Полный текст (3 717 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي وإنا لجميع حاذرون)
عندما خرج موسى ببني إسرائيل من مصر وذلك عندما أذن له فرعون بالخروج كان عدد بني إسرائيل ثلاثمائة ألف أو ستمائة ألف، فخرجوا من مصر فإذا بفرعون يتنبه بعد ذلك ويريد أن يعيدهم مرة أخرى إلى الذل والتسخير في مصر.
قال الله : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء:٥٢] فلما خرجوا إذا بفرعون يرسل وراءه ﴿فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء:٥٣] يعني: منادين جامعين يجمعون الناس وجنود فرعون قائلين: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء:٥٤] وهذا يعني: أن فرعون ومن معه كانوا أكثر من ذلك بكثير، فيخبر الله عنهم ويرينا آية من آياته العظيمة أن النصر من عنده وحده لا شريك له، قال فرعون: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء:٥٥ - ٥٦] يعني: نحن في أهبة الاستعداد حذرون متيقظون ومستعدون.
стр. 947
تفسير قوله تعالى: (فأخرجناهم من جنات وعيون كذلك وأورثناها بني إسرائيل)
قال الله سبحانه: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:٥٧ - ٥٩].
وانظر إلى جمال القرآن حيث يقول الله: فأخرجنا فرعون ومن معه ((مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ)) * ((وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ)) * ((كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ))، فالنتيجة: نصرة بني إسرائيل، ولكن الذي حدث أنه فصل هذا النص بعد ذلك سبحانه، فقال: ((فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ)) قراءة نافع وأبي جعفر وأبي عمرو وهشام وحفص عن عاصم وقراءة يعقوب وخلف (وعُيون) بضم العين، وباقي القراء يقرءونها (وعِيون) مثل (بُيوت) و (بِيوت).
قال: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ﴾ يعني: مصر، فقد كانت مليئة بالبساتين، والله جعل فيها هذا النيل العظيم من فضله سبحانه، ونهر النيل ذكره النبي ﷺ في أحاديثه، وقد جاء في ذلك عدة أحاديث للنبي ﷺ منها ما رواه البخاري ومسلم من حديث مالك بن صعصعه أن النبي ﷺ في قصة المعراج قال: (ورفعت لي سدرة المنتهى نبقها كأنه قلال هجر، وورقها كأنه آذان الفيلة) وهذه شجرة يخبر النبي ﷺ عن حجمها فقال: بنبقها، أي: الثمرة كأنه قلال هجر، وهو مكان وموضع كان مشهوراً بصنع القلال العظيمة التي لا يقدر الرجل على حملها إلا بالكاد لثقلها.
ثم يقول لنا هنا النبي ﷺ : (في أصلها أربعة أنهار -في أصل سدرة المنتهى أربعة أنهار- نهران باطنان ونهران ظاهران، فسأل جبريل فقال: أما الباطنان ففي الجنة) نهران يمدان هذه الشجرة من الجنة (وأما الظاهران فالنيل والفرات) فيها نهر عظيم قدر نهر النيل ونهر الفرات، واليهود يحاولون أن يأخذوا النهرين: النيل والفرات، فيقولون: دولة اليهود من النيل إلى الفرات، فهم يعرفون أنها أنهار مباركة من عند رب العالمين سبحانه، وذكْر القصة في حديث ﷺ .
فالله قال: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ﴾ [الشعراء:٥٧] أي: بساتين عظيمة ﴿وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء:٥٨] فهذه البلاد فيها الخيرات دائماً، ولكنها من أيام الفراعنة ينهبها الفراعنة ويأخذون الذهب، ويسرقون ما فيها من الخيرات، وما زال فيها خير حتى الآن، وانظر في سورة يوسف لما قال لملك مصر: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ﴾ [يوسف:٥٥] فهو جعل مصر خزائن الدنيا.
فهنا ربنا سبحانه يذكرنا بأن فيها الجنات والعيون والكنوز والزروع والمقام الكريم، وأهل التاريخ يذكرون عن هذه البلدة أنها كانت طوال عمرها فيها الجنات العظيمة، وعمرو بن العاص لما جاء إلى مصر ومعه ابنه عبد الله بن عمرو، يذكر أن الجنات كانت بحافتي النيل في الشقتين جميعاً من أسوان إلى الرشيد، ويذكر القرطبي أن بين هذه الجنات زروعاً فيها، قال: والنيل سبعة خلجان: خليج الإسكندرية -وهذا من أيام القرطبي - وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج سردوس، وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج المنهى، وهي متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، أي: أنها جنات حول نهر النيل من أقصى البلاد إلى أدنى البلاد قال وكانت أرض مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعاً بما دبروا وقدروا من قناطرها وجسورها وخلجانها، ولذلك سمي النيل إذا غلق ستة عشرة ذراعاً نيل السلطان، يعني: فإنهم يحسبون ارتفاع النيل بالذراع دائماً، فإذا وصل ارتفاع النيل إلى ستة عشر ذراعاً قالوا: إن السلطان سيفرض جباية؛ لأن الخير سيأتي كثيراً، هذا كلام القرطبي ﵀، وقال: وكانت أرض مصر جميعاً تروى من إصبع واحدة من سبعة عشر ذراعاً، يعني هذه الإصبع تروي أرض مصر كلها، هذا كلام القرطبي، وكان إذا غلق النيل سبعة عشر ذراعاً وزيد عليه أصبع واحد من ثمانية عشرة ذراعاً، ازداد في خراجها ألف ألف دينار، فهذا الذي يذهب إلى السلطان، فهذه من خيرات مصر وبركاتها، هذا كلام الإمام القرطبي، وذكر نحو هذا بعض العلماء.
فنهر النيل من عجائب الدنيا، وذلك أنه يزيد إذا انصبت الأمطار في جميع الأرض حتى يسيح إلى جميع أرض مصر، وتبقى البلاد كالأعلام لا يوصل إليها إلا بالمراكب، وهذا كان يحدث في الماضي، فكان نهر النيل يفيض فيملأ البلاد كلها، وكل خيراته توزع على البلاد، وكان الناس أحياناً من ارتفاع النهر يتواصلون من مكان إلى مكان عن طريق القوارب ونحوها.
يقول عبد الله بن عمرو بن العاص: نيل مصر سيد الأنهار.
أي: أفضل أنهار الدنيا، وهذا النهر العظيم قال عنه قيس بن الحجاج: لما افتتحت مصر أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بئونة من أشهر القبط فقالوا له: يا أيها الأمير! إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها، قال: وما هي؟ قالوا: إذا خلت اثنتي عشرة ليلة من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر وأرضينا أبويها، وحملنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، وتسمى عروس النيل، ثم نرمي بها في النيل.
وهذا من جهلهم عندما يفعلون ذلك، قال: فقال لهم عمرو ﵁: هذا لا يحل في الإسلام، فتركوا العادة فإذا بالنهر لا يجري لا كثير ولا قليل، حتى هموا بالهجرة من هذا المكان، واستمر على هذا مدة ثلاثة شهور، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص وأن الناس سيهاجرون ويتركوا المكان أرسل إلى عمر بن الخطاب ﵁ يسأله عن ذلك، فكتب إليه عمر: إنك قد أصبت بالذي فعلت، إن هذا حرام لا يحل، وإن الإسلام يهدم ما قبله، ولا يكون هذا، وبعث إليه ببطاقة في داخلها كتابة منه وأمرهم أن يرموها في نهر النيل، وكان عمر محدثاً ملهماً رضي الله ﵎ عنه، فلما جاءت البطاقة إلى عمرو إذا فيها مكتوب: من عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى نيل مصر، أما بعد: فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجري، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك، فألقى البطاقة في النيل قبل عيد الصليب بيوم، وفيها بيان كرامة من الكرامات وآية من الآيات، فالله الواحد سبحانه هو القادر على ذلك، وليس لأحد من الخلق أن يفعل ذلك، قال: وقد تهيأ أهل مصر للجلاء، أي: كانوا جاهزين للارتحال من البلد والخروج منها؛ لأنهم لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل، فلما ألقى البطاقة في النيل أصبح يوم الصليب وقد أجراه الله في ليلة واحدة ستة عشرة ذراعاً، يعني: أصبحوا في يوم عيدهم وقد جاءت آية من الآيات تبين أن الله سبحانه وحده لا شريك له هو الذي يجري النهر، فأجراه الله آية من الآيات سبحانه، وقطع الله تلك العادة عن أهل مصر من تلك السنة، قطعها بسيدنا عمر ﵁، فالله أزال هذا الشرك، ودخل أقباط مصر في دين الإسلام لما رأوا من آيات توحيد رب العالمين سبحانه، والآن أصبحوا يعملون بعض الأشياء الموروثة من الفراعنة، فيصنعون قلادة وحروز وتمائم ويكتبون عليها شركيات ثم يرمونها في النهر ويقولون: هذا فيه بركة، فبعدما نجى الله هذا البلد من هذا الشرك، ومن هذه البلادة والغباوة التي كانوا يعتمدون فيها على الخلق دون الخالق سبحانه فإنهم يريدون أن يرجعوا إليها مرة ثانية.
نسأل الله أن يحفظ على المسلمين دينهم، وأن يعيدهم إلى سنة نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، وإلى توحيد ربهم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 948
تفسير سورة الشعراء [٥٢ - ٦٨]
بين الله في هذه الآيات الكريمات قصة إنجاء موسى ﵇ وقومه من بطش الطاغية فرعون، فلما أن أذن فرعون لموسى بالخروج من مصر خرج ليلاً في قومه وبادر بالخروج؛ لأن الوحي قد جاءه بأن فرعون سينكث عهده، وفعلاً أرسل من يجمع الناس ويؤلبهم عليهم ثم اتبعوهم، وكان قدر الله تعالى أن أخرج فرعون وجنده إلى مصيرهم وهو الهلاك والغرق في البحر، فلما كادوا أن يدركوا موسى وقومه جاء الفرج وتجلت قدرة الله سبحانه عندما ضرب موسى البحر فانغلق، وصارت فيه الطرق التي سلكها مع قومه فنجوا، ثم أهلك الله تعالى فرعون وجنده.
стр. 949
تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى موسى أن أسرِ بعبادي وكنوز ومقام كريم)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد إلا إله الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء:٥٢ - ٥٨].
ذكر الله في هذه الآيات قصة خروج موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام مع بني إسرائيل من مصر، وكيف أهلك الله فرعون وجنوده شر هلاك، فآتاهم العذاب من حيث لا يتوقعونه، فأمر الله موسى أن يسير بعباده في الليل فقال: ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء:٥٢].
