدر على ذلك، وإنما يكف عن نفسه بوجهه، فيمشي في نار جهنم وبدلاً من المشي على رجليه يزحف على وجهه، والله على كل شيء قدير، فهؤلاء الكفار الذين كذبوا في الدنيا، وأعرضوا عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وجادلوا بالباطل، هذا مصيرهم يوم القيامة، فهم يحشرون على وجوههم إلى جهنم، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [المائدة:٦٠]، يعني: هذا المكان الذي هم فيه هو شر مكان، فهو المكان الرديء الخبيث، وهو المكان الذي يستحقونه: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦].
وإذا كان هؤلاء شر مكاناً فإن أهل الجنة هم خير مكاناً، فإن الله يكرمهم ويحشرهم إلى الجنة ركوباً أو مشياً، أو كما يشاء الله ، فيدخلهم جنته بفضله وبرحمته، أما أهل النار فإن الله يقول فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٦٠].
فهم شر في المكان وأضل عن السبيل، أي: ابتعدوا عن الطريق الحق، ولم يمشوا في طريق الهدى، فتاهوا وضلوا، وكذلك أضلهم الله عن طريق الجنة، فإذا بهم يدخلون النار، فهم أضل عن السبيل في الدنيا، وأضل يوم القيامة، فيضلون طريقهم فيذهبون إلى النار.
стр. 823
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب فدمرناهم تدميراً)
ثم يخبرنا ربنا سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا * فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان:٣٥ - ٣٦].
هذه السورة من السور المكية، ففي السور المكية خصائص معروفة منها: تقرير أمر العقيدة، وتقرير أمر توحيد الله ، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالجنة والإيمان بالنار، وذكر أهل الجنة وذكر أهل النار، كذلك يقص على نبينا ﷺ في السور المكية قصص المرسلين عليهم الصلاة والسلام وتكذيب أقوامهم لهم، إما بإطالة واستفاضة، وإما باختصار وتفصيل، فهنا يذكر الله إشارات إلى ذلك، فإنك لست وحدك الذي أوذيت في الله سبحانه أو الذي كذبك قومك، بل من قبلك موسى وغيره عليهم الصلاة والسلام، قد كذبهم أقوامهم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الفرقان:٣٥]، أي: المعهود المعروف وهو التوراة، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان:٣٥]، أي: جعلنا له معيناً أخاه هارون، دعا موسى ربه سبحانه أن يشد أزره بأخيه، ويجعله معه وزيراً، فاستجاب الله ، لما قال: ﴿هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٠ - ٣٦]، فاستجاب له ربه سبحانه، وجعل معه أخاه هارون وزيراً.
قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الفرقان:٣٥]، أي: التوراة؛ وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان:٣٥]، والوزير بمعنى: المعين والمساعد، أي: فجعلناه معه معيناً ومساعداً يحمل معه أثقال الدعوة إلى الله .
قال الله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا﴾ [الفرقان:٣٦]، يأمر الله موسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الفرقان:٣٦]، أي: اذهبا إلى فرعون وملئه، قال: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان:٣٦].
واختصر القصة جداً هنا في هذه السورة، إشارة فقط إلى أنك إذا كذبك قومك، فليس هذا بجديد، بل هم ينتظرون ما جاء لفرعون وجنوده من عند رب العالمين سبحانه، فقد كذبوا فدمرناهم، وكذلك هؤلاء، إن كذبوا وأعرضوا فنحن نفعل بهم ذلك، أو يرحم ويفعل ما يشاء، قال: ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان:٣٦]، أي: إلى هؤلاء القوم فدعوهم إلى الله سبحانه، فلما كذبوا الرسل دمرناهم تدميراً، وعرفنا كيف أن الله سبحانه أغرق فرعون وجنوده في اليم فكان تدميرهم بإغراقهم وإهلاكهم، فرعون وقول: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]، فلم ينفعه إيمانه في وقت غرقه هو ومن معه.
стр. 824
تفسير قوله تعالى: (وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم)
ومن قبل ذلك أول المكذبين قوم نوح، فقد كذبوا الرسل، قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ [الفرقان:٣٧].
فذكر الله أول من أهلك الله ، وآخر من أهلك الله قبل النبي صلوات الله وسلامه عليه، فكان قوم موسى الذين كذبوا، فأغرق الله فرعون وجنوده، ومن قبل ذلك أول من أهلك الله من القرون قوم نوح، قال: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ [الفرقان:٣٧]، يعني: واذكر قوم نوح ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُل﴾ [الفرقان:٣٧]، مع أن رسولهم نوح فقط، الذي جاءهم من عند رب العالمين سبحانه، فدعاهم إلى الله ليل نهار، والذي يكذب رسولاً واحدا فمعناه: أنه مكذب لجميع الرسل، فإن دعوة الرسل دعوة واحدة إلى رب العالمين سبحانه، فهم يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويدعون إلى الإيمان بالله سبحانه، ويأخذون على الأقوام العهود والمواثيق، آمنوا بالله سبحانه، فإن جاءكم رسول مصدقٌ لما معكم فآمنوا بهذا الرسول، فالإيمان بالله مقتضاه: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره، حلوه ومره، فإذا كذب الإنسان رسولاً واحداً فقد كذب بالرسالة، وكذب بكل ذلك، فلذلك جعلهم الله مكذبين لجميع رسله، قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُل﴾ [الفرقان:٣٧]، وقد قام فيهم نوح عليه الصلاة السلام ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله ، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ [نوح:٥]، أي: بالليل يدعوهم، وبالنهار يدعوهم، وبالسر يدعوهم، وبالجهر يدعوهم، وأمام الناس يدعوهم، وفي الخفاء يدعوهم، وهم لا يستجيبون لله ، فاستحقوا أن يغرقهم الله سبحانه، فكأن ذكر فرعون وذكر قوم نوح المقصود منه: بيان الإغراق، فقد أغرق الله قوم نوح وأغرق قوم فرعون، فجاء العذاب من عند رب العالمين على صورة واحدة، وإن كان هذا الإغراق لقوم نوح إغراقاً عاماً، فالإغراق لفرعون وجنوده كان خاصاً، أما قوم نوح فقد أمر الله الأرض أن يخرج منها الماء، وأمر السماء أن ينزل منها الماء، فأغرق من على وجه الأرض، إلا من كان في السفينة مع نوح، أما فرعون فقد أغرقه الله وجنوده في اليم كما عرفتم في قصته، قال تعالى: ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ [الفرقان:٣٧]، أي: جعلناهم عظة وعبرة للناس وللخلق جميعهم، فقوم نوح أغرقوا جميعهم، ولم يعش بعدهم إلا المؤمنون فقط، فالكفار جميعهم أهلكهم الله سبحانه، والمؤمنون يحدثون الذين من بعدهم، أنهم كانوا قوماً كافرين أغرقهم الله ، فأخبروا عن ذلك إخبار صدق، فقد أخبر الله ، وأخبر نبيهم عليه الصلاة السلام، وأخبر بذلك المؤمنون، فكانت عبرة وعظة للخلق جميعهم.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ﴾ [الفرقان:٣٧]، أي: لجميع الناس ﴿آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان:٣٧]، أي: فقد جهز الله وأعد لهم العذاب الشديد.
стр. 825
تفسير قوله تعالى: وعاداً وثمود وأصحاب الرس)
وهنا يذكر لنا عاداً وثمود: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٣٨].
