Полный текст (3 717 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
تفسير سورة الفرقان (تابع) الآية [٤٨]
لقد خلق الله ﵎ الرياح بشراً بين يدي رحمته، تبشر الإنسان بقرب نزول المطر الذي هو مصدر الرزق بعد ذلك للإنسان، ولقد أهلك الله بهذه الرياح قوم عاد لما طغوا وعتوا، وظنوا أنه عارض من المطر والرحمة فكان العكس من ذلك، ولذلك كان النبي ﷺ يخاف من الرياح ومن الغيم إذا أبصره خشية أن يحل بالمسلمين ما حل بالمجرمين في سالف الدهر، وقد تعرض المفسر هنا لمسائل فقهية خاصة بالماء الطهور وأحكامه ولوازمه، وما إلى ذلك من الأحكام التي ينبغي على المسلم معرفتها والعلم بها.
стр. 842
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته)
стр. 843
الفرق بين قراءة (بشراً) (ونشراً) في المعنى
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الفرقان: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨].
يخبرنا الله في هذه الآيات وما قبلها عن نعمه العظيمة على عباده، فهو الذي جعل لنا الليل لباساً، والنوم سباتاً، وجعل النهار نشوراً، وهو الذي مد الظل ولو شاء لجعله ساكناً، وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته، فهذه بعض من آيات الله التي يراها كل إنسان فيه عقل؛ ليعتبر ويعلم حاجته الماسة لذلك، وكيف أن الله أنعم بهذه النعم العظيمة وغيرها .
فمن نعمه سبحانه: الظل، وكذلك الضياء والشمس، ومن نعمه : تقليب الأجواء، بين حر وبرد، وفصول أربعة في السنة، وتقليب الليل والنهار بالزيادة والطول؛ ليجعله راحة ومعاشاً للإنسان، فالإنسان يتقلب في نعم الله بكل حال.
وهنا يذكر لنا من نعمه: نعمة الرياح، فيقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان:٤٨]، ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، فالرياح تسوق السحاب ومن ثم ينزل الماء من السماء للعباد حتى يحيي الله به الأرض الميتة، ويجعل للعباد من هذا الماء رزقاً ومن كل الثمرات.
قال: (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا)، فالله يرسل الريح بشارة للعباد، فيستبشرون بما يأتي من الرياح الباردة نسبياً، فيتروحون بها ويستبشرون بعد ذلك بنزول المطر قريباً بإذنه سبحانه، فهي بشرى كما هي قراءة عاصم فقط: (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه)، وقرأها نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب: (نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه)، وقرأها ابن عامر: (نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه)، وقرأها حمزة والكسائي، وخلف: (نَشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) فالله يرسل الرياح بشراً ونشراً، فمن قرأها: (نُشُرًا) و (نُشْرًا) و (نَشْرًا)، فهو مأخوذ من النشور، والنشور يأتي بمعنى: القيام، وبمعنى: الإحياء بعد الموت، وبمعنى: البعث، فالله يرسل الرياح بشارة ونشراً يبشر العباد بهذه الرياح بقرب نزول المطر من السماء، فهي بشارة من رب العالمين سبحانه، وهي نشر: ينشر الله ويحيي بها الأرض بعد موتها، فيرسل الرياح فتأتي بالمطر من السماء، فالله يحيي هذه الأرض وينشرها، فالرياح تحرك السحاب، ولو لم يخلق الله الرياح لكانت السحاب تخرج مياهها من البحر أو من النهر، فتصعد إلى السماء وتنزل في نفس المكان مرةً ثانية، ولكن من رحمة الله سبحانه أن جعل ماء البحر وماء النهر يتبخران ويرتفعان إلى السماء ثم يرسل عليها الرياح فتتكون السحب وتنقلها إلى حيث يريد الله ويشاء ، فينزل المطر على من يشاء سبحانه رزقهم ويمنعه من يشاء، فإذا نزل الماء جعله نشراً ينشر الله ويحيي به الأرض الميتة.
стр. 844
أحوال الرياح وأقسامها، وبيان وجل النبي ﷺ منها
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ [الفرقان:٤٨]، وهذه قراءة الجمهور، وقرأها ابن كثير: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيْحَ نُشُرَاً بَيْن يَدَي رَحْمَتِه﴾ [الفرقان:٤٨]، وهذه من ضمن من يقرأها: (نُشراً) فذكر الله الرياح والريح على القراءة الأخرى.
وفيه دليل: على أن الرياح والريح تتعاقبان في المعنى الواحد، ومن فرق بقوله: إن الرياح تأتي بالخير، والريح تأتي بالشر فقد جاء بتفرقه غير صحيحة؛ لأن كلمة الرياح في القرآن كله منهم من قرأها: (الرياح)، ومنهم من قرأها: (الريح)، فالله يرسل الريح بشراً بين يدي رحمته، ويرسل الرياح أيضاً بشراً بين يدي رحمته، فالريح والرياح تأتيان بالخير، وتأتيان بما يشاء الله سبحانه، وقد كان النبي صلوات الله وسلامه عليه يحدث له شيء من الانزعاج إذا هاجت الريح فيقبل ويدبر، ويدخل ويخرج، فلما سألته السيدة عائشة ﵂ عن ذلك؟ قال: (ما يؤمنني! فلقد رأى قوم السحاب في السماء فقالوا: هذا عارض ممطرنا)، وهم: قوم عاد، فما كان عارضاً ولا سحابة وإنما كانت نيراناً من السماء أهلكت القوم جميعهم، فكان إذا أمطرت السماء سر النبي صلوات الله وسلامه عليه وهدأ روعه.
стр. 845
تفسير قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً)
إذاً: فقد أخبر الله سبحانه أنه يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته، ورحمة الله : هي السحب والمطر الذي ينزل من السماء، والرحمة في هذه الآية خرجت مخرج الغالب، إذ أن الرياح قد تكون خالية من المطر، وقد يكون في هذه الرياح هلاك لبعض الناس، قال سبحانه: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الفرقان:٤٨ - ٤٩]، فأنزل من السماء ماء طهوراً، ولم يقل: ماءً طاهراً؛ لأن الطهور متعدٍ إلى غيره، فهو طاهر في نفسه مطهر لغيره، وهذا هو الفرق بين الماء الطاهر والماء الطهور، فقد يكون الماء طاهراً ولكنه لا يطهر غيره، مثل: الماء المتغير، فنقول: إن الماء الذي خالطه شيء طاهر فأخرجه عن مسمى الماء، وعن كونه ماءً مطلقاً، فإنه يسمى حينئذ: ماءً مخلوطاً بكذا ولا يجوز الوضوء به، ولا ينفع في إزالة النجاسة، بل لا بد أن يكون ماءً مطلقاً، فالله ينزل من السماء ماءً رحمةً لعباده، وقد ذكر سبحانه في سورة الأنفال: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال:١١].
стр. 846
فوائد إنزال الله المطر يوم بدر على المسلمين
فمن فوائد إنزال الماء من السماء على العباد يوم بدر: قال: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال:١١]، فيتطهرون بهذا الماء، ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال:١١]، فهذا من فضل رب العالمين سبحانه على عباده، فإن الماء يستعمل للشرب وللتطهر وللطعام، وليثبت الأرض من تحت أقدامهم بعد أن كانت أرضاً رملية تتحرك وتضطرب تحتهم، فهو يثبتها بهذا الماء الذي ينزل من السماء، وكذلك ليذهب عن العباد رجز الشيطان ورجسه، فهو يحث المسلمين على الفرار والهرب من أمام أعدائهم، فالله يطهر العباد بما يشاء، ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، ولا يفهم من هذه الآية أن ما خرج من الماء من غير السماء كالأرض غير طهور، فليس المقصود ذلك، فقد جاء عن النبي ﷺ : (أن الماء طهور لا ينجسه شيء)، يعني: الماء الباقي على أصل خلقته، ولما سئل عن ماء البحر صلوات الله وسلامه عليه قال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، ففهم من ذلك: أن الماء النازل من السماء أو النابع من الأرض أو الجاري فوقها ماء طهور كما جاء في سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 847
حكم التطهر بالمياه النازلة من السماء والنابعة من الأرض
وهنا يذكر الإمام القرطبي في تفسيره في الماء الطهور: أن المياه المنزلة من السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة على اختلاف ألوانها ورياحها حتى يخالطها غيرها.
يعني: أن الماء الذي نزل من السماء طاهر وطهور، حتى لو تغير لونه؛ لأنه في الأصل ماء طاهر، وكذلك الماء النابع من الأرض، إلا أن يتغير بنجاسة فيبقى له حكم الماء النجس، لكن إذا لم تغيره نجاسة كماء البئر والنهر والبحر فهذا ماء طاهر، سواء كان مالحاً أو عذباً، فعلى ذلك: مياه الآبار حتى وإن تغيرت بالمجاورة بالرمال أو بالتراب الذي حولها فهي طاهرة مطهرة، فيتطهر بها الإنسان ويتوضأ ويغتسل ويشرب منها، فعلى ذلك: يكون الماء الخارج من الأرض طاهراً في الأصل، لكن إذا وقعت فيه نجاسة فغيرته أو أخرجته عن وصفه؛ فإن كان ماءً قليلاً تنجس، وإن كان كثيراً فهو طاهر بشرط: ألا يتغير؛ لأن النبي ﷺ يقول في الحديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، أو قال: لم ينجسه شيء).
والقلتان: حوالي: خمسة أمتار مكعبة من الماء؛ فإذا كان الماء بهذا الحجم فهو كثير، فإذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره فهو باق على أصل خلقته، والحديث بمنطوقه يدل على ذلك، أما مفهومه فيدل على أن الماء يتنجس إذا كان أقل من القلتين.
стр. 848
حكم الماء المتغير بطاهر
يقول الإمام القرطبي في التفسير: الماء المتغير بقراره كزرنيخ أو جير يجري عليه، أو تغير بطحلب أو ورق شجر ينبت عليه لا يمكن الاحتراز عنه، فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع من الوضوء به.
والمعنى من كلامه: أن النهر مثلاً قد يتغير إذا وقعت عليه أوراق الشجر، فقد يجعل لونه مائلاً إلى الاخضرار فهذا باقٍ على طهوريته، فهو طاهر ويجوز الوضوء منه، كذلك إذا وجد ماء بئر في صحراء وقد وقع فيه شيء من التراب من الجير ونحوه فتغير وتعكر فإنه يبقى على ذلك طاهراً، فيجوز للإنسان أن يتوضأ به ويغتسل منه وهكذا.
стр. 849
حكم التطهر بسؤر الكفار أو الحيوانات الآكلة للجيف
قال القرطبي: فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع من الوضوء.
فلو أن هذا الماء خالطته يد إنسان بأن وضعها في هذا الماء، فهل يتنجس بذلك سواء كان مسلماً أو كافراً؟ يقول لنا هنا: يكره سؤر النصراني وسائر الكفار، والمدمن الخمر، وما أكل الجيف كالكلاب وغيرها، ومن توضأ بسؤرهم فلا شيء عليه، والمقصود من السؤر: هو ما بقي من الماء، فلو أن إنساناً نصرانياً استخدم إناء عنده فشرب منه ثم جاء مسلم وأراد أن يشرب فإنه يكره له ذلك، والمعنى: أنه لا يحرم ذلك؛ لأنك لم تستيقن النجاسة في ذلك، فيجوز أن تستخدم بقية الماء في شرب أو وضوء، ولكن يكره له ذلك، سواء كان نصرانياً أو يهودياً أو غيرهم من الكفار.
قال: وكذلك المدمن الخمر، فلو إن إنساناً شرب الخمر ثم أخذ بالشرب من هذا الإناء، فإنه يكره له ذلك ولا يحرم.
وهو يتكلم في هذه المسألة من جهة الطهارة والنجاسة، فإذا قلت: يكره ذلك، فباعتبار فسق هذا الإنسان شارب الخمر، فلا نأمن من أن يكون في فمه من أثر ذلك فيتلوث الإناء منه، لكن لما لم يستيقن من ذلك فإنه لم يقل حرام.
والآن مع وجود التحاليل الطبية وغير ذلك، نقول: إن الأفضل للإنسان ألا يشرب من أثر إنسان آخر؛ لأنه لا يدري ما يكون في فم هذا الإنسان من مرض، فقد يكون مصاباً بالسل أو الربو أو مرض رئوي أو مرض في الفم ونحو ذلك، فيؤذي نفسه بذلك، فعلى الإنسان أن يأخذ حذره من ذلك؛ لكي لا يؤذي نفسه أو غيره.