وأخبره أن فرعون سيتبعهم، وكان موسى قد ظن أن فرعون لا يتبعه؛ لكونه أذن لهم في الخروج من مصر، فخرج ومن معه، فأوحى الله إليه بذلك؛ حتى لا يخاف، وليطمئن أن ربه سبحانه معه.
قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء:٥٣].
أي: من يجمعون الناس بعد أن تنبه فرعون لخروجهم، ويقول الجامعون: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ [الشعراء:٥٤ - ٥٥].
فجمع الناس بهذه المقولة: إن بني إسرائيل عدد قليل قد خرجوا ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء:٥٥ - ٥٦].
يعني: عددهم وقوتهم لا تقارن بعددنا وقوتنا؛ فلذلك سنذهب إليهم ونرجعهم إلى هنا بقوتنا وعددنا.
قال الله ، ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء:٥٧] أي: خرج فرعون وجنوده فتركوا أرضهم وديارهم، وتوجهوا إلى البحر الأحمر متبعين لموسى ﵇ ومن معه.
قال سبحانه: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ﴾ [الشعراء:٥٧ - ٥٨].
يعني: كانت لهم في هذه الديار الجنات والبساتين، وعيون الماء فضلاً عن أن لهم من الله هذا النهر العظيم نهر النيل، والكنوز والمقام الكريم الذين كانوا يعيشون فيه، فأخرجهم الله من هذا كله، وكنوز الأرض كثيرة موجودة في مصر، وكان الفراعنة يستغلونها، ويستخرجون الذهب ثم يصنعون منه الحلي، ويجعلونه مع الموتى في قبورهم، ويصنعون أشياء كثيرة من ذلك.
فأخبر الله أنه أخرجهم من هذه الكنوز، ومن مقامهم الكريم الذي كانوا يقومونه في أرض مصر.
والمقام الكريم: هي المجالس، أو الأرض نفسها، أو المنابر التي كانوا يتكلمون فيها أمام الناس، والناس تذعن لهم في ذلك.
فأخرجهم الله مما أعطاهم من نعم، وخرجوا متجبرين متكبرين جاحدين لربهم سبحانه مطاردين نبي ربهم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
قال الله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:٥٩].
وقال الله في سورة القصص: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٥ - ٦].
فكان بنو إسرائيل مستضعفين، وكانوا يتبعون موسى ﵊، فأراد الله أن يري خلقه قدرته وقوته في أن يضع المستكبرين ويذلهم ويرفع المستضعفين ويعزهم بإيمانهم، وبنصرتهم لدين ربهم سبحانه.
فإذا به يورث هذا الذي تركه فرعون من أموال وكنوز لبني إسرائيل، فمكن لهم وأورثهم ذلك، قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:٥٩].
ثم رجع لتفصيل هلاك فرعون فقال: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء:٦٠].
يعني: فرعون اتبع موسى ومن معه في وقت شروق الشمس عند الضحى، وكان من المفترض أن أصحاب موسى قد خرجوا بالليل أن يسبقوهم ويفوتهم، لكن فرعون بما معه من خيل سريعة أدركوهم أو كادوا، فقال: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى﴾ [الشعراء:٦١] وهم فزعون خائفون، ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١].
وأما موسى ﵇ فهو مطمئن بربه ؛ لأن الله تعالى يطمْئِن قلوب أنبيائه وأوليائه.
قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١].
يعني: أوشكوا على أن يلحقوا بنا، فكل فريق يرى خصمه أمامه.
قال تعالى حكاية عن موسى: ﴿قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء:٦٢] وهي أداة ردع وتسكيت، أي: اسكتوا ولا تتكلموا في ذلك؛ فإن الله هو الذي ينصرنا.
﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، فمن شدة الفزع كأنهم نسوا ربهم سبحانه، ولذلك لم يقل موسى: إن معنا ربنا سيهدينا، وإنما قال: إن معي، فأنا مطمئن بربي، وواثق به حتى وإن تزلزتم وتزعزعتم وشككتم، فربي سيهديني إلى الطريق.
فالله يهدي موسى ﵇ على ما يشاء.
стр. 950
تفسير قوله تعالى: (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك الحجر)
قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء:٦٣].
ذكروا أن موسى ﵊ لما خرج من مصر متوجهاً إلى الشام هو ومن معه تاهوا عن الطريق، فتعجب موسى من ذلك، فسأل من معه لماذا يحدث ذلك؟ فقال علماء بني إسرائيل: إن يوسف ﵇ لما حضره الموت أخذ علينا موثقاً من الله ألا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا.
فقال موسى: فأيكم يدري مكان قبره؟ -وهذا الحديث ذكره أبو يعلى والحاكم وصححه، وصححه أيضاً الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة- فقالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل، فأرسل إليها موسى ﵊ فقال: دليني على قبر يوسف.
قالت: لا والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي، تعني: إذا أعطيتني ما أريد دللتك على مكان القبر.
فقال: وما حكمك؟ قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة.
فكأن موسى ﵊ ثقل عليه ذلك، فالجنة ليست بيده حتى يوافق على ذلك، فلما تحير موسى ﵊ قال له ربه: أعطها حكمها.
فلما أعطاها ما أرادت دلتهم على المكان وكان قد غطته المياه، فاحتفروا واستخرجوا عظامه، فلما أقلوها إذا بالطريق مثل ضوء النهار.
والمقصود بالعظام جسد يوسف الصديق؛ لأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، ولذلك جاء: (أن تميماً الداري قال للنبي ﷺ : ألا أتخذ لك منبراً يا رسول الله يحمل عظامك؟!)، والمنبر لن يحمل العظام بل سيحمل الجسد كله، فالعظام تطلق على الجسد.
قال: فأوحى الله إلى موسى أن أعطها حكمها ففعل، فأتت بهم إلى بحيرة فقالت: انضبوا هذا الماء، فأنضبوه واستخرجوا عظام يوسف ﵇، فتبينت لهم الطريق مثل ضوء الشمس، أو مثل ضوء النهار.
وجاء في سبب ذكر هذه القصة التي ساقها النبي ﷺ في حديث أبي موسى (أن النبي ﷺ نزل بأعرابي، فطلب منه أن يأتي إليه إلى المدينة؛ حتى يكافئه على معروفه، فنزل الأعرابي ضيفاً على النبي ﷺ فأكرمه، ثم قال له: حاجتك؟! يعني: سلني ما تريد.
فقال: ناقة أركبها، وأعنزاً أحلبها.
فقال النبي ﷺ : أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟!)، يعني: أعجزت أن تطلب مثل ما طلبت! فقال الصحابة للنبي ﷺ : وما عجوز بني إسرائيل، فقص عليهم هذه القصة.
فبدلاً من أن يطلب الأعرابي الآخرة طلب حاجته في الدنيا، ولكن غيره من أصحاب النبي ﷺ الذين كانوا يخدمونه كان يقول لأحدهم: سلني، فيقول: أسألك مرافقتك في الجنة.
فكان النبي ﷺ يقول: أعني على نفسك بكثرة السجود، يعني: أكثر من السجود، وأكثر من القيام حتى أدعو لك فتكون معي في الجنة.
والغرض أن الله سبحانه أخبر أنه أخرج بني إسرائيل من مصر وأهلك فرعون، فلما كاد فرعون أن يصل إلى موسى ومن معه إذا بالله يوحي إلى موسى ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء:٦٣].
وكان بنو إسرائيل وقتها في غاية القلق، فيسألون: أين أمرك ربك أن نسير؟ فكان يشير إلى البحر، فيأتي أحدهم يريد أن يقتحم البحر فلا يقدر، فيرجع إلى موسى، وهنا جاء الأمر من الله أن اضرب البحر بعصاك.
وعصا موسى عصا عجيبة، كانت فيها آيات عظيمة، قال: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٨] يعني: حال سيرى، ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه:١٨]، أي: أضرب الشجر فتسقط الأوراق لتأكلها الأغنام، ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨] أي: لي فيها منافع أخرى.
وهذه العصا صارت حية بعد ذلك، وكانت آية لموسى وعلامة على نبوته ﵊ ومعجزة له من عند ربه سبحانه، ثم كانت آية لفرعون وجنوده فلم يتعظوا ولم يعتبروا.
ثم كانت آية في مرة أخرى عندما كان موسى ﵊ يغتسل وحده، وكان بنو إسرائيل يغتسلون عراة وكأن ذلك كان جائزاً في شرعهم، وكانوا يقولون: إن موسى لا يغتسل معنا لأنه آدر، أي: فيه عيب في خلقته فيستحي أنه يكون معنا.
فإذا بموسى يغتسل مرة ويريد الله أن يبرئ موسى مما يقولون فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بها، فإذا بموسى يجري وراء الحجر ويقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر.
فنظر إليه بنو إسرائيل فوجدوا أنه سليم ومن أصح الناس، فلما أخذ الحجر ضربه بعصاه فجرح الحجر، قال النبي ﷺ : (إن بالحجر لندباً من أثر الضرب) فكأن الحجر حين جرى صارت له الطبيعة الإنسانية، فعوقب كما يعاقب الآدمي، فكانت العصا في يد موسى يضرب بها هذا الحجر.
وهنا مرة أخرى يضرب بها جماداً وهو البحر، فهذا من عجيب آيات الله فلما ضرب البحر قال الله : ﴿فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦٣].
وقال له سبحانه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان:٢٤].
يعني: وقفت الأمواج في مكانها، وشقت الضربة البحر وفلقته، فإذا في البحر اثنا عشر طريقاً، لك سبط من أسباط بني إسرائيل طريق يسيرون فيه وذلك بضربة عصاه ﵊.
والله يخبر أن البحر أصبح رهواً، أي: جامداً كأنه ثلج، وأمواج البحر كما هي ماء ولكنها واقفة في مكانها، وينضب البحر في الأماكن التي يسير فيها موسى ومن معه من بني إسرائيل: ﴿فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦٣].
ويذكر الله لنا أن موسى ﵊ قال: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ [الشعراء:٦٢ - ٦٣].
فجاء الوحي وهو قوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ﴾ [الشعراء:٦٣]، أي: جزء من البحر: ﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦٣]، أي: كالجبل العظيم.
стр. 951
تفسير قوله تعالى: (وأزلفنا ثم الآخرين ثم أغرقنا الآخرين)
قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ [الشعراء:٦٤].
يعني: قربنا فرعون ومن معه، فحين بدأ موسى وقومه الدخول في الطرق التي فتحها الله لهم في البحر أقبل فرعون وراءهم، وإذا به ينظر إلى البحر فاحتار: هل يدخل ورائهم أم يقف؟ فأخذته العزة فاقتحم وراءهم كأنه يريد أن يريهم أنه هو الذي شق البحر، قال سبحانه ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ [الشعراء:٦٤]، يعني: قربناهم وأدخلناهم داخل البحر.