يذكر الله إشارات في هذه السورة، فنحن نرى أنه في سورة الأعراف مثلاً وفي سورة هود يطيل في ذكر قصصهم، وهنا يشير إشارات إلى هؤلاء، فيقول للنبي ﷺ : قد كذب قوم نوح فأهلكناهم، وكذب قوم موسى فأهلكناهم، وكذبت عاد فأهلكناهم، وكذبت ثمود فأهلكناهم، وكذب أصحاب الرس فأهلكناهم، وهؤلاء جميعهم يذكرهم الله مطمئناً للنبي ﷺ أن الله على كل شيء قدير، وأنه قادرٌ على أن يهلك هؤلاء أيضاً إذا أصروا على عنادهم وتكذيبهم للنبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان:٣٨]، وثمود يجوز فيها الصرف، ويجوز عدم الصرف فيها؛ فلذلك تقرأ بقراءتين هنا: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان:٣٨].
والقراءة الأخرى: (وَعَادًا وَثَمُودَّاً وَأَصْحَابَ الرَّسِّ)، بالنصب فيها والتنوين.
فقراءة حفص عن عاصم وحمزة ويعقوب أيضاً: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان:٣٨]، وباقي القراء يقرءون: ((وَعَادًا وثموداً وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا)).
فعادٌ أرسل الله إليهم هوداً، قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٦٥].
ثم ذكرهم بنعم الله عليهم، وقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء:١٢٨ - ١٢٩].
وذكرهم بنعم الله عليهم وقال لهم: إن الله قد ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء:١٣٣ - ١٣٥]، ومع ذلك لم يصدقوا، بل كذبوا رسولهم عليه الصلاة السلام، فجاء العذاب من عند رب العالمين فأهلكهم الله .
وقوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ﴾ [الفرقان:٣٨]، أي: قوم صالح، فعاد كانوا في جنوب الجزيرة، يبنهم وبين اليمن، وثمود في شمال الجزيرة بينهم وبين الشام، ففي رحلة الشتاء والصيف يذهبون إلى اليمن ويذهبون إلى الشام، ويمرون على ديار ثمود، ويمرون على قوم عاد، فيعرفون هؤلاء، ويعرفون كيف أهلكهم الله سبحانه.
فقوم صالح الذين كذبوا صالحاً ﵊، دعاهم إلى الله، وتنطعوا وطلبوا آية يرونها أمامهم، وكانت الآية التي أرادوها ناقة تخرج من الجبل، فانشق الجبل وخرجت منه ناقة، والناقة معها فصيلها، وآتاهم الله هذه الآية، بعد أن أخذ منهم العهود والمواثيق أنهم إن جاءتهم الآية يؤمنون بها، فلما رأوا الآية كادوا يؤمنون، ولكن كاد القوم بعضهم لبعض فإذا بهم يكفرون ويجحدون ويعقرون الناقة، فجاء العذاب من عند رب العالمين سبحانه، فأهلك الجميع بعدما أهلكوا الناقة، وأرادوا قتل نبيهم ﵊، فجاءهم العذاب كما عرفنا.
وقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان:٣٨]، هم قوم من الأقوام ذكرهم الله بهذه الإشارة: أصحاب الرس، وقد ذكر كثير من المفسرين أن أصحاب الرس بمعنى: البئر، فقالوا: هم قوم أرسل الله إليهم نبياً فدعاهم إليه، فكذبوه وأخذوه فرسوه في البئر، يعني أخذوه وحطوه في البئر، وأقفلوا عليه البئر، فأهلكهم الله ، وأشار إليهم هنا أنهم أصحاب الرس، قال تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٣٨] أي: قرون كثيرة وأمم عظيمة منهم من قصصهم على النبي ومنهم قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك، وليس كل الأنبياء ولا كل الرسل يذكرهم الله ، بل الكثيرون جداً جداً من الأنبياء والكثيرون من الرسل لم يذكرهم لنا ربنا في كتابه، إلا عدداً محصوراً محدوداً لبيان أنه قد وعظ الخلق وأقام عليهم الحجج، وأنه أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام يدعون الأقوام إلى الله، فكذبوا رسل الله فأهلكهم سبحانه، فقوله سبحانه: ﴿وَقُرُونًا﴾ [الفرقان:٣٨]، أي: أمماً ﴿بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٣٨] أي: بين نوح وبين النبي ﷺ .
стр. 826
تفسير قوله تعالى: (وكلاً ضربنا له الأمثال)
﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان:٣٩].
يعني: لم نضرب الأمثال لكم أنتم فقط، بل كل الأمم ضربنا لهم الأمثال، ووعظناهم ونصحناهم وذكرناهم، فأبوا إلا التكذيب، قال تعالى: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان:٣٩]، أي: دمرنا تدميراً، وأهلكناهم إهلاكاً عظيماً.
стр. 827
تفسير قوله تعالى: (ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء)
﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان:٤٠]، أي: رأوا هذه القرية قرية قوم لوط وهم ذاهبون إلى الشام، فهم يرون ويعرفون أن هنا مكان قوم لوط، أهلكهم الله، وجعل مكانهم بحيرات مالحة متعفنة، ويعرف المارة هناك أن الله أهلك قوم لوط وأخذهم أخذ عزيز مقتدر؛ لتكذيبهم رسولهم ﵊، ولإتيانهم الفاحشة، فكان الرجال يقعون في الرجال، فأهلكهم الله سبحانه، وأمطر عليهم مطر السوء، وهو المطر السيئ الشديد، فليس من جنس المطر الذي نعرفه، وإنما مطر من نار جهنم، فأتتهم حجارة من السماء، فأهلكهم الله بهاِ: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦]، وهم حتى الآن يرون هذه القرية ويعرفون مكان قوم لوط الذين أهلكهم الله بفلسطين، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٠].
يعني: أن الكفار كانوا لا يخافون من ربهم ولا يرجون أن يحشروا يوم القيامة؛ لذلك لا يتذكرون ولا يعترفون بالأمم السابقة، ويقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤].
وقد عرف هؤلاء الكفار إبراهيم النبي عليه الصلاة السلام، وعرفوا أنه أبو الأنبياء، وأنه جدهم ﵊، ومع ذلك كذبوا محمداً صلوات الله وسلامه عليه، ولم يرجوا النشور والبعث يوم القيامة، وإنما يفتخرون لأنهم في أرض إبراهيم وأن عندهم الكعبة، ويطوفون ويشركون بالله سبحانه، ولا ينتظرون النشور يوم القيامة، فقال الله : ﴿بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٠]، فيستحقون العذاب.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 828
تفسير سورة الفرقان [٤١ - ٤٣]
يخبر الله نبيه عن حال هؤلاء المشركين المعاندين لله ورسوله أنهم يستهزئون بالنبي ﷺ ومن معه، ويحث بعضهم بعضاً على الصبر على الباطل، وعلى معاندة الحق ومعارضته، والصد عنه، فهؤلاء الناس من صنف من ختم الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم فأصبحوا كالأنعام لا يهتدون سبيلاً، فأنت لست وكيلاً عليهم، وإنما عليك البلاغ والحجة والبرهان.
стр. 829
تفسير قوله تعالى: (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزواً)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الفرقان: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا * أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤١ - ٤٣].
في هذه الآيات من سورة الفرقان يذكر الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه كيف أنه اتخذه المشركون هزواً يستهزئون به صلوات الله وسلامه عليه، وهو يدعوهم إلى الله سبحانه وهم يدعونه إلى الضلال، فإذا مر بهم النبي ﷺ استهانوا به واستهزءوا به صلوات الله وسلامه عليه، ويقولون مستهينين به: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان:٤١]، وكأنهم يستكثرون عليه صلوات الله وسلامه عليه أن يكون رسولاً لرب العالمين.
ولذلك قالوها في موضع آخر: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، فكيف ينزل على محمد ﷺ ؟! لماذا لا ينزل على عروة بن مسعود بالطائف، أو ينزل على أحد من الكبار الموجودين في مكة؟! كيف نزل عليه؟! وبدءوا هم يتخيرون من عند أنفسهم لماذا لم ينزل على فلان أو فلان؟ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، والجواب ليس من النبي ﷺ ، وإنما من الله سبحانه، قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:٣٢]، هؤلاء الجهلة الحمقى والمغفلون أهم يقسمون رحمة الله؟! ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، ﴿اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:١٧٩]، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨].
