← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

تفسير قوله تعالى: (وما أضلنا إلا المجرمون) قال تعالى: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء:٩٩] أي: ما أضلنا إلا أهل الجرم والفجور والمعاصي، وكذلك الشياطين الذين زينوا لنا عبادة غير الله سبحانه، وزينوا لنا الشرك والكفر والمعاصي.

стр. 982

تفسير قوله تعالى: (فما لنا من شافعين) قال الله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء:١٠٠]، فهم يندبون حظوظهم، ويبكون على أنفسهم، ويقولون: لا يوجد من يشفع لنا، وذلك لما رأوا أهل الإيمان وأهل التوحيد يشفع بعضهم لبعض، فأهل الطاعة نفعتهم الشفاعة. فقد دخل أناس من الموحدين النار، ونفعهم من شفع فيهم كالنبي ﷺ ، وأهل الدين، ومن أحبهم من المؤمنين، فأخرجهم الله من النار، فلما رأى الكفار ذلك قالوا: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء:١٠٠] أي: نحن ما لنا أحد يشفع لنا.

стр. 983

تفسير قوله تعالى: (ولا صديق حميم) قال تعالى: ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠١] أي لا يوجد رجل بيننا وبينه صداقة دافئة؛ لأن الحميم: هو الماء الساخن الدافئ، يعني: رجل بيننا وبينه صلة وصداقة في الدنيا تنفع الآن، فلا تنفع صداقة كلام فقط، فقد كانوا في الدنيا أصدقاء، فأهل المعاصي يصادق بعضهم بعضاً، ويقولون له في الدنيا: نحن نفديك بأرواحنا ونفديك بكذا، وهذا كلام فارغ، فلما يأتي يوم القيامة لا يجد من يقول له: أفديك بكذا، فكلهم في النار والعياذ بالله، فقالوا: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١].

стр. 984

معنى الشفيع والشافعون: هم الشفعاء، وسمي الشفيع شفيعاً؛ لأنه لا يترك صاحبه وحده، وإنما يشفعه فيكون معه اثنين بدلاً من أن يكون وحده، فتقول: تعال يا فلان اشفع لي عند فلان، يعني: كن بجانبي فنصير اثنين، ولا تتركني وحدي.

стр. 985

معنى الصديق والصديق: مأخوذ من الصدق، فهو صديقك الذي يصدقك، والذي يكون معك، وفي قلبه محبة ومودة لك فيصدقك في النصيحة، ويأمرك بالمعروف وينهاك عن المنكر، ويكون معك في سرائك وفي ضرائك، وهو الصادق في ودادك الذي يهمه أمرك، فهذا هو الأخ في الله سبحانه.

стр. 986

منافع الصديق لصديقة والأخ في الله ينفعك في الدنيا، وينفعك في قبرك، وينفعك يوم القيامة، ففي الدنيا ينصحك ويأمرك بالمعروف وينهاك عن المنكر، وما سألته شيئاً إلا وأجابك في هذا الشيء، فإذا طلبت منه إعانة أو شيئاً آخر فهو يكون معك، فإن لم يكن معك بماله أو ببدنه فهو معك على الأقل بكلامه فيواسيك. فإذا مت فهو الذي يشيعك إلى قبرك، ويقف على قبرك يدعو لك، ويصلي عليك، فتنتفع به وأنت في قبرك. وإذا مت فهو يبحث عن حال عيالك وأهلك هل هم محتاجون لشيء، ففي الدنيا كانت صداقة حقيقية فنفعت، وأنت في قبرك فهو يبحث عن دينك ليقضي عنك دينك؛ حتى لا تعذب عند الله سبحانه. فإذا كنت يوم القيامة وأدخلت النار فإن هذا الصديق الحميم الذي كان من الأتقياء ينفعك عند رب العالمين، ولا يزال يدعو ربه حتى يخرجك الله من النار بفضله وبكرمه سبحانه، وبدعاء هذا الصديق الحميم. ولعل هذا الأخ في الله يكون أخوه في منزلة دنيا في الجنة، وهو في منزلة عليا، فيشفع عند رب العالمين فيرفع أخاه في منزلته، وانظر لحديث النبي ﷺ الذي يقول فيه: (المرء مع من أحب)، فهذا الصديق الحميم وهذا الأخ في الله ينفع أخاه في الدنيا وفي الآخرة، فلذلك فالكفار عندما يرون ذلك إذا بهم يتحسرون في وقت قد فاتهم ذلك، فلا ينفعهم البكاء، ولا تنفعهم الحسرة، ولا ينفعهم الندم، ولا ينفعهم إيمانهم فقد رأوا ما كان غيباً رأوه شهادة، فقالوا: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١].

стр. 987

تفسير قوله تعالى: (فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين) ثم قالوا: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [الشعراء:١٠٢] أي: مرة ثانية نرجع إلى الدنيا، وقد قضى الله ألا يرجع إليها لا المؤمن ولا الكافر، فالدنيا هي مرة واحدة فقط، وقال الكفار: نرجع إلى الدنيا، وقد قالها المؤمنون الشهداء لما وجدوا عظيم الثواب عند رب العالمين، فسألوا ربهم سبحانه أن يعيدهم إلى الدنيا؛ حتى يقتلوا مرات ومرات في سبيل الله سبحانه لما رأوا من عظيم الأجر عند الله سبحانه، قال تعالى على لسان الكفار: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٠٢ - ١٠٣]. أي: إن في هذا الذي تلوناه عليكم، والذي ذكرناه لكم في هذه الآيات وغيرها موعظة وعبرة لمن كان مؤمناً، ولكن أكثر الناس ليسوا مؤمنين، فلا ينتفعون بهذه المواعظ.

стр. 988

تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين) قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٠٣ - ١٠٤]، وتتكرر في نهاية الآيات في كل قصة من القصص القرآنية هذه الآية، فقد تكررت ثمان مرات، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٠٣ - ١٠٤]؛ ليبين لك عقب كل قصة من القصص أن هنا آية، فاعتبر إن كنت ممن يعتبر، وأكثر الناس لا يعتبرون، فكن أنت من الأقل الذين يعتبرون ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٠٣]، فإن لم تعتبر أنت ولا غيرك فـ ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٠٤]، فالله لا يحتاج إلى أحد، وهو الرب سبحانه.

стр. 989

تفسير قوله تعالى: (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ﴾ [الشعراء:١٠٤] التأكيد باللام، والتأكيد بـ (هو) ﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٠٤] سبحانه، فهو عزيز غالب لا يغالب سبحانه، وإذا أمر بالشيء لا يقدر أحد أن يمنعه، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٢]، فهو عزيز قوي قاهر غالب سبحانه، وهو بالمؤمنين رءوف رحيم، ومن تاب إلى الله تاب الله عليه. نسأل الله أن يتوب علينا، وأن يجعلنا من عباده المرحومين. أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 990

تفسير سورة الشعراء [١٠٥ - ١٢٢] في قصة سيدنا نوح ﵇ من العظمة وبعث الثقة بوعد الله ما يتجلى لكل متأمل، فقد أمره الله أن يصنع سفينة في حين أن معطيات العقل قد تجعل ذلك ضرباً من الخيال؛ بسبب جهل العقل عن معرفة الغيب، فصنَع نوح السفينة، وأمر الله الأرض أن تخرج ماءها، وأمر السماء أن تنهمر بالماء، فصعد نوح على السفينة ومعه من أمره الله بحمله، وأغرق الكفار والمكذبون، وقيل الحمد لله رب العالمين.

стр. 991

كيفية نشوء الشرك في قوم نوح الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ * قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ * قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٠٥ - ١٢٢]. هذه هي القصة الثالثة في هذه السورة العظيمة سورة الشعراء، يذكر الله فيها نبياً من الأنبياء، بل هو أبو الأنبياء قبل إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فنوح أرسله الله إلى قومه؛ ليدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وكان آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهو أبو البشر قد تعلم أولاده منه توحيد الله ، واستقاموا على التوحيد قروناً وأزمنة طويلة، حتى جاء قوم نوح فعبدوا غير الله ، وكان السبب في ذلك تصوير التماثيل، وصنعوا التماثيل وجعلوا ينظرون إليها ظناً منهم أنها تذكرهم السابقين، وقد كان الناس من قبلهم على التوحيد الخالص عشرة قرون أو أكثر من ذلك، وإن كان هناك معاص قبلهم لكن الشرك لم يوجد إلا في هؤلاء، وأما القرون من قبلهم فقد كانوا على التوحيد حتى جاء هؤلاء فأشركوا بالله سبحانه.