إذاً: فكلام الفقهاء هنا من جهة الطهارة والنجاسة، لكن ليس معناه: جواز الشرب منه مطلقاً، فلا بد للإنسان مع كثرة الأمراض أن يأخذ حذره من هذا الشيء، ولذلك نمنع من وضع الماء في قلل في المسجد، وإن كان بعض إخواننا يحب أن يضع قلة في المسجد، لكننا ننصح بأخذ الحيطة خصوصاً مع كثرة الأمراض والأوبئة المعدية بقدر الله وبأسباب ملموسة معروفة، فعلى الإنسان أن يجتنب هذا الشيء، وكذلك نمنع من قضية الماء المسبل في الشوارع، فإن الفيروسات الوبائية قد تنتقل عن طريق اللعاب ومن ثم إلى الدم، فيسبب أمراضاً خطيرة في الكبد ونحوه، فنحن ننصح بعدم الشرب من هذه المياه؛ لأنها قد تؤدي إلى أمراض كالجذام وغيره، وهو مرض معدٍ وهذا لا ينافي أن هذا من قضاء الله وقدره ، لكن يجب أن نأخذ بالأسباب فلا نؤذ أحداً من الناس، وقد قال النبي ﷺ : (فر من المجذوم فرارك من الأسد)، فهو يعلمنا ﷺ أن نحتاط، ولكن ليس معنى ذلك: أننا قادرون على منع قدر الله إن أراد بنا شيئاً، فقدر الله جارٍ نافذ، وليس معنى ذلك أيضاً: أن نترك الأسباب ونتوكل على الله فقط، فإننا إذا عطشنا أو جعنا أكلنا وشربنا عملاً بالأسباب، فنفس هذا الكلام يقال في المرض.
فالجوع يدفع بالأكل، والعطش بالشرب، والمرض بالوقاية منه؛ ولذلك جاء عن النبي ﷺ قوله: (إذا نزل الطاعون بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها، وإن لم تكونوا فيها فلا تدخلوها)، فنهانا أن ندخل مكاناً فيه الطاعون احتياطاً لأنفسنا، وإن كان قضاء الله يجري.
يقول الإمام القرطبي: يكره سؤر النصراني وسائر الكفار، والمدمن الخمر، وما أكل الجيف كالكلاب وغيرها.
وقد وجد أناس -كما في الصين- يأكلون الكلاب والقطط، والمقصود: أن كلام الفقهاء في هذا دائر بين الحل والحرمة، وهنا يقول بالكراهة، أي: أن اليهودي أو النصراني أو المشرك إذا شرب من إناء فيه ماء فإنه يجوز لك أن تتوضأ منه، لكن اجتنابه أولى.
قال الإمام البخاري: وتوضأ عمر ﵁ من بيت نصراني، وهذا لما جاء إلى الشام رضي الله ﵎ عنه، وقد كان هذا الماء من أجمل المياه التي ذاقها عمر ﵁، فقد كان ماءً عذباً جميلاً، فلما شرب منه صعب عليه حال هذه المرأة النصرانية فقال لها: أيتها العجوز! أسلمي تسلمي، فأراد أن يدعوها لأنها أعطته هذا الماء الطيب الجميل، فقال لهذه المرأة يدعوها للإسلام: أسلمي تسلمي، فقد بعث الله سبحانه محمداً ﷺ بالحق، فكشفت المرأة عن رأسها فإذا مثل الثغامة، يعني: أن رأسها أبيض من الشيب، والثغامة نبت أبيض الثمر مثل القطن، فقالت: عجوز كبيرة أموت الآن، يعني: أنها تستبعد بعد هذا السن أن تدخل في الإسلام وتغير دينها، فقال عمر ﵁: اللهم أشهد.
стр. 850
حكم الوضوء من الماء إذا ولغ فيه الكلب، وكيفية تطهيره
يقول الإمام القرطبي: فأما الكلب إذا ولغ في الماء فقال مالك: يغسل الإناء سبعة ولا يتوضأ منه.
وهذا حكم صحيح، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) أو قال: (إحداهن بالتراب)، أو قال: (وعفروه الثامنة بالتراب)، فهذا بيان أنه لا يجوز لك أن تتوضأ بما شرب منه الكلب، وهذا إذا كان ماءً قليلاً في الإناء، أما إذا كان ماء بئر أو نهر فإن سؤر الكلب أو ريقه لا ينجس البئر، وإنما ينجس الإناء بذلك فيجب إراقته.
أيضاً: لو أن الكلب عض ثوبك فإنه ينجس ويجب غسله مرةً واحدة فقط، لكن الإناء فقط هو الذي أمر النبي ﷺ بغسله سبع مرات أولاهن بالتراب، وإذا أمر بالغسل سبع مرات فهل هذا دليل على أن هذا الماء ينجس أم لا؟ فالإمام مالك: ذهب إلى أن الماء طاهر وليس نجساً، ولكنه يغسل سبع مرات تعبداً لله تعالى، فهذا قوله ﵀، والصواب قول الجمهور: أن هذا دليل على النجاسة، فقد ثبت في حديث آخر قوله ﷺ : (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب).
وهذا الحديث نص في المسألة، فقوله: (طهور) يعني: التطهير، فلم يطهره إلا من نجاسة، فعلى ذلك يتبين أن ريق الكلب نجس وليس طاهراً، فإذا ولغ الكلب في الإناء فلا بد من غسل أثر ريقه سبع مرات إحداهن بالتراب، والأفضل: أن تكون الأولى بالتراب، وكأن في ريق الكلب شيئاً لا يزول إلا بالتراب، وقد أثبت بعض المحللين للمياه وجود أنواع من الجراثيم في ريق الكلب لا تزول إلا بالتراب، ولذلك يدفن الميت في التراب؛ لكي يتحلل بعد فترة ويذهب أثره تماماً من هذا التراب، فلا يكون في التراب شيء منه، والتراب أيضاً يطهر في عدم وجود الماء والله أعلم.
نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 851
تفسير سورة الفرقان [٤٨ - ٥٢]
أنعم الله على خلقه نعماً كثيرة لا تعد ولا تحصى، ومن هذه النعم: أنه سخر لنا ما في الكون لننتفع به، مما لا حول لنا ولا قوة عليه، ومن هذه النعم: الرياح التي تسوق السحاب بالمطر إلى حيث يشاء الله، وكذلك نعمة الماء التي لا يستغني عنها أي كائن حي، ومع تسخيره سبحانه لنا هذه النعم إلا أن أكثر الناس لا يشكرون نعمة الله، ولا يقدرونه تعالى حق قدره، بل أبوا إلا الكفر والعناد والبعد عنه سبحانه.
стр. 852
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته)
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة الفرقان: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا * وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٤٨ - ٥٢].
في هذه الآيات من سورة الفرقان يخبرنا الله عن بعض نعمه العظيمة على عباده سبحانه.
ومن هذه النعم: أنه أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته سبحانه، فيستبشر العبد بقدوم الرياح التي يرسلها الله ، فهي ترطب بدن الإنسان مما هو فيه من حرارة، وكذلك يجعلها سبحانه تحرك السحاب في السماء من مكان إلى مكان؛ لينزل المطر في المكان الذي أراده الله، فيحيي الله به الأرض بعد موتها، وهذه من رحمة رب العالمين سبحانه، ويرسل الرياح فتتحرك بها السفن بفضل الله وبرحمته، ويحرك بها ما يشاء سبحانه، ويسخرها للعباد يستخدمونها فيما يصنعونه من آلات ومحركات، فقد جعل الله الهواء والرياح رحمة منه سبحانه، وقد يقلبها ويصيرها على قوم عذاباً من عنده والعياذ بالله، فالله على كل شيء قدير، يصرف الآيات ويقلبها، فيجعل الرحمة ويأتي بغيرها، من فضله ومن رحمته .
قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، والمقصود بالسماء هنا: السحاب التي في السماء، قال تعالى: ﴿أَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، والطهور هو: الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وهذا أنقى أنواع الماء، ومنه: الماء الذي ينزل من السحاب، وهذا الماء يخرج من الأرض ويكون فيه الطيب والنجس، وقد يكون مالحاً أو مراً أو كدراً، ولكنه يتبخر إلى السماء فلا يصعد إلا الماء النقي، فتتكون منه السحب، فالماء الذي في السحاب أنقى أنواع المياه مطلقاً، فإذا نزل إلى الأرض نزل ورجع إليها ماء نقياً، ولكن قد تعتريه بعض الأتربة والغبار في الجو، وأما وهو في السحاب فهو أنقى أنواع الماء، فإذا نزل على العباد نزل عليهم ماء طهوراً، أي: طاهراً في نفسه مطهراً لغيره.
قال الله سبحانه: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الفرقان:٤٩]، أي: هذا الماء الطهور الذي نزل من السحاب يحيي الله به البلدة الميتة، كما قال: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٤٩]، وقد قرأها الجمهور: ((ميتاً))، وقرأها أبو جعفر (ميِّتاً).
والمعنى واحد، يعني: أن الله يحيي بهذا الماء الذي ينزل من السماء الأرض الميتة، أي: المجدبة التي لا زرع فيها، فإذا نزل الماء أحياها الله به، فقد جعله سبحانه كالروح للأرض.
قال تعالى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٤٩]، أي: إما أنه بواسطة هذا الماء تخرج الأرض زرعها، وإما أن تكون الأرض سبخة لا زرع فيها، ولكنها تجمع هذا الماء فيشرب منه الإنسان فقد جعل الله الماء سقياً للبشر وسقياً لكل حيوان، وجعله روحاً للأرض، ينبت الله به النبات من فضله ورحمته.
وقوله تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ﴾ [الفرقان:٤٩]، أي: نسقي هذا الماء، وهو من أسقى الرباعي، ويأتي نسقى من الثلاثي، فيأتي من الاثنين، وفيها في القرآن في غير هذه الآية القراءتان: نَسقي ونُسقي، وأما هنا ﴿نُسْقِيَهُ﴾ [الفرقان:٤٩]، ففيها قراءة واحدة فقط من الفعل الرباعي، قال تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا﴾ [الفرقان:٤٩]، يعني: هذا المطر نزل من السماء لكل حيوان، فيسقي الله به الإنسان والحيوان.
وقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَلَقْنَا﴾ [الفرقان:٤٩]، أي: من كل ما خلقنا، فنسقي بهذا المطر ﴿أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٤٩]، أي: بشراً كثيراً، وقوله: ﴿أَنَاسِيَّ﴾ [الفرقان:٤٩]، إما أن واحدها إنسي أو إنسان فيجمع على هذا الجمع، فالله بفضله وبرحمته يتكرم على عباده بإنزال هذا المطر، وقد يستحق الإنسان هذا المطر وقد لا يستحقه، ولكنه سبحانه لم يمنعه عنهم حتى لا يجدوا شيئاً منه؛ لأن رحمته تأبى إلا أن ينزل المطر، ولكن قد يقلله على قوم ويزيده لأقوام آخرين.
فهو سبحانه ينزل المطر من السماء، وإن لم يستحقه الإنسان استحقته البهائم، فينزل من السماء مطراً ليسقي به هذه البهائم، وينتفع الإنسان، كما قال تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا﴾ [الفرقان:٤٩]، وقد قدمها هنا لأنها لا تذنب، وأما العباد فيذنبون فقد يستحقون المطر وقد يستحقون القحط، ولكن الأنعام لا ذنب لها فقدمها، قال تعالى: ﴿ونُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا﴾ [الفرقان:٤٩]، وقد تكفل سبحانه بالرزق لجميع هذه الأنعام التي عرفت ربها؛ لأن هذه الأنعام التي لا تذنب في حق خالقها سبحانه تستحق أن يأتيها الله بأرزاقها، فقدمها على الناس، قال تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا﴾ [الفرقان:٤٩]، قال: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٤٩]، يعني: قد يُحرم الماء من يشاء سبحانه من الإنس ويسقي الكثيرين منهم، فقال: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٤٩].
стр. 853
تفسير قوله تعالى: (ولقد صرفناه بينهم ليذكروا)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان:٥٠]، وأقرب مذكور بهذه الآية هو المطر، أي: ولقد صرفنا هذا المطر بين الناس ليذكروا، وإن قد كان ذكر بعض المفسرين أن المقصود بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ [الفرقان:٥٠]، يعني: القرآن، قالوا: لأن هناك إشارة إليه في أول السورة في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، وكذلك في قوله: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٩]، وكذلك في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، قالوا: فهذه إشارات إلى أن المقصود هنا هو: القرآن، يعني: صرفنا هذا القرآن على وجوه بالأوامر وبالنواهي، وبالتذكرة وبالعظات، وبضرب الأمثال وغير ذلك، أو: صرفنا هذا المطر الذي ننزله من السماء بوجوه التصريف، فينزل على هذه الأرض فيخرج منها الزرع والثمار، وقد ينزل في مكان آخر فلا تنتفع به الأرض، ولكن تجمعه فينتفع به الإنسان، وقد ينزل في مكان رخو فتشربه الأرض وينزل إلى المياه الجوفية، فيصرفه الله بوجوه التصريف.
كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفرقان:٥٠]، سواء تصريف المطر كما ذكرنا، أو تصريف القرآن بالأوامر وبالنواهي وبالعظات وغير ذلك، فهذا كله للتذكرة، كما قال تعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان:٥٠]، أي: وليذكروا الله ، وليعتبروا وليتذكروا وليتبصروا وليشكروا ربهم على نعمه، ويخافوا أن يحرمهم منها بتقصيرهم، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان:٥٠]، هذه قراءة الجمهور، وقرأ حمزة والكسائي وخلف: (ليذْكُروا)، أي: الله سبحانه ﵎، ويشكروه على هذه النعم العظيمة.
قال تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان:٥٠]، فأما البهائم فقد عرفت ربها سبحانه ولم تعصه سبحانه ﵎، وأما الإنسان فمن الناس من يعبد الله، ومنهم من يشرك به ؛ ولذلك جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال لأصحابه على إثر سماء كانت من الليل: (أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: لا، فقال النبي ﷺ : يقول الله : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا كافر بي مؤمن بالكوكب).
فعندما ينزل المطر من السماء فمن العباد من يكفر بالله سبحانه ويشرك به، ومنهم من يحمده سبحانه ويشكره ويوحده، فهؤلاء الشاكرون هم الذين يقولون: مطرنا بفضل الله وبرحمته، أي: جاء المطر من عنده وبرحمته سبحانه.
وأما الذين يشركون فهم الذين يقولون: جاءت النوء بكذا، ومطرنا بنوء كذا، والنوء: هو نزول القمر في منازل أو في أماكن معلومة خلال الشهر، ففي كل يوم له منزل ينزل فيه، وأيضاً الشمس في كل ثلاثة عشر يوماً تنزل في منزل من هذه المنازل، فالقمر يدور خلال الشهر كله، التسعة والعشرين أو الثلاثين يوماً خلال هذه المنازل التي في السماء، والشمس خلال السنة جميعها تدور في هذه المنازل، فقد جعل الله هذه النجوم زينة للسماء، وموعظة للعباد، ورجوماً للشياطين، وهداية للخلق، يعرفون طرقهم بها، فإذا ترك الإنسان ذلك وبدأ ينظر في النجوم ويتكلم في الحظ، وينظر في منازل القمر والنجوم ويقول: إذا القمر نزل في المنزل الفلاني فإن هذا اليوم سيكون فيه مطر، أو إذا القمر عمل كذا فسينزل المطر، وكأن النجوم هي التي تأتي بالمطر، أو كأن القمر هو الذي يأتي بالمطر، فالله يقول: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر).
فالكافر هو الذي يقول: لما نزل القمر في المنزل الفلاني أتى لنا بالمطر، والنجم أتى بالمطر، فهذا كافر؛ لأنه نسب الفضل الذي لله لمخلوق من مخلوقاته، وهو مسير بأمر الله لا يملك نفسه فضلاً عن أن يملك غيره، فهذا الذي يقول: مطرنا بنوء كذا أصبح كافراً بالله.
وفرق بين أن نقول: مطرنا في نوء كذا، وبين أن نقول: مطرنا بنوء كذا، فقولنا: بنوء، كأن النوء هو الذي أتى بالمطر، وكأن القمر أو النجم هو الذي أتى بالمطر، وأما قولنا: في نوء كذا، فهو بمعنى: في زمن كذا، كما نقول: مطرنا في شهر أكتوبر، أو في شهر كذا، ولا نقول: شهر أكتوبر هو الذي يأتي لنا بالمطر؛ لأن شهر أكتوبر زمن من الأزمان خلقه الله ، لا يأتي بشيء، والذي يأتي بالمطر هو الله .
ففرق بين مطرنا في نوء كذا، ومطرنا بنوء كذا، وإن كان الأفضل ألا تقال أصلاً؛ لأن الكثيرين من الناس لا يفرقون بين بنوء وفي نوء، فالأفضل تركها، وألا يقول الإنسان ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان:٥٠]، أي: كفروا بالله سبحانه، إما لأنهم نسبوا هذا المطر لغير الله سبحانه قاصدين ذلك فكفروا، أو لأنهم مقلدون في الكلام لغيرهم فوقعوا في ذلك.
стр. 854
تفسير قوله تعالى: (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً وجاهدهم به جهاداً تكبيراً)
قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥١ - ٥٢]، في هاتين الآيتين إشارة جميلة للنبي ﷺ إلى قدره العظيم عند رب العالمين سبحانه، فقد ذكر المطر أولاً وهو خير عميم ينزل من السماء، فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفرقان:٥٠]، أي: يرسل المطر إلى هذه القرية وإلى غيرها وغيرها، وأرسل الرسول ﷺ إلى كل الخلق، ففي هذه الآية إشارة جميلة إلى أنه صلوات الله وسلامه عليه رحمة للعالمين جميعهم، كما أن المطر رحمة لمن ينزل عليهم، فأشار سبحانه إلى المطر وإلى إرساله إلى أقوام، ومنعه على أقوام، ثم أشار إلى إرساله نبيه ﷺ إلى الخلق جميعهم إنسهم وجنهم إلى قيام الساعة، فقال له: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ [الفرقان:٥١]، أي: كما نزلنا المطر على قرى ومنعنا منه قرى فلو شئنا لفعلنا مثل ذلك وأرسلنا إلى كل قرية رسولاً، ولكن جعلناك أنت رحمة للعالمين جميعهم، فأرسلناك إلى الخلق جميعهم.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:٥١]، أي: ينذرهم، ولكن جعلناك وحدك لنرفع درجاتك، وجعلناك رحمة للعالمين.
قال تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [الفرقان:٥٢]، وقد كان الحمل ثقيلاً على النبي ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥]، والمسئولية عظيمة عليه ﵊، ولكن كان الله يعينه عليها، وقد جعله وحده يدعو إلى الله، فبدأ الإسلام غريباً به وحده صلوات الله وسلامه عليه حتى هدى الله به من شاء من خلقه، وقال له: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [الفرقان:٥٢]، أي: أنهم يريدون أن يصرفوك عما أوحينا إليك، ويريدون إبعادك عن الدعوة إلى الله سبحانه، فاحذر أن تطيعهم في شيء.
وهذه السورة سورة مكية نزلت على النبي ﷺ في الأعوام التي كان فيها في مكة يؤذى ويضطهد ويمنعه الكفار من الدعوة إلى الله ، ويمنعون الناس من سماعه ﵊، فيقول له ربه: لا تطع هؤلاء الكافرين، ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ [الفرقان:٥٢]، أي: بهذا القرآن ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢]، يعني: بلغ هذا الدين العظيم، وبلغ ما أوحينا إليك من القرآن، وعلم الناس، ومهما أرادوا منعك فلا تطعهم، ولكن جاهدهم به جهاداً كبيراً.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 855
تفسير سورة الفرقان [٥١ - ٥٣]
قدرة الله سبحانه لا حد لها، فهو سبحانه يفعل ما يشاء، وفي كل أفعاله تتجلى حكمته ورحمته وعدله، فالله قادر على أن يبعث رسلاً إلى كل بلدة ومحلة كما ينزل الغيث، ولكنه خص نبيه بأن يكون خاتم الأنبياء ورسول العالمين، ومن ثم فقد أيده بالمعجزات التي تثبت نبوته لمن رآه أو لم يره، حيث ضمنها كتابه الخالد القرآن الكريم، ومن تلك المعجزات التي تضمنها القرآن: الإخبار بحقائق علمية لم يكتشفها العلماء إلا في مطلع القرن العشرين، فسبحان الله العليم الحكيم!
стр. 856
تفسير قوله تعالى: (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً برزخاً وحجراً محجوراً)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة الفرقان: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا * وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٥١ - ٥٣].
يخبرنا ربنا في هذه الآيات أنه قادر على أن يبعث في كل قرية وفي كل بلد منذراً، ولكنه شاء سبحانه أن يكون النبي ﷺ وحده هو الرحمة للعالمين، فكان هو المرسل من عند رب العالمين اختياراً واصطفاء واجتباءً بهذه الرسالة الكريمة إلى الخلق أجمعين، إنسهم وجنهم، ليدعوهم إلى ربه سبحانه، وكما أن الله ينزل المطر من السماء ليحيي به الأرض، ويصرفه في البلاد بين عباده كيف يشاء ، فقد أنزل القرآن العظيم رحمة منه ليحيي به القلوب، فكما جعل المطر حياة للأرض، فقد جعل القرآن حياة للقلوب، وكما صرف المطر كيف يشاء في كل قرية وبلد فقد أنزل القرآن العظيم على النبي صلوات الله وسلامه عليه ليدعو به الخلق أجمعين، على أن الله قادر على أن يعدد الرسل، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:٥١]، ولكن الله أراد رفع درجة النبي ﷺ فجعله وحده ليس في زمنه فقط ولكن في كل الأزمان اللاحقة لزمنه ﵊، فكان هو الرسول صلوات الله وسلامه عليه منذ بعث إلى قيام الساعة وليس بعده رسول، إلا ما يكون من نزول عيسى ﵊ ليحكم بشرع النبي صلوات الله وسلامه عليه من قرآن وسنة، فقد جاء أن النبي ﷺ قال: (يوشك أن ينزل فيكم المسيح بن مريم حكماً مقسطاً فيقتل الخنزير ويرفع الجزية، ويكسر الصليب)، وبذلك علم أن أحكام القرآن هي التي تنفذ وليس غيرها إذا نزل المسيح صلوات الله وسلامه عليه، بل قد ذكر النبي ﷺ أن يصلي بالناس ويؤمهم بعد نزول المسيح رجل منهم تكرمة لهذه الأمة، فإنها لا تؤم من غيرها.
والآية تبين أن الله اختص النبي ﷺ بالرسالة إلى جميع الخلق وقد نص على ذلك النبي ﷺ فقال: (وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة، أو كافة)، أي: أنه ﵊ بعث إلى انسهم وجنهم، قال سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [الفرقان:٥٢]، أي: فيما يدعونك إليه من اتباع آلهتهم أو من جعل أيام لهم، ولغيرهم من المسلمين أياماً أخرى، أو لتمييزهم على غيرهم بل: ﴿وَجَاهِدْهُمْ﴾ [الفرقان:٥٢]، والجهاد بالسيف في الأعوام المكية لم يكن قد فرض بعد، وإنما فرض جهاد السيف في المدينة، والمراد بالجهاد في الآية الجهاد بالحجة والبيان، والجهاد بالقرآن والإعلان، وهو المسمى بجهاد الدعوة وهو أن يخرج إلى الناس فيدعوهم إلى الله سبحانه ويحذرهم معصيته فإنها توجب غضبه وعقوبته، ووصف الجهاد المطلوب من النبي أن يقوم به بأنه جهاد كبير مبالغة في الحث على الدعوة إلى الله.
стр. 857
التحذير من التبعية لليهود أو النصارى أو غيرهم من الكفار
وفي قوله تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [الفرقان:٥٢]، تحذير للنبي ﷺ ولغيره من المؤمنين من التبعية للكفار وطاعتهم، إذ أن طاعتهم مضرة للنبي ومضرة لأتباع هذا الدين، كما أن طاعتهم تؤدي إلى النار والعياذ بالله، ولذا يجب على المؤمن ألا يستجيب للكافر ولا يطيعه، فإن الكافر لن يرضى عن المؤمن حتى يتبع ما هو عليه من باطل، قال تعالى في ذلك: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، وقال أيضاً: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، فالمشركون أعداء للمؤمنين، والعدو لا يرضى عن عدوه، فهم لن يرضوا عن المؤمنين أبداً، وكذلك اليهود، وكذلك النصارى، إلا ما ذكر في أمر النصارى أن منهم من يتواضع حين يسمع القرآن، ويبكي خشوعاً وخضوعاً فيدخل في هذا الدين، فهؤلاء فقط ذكر الله أن قلوبهم لينة، وأنهم يسمعون القرآن فيبكون عند سماعه ويدخلون في دين النبي ﷺ ، أما غير أولئك من الكفار فإنهم لن يرضوا عن المسلمين إلا أن يتابعوهم في دينهم، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، فقوله سبحانه: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [الفرقان:٥٢]، أي: لا تطع الكافرين ظناً منك أنهم يرضون عنك بطاعتك إياهم، بل لن يرضوا، ومهما تنازلت فستجدهم يطلبون المزيد من التنازلات.