فالله يفعل ما يشاء، ويحكم بما يريد، يجتبي ويصطفي ويختار من هو أهل لذلك، والله أعلم بذلك، وقبل النبي ﷺ كان أهل الكتاب يعلمون أنه سيبعث في هذا الزمان رسول، فبعض العرب بدأ يستعد لذلك، فكان أحدهم يلقب نفسه (الراهب) ويتعبد حتى يكون هو رسول هذا القرن أو هذا الزمان، ولكن الله يختار من يريده، فهو أعلم بقلوب عباده، فاصطفى نبيه صلوات الله وسلامه عليه.
أما ذاك الراهب الذي كان في الجاهلية راهباً فكان بعد الإسلام أفسق خلق الله وأقذرهم، وأكثرهم معصية للنبي ﷺ وكيداً له، وابنه كان من أعبد خلق الله ، وقتل شهيداً في يوم أحد، وهو حنظلة بن عامر الراهب غسلته الملائكة بعد موته، فقد سمع الصيحة للقتال فخرج وكان معرساً بامرأته فتركها وانصرف إلى القتال في سبيل الله، فقتل شهيداً ﵁، فغسلته الملائكة رضي الله ﵎ عنه، وأبوه كان يستعد لأن يكون رسولاً، وفي ظنه أنه رسول هذا الزمان، وبدأ يتعبد ويتعبد، ولكن الله لم يختره، وإنما اختار نبيه صلوات الله وسلامه عليه بذلك.
وكان الكفار إذا رأوا النبي ﷺ يستهينون به ويستهزئون، فيظهرون ذلك أو يضمرونه، فأحياناً كانوا يظهرون ذلك وكان يصبر ﷺ على أذاهم كثيراً، وأحياناً كان يجاريهم ويقول: (والله لقد جئتكم بالذبح)، فإذا بهم يخافون ويقولون: انصرف يا أبا القاسم! فما كنت جهولاً، يخافون منه صلوات الله وسلامه عليه، وأحياناً يجتمعون بشرهم فإذا بهم عندما يرونه ساجداً يسلطون أحدهم فيذهب ويأتي بسلى بعير فيجعله فوق ظهر النبي ﷺ .
وجاء أحدهم إلى النبي ﷺ وهو ساجد على الأرض فوضع قدمه على رقبته، وكاد أن يقتله ويخنقه صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا عقبة بن أبي معيط لما جاء إلى المدينة أسيراً في حربهم مع النبي ﷺ في بدر استحق أن يقتله النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه كان يؤذي النبي ﷺ في مكة.
يقول الله سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ [الفرقان:٤١]، سواء أظهروا الاستهزاء أو أضمروه، قائلين: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان:٤١]، أي: هذا الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق يبيع ويشتري مثلنا هو هذا الذي بعثه الله رسولاً؟! قال: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ [الفرقان:٤١]، وأصلها (هزؤ) بالهمز، فقراءة النقل لـ حفص فقط، وبقية القراء يقرءونها بالهمز فيقرؤها الجميع ما عدا حمزة: ((إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هزؤاً))، وحمزة يقرؤها: ((إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هزءاً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا))، فإذا وقف عليها قال: ((إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هزا)) وهناك قراءة أخرى في الوقف عليها لـ حمزة يقول: ((إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزْوا)) والمعنى: يسخرون منك، إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا استهزاءً فيستهزئون بك ويسخرون منك، قائلين: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان:٤١].
стр. 830
تفسير قوله تعالى: (إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها)
قال تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان:٤٢]، يعني: لقد كاد يضلنا ويلهينا ويصرفنا عن عبادتنا، أي: عبادتهم الباطلة التي يقولون: إنهم سيصبرون عليها، ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ [الفرقان:٤٢]، ليصرفنا، ﴿عَنْ آلِهَتِنَا﴾ [الفرقان:٤٢]، الباطلة، ولولا: ﴿أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان:٤٢]، أي: حبسنا أنفسنا على عبادتها.
فهم يعلمون أن هذه آلهة باطلة، لا تنفع ولا تضر، ويعلمون أن الله هو الذي ينفعهم ويضرهم، وهو الذي يرزقهم، وهو خالقهم سبحانه بشهادتهم بذلك، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، ومع ذلك صبر الكفار على العبادة الباطلة، أفلا يصبر المسلمون على عبادتهم الحقة؟! فهؤلاء الكفار دافعوا عن باطلهم، وقاتلوا المسلمين، وذهبوا للنبي ﷺ في يوم بدر، وفي يوم أحد، وفي يوم الأحزاب لقتال المسلمين، وهم يعلمون أنهم أهل باطل، أفلا يصبر المسلمون على دين رب العالمين وهم يعلمون أنهم على الحق، وقد وعدوا الجنة؟! الكفار يقولون: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، أي: سنموت ونحيا في هذه الدنيا، يعني: حياة ثم موت وانتهى كل شيء؛ فلذا ما معنا إلا ما أخذناه في الدنيا من الدنيا، فهم على باطل، ويعرفون أنهم على الباطل وليسوا على الحق، فصبروا على باطلهم الذي هم عليه، وقاتلوا النبي ﷺ ، حتى إن أبا جهل وهو ملقى على الأرض لعنة الله عليه وعلى أمثاله قتيلاً يأتيه ابن مسعود رضي الله ﵎ عنه ويصعد فوق صدره فيقول لـ ابن مسعود: لقد ارتقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم! يعني: يصغره تحقيراً له يعني: يا راعي الغنم! صعدت فوق صدري وأنت راع، يقول هذا الشيء حال سكرات الموت، ويأبى الله له الهداية حتى وهو في موته، فتصعد روحه وهو يقول هذا الشيء.
فيقول له ابن مسعود: لقد انتقم الله منك يا عدو الله! فيقول له: وهل أنا إلا رجل قتلني بعض قومي، أي: شخص من أناس قتلهم بعض قومهم، ويموت على هذا الشيء، انظر إلى دفاعهم عن باطلهم حتى الوفاة! رجل من أصحاب النبي ﷺ وهو يقاتل فيقول: ضربت رجلاً من المشركين بالسيف على عاتقه ضربة قال: فأخذني فخنقني، -حضنه بساعده- حتى كادت روحي أن تخرج وتزهق بذلك، ثم أردته الوفاة فمات هذا الرجل، وانطلق صاحب النبي ﷺ .
فانظر إلى هذا المضروب ضربة بالسيف أدركته الوفاة من هذه الضربة، ومع ذلك يصر على أن يخنق من ضربه، ولا يمن الله عليهم بالهداية وهم أهل باطل يعلمون أنهم على الباطل، ويقول: ﴿اصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص:٦].
وهذا دأب الكفار والمشركين في كل زمان، فيصبر بعضهم بعضاً على آلهتهم، والإنسان يفكر بعقله: ما الذي يجعلني أصبر؟! إما أن أصبر لأتجمل مع الناس، أو أصبر لكي آخذ الأجر يوم القيامة، أو أصبر ليكون جزائي في الدنيا مثلاً.
فالكفار يقولون: اصبروا، فنقول لهم: وماذا تأخذون عندما تصبرون على هذه الآلهة؟! أما في الآخرة فلا شيء لهم، وأما في الدنيا فقد يأخذون وقد لا يأخذون، قد ينتصرون فإذا انتصروا فالسادة هم السادة والضعفاء هم الضعفاء ولن يتغير شيء من حالهم، فعلى ذلك تحصيلهم في الدنيا شيء يسير حقير ليس له قيمة، أن يحصلوا على مناصب وأموال، أما المؤمن الذي يعده ربه أن يصبر وله الجنة، قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥]، أفلا يغار المسلم حين يرى هؤلاء يصبرون على باطل وهو لا يصبر على الحق الذي هو عليه؟! يقول النبي ﷺ : (يأتي على الناس زمان يكون القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر).
