Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
تفسير قوله تعالى: (إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً لفشلتم)
ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال:٤٣].
((إذ يريكهم الله في منامك قليلاً)) (إذ) منصوب باذكر، أي: اذكر إذ، أو بدل آخر من يوم الفرقان في قوله: ((وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ)) [الأنفال:٤١].
وقوله: ((إذ يريكهم الله في منامك قليلاً)) وذلك أن الله أراه إياهم في رؤياه قليلاً، فأخبر بذلك أصحابه، فكان تثبيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم.
وقوله: ((ولو أراكهم كثيراً لفشلتم)) يعني: أن الحكمة من أن الله أرى نبيه ﷺ المشركين في منامه قليلاً هي أن يجترئ عليهم المسلمون ويتشجعوا على قتالهم.
قال تعالى مبيناً أن هذه هي الحكمة المقصودة من هذه الرؤيا: ((ولو)) كان الله ((أراكهم كثيراً لفشلتم)) يعني: لجبنتم ولهبتم الإقدام، ((ولتنازعتم في الأمر)) أي: أمر الإقدام والإحجام، وبالتالي سيقول فريق: نقدم، ويقول فريق: نحجم، وبالتالي تتنازعون.
وقوله: ((ولكن الله سلم)) أي: عصم وأنعم بالسلامة من الفشل والتنازع بتأييده وعصمته.
وقوله: ((إنه عليم بذات الصدور)) أي: يعلم ما سيكون فيها من الجرأة والجبن والصبر والجزع؛ ولذلك دبر ما دبر.
стр. 1192
تفسير قوله تعالى: (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً)
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الأنفال:٤٤].
((وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً)) انظر كيف جعل الله كل هذه الأسباب تمهد لإعجاز الإسلام في بدر؛ لكي يحصل القتال! فإنه أغرى كل فريق بالآخر؛ كي يحصل القتال، ثم يعز الله المؤمنين ويعز الإسلام.
ثم إن الله جعل المؤمنين يرون الكفار قليلاً، وجعل الكفار يرون المؤمنين قليلاً.
وقوله: ((إذ التقيتم)) يعني: تصديقاً لرؤيا رسول الله ﵇ المنامية عاينتموهم أنتم، وجعل الله هؤلاء المشركين في أعينكم قليلين؛ إغراء لكم على الإقدام.
والمعنى: ((وإذ يريكموهم إذ التقيتم)) عند القتال، ((في أعينكم قليلاً)) وذلك تصديقاً لرؤيا رسول الله ﷺ ، وليعاينوا ما أخبرهم به، فيزداد يقينهم ويجدوا ويثبتوا.
قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلاً منهم، فقلنا له: كم كنتم؟ قال: ألفاً.
وقوله: ((ويقللكم في أعينهم)) يعني: في اليقظة، وهذا أيضاً إغراء للكافرين بمقاتلة المؤمنين؛ حتى يحصل القتال، ويقضي الله أمراً كان مفعولاً، فكما قلل الكفار في أعين المؤمنين كذلك قلل المؤمنين في أعين الكفار، حتى قال أبو جهل: إن محمداً وأصحابه أكلة جزور، وهذا مثل يضرب في القلة، يعني: قليلي العدد جداً كأكلة رأس.
وقوله: ((ليقضي الله أمراً)) أي: من إظهار الخوارق الدالة على صدق دين الإسلام، وكذب دين الكفر، فإن الإسلام هو دين الحق، والكفر دين باطل.
وقوله: ((كان مفعولاً)) أي: كالواجب فعله على الحكيم لما فيه من الخير الكثير.
قال الزمخشري: فإن قلت: الغرض في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهر، فما الغرض في تقليل المؤمنين في أعينهم؟ قلت: قد قللهم في أعينهم قبل اللقاء، ثم كثرهم فيها بعده؛ ليجترئوا عليهم قلة مبالاة بهم، ثم تفجؤهم الكثرة فيبهتوا ويهابوا وتفل شوكتهم حين يرون ما لم يكن في حسابهم وتقديرهم؛ وذلك قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران:١٣].
يعني: أنهم في البداية رأوا المؤمنين قلة، ثم بعد ذلك رأوهم مثليهم رأي العين، وهذا بلا شك يوقع الصدمة في قلوب الكفار والفزع والجبن عن مقاتلتهم؛ وإنما رأوهم أولاً قلة لئلا يستعدوا لهم؛ لأنهم لو رأوا المؤمنين كثرة أو على عددهم الحقيقي لاستعدوا وتهيئوا لهم، لكن إذا رأوهم قلة فإنهم لا يبالون بالاستعداد الشديد لقتالهم، وليعظم الاحتجاج عليهم باستيضاح الآية البينة من قلتهم أولاً وكثرتهم آخراً.
قال الزمخشري أيضاً: فإن قلت: بأي طريق يبصرون الكثير قليلاً؟ قلت: بأن يستر الله عنهم بعضه بساتر، أو يحدث في عيونهم ما يستقلون به الكثير، كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين.
وطبعاً لا يقال لشيء صنعه الله : كيف فعل؟ لأن الله على كل شيء قدير، وهذا أمر ليس مستحيلاً على الله ، بل هو في عالم الممكن، فلا ينبغي أن يقال لله : كيف؟ لكن هنا الزمخشري يحاول أن يقرب الأمر إلى عقولنا بأن الله قادر على أن يخلق من الأسباب ما يجعلهم يرون هذه الأشياء.
قيل لبعضهم: إن الأحول يرى الواحد اثنين، وكان بين يدي هذا الرجل الذي ذهبوا إليه ديك واحد، فقال: هذا الكلام غير صحيح، كيف تقولون: إن الأحول يرى الواحد اثنين؟ ما لي لا أرى هذين الديكين أربعة؟! فمعناه: أنه كان أحول.
وقوله: ((وإلى الله ترجع الأمور)) هذا فيه تنبيه على أن أحوال الدنيا غير مقصودة لذاتها، وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زاداً ليوم المعاد.
стр. 1193
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا)
ثم أرشد ﵎ عباده المؤمنين إلى آداب اللقاء في ميدان الوغى ومبارزة الأعداء، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥].
يعني: إذا حاربتم جماعة فاثبتوا للقائهم، واصبروا على مبارزتهم، فلا تفروا ولا تجبنوا.
((إذا لقيتم فئة فاثبتوا)) عبر عن الحرب باللقاء، تغليباً على النزال، ولم يصف الفئة بأنها كافرة؛ لأن هذا معلوم غير محتاج إليه، والمؤمنون لا يقاتلون إلا في سبيل الله، فمتى حاربوا فئة فهم يحاربونها في سبيل الدين، ولذا لابد أن تكون كافرة.
وقوله: ((فاثبتوا واذكروا الله كثيراً)) يعني: فاثبتوا في مواطن الحرب مستظهرين بذكره مستنصرين به داعين له على عدوكم، فذكر الله يعطي قوة للأرواح، ويعطي قوة للأبدان أيضاً، وأدلة ذلك كثيرة.
وقوله: ((لعلكم تفلحون)) يعني: إن ثبتم واستعنتم بذكر الله كثيراً في مثل هذا الموقف فإنكم تنصرون، ومتى ما تخلى المسلمون عن ذلك فأنى لهم النصر؟! ففي نكسة عام (١٩٦٧م) كان أمراً طبيعياً جداً أن يحصل ما حصل من الهزيمة؛ لأنه لم يكن هناك شيء اسمه ذكر الله ، بل كانوا يوزعون على الجنود في ثكنات القتال صور الممثلات وصور الفنانات! ويقولون للجندي: اضرب فـ أم كلثوم معك في المعركة! اضرب ففلانة معك في المعركة! وكانت أولاء وكان هؤلاء الفاسقات يذهبن إلى صفوف الجبهة لرفع الروح المعنوية! فقوله: ((يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون)) يعني: تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة، وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁: (أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس فقال: يا أيها الناس! لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قال: اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم).
وفي الآية إشعار بأن على العبد ألا يفتر عن ذكر ربه أشغل ما يكون قلباً وأكثر ما يكون هماً، وأن يلتجئ إليه عند الشدائد، ويقبل إليه بكليته فارغ البال واثقاً بأن لطفه لا ينفك عنه في حال من الأحوال.
وكما قلنا مراراً: العبادة الوحيدة التي لم تقيد بوقت هي ذكر الله ، والتي حرضنا على الإكثار منها في كل وقت وفي كل حال، فقد كان ﷺ يذكر الله على كل أحواله وفي كل أحيانه.
وقال : ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١]، فالإنسان لا يخرج عن حالة من هذه الحالات: إما قائم، وإما قاعد، وإما نائم، فالمقصود بذلك ذكر الله على أي حال كنت، لا كما يفهمها الصوفية أن كونها قياماً أو قعوداً هو القفز والنط، بأن يكون واقفاً ثم يرمي نفسه في الأرض ثم يميل وهكذا، فهذا التلوي وهذه الأفعال إلحاد في آيات الله وانحراف في فهمها، إنما المقصود: اذكروا الله على كل حال تكونون عليه من الوقوف أو القعود أو الرقود.
فلو كان الاشتغال والهم والمشاغل عذراً في الغفلة عن ذكر الله لكان القتال كذلك، لكن انظر كيف يحرضهم الله على كثرة الذكر في أشد الأحوال وفي أعظم الأهوال، وهي حالة الاقتتال والالتحام المسلح بأعداء الله ، فعلى العبد ألا يفتر عن ذكر ربه، لقوله : ((وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا))، وقال : ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
стр. 1194
تفسير قوله تعالى: (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا)
ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦].
قوله: ((وأطيعوا الله ورسوله)) يعني: في كل ما يأمران به وينهيان عنه، وهذا عام، والتخصيص بالذكر هنا فيه تأكيد.
وقوله: ((ولا تنازعوا)) يعني: باختلاف الآراء، أو فيما أمرتم به.
وقوله: (فتفشلوا) أي: تجبنوا إذ لا يتقوى بعضكم ببعض؛ لأن التنازع سيذهب بالقوة، فإن المسلمين حين يتنازعون ويكونون قوى متضادة ستكون المحصلة ضعيفة أو لا محصلة.
وقوله: ((فتفشلوا وتذهب ريحكم)) يعني: قوتكم وغلبتكم ونصرتكم ودولتكم.
وشبه ما ذكر في نفوذ الأمر وتمشيته بالريح وهبوبها، يقال: هبت ريح فلان، يعني: إذا دامت له الدولة، ونفذ أمره، قال الشاعر: إذا هبت رياحك فاغتنمها فعقبى كل خافقة سكون ولا تغفل عن الإحسان فيها فما تدري السكون متى يكون وقوله: ((واصبروا)) يعني: على شدائد الحرب، وعلى مخالفة أهويتكم الداعية إلى التنازع؛ فالصبر مستلزم للنصر.
وقوله: ((إن الله مع الصابرين)) يعني: بالنصر.
قال ابن كثير: وقد كان للصحابة رضي الله تعالى عنهم في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد من بعدهم رضي الله تعالى عنهم، فإنهم ببركة الرسول ﷺ وطاعته فيما أمرهم فتحوا القلوب والأقاليم شرقاً وغرباً في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والحبوش، وأصناف السودان والقبط وطوائف بني آدم، قهروا الجميع حتى علت كلمة الله، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.
قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ((ولا تنازعوا)) أي: لا تختلفوا فيما أمركم به من الجهاد، بل ليتفق أمركم.
قال: ولقائل أن يقول: يستفاد من هذا وجوب نصب أمير على الجيش؛ ليدبر أمرهم، ويقطع اختلافهم؛ لأن هذه الوسيلة هي التي تؤدي إلى عدم التنازع؛ لأنهم إذا اتفقوا على طاعته فيما يؤمرهم به لم يبق مجال للتنازع، وقد فعله ﷺ في السرايا وقال: (اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي).
стр. 1195
تفسير قوله : (ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً)
ولما أمر الله تعالى المؤمنين بالثبات والصبر عند اللقاء أمرهم بالإخلاص فيه بنهيهم عن التشبه بالمشركين في انبعاثهم للرياء، فبعد ما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٥ - ٤٦] قال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال:٤٧].
((ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً)) أي: لا تكونوا كالمشركين الذين خرجوا من ديارهم فخراً بالشجاعة.
((ورئاء الناس)) أي: طلباً للثناء بالسماحة والشجاعة، فهم إنما خرجوا كي يقال إنهم: شجعان ومقاتلون ونحو ذلك.
وقوله: ((ويصدون عن سبيل الله)) أي: ولا تكونوا كـ أبي جهل وأصحابه وقد أتاهم رسول أبي سفيان وهم بالجحفة أن ارجعوا فقد سلمت عيركم فأبوا وقالوا: لا نرجع حتى نأتي بدراً، فننحر بها الجزر، ونسقي بها الخمر، وتعزف علينا فيها القيان -القينة هي الجارية المغنية- وتسمع بنا العرب.
فذلك بطرهم ورئاؤهم الناس بإطعامهم، فوافوها، فسقوا كئوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان.
أي: فلا يكن أمركم رياءً ولا سمعة ولا التماس ما عند الناس، وأخلصوا لله النية والحسبة في نصر دينكم ومؤازرة نبيكم ﷺ ، لا تعملوا إلا لذلك، ولا تطلبوا غيره.
والرئاء: مصدر راءى، إذا أظهر العمل للناس ليروه، والمرائي يطلب نظر الناس إلى عمله؛ غفلة عن الخالق .
وقد يقال: راياه مراياة ورياءً على القلب.
ونصب: ((بطراً ورئاء)) لأنها مفعول من أجله أو مصدر في موضع الحال.
وجملة ((ويصدون)) منصوبة لأنها حال بتأويل اسم الفاعل، أو بجعله مصدر فعل هو حال، أو مرفوعة على الاستئناف.