стр. 992

طروء الشرك على قوم نوح وسببه قال الله في سورة نوح: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح:٢٣ - ٢٤]. فقد كان سبب شركهم أن هؤلاء القوم الذين سماهم الله كانوا أناساً صالحين، فأعجب الناس صلاحهم، فلما مات هؤلاء الصالحون قال الشيطان لهؤلاء، أو ألقى في قلوبهم أن صوروا لهم الصور، واصنعوا لهم التماثيل حتى تذكروهم، فصنعوا لهم صوراً، وصنعوا لهم تماثيل، وكانوا يأتون إلى أماكن صورهم وتماثيلهم ويقولون: هؤلاء كانوا من الصالحين، ولم يزالوا على ذلك فترة من الزمن، ثم مات هؤلاء وجاء أولادهم بعد ذلك، فقال أولادهم: إن آباءنا كانوا يتبركون بهؤلاء ويأخذون البركة منهم، ونحن نتبرك بهم كما كان يفعل آباؤنا، فذهبوا إلى هذه الصور والتماثيل يلتمسون منها البركات، ويلتمسون منها الإحسان وأشياء يزعمونها، فمضت السنون وجاء أقوام بعد ذلك فقالوا: كان آباؤنا يعبدون هؤلاء، فعبدوهم من دون الله سبحانه، فلذلك لما قالوا: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣] يذكر ابن عباس ﵁: أن هذه أسماء أناس صالحين، فما كانوا كفرة ولا مشركين، فأحب الناس أن يتذكروهم، فجعل الشيطان لهم هذه الحيلة التي وصلوا بها في النهاية إلى أن يعبدوا الصور والتماثيل؛ ولذلك حرمت صناعة التماثيل والصور في ديننا، قال النبي ﷺ : (من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ) سواء كانت الصورة تمثالاً يصنعه الإنسان أو ينحته فإنه سيأتي يوم القيامة ويقال له: انفخ فيه الروح، أو أنه يرسم ما فيه الروح بيده، فيقال له يوم القيامة: انفخ فيه الروح، فينبغي للمسلم أن يبتعد عن أن يصور صوراً أو يرسم بيده صور أشياء فيها الروح، فإن ذلك لا يجوز، وكذلك نحت التماثيل فإنه حرام في شرعنا.

стр. 993

تفسير قوله تعالى: (كذبت قوم نوح المرسلين) ذكر الله قصة نوح هنا فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥]، وسرد الآية على نفس السياق الذي وردت فيه كل القصص في هذه السورة، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥]، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٢٣]، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٤١]، ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٧٦]، وفي كل الآيات يذكر: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ [الشعراء:١٠٦] إلا في أصحاب الأيكة فقال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٧٧]؛ لأن هؤلاء الذين ذكر الله في قصصهم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ [الشعراء:١٠٦] كانوا إخوة لذلك النبي في النسب، أو كانوا من القوم، فيقال: فلان أخو فلان يعني: من النسب، وقد يقال: فلان أخو فلان أي: من نفس القبيلة، ولا يشترط أن يكون أخاً لواحد منهم من النسب، فقد يكون من القبيلة وهو بعيد في نسبه منها، فيقال: يا أخا بني تميم، يعني: أنت من بني تميم، أو أهلك كانوا من بني تميم، فذكر الله هنا السياق المناسب لسياق السورة، فبدأه بالقصص، وختمه أيضاً بما تختم به القصص: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٨ - ٩]. قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥]، فذكر المرسلين بالجمع مع أنه أرسل إلى قوم نوح ﵊ رسولاً واحداً وهو نوح، ولكنه ذكر الجمع هنا؛ لأن من كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميع المرسلين، فدعوة المرسلين دعوة واحدة، فالرسل كلهم يدعون أقوامهم أن ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، فمن كذب هذا الرسول الذي يأمرهم بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، فقد كذب كل من دعا إلى ذلك.

стр. 994

تفسير قوله تعالى: (إذ قال لهم أخوهم نوح فاتقوا الله وأطيعون) قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٠٦]، فهنا يعظهم نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو منهم وهم قومه، فدعا قومه ليلاً ونهاراً كما ذكر الله ذلك في سورة نوح، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح:٥ - ٩]، وكل هذا الدعاء من نوح لقومه ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً كان لغاية واحدة وهي: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، ولكن لم يزدهم دعاؤه هذا إلا فراراً وعناداً وإصراراً على الكفر، كما قال: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [نوح:٦ - ٧] أي: يا قوم تعالوا إلى الله ليغفر لكم ذنوبكم، فيدعوهم إلى الله مخبراً لهم أن الله سيغفر لهم، ولكن كان الرد منهم ما قاله تعالى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح:٧]، وهذه مبالغة في عدم السمع وعدم الاستماع وعدم التنبه لما يقوله نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، مع أن الأصل أن الإنسان لا يدخل أصبعه كاملاً في أذنه، وإنما يدخل الأنملة وهي طرف الأصبع، ولكن هذا على وجه المبالغة في عدم تقبلهم سماع دعوة نوح ﵇، وإضافة إلى عدم سماعهم للحق كانوا إذا رأوا نوحاً ﵇ وضعوا ثيابهم على وجوههم؛ حتى لا ينظروا إليه على نبينا وعليه الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح:٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَصَرُّوا﴾ [نوح:٧] يعني: على كفرهم، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح:٧] أي: استكباراً فضيعاً وشنيعاً، فإذا بهم لا يسمعون ولا يعقلون ولا يتنبهون لما يقوله نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام. قال الله : ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٠٦] يعني: ألا تتقون الله ، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٠٧]، وكل رسول من رب العالمين فهو أمين، أي: مؤتمن على شرع رب العالمين سبحانه، فقد ائتمنني ربي على هذه الشريعة حتى أبلغكم وأدعوكم وأهديكم إلى صراط الله المستقيم، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ [الشعراء:١٠٧] يعني: صاحب رسالة من الله ، قد جئت لكم بشريعة وبرسالة من الله سبحانه، وأنا مؤتمن من لدن ربي سبحانه، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٠٧]. وقوله: ﴿أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٠٦] مفتوحة الآخرة، أي: ألا تتقون الله . قال بعدها: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٠٨]، فطاعة الرسول من طاعة الله ، أي: أطيعوني فيما جئت به تكن طاعتكم هذه طاعة لله رب العالمين، وقراءة الجمهور: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٠٨]، وقراءة يعقوب: ((وَأَطِيعُونِي)).

стр. 995

تفسير قوله تعالى: (وما أسألكم عليه من أجر واتبعك الأرذلون) قال تعالى حاكياً كلام نوح ﵇: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٠٩]. فقد كان كل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يقولون لأقوامهم: إننا لم نأت لنطلب أجراً على هذا الشيء، إنما الذي يأجرنا ويعطينا الأجر هو الله سبحانه، وكذلك فإن نبينا ﷺ قد أمره ربه أن يقول: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] أي: لا أسألكم عليه أجرة تدفعونها إلي، ولكني أطلب منكم أن تبروني في الرحم التي بيني وبينكم، فإن بيني وبينكم نسباً فراعوا ذلك النسب والقربى. فالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام أجرهم على الله سبحانه، ولا يسألون أحداً أجراً على شيء، ولا يقبلون صدقة من أحد أبداً، والذي يأخذونه هو ما يأخذونه بجهادهم في سبيل الله سبحانه أو بكسب أيديهم، فيعلمهم الله صنعة يعملون بها، فيكون عيشهم إما من غنائم الجهاد في سبيل الله كما كان حال نبينا ﵊، وإما أن تكون حرفة يعلمهم الله إياها كما علم داود وغيره عليهم الصلاة والسلام. وقوله: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٠٩] اختلف فيها القراء، وهذه هي قراءة الجمهور، وأما قراءة ابن كثير وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب: ((إِنْ أَجْرِيْ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ))، والذي يمد فيهم يقرأ: (إن أجري~ إلا على رب العالمين) على حسب اختلافهم في المد والقصر. ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٠٩] وهنا ناسب أن يذكر الرب سبحانه ولا يناسب أن يذكر الإله؛ لأن مقتضى أنه إلهي أن أعبده، ومقتضى أنه ربي أنه هو الذي يعطي ويرزق؛ ولذلك قال: ((إِنْ أَجْرِيْ إِلَّا عَلَى رَبِّي))، وما قال: على إلهي، وإن كان الإله هو الرب سبحانه، لكن مقتضى ربوبية الله سبحانه أنه هو الذي يشرع، ويرسل الرسل، وأنه الذي يرزق الرسل وغيرهم من الخلق. قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء:١١٠ - ١١١]. قوله: (أَنُؤْمِنُ) كأنهم يستنكرون ذلك، ويقولون: أنؤمن ونكون مثل هؤلاء؟ وهذا هو كلام الكفرة في كل عصر، فالمشركون قالوا للنبي محمد ﷺ : إننا لا نجلس مع هؤلاء فتعيرنا القبائل، وقوم نوح قالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء:١١١] يعني: وقد اتبعك أراذل القوم، أي: السفلة من القوم، والناس الفقراء الضعفاء الذين ليسوا بسادة ولا كبراء ولا وزراء في القوم، فهؤلاء هم الذين كانوا يتبعونه، ونفس الكلام قاله المشركون للنبي ﷺ لما رأوا صهيباً وعماراً ورأوا غيرهم من أصحاب النبي ﷺ من الفقراء والمساكين فقالوا: لا نجلس مع هؤلاء، فاجعل لنا يوماً وحدنا إذا أردت أن نسمع لك، فإذا بالنبي يكاد أن يستجيب لهم طمعاً في إيمانهم، ولكن الله حذر النبي ﷺ فقال: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢] أي: لا تطرد هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي مخلصين له، ويريدون وجهه، ﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨]، وقال تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢] أي: اجلس مع هؤلاء ولا تتركهم فإن حسابهم على الله، وحسابك على الله، وحساب هؤلاء الكفار على الله سبحانه، فلا أحد يحمل عن أحد من حسابه شيء. ثم أخبر الله نبيه وخليله صلوات الله وسلامه عليه أنه إذا طرد هؤلاء فإنه يكون ظالماً، وحاشا له أن يظلم، فما كان ليطردهم، ولكنه أراد أن يجعل لهؤلاء يوماً ولهؤلاء يوماً، فإذا بالله يصف ذلك بأنه طرد لهم، مع أنهم آتون ليلاً ونهاراً يتعلمون الدين فكيف يطردهم ويقدم هؤلاء ويجعل لهم يوماً بدلاً من هؤلاء، مع أن هؤلاء لعلهم لا يؤمنون؟! وكذلك قوم نوح لما قالوا لنوح ﵊: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء:١١١] يعني: وقد اتبعك الأرذلون والضعفاء والذين ليس لهم من الأمر شيء، فنحن لن نجلس معهم ولن نؤمن، ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء:١١١] يعني: هؤلاء الأتباع الذين من حولك ضعفاء، وليس معك جيش ولا قوة، فلن نؤمن لك ما دام معك هؤلاء.