ويذكر النبي ﷺ أن الواحد من هؤلاء يعمل العمل ويكون له أجر خمسين رجلاً من أصحابه، وفي رواية: (يكون له أجر خمسين شهيداً) فهذا الأجر العظيم الذي يكون للقابض على دينه كما يقبض الإنسان على الجمر، وللمتمسك بدينه، الجنة عند رب العالمين، وله وعد الله بالعزة في الدنيا والتمكين إذا صبر على ذلك، وله إحدى الحسنين: إما النصر وإما الشهادة، وله عند الله سبحانه حبه ورضاه في الجنة والحور العين.
المسلم أمامه كل هذا الثواب، والكافر لا ثواب له فيصبر ويقول: ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص:٦]، يقول الله سبحانه عن هؤلاء الكافرين: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان:٤٢]، أي: لولا أننا صبرنا على هذه الآلهة لصرفنا عنها ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٢]، وفي كلامهم إشارة إلى دعوة النبي ﷺ وقوته في الدعوة، وحجته البينة القوية.
وفي الآية إشارة إلى أن النبي ﷺ لم يترك وسيلة ولا سبيلاً للدعوة إلى الله إلا وسلكها صلوات الله وسلامه عليه، يقول الله : ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الفرقان:٤٢]، أي: اصبروا فسترون النتيجة، ﴿حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٢]، قالوا عن النبي ﷺ : سوف تعلمون من أصحاب الضلال، ومن أصحاب الصراط السوي، ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٢]، أي: طريقاً يوصل إلى النار.
قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣]، عبدوا الآلهة من دون الله سبحانه، والآلهة أنواع، فيعبدون أصناماً وأوثاناً وأحجاراً، ويعبدون الشمس والقمر، ويعبدون النجوم والبروج، ويعبدون أشجاراً، ويعبدون الهوى من دون الله .
قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣]، يقول ابن عباس ﵄: الهوى إله يعبد من دون الله، وتلا هذه الآية: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣]، فالهوى يدعو الإنسان إلى طاعة الشيطان والبعد عن الرحمن سبحانه، فإذا به يعبد ما يشاء، ويترك عبادة الله، ويكفر بالله، فهو عابد لهواه ولشيطانه ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣]، قالوا: كانت العرب إذا أحبت شيئاً عبدته من دون الله، فإذا هوى الرجل منهم شيئاً عبده من دون الله، فإذا رأى ما هو أحسن منه ترك الأول وعبد الثاني، فكان يأتي بحجر يراه جيداً فيقوم ينحته صنماً ويعبده من دون الله، فإذا رأى حجراً آخر أفضل من الأول نحته صنماً وترك الأول وعبد الثاني؛ فعبدوا الهوى، وعبدوا آلهة بأهوائهم الباطلة وبأكاذيبهم، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣]، (أَرَأَيْتَ) استفهام، وهذه الكلمة فيها قراءات، (أَرَأَيْتَ) قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر بالتسهيل، (أَرَأَيْتَ)، وقراءة ورش بالمد الطويل فيها (أَرَآيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)، وقراءة الكسائي بدون مداخلة: (أَرَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ))، يعني: هل علمت؟ أو هل رأيت ببصرك ما يصنعون ويعبدون من دون الله سبحانه؟ قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣]، يعني: هذا الذي اتبع الهوى هل أنت حفيظ عليه؟! هل أنت كفيل وضامن لهذا الإنسان؟! أنت لا تملك لنفسك شيئاً فضلاً عن أن تملكه لغيرك، قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨]، ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩]، فإذا كان ربنا يقول ذلك للنبي ﷺ فغيره أولى، فلا يملك الداعي إلى الله أن يغير قلوب الخلق، وإنما يملك أن يتكلم بالحجة والبرهان، وأن يقنع ويعلم ويرشد، ويدل على الخير، لكن التحويل من شيء إلى شيء هذا لا يملكه إلا الله ، ولذلك قال لنبيه ﷺ : ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣]، فالنبي ﷺ يهدي إلى صراط مستقيم بمعنى: يدل، ولكنك: ﴿لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] أي: لا تغير ولا تحول، وإنك لا تهدي إلى صراط مستقيم، وإنما تدل الناس على طريق الخير، وتعلم الناس الخير، وتحذرهم من الشر.
أما الذي يحول القلوب من شيء إلى شيء فهو الله الذي يملك ذلك، ولذلك قال لهم هنا: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣]، وهذا استفهام إنكاري، والمعنى: لست عليهم حفيظاً، ولست عليهم وكيلاً، فإنما الله هو الحفيظ والوكيل، والله هو الذي يغير القلوب.
نسأل الله أن يرشدنا إلى سواء السبيل، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 831
تفسير سورة الفرقان [٤٣ - ٤٧]
الذين يعبدون أهواءهم من دون الله يسمعون ولا يعون ولا يعقلون، فهم أضل من الأنعام، إذ الأنعام تعرف ربها وتسبحه وهي لا تعقل، ثم يذكِّر الله عباده بنعمه عليهم وفضله عليهم بالليل والنهار، وسورة الفرقان إحدى السور المكية التي تبين ذلك.
стр. 832
تفسير قوله تعالى: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه وجعل النهار نشوراً)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الفرقان: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا * أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٣ - ٤٧].
لما عجب الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه من هؤلاء المشركين الذين اتخذوا الهوى إلهاً من دون الله سبحانه، فقال له: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣].
أي: من كان بهذا الحال لا عقل عنده، ولا يستجيب لدعوة ربه سبحانه، ولا يستجيب لما يدعوه إليه عقله وفطرته، وهو أن يعبد الذي خلقه ورزقه سبحانه، فهل أنت تكون عليه حفيظاً وكفيلاً بأن تدخله في هذا الدين؟ لا تقدر على ذلك، فإن الذي يغير القلوب ويحول الناس من حال إلى حال هو الله ، ثم قال لنبيه ﷺ : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان:٤٤].
стр. 833
تفسير قوله تعالى: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون)
هؤلاء الكفار المشركون هل ﴿تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان:٤٤]، أي: يسمع سمعاً ينفعه، فيعي ويفهم ويتأمل ويتدبر، حتى يتعلم، ويعلم الحق، بل إنهم يسمعون الكلام والتلاوة لكنهم لا يسمعونها سماع من يبتغي الحق.
قال: ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان:٤٤]، أي: يتفكرون ويتدبرون ما جاء من عند رب العالمين، فهم كذلك لا يفعلون ذلك.
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ [الفرقان:٤٤]، هي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة وأبي جعفر: بفتح السين، وباقي القراء يقرءونها: (أم تحسِب) والمعنى واحد.
﴿أَنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ [الفرقان:٤٤]، ولم يقل: كلهم ﴿يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان:٤٤]؛ لأن الله قد علم أن منهم من سيسمع ويعقل ويدخل في هذا الدين، وقد كان دخل منهم الكثير في دين الله سبحانه، لكن الأكثرون يسمعون ولا يعقلون، ينظرون إلى الآيات ولا يفهمون ما فيها ولا يحاولون ذلك، يقول الله سبحانه: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ﴾ [الفرقان:٤٤]، يعني: في حال سماعهم، وعدم تفكرهم، وعدم تعقلهم، إن هم إلا كالبهائم.
والأنعام خلقها الله ولم يجعل لها عقولاً تفهم بها كعقول الآدميين تخاطب، ولكنها عرفت ربها سبحانه فسبحته بحسب ما علمها ، وفضل الإنسان بالعقل الذي يفهم ويعي ويتدبر ويتفكر به ومع ذلك لا يعقلون، ولا يفهمون عن النبي ﷺ شيئاً، فأيهما خير، البهائم التي لم يعطها الله عقلاً أم هؤلاء الذين لهم عقول وهم لا يسمعون ولا يعقلون؟ قال سبحانه: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ﴾ [الفرقان:٤٤] أي: أنهم أشد من الأنعام وأقبح ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤].