ونكتة التعبير بالاسم (بطراً ورئاء) أولاً ثم بالفعل (ويصدون) الإعلام بأن البطر والرياء دأبهم، بخلاف الصد؛ فإنه تجدد لهم في زمن النبوة، أي أنه إنما ذكر البطر والرياء بالاسم باعتبار أن ذلك غير مرتبط بزمان، وأنه دأبهم في كل الأوقات قبل الإسلام وبعد الإسلام، ذحالة العرب في قتالهم، أما الصد عن سبيل الله فإن هذا ما تجدد إلا بعد زمن نبوة النبي ﷺ .
والله أعلم.
стр. 1196
تفسير سورة التوبة [١ - ٦]
стр. 1197
أسماء سورة التوبة
هذه سورة التوبة لها عشرة أسماء، قيل: إنه لا توجد سورة أكثر أسماء من الفاتحة وهذه السورة -سورة التوبة-، فهما أكثر السور من حيث الأسماء الكثيرة لهما، فالمشهور من أسماء هذه السورة: الاسم الأول: سورة (براءة) سميت بها لافتتاحها بالبراءة: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:١]، ومرجع أكثر ما ذكر فيها إليها؛ لأن أكثر ما ذكر في الآية راجع إلى صدرها، وهو قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:١].
الاسم الثاني: وهو أشهر أسمائها سورة: (التوبة)، لتكرر ذكر التوبة في هذه السورة الكريمة، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [التوبة:٣]، وقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [التوبة:٥]، وقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة:٢٧]، وقوله: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة:٧٤]، وقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٢]، وقوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [التوبة:١١٧]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة:١٠٤]، وقوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة:١١٢] إلى آخره، فهذان الاسمان أشهر أسماء هذه السورة: سورة براءة، وسورة التوبة.
الاسم الثالث: (الفاضحة) فقد أخرج البخاري عن سعيد بن جبير قال: قلت لـ ابن عباس ﵄: سورة التوبة، قال: التوبة هي الفاضحة، السورة التي فضحت المنافقين، ما زالت تنزل ومنهم: ومنهم حتى ظنوا أنها لم تبق أحداً منهم إلا ذكر فيها، ما زالت تنزل في السورة: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة:٧٥] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة:٤٩] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:٥٨] ومنهم من كذا، تفضح أخبار المنافقين، وتهتك سترهم؛ ولذلك سميت: الفاضحة، حتى ظنوا أنها لم تبق أحداً منهم إلا ذكر فيها، فكانوا يشتكون من نزول مزيد من الآيات لأنها تفضح وتكشف وتهتك أستار المنافقين.
الاسم الرابع: (سورة العذاب)؛ وذلك لتكرر ذكره فيها.
الاسم الخامس: (المقشقشة) والقشقشة معناها: التبرئة، وهي مبرئة من النفاق، عندما تصف المنافقين بأفعال فمن تنزه عنها فإنه يبرأ من النفاق ويكون من المؤمنين.
الاسم السادس: (المنقرة)؛ لأنها نقرت عما في قلوب المشركين أي: كشفت وأخرجت ما في قلوبهم، والمنقرة يعني: التي بحثت، كما قال تعالى: ﴿غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣١] أي: ينبش ويحفر؛ فلذلك سميت المنقرة؛ لأنها بحثت وفتشت في قلوب المنافقين.
الاسم السابع: (البحوث) صيغة مبالغة من البحث أي: في قلوب المنافقين.
الاسم الثامن: (الحافرة)؛ لأنها حفرت عن قلوب المنافقين، يعني: بحثت عنها.
الاسم التاسع: (المثيرة)؛ لأنها أثارت مثالبهم وعوراتهم، أي: أخرجتها من الخفاء إلى الظهور.
الاسم العاشر: (المبعثرة)؛ لأنها بعثرت أسرارهم، يعني: كشفت وأظهرت أسرار المنافقين.
الاسم الحادي عشر: (المدمدمة) يعني: المهلكة.
الاسم الثاني عشر: (المخزية).
الاسم الثالث عشر: (المنكلة) يعني: المعاقبة للمنافقين.
الاسم الرابع عشر: (المشردة) يعني: الطاردة لهم والمفرقة لجمعهم.
فليس في السور أكثر أسماء منها ومن الفاتحة.
стр. 1198
سبب ترك كتابة البسملة في سورة التوبة
للسلف في وجه ترك كتابة البسملة في هذه السورة والتلفظ بها أقوال: يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: اعلم أولاً أن الصحابة ﵃ لم يكتبوا سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) في سورة براءة، وهذا في المصاحف العثمانية، خلافاً لقراءة ابن مسعود ففيها البسملة؛ لكن في المصاحف العثمانية، لم يكتب الصحابة رضي الله تعالى عنهم سطر (بسم الله الرحمن الرحيم).
واختلف العلماء في سبب سقوط البسملة منها على أقوال: الأول: أن البسملة رحمة وأمان، وبراءة نزلت بالسيف، فليس فيها أمان، وهذا القول مروي عن علي رضي الله تعالى عنه وسفيان بن عيينة، وقد روى الحاكم في المستدرك عن ابن عباس ﵄ قال: سألت علي بن أبي طالب ﵁: لِم لم تكتب في براءة البسملة؟ قال: لأنها أمان؛ أي: لأن البسملة أمان فيها اسم الله تعالى، وفيها الرحمة العامة والخاصة.
ويقولون: لأنها أمان، وبراءة نزلت بالسيف، فنزولها لرفع الأمان الذي يأبى مقامه التصدير بما يشعر بقائه من ذكر اسمه تعالى مشفوعاً بوصف الرحمة، فلم يناسب ذكر اسم الرحمن الرحيم والبسملة لما في ذلك من نقض الأمان وتوعد المشركين؛ ولذا قال ابن عيينة: اسم الله سلام وأمان، فلا يكتب في النبذ والمحاربة.
فهذه الآية تعلن نبذ العهود، وإعلان الحرب على المشركين بعد المهلة التي سنبينها -إن شاء الله- فهذا يتنافى مع ذكر البسملة التي فيها الرحمة، وفيها لفظ الجلالة واسم الله ، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء:٩٤] فإن قيل: فإن النبي ﷺ قد كتب إلى أهل الحرب البسملة، فلما كتب إلى أهل الحرب كـ كسرى وقيصر كتب: (بسم الله الرحمن الرحيم).
قال: إنما ذلك ابتداء منه يدعوهم، كانت مرحلة دعوة، فابتدأ هو بالدعوة، ولم ينبذ إليهم، ألا تراه يقول: (سلام على من اتبع الهدى)، فمن دُعي إلى الله فأجاب، فقد اتبع الهدى، فظهر الفرق، أما هنا: فالسياق بخلاف ذلك، وكذا قال المبرد: إن التسمية افتتاح للخير، وأول هذه السورة وعيد ونقض عهود؛ فلذلك لم تفتتح بالتسمية.
الثاني: أن ذلك على عادة العرب إذا كتبوا كتاباً فيه نقض عهد أسقطوا منه البسملة، فلما أرسل النبي ﷺ ، علياً ﵁ ليقرأها عليهم في الموسم -يعني: الحج- قرأها ولم يبسمل على عادة العرب في شأن نقض العهد، نقل هذا القول بعض أهل العلم ولا يخفى ضعفه.
الثالث: أن الصحابة لما اختلفوا هل البراءة والأنفال سورة واحدة أم سورتان، تركوا بينهما فرجة لقول من قال: إنهما سورتان، وتركوا البسملة لقول من قال هما سورة واحدة، فرضي الفريقان وثبتت حجتاهما في المصحف، وهذا الكلام فيه نظر؛ لأن الحاكم يقول: استفاض النقل أنهما سورتان، ويقول أبو السعود في تفسيره: اشتهارها بهذه الأسماء -يعني: إذا كانت السورة اشتهرت بأربعة عشر اسماً- يقضي بأنها سورة مستقلة وليست بعضاً من سورة الأنفال، ومعنى ذلك أن سورة هي أكثر سورة من حيث عدد أسمائها، فكيف بعد ذلك يشك هل هي سورة أم سورتان مع الأنفال؟! فطبعاً اشتهارها بأربعة عشر اسم يؤكد أنها سورة مستقلة، وليست امتداداً لسورة الأنفال؛ لكن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا، كما سنبين إن شاء الله تعالى فيما يأتي، هل هي امتداد لسورة الأنفال؛ بسبب وجود بعض التشابه بينهما أم أنها سورة مستقلة؟ فلما اختلفوا إلى فريقين: فريق يرى أنها امتداد لسورة الأنفال، وفريق يرى أنها سورة مستقلة، كان هناك نوع من الحل الوسط، يرضي الفريقين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فتركوا بينهما فرجة، ففي المصحف العثماني ختمت سورة الأنفال ثم تركت مسافة تكفي لكتابة (بسم الله الرحمن الرحيم)، وهذه الفرجة لا توجد بين أجزاء السورة الواحدة، إنما من شأنها أنها توجد بين السورتين، وفي نفس الوقت لم يكتبوا في الفرجة (بسم الله الرحمن الرحيم) إشارة إلى اختلافهم على مذهبين: ترك البسملة بناءً على قول من ذهب إلى أنهما سورة واحدة، وإيجاد الفرجة للدلالة على قول من قال: إنهما سورتان، وشأن السورتان أن يفصل بينهما بهذه الفرجة.
يقول الشنقيطي: ومنها أن الصحابة لما اختلفوا: هل البراءة والأنفال سورة واحدة أو سورتان؟ تركوا بينهما فرجة لقول من قال: إنهما سورتان، وتركوا البسملة لقول من قال: هما سورة واحدة، فرضي الفريقان، وثبتت حجتاهما بالمصحف.
الرابع: أن سورة براءة نسخ أولها، فسقطت معه البسملة، وهذا القول: رواه ابن وهب وابن القاسم، وابن عبد الحكم عن مالك، كما نقل القرطبي عن ابن عجلان وسعيد بن جبير: أنها كانت تعدل سورة البقرة.
الخامس: قال القرطبي: والصحيح أن البسملة لم تكتب في هذه السورة؛ لأن جبريل لم ينزل بها فيها، قاله القشيري.
قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى بعد أن استعرض هذه الأقوال: وأظهر الأقوال عندي في هذه المسألة: أن سبب سقوط البسملة في هذه السورة: هو ما قاله عثمان ﵁ لـ ابن عباس، فقد أخرج النسائي والترمذي وأبو داود والإمام أحمد وابن حبان والحاكم وصححه، ولم يخرجاه، عن ابن عباس ﵄ قال: قلت لـ عثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم)، ووضعتموهما في السبع الطول، فما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان ﵁: (إن رسول الله ﷺ : كان إذا أنزل عليه شيء يدعو بعض من يكتب عنده، فيقول: ضعوا هذا في السورة التي فيها كذا وكذا، وتنزل عليه الآيات فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما أنزل بالمدينة، وبراءة من آخر ما أنزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهةً بقصتها، وقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها، فظننت أنها منها)، فمن ثم قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ووضعتها في السبع الطول.
هذا الحديث يؤخذ منه: أن ترتيب آيات القرآن الكريم في السورة الواحدة بتوقيف من النبي ﷺ ، وأن هذه الآية في الموضع الفلاني يليها كذا، هذا تم بتوقيف من النبي ﷺ وآله وسلم، وبلا شك أن ترتيب الآيات توقيفي، ليس عن اجتهاد من الصحابة، وإنما هو بتوقيف من الرسول ﷺ ، كما يفهم منه أيضاً: أن ترتيب سوره بتوقيف أيضاً، ما عدا سورة واحدة، هي سورة التوبة، وهذا هو أظهر الأقوال، ودلالة الحديث عليه ظاهرة.
التنبيه الثاني: قال أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله تعالى: في هذا الحديث دليل على أن القياس أصل في الدين، ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجئوا إلى قياس الشبه عند عدم النص، وقال: إن سورة الأنفال تشبه سورة التوبة، فعند افتقاد النص من النبي ﵊ على موضع سورة براءة، لجأ الصحابة إلى القياس من حيث الشبه من حيث المعنى، فوجدوا التوبة أشبه من حيث المعنى بسورة الأنفال.
يقول: ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجئوا إلى قياس الشبه عند عدم النص، ورأوا أن قصة براءة شبيهةٌ بقصة الأنفال فألحقوها بها، فإذا كان القياس يدخل في تأليف القرآن الكريم فما ظنك بسائر الأحكام، يعني: الأولى أن يعتد بالقياس الصحيح فيها.
стр. 1199
شرح أثر عثمان في بيان سبب حذف البسملة من سورة التوبة
وهنا نحتاج لشرح بعض الألفاظ في هذا الحديث، عن ابن عباس ﵄ قال: قلت لـ عثمان ما حملكم -يعني: ما هو الباعث لكم- على أن عمدتم -أي: قصدتم- إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم)، فوضعتموهما في السبع الطول؟ فما حملكم على ذلك؟ يقول بعض العلماء: القرآن يقسم على تقسيم معين، فأول القرآن السبع الطوال، ثم ذوات المئين، ثم المثاني، ثم المفصل، فالسبع الطوال هي: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، وستأتي السابعة، يلي هؤلاء ذوات المئين وهي السور ذوات المئات التي فيها مائة آية، ثم المثاني، ثم المفصل.
قوله: (الأنفال وهي من المثاني) يعني: من السبع المثاني، وهي السبع الطوال، وقال بعضهم: المثاني من القرآن ما كان أقل من المئين، وهي السور التي تقل عن مائة آية.
وإذا نظرنا إلى عدد آيات سورة الأنفال نجد أنها خمس وسبعون آية، وهي أقل من مائة؛ فلذلك اعتبرها من المثاني؛ لأن المثاني هي ما كانت أقل من مائة آية؛ ولذلك قال: وهي من المثاني، وأنتم تعرفون أيضاً: أن القرآن جميعه أحياناً يسمى مثاني: ﴿مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٣].