стр. 858
جهاد الدعوة والبلاغ
قال تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ [الفرقان:٥٢]، أي: جاهدهم بهذا القرآن، والقرآن سلاح عظيم قوي قاهر؛ لأنه كلام رب العالمين سبحانه، وفي الآية أمر للنبي ولكل من يصلح له الخطاب: أن تمسك بالقرآن وجاهد به، ويعني أن تجاهد بهذا القرآن: أن تحفظ القرآن، وتعرف أحكامه، وتدعو الناس إليه، وتتخلق بما فيه من آداب عظيمة، فإنك إن كنت على هذا العلم من القرآن كنت قادراً على أن تجاهد الكفار بالبيان وحينها ينصرك الله عليهم، وقد جاهدهم النبي ﷺ بهذا القرآن جهاداً عظيماً، فدعاهم إليه في مكة ليل نهار ولكن لم يستجب له ﵊ إلا القليل، فلما هاجر إلى المدينة ودعا إلى الله استجاب له الناس ودخلوا في دين الله ، وبعد أن استجاب له الناس في المدينة فرض عليه الجهاد باليد والسيف والسنان، وبذلك يكون النبي ﷺ قد جاهد الكفار بالدعوة باللسان، وبالسيف والسنان فنصره الله سبحانه ودخل الناس في دين الله أفواجاًً.
وإذا كان في القرآن الحجة البيان، إلا أنه ليس وحده آلة الجهاد فقد جعل الله مع القرآن حكم الجهاد قال سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]، فإذا كان المسلم يحب رحمة رب العالمين سبحانه، ويحب أن يسلم في بدنه، ويأمن في نفسه ولكن الله فرض عليه الجهاد والقتال في سبيله سبحانه وأمره: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة:٢١٦]، كأمره: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣]، وكقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، إذ أن في القتال العزة لهذا الدين، والإعزاز للإسلام والمسلمين، ولذا فالله حين فرضه لعل بعض المسلمين لم يفهم من الآية الوجوب فقال: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء:٧٧]، فأجابهم الله بقوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء:٧٧]، فلما جاهد المسلمون وجدوا حلاوة النصر، ووجدوا عزة التمكين بعد أن مكنهم الله سبحانه، وحينها أحبوا الجهاد في سبيل الله فلم يزالوا مجاهدين في سبيل الله، طالبين الشهادة والدار الآخرة حتى أعطاهم الله الآخرة والأولى، فأعطاهم الجنة في الآخرة وأعطاهم الدنيا، فصاروا هم الملوك على الدنيا يحكمون بشرع رب العالمين سبحانه، ودانت لهم الدنيا لأنهم أقاموا دين الله سبحانه، ونصروه، وأحبوا الآخرة، وأحبوا الشهادة في سبيل الله ، فقد مكن لهم ، ففي مكة قال لنبيه: جاهدهم به أي: بالقرآن، وفي المدينة قال له وللمؤمنين: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]، وقال أيضاً: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦]، وقال سبحانه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥]، فأمر الله المؤمنين بقتال الكفار، والكافر طالما المؤمن يستعد له فإنه يخاف منه، أما إذا نام المسلم ونسي نفسه: فإن الكافر يتحرش به، ويعلو فوقه، ولا يتركه أبداً؛ لأن الدنيا إما أن يغلب المؤمن فيها بدين الله سبحانه فيعزه الله، وإما أن يغلب الكافر بكفره، ولذا ينبغي على الإنسان المؤمن أن يتمسك بدين الله ولا يخاف من أحد، فإنه إن هاب الكافر إستأسد عليه، كما أن المؤمن حين يترك دين ربه سبحانه فإن الله يخذله ولا ينصره؛ لأن من أسباب النصر أن يتعلم الإنسان المؤمن دين ربه وشرعه العظيم، وأن يتمسك به ويدعو إليه، ويجاهد في سبيله، فحينها ينصره الله .
стр. 859
ملمح من إعجاز القرآن في ذكر حقائق البحار
ذكر لنا الله من آياته العظيمة فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٥٣]، ومثلها قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن:١٩ - ٢٠]، ولفظ البحرين في الآية الأولى لا يحتمل معناه إلا البحر الملح والبحر العذب، أي: البحر والنهر، وإن كانت الآية الثانية في سورة الرحمن: تحتمل الاثنين أي: البحر المالح والعذب، وتحتمل واحداً وهو البحر المالح، يقول الإمام القرطبي: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن:١٩]، أي خلا وخلط، وأرسل، وكلمة (مرج) تأتي بمعنى التراكم، وتأتي بمعنى الإختلاط، وتأتي بمعنى دخول الشيء في الشيء، فيكون معنى قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الفرقان:٥٣]، أي: أرسلهما فأرسل البحر المالح وأرسل البحر العذب الذي هو النهر، ومعنى: خلاه أي: تركه فانطلق النهر إلى أن صب في ماء البحر، وعلى المعنى الثالث ﴿مَرَجَ﴾ [الفرقان:٥٣]، الذي هو خلط، اختلط الاثنان، ولكن سيكون المعنى: اتصالهما لم يجعل البحر يتحول إلى عذب، ولم يجعل ماء النهر يتحول إلى ملح، قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ [الفرقان:٥٣]، وسمي ماء النهر عذباً؛ لأن فيه عذوبة وحلاوة، وفيه فرات فهو شديد العذوبة، ذو طعم جميل، ثم وصف ماء البحر فقال سبحانه: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان:٥٣]، أي: شديد الملوحة، وقد يكون فيه مرارة مع الملوحة التي فيه، فالأول: شديد العذوبة وهذا شديد الملوحة.
وقد حفظ الله سبحانه ماء البحر بأن جعل الملوحة التي فيه تمنعه من التعفن، وحفظ الكائنات التي فيه بما جعل لها فيه من غذاءً، وما يسر له من تنفس، وحفظ ماء النهر بأن أجراه؛ إذ الماء العذب إذا وقف في مكانه ينتن، وجري ماء النهر يجعله عذباً فراتاً لا يتعفن ما دام جارياً، ومن حكمة الله سبحانه ورحمته بعباده أن حفظ لهم المياه بتلك الأوصاف المصاحبة لها، فلعلمه سبحانه أن ماء النهر عرضة للجراثيم، وعرضة للبكتيريا، وعرضة للأشياء التي تقع فيه، فقد حفظه الله بالجريان، فإنه ما دام جارياً لا يتعفن؛ لأنه متغير دائماً، والنهر من المعلوم أنه عندما يصب في البحر، وعندما يصب في البحر يتبخر بفعل حرارة الشمس إلى السماء، ثم تدفعه وتحركه الرياح إلى مصب النهر، فإذا نزل المطر في أول النهر جرى النهر ليصب في البحر وهكذا تستمر دورة بين الأرض والسماء، يحفظ الله العباد بهذه المياه وهذه الأمطار، كما يحفظ الله العيون في الآبار بهذه الصورة، إذ أن ماء العيون نابع من مياه جوفية داخلية، وقد جعل الله المياه الجوفية على بعد كبير من سطح الأرض، بحيث تكون بعيدة عن نزول الجراثيم إليها، وبذلك يحفظها الله في جوف الأرض، وهذا من آيات الله العظيمة سبحانه، قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الفرقان:٥٣]، أي: أرسل البحرين أو جعلهما يضطربان فيختلطان، ومنها أمر مريج، قال تعالى: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:٥]، أي: أمر مختلط مضطرب، وفي حديث النبي ﷺ : (إذا رأيت الناس مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا ثم شبك بين أصابعه صلوات الله وسلامه عليه، فقال له عبد الله بن عمرو بن العاص: كيف أصنع جعلني الله فداك؟ قال: الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة).
فقوله في الحديث: (إذا رأيت الناس مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم)، أي: صار الناس أهل منكر، ولم تقدر على تغيير هذا المنكر الذي من علاماته: أن تبقى العهود كثيرة مختلطة مضطربة، لا يفي أصحاب العهود بشيء منها، وقوله: (خفت أماناتهم)، أي: كثرت فيهم الخيانات، والمعنى: إذا رأيت الناس على هذا الحال وكانوا مختلطين مضطربين لا رأي يجمعهم، ولا دين يوجههم فابتعد عنهم، ما دمت غير قادر على أن تصلح فيهم شيئاً وتخشى على نفسك أن تتغير معهم، وعجزت عن إصلاحهم، أما إذا كان المؤمن يقدر على الإصلاح فيلزمه أنه يدعو إلى الله لعل الناس يستجيبون له، وفي الحديث (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم).
فقوله في الحديث (مرجت العهود)، أي: اختلطت، وكذلك يكون معنى مرج في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الفرقان:٥٣]، أي: جعلهما يختلطان أو يدخل هذا في ذاك، وهما كما وضعهما سبحانه: قال: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان:٥٣]، فالفرات: شديد الحلاوة أو شديد العذوبة، والأجاج: شديد الملوحة التي فيها مرارة، ثم قال سبحانه: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٥٣]، قال القرطبي في تفسير البرزخ: أي: حاجزاً من قدرته، فلا يغلب أحدهم على صاحبه، و (حجراً محجوراً) قال: أي: ستراً مستوراً يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر، وأمر التقاء البحرين ووجود آخر لم يره الكثير من العرب وخاصة عند نزول هذه الآية، فمن البعد بمكان أن يذهب الناس إلى مصر لينظروا نهر النيل وهو يصب في البحر المتوسط مثلاً، أو غيره من الأنهار وهي تصب في البحار، ولكن الله يخبر عباده بهذه الآيات العظيمة العجيبة في مدلولها، فيقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الفرقان:٥٣]، ولم يذكر بحرين معهودين عند الناس كأن يقول مثلاً: البحر الفلاني والبحر الفلاني، بل الآية عامة في كل بحرين يلتقيان، وخصهما في هذه السورة فقال: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان:٥٣]، وأطلق في سورة الرحمن فقال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن:١٩ - ٢٠]، فاحتمل البحر الملح والبحر العذب، واحتمل البحران المالحان.
стр. 860
العلماء المتخصصون يؤكدون سبق القرآن
يقول العلماء المتخصصون في البحار: علم البحار لم يستقر كعلم حقيقي إلا في سنة ألف وثمانمائة وثلاثة وسبعين، أي: بعد اثني عشر قرناً من النبي ﷺ أو نحوها، يقول العلماء: في هذه السنة خرجت سفينة اسمها: (تشالنجر) وطافت حول البحار ثلاثة أعوام للدراسة، وكان هذا أول ما حدث في دراسات البحار فبدأت تدرس مياه البحار ومياه المحيطات ومياه الأنهار، ويدرس التقاء هذه بتلك والكائنات الموجودة هنا، والكائنات الموجودة هناك ودرجة الكثافة في مياه كل منها، ودرجة الملوحة ودرجة العذوبة، وما الذي يحدث إذا التقى البحر بالمحيط؟ أو التقى البحر ببحر آخر؟ أو التقى النهر بالبحر؟ وظلوا ثلاث سنوات يؤسسون علوم البحار.
وكان في هذه الباخرة أول هيئة علمية بينت أن البحار المالحة تختلف في تركيب مياهها، وأن البحار المالحة حين تلتقي لا تختلط مياهها، فماء البحر له خصائص معينة وماء المحيط لها خصائص أخرى، وإن كانا مالحين: فإن ملوحة الأول بدرجة معينة وملوحة الثاني بدرجة معينة، كما أن في البحر كائنات حية ليست موجودة في المحيط، وفي المحيط كائنات لا تعيش في البحر، كذلك الماء العذب مع الماء المالح، فإن لكل منهما كائنات حية وأسماك تعيش بداخله لا تستطيع أن تعيش في الآخر، والأعجب من ذلك أن البرزخ: وهو المنطقة التي يلتقي فيها ماء البحر مع ماء النهر، يقولون: كأن حاجزاً يحجز هذه المنطقة عن غيرها فلها كائنات حية تعيش فيها فقط فإذا خرجت منها إلى ماء النهر أو ماء البحر تموت، فإنها لا تعيش إلا في هذا البرزخ الذي قال عنه الله سبحانه: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٥٣]، أي: مانعاً ممنوعاً فالداخل فيه ممنوع من الخروج منه؛ لأنه حين يخرج منه يموت.