فبهيمة الأنعام إذا قدتها في طريق مرة أو مرتين عرفت طريقها، أما هؤلاء فلا يحاولون أن يفهموا ما يقوله النبي ﷺ مع كثرة ما يكرره عليهم صلوات الله وسلامه عليه، فكانوا يقفون له بالمرصاد، ويكذبونه، ويحذرون الناس منه، حتى أن البعض من الناس كان من كثرة ما يسمع من هؤلاء يدخل إلى مكة وقد جعل أصابعه في أذنيه حتى لا يسمع من النبي ﷺ شيئاً، ويأتي أحدهم إلى النبي ﷺ ويقول: والله ما جئتك حتى حلفت بعدد أصابعي ألا آتيك، يعني: من شدة تحذير الكفار لهؤلاء فقد كانوا يقولون للرجل لا تذهب إلى محمد ولا تستمع منه، ويحلفونه على ذلك مرة ومرتين وأكثر، فهم يصدون الناس هذا الصد الشديد عن سبيل الله وهم لا يفهمون ما يقوله النبي ﷺ ، ولا يحاولون ذلك، فهم كالأنعام ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤].
يقول مقاتل: البهائم تعرف ربها، وتهتدي إلى مراعيها، وتنقاد لأربابها التي تعقلها.
فصاحب البهيمة يجيء ليربط البهيمة فتقف له حتى يربطها، ويسوقها فتنقاد له، ومعنى أنها تنقاد لأربابها التي تعقلها أي: التي تربطها، أما هؤلاء المشركون فلا ينقادون ولا يعرفون ربهم الذي خلقهم ورزقهم، وإن عرفوا ذلك وأقروا به لم يعبدوه، فلم تنفعهم المعرفة.
وقيل: لأن البهائم إن لم تعقل صحة التوحيد والنبوة فهي لم تعتقد كفران ذلك، ولكن الأولى أن يقال: إن البهائم عرفت ربها سبحانه لما جعل فيها من معرفة، وأمرها سبحانه فسبحت بحمده كما أمرها ، قال الله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤].
فالبهائم تعرف ربها وتسبحه ، وإذا جاءت يوم القيامة شكت إلى ربها سبحانه سوء صنيع أربابها، وما صنعوا بها من عدم إطعامها وإشرابها، ومن إساءة معاملتها، بل ويقتص للبهائم يوم القيامة، فيقتص للجلحاء من ذات القرن، ثم يأمر الله الأنعام فتصير تراباً.
أما الإنسان الذي فهم وعقل فإنه يأتي يوم القيامة وينظر إلى الأنعام كيف يقتص لبعضها من بعض، وكيف أن الله يأمرها بأن تكون تراباً، ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠]، وهيهات أن يكون ذلك.
فقد خلقه الله لعبادته، وحذره من معصيته، وحذره من الشرك به، حذره من النار التي يخلد فيها المشركون ولا يزولون عنها، فأبى إلا أن يعصي وأن يشرك بالله، فكان جزاؤه أنه في الدنيا ﴿كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤]، فهم في تحير في الدنيا وتخبط، ويوم القيامة في النار، والعياذ بالله.
стр. 834
تفسير قوله تعالى (ألم تر إلى ربك)
يقول الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه وللمؤمنين بالتبع: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان:٤٥ - ٤٦].
السورة مكية، وفيها خصائص السور المكية من تقرير أمر العقيدة: الإيمان بالله، الإيمان بالملائكة، الإيمان برسل الله سبحانه، كما أن فيها ذكر صفات رب العالمين ، وفيها: تقرير توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ، وفيها ضرب الأمثال، والحجج والبينات، وفيها الآيات التي تخاطب عقول الناس، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان:٤٥]، أي: هذا الظل الذي تراه انظر كيف مده الله ! فيكون الظل ثم يتناقص شيئاً فشيئاً، وأعلى ما يكون الظل في الليل، قال العلماء: الظل: الليل، وفرق البعض فقال: الظل ما بين الفجر إلى طلوع الشمس، ثم بعد ذلك تأخذ الشمس من الظل شيئاً فشيئاً حتى تغرب فيكون الليل بعد ذلك.
أما علماء الفلك فيقولون: الظل: هو الليل، يأتي الليل فيسود الكون كله، ثم تأتي الشمس تنقص من الليل شيئاً فشيئاً فيتناقص الظل، ويبدأ وقت الظل من الزوال، فقبل صلاة الظهر تكون الشمس فوق الرءوس، ويكون الكل في شمس وفي ضياء، ثم تزول الشمس شيئاً فيبدأ الظل يكبر شيئاً فشيئاً، وكلما مالت الشمس ناحية الغروب كلما انتشر الظل إلى أن يدخل الليل فيستوعب الظلام كل الكائنات.
قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان:٤٥]، أي: لو شاء الله لأثبته وجعله ليلاً، ولو شاء سبحانه لجعل الشمس دائمة، قال سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ [القصص:٧١ - ٧٢].
فالإنسان يجب عليه أن يتفكر ويسمع ويعقل آيات رب العالمين، فلو شاء سبحانه لثبتت الشمس في مكانها وبقي النهار أبداً، فمن غير الله يأتيكم بهذا الليل الذي تستريحون فيه؟ وإذا انعكس الأمر من إله غير الله يأتيكم بنهار ويأتيكم بضياء؟ وهنا يذكر لله لنا المعنى نفسه: لو أن الله سبحانه ثبت هذا الظل فدام الظل وانتهت الشمس فمن سيأتيكم بضياء؟ ثم قال سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان:٤٥]، فلا يعرف الظل حتى تشرق الشمس فتفرق بين هذا وذاك، ولذلك قالوا: والضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تتميز الأشياء، فلولا النهار لما عرفنا فائدة الليل، ولولا الليل لما عرفنا قيمة النهار، فالله جعل ليلاً ونهاراً، أسود وأبيض وجعل أشياء مختلفة لولا هذا الاختلاف لما تبين لنا جمال هذا الشيء الذي أوجده الله لنا، فالإنسان في النهار يخرج إلى معاشه، ينظر، ويقرأ، ويكتب، ويرى في النور ما لا يراه في الظلام، فهو في النهار يتعب ويعمل، والجسد يحتاج إلى الراحة، ولو ظلت الشمس ثابتة فمن أين تأتي الراحة؟ إذاً: لابد من ليل، لابد من سكون حتى يستريح الإنسان، فيأتي الليل فيستشعر جمال الليل، وحين يتعب ويستريح يستشعر جمال الراحة بعد تعبه وهكذا، فجعل الله الليل والنهار يتقلبان على الإنسان، يستريح في الليل ويعمل في النهار، ألم تر إلى ربك كيف مد الظل وجعله لك آية تستظل به من الشمس، ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان:٤٥]، ثابتاً قليلاً أو كثيراً أو ظلاماً، قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان:٤٥]، فالشمس تقبض الظل شيئاً فشيئاً حتى إذا كان قبيل الزوال زال الظل كله، ثم بعد ذلك ينتشر الظل.
﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان:٤٦]، أي: ليس فجأة، ولكن الله يجعل الإضاءة شيئاً فشيئاً، فالسماء بعد أن كانت سوداء يكون لونها بنياً ثم تبيض وتطلع الشمس شيئاً فشيئاً من رحمة رب العالمين سبحانه، ولو شاء لجعل الليل يأتي فجأة والنهار يذهب فجأة ولكنه سبحانه يقبضه شيئاً فشيئاً حتى لا ينزعج الإنسان ويتحير في ذلك، فخروج الليل من النهار والنهار من الليل يكون تدريجياً.