وقال في النهاية: المثاني السور التي تقصر عن المئين، يعني: تقل عن مائة آية، وتزيد عن المفصل: كأن المئين جُعلت مبادئ، والتي تليها مثاني؛ كأن المئين: أول شيء يبدأ بها، والمثاني: ما يثنى به؛ ولذلك قيل: مثاني، فالقرآن كأنه يقسم إلى ما كان فوق المائة وهي المئين والسبع الطوال وما كان دون المائة، وهي المثاني؛ ولذلك سميت الأنفال من المثاني، لأنها أقل من المائة.
وقوله: (عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين) لأن سورة التوبة (١٢٩) آية، (فقرنتم بينهما) يعني: مع أن الأنفال ليست من السبع الطوال لقصرها عن المئين؛ لأنها خمسون وسبعون آية، وليست غيرها؛ لعدم الفصل بينها وبين براءة فيقول هنا: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تفصلوا بينهما بسطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ووضعتموهما في السبع الطول؟ فما حملكم على ذلك؟ قال الطيبي: دلّ هذا الكلام على أنهما نزّلتا منزلة سورة واحدة، وكمل السبع الطوال بها، يعني: السبع الطوال متفق على ست منها، وبعض الناس يعد السبع الطوال ابتداء من الفاتحة، فيقول: الفاتحة، البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف، وعلى هذا القول تنتهي السبع الطوال بالأعراف، وبعضهم يقول: تبدأ بالبقرة، وبعضهم يقول: سابعة السبع الطوال هي الأنفال، وبعضهم يقول: بل السابعة هي مجموع الأنفال والتوبة، وبعضهم يقول: بما أن هناك اختلافاً ما بين الأنفال والتوبة، فالسابعة هي: يونس، وهو قول غريب! فهذا بالنسبة لخلاف العلماء، يقول الإمام الطيبي: دلّ هذا الكلام على أنهما نزّلتا -أي: الأنفال والتوبة- منزلة سورة واحدة، وكمل السبع الطوال بها، وعلى هذا فالسورة السابعة من السبع الطوال، هي: التوبة والأنفال، مجموعهما، عوملتا كسورة واحدة.
ومن ثم قيل: السبع الطوال هي البقرة، وبراءة، وما بينهما، وهذا هو المشهور؛ لكن روى النسائي والحاكم عن ابن عباس ﵄: إنها البقرة والأعراف وما بينهما، قال الراوي: وذكر السابعة فنسيتها، وهو يحتمل أن تكون الفاتحة، فإنها من السبع المثاني، ونزّلت سبعتها منزلة المئين، ويحتمل أن تكون الأنفال بانفرادها، أو بانضمام ما بعدها إليها.
وصح عن ابن جبير: أنها يونس، فهذا وجه الخلاف في تحديد السبع الطوال.
المهم: أن ابن عباس لما قال لـ عثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ووضعتموهما في السبع الطوال؟ فما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان رضي الله تعالى عنه: إن رسول الله ﷺ كان إذا أُنزل عليه شيء يدعو بعض من يكتب عنده من كتبة الوحي -كـ زيد بن ثابت ومعاوية رضي الله تعالى عنهما وغيرهما- فيقول: (ضعوا هذا في السورة التي فيها كذا وكذا)، وهذه إشارة إلى ترتيب الآيات داخل السورة الواحدة، وأن هذا الترتيب للآيات كان توقيفياً، قال: (وكانت الأنفال من أوائل ما أنزل بالمدينة، وبراءة من آخر ما أنزل من القرآن) والتعبير هنا بقوله: (من آخر) دقيق، يعني: كأنه لم يقطع بكونها آخر، باعتبار أن سورة النصر هي آخر ما نزل من القرآن الكريم، قال: (وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها) أي: لم يبين لنا أن التوبة امتداد للأنفال، بخلاف سائر سور القرآن؛ لأنهم كانوا يعرفون ترتيب سورة القرآن بتوقيف من النبي ﵊، ما عدا هذا الموضع بالذات.
يقول: (ولم يبين لنا أنها منها، فظننت أنها منها -بناءً على قياس الشبه لما لاحظوا الشبه بين الأنفال وبين التوبة- فمن ثم قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ووضعتها في السبع الطوال).
стр. 1200
تفسير قوله تعالى: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين)
قال ﵎: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١].
(براءة) خبر لمحذوف، يعني: هذه براءة، فالمحذوف هو خبر مقدم تقديره: هذه براءة، وتنوين (براءةٌ) للتفخيم.
والبراءة في اللغة: انقطاع العصمة، يقال: برئت من فلان براءة، أي: انقطعت بيننا العصمة، ولم يبق بيننا علاقة ولا رابطة، وانقطعت العصمة والعهد الذي بيننا.
يقول ابن إسحاق: (نزلت براءة في نقض ما بين رسول الله ﷺ وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم: ألا يصد عن البيت أحد جاءه، ولا يخاف أحد في الشهر الحرام، وكان ذلك عهداً عاماً بينه وبين الناس من أهل الشرك) والعهود كانت كثيرة مع قبائل العرب، فمنهم من عوهد إلى أجل معلوم، فصلح الحديبية كانت مدته عشر سنوات، ومن سنة ست من الهجرة بدأ تنفيذ صلح الحديبية، وكانت هناك عقود أخرى مع بعض القبائل، لكنها عهود غير مؤقتة، وبعضها كانت عقود مؤقتة، إما أقل من أربعة أشهر، وإما أكثر من أربعة أشهر، فهذه السورة نزلت لبيان انتهاء نوع من هذا العقود كما سوف نبينه إن شاء الله تعالى.
قوله: (فكان ذلك عهداً عاماً بينه وبين الناس من أهل الشرك) أي أن أي شخص يريد البيت الحرام فلا يصده أحد؛ كذلك لا يخوف ولا يعتدى على أحد في الشهر الحرام، وكانت هناك عهود بين رسول الله ﷺ وبين قبائل من العرب إلى آجال مسماة، فنزلت فيهم وفيمن تخلف من المنافقين عنه في تبوك، وفي قول من قال منهم، فكشف الله تعالى سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون.
وقال ابن كثير: وأول هذه السورة نزل على رسول الله ﷺ لما رجع من غزوة تبوك وهَمّ بالحج، ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم في ذلك، ولهم عادة سيئة وقبيحة من بدع الجاهلية أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة بلا ثياب، فكره النبي ﵊ أن يحج معهم، وهم يطوفون حول البيت بهذه الهيئة القبيحة، فكره ﷺ مخالطتهم، وبعث أبا بكر الصديق ﵁ أميراً على الحج تلك السنة؛ ليقيم للناس مناسكهم، ويعلم المشركين ألا يحجوا بعد عامهم هذا، وأن ينادى بالناس: ((بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ))، فلما قفل أتبعه بـ علي بن أبي طالب ليكون مبلغاً عنه ﷺ لكونه عصبة له كما يأتي؛ لأن علي بن أبي طالب من عصبة النبي ﵊ وابن عمه، فبعدما بعث أبا بكر لذلك أكد بإرسال علي ليبلغ باسمه المشركين بانقضاء هذا العهد: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
стр. 1201
تفسير قوله تعالى: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين)
قال تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٢].
((فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)) فقولوا لهم: سيحوا في الأرض، أي: سيروا في الأرض بعد نبذنا العهد آمنين من القتل والقتال مدة أربعة أشهر، فلكم مدة أربعة أشهر، وهذا الخطاب موجه لطائفة معينة من المعاهدين سوف نبينهم إن شاء الله، أي: لكم أن تسيروا في الأرض بحرية لمدة أربعة أشهر، وقد بيَّن الله تعالى في سورة الأنفال أن المسلمين بينهم وبين المشركين عهد: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال:٥٨]، فهذا نبذ للعهد، وإعلان لانقضاء العهد، وهناك مهلة زمنية لكم تتحركون فيها بحرية لمدة أربعة أشهر لا يتعرض لكم أحد، لكن بعد انتهائها، لا يوجد عهد بيننا وبينكم.
وتبدأ هذه الأربعة أشهر من يوم النحر؛ لأنه بعد ذلك قال: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة:٣] أي: يوم النحر، فهي من أول أيام عيد الأضحى إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر.
والمقصود من هذا الأمر: ((فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)) أي: أنتم آمنون، فسيروا في الأرض حيث شئتم، فالمقصود تأمينهم من القتل وتفكرهم واحتياطهم ليعلموا أنه ليس لهم بعدها إلا السيف، وليعلموا قوة المسلمين إذ لم يخشوا استعدادهم لهم، وهذه الأربعة الأشهر كانت عهداً لمن له عهد دون الأربعة الأشهر فأتمت له، فإن من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كانت لقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة:٤]، ويوضح هذا العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة:١ - ٢]، فيقول الشنقيطي: ظاهر هذه الآية الكريمة العموم في جميع الكفار المعاهدين: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ) فقوله: (الذين) تفيد عموم أي فئة من المعاهدين من الكفار: ((إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ))، فظاهر الآية يفيد العموم، عموم كل من عاهده المسلمون، فَيُفهم منها أنه بعد انقضاء أشهر الإمهال الأربعة المذكورة في قوله: ((فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)) أنه لا عهد لكافر، فمعناها: بعدما تمر أربعة أشهر، لا يبقى لأي كافر على الإطلاق مهما كانت مدة عهده عهد، وتكون نبذت ونقضت جميع العهود، وفي هذا اختلاف كثير بين العلماء، والذي يبينه القرآن الكريم ويشهد له من تلك الأقوال، هو أن محل ذلك إنما هو في أصحاب العهود المطلقة غير المؤقتة بوقت معين، أو من كانت مدة عهده المؤقت أقل من أربعة أشهر، يعني: هذه البراءة وهذا الكلام بلفظ العهود، يتناول طائفتين من الناس، الأولى: هي طائفة أصحاب العهود المطلقة غير المؤقتة بوقت معين، فهؤلاء أول من يقصدون بهذه البراءة، الذين هم أصحاب العهود المطلقة التي لم يحدد لها أجل أو نهاية، هذا هو القسم الأول.
القسم الثاني: من كانت مدة عهده مؤقتة ومؤجلة لأقل من أربعة أشهر.
وقد روى الأئمة هاهنا آثاراً كثيرة فيما يتعلق بنزول هذه السورة المباركة، قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: قدم رسول الله ﷺ من تبوك حين فرغ فأراد الحج -أراد أن يحج في هذه السنة- ثم قال: (إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج)، أبى النبي ﵊ أن يحج، والحال أن المشركين على عادتهم القبيحة، فلم يحب أن يحج ولا أن يذهب إلى البيت إلا بعد أن يقضي على هذه العادة القبيحة، فأرسل أبا بكر وعلياً فطافا بالناس في ذي المجاز، وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها وبالمواسم كلها، فآذنوا أصحاب العهد أن يؤمنوا أربعة أشهر، فهي الأشهر المتواليات، عشرون من ذي الحجة إلى عشر يخلون من ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم، وآذن الناس كلهم بالقتال إلى أن يؤمنوا، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد، فهو له إلى مدته، فخرج علي بن أبي طالب على ناقة رسول الله ﷺ العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق ﵁، فلما رآه أبو بكر بالطريق قال: أمير أو مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم مضيا، فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج الذي كانوا عليه في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب ﵁ فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس! إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو له إلى مدته، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة، إلا أحد كان له عند رسول الله ﷺ عهد إلى مدة، فهو له إلى مدته.
فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله ﵌.
وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: بعثني أبو بكر ﵁ في تلك الحجة في المؤذنين، بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى، يعني: يعلنون للناس في منى: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، قال حميد: ثم أردف النبي ﷺ بـ علي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة، يعلن عليهم هذه البراءة، وقال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منىً يوم النحر ببراءة، وألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وإنما قيل: (يوم الحج الأكبر)؛ لأن الناس عادتهم أنهم يسمون العمرة: الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام إلى آخره.
وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه في رواية أخرى: فكنت أنادي حتى صحل صوتي، -بالصاد- يعني: بح صوتي من كثرة ما كان يعلن في الموسم هذا البيان.
стр. 1202
تفسير قوله تعالى: (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم)
قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٣]، من أقبح أنواع اللحن هنا أن يقال: أن الله بريء من المشركين ورسولِهِ -والعياذ بالله- ولو قصدها رجل ربما كفر، لأن عطف الرسول على المشركين (بريء من المشركين ورسوله) معناه: أن الله بريء أيضاً من الرسول ﵊! وهذا من أقبح ما يقع من اللحن، فيجب أن ينتبه إلى ذلك.
﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [التوبة:٣] أي: إن تبتم -أيها المشركون- من كفركم ورجعتم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد فهو خير لكم من الإقامة على الشرك والضلال والفساد.
﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [التوبة:٣] يعني: عن الإيمان وأبيتم إلا الإقامة على ضلالكم وشرككم ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة:٣] أي: غير فائتين أخذه وعقابه، لن تفوتوا الله سبحانه، بل الله قادر عليكم وإن أمهلكم.
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة:٣] وكلمة (بشّر) هذه فيها نوع من التوبيخ والتهكم الشديد (وبشر الذين كفروا) يعني: الذين جحدوا نبوتك وخالفوا أمر ربهم ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣] فالشخص إذا سمع كلمة (بشّر) يفرح ويتوقع كلاماً يكون بشرى، وأن هذه بشارة فإذا سمع: (بعذاب أليم) يصدم بصدمة عكسية؛ لأنها عكس ما تؤديه كلمة البشارة، فهذا فيه تهكم بهم.
(وبشر الذين كفروا بعذاب أليم) أي: موجع يحل بهم، وفيه من التهكم والتهديد ما فيه، كي لا يظن أن عذاب الدنيا لو فات وزال خلصوا من العذاب، فإن العذاب الشديد معد لهم يوم القيامة.
стр. 1203
تفسير قوله تعالى: (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً إن الله يحب المتقين)
ثم استثنى تعالى من ضرب مدة التأجيل لمن له عهد مطلق بأربعة أشهر: من له عهد مؤقت، فكل ما مضى يتعلق بطائفتين: الأولى: من كان له عهد مدته أقل من أربعة أشهر فهذه المدة تكمل إلى أربعة أشهر.