يقول العلماء: بينت هذه الباخرة بعد الدراسات أن البحار المالحة تختلف في تركيب مياهها، ولقد أقاموا محطات ثم قاسوا النتائج من هذه المحطات ووجدوا أن البحار المالحة تختلف فيها الحرارة والكثافة، والأحياء المائية، وقابلية ذوبان الأكسجين، وفي سنة ألف وتسعمائة واثنين وأربعين، ظهرت لأول مرة نتيجة أبحاث طويلة جاءت بعد أن قامت مئات المحطات البحرية بدراسة البحار والمحيطات والأنهار، حيث وضع في كل محطة هيئة علمية مؤهلة للدراسة والبحث، وكان خلاصة هذه الأبحاث أنهم توصلوا إلى أن مياه البحار مختلفة عن بعضها فكل بحر له خصائصه التي يختلف بها عن المحيط، والمحيط له خصائصه التي يختلف بها عن منطقة التقاء البحر بالمحيط، وأنهما برغم اختلاطهما لا يغير واحد منهما الآخر.
стр. 861
القرآن يشير إلى حقيقة يجهلها المفسرون
كما وجد العلماء مصداق قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:١٩ - ٢٢]، فمن المعلوم عند العرب أن اللؤلؤ والمرجان لا يخرج إلا من البحر المالح فقط، ولذلك كان المفسرون جميعهم عندما يتكلمون عن هذه الآية يقولون: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن:١٩]، أي: العذب والمالح، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ [الرحمن:٢٢]، قالوا أي: من أحدهما الذي هو المالح فقط؛ لأن العرب لم يكونوا يعرفوا لؤلؤاً ومرجاناً يخرج إلا من البحر المالح فقط، لكن هذه الدراسات أثبتت أن اللؤلؤ والمرجان يخرج من البحر العذب أيضاً، فقد وجدوا ذلك في نجلترا، واستراليا، وأمريكا، وهي أماكن بعيدة جداً عن العرب لا يعرفها النبي ﷺ ، ومع ذلك ذكر القرآن في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ [الرحمن:٢٢]، أن اللؤلؤ والمرجان يخرجان من كلا البحرين، فيخرجان من البحر الملح ومن البحر العذب، ولما كان المفسرون يعلمون ذلك فقد قالوا: يخرجان من البحر المالح فقط، وقالوا: إن الآية وإن جاءت على هيئة العموم في البحرين إلا أن المقصود بها الخصوص، ولكن العلماء الآن يقولون: بل يخرج اللؤلؤ والمرجان من البحر العذب كما يخرج من المالح، وصدق الله العظيم حين يخبرنا بذلك قبل ألف وأربعمائة عام فيقول: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٩ - ٢١]، أي: بأي نعمة من نعم الله تكذبون أيها الإنس! وأيها الجان؟! ثم يقول: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٢٢]، وهنا في آية الفرقان: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ [الفرقان:٥٣]، فالبرزخ: المنطقة الحاجزة بين البحرين، وهي منطقة الالتقاء، والأعجب من ذلك وجود مياه جوفية عذبة تحت المحيط وتحت البحر، فإنها عندما تنفجر تلك المياه العذبة من تحت البحر يقوم أهل هذا المكان فيخرجوا من قلب مياه البحار مياه عذبة، وذكروا أن هناك حسبة يعرف بها مكان خروج المياه العذبة، كما ذكروا أيضاً: أنه برزخ مائي وفاصل مائي يفصل بين كل بحرين يلتقيان في مكان واحد سواء في محيط أو في بحر، وتمكنوا من معرفة هذا الفاصل وتحديد ماهية هذا الفاصل، وقالوا: إن هذه المياه العذبة التي تنفجر من داخل البحار أحياناً قد يحدد عمقها، إذ يحسبون ارتفاع البر عن البحر ثم يضربون المسافة الأولى في أربعين فينتج سمك هذه المياه، على أن هذه المياه تظل عذبة محتفظة بخصائصها وإن كانت خارجة من قلب البحر، ويستفاد من هذه المياه العذبة للشرب، (بينهما برزخ لا يبغيان)، فلا يطغى ماء البحر فيملح هذه المياه الجوفية، ولا هذه المياه تستطيع تغيير مياه البحر، وبذلك جعلها رحمة للعالمين.
стр. 862
تفسير سورة الفرقان [٥٣ - ٥٧]
آيات الله الدالة على عظمته وقدرته وحكمته لا نهاية لها ولا حد، ففي البر آيات يعجز المرء عن حصرها، وفي البحر أكثر وأكثر، وليس الأمر كذلك فحسب؛ بل إن شاهد صدق النبي ﷺ جلي لكل بصير، متفتق لكل عالم، فحديثه عن البحر بهذه الدقة التي عجز العلماء عن إدراكها في زمنهم يشهد بصدق النبي ﷺ ، فعجباً لمن يعرف هذه الآيات ثم يعبد غير الله!
стр. 863
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي مرج البحرين)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة الفرقان: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٥٣ - ٥٧].
يخبرنا الله في هذه الآيات عن بديع خلقه وكمال قدرته سبحانه، فيقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٥٣] فذكر في هذه الآية أنه مرج البحرين، ((وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ))، والمرج بمعنى: اختلاط الشيء بالشيء الآخر، وهنا المقصد منه: إدخال هذا في ذاك من غير أن يختلط حقيقة، فماء البحر بما فيه من ملوحة، وماء النهر بما فيه من حلاوة وعذوبة لا يختلطان بحيث يطغى أحدهما بصفاته على الآخر؛ لأن الله جعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً، وتقدم أن للفظ: مرج عدة معان، فهو يأتي بمعنى: أرسل، وبمعنى: خلّى سبيله، وبمعنى: خلط، والمراد منه هنا: أدخل النهر فصب في البحر وتميز الماءان كل منهما عن الآخر، بل وكذلك قد تخرج مياه جوفية من قلب البحر أو قلب المحيط وتظل محتفظة بخصائص المياه العذبة، ولا تختلط بماء البحر ولا بماء المحيط مع أنها تنبع من جوفها، وهذه آية عظيمة على قدرته سبحانه.
ومن آياته العظيمة ونعمه العميمة التي امتن بها على عباده في البحر ما ذكره سبحانه في سورة فاطر: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر:١٢]، فجعل لنا من فضله سبحانه في هذه المياه عذبها ومالحها اللحم الطري، قال النبي ﷺ : (هو الطهور ماءه الحل ميتته)، فيأكل المرء مما خلق الله في هذا البحر لحماً طرياً وليس ذلك فحسب، بل ويستخرج منه حلية يلبسها ويتزين بها، وذكرت الآية أن الحلي يستخرج من كليهما، ومعلوم أن العرب لم يكونوا يعرفون أن الحلية تستخرج إلا من البحر المالح فحسب، أما البحر العذب أو ماء النهر؛ فإنهم ما كانوا يعرفون أنه يستخرج منه لؤلؤ ومرجان وحلي، فجاء العلم بعد ذلك ليثبت للناس صدق ما قاله الله سبحانه، حين استخرجوا من مياه الأنهار اللؤلؤ والمرجان وغير ذلك من الحلي.
قوله : ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾، والبرزخ: هو المكان الذي يتوسط البحرين، ومنه مرحلة البرزخ في القبر؛ لأنها وسط بين الدنيا والآخرة، فالعباد لهم في الدنيا خصائص منها: أنهم أحياء روحاً وجسداً، وفي القبور مرحلة أخرى ينفصل فيها الجسد عن الروح حيث تذهب الروح إلى مستقرها إما في عليين وإما في سجين، وأما الجسد فهو في القبر، ويجعل الله ما يأتي عليه من نعيم أو عذاب بما يشاء سبحانه، ثم تتبعها مرحلة ثالثة وهي مرحلة الدار الآخرة، وفيها ترجع الأرواح إلى الأجساد على هيئة أخرى غير التي كانت عليه في هذه الدنيا، إذ أنها في الدنيا كانت على الهيئة التي تفنى فيها، أما يوم القيامة فتكون على الهيئة التي تبقى، ولتخلد إما في الجنة وإما في النار، فكان القبر برزخاً أي وسطاً بين الدنيا والآخرة، وكذلك البرزخ الذي يتوسط البحر والنهر، فمع أن النهر يصب في البحر، إلا أن برزخاً يتوسط عند التقاء المائين يمنع من اختلاطهما، بل ويتميز عنهما بخصائص تجعله مخالفاً للبحر المالح والنهر العذب، كما تعيش فيه كائنات منفردة لا يمكنها العيش إلا فيه، قال تعالى: ((وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا)) [الفرقان:٥٣]، والحجر بمعنى: المانع، ولذلك سمي العقل بالحجر؛ لأنه يمنع الإنسان من الخطأ والخطر والإثم والتعدي، وكما أن للإنسان حجر، فإن البرزخ كذلك، فيكون معنى: وحجراً محجوراً أي: مانعاً يحرم الدخول فيه والخروج منه إلا بإذن الله ، فلا يختلط ماء البحر بحيث يغير ماء النهر الذي يصب فيه ولا العكس، فقد منع الله بهذا البرزخ أن يختلط أحدهما بالآخر فيتغير ماء البحر أو ماء النهر، وعن الكائنات التي تعيش في المكان، يقول علماء البحار بعد دراسات دامت سنين طويلة: إن هذا البرزخ يمنع الكائنات التي في ماء البحر أن تدخل ماء النهر والعكس كذلك، كما أن في منطقة البرزخ نفسها كائنات كأنها محجور عليها في هذا المكان، فلا تخرج منه.
стр. 864
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشراً)
لما أرانا الله بديع قدرته في المياه المالحة والعذبة والبرزخ الذي يتوسطهما وما فيه من كائنات، أرانا من بديع ما خلقه في الإنسان، فقال معقباً بعد ذكر الماء الذي يعد أساس الكائنات، فهذه البحار مياه وهذه الأنهار مياه، وما فيها من كائنات مخلوقة من الماء، وكذلك الإنسان الذي يعيش على البر مخلوق من الماء.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان:٥٤] خلق الله الإنسان من ماء، وجعل أكثر ما يتركب منه الإنسان الماء، فقوله: (خلق من الماء) أي: من نطفة من ماء مهين، فجعل من هذه النطفة إنساناً، وجعل النسب، وجعل الصهر، والمراد بالنسب: هم من ينتسب إليهم الإنسان من أقربائه، فكأن النسب الأقرباء: الأب؛ الأم؛ الأخ؛ الأخت؛ الابن؛ البنت؛ الأحفاد؛ الأجداد؛ الأعمام؛ ومن الخطأ لغة وشرعاً ما نقوله عن الأنساب أنهم أقارب الزوجة، أو أقارب الزوج، والصحيح: أنهم الأصهار، والأصهار من المصاهرة، أي: كأنهم صهار، وكأن شيئين متباعدين اختلطا فانصهر أحدهما في الآخر، ومثله ما يقع في صهر المعادن، حيث يؤتى بمعدنين ثم يذابا ويخلط أحدهما بالآخر، ومنه يعلم أن الله قد جعل النسب شيئاً والصهر شيئاً آخر، فخلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً.
يقول العلماء: إن الصهر يعني: الذي يحل نكاحهم، وأما النسب فيعني: الذين لا يحل نكاحهم، وقالوا أيضاً: اشتقاق الصهر من صهر الشيء بمعنى: خلطه، فالناس يتزوجون بينهم فيختلط الماءان من هذا ومن ذاك، ويأتي النسب بعد ذلك من الأبناء، حيث ينسبان إلى الأب وإلى الأم.
ويقال في أقارب الزوجة: أختان، ويقال في أقارب الزوج بالنسبة للزوجة: أحماء، مفردها: حمو، فيطلق الحمو على أخي الزوج وأبيه، وما يتبعهم من أقارب الزوج، والأختان والأحماء هم الأصهار، فيدخل تحت الأصهار الأحماء ويدخل تحتها الأختان، وبذلك يُعلم أن الله خلق الإنسان وجعل له النسب وجعل له المصاهرة، وذكر الله المحرمات من النسب والمصاهرة والرضاعة في سورة النساء فقال: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢]، ثم ذكر المحرمات من النسب فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء:٢٣]، فذكر سبعاً من النسب، ثم قال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣]، فذكر اثنين من الرضاعة، إذ هما ملحقان بالنسب، ثم ذكر بعد ذلك المصاهرة فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ * وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء:٢٢ - ٢٣]، وذكر قبل ذلك: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٢]، فذكر من المحرمات بالمصاهرة أصنافاً أربعة.