والزروع منها ما ينتفع بالظل ومنها ما ينتفع بالشمس، ولو دامت عليه الشمس لفسد، ولو دام عليه الظل لفسد، فجعل الله الظل والشمس، وجعل الليل والنهار رحمة منه سبحانه.
стр. 835
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي جعل لكم النهار نشوراً)
قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٧].
والإنسان مخلوق ضعيف فحين تطلع الشمس يذهب فيعمل ليأتي برزقه الذي قدره الله له، وبعد أن يعمل يجوع فإذا جاع أكل وشرب، فإذا جاء الليل نام، ولو واصل يوماً ويوماً لما استطاع الخروج واكتساب رزقه ولربما مات من ذلك، فجعل الله لنا الليل لباساً يعني: يغطي الكون كله، والإنسان يحتاج إلى ظلمة الليل في النوم، لأن نوم النهار لا يغني عن نوم الليل، فإذا نام الإنسان في النهار ساعات طويلة فإنه لا يستريح بهذا النوم، فهو يحتاج إلى الليل حتى ينام فيستريح في ظلمة الليل، ولذلك نوم الليل للإنسان أفضل بكثير من نوم النهار، فجعل لكم الليل لباساً، وجعل النوم في الليل أو النهار سباتاً، والسبات: هو الراحة والانقطاع، فالإنسان الذي أصابه أرق في النوم يصبح مريضاً، لكن إذا نام وانقطع عن هذه الدنيا فإنه يستيقظ مستريحاً، والسبات مأخوذ من السبت بمعنى: القطع، وسمي يوم السبت؛ لأن اليهود كانوا ينقطعون فيها للعمل باختيارهم، وعقوبة لهم منعهم الله من العمل في يوم السبت، فجعل النوم سباتاً أي: كأنه انقطاع عن العمل، وانقطاع عن الدنيا، والنوم سماه النبي ﷺ : الموتة الصغرى، والله قال ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢]، فيتوفى الله الأنفس حين تموت، بقبض الأرواح، والنوم موتة صغرى يتوفى الله فيها نفس الإنسان فيستريح الإنسان في هذا النوم ثم يرد عليه روحه حين يستيقظ، فسمي النوم لذلك بالموتة الصغرى، ولذلك كان النبي ﷺ إذا استيقظ يقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور).
ولا ينام أهل الجنة في الجنة، فلما سئل النبي ﷺ عن سبب ذلك قال: (النوم أخو الموت)، فأهل الجنة في نعيم لا ينقطع عنهم النعيم بنوم ولا يحتاجون إلى النوم؛ لأنهم في راحة لا يتعبون ولا ينصبون فلا يحتاجون إلى النوم، فجعل الله في الدنيا للعباد النوم سباتاً رحمة منه ، ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٧]، والنشور بمعنى: الارتفاع، والنشر: هو الشيء المرتفع، والنشرة: رفع الشيء من شيء إلى شيء، وهنا ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٧]، أي: يحيا الإنسان فيه، فبعدما أماته بهذا النوم، وبعدما ذهب في سبات عميق يحيه الله فيقوم لعمله يباشره، وهذه من نعم الله التي يدل الإنسان عليها، فكأنه يقول: الذي جعل لكم الليل لباساً، وجعل النوم سباتاً، وجعل النهار نشوراً ألا يستحق أن تحمدوه وتشكروه على هذه النعم وتعبدوه وحده لا إله إلا هو؟ نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 836
تفسير سورة الفرقان الآية [٤٨]
شرع سبحانه في هذه الآية وما قبلها في بيان الأدلة الدالة على وجوده سبحانه، وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة، وبيان نعمه العظيمة على عباده، من نعمة الظل والضياء والشمس والليل والنهار، وكذلك إرسال الرياح التي تبشر بالمطر وتسوق السحاب من مكان إلى آخر، وهذه السحب محملة بالماء الطهور، الذي به حياة الأرض والإنسان والحيوان، وغير ذلك من النعم العظيمة.
стр. 837
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته)
стр. 838
معنى الطهور والفرق بينه وبين الطاهر وفوائد الماء
قال سبحانه: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، قال: ((ماء طهوراً)) ولم يقل: ماءً طاهراً، وإنما هو طهور، والطهور متعد، أي: ليس طاهراً في نفسه فقط، وإنما هو طاهر في نفسه مطهر لغيره، وهذا الفرق بين: أنزلنا من السماء ماءً طاهراً، (وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً)، فالماء الطهور: هو ماء طاهر، ولكن يطهر غيره، وقد يكون الماء طاهراً ولا يطهر غيره، مثل: الماء الذي خالطه شيء طاهر فأخرجه عن وصفه ماء، وعن كونه ماءً مطلقاً، فنقول: هذا ماء مخلوط بكذا ولا يصح أن أتوضأ به، ولا تصح إزالة النجاسة به، بل لابد أن يكون ماءً مطلقاً، فالله ينزل من السماء ماءً رحمةً لعباده، وقد ذكر في سورة الأنفال: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال:١١].
فمن فوائد إنزال الماء من السماء: أن الله أنزل على العباد في يوم بدر ماء من السماء، فيتطهرون بهذا الماء، أيضاً من الفوائد: أن هذا الماء يستخدمونه في طعامهم وشرابهم، والماء يثبت الأرض تحت أقدامهم بعد أن كانت أرضاً رملية تتحرك وتضطرب تحتهم، فيثبتها ويهبطها بهذا الماء الذي ينزل من السماء، ويذهب عن العباد رجز الشيطان وهواجسه التي تنادي عليهم أن يهربوا من أمام أعدائهم، فالله يطهر العباد بما يشاء.
قوله: ((وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا)) هل الماء الذي يخرج من الأرض ليس بطهور؟ لا، ليس هذا بمقصود، ولكن جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) يعني: الماء باق على أصل خلقته، ولما سئل عن ماء البحر صلوات الله وسلامه عليه قال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) فالماء النازل من السماء هو ماء طهور، وكذلك الماء النابع من الأرض أو الجاري فوقها أيضاً هو ماء طهور؛ لما جاء في سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وهنا يذكر الإمام القرطبي في تفسيره للماء الطهور فيقول: المياه المنزلة من السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة على اختلاف ألوانها وطعومها وأرياحها حتى يخالطها غيرها.
يعني: أن الماء الذي نزل من السماء ماء طاهر وطهور، حتى لو تغير لونه، والماء النابع من الأرض كذلك، إلا أن يتغير بنجاسة فيأخذ حكم الماء النجس، لكن إذا لم تغيره نجاسة، أما ما خرج من بئر أو خرج من النهر أو البحر، فهذا كله ماء طاهر، وسواء كان ملحاً أو مراً أو عذباً فكله طاهر، فعلى ذلك مياه الآبار حتى وإن تغيرت بالمجاورة بالرمال أو بالتراب الذي حولها فهي طاهرة ومطهرة، يتطهر بها الإنسان يتوضأ ويغتسل ويشرب منها، فعلى ذلك الماء الخارج من الأرض الأصل فيه أنه طاهر، لكن إذا جاءت نجاسة على هذا الماء فغيرته وأخرجته عن وصفه صار نجساً، إلا أن يكون ماءً كثيراً ولم تغيره هذه النجاسة، فهو باق على أصل طهوريته؛ لأنه جاء عن النبي ﷺ في الحديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، أو قال: لم ينجسه شيء).
والقلتان: حوالي خمسة أمتار مكعبة من الماء؛ فإذا كان الماء بهذا الحجم فهذا كثير، فإذا وقعت فيه نجاسة يسيرة ولم تغيره فهو باق على أصل خلقته، والحديث بمنطوقه يدل على ذلك، وبمفهومه يدل على أنه لو كان أقل من هذا فوقع فيه شيء من النجاسة، فإنه يتنجس الماء بذلك.