الثانية: من كان له عهد مطلق غير مؤقت بوقت، فإنه يرد إلى أربعة أشهر.
ويبقى هنا استثناء فيمن كان له عهد مؤقت مؤجل إلى مدة مضروبة عوهد عليها تزيد على مدة الأربعة الأشهر، فقال : ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١] يوجد شرط ﴿ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٤].
قوله: (ثم لم ينقصوكم شيئاً) يعني: لم ينقصوكم شيئاً من شروط هذا الميثاق والعهد الذي بينكم وبينهم، فلم يقتلوا منكم أحداً ولم يضروكم قط، وفي قراءة: (ثم لم ينقضوكم شيئاً) يعني: ثم لم ينقضوا عهدكم شيئاً، من النقض، وكلمة (ثم) للدلالة على ثباتهم على عهدهم مع تمام المدة، يعني: مع أن المدة تتطاول وتمر، لكن ثبت أنهم مواظبون وملتزمون بالعهد، فكلمة (ثم) تفيد أنهم ثابتون على العهد محترمون الميثاق مع تمادي المدة؛ لأن هذا التمادي تدل عليه كلمة (ثم لم ينقصوكم شيئاً).
(ولم يظاهروا) يعني: لم يعاونوا عليكم أحداً أي: عدواًَ من أعدائكم (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) ما هي هذه المدة؟ التفسير الأرجح -والله أعلم- أن المدة هي المدة الثابتة في الاتفاق، وقد تزيد على أربعة أشهر، لكن هناك قول لـ مجاهد أن (أل) هنا للعهد، فالمدة هي إشارة إلى أربعة أشهر.
ثم حرض تعالى على الوفاء بذلك منبهاً على أنه من باب التقوى فقال : (إن الله يحب المتقين) يعني: فاتقوه في المحافظة على العهود وعدم نقضها.
стр. 1204
تفسير قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم إن الله غفور رحيم)
قال تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٥].
(فإذا انسلخ) يعني: انقضى، (الأشهر الحرم) والأشهر الحرم هي مدة الإمهال، هذا هو الراجح، فلا تفسر بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:٣٦]؛ لأن هذه الأربعة الحرم هي عبارة عن شهر رجب، ثم ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
وهذه الأشهر الحرم ليست متصلة؛ لأن شهر رجب منفرد لوحده، ثم هذه الشهور الثلاثة الأخرى التي هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم متصلة؛ لكن سياق الكلام هنا واضح في أن المقصود بقوله: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) أنها أشهر متصلة بعضها ببعض، ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة:٢] فلذلك فإن الراجح هنا: تفسير الأشهر الحرم بأنها أشهر الإمهال الأربعة، وليست الأشهر الحرم التي ذكرت في موضع آخر في هذه السورة الكريمة.
(فإذا انسلخ) يعني: إذا انقضى، (الأشهر الحرم) أي: أشهر الإمهال التي أبيح للذين عوهدوا فيها أن يسيحوا في الأرض وحرم فيها قتالهم: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) أي: في أي مكان في حلّ أو في حرام.
قال ابن كثير: هذا عام والمشهور تخصيصه بغير الحرم، لتحريم القتال فيه، يعني أن: بعض المفسرين قالوا: (حيث وجدتموهم) هذه عامة في أي مكان تجدوهم فيه حتى لو كانوا داخل الحرم الشريف، لكن الإمام ابن كثير يقول: هذا وإن كان ظاهره أنه عام، لكن المشهور أنه يخصص، فلا ينبغي أن يقتل الكافر داخل الحرم لتحريم القتال فيه، لقوله تعالى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١].
((فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ)) يعني: ائسروهم أسراً (واحصروهم) أي: احبسوهم في المكان الذي هم فيه، لئلا يتخبطوا في سائر البلاد، (واقعدوا لهم) اقعدوا لقتالهم (كل مرصد) يعني: في كل طريق وممر، (فإن تابوا) أي: عن الكفر، (وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) يعني: اتركوا التعرض لهم.
(إن الله غفور رحيم) أي: يغفر لهم ما سلف من الكفر والغدر.
يوضح الشنقيطي رحمه الله تعالى هنا المقصود من قوله تعالى: ((فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ))، وقد بينا أن الأشهر الحرم تبدأ من يوم النحر؛ لأنه هو يوم الحج الأكبر على الراجح، وقيل: يبدأ من يوم عرفة باعتبار قول من يذهب إلى أن يوم الحج الأكبر هو يوم عرفة، قال ﵀: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم)، اختلف العلماء في المراد بالأشهر الحرم في هذه الآية، فقال ابن جرير: إنها المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦]، قاله أبو جعفر الباقر.
لكن السياق يدل على أن المراد بها أشهر الإمهال المذكورة في قوله: ((فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ))، قال ابن كثير: والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد بن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن المراد بها: الأشهر الأربعة المشار إليها بقوله: ((فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)).
ثم قال: ((فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ)) أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم قتالهم فيها وأجلناهم فيها، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم؛ لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر، ومعنى هذا الكلام أن قوله تعالى: ((فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ)) فالأشهر هنا (أل) فيها للعهد، وهذا العهد يعود على مذكور وهو قوله: ((فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ))، فالعهد يعود هنا إلى مذكور، وهو أولى من أن يعود إلى مقدر وهو الأشهر التي في قوله: (منها أربعة حرم) مع أن هذه الأشهر الأربع الحرم سيأتي حكمها فيما بعد في آية أخرى.
ولذلك يكرر الشنقيطي هنا قول الإمام القاسمي رحمه الله تعالى فيقول: ما ذكرناه من أن المراد بالأشهر الحرم، أشهر العهد، هو الذي اختاره الأكثرون، سماها حرماً لتحريم قتال المشركين فيها ودمائهم، فسميت حرماً هنا؛ لتحريم الدماء في هذه الفترة التي هي: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، فسميت حرماً لتحريم التعرض للمشركين فيها وتحريم قتالهم خلال هذه الأربعة الأشهر، فالألف واللام للعهد، ووضع المظهر موضع المضمر، ليكون ذريعة إلى وصفها بالحرمة.
ومعنى قوله: وضع المظهر موضع المضمر، يعني أنه تعالى قال: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) ومقتضى السياق أن يقول الله (فإذا انسلخت) يعني: الأربعة أشهر التي سبق ذكرها من قبل في قوله: ((فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ))؛ لكنه عدل عن التعبير عنها بسياق الغيبة إلى قوله: ((فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ))، لأنه إذا عبر عنها بالغائب، فلن يمكن وصفها بكونها حرماً، لكن لما قال: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) أمكن هنا: أن توصف بكونها حرماً، بخلاف ما لو استعمل المضمر، فإنه لن توجد كلمة (الحرم) والمقصود بوصفها حرم أنه يحرم فيها قتل المشركين والتعرض لهم خلالها؛ فلذلك يقول هنا: فالألف واللام: للعهد، يعني: الأشهر التي سبق الكلام عليها آنفاً قريباً، ووضع المظهر، وهي كلمة الأشهر، موضع المضمر فلم يقل: فإذا انسلخت، ليكون ذريعة إلى وصفها بالحرمة (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) تأكيداً لما ينبه عنه إباحة السياحة من حرمة التعرض لهم؛ لأن قوله: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) أي: قولوا لهم: سيحوا وسيروا في الأرض آمنين أربعة أشهر، فهنا وصفها تأكيداً لهذا المعنى، الذي هو الأمان لهم في خلال أربعة أشهر، بأن قال: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) فهذا تأكيد؛ لأن دماءهم يحرم التعرض لها في خلال هذه الأشهر، مع ما فيه من مزيد من الاعتناء بشأن هذه الأشهر، وقيل: المراد بالأشهر الحرم: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، روي ذلك عن ابن عباس والضحاك والباقر واختاره ابن جرير وضعِّف، أي: ضعف هذا القول؛ لأنه لا يساعده النظم الكريم، لأنه يأباه ترتبه عليه بالفاء؛ لأن الله قال: ((فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ))، فهذا مخالف للسياق الذي يقتضي توالي هذه الأشياء: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) يعني: مجرد أن ينقضي تواليها حينئذ تنتهي، فالترتيب بالفاء يدل على التوالي، والأشهر الحرم المذكورة في الآية الأخرى: (منها أربعة حرم) غير متوالية، فرجب مفرد، ثم بعد ذلك: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، على طرد ونسق واحد.
قال ابن القيم: (الحرم هنا، هي أشهر التسيير: فسيروا في الأرض أربعة أشهر، أولها: يوم الأذان، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو يوم الحج الأكبر، الذي وقع فيه التأذين بذلك، وآخرها العاشر من ربيع الآخر، وليست هي الأربعة المذكورة بقوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:٣٦]، فإن تلك واحد فيها فرد هو رجب، وثلاثة فرد هي ذو القعدة وتالياه، ولم يسير المشركون في هذه الأربعة فإن هذا لا يمكن؛ لأنها غير متوالية، وهو إنما أجزأ لهم أربعة أشهر، ثم أمره بعد انسلاخها أن يقاتلهم) وبالعقل: لو أن المقصود: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) الأشهر الحرم التي هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، فإن عندنا الأشهر التي بين رجب وذو القعدة وهي شعبان، رمضان، شوال، وعلى هذا تكون سبعة أشهر، فالأشهر الحرم في قوله: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) يكون معناها: عدوا سبعة شهور وليس أربعة شهور، فالأقرب هنا والراجح: أنها أربعة أشهر كما ذكرنا.
ثم قال ﵎: ((فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ))، الأمر بتخلية السبيل معلّق على شروط ثلاثة: الأول: (فإن تابوا) أي: عن الشرك، ووحدوا الله ودخلوا في الإسلام.
الثاني: إقام الصلاة.
الثالث: إيتاء الزكاة، فحيث لم تحصل هذه الشروط جاز ما تقدم من القتل والأخذ والحصر؛ ولهذا اعتمد الصديق ﵁ في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه! يعني: قتال أبي بكر رضي الله تعالى عنه لمانعي الزكاة، وليس كل قتال أبي بكر كان قتالاً للمرتدين، وقد أطلقت كلمة: حرب الردة تغليباً؛ لأن من امتنع من أداء الزكاة قاتلهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه باعتبارهم ممتنعين عن شريعة من شرائع الإسلام، ولا يلزم من هذا تكفيرهم، وهذا موضوع يحتاج إلى تفصيل، ولكن سأشير إليه هنا إشارة عابرة، وذلك لأن بعض الإخوة يتعاملون مع المراجع الفقهية بطريقة تحتاج لنوع من التحذير، فحينما ينقلون إجماع العلماء على أنه يجب على الإمام مقاتلة الطائفة التي تمتنع عن شريعة من شرائع الإسلام، كما هو مشهور ومعروف من كلام ابن تيمية وغيره من الأئمة، حتى لو ا
стр. 1205
تفسير قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه)
قال : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٦] يعني: إن استجارك أحد من المشركين الذين أمرت بقتالهم، وهذا يكون بعد انقضاء مدة العهد التي هي الأربعة أشهر.
(وإن أحد من المشركين استجارك)؛ لأنك تقدر على قتله، فلو كان لفترة العهد يكون غير وارد أصلاً أن يقتل؛ لوجود عهد، ووجود مدة المهلة التي هي أربعة أشهر؛ لكن الكلام هذا بعد انقضاء الأربعة أشهر، ويمكن أن يكون هذا في المشركين الذين لم يكن لهم عهد، وهم الذين نقضوا العهود وأمر بقتالهم.
فالمعنى: إن استجارك أحد من المشركين الذين أمرت بقتالهم، أي: استأمنك، فاستجارك: يعني طلب الجوار والأمان، واستأمنك بعد انقضاء أشهر العهد، فأجره إلى طلبته (حتى يسمع كلام الله) أي: القرآن الذي تقرأه عليه ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر، وتقوم عليه حجة الله به، فإن أسلم ثبت له ما للمسلمين، وإن أبى فإنه يرد إلى مأمنه، فلا تتعرض له، بل لا بد أنك توصله إلى المكان الذي يأمن فيه مثل قبيلته أو بيته أو بلدته، فإذا دخل بيته وداره وأوصلته بأمان فبعد ذلك يمكن أن تقاتله؛ لكن لا بد أن تبلغه إلى المكان الذي يأمن فيه، فانظر إلى عظمة الإسلام، وكيف أنه يحترم العهود حتى مع الكافرين! (ثم أبلغه مأمنه) تقيم عليه الحجة أولاً، وتعلمه القرآن، وتفهمه التوحيد، ثم بعد ذلك إن أجابك فهو مسلم، له ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، أما إن أبى فإنه يجب عليك أن توصله إلى مكان الأمان الخاص به إما بيته أو قبيلته التي يأمن فيها، ثم قاتله إن شئت بعدما يأمن ويصل إلى مأمنه.
(ذلك بأنهم قوم لا يعلمون) (ذلك) يعني: أن هذا الأمر بالإجارة وبإبلاغه المأمن بسبب (أنهم قوم لا يعلمون) أي: أنهم جهلة، فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا ويفهموا الحق ولا يبقى لهم معذرة.
وقد دلت الآية على أن المستأمن لا يؤذى، فالمشرك إذا طلب منك الأمان وأعطيته الأمان يجب أن تحترم هذا العهد وهذا الأمان ولا تتعرض له بسوء، فمن الغدر أن الإنسان بعدما يؤمن شخصاً يقتله.