стр. 996

تفسير قوله تعالى: (قال وما علمي بما كانوا يعملون ونجني ومن معي من المؤمنين) لقد أجاب سيدنا نوح على قومه: ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء:١١٢] أي: لا تنظروا إلى الظاهر فقط، فلعل هؤلاء الضعفاء كما تزعمون لهم أعمال باطنة عظيمة يعلمها الله ويؤجرهم عليها، فلا تنظروا إلى الظاهر وتحكموا على السرائر حكمكم على الظاهر، فإن لهم أعمالاً عظيمة، ويكفي إيمانهم، فالله أعلم بما كانوا يعملون، فلم أكلف العلم بأعمال هؤلاء، وإنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان بالله . ثم يقول نوح ﵊: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء:١١٣] أي: حساب هؤلاء بأعمالهم إنما هو على الرب سبحانه، وكأنه يقول: إذا كان ربنا سيحاسب الضعفاء فإنه سيحاسب الأقوياء كذلك، ولكن نوحاً كان يتلطف معهم في القول: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء:١١٣] أي: بذلك وتفهمونه. ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١١٤] أي: لا أطرد المؤمنين، وهذا هو الذي حذر الله نبيه ﷺ منه، فسمى عدم مجالستهم طرداً لهم، فقال: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام:٥٢]، وهنا نوح ﵊ قال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا﴾ [الشعراء:١١٤ - ١١٥] يعني: ما أنا ﴿إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء:١١٥] أي: ليس عملي أن أقرب أناساً وأبعد أناساً، أو أرفع أقواماً وأجعل أقواماً في منزلة وآخرين، ولكن عملي أن أنذر الجميع، فمن استجاب كانت له المنزلة العظيمة يوم القيامة عند رب العالمين، ومن أعرض نال العذاب في الآخرة، وكذلك كل الرسل فإنما هم منذرون لأقوامهم، فالنبي هو البشير والنذير، فالبشير من يخبرك بما تفرح به ويسرك؛ وكذلك كان الأنبياء صلى الله عليهم وسلم أجمعين يبشرون المؤمنين بالجنة وما لهم في دار الحبور والسرور، وإما أن يكون النبي منذراً يخبرهم ويخوفهم بما ينتظر من كفر وفجر من عذاب عند رب العالمين، وهنا قال نوح: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء:١١٥]، وما قال بشير؛ لأنهم لا يستحقون بشارة، فإنهم كفار جميعهم أجداداً وآباء وأحفاداً، فقد كان يلقن بعضهم بعضاً الكفر، ويحذر بعضهم بعضاً من الإيمان بنوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

стр. 997

تهديد قوم نوح له وموقفه من ذلك قال سيدنا نوح لربه سبحانه: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٧]، وذلك عندما مكث يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، إذ كان عمره طويلاً، وأما هم فكان منهم صاحب العمر الطويل ومنهم صاحب العمر القصير، فقد مات الأجداد، فجاء الآباء وماتوا، فجاء الأبناء وماتوا، فجاء الأحفاد والرسول هو نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقد بذل نوح ﵊ في دعاء هؤلاء الأقوام إلى ربهم سبحانه الكثير من العمر والجهد، وعندما يذكر الله للنبي ﷺ هذه القصة فكأنه يقول له: ستأتي البشارة والنصر من الله كما نصر نوحاً، وقد صبر نوح ألف سنة إلا خمسين عاماً، فاصبر كما صبر الذين من قبلك من الرسل، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥]. قال نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [الشعراء:١١٥] أي: أخوفكم عذاب الله بسبب كفركم وشرككم، ((مُبِينٌ)) أي: بين واضح، وعندي الحجج والبراهين من الله. ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء:١١٦]، وهنا التخويف بمقتضى قوتهم، إذ قالوا: نحن أقوياء وأنت ضعيف، فقالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ﴾ [الشعراء:١١٦] يعني: عن سب آلهتنا وعن دعوتنا إلى التوحيد الذي تدعو إليه ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء:١١٦]، والرجم يأتي في القرآن بمعان مختلفة: فقد يأتي بمعنى الرجم بالحجارة، وقد يأتي بمعنى: السب والشتم، وكل ذلك فعله الكفار مع نوح ومع غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهددوا نوحاً بالرجم بالحجارة، أي: القتل، والمرجوم هو القتيل رمياً بالحجارة، أو هددوه بأن يكون من المشتومين. وعند ذلك قال نوح سائلاً ربه سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ [الشعراء:١١٧ - ١١٨] أي: ائتني بالفتح من عندك، والفتح هو النصر، فانصرني عليهم، وقوِّ حجتي، وأظهر دعوتي، وذلك بعد أن شكا إلى ربه تكذيب قومه فقال: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ [الشعراء:١١٧ - ١١٨]، ونكر كلمة الفتح، يعني: فتحاً عظيماً، ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١١٨]، فسأل ربه أن ينجيه، وأن ينجي من معه من المؤمنين، وقد كان المؤمنون قلة مع نوح، فما آمن معه إلا قليل من قومه، بل إن امرأة نوح لم تكن على دينه وكانت كافرة، وابن نوح أيضاً كان كافراً، وامرأة نوح قد ضرب الله بها المثل في القرآن، فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [التحريم:١٠] أي: خانتاهما في كونهما على الكفر ولم يؤمنا بدين الله ، أو في كونهما يدلان القوم على مواضع الضعف عندهما، وليس المقصود من ذلك الخيانة في العشرة الزوجية، فالله يعصم أنبياءه من أن يكون في بيوتهم مثل ذلك.

стр. 998

تفسير قوله تعالى: (فافتح بيني وبينهم فتحاً أغرقنا الباقين) بعد أن دعا نوح ربه: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١١٨]. قال سبحانه: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء:١١٩] أي: فأنجاه الله سبحانه، والفاء هنا تفيد الترتيب والتعقيب، وكأن نوحاً لما دعا الله نصره، ولكن بعد أن أمره بأخذ أسباب النصر وأسباب النجاة، فأوحى إلى نوح أن يصنع الفلك بقوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود:٣٧]، وقال الله محذراً له: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود:٣٧]، فإذا بنوح يستجيب لأمر الله، فعلمه الله كيف يصنع السفينة، فإذا بنوح يصنعها في الصحراء بعيداً عن الناس، وعندما يمر عليه الكفار وهو يصنع سفينة في أرض لا ماء فيها يتعجبون ويسخرون منه، قال تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود:٣٨] أي: لم تضحكون علينا، اضحكوا على أنفسكم مما سيحدث بعد ذلك، ولكنهم لم ينتهوا، بل كلما مر عليه ملأ منهم قالوا: ماذا تصنع يا نوح؟! وأين الماء الذي ستحمل عليه هذه السفينة؟ فيضحكون ويسخرون منه، ولا يتوقعون أن الماء سيأتي من بطن الأرض، وليست السفينة هي التي سيذهب بها إلى الماء، فسبحان الله الخلاق العظيم ﵎. قال تعالى: ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود:٣٨ - ٣٩].