قال تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء:٦٥].
فكانت النجاة من رب العالمين سبحانه، فلما خرج آخر رجل من بني إسرائيل كان فرعون ومن معه قد تكاملوا في وسط البحر، وهنا جاء أمر الله سبحانه للبحر كما أمره في البداية أن ينفلق أمره أن يلتئم، فالتأم عليهم، فأغرقهم أجمعين، قال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء:٦٦].
أي: أغرقنا هؤلاء الأبعدين: فرعون ومن معه.
стр. 952
تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين)
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الشعراء:٦٧]، أي: في ذلك آية عظيمة وعجيبة ما كان يظن بنو إسرائيل وقوعها، فلما رأوا الآيات أمامهم كان من المفترض أن يكونوا أكثر الخلق إيماناً، فقد رأوا كيف أهلك الله فرعون، ولكن في قلوبهم شيء؛ ولذلك قال موسى ﵇: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء:٦٢].
يعني: أنكم في شك، وأما أنا فمعي ربي سيهديني، فهداه الله وأنجاه وأنجى من معه.
وكذلك لما كانوا في طريقهم في البحر تشككوا أيضاً؛ لأن في البحر اثني عشر طريقاً، فكانوا يطلبون من موسى أن يروا إخوانهم، ويتساءلون: هل أخذهم فرعون أم غرقوا في البحر؟ فإذا به يتعجب من أمرهم هذا، فيضرب في كل مكان من هذه الطرق فيفتح لهم كالشبابيك، فينظر بعضهم إلى بعض.
ثم لما خرجوا بعد ذلك قالوا: إن فرعون لم يهلك مع أنهم يرون الماء يلتطم على فرعون وجنوده، وكأنه قد بقي في أذهانهم قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وهذا من إجرام فرعون وعتوه وعلوه.
فإذا بالله تعالى يريهم آية أخرى من الآيات فقال: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢].
فأنجى بدنه ولم يجعله يغرق أو تأكله أسمالك البحر مثلاً، ولكن قذفته الأمواج بعد ذلك على البر، فنظر بنو إسرائيل إليه.
والقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يذكر فيه الله أنه أخرج فرعون بجسده من البحر، وأما التوراة التي فيها ذكر موسى وذكر الخروج فلا تذكر إلا أن الله أغرقه فقط وأما إخراجه فلا؛ ولذلك كان هذا سبباً لإسلام أناس من الكفار منهم الطبيب الفرنسي الجراح، موريس بوكاي الذي درس التوراة والإنجيل والقرآن وعمل مقارنة بينها وبين العلم الحديث، ثم أسلم وقال: هذا الكتاب كتاب رب العالمين سبحانه، ثم ذكر قصة فرعون ومن معه، فقال: إن الجثة لما أخذت إلى فرنسا لتحليلها أو لترميمها كشفوا عليها فوجدوا فيها آثار الموت غرقاً، وأن هيئة الجثة تدل على أن هذا ميت مات غرقاً، فقد وجدت أنسجة الجثة مليئة بالملح، وأثبتت التحاليل أيضاً: أنه قعد في البحر فترة وجيزة.
فيقول الدكتور: أظهرت أشعة إكس تكسير العظام دون تمزق الجلد واللحم.
يعني: أن عظمه من الداخل متكسر، وجلده ولحمه من الخارج غير منزوعين ولا متقطعين.
فقال أهل الطب: وهذا دليل على أن الماء ضغط عليه حتى كسر العظام الداخلية، وأما الجسد والأنسجة الخارجية فلم تتأثر، وهذا لا يكون إلا من ضغط الماء فقط.
فقالوا: إن هذا الفرعون الذي جثته عندهم هو فرعون موسى الذي أغرقه الله ، هو الذي يسمونه منبتاح.
وقد ذكره الله تعالى في سورة يونس فقال: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس:٩٢]، وكأن المعنى أن نخرج البدن سليماً، وفعلاً خرجت الجثة سليمة لينظر لها بنو إسرائيل.
فلعله لو نهشته أسماك البحر أو نزلت عليه صخور من البحر لم يعرفوا هيئته، ولكن الله أخرج الجثة أمامهم ليروا أن هذا هو فرعون.
قال سبحانه: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس:٩٢].
стр. 953
تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية وإن ربك لهو العزيز الرحيم)
ثم ذكر الله لنا في هذه الآيات: أنه أنجى موسى ومن معه أجمعين، وأغرق الآخرين، وعقب بالتعقيب الذي سيتكرر ثمان مرات في هذه السورة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٨] أي: إن في ذلك الذي سمعتم ورآه بنو إسرائيل قبل ذلك لآية عظيمة من الله ، وحجة وبرهان عظيم على ما نقول: من قدرتنا على إهلاك الظالمين، وإنجاء المؤمنين، ولكن لم يكن أكثرهم مؤمنين، بل أكثر من في الأرض ضالون عن سبيل الله، قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦].
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٩].
أي: العزيز الغالب القوي الذي لا يقهر، فأهلك فرعون وجنوده، والرحيم بالمؤمنين فأنجى بني إسرائيل، وكأن في ذلك إشارة لهذه الأمة أن الله ينجي المؤمنين، ويهلك الكافرين.
وهذه السورة من السور المكية كما ذكرنا قبل ذلك، وقد نزلت في وقت كان المسلون في ضعف، وفي قلة وذلة، وكانوا يؤذون من الكفار ويعذبون، فنزلت هذه الآيات تطمئنهم أنه لن يعمل فيكم أكثر مما عمل في بني إسرائيل، وقد أنجاهم الله ، وأورثهم الأرض واستخلفهم وكذلك أنتم، فجاء وعد الله ومكن الإسلام والمسلمين.
نسأل الله أن يعز الإسلام وأهله، وأن يذل الكفر وأهله.
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمين.
стр. 954
تفسير سورة الشعراء [٦٩ - ٨٦]
لقد ذكر الله نبيه إبراهيم ﵇ في مواطن من القرآن ومدحه مدحاً عظيماً، وفي قصته مع قومه عبرة لمن أراد الاستقامة على دين الله وترك الشرك به سبحانه، ويتجلى أدب إبراهيم مع ربه في دعائه له، والتوجه إليه لا إلى غيره، وكذلك كان أدب الأنبياء جميعاً ﵈.
стр. 955
ذكر ما ورد من قصة إبراهيم ﵇ مع قومه
قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٧٠ - ٨٢].
لقد ذكر الله تعالى قصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام في عدة سور من كتابه العزيز، ومن هذه السور سورة الشعراء.
وسورة الشعراء من السور المكية، فهي تتميز بخصائص السور المكية، وتهتم بمحاجة الكافرين لتربية المسلمين، وتهتم بالإخبار عن صفات الله سبحانه وقدرته وقوته وعظمته، فيخبر الله سبحانه عن نفسه، ويخبر عن أنبيائه عليهم الصلاة والسلام كيف عاداهم الكفار، وأن أنبياءه دعوا إلى عبادة الله الواحد القهار، فنصرهم أن الله بعدما كاد لهم الكفار، وأرادوا إيذاءهم، فجاء النصر من عند رب العالمين ، وقد كان الكفار يكيدون للنبي ﷺ في مكة كيداً عظيماً، ويمكرون به ﷺ ، كما قال الله : ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].
فالكفار مكروا بالنبي ﷺ وأرادوا أن يوثقوه ويكتفوه ويحبسوه ﵊، أو يقتلوه، أو يخرجوه ويطردوه من مكة، قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، ويخبر الله في هذه الآيات وفي مثل هذه السورة المكية كيف أن الكفار تحرشوا بأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام وكادوا لهم كيداً عظيماً، وكيف نصر الله أنبياءه عليهم الصلاة والسلام، ونصر المؤمنين، وفي ذلك تثبيت للنبي ﷺ ومن معه من المؤمنين وتصبير لهم، أي: اصبروا فإن الله ناصركم كما نصر الأنبياء من قبلكم.
يقول الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشعراء:٦٩] أي: اتل عليهم الخبر والقصص التي قصها الله عليك في كتابه، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [الشعراء:٦٩] أي: اقرأ عليهم هذه الآيات التي فيها خبر النبي إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
стр. 956
فضل إبراهيم ﵇
إن إبراهيم هو أبو الأنبياء ﵊، وهو خليل الرحمن، والخليل: القريب والحبيب، فإبراهيم ﵊ اتخذه الله خليلاً، كما قال في كتابه: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠]، وقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤]، وقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود:٧٥]، وما أعظم صفات إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهي صفات يذكرها الله لنا في القرآن؛ حتى نأتسي ونقتدي بهذا النبي العظيم ﵊ فيها.
فقد اتخذ الله إبراهيم خليلاً، ولا يحتاج الله لخليل من البشر، فاختاره واصطفاه خليلاً، أي: أحب الأحبة وأقرب المقربين، فإبراهيم كان خليلاً لله ، فـ (خليل) مأخوذ من الخلة، يقال: فلان خليل لفلان، كأنه تخللت محبته إلى قلبه، أي: دخلت المحبة في القلب واخترقته وتخللته.
فإبراهيم خليل الرحمن، وكذلك نبينا ﷺ وصل إلى هذه الدرجة العظيمة فهو خليل الرحمن، كما قال عن نفسه ﷺ : (لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكني خليل الله أو خليل الرحمن)، .
والخليل أعظم من الحبيب، فهو أقرب الأحبة، وقد كان إبراهيم خليلاً للرحمن بصبره، ولذلك قال الله عنه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّة﴾ [النحل:١٢٠] أي: وحده، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقد اجتمعت في إبراهيم من الصفات ما لا تجتمع إلا في أمة كاملة، واستطاع وحده أن يقوم بهذه الصفات، فقد ابتلاه الله فصبر على هذا البلاء، فابتلاه في القريب، وابتلاه في أبيه، وابتلاه في ابنه، وابتلاه في زوجه، وابتلاه في بلده أن يهاجر من بلده إلى بلد أخرى، وفي كل ذلك يصبر راضياً محتسباً على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
يقول الحافظ في الفتح: إبراهيم بالسريانية معناها: أبٌ راحم أو أب رحيم، إذاً: فإبراهيم هو الأب الرحيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال: والخليل: فعيل من فاعل، بمعنى: فاعل، وهو من الخلة بالضم، وهي الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلالاً، وهذا صحيح بالنسبة إلى ما في قلب إبراهيم من حب الله ، أما إطلاقه على الله فهو من باب المقابلة، إذاً: كأن إبراهيم الخليل تخلل حب الله في قلبه، وامتلأ قلبه بحب الله؛ فأحبه الله .