ومن قلة الفقه ما سمعناه أن بعض الجنود الأفغان الذين يؤمرون بالخروج في جيوش الشيوعيين، وكان هناك بعض المجاهدين الجهلة الذين لم يكن عندهم فقه، يقول لهم الرجل من هؤلاء: لا إله إلا الله، ويبين لهم أنه مسلم، وأنه أكره على الخروج في حرب المجاهدين ومع ذلك فإنهم -هداهم الله- يقتلونه بمنتهى البساطة! فهذا من الجهل، ونظائر ذلك تحصل كثيراً في أماكن أخرى ولا داعي لأن نفجر الجراح من جديد؛ ولكن من أقسى ما سمعناه ما أذيع بالأمس، ونرجو أن يكون هذا الخبر كاذباً؛ لأنه لا يتصور أن يصدر من مسلم على الإطلاق، وأنا لا أكاد أصدق أن إنساناً عنده دين أو ينتسب إلى الإسلام -حتى لو كان فاسقاً أو شارب خمر- يفعل هذه الأشياء؛ فقد أذيع بالأمس أنه في الجزائر، ومعلوم أن الذي يذيع هذه الأخبار وكالات إعلام وأنباء أجنبية، يحتمل أن تكذب وتقصد بذلك التشهير، أن بعض الشباب المسلم في الجزائر أوقفوا سيارة وانتقوا منها من هم في سن التجنيد شباب، وذبحوهم ذبحاً بالسكاكين! وأرجو أن يكون هذا الكلام كاذباً؛ لأنه ليس من الممكن أن مسلماً يفعل هذا الفعل أبداً بأي صورة، وأن تراق الدماء بهذه الطريقة.
إذا كان الله سبحانه يضع للمشرك نفسه هذه الحرمة أنه إذا استأمنك فإنك تؤمنه، فما بالك بما يحصل الآن؟! وأنا أستبعد أن يوجد من الإسلاميين في الجزائر من يصل جهله إلى هذا الحد، أشياء مؤلمة جداً نسمعها؛ ولكن الذي يخفف عنا أن بعض من يتبع المخابرات الحكومية في الجزائر هرب إلى فرنسا، وأعلن هناك في الجرائد أنه أكره على أن يقوم بقتل بعض المدنيين، ثم يدَّعون بعد ذلك أن المسلمين هم الذين قتلوا هؤلاء، فلعل هذا هو الشيء الوحيد الذي يجعل الإنسان يستريح، وأن تكون يد المسلمين نظيفة من مثل هذه الحماقات وهذا التجرؤ على حرمات المسلمين، والنبي ﵊ قال: (فكيف بلا إله إلا الله؟!) كما في قصة أسامة بن زيد.
الوصية الأبدية التي نوصي بها أنفسنا وكل أخ: إياك وإراقة دم مسلم بغير حق، إياك وإراقة الدماء، فإن المرء لا يزال في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً، أما إذا أراق دماً حراماً فهذه من الورطات التي لا يكاد يوجد مخرج لمن أوقع نفسه فيها، فالإنسان يجبن عند دماء المسلم، مهما يكن الأمر لا يتأول ولا يجترئ على هذه الحرمات المقطوع بحرمتها، والمحرمة يقيناً، فلا ينبغي أن تزول هذه الحرمة إلا بيقين مثله.
أما ما يحصل من المهاترات والجهل، جهل هؤلاء الناس بالفقه وبحدود الله ، فإنهم يسيئون من حيث يزعمون الإحسان، فحرمات المسلمين ليست بهذه الخفة وبهذه الحقارة حتى تنتهك بهذه الصورة التي نشهدها.
يقول القاسمي: دلت الآية على أن المستأمن لا يؤذى، وأنه يمكن من العود من غير غدر به ولا خيانة؛ ولذا ورد في الترهيب من عدم الوفاء بالعهد والغدر ما يزجر أشد الزجر، فروى البخاري في تاريخه والنسائي عن النبي ﷺ قال: (من أمن رجلاً على دمه فقتله، فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافراً)، لأن هذا غدر، والمسلم لا يغدر.
وروى أحمد والشيخان عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة)، وقال ابن كثير: من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء الرسالة أو التجارة أو طلب صلح، أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب من الإمام أو نائبه أماناً؛ أعطي ما دام متردداً في دار الإسلام إلى أن يرجع إلى مأمنه ووطنه.
يعني: أن أي كافر حتى لو كان المسلمون في حالة حرب مع دولة كافرة -وهذا كلام أهل الفقه وأهل السير والجهاد- فدخل الكافر بعهد وبأمان إلى بلاد المسلمين، فيجب على جميع المسلمين أن يحترموا العهد، أعرف أن هذا الكلام قد يصدم عواطف كثير من الناس؛ لكن المسألة ليست بأمانيكم، وليست بعواطفنا؛ لكنها حدود الله ، فهذا هو حكم الله : أنه ينبغي ما دام دخل بعهد وبأمان أن يحترم هذا المعاهد ولا يتعرض له بسوء إلى أن يرجع إلى مأمنه ووطنه؛ لأن التعرض لشخص أعزل ليست بطولة، ليست بطولة أن الإنسان يتعرض لرجل أعزل ما معه سلاح وما دخل ليقاتل، دخل لسبب من الأسباب بغض النظر عن هذا السبب، فلا يقتل ما دام أنه قد أمّن، وفي هذا العصر الأمان يعتبر: (الفيزة) والتأشيرة، فهذا يعتبر عهد أمان، وكما ينبغي أن يفعل ذلك في ديارنا، فنحن أيضاً لا نخلو من مئات وآلاف المسلمين يذهبون إلى بلاد هؤلاء الكفار للأمان، فهل نقبل أن المسلم يدخل بلادهم بأمان ثم ينقض عهده وأمانه ويتعرض له بسوء في داخل بلادهم؟! فنفس الشيء إذا دخل الكافر بلاد المسلمين بعهد وبأمان فلا ينبغي أن ينقض عهده، وسبق أن نبهنا على هذا المعنى في مناسبة سابقة.
يقول ابن كثير: من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب من الإمام أو نائبه أماناً؛ أعطي ما دام متردداً في دار الإسلام، إلى أن يرجع إلى مأمنه ووطنه.
وقال القاسمي: وإنما يجار ويؤمن إذا لم يعلم أنه يطلب الخداع والمكر، يعني: لا يعطى العهد إلا لشخص نأمن أنه يريد الخداع والمكر؛ لأنه تعالى علل لزوم الإجارة بقوله: (حتى يسمع كلام الله) لكن لو شككنا في أن أحداً يتجسس، فهذا أصلاً لا يعطى الأمان، والذي يعطي الأمان الآن هي السفارات والقنصليات كما تعلمون.
وقال: تدل الآية على أنه يجوز للكافر دخول المسجد لسماع كلام الله لإقامة الحجة عليه، واستدل بهذه الآية من ذهب إلى أن كلام الله بحرف وصوت قديمين وهم الحنابلة ومن وافقهم كـ العضد، قالوا: لأن منطوق الآية يدل على أن كلام الله يسمعه الكافر والمؤمن والزنديق والصديق (حتى يسمع كلام الله) فالذي يسمع كلام الله المشرك، والذي يسمعه جمهور الخلق ليس إلا هذه الحروف والأصوات، فدل ذلك على أن كلام الله هو هذه الحروف والأصوات، وهنا خطأ مطبعي، يبدو أن كلام القاسمي هو: فدل ذلك على أن كلام الله ليس هذه الحروف والأصوات، فأعتقد أن كلمة (ليس) هذه غير صحيحة.
والقول: بأن كلام الله شيء مغاير لها باطل؛ لأن رسول الله ﷺ ما كان يشير بقوله: كلام الله، إلا لها، وقد اعترف الرازي -مع أنه أشعري- بقوة هذا لإلزام من خالف فيه، وقد مضى لنا في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] بسط لهذه المسألة.
التنبيه الأخير: يقول الرازي دلت الآية على أن التقليد غير كاف في الدين، وأنه لا بد من النظر والاستدلال؛ وذلك لأنه لو كان التقليد كافياً لوجب ألا يمهل هذا الكافر، بل يقال له: إما أن تؤمن وإما أن نقتلك، فلما لم يقل له ذلك، بل أمهل وأزيل الخوف عنه، ووجب تبليغه مأمنة؛ علم أن ذلك لأجل عدم كفاية التقليد في الدين، وأنه لا بد من الحجة والدليل؛ فلهذا أمهل ليحصل له النظر والاستدلال: (فأجره حتى يسمع كلام الله) وتقوم عليه الحجة وتصله البراهين، كما أن النقاش مع الكافر أو دعوته إلى الإسلام لا يشمل دخول: أسلم وإلا أقتلك، لكن إن استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله، فيعطى فرصة ليفهم، وليس هذا فحسب، بل وتبلغه مأمنه.
стр. 1206
تفسير سورة التوبة [٧ - ٢٨]
стр. 1207
تفسير قوله تعالى: (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله)
قال الله ﵎: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧]، في هذه الآية وما بعدها يبين الله الحكمة في البراءة من المشركين، وإنظاره إياهم أربعة أشهر، ثم بعدها السيف المرهف، فقال : ((كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ)) أي: أمان.
قوله: ((عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ)) يعني: وهم كافرون بهما، فهذا الاستفهام للإنكار والاستبعاد لأن يكون لهم عهد.
قوله تعالى: ((إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)) يعني بذلك: أهل مكة الذين عاهدهم رسول الله ﷺ يوم الحديبية على ترك الحرب معهم عشر سنين.
ثم قال: ((فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ)) يعني: إذا لم يزالوا مستقيمين على عهدهم مراعين لحقوقكم فاستقيموا لهم على عهدهم.
((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)) يعني: فاتقوه في نقض عهد المستقيمين على العهد الذي ثبت بينكم وبينهم.
قال ابن كثير: وقد فعل رسول الله ﷺ ذلك والمسلمون، فاستمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة سنة ست إلى أن نقضت قريش العهد، ومالئوا حلفاءهم -وهم: بنو بكر- على خزاعة، فقتلوهم في الحرم، وخزاعة كانوا أحلاف رسول الله ﷺ ، فعند ذلك غزاهم رسول الله ﷺ في رمضان سنة ثمان، ففتح الله على يديه البلد الحرام، ومكنه من نواصيهم ولله الحمد والمنة، فأطلق النبي ﷺ من أسلم منهم بعد القهر والغلبة عليهم، فسموا الطلقاء، وكانوا قريباً من ألفين.
أما من استمر على كفره وفر من رسول الله ﷺ ، فقد بعث إليه بالأمان والتسليم في أربعة أشهر، ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة:٢] أي: يذهب حيث شاء، ومنهم صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما، ثم هداهم الله إلى الإسلام.
стр. 1208
تفسير قوله تعالى: (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبون فيكم إلاً ولا ذمة)
قال تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة:٨] أي: كيف يكون لهم عهد والحال أنهم إن يظهروا عليكم -بعدما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق- لا يرقبون فيكم إلاً ولا ذمة؟! (إلاً) أي: قرابة، (ذمة) أي: عهد.
وهذه الجملة مردودة على الآيات الأولى، فإنه قال أولاً: (كيف يكون للمشركين) ثم قال رداً عليهم ثانياً: (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبون فيكم إلاً ولا ذمة؟!) كيف يكون لهم عهد وحالهم ما ذكر؟! وفي هذا تحريض للمؤمنين على التبرؤ منهم؛ لأن من كان أسير الفرصة، مترقباً لها، لا يرجى منه دوام العهد، وهذه طبيعة المشرك الذي لا يخشى الله ولا يتقيه، وديدنه الغدر ونقض العهود والمواثيق.
ثم استأنف ﵎ بيان حالهم المنافية لثباتهم على العهد، فقال : ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨]، (يرضونكم بأفواههم) أي: بالكلام المعسول والكلام الطيب.
(وتأبى قلوبهم) يعني: وتنفر قلوبهم.
(وأكثرهم فاسقون) متمردون لا عقيدة تسعهم، ولا مروءة تردعهم.
وقال: (وأكثرهم) ولم يقل: وكلهم فاسقون؛ لما في بعض الكفرة من التجافي عن الغدر والتعفف عما يجر إلى أحدوثة السوء، وقد كان كثير من المشركين يتصون ويتعفف عن كثير من الخصال المذمومة كالكذب والغدر والخيانة، كما قال أبو سفيان أيام كفره لما قابل هرقل: فوالله! لولا أن يؤثر علي كذب لكذبت عليه.
стр. 1209
تفسير قوله تعالى: (اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً)
قال تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [التوبة:٩] (اشتروا) أي: استبدلوا بآيات الله.
(ثمناً قليلاً) يعني: من متاع الدنيا، والمقصود: أهويتهم الفاسدة.
﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [التوبة:٩] أي: فعدلوا عنه أو صدوا غيرهم، ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:٩].
стр. 1210
تفسير قوله تعالى: (لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة)
قال تعالى: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة:١٠] يعني: المجاوزون الغاية في الظلم والمساوئ، وهذه هي طبيعة الكفر، وطبيعة الشخص الذي لا يؤمن بالله ولا يتقي الله إذا أمكنته الفرصة، وفي هذه السنوات الأخيرة تتجلى لنا هذه الطبيعة بصورة فاجرة لم يسبق لها مثيل تقريباً، فأنت ترى العالم كله يتنادى بما يسمونه حقوق الإنسان والمواثيق والعهود الدولية وقرارات مجلس الأمن إلى آخر هذه الخزعبلات، ثم هذه الأشياء تطبق على كل الناس إلا مع المسلمين، يستثنى المسلمون فيها، فحينما تنتهك حرماتهم وتسفك دماؤهم فلا حقوق إنسان ولا قوانين ولا معاهدات دولية ولا أي شيء من هذا، مادام هؤلاء مسلمين! كان ياسر عرفات يتحدث مع بعض الصحفيين ومنهم يهود، فكانوا يقولون له: ما هذا الذي تفعله السلطة الفلسطينية من القتل والتعذيب، وإهانة الشعب الفلسطيني، واعتقال الناس وتعذيبهم، حتى أن كثيراً منهم يموت في السجون من التعذيب؟! فرد عليهم ياسر عرفات قائلاً: لا تنسوا أننا نتعامل مع الإرهابيين، يعني: يريد أن يذكرهم بهذه القاعدة المتفق عليها بينهم، وكان يقصد حماس! فهؤلاء المنافقون واليهود لا يتذكرون حقوق الإنسان إلا مع غير المسلمين، أو مع أهوائهم، أما مع المسلمين فيستعملون الغدر والخيانة ونقض العهود، وما رأيناه في البوسنة والهرسك، وما نراه الآن في الشيشان، وما يحصل في فلسطين من غدر اليهود ونقضهم العهود، كل ذلك مما يجعل لمثل هذه الآيات الكريمات وقع خاص في نفوسنا الآن بعد التجارب المريرة التي ذقناها، فكأنها تتحدث فيما نعيشه اليوم!