стр. 999

علامة بدء الغرق التي جعلها الله لنوح لقد أمر الله سبحانه نوحاً فقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]. وقد جعل الله علامة منه لنوح، وهي أن هذا التنور الذي تشتعل فيه النار سينبعث الماء من داخله، فإذا وقع ذلك فاركب السفينة أنت ومن معك، ﴿إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود:٤٠] أي: وعدنا الذي وعدناك به، ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود:٤٠] أي: إذا رأيت النار تنطفئ في التنور، ويخرج منه الماء فهذه العلامة إشارة لنزول العذاب، ولكن سننجيك أنت وأهلك المؤمنين، ونهلك هؤلاء الظالمين، فلما جاء أمر الله وفار التنور بالماء ركب نوح السفينة هو والمؤمنون معه، ونادى على ابنه: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:٤٢]، فأبى هذا الابن الكافر إلا أن يكون مع قومه، ورفض نصيحة أبيه عندما رأى الأرض تخرج كل المياه الجوفية منها، ومياه الأنهار تفيض وتلتقي مع مياه الأرض جميعها، وإذا بهؤلاء القوم يهربون إلى الجبال، وإذا الأمواج تعلو فوق الجبال وابن نوح معهم ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود:٤٣]، فلم يسمع كلام أبيه ولم يستجب لكلام ربه سبحانه، وإذا به كما قال تعالى: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣] أي: أحاط به الماء فصار من المغرقين، وارتفعت السفينة وعلت، وأهلك الله الكفار. قال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء:١١٩] أي: الموقر الممتلئ، وهو السفينة، فرجل واحد صنع سفينة وسعت هؤلاء المؤمنين معه، فسبحان الله! قال الله لنوح: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود:٤٠] أي: احمل أهلك، واحمل المؤمنين معك، واحمل من الدواب من كل زوجين اثنين ذكراً وأنثى، ولا قدرة لإنسان أن يصنع ذلك إلا بأن يقدره الله على ذلك، فهو الذي علمه، وهو الذي أعانه ، فصنع هذه السفينة فصارت موقرة مشحونة مملوءة بالخلق وبالدواب وغيرهم. قال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [الشعراء:١١٩ - ١٢٠] يعني: بعدما أنجيناه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أغرقنا هؤلاء الباقين، فطفت السفينة فوق الماء، وأهلك الله الكفار غرقاً، فكانوا أول الخلق على الأرض يعاقبون بمثل هذه العقوبة الصعبة الشديدة، وهي أن تنفجر المياه من تحتهم، وتنزل عليهم المياه من أبواب السماء ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر:١١ - ١٣] أي: حملنا نوحاً على سفينة مصنوعة من ألواح ومسامير، فالألواح هي الخشب، والدسر: المسامير. والسياق في كل قصة يناسب السورة التي هو فيها، والفواصل التي هو فيها، فهنا قال: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر:١٣]، فما قال: على فلك ولا على سفينة؛ لأن الوزن والسياق والخاتمة هنا لكل آية هو حرف الراء، فذكر فيها الفاصلة المنتهية بالراء، فلما ذكر السفينة عبر عنها بـ ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر:١٣]؛ لتناسب باقي السياق الذي في الآيات. ثم قال الله سبحانه: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٣ - ١٤] يعني: أن العادة عندما تكون هناك سفينة والأرض تنفجر تحتها ماء، ويوجد طوفان عظيم جداً فإنها تُغرق هذه السفينة، إضافة إلى أن الأمطار التي تنزل ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ﴾ [القمر:١١]، فلابد أن تغرق السفينة، ولكن الله يخبر هنا أنه هو لذي حملها فلن تغرق هذه السفينة ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٣ - ١٤] أي: بحفظنا وبحراستنا وبرعايتنا، فنحن الذين حملناها، ونحن الذين حفظناها، وهذا الجزاء جزاء لمن كان كفر، أي: من كفر بنوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فإنهم كفرو به وجحدوا بما جاء به، وهناك فرق بين كَفَر وكُفر، فكفر مبني للمجهول، فنوح ﵊ قد كفروا به وكذبوه وجحدوه، فهذا الجزاء هو جزاء لهذا النبي الذي كفره قومه، وأبوا أن يستمعوا له وأن يستجيبوا لدعوته.

стр. 1000

تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية وإن ربك لهو العزيز الرحيم) قال ربنا سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٢١]، وهذه آية عظيمة، فلو أن عندكم أفهاماً تفهم، وعقولاً تستجيب، وقلوباً تطيع رب العالمين سبحانه لكفتكم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٢١ - ١٢٢]. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٢١]، وهذه التذكرة هي للنبي ﷺ وللمؤمنين معه، وهي أن الأكثرين من أهل الأرض على ضلال، وأن الأقلين هم المؤمنون، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٢١]. وهذه السورة سورة مكية، حيث كان النبي ﷺ وهو في مكة والذين استجابوا له مائة من الناس تقريباً، وما زادوا على ذلك، فعندما ينظر إلى الكفار وهم ألوف والذين استجابوا له ليسوا إلا عشرات قد يحزن ﵊، فيقول الله لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٢١] أي: بل كان أكثرهم من الكفار، فلا تنظر إلى الكثرة ولكن انظر إلى نصر الله سبحانه العظيم، فهو الذي نصر الضعفاء، وهو الذي مكن لهم بعد ذلك، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٢٢]. فذكر كلمة (ربك) التي تعني: الربوبية؛ لأن المقام مقام ربوبية، فالفعال لما يريد هو الرب ، والمعز لمن يشاء والمذل لمن يشاء من العبيد هو الرب ، فيذكر تعالى أن جنابه ممتنع، ولا يقدر أحد أن يمانع أو أن يرفض ما يأمر الله به، فيأتي أمر الله على هؤلاء كما يريد الله، فقد أمر الأرض أن تنفجر عيوناً فانفجرت عيوناً، وأمر السماء أن تنزل أمطاراً فانفتحت أبواب السماء بماء منهمر، فأغرق الكفار وأنجى المؤمنين الأبرار. ثم قال : ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود:٤٤]. وأمر الله سبحانه للشيء إنما هو كن فيكون، ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ [هود:٤٤] فنسب الماء إلى الأرض؛ لأن الأرض في باطنها ماء خلقه الله ، ففيها المياه الجوفية التي كان الناس لا يعرفون عنها شيئاً، فإذا بهم يعرفون الآن أن المياه الجوفية عظيمة جداً، وأن الأرض ممتلئة بالمياه الجوفية، فيأتي رزق الله للعباد من الأرض ومن السماء، إذ ينزل لهم ماء من السماء، ويخرج لهم عيوناً من باطن الأرض. قال تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ [هود:٤٤] يعني: ما خرج منك من ماء فابلعيه، ﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود:٤٤] أي: لا تنزلي ماء بعد ذلك، ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [هود:٤٤]، فاستوت السفينة على جبل الجودي، وهو كما قالوا: جبل في تركيا اسمه جبل الجودي، وهم الآن يبحثون حول هذا الجبل عن سفينة نوح على نبينا وعليه الصلاة السلام، وجعلوا هذا المكان مزاراً للآثار، فالله أعلم. فالله سبحانه ذكر أنها استوت على هذا الجبل، واسمه جبل الجودي ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود:٤٤] أي: هلاكاً وسحقاً لكل قوم يكذبون رسل الله سبحانه، وفي هذه الآيات العظيمة كان قبلها الآيات في إنجاء موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وإغراق فرعون وجنوده ما يبهر الألباب من عظمة قدرة الله تعالى، وفي قصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام وأن الله أنجاه من النار فخرج وترك قومه وهاجر إلى بلاد الشام يدعو إلى ربه، فنصره ربه سبحانه بالحجة والبيان، كل ذلك يجعل المؤمن يثق بوعد الله ونصره، وهنا ذكر نوحاً وقومه، ثم يذكر بعد ذلك قصة عاد وقصة هود مع قومه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1001

تفسير سورة الشعراء [١٢٣ - ١٤٠] يذكر القرآن الكريم قصص الأمم السابقة للعبرة والعظة، وما من أمة إلا وقد جاءها نذير من الله يذكرهم بنعم الله سبحانه، ويدعوهم إلى عبادته وحده، وكم من أمم بطرت معيشتها وكفرت بأنعم الله فأذاقها الله العذاب من حيث لا يشعرون، ومن هؤلاء قوم عاد.

стр. 1002

تفسير قوله تعالى: (كذبت عاد المرسلين فاتقوا الله وأطيعون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٢٣ - ١٤٠].