وقالوا الخلة: أصلها الاستصفاء، أي: ينقيه ويختاره، وسمي بذلك لأنه يوالي ويعادي في الله ، يقول: قصر حاجته على ربه وانقطع لله ، فهي من الخلة وهي بمعنى الحاجة أيضاً، أو بمعنى: انقطاع الحاجة إلى الله سبحانه، أو قصر الحاجة إلى الله، ولذلك مما روي: أنه لما أراد الكفار إلقاءه في النار وجاءه جبريل يسأله: ألك إلي حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، حاجتي إلى الله ، فكان قضاء الله أسرع بإبراهيم، حيث قال الله للنار: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، فكانت برداً وسلاماً عليه، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وكذلك قال الله فيه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠]، يعني: وحده جمع خصالاً من خصال الخير لا تجتمع إلا في أمة، فكانت في إبراهيم وحده ﵊، قال تعالى: ﴿قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠]، والقانت: هو الخاشع والمذعن والمطيع والمتواضع لله رب العالمين، والعابد لله قوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [النحل:١٢٠] أي: ترك كل الملل الباطلة وحنف عنها، أي: مال عنها إلى دين رب العالمين، فصارت الكلمة تطلق على الاستقامة، أي: المستقيم على دين رب العالمين، وأصل كلمة الحنف: الميل، يقال: فلان حنيف بقدمه أو برجله، فكلمة حنف بمعنى: اعوجّ، ولكن إبراهيم لكونه مال عن ملل الكفار واستقام على دين الله وصف بأنه حنيف ﵊.
ومن صفاته الحسنة في القرآن قول الله : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤] أي: يحلم ولا يتهور ولا يتعجل ﵊، وأواه أي: كثير التأوه والخوف والبكاء من خشية الله، فكأن أصلها من (أوه) (يتأوه) أي: يبكي بصوت من خوف الله .
إن هذه الصفات الكثيرة التي يذكرها الله لإبراهيم دليل على عظمة شأن إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
стр. 957
قصة إبراهيم مع قومه ودعوته لهم إلى ترك عبادة الأصنام
في هذه الآيات من سورة الشعراء يذكر لنا ربنا قصة إبراهيم، فيقول لنبيه ﷺ : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء:٦٩ - ٧٠]، لقد ولد إبراهيم بالعراق على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكان أبوه هناك، وكان أهل العراق يعبدون الأصنام من دون الله سبحانه، فهاجر بعد ذلك إلى الشام، وكان أهل الشام يعبدون الكواكب من دون الله ، فابتلي في البلدين: في العراق وفي الشام ﵊، فقام بأمر الله أحسن قيام، قال الله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء:٦٩ - ٧٠]، فإبراهيم ينكر عليهم أن يعبدوا أصناماً من دون الله ، وقد كان أبوه فتنة عظيمة له، فقد كان يصنع الأصنام لقومه، فأي بلاء أشد من هذا الابتلاء، وكيف يذهب إلى الناس فيقول لهم: لا تعبدوا الأصنام، فيقولون: أبوك الذي صنعها!! فهذه فتنة شديدة جداً، ومع ذلك صبر عليها إبراهيم، فقال لأبيه وقومه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء:٧٠] أي: أي شيء هذا الذي تعبدونه من دون الله؟ وهذا سؤال استفهام إنكاري، فهو ينكر عليهم هذا الذي يعبدونه من دون الله.
قال تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء:٧١] أي: كأنهم ظنوا أن إبراهيم يسألهم سؤال المستفهم الذي لا يعرف حقيقة الأمر فهم يوضحون له الصورة، بينما هو في الحقيقة يعرف أنها حجارة لا تنفع ولا تضر، وهو ينكر عليهم عبادتهم هذه الحجارة، ويقول: ما الذي يجعلكم تعبدون هذه الأشياء؟ هل تنفعكم هذه الأشياء؟ وكأنه يقررهم من أجل أن يعترفوا أن هذه الأصنام إنما هي حجارة وأنها أخشاب؛ إذاً: هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر بمقتضى ردهم، حيث إنه قال لقومه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء:٧٠]، قال تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ [الشعراء:٧١] أي: أوثاناً وأحجاراً كانوا يصنعونها من ذهب ومن فضة ومن حجارة ومن خشب، وقولهم: أصناماً أي: جمادات نعبدها من دون الله سبحانه، وقد صوروها على هيئة صور، قال تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء:٧١]، وكلمة نظل تأتي في العمل بالنهار، وأحياناً عمل الليل والنهار، فكأنهم كانوا يعبدونها جهاراً بالنهار، ولا يستحيون من عبادتهم لها، فعبادتهم لها ليس هو في الخفاء؛ لأنهم قالوا: ﴿نَظَلُّ لَهَا﴾ [الشعراء:٧١]، أي: في الظل في النهار نعبدها، وكأن المعنى: إذا كانوا بالنهار لا يستحيون، فهم بالليل والنهار يعبدون هذه الأوثان والأصنام.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء:٧١] أي: ملازمين لعبادتها، والعكوف على الشيء هو اللزوم للشيء سواء كان هذا الأمر طاعة أو معصية، فهنا عكف على الشيء بمعنى: لازم هذا الشيء، واستمر عليه.
فقال الله تعالى على لسان إبراهيم ﵊: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء:٧٢]، أي: هذه باعترافكم أصنام وجمادات، فهل تسمعكم؟
стр. 958
جمال السياق وحسن التصوير في سور القرآن الكريم
انظر إلى السياق والوقف في الآيات فكله في آخره الختام بهذا الوزن، فهذه القصة ساقها الله بسياق موافق للسورة نفسها في الوزن وفي فواصل الآيات، فيقول تعالى هنا: ﴿مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء:٧٠ - ٧١]، فالسورة تتميز بالآيات والفواصل القصيرة، وتتميز بالوزن في النهاية، أي: يكون في آخرها الياء والنون، أو الواو والنون وإن كانت تأتي الياء والميم في بعضها، لكن الغالب على هذا الفاصل أن يذكر فيه ياء ونون أو واو ونون في آخرها.
فما أجمل تعبير القرآن وما أجمل تصويره! حيث إنك تجد أنه يكرر السورة في مواضع أخرى ليست بنفس المتن ونفس الفواصل، فإذا نظرنا في سورة الأنعام لوجدنا أن الله يذكر قصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام مع عباد الكواكب حين جاء إلى الشام ووجدهم يعبدون الكواكب من دون الله .
فقد قال إبراهيم لهؤلاء: هذا ربي الذي تزعمون، وكأنهم ينتظرون الرد من إبراهيم حين قالوا له: نحن نعبد هذا الكوكب من دون الله ، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٧٦ - ٧٨] أي: أنا بريء من هذا الشرك ومن هذه العبادات التي تعبدونها، قال تعالى على لسان إبراهيم: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٩].
إن سورة الأنعام فواصلها طويلة؛ فجاءت القصة بنفس الفواصل الطويلة مثلها مثل باقي السور، وكذلك يذكر الله في سورة الأنبياء قصة إبراهيم مع أبيه ومع قومه، وهي تأتي على فواصل معينة، والقصة معها على هذه الفواصل، وهذا هو تفنن القرآن العظيم، حيث إنه يذكر قصة في سورة هي نفس القصة في السورة الأخرى، لكن ليست بنفس الصيغة ونفس العبارة، فالقصة قد تكون واحدة لكنه يصيغها بصيغة تناسب سياق السورة التي هي فيها؛ لذلك فأنت عندما تقرأ القصة في كل موضع فإنك لا تمل من ذكرها، ومثل ذلك تجده في قصة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وغيرها من قصص الأنبياء، حيث إنها ذكرت في عدة سور.
يقول الله على لسان إبراهيم ﵊: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء:٧٢]، والأصل: أن يقول: إذ تدعونهم، ولكن مراعاة لفواصل الآيات يقول: إذ تدعون، فأنت حين تسمع صوت الآية، وتسمع وزنها فكأن لها موسيقى، قال تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٧٢ - ٧٤].
إذاً: فهذه الأصنام لا تسمع، وإبراهيم يقررهم بذلك، وهو يعلم أنها لا تسمع، إذاً: فالسؤال ليس سؤالاً للاستفهام، وإنما هو سؤال للإنكار على هؤلاء، أي: هل تعترفون أنها لا تسمع؟ كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء:٧٢]، فإذا ناديت الصنم فإنه لا يرد عليك.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء:٧٣] أي: هل يقدر أن ينفعك بشيء هذا الصنم؟ وهل يقدر أن يضرك بشيء لو فعلت به شيئاً؟
الجواب
لا يقدر أن يفعل شيئاً قال تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٧٤] أي: أن عادة الكفار أن يقولوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، فبما أن آباءنا كانوا على شيء فنحن سنمشي على آثارهم، وسنهتدي بهديهم، ونقتدي بسنتهم، لذلك فالله هنا يعير الكفار بذلك، فأين عقول هؤلاء الذين يعلمون أن الأصنام لا تنفع ولا تضر حين يقولون: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٧٤].
قال الله تعالى على لسان إبراهيم ﵊: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء:٧٥ - ٧٦] أي: كلكم على نفس العبادة أنتم والآباء، ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٧] أي: أنّ هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله سبحانه أنتم وآباؤكم وكل معبوداتكم الباطلة أعداء لي إلا رب العالمين، فكلمة عدو هنا: بمعنى: أعداء، فكلمة (عدو) هنا اسم جنس بمعنى أعداء، والأصل أن يقول: إنهم أعداء لي إلا رب العالمين، فالكلمة تؤدي معنى الجماعة، فتأتي أحياناً للمفرد وللمثنى وللجمع، وللمذكر وللمؤنث، فتقول: عدو، وتقصد بها الواحد، وتقصد الاثنين، وتقصد الجمع، وتقصد الرجل، وتقصد المرأة، كما هو في اللغة العربية.
وأحياناً يفرقون بين عدو وعدوة، فيقال: الرجل عدو، والمرأة عدوة، وذلك إذا كانت معادية، فقد تقول: فلان عدو لي، أي: أنا أعاديه وهو قد لا ينتبه لهذا الشيء، مثل الأصنام في قوله: ﴿إِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء:٧٧]، فهي أصنام وجمادات لا تشعر بشيء، ولكن أنا أعاديها؛ لأنكم عبدتموها من دون الله، فتأتي كلمة عدوة بالتاء في آخرها بمعنى: أعاديها وتعاديني.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٧] الاستثناء هنا استثناء منقطع، فكأنه قال: أنتم تعبدون غير الله، فكل الذي تعبدونه من دون الله أعداء لي، والوحيد الذي أعبده هو الله ، فقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء:٧٧] أي: هذه الأصنام أعداء لي، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٧] أي: أعبده وأحبه وحده لا شريك له.