فقد جعل الله الإنسان آية من آياته حيث خلقه من ماء مهين، فجعل النطفة من الرجل، وجعل من المرأة ما يتم خلق الإنسان به، وهي البويضة، ثم جعل الله النسب والصهر من ذلك، وهذا من كمال قدرته وحكمته سبحانه، قال سبحانه: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ فعبر بكان التي تفيد المضي، ولكن في هذا الموضع تفيد: الماضي، والحاضر، والاستقبال، وهي الأداة الوحيدة التي تدل على ذلك في مثل هذا المعنى، ولذلك كثيراً ما يسند الله صفاته إلى الفعل كان، كقوله سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٩٦]، وكان من الأزل، وهو الآن كذلك، ولا يزال كذلك إلى الأبد سبحانه، وبذلك عُلم أن كلمة كان هنا لا تفيد الماضي فقط، ولكن تفيد الاستمرارية من الماضي إلى الأمد البعيد وإلى ما لا نهاية، فقوله: (كان الله خبيراً بصيراً)، وقوله: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان:٥٤]، يدلان على أنه قادر على كل شيء، ولم يزل كذلك ولا يزال كذلك، فالله قادر على أن يخلقَ وعلى أن يرزق، وعلى كل شيء .
стр. 865
تفسير قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم)
لما ذكر الله الآيات التي تدل على قدرته في خلقه سبحانه، وبين كيف يخلق لنا أشياء في غاية الكمال والجمال والإبداع، أخذ يذكر أن الإنسان وبالرغم مما يرى من آيات الله الباهرة يكفر ويعبد غير الله ، قال سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ﴾ [الفرقان:٥٥]، فقوله: (ويعبدون من دون الله) أي: أن كل ما سوى الله فهو دون، فكل من يعبد من دون الله أو من الذين هم غير الله لا ينفعون ولا يضرون لا أنفسهم ولا غيرهم، قال تعالى: ﴿مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ﴾ [الفرقان:٥٥]، وفي هذا الموضع قدم النفع على الضر وفي غيره من المواضع يقدم الضر على النفع، وهم لا يملكون لا هذا ولا ذاك، إذ الإنسان لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، إلا أن يشاء الله سبحانه فيقدره على ذلك، وفي قوله: (مالا ينفعهم ولا يضرهم) تعريض أنهم يعبدون أصناماً وأوثاناً لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً، ثم قال: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان:٥٥]، أي: أن الكافر يعين غيره من الكفار على هدم دين الله ، والمظاهرة بمعنى: التقوية، والمعنى: يقوي الكافر غيره من الكفار على عصيان الله ، ومن يظاهر على المعصية يظاهر على هدم دين الله سبحانه، ويقوي الشيطان فيما هو فيه من عناد واستكبار ويعينه على المسلمين، قال سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان:٥٥].
قال ابن عباس ﵄: الكافر هنا: أبو جهل لعنه الله، والمعنى: أن أبا جهل كان يستظهر بعبادة الأوثان على أولياء الله ، وهذه الآية وإن كان سبب نزولها هو أبو جهل، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن الله قال: (وكان الكافر)، فاللام في لفظ الكافر للجنس وهي من ألفاظ العموم، ولذا فكل كافر على ذلك، فهو لا يحب المسلم ولن يرضى عنه حتى يدخل المسلم في دين هذا الكافر، فتلك إعانته الكفار والشيطان على أولياء الله .
قوله: ((عَلَى رَبِّهِ))، أي: على الله ، والمعنى: يظاهر على هدم دينه ، وقيل: بل الكافر هو إبليس، ولكن العبرة بالعموم، فعموم الكفار يعين بعضهم بعضاً على هدم دين الله سبحانه.
يقول الحسن في معنى (ظهيراً) أي: معيناً للشيطان على المعاصي من المظاهرة وهي: التقوية والإعانة.
هذا معنى من المعاني، والمعنى الآخر لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان:٥٥]، أن الظهير مأخوذ من الظهر، نقول: ألقيت الشيء ورائي ظهرية، أي: لم ألتفت إليه، ومعنى: (على ربه) أي: عند ربه، والمعنى: كان مقام الكافر عند ربه مقام الذل والمهانة لا قيمة له، ولذلك يلقيه الله في نار جهنم وأمثاله، ويذكر عنهم أنه يجعلهم كالمنفيين في نارهم، قال سبحانه: ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية:٣٤]، وليس المعنى أن الله ينسى، فالله لا ينسى شيئاً سبحانه، وقوله: ((نَنسَاكُمْ)) بمعنى: نعاملكم معاملة المنسيين فنقذفكم في نار جهنم كالمنفيين، فأنتم مطرودون من رحمة الله لا نأبه بكم، وقد ذكر الله في آيات أخر أنهم يصرخون وينادون فلا يغاثون ولا يجيبهم ربهم سبحانه، ومثل النسيان ما دل من الآيات على أن الله لا ينظر، والمعنى: لا ينظر إليهم بنظر رحمة ، إذ الله يبصر كل شيء ويرى كل شيء سبحانه.
والقول الثالث في معنى قوله تعالى: ((وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا)) قالوا: بمعنى مظهور، أي: أن كفر الكافرين هين على الله ، فالله لا يأبه بكفرهم شيئاً، فهو الغني سبحانه وهو القدير، فلا يضرون ربهم شيئاً وإنما يضرون أنفسهم.
стр. 866
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً)
أخبر الله نبيه بمهمته الذي كلف بها فقال له صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفرقان:٥٦]، أي: وظيفتك يا محمد! البشارة والنذارة فحسب، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران:١٤٤]، فوظيفة النبي ﷺ في هذه الدنيا أنه رسول رب العالمين ﵊، والرسول: هو صاحب الرسالة أو موصلها، فالنبي ﷺ جاءته رسالة من عند رب العالمين ليوصلها إلى الخلق، فأداها بأمانة صلوات الله وسلامه عليه كما أمره ربه حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧]، أي: أنك إن تهاونت في شيء من رسالة الله ، فكأنك تهاونت بالجميع ولم تبلغ هذه الرسالة، وقد بلغ رسالة ربه سبحانه وأشهد الناس على ذلك وقال لهم: (ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم! قال: اللهم فاشهد)، فأشهد ربه سبحانه أنه بلغ الخلق هذه الرسالة التي مقتضاها تبشير من يطيع الله بالجنة، وبذلك سمي مبشراً ﵊، وهو منذر يخبرهم ويتوعدهم بالنار إذا عصوا ربهم سبحانه، فمعنى الآية: وما أرسلناك إلا مبشراً للمؤمنين ومنذراً للكافرين والعصاة.
стр. 867
تفسير قوله تعالى: (قل ما أسألكم عليه من أجر)
قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٥٧]، ينفي النبي ﷺ أن يطلب أجرة على تبليغ هذه الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، فهو مبلغ لرسالة ربه سبحانه، ورزقه على ربه ، وقوله: ((مِنْ أَجْرٍ))، نفي أن يسألهم النبي ﷺ شيئاً من الأجر مهما كان يسيراً، ((إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا))، وهذا استثناء منقطع، أي: غير متعلق بما قبله، فالمعنى: ما أسألكم عليه من أجر، ولكن الذي أطلبه منكم أن تطيعوا الله ، وأن تتخذوا إليه السبيل باتباع هذا الدين.
وقوله في الآية الأخرى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣]، استثناء منقطع أيضاً، والمعنى: لا أطلب شيئاً من أموالكم ولكن الذي أطلبه منكم أن تراعوا قرابتي، فأنتم الأقربون، فبدلاً من أن تعينونني على هذه الدعوة تعادونني؟! فغاية ما أطلب منكم أن تراعوا ما بيني وبينكم من المودة فتتركونني أبلغ رسالة ربي سبحانه ولا أطلب أموالكم، وقد عرضوا عليه صلوات الله وسلامه عليه أن يعطوه من الأموال ما يشاء، أو يملكوه عليهم، أو يزوجوه خير نسائهم، فأبى إلا أن يراعوا قرابته وأن يطيعوا الله ، فإن لم يفعلوا فليكفوا شرهم عنه حتى يبلغ دين ربه، وبلغ صلوات الله وسلامه عليه دين الله سبحانه حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً.
стр. 868
تفسير سورة الفرقان [٦٠ - ٦١]
آيات الله الكونية كثيرة، وكلها تدعو لعبادته والسجود له سبحانه، ومن هذه الآيات: النجوم التي في السماء والشمس والقمر، ومنها: اختلاف الليل والنهار، وقد جعلها الله خلفة لمن أراد أن يتذكر فيهما ويشكر الله في أوقاتهما.
стр. 869
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الفرقان: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا * تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٠ - ٦٢].
في هذه الآيات من سورة الفرقان يخبرنا ربنا عن كفر المشركين وتعنتهم مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد علموا أنه رسول رب العالمين صلوات الله وسلامه عليه، ولكن دفعتهم العصبية والجاهلية إلى أن يعاندوا النبي ﷺ ولا يستجيبوا له، يقول الله عن هؤلاء أنهم إذا قيل لهم: اسجدوا للرحمن، اسجدوا لله سبحانه، والرحمن: اسم من أسمائه ، أي: ذو الرحمة العظيمة الواسعة ، والرحمن والرحيم صفتان على وزن المبالغة، فالرحمن على وزن فعلان، والرحيم على وزن فعيل، فالرحمن ذو الرحمة بجميع خلقه المؤمنين والكافرين، فرحمة الله عظيمة واسعة، فمن رحمته أن أنزل الكتب لهداية الخلق جميعهم، وأرسل الرسل لهداية الناس إلى دين رب العالمين، فهو الرحمن سبحانه، ورحمته واسعة عظيمة، يرزق المؤمن ويرزق الكافر، يعطي هذا ويعطي ذاك ، والرحيم ذو الرحمة العظيمة المختصة بالمؤمنين، ولذلك يقول: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]، فهو رحمن رحيم.
فإذا قيل لهؤلاء الكافرين: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:٦٠]، يعني: أي شيء هذا؟ ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان:٦٠]، يعني: هل نعمل بما تأمرنا به؟ ويتعنتون معه صلوات الله وسلامه عليه، ويتهمونه بأنه ينهاهم عن الشرك وأنه يقع فيه بحجج غبية تليق بأمثال هؤلاء الذين وصفهم الله بقوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤]، فيقولون: يأمرنا بالتوحيد وينهانا أن نشرك وهو يقول: الله الرحمن، فهو يشرك وينهانا عن الشرك! وحاشا له صلوات الله وسلامه عليه أن يقع في الشرك، ولكن غباء المشركين يدفعهم لهذا القول، مع أن الرجل منهم له اسم، وله كنية، وله لقب، ولم يقولوا: إنه ثلاثة بل هو واحد عندهم، فما الذي جعل ذلك واحداً عندهم وفهموا أن النبي ﷺ بزعمهم يشرك بالله سبحانه؟! فالله سبحانه الواحد، وهذه أسماؤه وصفاته لا شريك له.
فإذا قيل لهؤلاء الكفرة: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٦٠]، أبوا ورفضوا وعاندوا وقالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان:٦٠]، يخاطبونه ﷺ ، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة حمزة والكسائي: (أنسجد لما يأمرنا) بالغيب، وكأنهم يخاطبون بعضهم بعضاً: هل ننفذ ما يأمرنا به هذا الرجل ونسجد لما يأمرنا؟ ثم يكذبون ويقولون: إنه يعلمه رجل في اليمامة اسمه الرحمن! فيكذبون على النبي ﷺ ويكذبون على الله سبحانه، قال الله سبحانه: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] يعني: لا يعتقدون أنك كذاب في أنفسهم، وهم الذين لقبوه بالصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه، ولكنهم يجحدون بآيات الله، والجحد أن يجحد الإنسان الشيء وينكره وهو يعلم وجوده، فهذا جاحد، وهو أشد من الكاذب.
يقول الله سبحانه: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان:٦٠]، يعني: زادهم أمر النبي ﷺ لهم بأن يسجدوا لله سبحانه، وأن يطيعوا، وأن يخضعوا، وأن يصلوا لله ويسجدوا؛ زادهم هذا الأمر نفوراً وابتعاداً عن طاعة الله ، وبعداً عن الدين.
стр. 870
تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي جعل في السماء بروجاً)
قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان:٦١].
فقوله: ﴿تَبَارَكَ﴾ [الفرقان:٦١]، أي: كثرت بركته، وكثر خيره، وتمجد وتعالى سبحانه، ﴿الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان:٦١]، يعني: جعل في السماء النجوم والكواكب والمجرات، وفيها خلق لله سبحانه أعظم من هذا الإنسان الضعيف، وهذه الكائنات التي خلقها الله سبحانه تسجد له، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، فتبارك الله سبحانه الذي جعل في السماء بروجاً وهي منازل النجوم، ومنازل الكواكب.
﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ [الفرقان:٦١]، وهي الشمس، ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان:٦١]، وهذه قراءة الجمهور: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ [الفرقان:٦١] على التوحيد ومعناها: الشمس، وقراءة حمزة والكسائي وخلف: (وجعل فيها سُرُجاً وقمراً منيراً) فليست شمساً واحدة ولكن شموس، ولكنكم لا ترون كل هذه الشموس التي خلقها الله ، فالله جعل شموساً وجعل أقماراً، وجعل مجرات فيها كواكب ونجوم وشموس، وجعل فيها ما يشاء من خلقه ، فتبارك الله الذي جعل هذه الأشياء تسجد له، وتطيعه ولا تعصي الله أبداً، ولكن المشرك ينفر من طاعة الله سبحانه، ويأبى ويرفض! هذا الكون كله يطيع ربنا سبحانه، فلما ذكر الله أن الكافر أعرض ونفر وبعد عن الطاعة؛ ذكر أن الشمس والقمر والبروج كلها تطيع رب العالمين ، فتبارك الله الذي جعل خلقه يطيعونه كما يشاء سبحانه، وإذا أبى الإنسان فقد قال لنا ربنا سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:١٨]، يعني: الكثير يدخلون في دين الله ، وكثيرون آخرون لا يدخلون في دين الله ويعصون ربهم سبحانه، فالمؤمنون أطاعوا الله مع باقي خلق الله سبحانه، فصار الكون موافقاً في طاعة الله سبحانه، والمؤمن مع هذا الكون المطيع، فانظر المؤمن يسجد لله، والشمس والقمر والجبال والنجوم والبحار والأشجار كل شيء يسجد لله سبحانه ويطيعه وينفذ أمره .
قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان:٦١]، والبرج هو: المنزل الذي ينزل فيه القمر، وتنزل الشمس في هذه المنزلة في كل ثلاثة عشر يوماً، فهذه منازل الشمس ومنازل القمر.
قال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان:٦١]، وصف القمر بأنه منير، وما قال: وقمراً مضيئاً، وفرق بين الإنارة والإضاءة: فالإضاءة تحتاج إلى إشعال وفيها احتراق، وفيها نار، أما الإنارة فلا تحتاج إلى ذلك، فالشمس تضيء والقمر ينير، فالقمر مظلم ولكن ضوء الشمس ينير الأرض ويضيء القمر؛ ولذلك قال الله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء:١٢]، فالله جعل الليل آية، وجعل النهار آية، وجعل آية النهار الشمس ترونها، وجعل آية الليل القمر، قال: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:١٢]، يعني محا من القمر نوره، وعلماء الفلك يقولون: كان القمر يوماً من الأيام مشتعلاً متوهجاً كالشمس، قالوا ذلك الآن، وقالها قبلهم ابن عباس قبل ألف وأربعمائة سنة، قال ذلك مفسراً هذه الآية يقول: كان القمر مضيئاً كالشمس فمحا الله النور الذي كان فيه، قال الله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:١٢]، بينة مضيئة يراها كل ذي عينين، وقال النبي ﷺ : (الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته)، فهما يسجدان لله سبحانه، ويطيعان الله ، فالشمس والقمر والمجرة وأصغر الأشياء وأكبر الأشياء وكل المخلوقات تطيع ربها سبحانه، والإنسان الكافر يطيع الله إذا أجبره الله بقضائه وقدره، وإذا جاء الاختيار فكثيرون يطيعون، وكثيرون يعصون الله سبحانه، ولن يفروا من قضائه وقدره ، وقد ذكر الله طاعة الشمس والقمر بعد ذكر نفور هؤلاء ليبين طاعة الكائنات لله سبحانه، فكل شيء في الكون يطيع ربه ويصرفه كما يشاء، والذي ينظر في آيات الله وفي علم الفلك وما يذكره العلماء في ذلك يعلم أن منظومة الكون كلها على نظام وقانون سنه الله لها لا تشذ عنه أبداً، ويوافقها في ذلك المؤمنون فقط، فالمؤمن يطيع الله ويسجد لله مختاراً طائعاً مريداً لذلك، والشمس والقمر والنجوم والأفلاك وكل شيء يجري لمستقر له إلى قضائه وقدره الذي يقدره الله ، وتجد الأرض تدور ولا تخرج عن مدارها أبداً، ولا تغير اتجاهها أبداً، وتدور من الشمال إلى اليمين عكس عقارب الساعة، والشمس كذلك تجري، والأرض تدور على الشمس بهذه الطريقة عكس عقارب الساعة، والمجموعة الشمسية كلها تدور حول نفسها وحول المجرة بنفس هذه الطريقة، والمجرة نفسها تدور في الكون بنفس هذه الطريقة، منظومة عجيبة جداً! كل الكون من أكبر شيء إلى أصغر شيء حتى الذرة الصغيرة لها نواة حولها الإلكترونات تدور حولها عكس عقارب الساعة من الشمال إلى اليمين، مثل المجرة تدور بهذه الطريقة من الشمال إلى اليمين عكس عقارب الساعة، ويوافقهم في هذا الدوران المسلمون وهم يطوفون حول الكعبة، فهم يدورون عكس عقارب الساعة! قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤].
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 871
تفسير سورة الفرقان [٦١ - ٦٣]
من عجيب أمر القرآن أنه دائماً يلفت المسلم إلى النظر في الكون، والتأمل فيه، واستلهام عظمة الله فيه، والعبد حين يفعل ذلك لا يملك إلا التسليم والخضوع، والسير على هدى رب العالمين، متصفاً بجميل الخلال ومحاسن العادات.
стр. 872
تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي جعل في السماء بروجاً)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا * وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦١ - ٦٣].
يخبرنا الله في هذه الآيات عن كمال قدرته وعظيم شأنه فيقول سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان:٦١]، فبعد أن ذكر أن الكفار إذا قيل لهم: اسجدوا للرحمن، أبوا ونفروا وازدادوا نفوراً وبعداً عن طاعة الله سبحانه، قال سبحانه عن ذلك: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان:٦٠]، قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان:٦١]، فالله هو العلي المتعالي العظيم الذي خيره عظيم جليل، ومعنى: تبارك، أي: كثرة بركته وكثر خيره ، فقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان:٦١]، البروج: منازل الشمس ومنازل القمر، وقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان:٦١]، سراجاً أي: شمساً.
стр. 873
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة)
قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢]، إن من آيات الله سبحانه أن جعل الليل لباساً، والنوم سباتاً، وجعل النهار نشوراً، فجعل الليل ساتراً للعباد، وجعله وقتاً للنوم يستريحون فيه، وجعله مع النهار خلفة، أي: يخلف أحدهم الآخر، فيذهب الليل ويأتي النهار، ويذهب النهار ويأتي الليل، قال: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان:٦٢]، أي: لمن أراد أن يتذكر، وفي قوله سبحانه: ﴿خِلْفَةً﴾ [الفرقان:٦٢] معان: أحدها: يخلف أحدهما الآخر، والثاني: يخالف أحدهما الآخر، فالليل مظلم، والنهار مضيء، والليل يطول، والنهار يقصر، والليل يقصر، والنهار يطول، فأحدهما يختلف مع الآخر زيادة ونقصان، ويتعاقبان دواليك ليلاً فنهاراً وهكذا، وهذه آية من آيات الله ، وحركة الليل والنهار ناتجة عن حركة الأرض التي تدور حول نفسها، فالسطح المقابل للشمس يكون منيراً، وغير المقابل للشمس يكون مظلماً، ولا يزال دوران الأرض حتى يأتي أمر الله ، والأرض كذلك تدور حول الشمس في مسار قدره الله ، وقد تقدم أن كل شيء يتحرك ويدور يحركه الله في مسار وبكتاب، فكل شيء عنده بحسبان ، وكل شيء عنده بمقدار.
وفي قوله سبحانه: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان:٦٢] قراءات، فهذه قراءة الجمهور، وقراءة حمزة وخلف ((لمن أراد أن يتذكر))، فيذكر من الذكر، وهو خلاف النسيان، أما التذكر، فهو من العظة، فالإنسان حين يرى ذلك يذكر الله ويتعظ بهذه الآيات.
وتخالف الليل والنهار كما أنه آية من آياته الباهرة فهو كذلك نعمة من نعمه الغامرة، إذ بدون تخالفهما تستحيل الحياة، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص:٧١ - ٧٢]، فلو شاء الله لجعل الأرض ثابتة في مكانها لا تدور حول نفسها، فيظل السطح المقابل للشمس مضيئاً على الدوام، ويظل السطح المخالف لها مظلماً على الدوام، ولكن الله قلب الليل والنهار ليريكم قدرته وآياته سبحانه، فالله جعل لهذا الكون قوانين بحكمة وقدرة منه، منها: أنك تستطيع أن تعيش فوق هذه الأرض الدائرة الجارية المتحركة وأنت لا تشعر بحركتها، بل أنت فوق الأرض تشعر بحركة النجوم وتشعر بحركة الشمس، وتشعر بحركة القمر ولا تشعر بحركة الأرض التي أنت فوقها، كل ذلك جعله الله لمن أراد أن يذكر فيتعظ ويعتبر، فما عليه إلا أن ينظر في الكون حوله، ويتأمل في كيفية خلق الله سبحانه له، وكيف أن الله أعطى كل شيء قدره.
قوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢]، أي: من أراد أن يتعظ وأراد أن يشكر الله فليتأمل في الآيات، فإنه كلما تأمل آية من آيات الله كلما ازداد شكراً لله وحمداً له على آلائه ونعمه سبحانه، وإجمال ما تقدم: أن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر، فيتذكر نعم الله سبحانه، ويتعظ فيحمد ويديم شكره، فإن فاتك عمل بالليل أدركته بالنهار، وإن فاتك بالنهار أدركته بالليل، ولذلك جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من امرئ تكون له صلاة بالليل فغلبه عليها نوم فيصلي ما بين طلوع الشمس إلى صلاة الظهر، إلا كتب الله له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة)، وهذا من رحمة الله سبحانه بعباده ونعمته عليهم.
جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ وابن عباس والحسن أن تفسير قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان:٦٢]، أي: يخلف هذا ذاك وذاك هذا، فيخلف الليل النهار والنهار الليل، فمن فاته شيء بالليل استدركه بالنهار، ومن فاته شيء بالنهار استدركه بالليل، ويحتجون بهذا الحديث عن النبي ﷺ الدال على أن الذي له قدر من الليل يقومه، ففاته ونام ولم يقم من الليل فأدرك بالنهار في وقت الضحى لله فصلى ما فاته أجزأه عن الليل.
وجاء في صحيح مسلم أيضاً: أن النبي ﷺ قال: (من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل)، وفي الحديث: حث على استدراك النوافل، فمن فاته شيء بالليل أدركه بالنهار، ومن فاته عمل بالنهار من أعمال كان يعملها، كصلاة كان يداوم عليها أو غيرها من الطاعات، أدرك بالليل ما فاته من تطوع النهار.
стр. 874
تفسير قوله تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً)
يذكر الله بعد ذلك صفات عباد الرحمن فيقول: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، قوله: عباد الرحمن: الرحمن اسم من أسمائه وصفة عظيمة من صفاته ، وهو من الأسماء العظيمة التي تمتلئ بالرحمة، لما فيه من المبالغة في رحمة رب العالمين بعباده، وقد أضاف لفظ العباد إلى اسمه فسماهم: عباد الرحمن، فهم عباد له سبحانه، ولكن وصفهم بهذا الوصف العظيم الجليل يدل على أنهم قريبون من رحمة رب العالمين سبحانه، وأنهم مستحقون للرحمة، وعباد الرحمن لهم صفات يتميزون بها عن غيرهم، فهم ليسوا كالكفار حين قيل لهم: اسجدوا للرحمن فنفروا، قال الله عن ذلك: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان:٦٠]، بل هم مؤمنون عرفوا الرحمن وأحبوا ربهم فتقربوا إليه رجاء رحمته، فكانوا على هذه الأخلاق التي يذكرها الله في هذه الآيات الأخيرة من هذه السورة الكريمة.
стр. 875
عباد الرحمن يتشرفون بعبوديتهم لله سبحانه
بعد أن ذكر جهالات المشركين، وطعنهم في القرآن، وطعنهم في نبوة النبي ﷺ ، عقب بذكر عباده المؤمنين فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣]، فأول صفة من صفات عباد الرحمن: أنهم عباد لله ، شرفهم بمقام العبودية، حين حرم غيرهم منه فأصبحوا من الدنائة أضل من الأنعام، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]، فحين عبد الله أقوام وتقربوا إليه فاستحقوا أن ينسبوا إليه، نجد من خرج عن طاعته وعن عبادته فما استحق أن يكون متصفاً بعبوديته لله؛ لأنه صار عبداً لهواه وشيطانه، واستحق أن يوصف أنه كالأنعام بل هم أضل سبيلاً.