стр. 1003

تكذيب رسول واحد تكذيبٌ لجميع المرسلين هذه قصة أخرى من القصص العظيمة التي يذكرها لنا ربنا في سورة الشعراء بالسياق نفسه الذي ساقه قبل ذلك، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥]، فذكر أن قوم عاد كذبوا المرسلين، مع أن رسولهم كان رسولاً واحداً، فقال الله : ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٢٣]؛ لأن من كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميع المرسلين، فكل رسل الله عليهم الصلاة والسلام دعوتهم واحدة، فهم يدعون إلى عبادة الله، قال تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود:٦١]، فهم يدعون أقوامهم إلى توحيد الله، وإلى دين رب العالمين، فمن كذب واحداً منهم فيما يأمر من توحيد الله فقد كذب جميع رسل الله . قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ [الشعراء:١٢٣]، ذكر الله سبحانه هذه القبيلة، وذكر ثمود وذكر قبل ذلك قوم نوح، وذكر إبراهيم، والعرب يعرفون تماماً من هؤلاء، وذكر موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وكرر ذلك في القرآن في مواطن كثيرة، وأهل الكتاب يعرفون ذلك تماماً، فالله سبحانه خاطب الجميع بأنه أرسل رسلاً يعرفهم العرب ويعرفهم أهل الكتاب، فموسى عرفه أهل الكتاب، وأخبر الله عن أشياء تفصيلية في قصة موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لا يعرفها إلا من قرأ التوراة، واطلع على كتب أهل الكتاب، وكانوا يعرفون أن النبي ﷺ لم يقرأ التوراة ولا الإنجيل، ولم يقرأ كتاباً قط، ولم يكتب صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك النبي ﷺ لم يخرج خارج مكة ليتعلم من أحد وإنما خروجه كان في تجارات ورحلات معلومة معدودة، فإن بعض أهل مكة خرجوا مع النبي ﷺ ، وفي بعض الرحلات كان معه عمه أبو طالب، والكل يعرفون أين يتوجه النبي ﷺ في تجارته، وكيف يرجع، وهو لم يقابل أهل الكتاب ويجلس معهم ليستمع منهم مثلاً، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، فحين يجدون تفصيلات عجيبة في هذا القرآن عن ذكر الأنبياء السابقين لا يعرفها إلا من اطلع على الكتب السابقة فإن ذلك يدل على أنه يوحى إليه صلوات الله وسلامه عليه من عند رب العالمين. فقوم عاد كانوا في جنوب الحجاز بين الحجاز واليمن، وقوم ثمود كانوا في شمال الحجاز بين الحجاز وبين الشام، فقد كان لقريش رحلتان، قال تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش:١ - ٢]، فكانت لهم رحلة في الشتاء ورحلة في الصيف، فيتوجهون إلى الشام ويتوجهون إلى اليمن في رحلتين تتكرران دائماً، فإذا ذهبوا إلى الشام مروا على ديار ثمود، وكانوا يعرفون وعرفوا أن قوم ثمود كانوا هنا، وهنا أهلكهم الله، وحجر ثمود معروف، وإذا ذهبوا إلى اليمن مروا على ديار عاد، وعرفوا أن ديار عاد كانت هنا، وأهلكهم الله في هذا الموطن، ويعرفون أن في هذا البلد الأمين الذي هم فيه كان إبراهيم أبو الأنبياء على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكان ابنه إسماعيل كذلك، وقد دعاهم إبراهيم ودعاهم ابنه إسماعيل إلى توحيد الله سبحانه فإذا بهم يعبدون أصناماً من دون الله، وقد رأوا ما حاق بالأمم من قبلهم، فهؤلاء قوم عاد أهلهكم الله في هذا المكان الذي عرفتم، وهؤلاء قوم ثمود أهلكهم الله في هذا المكان الذي عرفتم. يقول سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ﴾ [الشعراء:١٢٣ - ١٢٤] أي: كذبوا لما قال لهم أخوهم ورسولهم هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٢٤]، فيخاطب قومه: ألا تتقون الله فتوحدونه وتؤمنون به وتعبدونه وتطيعونني فيما جئتكم به من وحي من عند رب العالمين؟ ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٢٥]، فهو رسول يدعوهم إلى الله، ويدعوهم إلى التوحيد وإلى شرع رب العالمين سبحانه، فقال: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٢٥] يعني: مؤتمن من عند رب العالمين على هذه الرسالة، وقد عرفتم أنتم أمانتي، فما من رسول يبعثه الله إلى قومه إلا وهم يعرفون سلفاً أنه أمين، وأنه لا يكذب، وأنه لا يقع في الفواحش ولا في الذنوب، فالرسل عليهم الصلاة والسلام يذكرون أقوامهم بقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٢٥] أي: قد عرفتم أمانتي، فإذا لم أكن قد خنتكم قط قبل ذلك فكيف أخون الله رب العالمين سبحانه وأبلغ شيئاً لم يقله؟ وإذا لم أكن كذبت عليكم يوماً من الأيام فكيف أكذب على الله سبحانه؟! قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٢٦]، دعاهم ليتقوا الله، وحثهم على ذلك، وأمرهم بذلك: اتقوا الله وأطيعون، وهذه كسابقتها قراءة الجمهور: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٢٦]، وقراءة يعقوب وصلاً ووقفاً: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِي).

стр. 1004

تفسير قوله تعالى: (وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين) قال تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٢٧] أي: لا أسأل أحداً من الناس أجراً ولكن: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٢٧]، و (إن) هنا بمعنى: (ما)، و (ما) و (إلا) من أدوات القصر، فإذا قيل: ما في الدار إلا فلان فمعناه: ليس في الدار أحدٌ إلا فلان، فإذا قال: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٢٧] يعني: لا أنتظر أبداً أجراً من أحد من الخلق، وإنما أنتظر الأجر من الخالق سبحانه وحده لا شريك له، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٢٧]، وهذه كسابقتها أيضاً فيها قراءتان، فهذه القراءة ﴿إِنْ أَجْرِيْ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٢٧] هي قراءة نافع وقراءة أبي جعفر وأبي عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم، وأما باقي القراء: شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب فيقرءون: (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)، إذاً: تقرأ بالفتح وبالسكون.

стр. 1005

تفسير قوله تعالى: (أتبنون بكل ريع آية تعبثون) لقد ذكر الله عاداً فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر:٦ - ٨]، فقوله تعالى: ﴿إِرَمَ﴾ [الفجر:٧] هو جدهم، فعاد إرم هم أحفاد إرم، فالقبيلة أبوهم عاد وأبو عاد إرم وأبوه سام وأبوه نوح، فهو عاد بن إرم بن سام بن نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهؤلاء القوم يذكرهم نبيهم على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهو أخوهم هود، وليس شرطاً أن يكون له أخوات من هؤلاء، ولكنه ابن من أبناء القبيلة يشترك مع هذه القبيلة في جدهم الذي هو سام بن نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فيخبر ربنا سبحانه هنا أن هوداً قال لقومه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء:١٢٨]، الريع: هو المنطقة المرتفعة أو الطريق الممتد، فهؤلاء كأنهم لفراغ أوقاتهم يلعبون ويبنون آية، والآية: هي البرج العالي الذي يكون للملك، فيطلع منه على الناس، أو أبراج يربي فيها الحمام ويلعب به، أو أبراج لمراقبة الناس حتى إذا مروا من عندها أخذوا من المارين خراجاً أو مالاً، فقال لهم نبيهم ﵊: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ [الشعراء:١٢٨] الريع: هو المكان المرتفع من الأرض هذا قول، أو الطريق الواسع وهذا قول آخر، أو أنه الفج الذي بين الجبلين، أو الثنية، يعني: المرتفع الصغير من الأرض، أو المنظرة. وذكر الله سبحانه تعالى أن هؤلاء القوم كانوا جبارين، وكانوا يبطشون بطشاً شديداً بلا رحمة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [الفجر:٦] أي: الرؤية البصرية، والرؤية هنا: هي الاطلاع عن طريق ما أخبر الله في كتابه، يعني: ألم تعلم مستيقناً كأنك ترى ذلك، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ [الفجر:٦] إشارة إلى قوتهم والتعجب مما فُعِلَ بهم، وقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر:٧] أي: أولاد إرم ذات العماد، فقد كانت بيوتهم عالية جداً، ولها أعمدة عالية؛ لأن أجسامهم كانت عظيمة، وكانوا طوالاً وعراضاً، فاغتروا بقوتهم وأجسامهم حتى إنهم كانوا يبطشون بغيرهم من الخلق بتجبر وعتو، فالواحد منهم يضرب ويقتل غيره من غير سبب ومن غير ذنب، فيقول لهم نبيهم ﵊: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء:١٢٨] يعني: ليس لكم حاجة في بنائها، إنما هي زيادة في اللعب والعبث في ذلك، فإذا مر قوم من غير البلاد يضربونهم ويقتلونهم، ويأخذون أموالهم ويخيفون من حولهم.

стр. 1006

تفسير قوله تعالى: (وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون) قال الله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء:١٢٩]، إذاً: بناؤهم ليسوا هم في حاجة إليه، وإنما للفخر وإظهار الجبروت على غيرهم، فالله يملي لهم ويقول: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣]، فأملى لعاد، وذهب إليهم رسولهم ﵊ هود يدعوهم إلى الله سبحانه ويقول لهم: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء:١٢٩]، والمصانع لها معانٍ وكلها مقصودة هنا، فمن معاني المصانع: الحصون المشيدة، أي: يبنون حصوناً ويشيدونها، ظناً منهم أنهم سيخلدون بهذه المصانع، ومن معاني المصانع أيضاً: القصور المشيدة، أي: تتخذون حصوناً وقصوراً، وقالوا أيضاً: من معاني المصانع: أماكن جمع الماء، أي: يحفرون في الأرض آباراً عظيمة للمياه، فالله يخبر أنهم يفعلون هذه الأشياء وكأنهم سيخلدون إلى الأبد. فقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء:١٢٩] أي: ترجون بذلك الخلود والعيش دهوراً طويلة، ومن الحماقة التي نسمع عنها في هذا العصر الحديث هو محاولة بعض الجهلة المغفلين إطالة عمر الإنسان، ويجرون في ذلك أبحاثاً ويزعمون أنهم قد وصلوا في بحثهم إلى الشيء الذي يطيل عمر الإنسان أو يقصره، ونسوا أن الله هو الذي كتب على العباد أن آجال الأمة من كذا إلى كذا، ومستحيل أن تزيد هذه الآجال التي حددها الله ، ففي العصور القديمة مد الله لهم في أعمارهم، وجاءت هذه الأمة فجعل الله أعمارها كما قال النبي ﷺ : (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين) يعني: غالب أعمار هذه الأمة على ذلك ما بين الستين إلى السبعين، والقليلون من يجاوزن ذلك إلى المائة أو إلى المائة والعشرين، وقوم عاد اتخذوا هذه المصانع يرجون بها الخلود، فيقول لهم نبيهم: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ [الشعراء:١٢٩] مؤملين أن تخلدوا ولا تموتوا أبداً، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء:١٢٩] أي: كأنكم تخلدون، وهذا استفهام توبيخي، يعني: تريدون أن تخلدوا، ولن يكون ذلك.