يقول الإمام القرطبي في التفسير: الماء المتغير بقراره كزرنيخ أو جير يجري عليه، أو تغير بطحلب أو ورق شجر ينبت عليه لا يمكن الاحتراز عنه، فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع من الوضوء به.
المعنى من كلامه: أنه طالما هو في البئر أو في النهر ووقعت عليه أوراق أشجار فتغير الماء بشيء من الاخضرار، فهو باق على طهوريته، ويجوز الوضوء منه على ذلك، كذلك ماء بئر في صحراء إذا طارت عليه الرمال أو التراب ومن الجير ونحوه فتغير وتعكر، لكن لم يخرج عن وصفه ماء فهو طاهر، ويجوز للإنسان أن يتوضأ به ويغتسل منه وهكذا.
стр. 839
حكم سؤر الإنسان المسلم والكافر
قال القرطبي: يكره سؤر النصراني وسائر الكفار، والمدمن الخمر، وما أكل الجيف كالكلاب وغيرها، ومن توضأ بسؤرهم فلا شيء عليه.
السؤر: هو ما بقي من الماء، فلو أن إنسان نصرانياً عنده إناء فيه ماء فشرب منه وجاء مسلم وأراد أن يشرب فإنه يكره له ذلك، لكن لا يحرم ذلك؛ لأنك لم تستيقن النجاسة في ذلك، فيجوز للمسلم أن يشرب باقيه أو أن يتوضأ به، ولكن يكره ذلك، سواء كان نصرانياً أو يهودياً أو غيرهم من الكفار.
قال: وكذلك المدمن الخمر، فلو أن إنساناً شرب الخمر ثم أخذ إناء فيه ماء وشرب من هذا الإناء، فإنه يكره الشرب من أثر هذا الإنسان.
في الماضي يتكلم في هذه المسألة من حيث الطهارة والنجاسة، فيقول: يكره ذلك باعتبار أن هذا الإنسان الذي يشرب الخمر فاسق، ولم يقل: حرام، لكن الآن مع وجود التحاليل الطبية وغير ذلك، نقول: إن الأفضل للإنسان ألا يشرب من أثر أي إنسان؛ لأنه لا يدري ما يكون في فم هذا الإنسان من مرض، كأن يكون مريضاً بالسل، أو بالربو، أو عنده مرض رئوي أو مرض في الفم وكذا، فيتأذى الناس بعضهم من بعض بهذا الشيء، فالإنسان يأخذ حذره في ذلك، ولا يؤذي نفسه ولا يؤذي غيره.
إذاً: كلام الفقهاء هنا في كونه نجساً أو طاهراً، وليس معنى ذلك: أنه مأمور أن يشرب أو يستحب له، لا؛ لأن مع كثرة الأمراض لابد أن يأخذ حذره من هذا الشيء، ولذلك نمنع من جعل الماء في العلب وإن كان بعض إخواننا يحب أن يجعلها في المسجد، فكنا نفعل هذا الشيء في الماضي، أما الآن مع كثرة الأمراض وكثرة الأوبئة وانتقال العدوى بقدر الله ، بأسباب ملموسة معروفة، فعلى الإنسان أن يجتنب هذا الشيء؛ لأن الأمراض تنتقل بأسباب لا يعلمها إلا الله ، ومن ذلك فيروس الكبد، فإنه ينتقل عن طريق اللعاب، وهناك فيروسات تنتقل عن طريق الدم، فعلى ذلك تأخذ حذرك فلا تشرب من هذه العلب الموضوعة في المساجد أو في الشوارع، وهذا لا ينافي قضاء الله وقدره ، وإنما هو أخذ بالأسباب فلا نؤذي أحداً من الناس، فقد قال النبي ﷺ : (فر من المجذوم فرارك من الأسد) فالنبي ﷺ يعلمنا أن نحتاط، وهذا لا يمنع قدر الله؛ لأنه سبحانه إن شاء لك شيئاً لا قدر الله وقع وجرى، وليس معنى ذلك: أنه إذا كان قدر الله جارياً أن نتركه يجري دون الأخذ بالأسباب، لا؛ لأن الجوع والعطش من قدر الله فنحن ندفع القدر بالأخذ بالأسباب فنأكل ونشرب، فكذلك ندفع قدر المرض بالوقاية منه، وعدم الاقتراب من الأسباب المؤدية إليه، وإذا وقع ندفعه بالتداوي بالمباح، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ أنه قال: (إذا نزل الطاعون بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها، وإن لم تكونوا فيها فلا تدخلوها) فنهانا أن ندخل مكاناً فيه الطاعون؛ احتياطاً لأنفسنا، وإن كان قضاء الله يجري.
ثم قال: وما أكل الجيف كالكلاب وغيرها.
والمعنى: أن هناك أناس مثل الصين يأكلون الكلاب والهرر وغيرها من الجيف، فهذا الإنسان لو أنه أخذ الإناء وشرب منه، فهل يجوز للمسلم أن يشرب من هذا الإناء الذي شرب منه ذلك الكافر الذي يأكل الجيف والكلاب وغير ذلك؟ هذا الشيء مؤذ، لكن الفقهاء لا يحرمون ذلك وإنما قالوا: يكره ذلك، كذلك يجوز الوضوء من ذلك الإناء، فقد قال الإمام البخاري: وتوضأ عمر ﵁ من بيت نصراني.
يعني: لما خرج عمر رضي الله تعالى عنه إلى الشام طلب ماء ليتوضأ، فقامت امرأة نصرانية فأدت لـ عمر ماء فتوضأ رضي الله تعالى عنه.
وهذا الماء شرب منه عمر رضي الله تعالى عنه، فكان ماءً عذباً، فلما شرب منه صعب عليه حال هذه المرأة النصرانية، فقال لهذه المرأة: أيتها العجوز أسلمي تسلمي.
يعني: عندما أكرمت عمر بهذا الماء الطيب العذب فشرب منه وتوضأ رأى أن يدعوها للإسلام إكراماً لها، فقال: أسلمي تسلمي، فقد بعث الله سبحانه محمداً ﷺ بالحق، فكشفت المرأة عن رأسها فإذا مثل الثغامة، يعني: أبيض، فقالت: عجوز كبيرة أموت الآن، يعني: بعد السن أدخل في الإسلام وأغير ديني! فقال عمر ﵁: اللهم اشهد.
стр. 840
حكم ولوغ الكلب في الماء الذي في الإناء
يقول الإمام القرطبي: فأما الكلب إذا ولغ في الماء فقال مالك: يغسل الإناء سبعاً ولا يتوضأ منها، فقد ثبت في حديث النبي ﷺ أنه قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أولاهن بالتراب)، أو قال: (إحداهن بالتراب)، أو قال: (وعفروه الثامنة بالتراب)، فهذا بيان: أنه لا يجوز لك أن تتوضأ بماء شرب منه الكلب، هذا إذا كان ماءً قليلاً في إناء، أما إذا كان ماء في بئر فسؤر الكلب وريقه لا ينجس البئر، إنما ينجس الإناء بذلك؛ لأنه قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم).
أيضاً لو أن الكلب أخذ ثوبك وعضه فإنه ينجس الثوب ويغسل مرةً واحدة فقط، لكن الإناء فقط هو الذي أمر النبي ﷺ بغسله سبع مرات أولاهن بالتراب فهنا أمر بغسل الإناء سبع مرات، فدل على أن هذا الماء ينجس، لكن الإمام مالك ذهب إلى أن الماء طاهر وليس نجساً، ولكن يغسل الإناء سبع مرات تعبداً، هذا قوله ﵀، والصواب قول الجمهور: أن هذا دليل على النجاسة.