وقبل ذلك ذكر في قصة موسى في هذه السورة نفسها أنّ فرعون قال لموسى ﵊: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣] فقال تعال حاكياً عن موسى: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء:٢٤]، فقال تعالى حاكياً عن فرعون: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:٢٥]، فقال الله تعالى حاكياً عن موسى: ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:٢٦]، فقال الله تعالى حاكياً عن فرعون: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء:٢٧]، فقال الله تعالى حاكياً عن موسى: ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء:٢٨].
لذلك فإن عادة الكفار أن يسألوا: من ربك؟ ومن عادتهم أن يعبدوا أشياء أمامهم، وأن يعبدوا أبداناً وجمادات أمامهم، فإذا قيل لهم: من ربكم؟ قالوا: هذا الصنم أو هذا الحجر أو هذا الخشب أو هذا التمثال، وهي أشياء ماثلة أمامهم؛ لذلك قال فرعون لموسى ﵊: ﴿مَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣]، أي: مصنوع من ماذا هذا الرب؟ أمن ذهب أو من فضة؟ فقال له موسى: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء:٢٤] أي: ربي الذي خلق كل هذه الأشياء .
وكذلك في قصة إبراهيم لما قال إبراهيم لقومه: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٧]، فذكر لهم الرب ، وكلمة الرب بمعنى: الذي يفعل ما لا يقدر غيره على فعله، الرب: هو المربي والفعال والصانع والخالق ، إذاً: ربي الخالق، قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨]، أي: خلقني وبناء على ذلك فهو أعلم بي ولذلك ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨]، فهل هذه الأصنام خلقتكم حتى تهديكم؟ فتعبدونها لأن آباءكم عبدوها فاتبعتم هدي آبائكم في ذلك، فمن الذي هدى آباءكم إلى ذلك؟ لقد عبدوا أصناماً من دون الله لا تنفع ولا تضر، ولكني أنا عبدت الله الذي ينفعني والذي يضر .
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨]، تمشي على نفس الوزن الذي قبله الياء والنون، وإن كان الأصل أن يقول: (الذي خلقني فهو يهديني)، بزيادة ياء بعد النون، وهذه قراءة يعقوب، ومثلها قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٠]، أما باقي القراء فيقرءونها بغير الياء سواء وقفاً أو وصلاً.
وقوله تعالى: ((الْعَالَمِينَ)) هي جمع عوالم، أي: كل العوالم العالم العلوي والسفلي وما بينه وكل خلق الله، والرب هو يربه ويدبر أمره، فالله صانعه وخالقه ورازقه ومعطيه وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾ [الشعراء:٧٨] أي: أنا الذي اهتديت وليس أنتم، فأنا عبدت من خلقني، فهو الذي يستحق العبادة قوله تعالى: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨] أي: يهديني لصراطه المستقيم، أو يهديني لعبادته ويعلمني.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء:٧٩] أي: أن الذي يطعم هو الله، وأما أصنامكم فلا تط
стр. 959
أمثلة من أدب الأنبياء مع رب العالمين
إن في القرآن مواضع تذكر أدب الأنبياء مع رب العالمين، كما في سورة الكهف في قصة موسى والخضر عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذلك أن الخضر لما سار مع موسى وأراه ثلاث آيات عجيبات قال بعد ذلك: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٨]، فذكر منها قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، مع أن الخضر نبي من أنبياء الله ﵊ ولا يفعل شيئاً إلا بوحي من الله ، فالله هو الذي أوحى إليه أن يخرق هذه السفينة؛ لأن هناك ملكاً يأخذ السفية من أهلها غصباً، والخرق شيء من العيب؛ لأنه يخربها ويفسدها؛ ولذلك قال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، مع أن موسى يعرف أن هذا وحي من الله، لكن الأدب في الكلام عن الله سبحانه أن ينسب فعل العيب إلى نفسه، قال تعالى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف:٧٩].
وأما في أمر الغلام الذي قتل فقد قال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف:٧٤]، فقال: ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف:٨٠] أي: كان والداه صالحين، قال: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨٠ - ٨١]، أي: أردنا نحن، مع أن المريد أصلاً لذلك والذي أمر بذلك هو الله ، ولكن أدب الخضر جعله ينسب إلى نفسه ذلك، فقال: فأردنا، وكأنه يقول: نحن وافَقْنَا ربنا في ذلك، فالله أخبرنا بالحكمة فكان هذا الصواب فأردنا ذلك؛ لأن الله يريد، فلم يقل أراد الله قتله، وإن كانت هذه هي الحقيقة، ولكنه نسب ما ظاهره قد يوهم العيب إلى نفسه، فقال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، وفي أمر الغلام قال: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨١].
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ﴾ [الكهف:٨٢]، فهو عمل نافع، لأنه رأى أن الجدار سيقع فقام وعدله وهذا فيه منفعة، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ [الكهف:٨٢]، فلما كان خيراً محضاً في الظاهر والباطن نسبه إلى الله ؛ تأدباً مع رب العالمين سبحانه.
إذاً: فالأنبياء لما يتكلمون عن رب العالمين فإنهم يكونون في غاية الأدب مع الله ، وانظر إلى قول النبي ﷺ في الحديث: (والشر ليس إليك)، مع أن النبي ﷺ يخبرنا عن ربه سبحانه في القرآن، فيقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، فما كان من شيء إلا والله خالقه من خير وغيره، ولكن خلق الله للأشياء هو خير من الله سبحانه، فخلق المؤمن وخلق الكافر كله خير من الله ، فالله خلق المؤمن ليدخله الجنة، وخلق الكافر ليجاهده المؤمن؛ فيدخل المؤمن الجنة، فكأن الله لو لم يخلق هذا الكافر فإن المؤمن لن يصل إلى الدرجات العالية، فكان في الخلق خيراً للمؤمنين، ولذلك قال ﷺ : (والشر ليس إليك)، فكل ما خلقته فورائه خير سواء لنفسه أو لغيره.
وكذلك في سورة الكهف ذكر الله فتى موسى واسمه يوشع بن نون، فعندما نسي الحوت قال: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف:٦٣]، فالذي يقدر للإنسان أن يتذكر والذي يحجب عنه ذلك هو الله ، ولكن يوشع بن نون يقصد أنه نسي على وجه من الشر، فالشيطان تسبب في ذلك، ولم ينسب ذلك إلى الله ، وأما من حيث الخلق فالله خالق كل شيء .
نعود إلى الآية قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٨٠ - ٨١]، أي: الذي هو قادر على الإماتة وقادر على الإحياء وحده لا شريك له، هل أصنامكم تفعل ذلك؟ فربي يفعل هذا كله.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢]، والكلام هنا عن يوم الجزاء ويوم الحساب، فهذا إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام يطمع في رحمة ربه يوم الدين، فكيف لا يطمع غيره في ذلك؟! قال: ﴿الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء:٨٢]، وما كانت خطيئة إبراهيم؟ لم يذكر لنا ذنبٌ أذنبه إبراهيم إلا أنه كذب ثلاث كذبات، وهو مضطر لذلك على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فالنبي ﷺ يذكر في الحديث أن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات، والظاهر أن هذه الكذبات كانت من باب التعريض، أي: أنه يعرض فيقول كلاماً ليوهم غيره، وهذا أمرٌ واضح.
стр. 960
كذبات إبراهيم ﵇
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء:٨٢]، الخطيئة: هي الذنب، وقد يطلق على الكبيرة من الذنب، فإبراهيم كأنه يستعظم الذنب في حق رب العالمين سبحانه، والنبي ﷺ يخبر عنه أنه كذب ثلاث كذبات في حياته كلها مع كثرة البلاء الذي ابتلي به، وهذا شيء يسير جداً على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فإن إبراهيم كان يعرض في الكلام فهو معذور كما أن غيره يعذر في مثل ذلك، فالكذبة الأولى: كما قال الله عن إبراهيم: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣]، فإن إبراهيم لما حطم الأصنام قالوا: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥٩]، فسألوا إبراهيم: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٢]، قال الله تعالى على لسان إبراهيم: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣] أي: إن كانوا يردون ويتكلمون، فإن كبيرهم هو الذي فعل ذلك، وكأنه تقييد للشيء فقال: ﴿إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣]، فإذا كانوا لا ينطقون إذاً فكبيرهم لا يفعل ذلك، إذاً فكأنه علق ذلك على شرط ليس موجوداً وهو ﴿إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣]، فقد فعله كبيرهم، ولكن أنتم تعلمون أنهم لا ينطقون إذاً لا يفعل كبيرهم ذلك.
والكذبة الثانية: كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]، وذلك لما خرج قوم إبراهيم إلى عيد لهم أرادوا أخذ إبراهيم معهم، فقال إبراهيم: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]، فأظهر أنه مريض وأبطن أن يكيد كيداً في هذه الأصنام، فهو يريد أن يكسر هذه الأصنام، والإنسان قد يكون سقيماً في بدنه وقد يكون سقيماً في قلبه أو في باطنه، وهذا شيء معنوي، وكأنه مثقل بالهموم، فيقول: إني مريض من كثرة ما أرى من المنكرات، وكأن إبراهيم يقصد هذا المعنى، فيوهمهم أنه مريض مرضاً بدنياً فلا يخرج، وحقيقة هو يريد: أني مرضت معنوياً من عبادتكم لهذه الأصنام.
وأما الكذبة الثالثة: لما جاء الجبار وأخذ منه سارة سأله عنها: من هذه؟ فلو قال: زوجتي لقتله، فقال: أختي، فهذه الكذبة الثالثة التي كذبها إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقال لـ سارة: ما على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، إذاً: فنحن إخوة في الله ، فإبراهيم يقصد الإخوة الإيمانية لا النسب؛ لأنها زوجته.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء:٨٢]، فسمى هذه الكذبات خطيئة ولم يسمها خطأً، وكأنها ذنوبٌ كبيرة وقع فيها فأرجو من الله ﴿أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢] وسواء كانت هذه الكذبات شيئاً قد وجد أو أنها لم توجد فإنه قال ذلك على سبيل رجاء رحمة رب العالمين سبحانه: ﴿َالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢]، وكأن الإنسان المؤمن الذي يقول ذلك يستحق أن يغفر الله له، فالذي هو مستيقن أن هناك يوماً يسمى يوم الدين ويوم الجزاء ويوم الحساب، فيطمع من ربه أن يغفر له في هذا اليوم، فيعمل لذلك؛ يستحق المغفرة منه.
ولذلك جاء في الحديث في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: (قلت: يا رسول الله! ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟)، وابن جدعان من أقرباء السيدة عائشة ﵂ فهو قريب أبي بكر الصديق ﵁، وقد كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ فقال النبي ﷺ : (لا ينفعه؛ إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين).