стр. 1007

تفسير قوله تعالى: (وإذا بطشتم بطشتم جبارين) قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٣٠]، هذه مصيبة أخرى من مصائبهم، فقد كانوا كفاراً فدعاهم هود إلى الله ، وكانوا أهل لهو وعبث فدعاهم إلى ربهم سبحانه أن يتوبوا ويتركوا هذا اللهو والعبث، ويأتوا لعبادة رب العالمين ، ومن مصائبهم أن بطشهم كان شديداً، وأصل البطش: الإمساك، وجاء في حديث النبي ﷺ في الصعقة التي تكون يوم القيامة يقول: (يصعق الناس فأكون أول من يفيق -صلوات الله وسلامه عليه- فإذا بموسى ﵊ باطش بساق العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم لم تصبه هذه الصاعقة)، فلا يدري النبي ﷺ هل موسى قام قبله ﷺ أم هو ليس ممن صعقوا في هذه الصاعقة، ومعنى باطش: أي بساق العرش. ومنه حديث النبي ﷺ عن رب العزة سبحانه في عبده المؤمن: (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها -أي: يمسك بها-، ورجله التي يمشي بها). فالله إذا أحب العبد كان له سمعه الذي يسمع به، يعني: لا يسمع إلا ما يرضي ربه سبحانه، وكان الله معيناً لهذا الإنسان في بصره، فهو يراقب الله ، ولا ينظر إلا إلى ما أحل الله، ولا ينظر إلى ما حرم الله سبحانه، (ويده التي يبطش بها) كقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]. فالإنسان يمسك بعدوه والله يعينه ويمكنه منه ، فهذا هو البطش. يقول تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾ [الشعراء:١٣٠] أي: أخذتم عدوكم، ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٣٠] أي: أمسكتم إمساكاً فيه الموت، يضرب الضربة يقتل بها غيره، فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٣٠] أي: سطوتم بعنف على غيركم من الناس فبطشتم بهم وقتلتموهم، فالبطش من معانيه: القتل، فيقتلون غيرهم من غير جريمة، أو على شيء لا يستحق معه أن يقتل، فقالوا: هو القتل على الغضب من غير تثبت، بل بمجرد أن يغيظه يضربه ويقتله، فهذا بطش الجبارين الذين نهانا ربنا عن مثله، وأمر عباده أن يزينوا أمرهم بالحلم، فلا يكونون متسرعين مندفعين متهورين، ولذلك قال لنبيه ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ولكن الله أعطاه الرقة صلوات الله وسلامه عليه، فلم يكن فظاً ولا غليظاً ولا صخاباً في الأسواق ﵊. وقوله تعالى: ﴿جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٣٠] الجبار يأتي بمعانٍ، فالله الجبار القوي ، فأخذه شديد، والجبار يأتي من الجبر، والجبر: الإصلاح، فالله يجبر ما يفسد وينكسر من خلقه، فهو يجبر خلقه ، فإذا انكسر إنسان أقامه الله سبحانه ورأف ولطف به . وأما هؤلاء فجبارون بمعنى: أنهم قساة عتاة يضربون فيقتلون، فقالوا: الجبار من الناس هو القتّال في غير حق، يعني: يقتل من غير وجه حق، قالوا: وكذلك قوله سبحانه: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:١٩]، يقولها لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما أراد أن يبطش بالذي هو عدو له، فموسى أراد أن يمسك هذا العدو ويضربه فقال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا﴾ [القصص:١٩] أي: تريد أن تقتل الناس من غير وجه حق. ومن معانيها أيضاً: الجبار: المتسلط العاتي على غيره، ومنها قول الله : ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق:٤٥]، فليس جبار صلوات الله وسلامه عليه ولكنه ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].

стр. 1008

تفسير قوله تعالى: (فاتقوا الله وأطيعون وجنات وعيون) قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٣١]، فكررها مرة ثانية، فقد ذكرها في البداية وكررها مرة ثانية هنا، فانظروا إلى قوله: ﴿أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٢٤]، فحثهم على تقوى الله بأسلوب فيه لطف، ثم أمر: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٣١]، ثم بين أنه لا يطلب منهم أجرة في الدنيا وإنما الأجر على رب العالمين، ثم بين لهم الذنوب التي يستحقون بها عقوبة رب العالمين، ثم أمرهم مرة ثالثة بتقوى الله سبحانه، فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٣١]، ثم أمرهم مرة رابعة: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء:١٣٢]. فهذه أربع مرات يحثهم ويأمرهم بتقوى الله . وتقوى الله: أن تجعل حجاباً بينك وبين عقوبة رب العالمين سبحانه، فلا تقع في المعاصي، بل تجعل الطاعات لك رحمة يوم القيامة تنجيك من غضب الله سبحانه، فأمرهم وحثهم على أن يتقوا غضب الله عليهم، فهم جبارون ولكن الله إذا أخذهم فأخذه شديد أليم. وأمرهم هود ﵇ فقال: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء:١٣٢]، ففي الأمر الأول ذكرهم بذنوبهم، ثم ذكرهم بنعم الله سبحانه، فهل هذه هي المكافأة التي تكافئون بها ربكم سبحانه أن أعطاكم هذه النعم فتكونون جبارين مع الخلق، ولا تراعون في الناس إلاً ولا ذمة؟! فقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء:١٣٢] أي: اتقوا الله الذي أعطاكم ما تعرفونه أكثر من غيركم. ثم قال تعالى: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ [الشعراء:١٣٣] عطاء من الله سبحانه، و ﴿وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء:١٣٤]، إذاً: فقد أعطاكم الأنعام من الإبل والبقر والغنم، وسخرها لكم، وأعطاكم البنين. والجنات: هي البساتين العظيمة والكثيرة الممتلئة بالثمار، والعرب يمرون على هذه الأماكن فلا يجدون فيها بساتين ولا ثماراً، فقد كانت في يوم من الأيام فيها البساتين وفيها الثمار كما ذكر الله لنا هنا، وسترجع مرة أخرى هذه البساتين والثمار في هذه الأماكن، كما قال النبي ﷺ : (ستعود بلاد العرب مروجاً وأنهاراً)، فقوله ﷺ : (ستعود) معناها: كانت موجودة قبل ذلك وسترجع مرة ثانية، والعلماء الذين نظروا إلى كتاب الله قالوا: فعلاً في يوم من الأيام كانت هذه الأرض فيها البساتين وفيها الأنهار وفيها الثمار، وقد عرف ذلك خبراء الجيولوجيا وعلم الأرض عن طريق الحفريات، وهؤلاء العلماء أنفسهم يقولون: إنها سترجع مرة ثانية في هذه الأماكن، فستجري العيون والأنهار وسترجع فيها الثمار. وقال تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء:١٣٤] كلمة عيون في القرآن كله تقرأ بضم العين وبكسر العين: عُيون وعِيون، مثل جُيوب وجِيوب، بُيوت وبِيوت، فـ ابن كثير وابن ذكوان عن ابن عامر وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي يقرءون: ((وَعِيُونٍ))، وباقي القراء ومنهم حفص عن عاصم يقرءون: ﴿وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء:١٣٤]. قال تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء:١٣٤] أي: عيون مياه، والجنات: البساتين.