стр. 1211
تفسير قوله تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة)
قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ [التوبة:١١] يعني: إن تابوا عما هم عليه من الكفر.
قوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] يعني: لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، فعاملوهم معاملة الإخوان، وفيه من استمالتهم واستجلاب قلوبهم مالا مزيد عليه.
قوله: ﴿وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:١١]، هذه جملة معترضة؛ للحث على تأمل ما فصل من أحكام المشركين المعاهدين، وعلى المحافظة عليها.
стр. 1212
تفسير قوله تعالى: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم)
قال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة:١٢] أي: إن نقضوا أيمانهم.
قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٢] يعني: فقاتلوهم، وإنما أوثرت هذه الصيغة وهي قوله تعالى: ((فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ))، للإيذان بأن الذين قاموا بذلك ذوو رياسة وتقدم في الكفر، فهم أحقاء بالقتل والقتال.
وقيل: المراد بالأئمة: رؤساؤهم وصناديدهم، وتخصيصهم بالذكر: إما لأهمية قتلهم لكونهم مظنة لها، أو للدلالة على استئصالهم، فإن قتلهم غالباً يكون بعد قتل من دونهم، لأنه لا يوصل إلى الرءوس إلا بعد هلاك من دونهم من الحراس ومن حولهم كما هو معروف في الحروب، فإنه يصعب أن يوصل للقائد حتى يهلك من حوله.
﴿إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة:١٢] (إنهم لا أيمان لهم) جمع يمين، يعني: لا عهود لهم على الحقيقة، حيث لا يراعونها ولا يعدون نقضها محذوراً، فهم وإن نطقوا بها لا عبرة بها، وفي قراءة: (إنهم لا إيمان لهم) يعني: لا إسلام ولا تصديق لهم حتى يرتدعوا عن النقض والطعن، فإن كان عندهم إيمان وإسلام فدين الإسلام يردع ويزجر الإنسان من الغدر والخيانة.
(لعلهم ينتهون) يعني: عن الكفر والطعن ويرجعون إلى الإيمان.
стр. 1213
تفسير قوله تعالى: (ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم)
ثم حض الله على قتالهم بتهييج قلوب المؤمنين وإغرائهم بقوله : ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٣] (نكثوا أيمانهم) يعني: الأيمان التي حلفوها في المعاهدة.
(وهموا بإخراج الرسول) يعني: من مكة حين اجتمعوا في دار الندوة، كما ذكر الله في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال:٣٠]، فهذا نعي عليهم بجنايتهم القديمة في حق رسول الله ﷺ ، كما قال تعالى أيضاً: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة:١]، وقال أيضاً: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد:١٣]، وقال أيضاً: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة:٤٠]، وقال : ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء:٧٦].
قوله تعالى: ((وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)) يعني: بالقتل يوم بدر، حين خرجوا لنصر عيرهم، فلما نجت العير وعلموا بذلك استمروا في السير طلباً للقتال بغياً وتكبراً وقالوا: كلا، لابد أن نمكث، ونشرب الخمر، وتعزف القيان، وينتشر بين العرب أننا لا نخاف أحداً.
وقيل: وهم بدءوكم أول مرة بنقض العهد، وقتالهم مع حلفائهم بني بكر خزاعة أحلاف رسول الله ﷺ ، حتى صار إليهم رسول الله ﷺ عام الفتح، وكان ما كان.
وقال الزمخشري: قوله تعالى: ((وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)) يعني: وهم الذين كانت منهم البداءة بالمقاتلة -البداية لحن من حيث اللغة والفصيح البداءة- لأن رسول الله ﷺ جاءهم أولاً بالكتاب المنير وتحداهم به، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى القتال، فهم البادئون بالقتال، والبادي أظلم، فما يمنعكم من أن تقاتلوهم بمثله، وأن تصدموهم بالشر كما صدموكم؟! ((أَتَخْشَوْنَهُمْ))، أهذا هو المانع من قتالهم؟! يعني: أتخافون أن ينالكم منهم مكروه حتى تتركوا قتالهم؟! ((فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ))، فالله أحق أن تخشوه لمخالفة أمره وترك قتالهم.
((إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ))؛ لأن الإيمان الصحيح هو الإيمان الذي يجعل صاحبه لا يخشى إلا ربه، ولا يبالي بمن سواه، كقوله تعالى: ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩].
стр. 1214
تفسير قوله تعالى: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم)
ثم أمر تعالى المؤمنين بالقتال مبيناً حكمته فقال : ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٤]، (قاتلوهم يعذبهم الله) يعني: بآلام الجراحات والموت.
(بأيديكم) يعني: ينصركم الله عليهم، ويغلبكم عليهم.
(ويخزهم) بالأسر والاسترقاق، فيجتمع في حقهم العذاب الحسي: بالجراحات والموت، والمعنوي: بالرق.
(وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين) يعني: يشفي صدور قوم مؤمنين ممن لم يشهد القتال، فإنه إذا علم ذلك شفي صدره.
﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:١٥]، (ويذهب غيظ قلوبهم) يعني: بما كابدوا من المكاره والمكايد.
(ويتوب الله على من يشاء) أي: فيحصل لكم أجرهم.
(والله عليم حكيم) أي: في أفعاله وأوامره.
وقد أنجز الله لهم هذه المواعيد كلها، فكان إخباره ﷺ بذلك قبل وقوعه معجزة عظيمة، دالة على صدقه وصحة نبوته.
وفي هذه الآيات بيان لبعض الحكم من تشريع الجهاد في الإسلام، (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) ولم يكن قبل موسى ﵇ قد شرع الجهاد، وإنما كان العذاب يأتي على الكفار من السماء: إما بالصاعقة، وإما بالصيحة، وإما بالزلازل والخسف وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص:٤٣]، (من بعد موسى) يعني: كانت القرون قبل موسى تهلك بعذاب من عند الله، لكن في شريعة موسى شرع الجهاد، لماذا؟ لما فيه من هذه الحكمة؛ لأن المؤمنين إذا أمروا بمقاتلة الكفار بأيديهم، فهذا يكون أشفى لصدورهم؛ حين ينتقمون من هؤلاء الذين أذاقوهم العذاب، وحاربوا دين الله ، فهذه من حكم الجهاد.
стр. 1215
تفسير قوله تعالى: (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم)
قال تعالى مبيناً حكمة تشريع الجهاد: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا﴾ [التوبة:١٦] يعني: تتركوا على ما أنتم عليه دون أن تؤمروا بالجهاد، ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:١٦]، قوله: (ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة) يعني: بطانة، يفشون إليهم أسرارهم، والمعنى: أنكم لا تتركون على ما أنتم عليه، ولما يتبين الخلص من المجاهدين من غيرهم، بل لابد أن تختبروا حتى يظهر المخلصون منكم، وهم الذين جاهدوا في سبيل الله ولوجه الله، (ولم يتخذوا وليجة) لم يتخذوا بطانة من الذين يضادون رسول الله ﷺ والمؤمنين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
وفي الآية اكتفاء بأحد القسمين، وهذه من الأساليب الفصيحة عند العرب وهو: الاكتفاء بذكر أحد القسمين والإعراض عن الآخر؛ لوضوح الدلالة على وجوده، كما قال تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل:٨١]، ولم يذكر البرد؛ لأن هذا مفهوم.
كذلك هنا قال : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً)، ولم يقل: من غيرهم وهم المقصرون، واكتفى بذكر أحد القسمين ولم يتعرض للمقصرين؛ لأنهم بمعزل من الاندراج تحت إرادة أكرم الأكرمين، وهذا كما قال الشاعر: وما أدري إذا يممت أرضاً أريد الخير أيهما يليني أي: أريد الخير أو الشر، وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿آلم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:١٧٩]، وكلها تفيد أن الجهاد شرع لاختبار المطيع من غيره.
стр. 1216
تفسير قوله تعالى: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله)
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة:١٧]، (ما كان للمشركين) يعني: ما صح لهم ولا استقام.
(أن يعمروا مساجد الله) أي: المساجد التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له، ما كان لهم أن يعمروا شيئاً منها، ولا شك أن هذا يدخل فيه المسجد الحرام دخولاً أولياً، إذ نفي الجمع يدل على النفي عن كل فرد، فيلزم نفيه عن الفرد المعين بطريق الكناية.
وقرئ: (ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله) بالتوحيد، تصريحاً بالمقصود، وهو: المسجد الحرام، أشرف المساجد في الأرض، الذي بني من أول يوم على عبادة الله وحده لا شريك له، وأسسه خليل الرحمن.
قوله: (أن يعمروا مساجد الله) إما أن العمارة هنا بمعنى: حفظ البناء، أو من العمرة؛ لأن العمرة معناها: الزيارة، يعني: يزوروا مسجد الله، أو من قولهم: عمرت بمكان كذا، يعني: أقمت به.
(شاهدين على أنفسهم بالكفر) يعني: بلسان الحال وبلسان المقال.
(أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون)، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال:٣٤].
стр. 1217
تفسير قوله تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر)
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨]، قوله: (ولم يخش إلا الله) يعني: ولم يعبد إلا الله.
(فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) يعني: من المهتدين إلى الجنة، وإبراز اهتدائهم مع ما بهم من الصفات الحسنة في معرض التوقع والذي عبر عنه بكلمة عسى؛ لقطع أطماع الكفرة عن الوصول إلى مواقف الاهتداء والانتفاع بأعمالهم التي يحسبون أنهم في ذلك محصلون الكمالات، مع أن المؤمنين متصفون بالإيمان بالله واليوم الآخر، وهم متعلقون بالرجاء، ولا يقطع بنجاتهم أو اهتدائهم، فماذا يصنع الكافرون الذين لم يؤمنوا بالله ولا باليوم الآخر ولم يقيموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة ولم يخشوا الله ؟! وفي هذا تنبيه للمؤمنين على ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء، ورفض الاغترار بالله ﵎.
والمقصود: أن حال هؤلاء المؤمنين حال مرجوة، والعاقبة عند الله معلومة: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]، والأعمال بالخواتيم، ولا يدري المؤمن -حتى لو تحلى بكل صفات الإيمان- بما يختم له! والأعمال الصالحة التي يقوم بها الإنسان هي إمارة تشير إلى أنه يرجى له أن يكون من أهل الجنة، لكن لا يقطع بذلك، فليست علة موجبة، لماذا؟ لأن الأعمال بالخواتيم، والخواتيم مغيبة.
قال الزمخشري: العمارة تتناول رم ما استرم منها، والرم: الإصلاح.
وقمها -أي: جمع القمامة- أيضاً من عمارة المساجد، وتنظيفها، وتنويرها بالمصابيح، وتعظيمها، واعتيادها للعبادة والذكر، ومن الذكر درس العلم بل هو أجله وأعظمه، وصيانتها مما لم تبن له المساجد كالبيع والشراء فيها، فينبغي على المؤمنين أن يراعوا حرمات بيت الله ، وكل ما يرغب الناس في الإتيان إلى المسجد للصلاة والذكر وحضور مجالس العلم فهو من عمارة المساجد، وكل ما ينفر من حضور المسجد وتعميره فهو من تخريب بيوت الله ، وصد الناس عنها.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح).
وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من بنى لله مسجداً يبتغي به وجه الله تعالى بنى الله له بيتاً في الجنة).
стр. 1218
تفسير قوله تعالى: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر)
قال ﵎: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٩]، روى العوفي في تفسيره عن ابن عباس ﵄ أن المشركين قالوا: عمارة بيت الله والقيام على السقاية خير ممن آمن وجاهد، أي: نحن نعمل أعمالاً صالحة خير من الإيمان الذي تدعوننا إليه، فنحن نعمر مساجد الله ونسقي الحجيج، فكانوا يفخرون بالحرم ويتعالون على الناس بخدمة الحجاج، ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره، وكانوا يزعمون أنهم أولياء بيت الله، ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال:٣٤]، فخير الله الإيمان والجهاد مع رسوله على عمارة المشركين البيت وقيامهم على السقاية، وفضل الله هذا على ذاك، فقال: ((أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ))، أجعلتم أيها المشركون.
((سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ))، فبين أن ذلك لا ينفعهم مع الشرك، وأنهم ظالمون بشركهم، ولا تغني عنهم عمارتهم شيئاً، فالكافر قد يعمل أعمالاً حسنة لكن مع عدم الإيمان لا يمكن أن تنفعه في الآخرة أبداً.
فشرط العمل الصالح الذي ينتفع به في الآخرة: أن يكون صاحبه وفاعله مؤمناً، هذا أولاً.
ثانياً: أن يكون مخلصاً لله، لا مرائياً.
ثالثاً: أن يكون موافقاً لهدي النبي ﵌.
والسقي هو الموضع الذي يعد فيه الشراب في المواسم وغيرها، وسقاية الحاج ما كانت قريش تسقيه للحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس رضي الله تعالى عنه في الجاهلية والإسلام.
روى الإمام مسلم عن النعمان بن بشير ﵁ قال: كنت عند منبر النبي ﷺ فقال رجل: ما أبالي ألا أعمل بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، أي: بإسلامي وإعماري للمسجد الحرام أكون حزت الخير كله، وقال الآخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلته، فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر النبي ﷺ ، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله : ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى آخر الآية﴾، وعلى هذا يكون الخطاب هنا للمؤمنين حينما اختلفوا في ذلك، كما في صحيح مسلم.