إذاً: فلا ينفعه ذلك الذي كان يفعله، وابن جدعان كان رجلاً كريماً جداً، ولذلك يذكرون عنه أنه كان يطعم الناس كما في الحديث، وكانت له جفنة عظيمة جداً يرقى إليها بسلم، أي: يصعدون إليها ليملئوها طعاماً.
يقول الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: قال العلماء: وكان ابن جدعان -واسمه عبد الله بن جدعان - كثير الإطعام، وكان قد اتخذ للضيفان جفنة يرقى إليها بسلم.
ولاحظ وجه المناسبة بين إبراهيم وبين ابن جدعان، فإبراهيم ﵇ كان أبا الضيفان، فكان يلقب ويكنى بذلك ﵊، فكان الضيوف يأتونه فيطعمهم، وقد أتى إليه ثلاثة من الملائكة في هيئة ثلاثة من البشر، فأطعمهم عجلاً حنيذاً، وكان ابن جدعان رجلاً كريماً يطعم الضيفان، ويحضر لهم الجفنة الضخمة التي لا يرقون إليها إلا بسلم من أجل أن ينالوها، إلا إن إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام قال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢]، وأما ابن جدعان فلم يقل ذلك؛ لذلك لم يستحق أن يغفر الله له، فقال النبي ﷺ : (لا ينفعه؛ إنه لم يقل يوماً من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)، فلو قال ذلك لنفعته هذه الكلمة، فلو أقر بربوبية الله سبحانه، وأنه وحده القادر على المغفرة، ولو أنه أقر بألوهية الله فعبده ودعاه -فإن الدعاء عبادة لله بدلاً من أن يتوجه إلى الأصنام، لنفعه ذلك، قال رسول الله ﷺ : (لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)، وأما إبراهيم فقد قالها ودعا ربه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء:٨٣].
فهو حين قال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢] توجه إلى ربه سبحانه وسأله من فضله، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ [الشعراء:٨٣]، والحكم: هو معرفة الله سبحانه، ومعرفة حدوده وأحكامه تعالى، وأيضاً معناه: هب لي فهماً وهب لي علماً من لدنك، فهذا هو السؤال النافع، فالإنسان يسأل ربه ما ينتفع به كما سأل إبراهيم ربه، وأيضاً قالوا: من معانيها النبوة والرسالة إلى الخلق، فاستجاب له ربه .
قوله تعالى: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء:٨٣] أي: اجعلني عندك مع عبادك الصالحين، وألحقني بالنبيين من قبلي في درجتهم، وليس معناه: توفني الآن وإنما معناه: إذا توفيتني فاجعلني في درجة النبيين الذين من قبلي عليه وعليهم الصلاة والسلام.
ثم قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤] أي: اجعل لي ذكرى جميلة عند الآخرين، فاستجاب الله له، فكل من جاء من الأنبياء بعده فهم من ولد إبراهيم ﵊، وكلهم يذكرون إبراهيم ويدعون له على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
وقد تنازع عليه اليهود والنصارى، فاليهود يقولون: كان إبراهيم يهودياً، والنصارى يقولون: كان إبراهيم نصرانياً، والمسلمون يقولون: بل كان حنيفاً مسلماً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
فهذا الثناء الجميل كله لإبراهيم ﵇، وكل من جاء بعد إبراهيم يذكره بخير عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ﴾ [الشعراء:٨٤] أي: اجعل كل من يأتي بعدي يذكرني بالثناء الحسن، لا يدعو أحد علي بشر، ولا أحد يتكلم عني بكلام لا يليق، فكان من جاء بعد إبراهيم يذكرونه بالثناء الحسن؛ استجابة لدعوته ربه سبحانه.
ثم قال: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء:٨٥] أي: مع المؤمنين الذين يرثون الجنة، فهو لم يقل: اجعلني وارث جنة النعيم، بل أنا وغيري نرث جنة النعيم، فتكون لنا بعد ذلك ولا نخرج منها أبداً.
ثم قال: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء:٨٦]، فسأل ربه أن يغفر لأبيه؛ لأنه كان من الضالين، وهذا كان قبل أن يعلم إبراهيم أن أباه عدو لله، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود:٧٥].
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 961
تفسير سورة الشعراء [٦٩ - ١٠٤]
ذكر الله في هذه الآيات من سورة الشعراء مكانة إبراهيم ﵇ وعلو منزلته، فلقد أنكر على أبيه وقومه عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، وقد تبرأ إبراهيم ﵇ من أبيه وقومه ومما يعبدون من دون الله تعالى، وسأل إبراهيم ربه جل شأنه أن يعطيه علم النبوة، وأن يلحقه وذريته بالصالحين، وأن يجعل من يأتون بعده من الأقوام والأمم يثنون عليه ثناءً حسناً.
стр. 962
تفسير قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ إبراهيم إلا من أتى الله بقلب سليم)
стр. 963
تلبية المشركين عند طوافهم بالبيت الحرام
لقد كان المشركون يلبون عندما يطوفون بالبيت، ويسمعهم النبي ﷺ وهم يقولون: لبيك لا شريك لك لبيك، وكان النبي ﷺ يلبي معهم، فلما يذكرون الشرك بالله سبحانه ويقولون: إلا شريكاً هو لك، يقول النبي ﷺ : قط قط، أي: حسبكم ما قلتم من توحيد، ولا داعي لهذا الشرك الذي تقولونه، فكانوا يلبون بالتوحيد ثم يقرنون هذا التوحيد بالشرك بالله سبحانه، فيقولون: لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، فكان النبي ﷺ ينكر عليهم ذلك، ويأمرهم أن يوحدوا الله وحده لا شريك له.
стр. 964
مناظرة إبراهيم لقومه في عبادة الأصنام
ذكر الله أن إبراهيم إمام الموحدين وأبا الأنبياء دعا الخلق إلى حج هذا البيت؛ لإقامة التوحيد، وألا يجعلوا لله شريكاً في ملكه وخلقه وأمره، فوجد إبراهيم الخليل ﵊ أباه يصنع الأصنام لقومه، وقومه يعبدونها، فقال لقومه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء:٧٠]؛ حتى يقروا بألسنتهم أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء:٧١] يعني: حجارة صورناها على هيئة الآدمي، أو هيئة ما فيه الروح، فقال: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء:٧٢ - ٧٣] أي: هل هذه الأصنام تسمع من يناديها؟ وهل هي تنفع أو تضر؟ ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٧٤] يعني: نحن نفعل كما فعل آباؤنا، ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٥ - ٧٧].
يعني: هؤلاء أعداء لي، فكل ما عبد من دون الله فأنا أتبرأ منه، وأعاديه وأظهر العداوة له، إلا الله وحده لا شريك له الذي أعبده ولا أشرك به شيئاً، ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨] أي: الذي يملك الخلق هو الذي يملك الأمر، فيأمر ويهدي سبحانه، ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٧٩ - ٨٢].
فهذا الرب هو الذي يملك الدنيا والآخرة، ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٧] أي: العالم العلوي والعالم السفلي، فرب كل شيء هو الله سبحانه وهو الذي أعبده ولا أشرك به شيئاً.
стр. 965
مكانة إبراهيم ﵊ وعلو منزلته
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الشعراء: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٦٩ - ١٠٤].
ذكر الله في سورة الشعراء قصص الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، ومنها قصة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال الله لنبيه ﷺ : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشعراء:٦٩].
أي: اتل على الذين تدعوهم إلى الله ، وهم يعرفون جيداً من إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فهو الذي بنى الكعبة التي هي شرف لهم، فيحج الناس إليها من كل مكان، ويطوفون بهذا البيت، ويعرفون أن الذي بناه هو إبراهيم ورفعه معه إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
وإبراهيم ﵊ كان إمام الموحدين، فقد دعا الناس إلى توحيد الله سبحانه، فليتعظوا بذلك، وليتبعوا إبراهيم الخليل ﵊ الذي دعا الخلق إلى توحيد الله، ودعاهم إلى أن يحجوا هذا البيت.
стр. 966
تفسير قوله تعالى: (رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين)
قال إبراهيم ﵊ داعياً ربه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ [الشعراء:٨٣] أي: علماً ونبوة، فهو يسأل الله الشيء الذي ينفعه في الدنيا والآخرة، إذاً: فالحكم هو النبوة والعلم والمعرفة بالله سبحانه، وبحدوده وأحكامه سبحانه.
قوله تعالى: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء:٨٣] يعني: اجعلني في درجة السابقين من الأنبياء وكذلك من يلي الأنبياء والمرسلين، فاجعلني معهم يوم القيامة في درجتهم العالية.
قال ابن عباس: أي: اجعلني في أهل الجنة.
стр. 967
تفسير قوله تعالى: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين)
قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤] يعني: اجعل من يأتون من بعدي يذكرونني بخير، وكأنه يقصد: ثبتني على هذا الدين ولا تضلني، واجعلني إماماً للخلق، فإذا اقتدوا بي دعوا لي، فاجعلهم يدعون لي بألسنتهم، ويصدقون ما قلت ولا يكذبونني، ويثنون علي ولا يقبحوني.
ثم قال: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء:٨٥] يعني: اجعلني مع ورثة الجنة الذين يدخلونها.
стр. 968
تفسير قوله تعالى: (واغفر لأبي إنه كان من الضالين إلا من أتى الله بقلب سليم)
إذاً: فكل هذه الأدعية جميلة من إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ومنها: دعاؤه لأبيه، وأبوه كان من الضالين، وإبراهيم نفسه يقر بذلك: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء:٨٦] فإذا كان أبوه من الضالين وهو مصرّ على ذلك حتى يتوفاه الله على هذا الضلال، فكيف يغفر له كفره؟ فالله لا يغفر الشرك أو الكفر، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ [الشعراء:٨٦] هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر وأبي عمرو: ((وَاغْفِرْ لِأَبِيَ)) بفتح الياء؛ ((إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ)) أي: من التائهين المتحيرين الذين تاهوا عن الهدى وذهبوا إلى الضلال.
стр. 969
المنافق خب لئيم
والمنافق خب لئيم، أي: أنه يفتش وراء كل شيء، والأصل عند المنافق وعند الكافر إساءة الظن في الجميع، فجميع الناس عنده مخيفين، لذلك فهو يفتش وراء كل إنسان من أجل أن يعرف ما وراءه.