стр. 1009

تفسير قوله تعالى: (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم وما نحن بمعذبين) قال تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء:١٣٥]، أي: إذا قابلتم هذه النعمة بكفركم بربكم سبحانه، فإذا كان قد أعطاكم النعم فإذا بكم تتفرغون للهو وللعبث، فانتظروا عقوبة رب العالمين سبحانه، وهذا الكلام ليس لهم وحدهم، بل هو لكل إنسان يعتبر بذلك، فالقرآن تذكرة، والله يقول: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]، ويقول: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]، فالمؤمن حين يقرأ مثل هذه القصة بقيس نفسه على هؤلاء، فهؤلاء أنعم الله عليهم، وأعطاهم النعم وجعلهم متفرغين، ففي فراغك أنت اعبد رب العالمين سبحانه، ولا تضع وقتك في اللهو والفراغ والعبث، فإن من جرائم قوم عادٍ كما قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٢٨ - ١٣٠]، فهذه من جرائم هؤلاء القوم، فاحذر أن يكون فيك مثل جرائم هؤلاء من اللهو، والعبث، وتضييع الوقت، والبعد عن عبادة الله سبحانه، والبطش بالخلق بغير سبب أو بأتفه الأسباب، احذر من ذلك فإن الله يؤاخذ على ذلك، ويفضح صاحبه كما صنع بهؤلاء القوم. فقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء:١٣٥] أي: بسبب ذنوبكم ومعاصيكم، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو: (إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، أي: إني أخاف عليكم عذاب يوم القيامة، أو عذاب يوم ترون فيه من الله الآيات عليكم، فكان جوابهم: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ [الشعراء:١٣٦] لن نستمع لك، فقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا﴾ [الشعراء:١٣٦] يعني: يستوي عندنا أن تنصح أو أن تسكت، ﴿أَوَعَظْتَ﴾ [الشعراء:١٣٦] أي: ذكرتنا ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ [الشعراء:١٣٦]، وفي كلا الحالتين لن نستجيب لما تقول، والإنسان قد يغتر بنفسه حين يجد نفسه في صحة في عافية، ويغتر بماله ويستكبر حتى على خالقه ، وينسى أن الذي خلقه من تراب وخلقه من نطفة مذرة، وأخرجه ضعيفاً إلى هذه الحياة وصيره قوياً، سيرده مرة ثانية إلى الضعف وإلى التراب، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤]. فلا تغتر بقوتك فإن بعد القوة ضعفاً، ولا تغتر بغناك فإن بعد الغنى فقراً، ولا تغتر بأن الله مكنك فإنه سيسلب منك ما أعطاك، فقد أبى الله أن يرفع شيئاً إلا وضعه، فهؤلاء القوم ل تنفعهم النصيحة ولم تردعهم الموعظة. وقالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٣٧] أي: أن هذه الأخلاق التي أنت عليها هي نفس الأكاذيب في الزمان الماضي، فقوله تعالى: ﴿خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٣٧] أي: أن الناس السابقين من قبلك قالوا كذا وماتوا كلهم، ولم يبعث أحد منهم، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٣٧]، فقراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وخلف: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٣٧]، وباقي القراء يقرءونها: (إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الأَوَّلِينَ). ويحتمل في قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٣٧] أنه من كلام رب العالمين سبحانه فكأنه يعقب على ما قالوه، أي: هذه عادة الأولين، فالأقوام المكذبون من قبل عادتهم أنهم يكذبون الرسل ويقولون مثل هذا الكلام، فتكون كلمة ﴿خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٣٧] بمعنى: عادة الأولين، ويكون هذا من كلام رب العالمين، أو أنه من كلامهم هم يقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٣٧] أي: أن أخلاقك والكلام الذي أنت تقوله هو مثل حال الذين من قبلك، فلم يُنْتفع بكلامهم، فأنت مثلهم. فقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٣٧] الخلق: من الاختلاق وهو الكذب، أي: إن هذا إلا افتراء الأولين، فأنت مثل الكذابين الذين من قبلك، فتأتي كلمة خلق بمعنى: افتراء وكذب، فيكون من كلام هؤلاء، إذ يكذبون رسولهم الكريم ﵊ ويقولون: أنت كذاب مفتر كما افترى الذين من قبلك. قال تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء:١٣٨] فقد جزموا بذلك فقالوا: ليس هناك عذاب، وهذا افتراء على الله الكذب، فالكافر يكذب ولا يهتم لكذبه، فيقولون: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء:١٣٨] فالكافر بطبيعته يكذب على الله ويكذب على الخلق.

стр. 1010

تفسير قوله تعالى: (فكذبوه فأهلكناهم لهو العزيز الرحيم) قال الله سبحانه: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ [الشعراء:١٣٩]، والنتيجة: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الشعراء:١٣٩]. فقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الشعراء:١٣٩] أي: أهلكناهم هلاكاً عظيماً صعباً شديداً ما كانوا يتوقعون مثله أبداً، إذْ منع الله عنهم المطر سنين، فإذا بهم لا يجدون ماء وهم على كفرهم هذا، فأرسلوا وافد عاد الذي يضرب به المثل في الشؤم إلى الحرم؛ كي يدعو لهم ويستغيث لهم، فليس هناك أحدٌ يدعو في هذا المكان إلا أعطاه الله، فذهب وافد عاد إلى هذا المكان، وقبل أن يصل إلى الحرم مرّ على ملك من الملوك فدعاه فجلس عنده ووجد طعاماً وشراباً، فنسي قومه، فذكره هذا الملك عن طريق جاريتين تغنيان بما جاء من أجله، فذهب حتى وصل إلى الحرم، فدعا وقال: اللهم اسق عاداً. فكل الكفار يعرفون أن الله هو الخالق، وأنه هو الرازق، فعندما يحتاجون شيئاً فإنهم يقولون: يا رب أعطنا، وأما العبادة فلا يعبدون الله ، فهذا دعا ربه وقال: اللهم اسق عاداً، فأراه الله ثلاث سحابات في السماء: سحابة بيضاء، وسحابة سوداء، وسحابة حمراء، فاختار السحابة السوداء، فنزلت على عاد فلما رأوها قالوا: ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ﴾ [الأحقاف:٢٤] سموم وريح شديدة من عند رب العالمين، بل هو عذاب أليم من عند رب العالمين، يمطر عليهم من الجحيم، فأهلكهم الله بما ظنوه، ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٤ - ٢٥]. فقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف:٢٥] فقد دمرت البلد على من فيها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم، وكانت أجسامهم طويلة كالنخيل فجاءتهم ريح شديدة فاقتلعتهم من الأرض كأنهم أعجاز نخل، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر:٢٠]، فأصبح الواحد منهم كالنخلة تقتلع من الأرض وترمى فتنزل على رأسها. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الشعراء:١٣٩]، فقد جاءهم العذاب من حيث كانوا يتوقعون الرحمة، وجاءتهم النيران من حيث كانوا يتوقعون الماء، وجاءهم بطش الله سبحانه وهم كانوا يزعمون أنهم جبارون. قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢]. وقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الشعراء:١٣٩] فهما كلمتان فقط، فكأنهم ليس لهم قيمة، فقد كذبوا فجاءهم العذاب سريعاً من عند رب العالمين. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الشعراء:١٣٩] والآية وموطن العبرة هنا ألا تغتر ولا تعجب بنفسك، ولا تطلب ما لا تقدر عليه، وتقرب إلى الله تنفعك طاعتك، ولا تبتعد عن الله فإنك لا تدري متى يأتي بطشه . وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٣٩] أي: أن الأغلبية من الناس ليسوا على الإيمان ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٤٠]، ختم هنا بهذا الختام الجميل الذي ختم به كل قصة من هذه القصص، فيذكر الله سبحانه أنه الرب العزيز الحكيم، وأنه الرب الفعال لما يريد ، الخالق، الرازق، الذي يرفع والذي يضع ، الرب الذي يشرع فيأمر وينهى ، قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ﴾ [الشعراء:١٤٠] وحده لا شريك له ﴿الْعَزِيزُ﴾ [الشعراء:١٤٠] أي: الغالب القوي القهار الذي لا يغالب سبحانه، المنيع الجانب، فهو يقدر عليكم ولا تقدرون له على شيء، ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٤٠] مع قوته وجبروته فهو العزيز الرحيم، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٤٠] فيخوف عباده ثم يرجيهم ويجعلهم يؤملون فضله ورحمته سبحانه. نسأل الله من فضله ورحمته، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1011

تفسير سورة الشعراء [١٤١ - ١٥٩] لقد ذكر الله في كتابه الكريم قصص أنبيائه ورسله للعبرة والعظة، وتسلية وتثبيتاً لرسوله وللمؤمنين، ولذلك نوع الله القصة الواحدة من سورة إلى سورة في أسلوب عرضها، وفي أسلوب سياقها، حيث كان يهدف في كل موضع إلى إبراز بعض الحكم والعبر التي لم يذكرها في غيرها، وقصة نبي الله صالح ﵇ مع قومه إحدى هذه القصص التي كرر الله ذكرها في بعض السور، ونوّع في أسلوب عرضها وسياقها من سورة إلى أخرى؛ لإبراز ما اشتملت عليه من حكم وعبر، لتكون زاداً للمسلم في مواجهة ما يعترض طريق دعوته إلى الله سبحانه.

стр. 1012

تفسير قوله تعالى: (كذبت ثمود المرسلين إن أجري إلا على رب العالمين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٤١ - ١٥٩]. يذكر الله هنا في سورة الشعراء قصة ثمود التي كذبت رسولها، وأعرضت عنه وعاندته، وطلبت منه آية من الآيات، فلما حقق الله لهم ما طلبوا كفروا وجحدوا، فانقلبت النعمة عليهم نقمة، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، ثم ختم سبحانه القصة بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٥٨ - ١٥٩]. وثمود هم أصحاب الحجْر، وكانت مساكنهم بين الحجاز والشام، وقد كان العرب يعرفون هذا المكان جيداً، وكانوا كثيراً ما يمرون عليه في تجارتهم مع أهل الشام في رحلتهم. فهنا يقول تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٤١]. وقد ذكر قبلهم عاداً بقوله: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٢٣]. وعاد هم قوم هود، وثمود هم قوم صالح على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، وقوم عاد كانوا في جنوب الجزيرة، وهؤلاء في شمال الجزيرة. فقال هنا: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٤١]، ومن قبل ذكرنا أن من كذب رسولاً واحداً فكأنما كذب كل رسل الله عليهم صلوات الله وسلامه؛ لأنهم جميعاً يدعون الخلق إلى التوحيد، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٣٢]، فالذي يكذب هذا الرسول فقد كذب كل من دعا إلى عبادة الله الواحد . ولذلك استحقوا هنا أن يوصفوا بأنهم المكذبون للمرسلين جميعهم. إي: أنه لو أرسل الله إليهم جميع الرسل لكذبوهم؛ لأنهم يكذبون بتوحيد الله سبحانه، ويعرضون عن ذكر الله. وهذه القصة هي القصة الخامسة في هذه السورة، فقد ذكر لنا سبحانه قبل ذلك قصة موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذكر إبراهيم، ونوحاً، وذكر قصة عاد مع نبيهم هود، ثم ذكر بعدهم قصة ثمود مع نبيهم صالح ﵇.