ورواه عبد الرزاق في مصنفه، ولفظه: أن رجلاً قال: ما أبالي ألا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: ما أبالي ألا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام إلى آخره.
فظاهر هذه الرواية أن المفاضلة كانت بين بعض المسلمين الذين كانوا يؤثرون السقاية والعمارة على الهجرة والجهاد، ونزلت الآية في ذلك، مع أن الرواية الثابتة عن ابن عباس تنافيه، لأنها تفيد أن هذا كان في حق المشركين، ومما يؤيد أنها نزلت للمفاصلة بين مؤمنين بالله وغير مؤمنين -كما هي رواية ابن عباس - قوله: (كمن آمن بالله)، فلو كان الفريقان مسلمين لما قال ذلك؛ لأن كليهما قد آمن.
هذا أولاً.
ثانياً: وصفهم بالظالم لأجل هذه التسوية المذكورة، ((وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ))، مما يؤيد رواية ابن عباس.
يقول القاسمي -مبيناً أنه لا منافاة بين ما رواه ابن عباس، ولا بين ما ثبت في صحيح مسلم من حديث النعمان بن بشير -: حديث النعمان يظهر أنها نزلت في اختصام المسلمين في المفاضلة بين الأمور المذكورة، ورواية ابن عباس تدل على أنها في المخاصمة بين المشركين والمسلمين.
وظاهر النظم الكريم فيما قاله ابن عباس لا يرتاب فيه، وأن الآية أول ما نزلت نزلت في المخاصمة بين المشركين والمسلمين، حينما فضل المشركون سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام على الإيمان بالرسول ﵇، والجهاد في سبيل الله .
وقوله تعالى: ((أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ))، هل المقصود المفاضلة هنا بين السقاية والعمارة -وهما مصدران- وبين من آمن، أم هناك تقدير؟ هناك محذوف تقديره: أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، (كمن آمن بالله واليوم الآخر)، ومثله ما جاء في سورة القتال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ [محمد:١٥]، فإما أن نقدر: مثل أهل الجنة كمثل أهل النار، أو نقدر: حال أهل الجنة كحال من هو خالد في النار.
كذلك هنا في هذه الآية الكريمة: ((أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ)) المقصود: أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر؟ أو أجعلتم من سقى الحاج كمن آمن بالله؟ فيقول هنا: لا يخفى أن السقاية والعمارة مصدران لا يتصور تشبيههما بالأعيان، فلابد من تقدير مضاف في أحد الجانبين، أي: أجعلتم أهلهما كمن آمن بالله، ويؤيده قراءة من قرأ: (أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام) أو أجعلتموهما كإيمان من آمن.
стр. 1219
تفسير قوله تعالى: (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله)
ثم بين تعالى مراتب فضل المؤمنين إثر بيان عدم الاستواء وضلال المشركين وظلمهم، فقال : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة:٢٠]، (أعظم درجة عند الله) أعظم من أهل السقاية والعمارة، وهم وإن لم يكن لهم درجة عند الله -إذا قلنا أن الآية السابقة في الكافرين- فالتفصيل جائز هنا، وإن كان الأصل في أفعل التفضيل اشتراك الطرفين في الصفة، أحدهما يفوق الآخر فيها، كأن تقول: محمد أقوى من علي، فكلاهما مشترك في صفة القوة، لكن محمد أكثر من علي قوة، هذا هو الأصل.
لكن أحياناً تأتي صيغة أفعل التفضيل مع عدم اشتراك الطرفين في الصفة، كما قال ﵎: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤]، يعني: من أصحاب النار، فهل معنى ذلك أنهما يشتركان في الحسن، ولكن أهل الجنة أحسن؟!
الجواب
لا.
إذاً: توجد هناك حالات لا تقتضي صيغة أفعل التفضيل وجود قاسم أو قدر مشترك في الصفة بين طرفي المفاضلة، كما في هذه الآية، على قول من يرى أن الخطاب إنما هو في حق المفاضلة بين المشركين والمسلمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.
(أعظم درجة عند الله) يعني: أعظم من أهل السقاية والعمارة، وهم وإن لم يكن لهم درجة عند الله، لكن السياق هنا جاء على زعمهم ومدعاهم، على زعمهم أن لهم درجة عند الله، ودعواهم أن لهم درجة عند الله، فلذلك قال : ((أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ)) في المؤمنين.
(وأولئك هم الفائزون) هذا أسلوب حصر عن طريق المبتدأ والخبر، بمعنى: أنه لا أحد غيرهم يفوز، هم فقط الذين يفوزون، فهم مختصون بالفوز دونكم، فهم الفائزون لا أنتم، ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة:٢١ - ٢٢].
стр. 1220
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء)
نهى الله ﵎ المؤمنين عن موالاة المشركين، وإن كانوا أقرب الأقربين، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة:٢٣]، (لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم) يعني: أقرب الأقربين إليكم من الآباء والإخوان، لا تتخذوهم أولياء وأصدقاء، تفشون إليهم أسراركم وتمدحونهم وتذبون عنهم.
(إن استحبوا الكفر) يعني: إن اختاروا وفضلوا الكفر عن الإيمان.
(ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) أي: لوضعهم الموالاة في غير موضعها؛ لأن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فمن والى أباه أو أخاه الكافر، واتخذه صديقاً وأحبه ودافع عنه، فهذا يكون وضع الموالاة في غير موضعها، والموالاة إنما تكون في الدين، فوصفهم فقال: ((فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ))، لتعديهم وتجاوزهم عما أمر الله به.
стр. 1221
تفسير قوله تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم)
ثم أشار تعالى إلى أن مقتضى الإيمان ترك الميل الطبيعي إذا كان مانعاً من محبة الله، ومحبة واسطة الوصول إليه، ومحبة ما يعلي دينه، والمحبة محبتان: محبة طبعية ومحبة شرعية، أما المحبة الطبعية الفطرية فكمحبة الأب لابنه أو الابن لأبيه، أو الرجل لزوجته، وكمحبة أبي طالب للنبي ﷺ ؛ لأنه ابن أخيه، فهذا نوع من المحبة الطبعية أو الجبلية، لكن الإيمان يقتضي أن يترك المؤمن الميل الطبيعي إذا كان هذا الميل مانعاً وحائلاً دون محبة الله، ودون محبة واسطة الوصول إلى الله، وهو: رسول الله ﷺ ، ودون محبة ما يعلي دينه وهو الجهاد في سبيل الله، فإذا كان محبة هذه الأشياء المذكورة -خاصة محبة الآباء والإخوان- تحول دون محبة الله ومحبة رسول الله ومحبة الجهاد في سبيل الله، فالإيمان يقتضي ترك هذا الميل الطبيعي وتقديم الميل والحب الشرعي عليه.
فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ [التوبة:٢٤] يعني: أقاربكم الأدنون أو قبيلتكم، قال أهل اللغة: عشيرة الرجل: بنو أبيه الأدنون، أقرب الناس إليه من حيث أبيه، أو قبيلته، والعشير مأخوذ من العشرة أو المعاشرة؛ من العشرة -الذي هو العدد- لأنها عدد كامل، ومن المعاشرة؛ لاختلاطهم وتقاربهم من بعض.
قوله: ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ [التوبة:٢٤] يعني: اكتسبتموها.
قوله: ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ [التوبة:٢٤] أي: فوات وقت نفادها بفراقكم لها.
قوله: ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ [التوبة:٢٤] منازل تعجبكم الإقامة فيها من الدور والبساتين.
قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٢٤] الذي هو المنعم لكم بكل هذه النعم، من الولد والمال والمسكن وغير ذلك، فإن كانت هذه الأشياء المنعم بها تتعارض مع محبة المنعم بها، فلا ينبغي أن تسترسلوا مع الميل إليها، وتؤثروها على مرضات الله .
قوله: ﴿وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٢٤] وهو واسطة نعمه.
قوله: ﴿وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ [التوبة:٢٤] أي: مما يعلي دينه.
قوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة:٢٤] أي: انتظروا.
قوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤] يعني: بقضائه، وهو العذاب العاجل، أو العقاب الآجل، أو هو فتح مكة، وهذا أمر فيه تهديد وتخويف، يعني: فارتقبوا قهر الله؛ لأنكم تدعون محبة الله، ولكن في نفس الوقت واقعكم يكذب هذه الدعوى؛ لأنكم ترجحون محبة غيره على محبته .
﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤] أي: الخارجين عن الطاعة في موالاة المشركين، والمؤثرين لما ذكر على رضاه ﵎.
وفي الآيتين الكريمتين تحريم موالاة الكفار، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٣ - ٢٤]، فيحرم موالاة الكفار ولو كانوا أقرباء، وهذه الموالاة كبيرة؛ لوصف متوليهم بالظلم، في الآية أيضاً وجوب الجهاد وإيثاره على كل المشتهيات المعدودة، طاعةً لله ورسوله.
قال الرازي: الآية الثانية تدل على أنه إذا وقع التعارض بين مصلحة واحدة من مصالح الدين وبين جميع مهمات الدنيا وجب على المسلم ترجيح الدين على الدنيا.
ونحن نحتاج هذه الآية كثيراً في هذا الزمان؛ لكثرة ما يتعرض له الإنسان من مواقف فيها موازنة بين الدين والدنيا، كما تأتي أسئلة كثيرة من هذا القبيل مثل: ما حكم بناء الشاليهات لهؤلاء الذين يأتون ليفسقوا فيها؟ أو ما حكم من يعمل في وظيفة فيها إعانة للعاصي على عصيانه؟ أو ما حكم بيع ملابس للمتبرجات؟ وغير ذلك، فالله جعل كل أعراض الدنيا هذه في كفة، وجعل محبة الله ورسوله في كفة، (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
فنحن نحتاج في الحقيقة إلى تدبر هذا، والإنسان ينبغي عليه أن يستحضر أنه في حالة امتحان وابتلاء في هذه الدنيا من الله ؛ لأن الإنسان خلق ليبتلى ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان:٢]، فأنت إذا تركت شيئاً لله لا يمكن أن يضيعك الله، والله يعوضك، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
فينبغي للإنسان أن يقدم الدين ولا يبالي بالدنيا؛ لأن الدنيا إذا فاتت تعوض، لكن الدين إذا جرح فلا عوض له أبداً، كما قال الشاعر: من كل شيء إذا ضيعته عوض وليس في الله إن ضيعت من عوض إذا فقد الإنسان الولد رزق غيره، وإن مرض زال المرض وأتته العافية، وإن ذهب المال فالمال غاد ورائح، لكن إذا خسرت الله فقد خسرت كل شيء، وإذا كان الله معك فإن معك كل شيء، فنحن نحتاج في هذا الزمان أن نعي هذا الكلام جيداً؛ لنحسن الموازنة والمفاضلة بين الدين والدنيا.
لأننا نجد -وهذا كمثال- بعض الناس إذا أخذ منه شيء من أمور الدنيا فإنه مستعد أن يقاتل جميع من على وجه الأرض كي يستخلص حقه، فينكر هذا المنكر بالقلب وباللسان وباليد، وربما بغى على من يخاصمه، لكن في المقابل إذا رأى حدود الله تنتهك، أو رأى حرمات الله يعتدى عليها؛ فلا يحرك ساكناً، ولا يتمعر وجهه غضباً لله ! فهذه الآية تمتحن التزامنا وتمتحن تعظيمنا للدين؛ لأن أغلب الناس يميلون إلى ترجيح الدنيا على حساب الدين، ويغترون بحال أكثر الناس، ويقول لك: الناس كلهم يفعل هكذا، ويغتر بحال هؤلاء الذين لا يبالون بدينهم، وينبهرون بدنياهم، ولو أن إنساناً وجد الناس جميعاً يقفون في الحر الشديد، وأمامهم مكان آخر فيه ظل، فهل تراه سيقف معهم في ذاك الحر الشديد، ولا يأوي إلى ذلك الظل؟! فإذا لم يتابعهم في حر الشمس فكيف يتابعهم في حر جهنم والعياذ بالله؟! والدنيا ما هي إلا أيام تعد، وأنفاس تذهب ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤]، والعد التنازلي في عدد الأنفاس المكتوبة لك يبدأ منذ ولدت، فأنت كل يوم أقرب إلى القبر من الذي قبله، في كل لحظة أنت أقرب إلى القبر من اللحظة السابقة عليها، فعلى الإنسان أن يتأهب للقاء الله ، وألا يؤثر شيئاً على دينه؛ لأن من هان عليه دينه لم يعز عليه شيء، فعلى الإنسان أن يقدم دينه على كل شيء وإذا كان لابد أن يضحي فليضح بأي شيء ما عدا الدين، فإنه أعز ما ينبغي أن يعز عليه.
يقول الرازي: في هذه الآية دليل على أنه إذا وقع تعارض بين مصلحة واحدة من مصالح الدين وبين جمع مهمات الدنيا وجب على المسلم ترجيح الدين على الدنيا.
وفي هذه الآية وعيد وتشديد؛ لأن كل أحد قلما يخلص منها، وقيل: إنها أشد آية نعت على الناس ما هم عليه من رخاوة في الدين، نبه على ذلك الزمخشري في الكشاف بقوله: وهذه آية شديدة لا ترى أشد منها، كأنها تنعى على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين، واضطراب حبل اليقين، فلينصف أورع الناس وأتقاهم من نفسه، هل يجد عنده من التصلب في ذات الله والثبات على دين الله ما يستحب له دينه على الآباء والأبناء والأخوات والإخوان والعشائر والمال والمساكن، وجميع حظوظ الدنيا، ويتجرد منها لأجله، أم يزوي الله عنه أحقر شيء منها لمصلحته، فلا يدري أي طرفيه أطول، ويغويه الشيطان عن أجل حظ من حظوظ الدين فلا يبالي، كأنما وقع على أنفه ذباب فطيره؟! يعني: أننا في مصائب الدين نتهاون بها جداً كأن ذباباً وقع على أنف أحدنا فقال به هكذا يطيره، وهذا كحال من يأتي بالدش -الستالايت- أو التلفاز أو الفيديو إلى منزله؛ ليفسد أولاده وزوجه ومن في البيت جميعاً، ثم لا يبالي بذلك الفساد العظيم، بل قد يكون مسروراً به، وهو يرى أهله وذويه يتلقون ما يفسد العقائد والأخلاق، والانحلال والفجور، ولا يحرك ساكناً، ولا يبالي بهذه المصيبة الكبيرة! لكن انظر إلى هذا إذا جرح في دنياه، كأن يتنازع مع شخص ما على قطعة أرض، أو إذا صدم رجل سيارته فأتلف له شيئاً منها، فتراه يثور ويهيج ولا يتركه حتى يصلح له ما أفسده، في الدنيا حاضر بقلبه وسمعه وبصره، ينافح عنها بكل ما يملك، أما جرح الدين فلا يبالي به، أولاده لا يصلون لا يبالي، بناته متبرجات لا يبالي!