وجاء في حديث آخر عنه ﷺ أنه قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب)، وهذا الحديث نص في المسألة (طهور): يعني: التطهير، ولا يكون التطهير إلا من نجاسة، فعلى ذلك يكون ريق الكلب نجساً وليس طاهراً، فإذا ولغ الكلب في الإناء فلا بد من غسل أثر الكلب فيها، فيغسل سبع مرات إحداهن بالتراب، والأفضل أن تكون الأولى بالتراب، وكأن ريق الكلب فيه شيء لا يزول إلا بالتراب، وبعض المحللين الذين حللوا المياه التي شرب منها الكلب وجدوا أنواعاً من الجراثيم لا تزول إلا بالتراب، فقالوا: التراب يزيل هذا الشيء، فسبحان الله! فقد جعل التراب عجيباً، ويكفي أن الميت يكون دفنه في التراب، فإنه بعد ذلك يتحلل أثر الميت تماماً من هذا التراب، ولا يكون في التراب شيء منه، فالله يخلق ما يشاء، ويخبر عن الشيء الحق، فالماء طهور والتراب أيضاً طهور عند عدم وجود الماء والله أعلم.
نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 841
تفسير سورة الفرقان (تابع) الآية [٤٨]
لقد خلق الله ﵎ الرياح بشراً بين يدي رحمته، تبشر الإنسان بقرب نزول المطر الذي هو مصدر الرزق بعد ذلك للإنسان، ولقد أهلك الله بهذه الرياح قوم عاد لما طغوا وعتوا، وظنوا أنه عارض من المطر والرحمة فكان العكس من ذلك، ولذلك كان النبي ﷺ يخاف من الرياح ومن الغيم إذا أبصره خشية أن يحل بالمسلمين ما حل بالمجرمين في سالف الدهر، وقد تعرض المفسر هنا لمسائل فقهية خاصة بالماء الطهور وأحكامه ولوازمه، وما إلى ذلك من الأحكام التي ينبغي على المسلم معرفتها والعلم بها.
стр. 842
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته)
стр. 843
الفرق بين قراءة (بشراً) (ونشراً) في المعنى
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الفرقان: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨].
يخبرنا الله في هذه الآيات وما قبلها عن نعمه العظيمة على عباده، فهو الذي جعل لنا الليل لباساً، والنوم سباتاً، وجعل النهار نشوراً، وهو الذي مد الظل ولو شاء لجعله ساكناً، وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته، فهذه بعض من آيات الله التي يراها كل إنسان فيه عقل؛ ليعتبر ويعلم حاجته الماسة لذلك، وكيف أن الله أنعم بهذه النعم العظيمة وغيرها .
فمن نعمه سبحانه: الظل، وكذلك الضياء والشمس، ومن نعمه : تقليب الأجواء، بين حر وبرد، وفصول أربعة في السنة، وتقليب الليل والنهار بالزيادة والطول؛ ليجعله راحة ومعاشاً للإنسان، فالإنسان يتقلب في نعم الله بكل حال.
وهنا يذكر لنا من نعمه: نعمة الرياح، فيقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان:٤٨]، ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، فالرياح تسوق السحاب ومن ثم ينزل الماء من السماء للعباد حتى يحيي الله به الأرض الميتة، ويجعل للعباد من هذا الماء رزقاً ومن كل الثمرات.
قال: (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا)، فالله يرسل الريح بشارة للعباد، فيستبشرون بما يأتي من الرياح الباردة نسبياً، فيتروحون بها ويستبشرون بعد ذلك بنزول المطر قريباً بإذنه سبحانه، فهي بشرى كما هي قراءة عاصم فقط: (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه)، وقرأها نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب: (نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه)، وقرأها ابن عامر: (نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه)، وقرأها حمزة والكسائي، وخلف: (نَشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) فالله يرسل الرياح بشراً ونشراً، فمن قرأها: (نُشُرًا) و (نُشْرًا) و (نَشْرًا)، فهو مأخوذ من النشور، والنشور يأتي بمعنى: القيام، وبمعنى: الإحياء بعد الموت، وبمعنى: البعث، فالله يرسل الرياح بشارة ونشراً يبشر العباد بهذه الرياح بقرب نزول المطر من السماء، فهي بشارة من رب العالمين سبحانه، وهي نشر: ينشر الله ويحيي بها الأرض بعد موتها، فيرسل الرياح فتأتي بالمطر من السماء، فالله يحيي هذه الأرض وينشرها، فالرياح تحرك السحاب، ولو لم يخلق الله الرياح لكانت السحاب تخرج مياهها من البحر أو من النهر، فتصعد إلى السماء وتنزل في نفس المكان مرةً ثانية، ولكن من رحمة الله سبحانه أن جعل ماء البحر وماء النهر يتبخران ويرتفعان إلى السماء ثم يرسل عليها الرياح فتتكون السحب وتنقلها إلى حيث يريد الله ويشاء ، فينزل المطر على من يشاء سبحانه رزقهم ويمنعه من يشاء، فإذا نزل الماء جعله نشراً ينشر الله ويحيي به الأرض الميتة.
стр. 844
أحوال الرياح وأقسامها، وبيان وجل النبي ﷺ منها
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ [الفرقان:٤٨]، وهذه قراءة الجمهور، وقرأها ابن كثير: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيْحَ نُشُرَاً بَيْن يَدَي رَحْمَتِه﴾ [الفرقان:٤٨]، وهذه من ضمن من يقرأها: (نُشراً) فذكر الله الرياح والريح على القراءة الأخرى.
وفيه دليل: على أن الرياح والريح تتعاقبان في المعنى الواحد، ومن فرق بقوله: إن الرياح تأتي بالخير، والريح تأتي بالشر فقد جاء بتفرقه غير صحيحة؛ لأن كلمة الرياح في القرآن كله منهم من قرأها: (الرياح)، ومنهم من قرأها: (الريح)، فالله يرسل الريح بشراً بين يدي رحمته، ويرسل الرياح أيضاً بشراً بين يدي رحمته، فالريح والرياح تأتيان بالخير، وتأتيان بما يشاء الله سبحانه، وقد كان النبي صلوات الله وسلامه عليه يحدث له شيء من الانزعاج إذا هاجت الريح فيقبل ويدبر، ويدخل ويخرج، فلما سألته السيدة عائشة ﵂ عن ذلك؟ قال: (ما يؤمنني! فلقد رأى قوم السحاب في السماء فقالوا: هذا عارض ممطرنا)، وهم: قوم عاد، فما كان عارضاً ولا سحابة وإنما كانت نيراناً من السماء أهلكت القوم جميعهم، فكان إذا أمطرت السماء سر النبي صلوات الله وسلامه عليه وهدأ روعه.
стр. 845
تفسير قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً)
إذاً: فقد أخبر الله سبحانه أنه يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته، ورحمة الله : هي السحب والمطر الذي ينزل من السماء، والرحمة في هذه الآية خرجت مخرج الغالب، إذ أن الرياح قد تكون خالية من المطر، وقد يكون في هذه الرياح هلاك لبعض الناس، قال سبحانه: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الفرقان:٤٨ - ٤٩]، فأنزل من السماء ماء طهوراً، ولم يقل: ماءً طاهراً؛ لأن الطهور متعدٍ إلى غيره، فهو طاهر في نفسه مطهر لغيره، وهذا هو الفرق بين الماء الطاهر والماء الطهور، فقد يكون الماء طاهراً ولكنه لا يطهر غيره، مثل: الماء المتغير، فنقول: إن الماء الذي خالطه شيء طاهر فأخرجه عن مسمى الماء، وعن كونه ماءً مطلقاً، فإنه يسمى حينئذ: ماءً مخلوطاً بكذا ولا يجوز الوضوء به، ولا ينفع في إزالة النجاسة، بل لا بد أن يكون ماءً مطلقاً، فالله ينزل من السماء ماءً رحمةً لعباده، وقد ذكر سبحانه في سورة الأنفال: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال:١١].
следующие страницы →