стр. 1013

معنى كلمة لا إله إلا الله وهذه الكلمة هي نفس كلمة لا إله إلا الله، وهي متضمنة للنفي والإثبات إثبات أن الله هو المستحق للألوهية؛ فهو المستحق للعبادة ، ونفي لاستحقاق هذه العبادة عن كل الآلهة سوى الله، فالمستحق للعبادة هو الإله الواحد، وأما غيره فليسوا آلهة ولا يستحقون العبادة. فيقول هنا: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣]، وذلك بقول: لا إله إلا الله التي هي نفي للألوهية الحقه عن غير الله سبحانه، وإثباتها لله وحده لا شريك له، فقول: المؤمن: لا إله، أي: لا أعترف بأي إله إلا إله واحد، هو الله الرب ، المستحق للعبادة. وقال سبحانه في الأعراف: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾ [الأعراف:٧٣] يعني: أرسلنا إلى ثمود. ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ [الأعراف:٧٣].

стр. 1014

بيان أن التقوى سبب فلاح الإنسان قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٤١ - ١٤٢]، أي: هلا اتقيتم الله ؟ فهو يعظهم ويذكرهم ويدعوهم إلى ربهم بأن يتقوا غضب الله سبحانه، والتعبير بقوله: ﴿أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٤٢]، وبقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٤٤] كرر في هذه السورة مراراً، والمقصود من ذلك البيان لجميع الخلق أن من لم يتق الله فسيأتيه العذاب كما جاء هؤلاء المكذبين، وأن من يتق الله فإن الله سبحانه سينجيه كما نجا المرسلين، فقد نجا سبحانه موسى وبني إسرائيل معه، ونجا سبحانه إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ونجا سبحانه نوحاً ومن كان معه من المؤمنين، ونجا هوداً من قومه المكذبين، وهنا يرينا كيف نجا صالحاً من هؤلاء المجرمين. فقال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ﴾ [الشعراء:١٤٢]، وهو أخ لهم في النسب، ﴿أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٤٢] أي: الله سبحانه، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٤٣] أي: جئتكم برسالة من عند رب العالمين، وأنا مؤتمن على هذه الرسالة، وأنا أمين أمامكم تعرفون صفاتي، وتعرفون أنني لم أكذب قبل ذلك، ولم أخن شيئاً، فكيف أخون الآن في هذه الرسالة، وأكذب على الله ؟! ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٤٤] أي: اتقوا الله فيما تأتون من شرك وكفر ومعاصٍ لله .

стр. 1015

تنزه الأنبياء عن سؤال الأجر على تبليغ الرسالة قال تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء:١٤٥] وهذا هو نفس كلام المرسلين عليهم الصلاة والسلام فكلهم يقولون ذلك، ولا يطلب أحد منهم أجراً، ولو أن رسولاً من رسل الله طلب من الناس أجراً لكان هذا أدعى لتكذيبه؛ لأن من فعل شيئاً يتعبد الله به فلا يصح له أن يطلب أجرة من الخلق عليه، لأن من طلب الأجرة من الناس تحكم فيه الناس، فقالوا له: نقبل هذا ولا نقبل ذاك، ولذلك كرم الله المرسلين وشرفهم وجعل أجرهم عليه وحده لا شريك له، وعلمهم الصناعة والحرفة، ليكفوا أنفسهم، فكان منهم من يصنع الحديد، ومنهم من كان نجاراً، ومنهم من كان يرعى الغنم، وما من رسول بعثه الله إلا ورعى الغنم؛ ليصبر على الناس، كما رعاها نبينا صلوات الله وسلامه عليه. فهنا يقول صالح لقومه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٤٤ - ١٤٥]، وقوله: ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ [الشعراء:١٤٥] فيها قراءتان: (إن أجرِيْ)، و (إن أجريَ إلا على رب العالمين)، فأجره على الرب سبحانه، ومن صفات ربوبيته سبحانه أنه الذي يعطي، وأنه الذي يمنع سبحانه، وأنه الرازق الذي يرزق سبحانه، فهنا يقول صالح: أجري ورزقي على الرب سبحانه الذي يملك ذلك: ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٤٥].

стр. 1016

تناسب آيات وقصص القرآن مع السور المذكورة فيها وسياق هذه الآيات في هذه القصة مناسب ومتوافق مع السورة جميعها، فإن آيات السورة كلها مئتان وسبع وعشرون آية، وهي آيات قصيرة، وهذه الآيات تختم بهذه الفاصلة الياء والنون، أو الواو والنون في الغالب فيها. وقد كرر القرآن هذه القصة في مواضع، وفي كل موضع يذكر شيئاً تستفيد منه حكماً من الأحكام وعلماً من العلوم، وتجد في كل موضع المجانسة بين القصة وبين السياق القرآني واضحاً، فتجد هنا آيات قصيرة مناسبة لسياق القرآن في هذه السورة، وتجد في سورة الأعراف القصة نفسها يذكرها الله بآيات طويلة، وهي مناسبة لسورة الأعراف، وكذلك في سورة هود تجد نفس الشيء، فقد تكررت هذه القصة فيها بلون آخر مناسب لسياق الآيات، وفيها أشياء زائدة، وفي الإسراء أشار إليها إشارة.

стр. 1017

بيان الغاية من دعوة الرسل وفي هذه السورة ذكر الله أن نبيهم قال لهم: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٤٣ - ١٤٤]، وفي الأعراف ذكر الله عنه أنه قال: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣]. فهذه دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، كل منهم يقول لقومه: ((اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)).

стр. 1018

تفسير قوله تعالى: (أتتركون في ما هاهنا آمنين بيوتاً فارهين) ثم قال: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٤٦] أي: أأعطاكم الله هذه النعم الكثيرة العظيمة ويترككم آمنين حتى تكفروا؟! فهل أعطاكم كل هذه النعم حتى تكفروا به، وحتى تعصوه ؟ فقال: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٤٦] أي: تنتظرون الأمن والأمان وقد أعطاكم نعمه فإذا بكم تجحدون هذه النعم، وقد أرسل إليكم رسوله ﵊ فإذا بكم تكذبون رسالته، وتكفرون بربكم وتشركون به؟ فهل يترككم آمنين وأنتم تصنعون ذلك؟

стр. 1019

معنى قوله (بيوتاً فارهين) يقال: ناقة فارهة بمعنى: عظيمة طويلة، وإنسان فره بمعنى: حاذق نشط، فكأنه يقول لهم: أنتم تنشطون في صناعة النحت في الجبال، وتنحتون البيوت العظيمة، ولا تتوجهون للعبادة، وإنما تعبثون وتلعبون، وعن عبادة ربكم تغفلون وتتلهون. فهو هنا يذكر بأنهم فارهون بذلك، أي: حاذقون لهذه المهنة في لعبهم وعبثهم، وأنهم فرهين بمعنى: بطرين أو عابثين متجبرين. وقد جاء عن ابن عباس وغيره قال: فارهين أي: حاذقين للصناعة. وقال: فرهين بمعنى: متجبرين جبارين أيضاً. ويأتي الفره بمعنى: الشديد الشره، أو: الأشِر، أو: البطِر المغرور، يعني: أنهم مغرورون، فهم حاذقون لصناعتهم، مغترون بها.

стр. 1020

ذكر نحت ثمود للبيوت في الجبال قال تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء:١٤٩]، وهذه من نعم الله عليكم، فالمفترض أن تعبدوا ربكم . فإذا بهم بدلاً من أن يعبدوا ربهم يتفرغوا للعب واللهو ولفعل ما لا يلزمهم أن يفعلوه، فكانوا يعبثون كما كانت عاد تعبث بالبنيان العظيم الذي لا يحتاجون إليه، كما قال تعالى عنهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء:١٢٨]. وكذلك هؤلاء كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين. كما قال تعالى عنهم: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء:١٤٩]، فقد كانت أعمارهم طويلة، وفراغهم كثيراً، فكانوا ينحتون في الجبال بيوتاً للزينة والزخرفة، حتى تبقى ذكرى لمن بعدهم بأنهم كانوا صناعاً، وأما أن يتركوا ذكرى للآخرة فلم يكن في حسابهم شيء من هذا؛ ولذلك قال لهم نبيهم ﵊: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء:١٤٩]، وهذه قراءة الجمهور، وقرأها نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: (فرهين).
следующие страницы →