стр. 876
عباد الرحمن يتواضعون لغيرهم
ومن صفات عباد الرحمن: أنهم: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣]، والمشي هنا متضمن لمعنى المعيشة، أي: أن هؤلاء يعيشون فوق الأرض في سلام وتؤده وطمأنينة، فسيرهم في تواضع لله وتواضع للخلق، فقوله: ﴿يَمْشُونَ﴾ [الفرقان:٦٣]، عبارة عن عيشهم ومدة حياتهم وتصرفاتهم على الأرض، كما يتضمن انتقالهم من مكان إلى مكان، فإنهم حين ينتقلون ينتقلون وفيهم هذا الخلق العظيم.
قوله: (هوناً)، الهون: مصدر من هان، تقول: هان الشيء يهون، فيمشي هيناً، والمعنى: هانت عليه نفسه؛ لأنه عبد لله ، وما دام عبداً فعلى أي شيء يستكبر فوق الأرض؟! بل حياته في سكينة ووقار، فعباد الرحمن يمشون على الأرض حلماء متواضعين، يمشون في اقتصاد، وتؤدة، وطمأنينة، وحسن سمتٍ، قدوتهم في ذلك النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وليس المعنى: أن المشي يكون بتمهل، إذ صفة المشي ليست داخلة في هذا الشيء، وقد تكون داخلة فيه ولكن ليست الأصل؛ لأن ما ثبت عن النبي ﷺ على خلاف ذلك، فقد ثبت عنه أنه كان يمشي في قوة صلوات الله وسلامه عليه، وكان يمشي كأنما يتقلع، يعني: يرفع رجله ويضعها في قوة ﷺ ، وكان يسرع في المشي ﵊ خلقة لا تكلفاً، أي: لم يكن يتكلف الإسراع من أجل أن يتعب من حوله ولكن خلقة.
يقولون: كان النبي ﷺ إذا زال زال تقلعاً ويخطو تكفؤاً، والتكفؤ: هو الإسراع، وكأنه يندفع إلى الأمام صلوات الله وسلامه عليه، قال: ويمشي هوناً، أي: ليس في مشيته صفة الكبر، أو التعاظم على الخلق، ولكن يمشي في تؤدة صلوات الله وسلامه عليه، فالتؤدة والطمأنينة لا تنافي الإسراع في المشي، ثم قال: ذريع المشية: أي أن خطوته ﷺ واسعة، فهو لا يمشي مشية الشيخ الكبير الضعيف، ولكن مشيته مشية القوي صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال: كأنما ينحط من صبب، أي: أن مشية النبي ﷺ على الأرض، كمشية النازل من فوق جبل، أو من مكان عالٍ.
وجاء عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه كان يسرع في المشي جبلاً لا تكلفاً أيضاً.
وهناك فرق بين إنسان طريقته في المشي الإسراع حين يقضي حوائجه، وبين إنسان يتكلف ذلك، إذ الناظر إلى من يتكلف الإسراع يراه كأنه يجري جرياً، والجري يدل على أنه تكلف لا خلقة، وقد كانت هيئة النبي ﷺ وهو يمشي هيئة فيها سكون وطمأنينة مع إسراع في قضاء حوائجه صلوات الله وسلامه عليه.
قال العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣]: إنما يمشي هوناً العالم بالله سبحانه، الخائف منه سبحانه، العارف بأحكامه، يخشى عذابه وعقوبته.
стр. 877
عباد الرحمن لا يردون السيئة بالسيئة
قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، الصفة الثانية من صفات عباد الله: أنهم إذا خاطبهم الجاهلون، والجاهل: هو الإنسان الشرس، السيئ الخلق، المتعجرف، المتكبر، إذا خاطب هذا الجاهل المؤمن فإنه يقول: سلاماً، أي: يقول قولاً يستدعي المتاركة، وقيل: معنى سلاماً: كما قال تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥]، أي: لن نعاملكم بما تقولون.
وليس معنى ذلك: أن المؤمن يكون ضعيفاً، يفعل به الناس ما يشاءون، ويستهزئون منه وهو يتركهم، ولكن المعنى: أن فيه قوة، فإذا ترك خصمه فإنما يتركه وهو قادر عليه، وليس لكونه مستضعفاً.
ولذلك جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير) فالإنسان المؤمن يتنازل لغيره، ولكن عن قوة وقدرة، وليس ضعفاً وقلة حيلة، بل خوفه من الله يجعله لا يبتدئ بالمصاخبة، وإذا بدئ بها فهو يقول: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥].
قال بعض أهل العلم في تفسير قوله: ﴿سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]: إن سلاماً من التسلم، أي: تسلماً منك، نبرأ من فعلك ولا نفعل بك ما تفعل بنا، فنحن لا نسخط، ولا نجهل، ولا نسب، ولا نشتم، ونتقي الله في كل مسلم، فهو مؤمن قوي، ولكن مع ذلك لا يبدأ بالعدوان، ويدفع بالتي هي أحسن، وكم من إنسان يدفع بالحسنى، فليقي الله في قلب خصمه الحب له، قال الله سبحانه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤].
стр. 878
تفسير سورة الفرقان [٦٣ - ٦٧]
أخبرنا الله في كتابه عن صفات عباده وأوليائه في العديد من سور القرآن الكريم، من أجل أن يتخلق بها المسلم الحق، ويطبقها واقعاً في حياته؛ إذ إن الدين ليس شعاراً وكلمات تقال باللسان فقط، بل لابد أن يصحبه العمل، فليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وقد أخبر الله أن المتصف بهذه الصفات هم عباد الرحمن، أي: هذه هي صفاتهم لمن أراد أن يكون منهم.
стр. 879
تفسير تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة الفرقان: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٣ - ٦٧].
في هذه الآيات من آخر سورة الفرقان يخبرنا الله عن عباد من عباده ذوي صفات عظيمة جميلة اختصهم الله بها، ووصفهم بأنهم عباد الرحمن، والرحمن من أسمائه الحسنى ، وهو اسم عظيم فيه الرحمة العظيمة، قال سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣]، والإنسان الهين يعني: السهل الذي فيه سكينة ووقار، فهم يمشون على الأرض مشية هينة، وفيهم تواضع وإخبات لله ، فلا يستكبرون على الخلق، وليس المعنى أنها: مشية بطيئة، ولكن المعنى: أنهم يمشون ولا يضربون بأرجلهم، ولا يغترون ويحركون أذرعاتهم، ويقولون: نحن أقوياء وأعلى من غيرنا، ولكنهم يمشون بوقار وسكينة، وهذا لا يمنع من أن يمشوا بسرعة في حاجاتهم، كما كان يفعل النبي ﷺ ، فيخبرنا الله سبحانه: أن من صفاتهم: أنهم حلماء متواضعون، وأن فيهم اقتصاداً وتؤدة وسكينة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، وليس معنى الجاهل: أنه الذي لا يعرف القراءة والكتابة، فهذا أمي، ولكن المقصود به هنا: الجاهل في خلقه، فقد يكون متعلماً إلا أن في أخلاقه نفوراً وشراسة وقسوة، وقد يكون فيه غضب، وإذا غضب لا يفهم ولا يعي ما يقول، فهؤلاء أهل الشراسة والنفور والصياح والجلبة والصخب إذا خاطبوا عباد الرحمن بصورة غير طيبة كان ردهم عليهم رداً طيباً، كما قال تعالى: ﴿سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، يعني: موادعة ومتاركة وليس بيننا وبينكم شيء، ولكن نبتعد عنكم ونترككم فيما أنتم فيه، أو قالوا: سلاماً، أي: تسليم متاركة، يعني: سلام عليكم، كونوا في حالكم ونكون نحن في حالنا، مع أنهم أقوياء وهم لا يدفعون السيئة بالسيئة، ولكن يدفعون بالحسنة السيئة، ويرجون الخير ممن يدعونه إلى الله من الله وحده، فهم حلماء في دعوتهم إلى الله، وهم أقوياء لا يستذلهم أهل الفساد، وهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كما أمر الله سبحانه بقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤].
والإنسان القوي يقدر على الانتقام من خصمه ولكنه يتواضع لله ، ويحلم ويصبر، ولكنه لا يهين دين الله أبداً، فإذا وجد من يهينه أمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، وغير هذا المنكر بما استطاع من تغيير، وأما في نفسه فإذا تعرض له إنسان أو شتمه فإنه يحلم ما لم يتعرض لدين الله ، فإذا تعرض لدين الله فإنه يغضب لله ويدافع عن دين الله، وفي أثناء دعوته للناس إلى دين الله قد يجد منهم غلظة وقسوة في الجواب، فيصبر على ذلك، ويدعوه مرة وثانية لعله يستجيب له، فإذا لم يجد فائدة قال: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥]، أي: ليس بيننا وبينكم إلا أمر الله يحكم بيننا، وهو في تواضعه لا يذل نفسه؛ ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ قال: (لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه قالوا: كيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق).
أي: أن الإنسان يعز نفسه، ولا يعرض نفسه للذل، ولا يتعرض لبلاء لا يطيق دفعه، ولكنه يدافع عن دين الله، ويدعو الناس إلى الخير ويصبر، وليس بمجرد أن يسيء إليه إنسان يرد الإساءة بالإساءة، ولكنه يصبر ويحلم ويدفع بالتي هي أحسن، فإذا لم يجد بداً من المتاركة تاركه، قال تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥].
فإذا تعرض لدين الله سبحانه بالإساءة، فإنه يدفع ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بما أمر به ربنا وبما أمر به النبي ﷺ في قوله: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).
стр. 880
تفسير قوله تعالى: (والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً)
ومن صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤]، والمبيت: قضاء الليل سواء كان الإنسان نائماً أو يقظان، كما نقول: بت البارحة سهران، فهؤلاء يبيتون أي: يمضي عليهم الليل وهم قائمون لله ، فيقضون ليلهم بين القيام والسجود، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤].
وليس المعنى: أنهم يصلون الليل كله ولا ينامون فيه، فإن هذا لم يفعله النبي ﷺ إلا على الندرة، ولم يمض الليل كله قائماً ﷺ إلا قليلاً، ولكنه كان يقوم كثيراً من الليل، كما أمره الله : ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل:٢ - ٤].
أي: نصف الليل، أو أقل من نصفه، أو أكثر قليلاً من نصفه، ثم قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٤].
وقد جاء في حديث النبي ﷺ (إن أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان يصلي لله سبحانه، فيقوم نصف الليل، وينام ثلثه، ويقوم سدسه)، أي: أنه كان يقسم الليل بين قيام ونوم؛ حتى يفهم ما يقول، وحتى يواظب على ذلك، فإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، فالمؤمن يواظب على قيام الليل، فيصلي بالليل ولو ركعتين، أو يصلي أكثر من ذلك، فيصلي كما صلى النبي ﷺ إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، بحسب ما ييسر الله له من ذلك.
فعباد الرحمن لا يصلون ليلة واحدة فقط، ولا يقومون الليل في رمضان فقط ويتركونه في غير ذلك، بل قد مدحهم الله بالمداومة على ذلك، وبين أنهم ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ﴾ [الفرقان:٦٤]، يعني: كل ليلة، فهذا دابهم وعادتهم، إلا ما شاء الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤]، أي: يراوحون بين ذلك فإنهم يقومون قياماً طويلاً، ثم يركعون ركوعاً طويلاً، ثم يسجدون سجوداً طويلاً، فالليل راحتهم، وقيام الليل جنتهم، فيقومونه لله سبحانه، ويستعينون به على طاعته سبحانه، ولذلك مدحهم الله ، وأخبر عن قيام الليل بقوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦].
والناشئة: القيام، يعني: فإذا كنت نائماً مستريحاً ثم قمت لتصلي فإن هذا القيام يكون فيه فهم وتدبر لمعاني آيات كتاب الله ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦]، أي: أن ما تقوله بلسانك أشد مواطئة وموافقة لما في قلبك، فتفهم بعقلك وبقلبك ما ينطق به لسانك، فيكون هناك مواطئة بين الاثنين -القلب واللسان- قال تعالى: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦]، أي: أقوم استقامة، وأقوم قولاً، والقيل بمعنى: القول، أي: أن ما ترتله تفهمه وتجيد نطقه؛ لأنك قد استرحت بالليل، ثم قمت في وقت نوم الناس تصلي لله ؛ لتكون من عباد الرحمن.
يقول ابن عباس ﵄: من صلى ركعتين أو أكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجداً وقائماً.
وكأنه يقصد من صلى العشاء ثم ذهب إلى بيته فنام، ثم قام فصلى من الليل ولو ركعتين، فهذا يكتب له أجر هذه الليلة.
следующие страницы →