وطبيعة الإنسان تنضح على عينه، فيرى كل إنسان بما في قلبه هو، فالإنسان الذي عنده إساءة الظن في الناس، وأنهم مخيفون، فهذا لأنه هو في نفسه مخيف وليس قلبه مطمئناً، فنظرته نضحت على عينه هذا الشيء فيرى الناس أمامه كلهم على هذه الهيئة، وفي هذا خطر على الإنسان، ولذلك جاء في حديث النبي صلى أنه قال: (من قال: هلك الناس فهو أهلكهم)، أي: أنه ينظر أن كل الناس قبيحون، وأنهم هلكى، فهو أشدهم هلاكاً؛ لأنه اغتر وظن أنه هو الناجي الوحيد.
والإنسان المؤمن يحب الخير لنفسه ولجيرانه وللناس أيضاً، ويحب لهم أن يكونوا مؤمنين، وأن يكونوا مصلين، وأن يكونوا من أهل الطاعات، ولذلك فإن إبراهيم دعا أباه ودعا قومه إلى الخير، ودعاهم إلى الله وتلطف في دعوتهم إلى ذلك، فدعا أباه فقال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٣ - ٤٥].
فانظر الكلام الطيب من إبراهيم لأبيه صانع الأصنام وعابد الأوثان، فيجيب أبوه بقوله: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ﴾ [مريم:٤٦] أي: ألا تعجبك الآلهة التي أعبدها، أراغب عنها؟ ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦] أي: لأرجمنك بالحجارة وأشتمك أمام الناس، وامش بعيداً عني، فهذا الجواب السفيه يصدر من أهل السفاهة، وذلك لائق بهم، وأما إبراهيم فالذي يليق به أنه حليم أواب منيب ﵊، فيحلم عن أبيه، فقال: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧] أي: مهما عملت فأنا سأستغفر لك ربي؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧] أيْ: إنه كريم ورءوف بي عطوف علي، وحنانه عظيم بي.
وقوله ﷺ : (يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير) يعني: قلوبهم طيبة ونقية، فلا غل فيها، وفيها التوكل على الله وتوحيد الله سبحانه كقلوب الطير.
يقول العلماء: هذه الأفئدة مثل قلوب الطير في كونها خالية من كل ذنب، سليمة من كل عيب، لا خبرة لها بأمور الدنيا، فصاحب هذا القلب لا يفتش عن أحوال الناس، فهو يتعامل مع الناس بكرم ورأفة ورحمة، فصاحب هذا القلب السليم من أهل الجنة، كما قال الله : ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
وكلام إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام فيه جمال في السياق وحسن انصراف وتخلص من شيء والدخول في شيء ثانيٍ، ألا وهو الكلام عن الجنة وعن النار، فالكلام هنا ليس كلام إبراهيم، إنما هو كلام رب العالمين سبحانه.
стр. 970
ما هو القلب السليم
والقلب السليم هو القلب الذي ليس فيه غل ولا ضغينة ولا حقد ولا شك ولا شرك بالله سبحانه، وإذا اقترف ذنوباً فإنه لا يظل مقيماً عليها، بل سرعان ما يتوب إلى الله سبحانه، والقلب السليم هو قلب المؤمن؛ فإنه سليم من الشرك والشك.
وأما قلب الكافر أو المنافق فإنه مريض؛ لأنه لا يعرف الحق، ولا يعرف الله ، ولا يعبده حق العبادة، فعلى ذلك فإن المؤمن قلبه مطمئن بذكر الله، فهو قلب سليم وصحيح.
стр. 971
الفرق بين القلب المريض والقلب السليم
وفرق بين القلب المريض والقلب السليم، فصاحب القلب السليم يعرف أن هذا حق وأن هذا باطل، لذلك يقول له النبي ﷺ : (استفت قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوك)؛ لأن القلب إذا كان سليماً مال إلى الحق وعرفه ولم يتبع الهوى، وهو القلب الخالي عن البدع؛ لأن الإنسان المبتدع إذا وقع في بدعة فإنه يخرج منها إلى بدعة أخرى، إلا أن يتوب الله عليه، فالمؤمن قلبه سليم؛ لأنه بعيد عن الشرك والنفاق والرياء والبدع والضلالات، وهو سليم من الميل إلى حظوظ الدنيا، إذاً: فالقلب السليم قلب خالص لله .
стр. 972
تعريف ابن سيرين للقلب السليم
يقول ابن سيرين: القلب السليم: أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة حق، وأن الله يبعث من في القبور، والمسلم قلبه سليم إذا لم تطمس أنواره الظلمات والمعاصي.
وجاء في الحديث في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير)، فالطير يخدع سريعاً، فإذا وضعت الشبكة فإنه يقع فيها، لأنه ليست له خبرة كبيرة، فكأن هؤلاء الذين أفئدتهم مثل أفئدة الطير لا خبرة لهم في الحياة، ولا يهمهم أن يأخذوا خبرة في الحياة، فهم يتعاملون مع الناس بسلامة الصدور، ويستغل الناس منهم ذلك فيخدعونهم ويضحكون عليهم، ويغبنونهم ويدلسون عليهم، وهم يتعاملون مع الله، فيعفون عمن ظلمهم، ويجعلون أمرهم لله ، فالمؤمن غر كريم، والكافر خب لئيم.
فالمؤمن غر بمعنى: أنه قد يُضحَك عليه، ولا يحاول أنه في كل حاجة يقوم يبحث وراءها ويدقق فيها، فوقته أغلى وزمنه أغلى، فهو خائف أن الموت يدركه وهو على غير عبادة، فلا يذهب وراء الناس ووراء كل عمل يعملونه، وقد يشتمه إنسان فيقول: ما يقصدني، وكانوا يعتبرون ذلك في الجاهلية من مكارم الأخلاق، ولعل بعضهم يقول: ولقد أمر على اللئيم يسبني فأمر ثم أقول لا يعنيني أي: ولقد أمر على إنسان لئيم فيشتمني، فأتجاوز هذا اللئيم وأقول لنفسي: ما يقصدني، مع أنه يراه وهو يشتمه، فهو لا يريد أن يضيع وقتاً في عراك مع هذا الإنسان.
وكذلك الإنسان المؤمن، فهو يعلم أن الدنيا زمنها محدود، فهو من ساعة ما ولد وعمره محدود، وهو آخذ في النقصان، فهو ينقص ولا يزيد، وإذا كان الإنسان مقدر له أن يعيش ستين سنة فإنه كلما مر عام نقص من عمره، فلا يزال في التناقص لغاية النهاية.
стр. 973
المؤمن غر كريم
إن المؤمن يخاف أن يضيع هذا العمر الذي قيمته عظيمة جداً ولا يتكرر، فإذا تشاجر مع هذا، ويدقق في الأمور مع هذا، ويبحث وراء هذا، فإن ذلك سيضيع عليه جزءاً من عمره، إذاً فالمؤمن لا وقت عنده لهذه الأمور، فالمؤمن غر كريم، يعني: أنه ليس له خبرة كبيرة في أمور الدنيا، وليس معناه: أنه غبي، فالمؤمن ليس غبياً، المؤمن فيه نور الإيمان، ولكنه لا يضيع وقته ويفتش وراء كل حاجة من أجل أن يحصل عليها، فهو سليم الصدر، ويتعامل مع الناس بمنطلق حسن النية وحسن الظن.
وانظروا إلى سيرة عبد الله بن عمر ﵄ فإنه كان يحب أن يعتق العبيد، فالعبد الذي يجده صالحاً مصلياً فإنه يعتقه، فكان العبيد فيهم لؤم فعندما يرون عبد الله بن عمر فإنهم يذهبون إلى المسجد للصلاة ويخشعون في الصلاة، فيعتقهم ابن عمر ويقول لمن يفعل ذلك: أنت حر لوجه الله، فلما تكرر منه ذلك قال له الناس: إنهم يخدعونك، فهم ما كانوا يعملون هذا من ورائك بل أمامك فقط، فقال ابن عمر قولته الجميلة: من خدعنا بالله انخدعنا.
ومعنى مقالة ابن عمر: إذا كان قد خدعني فإني أحب عبادته وربنا لا يخدعني، فربنا يعاملني على ما في قلبي وعلى سلامة صدري، فإذا كان هذا العبد قد خدعني فهو لم يخدع الله، فالله يعطيني أجري، وهو عليه إثمه.
فالمؤمن غر كريم يعطي، والإنسان الكريم هو الذي يسامح ويعفو ويتعامل مع الناس بكرم الخلق، وكذلك المؤمن.
стр. 974
سبب استغفار إبراهيم لأبيه وهو كافر
وقال سبحانه في سورة أخرى ليبين سبب استغفار إبراهيم لأبيه وهو لا يزال على الكفر، فقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة:١١٣ - ١١٤] يعني: لما زجره أبوه قال له: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، قال تعالى: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٧ - ٤٨].
فوعد إبراهيم أباه أن يستغفر له، ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧]، فبناء على هذا الوعد قال الله : ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ [التوبة:١١٤] أي: عن وعده إياه، فلما بين له ربه أن أباه عدو لله، تبرأ من أبيه ومن المشركين، وعبد الله وحده لا شريك له، فاستحق أن يكون خليل الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤].
ثم دعا ربه فقال: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٧ - ٨٩].
فقوله تعالى: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء:٨٧]، فالخزي العظيم هو خزي يوم القيامة، وقد يصيب الإنسان في الدنيا شيء من الإهانة أو الإذلال لكن ليس هو الذل ولا الخزي العظيم، فالخزي العظيم ما يكون يوم القيامة، فتكون فضيحة أمام الخلائق جميعهم ثم المصير إلى نار جهنم -والعياذ بالله- فإبراهيم ﵊ سأل ربه ألا يخزيه في هذا اليوم العظيم، وجاء في حديث النبي ﷺ : (أن إبراهيم -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- يرى أباه يوم القيامة وعليه الغبرة والقترة) أي: يرى أباه يوم القيامة وعليه الذل، ووجهه منكدر مخسوف من شدة حيائه مما فعل في الدنيا من عبادته غير الله سبحانه.
وفي الحديث يقول النبي ﷺ : (يلقى إبراهيم أباه يوم القيامة فيقول: يا رب إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، فيقول الله : إني حرمت الجنة على الكافرين)، فإبراهيم يذكر لربه: أنت وعدتني أنك لا تخزني، وأي خزي أشد من أبي الأبعد وهو يدخل النار، ولذلك رحم الله إبراهيم يوم القيامة ولم يخزه، فلما نظر إلى أبيه في صورته حن لأبيه، فقال الله : (يا إبراهيم! انظر ما وراءك، فنظر إبراهيم وراءه فلما التفت إذا بأبيه يتحول إلى صورة ضبع -أي: هيئة هذا الحيوان الذي على هذه الصورة -فإبراهيم لا يخطر بباله أن هذا أبوه ملطخ بطين ودم- ثم يؤخذ بقوائمه ويلقى في النار).
فالذي أشرك بالله سبحانه لا ينفعه أن ابنه كان أباً للأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد حذره الله وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فأبى الرجل إلا الكفر، وقال لإبراهيم: إما أن تكون معي فيما أنا فيه وإلا اعتزلني، وإلا لأرجمنك، أي: أسبك أو أخذفك بالحجارة، فهذا كان جوابه في الدنيا، فلم يستحق يوم القيامة إلا النار، يقول الله : ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ﴾ [الشعراء:٨٨] أي: لا ينتفع الإنسان بالمال ولا بالبنين يوم القيامة، إلا أن يكون هذا المال أنفقه في الدنيا في طاعة الله، أو أن يكون ربى الأبناء تربية صالحة على عبادة الله، فينفع الأبناء آباءهم يوم القيامة بشفاعة ونحوها، ولكن في البداية في الموقف العظيم الكل يفر بعضهم من بعض، وكل إنسان يقول: نفسي نفسي، وحتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقولون: نفسي نفسي نفسي.
ويوم القيامة لا ينفع المال، وقدِّم المال على البنين في الذكر؛ لأن نفع المال في الدنيا للإنسان لعله أكثر من نفع البنين، وكل الناس يكون معهم المال، وليس كل الناس معهم البنون، فعلى ذلك فإن الإنسان بماله يفعل ما يريد فيأكل ويشرب، ولكن ليس كل إنسان له أولاد وبنون.
فيقول هنا: هذا المال الذي كنت تتمتع به في الدنيا لا ينفعك يوم القيامة، فليس هناك رشوة، أو أخذ مال، وإنما ينفع في هذا اليوم ﴿مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩].
стр. 975
تفسير قوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين وإن ربك لهو العزيز الرحيم)
يقول تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء:٩٠ - ٩٣].
ففي هذه الآيات انتقل الله تعالى من كلامه لنبيه ﷺ : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ [الشعراء:٦٩ - ٧٠] وذكر مقالته، ثم أخبرهم عن رب العالمين، وانتقل لبيان من هو رب العالمين، فدعا إبراهيم قومه إلى ربه سبحانه، ثم دعا لأبيه، ثم جاء بعد ذلك ذكر النار والجنة، فالله الآن يخاطبنا نحن، فهنا حصل التفات وخروج من خطاب إلى خطاب آخر، ومع ذلك تقرأ كل هذه الآيات في سياق واحد ولا تلاحظ الالتفات والخروج من موضوع إلى آخر، وفي هذا دلالة على عظمة القرآن كلام رب العالمين سبحانه.
стр. 976
تفسير قوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين)
يقول ربنا سبحانه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء:٩٠] أي: صارت لهم قريبة منهم، وأدنيت حتى يدخلوها، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
فأهل التقوى هم الذين اتقوا المعاصي، واتقوا غضب الله سبحانه، واتقوا الذنوب والشرك بالله فصاروا من أهل الجنة، فهم أتقياء أنقياء أثرياء، قلوبهم مصابيح الدجى، نجاهم الله في الدنيا من كل غبراء مظلمة، ونجاهم يوم القيامة يوم الموقف العظيم من أن يكونوا من أهل النار، فقربهم من الجنة وقربها لهم، وأدنيت ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء:٩٠].
стр. 977
تفسير قوله تعالى: (وبرزت الجحيم للغاوين)
وقوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ﴾ [الشعراء:٩١] أي: أظهرت، وبرز الشيء ظهر وارتفع.
وانظر إلى التعبير الجميل في تقريب الجنة من المتقين، فما قال: إنهم قربوا منها، فالإكرام العظيم لأهل التقوى أن الجنة تقرّب منهم، فقد جاءت إليكم فادخلوها، قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء:٩٠ - ٩١].
وأما الكفار فقبل أن يدخلوا النار فإن الله يريهم النار؛ من أجل أن يخافوا منها، وبعد ذلك يلقون في نار جهنم والعياذ بالله.
وقوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ﴾ [الشعراء:٩١] أيْ: أُبرزت لهم، فجعلت بارزة يراها كل من ظهرت له، وسميت الجحيم؛ لأنها متقدة مستعرة وفيها اشتعال، يقال لعين الأسد: إنها جحمة؛ لأنها عين براقة مشتعلة، وعين الأسد فيها احمرار، فهي تخوف فسميت جحمة، وكذلك هذه النار -والعياذ بالله- فإنها مشتعلة.
إذاً فالجحيم هي: النار المستعرة المشتعلة.
﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء:٩١]، غوى الإنسان أي: ضل واتبع العوى، وإنسان غاوٍ أي: إنسان ضال ترك طريق الهدى وانحاز إلى الضلال، فهو إنسان غاوٍ.
إذاً فالكفار والغاوون من أهل الكبائر وأهل المعاصي أظهرت لهم جهنم قبل أن يدخلوها، ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [يس:٦٣]، فينظرون إلى النار فيخافون ويفزعون من منظرها، وبعد ذلك يدخلونها، وانظروا إلى السياق القرآني يقول الله : ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الشعراء:٩١ - ٩٣]، أين الأصنام؟ وأين الأوثان؟ وأين كبراؤكم؟ وأين الجان؟ وأين من كنتم تعبدونه من دون الله؟ والسؤال هنا ليس سؤال استفهام، وإنما هو سؤال توبيخ وتبكيت لهؤلاء، ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ [الشعراء:٩٢ - ٩٣] الآن ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء:٩٣] أي: إن كانوا لا يستطيعون أن ينصروكم، فلينصروا أنفسهم ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء:٩٣] أي: عندما رأوا النار ورأوا عذاب رب العالمين سبحانه.
стр. 978
تفسير قوله تعالى: (فكبكبوا فيها هم والغاوون)
قال تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ [الشعراء:٩٤].
فقد قلنا: إن الله أراهم النار -والعياذ بالله- كي يخافوا ويذعروا منها، وإذا بهم يؤخذون ويكبكبون، وهذا التعبير غليظ وفيه شدة.
وتفسير كبكبوا: أي جمعوا على بعض ودحروا في نار جهنم، فوقعوا فيها، ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور:١٣]، ويضربون على أقفائهم؛ من أجل أن يكبوا في نار جهنم بعضهم فوق بعض، فكل إنسان غاوٍ، أو ضال، أو بعيد عن الله سبحانه، أو استكبر عن عبادة الله، وترك طاعة الله فإنهم ينطبق عليهم، ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ [الشعراء:٩٤]، ومعهم ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء:٩٥]، وجنود إبليس في الدنيا كانوا لا يرون إبليس ولا جنوده، وفي يوم القيامة يرونهم على أبشع الصور، فالإنسان يخاف من المناظر القبيحة التي أمامه، فكيف بمن سيكون صاحبه في النار من مثل هذه المناظر؟! فيجعلون جميعاً في نار جهنم: هؤلاء الغاوون ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء:٩٥]، فلما دخلوا النار ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ [الشعراء:٩٦] أي: يتخاصمون ويتشاجرون مع بعض في النار، فيكون هناك نار وعذاب وعراك وخصام.
стр. 979
تفسير قوله تعالى: (تالله إن كنا لفي ضلال مبين)
قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:٩٧] أي: لقد كنا ضالين؛ لأنكم عتمتم علينا وجعلتمونا نضل ونبتعد عن رب العالمين.
وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ﴾ [الشعراء:٩٧] هذا قسم بالتاء، ولا يكون إلا في لفظ الجلالة فقط ولا يجيء لغير لفظ الله.
وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:٩٧] أي: يا خسارة! فنحن كنا في ضلال مبين واضح في أيام الدنيا، فكيف عمينا عن الحق؟ ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:٩٧] أي: لقد كنا في ضلال مبين.
стр. 980
تفسير قوله تعالى: (إذ نسويكم برب العالمين)
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٨]، فقد نظروا إلى إبليس وجنوده، ونظروا إلى من عبدوا من دون الله فقالوا: لقد كنا في ضلال: أأنتم آلهة؟! فأين ذهبت عقولنا؟ وكيف كنا نعبدكم من دون الله؟ ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨] أي: أأنتم مثل رب العالمين؟!
стр. 981
تفسير قوله تعالى: (وما أضلنا إلا المجرمون)
قال تعالى: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء:٩٩] أي: ما أضلنا إلا أهل الجرم والفجور والمعاصي، وكذلك الشياطين الذين زينوا لنا عبادة غير الله سبحانه، وزينوا لنا الشرك والكفر والمعاصي.
стр. 982
تفسير قوله تعالى: (فما لنا من شافعين)
قال الله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء:١٠٠]، فهم يندبون حظوظهم، ويبكون على أنفسهم، ويقولون: لا يوجد من يشفع لنا، وذلك لما رأوا أهل الإيمان وأهل التوحيد يشفع بعضهم لبعض، فأهل الطاعة نفعتهم الشفاعة.
فقد دخل أناس من الموحدين النار، ونفعهم من شفع فيهم كالنبي ﷺ ، وأهل الدين، ومن أحبهم من المؤمنين، فأخرجهم الله من النار، فلما رأى الكفار ذلك قالوا: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء:١٠٠] أي: نحن ما لنا أحد يشفع لنا.
стр. 983
تفسير قوله تعالى: (ولا صديق حميم)
قال تعالى: ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠١] أي لا يوجد رجل بيننا وبينه صداقة دافئة؛ لأن الحميم: هو الماء الساخن الدافئ، يعني: رجل بيننا وبينه صلة وصداقة في الدنيا تنفع الآن، فلا تنفع صداقة كلام فقط، فقد كانوا في الدنيا أصدقاء، فأهل المعاصي يصادق بعضهم بعضاً، ويقولون له في الدنيا: نحن نفديك بأرواحنا ونفديك بكذا، وهذا كلام فارغ، فلما يأتي يوم القيامة لا يجد من يقول له: أفديك بكذا، فكلهم في النار والعياذ بالله، فقالوا: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١].
стр. 984
معنى الشفيع
والشافعون: هم الشفعاء، وسمي الشفيع شفيعاً؛ لأنه لا يترك صاحبه وحده، وإنما يشفعه فيكون معه اثنين بدلاً من أن يكون وحده، فتقول: تعال يا فلان اشفع لي عند فلان، يعني: كن بجانبي فنصير اثنين، ولا تتركني وحدي.
стр. 985
معنى الصديق
والصديق: مأخوذ من الصدق، فهو صديقك الذي يصدقك، والذي يكون معك، وفي قلبه محبة ومودة لك فيصدقك في النصيحة، ويأمرك بالمعروف وينهاك عن المنكر، ويكون معك في سرائك وفي ضرائك، وهو الصادق في ودادك الذي يهمه أمرك، فهذا هو الأخ في الله سبحانه.
следующие страницы →