стр. 1222
تفسير قوله تعالى: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة)
قال الله ﵎: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥]، (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة) يعني: في مواقف وحروب كثيرة ووقعات شهيرة، كغزوة بدر وقريضة والنظير والحديبية وخيبر وفتح مكة، وكانت غزوات رسول الله ﷺ -على ما ذكر في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم - تسع عشرة غزوة، زاد بريدة في حديثه: قاتل النبي ﷺ بنفسه الشريفة في ثمان من هذه التسع عشرة غزوة، ويقال: إن جميع غزواته وسراياه وبعوثه سبعون، وقيل: ثمانون.
يقول تعالى: ((لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ)) يعني: لما أعجبتكم كثرتكم اعتمدتم على هذه الكثرة حيث قلتم: لن نغلب اليوم من قلة، ((فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا))، هذه الكثرة لم تغن عنكم شيئاً من أمر العدو مع قلتهم، ((وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ)) يعني: مع أنها واسعة لكنها ضاقت عليكم، والباء للملابسة والمصاحبة، إما لأنهم لم يجدوا مكاناً يقرون فيه آمنين مطمئنين من شدة الرعب، أو لأنهم لا يجلسون في مكان كما لا يجلس في المكان الضيق.
قوله: ((ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)) يعني: منهزمين مع هذه الكثرة.
стр. 1223
تفسير قوله تعالى: (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين)
قال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٢٦] (ثم أنزل الله سكينته) يعني: ما تسكنون به وتثبتون برحمته ونصره، (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) يعني: على المؤمنين الذين انهزموا، وإعادة حرف الجر -على- للتنبيه على اختلاف حاليهما، (ثم أنزل الله سكينته على رسوله) هذا جانب الوحي، (وعلى المؤمنين) لأن المؤمنين انهزموا، فمن أجل ألا يجمع الرسول ﵇ مع المؤمنين الذين انهزموا، فصل بينهما بتكرار حرف الجر، فقال: ((ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ))، لأن الرسول ﵊ حاشاه من أن يكون مقراً لهذا أو حاله كحالهم.
والتعرض لوصف الإيمان للإشعار بعلية الإنزال، يعني: رفق الله بكم وتلطف بكم؛ لأنكم مؤمنون، (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) ولم يقل: وعليهم، وإنما تعرض لوصف الإيمان، فالإيمان هو علية إنزال هذه السكينة وإنزال الملائكة.
(وأنزل جنوداً لم تروها) وهي الملائكة.
(وعذب الذين كفروا) بالقتل والأسر والسبي.
(وذلك جزاء الكافرين) يعني: لكفرهم في الدنيا.
стр. 1224
تفسير قوله تعالى: (ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة:٢٧] يعني: على من يشاء منهم لحكمة تقتضيه، والمقصود أن الله يوفقه للإسلام.
((وَاللَّهُ غَفُورٌ))، يتجاوز عما سلف منهم من الكفر والمعاصي.
((رَحِيمٌ)) أي: يتفضل عليهم ويثيبهم.
وقصة غزوة حنين تبدأ بخروج الرسول ﵊ في هذه الغزوة والتي تسمى بغزوة هوازن أو أوطاس أو حنين، وكان في الجيش جمع كبير من الطلقاء الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام، وفي الطريق وقعت حادثة ذات أنواط، وهي واقعة معروفة.
ثم نهض حتى أتى وادي حنين من أودية تهامة، فتوسطوه في غبش الصبح، وقد كمنت لهم هوازن في جانبيه، فحملوا على المسلمين حملة رجل واحد، فولى المسلمون لا يلوي أحد على أحد، وقد كانوا قالوا من قبل لما رأوا كثرة عددهم وقلة المشركين: لن نغلب اليوم من قلة، إعجاباً بكثرتهم، وناداهم النبي ﷺ فلم يرجعوا، يعني: بعدما فروا، وثبت معه أبو بكر وعمر وعلي والعباس وأبو سفيان بن الحارث والفضل وقثم بن العباس وجماعة سواهم، والنبي ﷺ على بغلته البيضاء (دلدل)، والعباس آخذ بشكائمها وكان جهير الصوت، فأمره رسول الله ﷺ أن ينادي الأنصار وأصحاب الشجرة -قيل: والمهاجرين-: فلما سمعوا الصوت وذهبوا ليرجعوا صدهم ازدحام الناس عن أن يثنوا رواحلهم، ويعودوا إلى النبي ﵊، فتناولوا سيوفهم، واقتحموا عن الرواحل راجعين إلى النبي ﷺ ، وقد اجتمع منهم حواليه نحو المائة، فاستقبلوا هوازن والناس متلاحقون، واشتدت الحرب وحمي الوطيس، ولما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن بغلته، ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم، وقال: (شاهت الوجوه) فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينيه وفمه، ثم صدق المسلمون الحملة عليهم، وقذف الله في قلوب هوازن الرعب، فلم يملكوا أنفسهم فولوا منهزمين، ولحق آخر الناس، وأسرى هوازن مغلولة بين يديه، وغنم المسلمون عيالهم وأموالهم؛ لأنهم كانوا خرجوا بالعيال وبالأموال، واستمر القتل في بني مالك من ثقيف، فقتل منهم يومئذٍ سبعون رجلاً، وانحازت طوائف هوازن إلى أوطاس، واتبعتهم طائفة من خيل المسلمين الذين توجهوا من نخلة، وانهزم المشركون، وانفضت جموع أهل هوازن كلها، واستشهد من المسلمين يومئذٍ أربعة، ثم جمعت إلى رسول الله ﷺ سبايا حنين وأموالها، وكان عدد سبي هوازن ستة آلاف بين ذكر وأنثى، والإبل أربعة وعشرون ألفاً، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، وقسم ﷺ الأموال بين المسلمين، ونفل كثيراً من الطلقاء يتألفهم على الإسلام.
وقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد فصلاً حول غزوة حنين أجاد فيه، فقال: كان الله قد وعد رسوله -وهو صادق الوعد- أنه إذا فتح مكة دخل الناس في دينه أفواجاً، ودانت له العرب بأسرها، فلما تم له الفتح المبين اقتضت حكمته تعالى أن أمسك قلوب هوازن ومن تبعها عن الإسلام، وأن يجمعوا هوازن ويتألبوا لحرب رسول الله ﷺ والمسلمين؛ ليظهر الله أمره وتمام إعجازه لرسوله ونصره لدينه، ولتكون غنائمهم شكراناً لأهل الفتح، وليظهر الله سبحانه لرسوله وعباده قهره لهذه الشوكة العظيمة التي لم يلق المسلمون مثلها، فلا يقاومهم بعد أحد من العرب، ولغير ذلك من الحكم الباهرة التي تلوح للمتأملين وتبدوا للمتوسمين.
فاقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أولاً مرارة الهزيمة والكسرة مع كثرة عددهم وعدتهم وقوة شوكتهم، ليخفض رءوساً رفعت بالفتح -كي يتعلموا التواضع، وينزع من قلوبهم العجب والخيلاء-، ولم تدخل بلده وحرمه كما دخله رسول الله ﷺ واضعاً رأسه منحنياً على فرسه، حتى إن ذقنه تكاد أن تمس فرسه تواضعاً لربه وخضوعاً لعظمته، واستكاناً لعزته أن أحل له حرمه وبلده، ولم يحل لأحد قبله ولا لأحد بعده.
وليبين الله لمن قال: لن نغلب اليوم من قلة، أن النصر إنما هو من عنده، وأنه من ينصره الله فلا غالب له، ومن يخذله فلا ناصر له غيره، وأنه سبحانه هو الذي تولى نصر رسوله ودينه، لا كثرتكم التي أعجبتكم، فإنها لم تغن عنكم شيئاً فوليتم مدبرين، فلما انكسرت قلوبهم أرسلت إليهم خلع الجبر مع بريد النصر، ((ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا)).
وقد اقتضت حكمته أن خلع النصر وجوائزه إنما تفيض على أهل الانكسار، وعلى أهل التواضع، كما قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٥ - ٦].
ومن فوائد هذه الغزوة: أن الله لما منع الجيش غنائم أهل مكة، فلم يغنموا منها ذهباً ولا فضة ولا متاعاً ولا سبياً ولا أرضاً؛ فحرك قلوب المشركين لغزوهم، وقذف في قلوبهم إخراج أموالهم ونعمهم وشياههم وسبيهم معهم نزلاً وضيافة، وكرامة لحزبه وجنده، وتمم تقديره بأن أطمع المشركين في الظفر، فلذلك خرجوا بالأموال والأولاد والنساء وكل ما يملكون، وألاح لهم مبادئ النصر، حينما انهزم المسلمون في البداية ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال:٤٢].
فلما أنزل الله نصره على رسوله وأوليائه، وبرزت الغنائم لأهلها؛ وجرت فيها سهام الله ورسوله، قيل: لا حاجة لنا في دمائكم ولا في نسائكم وذراريكم، فأوحى الله سبحانه إلى قلوبهم التوبة والإنابة فجاءوا مسلمين، فقيل: إن من شكران إسلامكم وإتيانكم أن رد عليكم نساءكم وأبناءكم وسبيكم، ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال:٧٠].
ومنها: أن الله افتتح غزوات العرب بغزوة بدر، وختم غزوهم بغزوة حنين، ولهذا يقرن بين هاتين الغزاتين بالذكر، فيقال دائماً: بدر وحنين، وإن كان بينهما سبع سنين، والملائكة قاتلت بأنفسها مع المسلمين في هاتين الغزوتين، والنبي ﷺ رمى في وجوه المشركين بالحصباء فيهما، وبهاتين الغزاتين طفئت شعلة العرب لغزو رسول الله ﷺ والمسلمين، الأولى: غزوة بدر خوفتهم وكسرت من حدتهم، والثانية: استفرغت قواهم تماماً، واستنفذت سهامهم، وأذلت جمعهم، حتى لم يجدوا بداً من الدخول في دين الله.
ومنها: أن الله جبر بها أهل مكة بما نالوه من النصر والمغنم، وكانت كالدواء لما نالوا من كسرهم وإن كان عين جبرهم، وعرفهم تمام نعمه عليهم لما صرف عنهم من شر هوازن، فإنه لم يكن لهم بهم طاقة، وإنما نصروا عليهم بالمسلمين؛ ولو أفردوا عنهم لأكلهم عدوهم، إلى غير ذلك من الحكم التي لا يحيط بها إلا الله ﵎.
قال بعضهم: دلت الآية على أنه يجب الانقطاع إلى الله تعالى والاتكال عليه.
ودل ما حكي في القصة على جواز ما ورد حسنه من جواز التأليف وملاطفة المؤمنين والرمي بالحصى حالة الحرب، والأصوات التي يرهب بها.
ثم أشار تعالى إلى أن موالاة المشركين -مع عدم إفادتها التقوية المحصلة للنصر- تضر بسريان نجاسة بواطنهم إلى بواطن المؤمنين الطاهرة، فالآيات السابقة حذرت من موالاة المشركين، فبعدما بين الله أن موالاة المشركين لا يأتي منها فائدة، بين هنا أنه يأتي منها ضرر، ولا يحصل بها التقوي والنصر على المشركين، بل تضر ضرراً أخطر، وهو سريان النجاسة التي في بواطن المشركين إلى بواطن المؤمنين الطاهرة، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٢٨].
стр. 1225
تفسير سورة التوبة [٣٠ - ٤٠]
стр. 1226
تفسير قوله تعالى: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله)
قال ﵎: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠].
قوله ﵎: (يضاهئون قول الذين كفروا من قبل) هذا الجزء من هذه الآية يصح أن يكون عنواناً لبحث مستفيض جداً، وهو بيان هذه المضاهاة وتفاصيل المشابهة بين قول اليهود والنصارى في زعم الولد لله ، وبين الذين كفروا من قبل (يضاهئون قول الذين كفروا من قبل)، فإن الشخص الباحث سواء في تاريخ الأديان أو في تاريخ البشر والملل سيرى من ذلك ما لا ينقضي منه العجب.
فإذا ردت هذه العقيدة الفاسدة إلى أصلها سنجدها تعود إلى أصول وثنية ومشركة، وأن شياطين الإنس الذين حرفوا النصرانية في الدرجة الأولى ثم اليهودية، لم يكونوا مؤسسين، وإنما هم مقتدون بمن سبقهم من أهل الشرك والوثنية من قدماء المصريين، ومن ملاحدة وزنادقة الهند من البراهمة والبوذيين إلى آخره، وقد صدر كتاب اسمه: (العقائد الوثنية في الملة النصرانية)، هذا الكتاب يرجع كل ركن من أركان العقيدة النصرانية إلى أصله المقتبس منه من عقائد قدماء المصريين والبراهمة وغيرهم من الهنادكة والكفرة والمشركين في بلاد شرق آسيا خاصة الهند.
فهذه العقيدة بالفعل هي مقتبسة من نفس هذه الاعتقادات، وفيها تتحقق هذه المضاهاة التي يخبر الله عنها هنا في هذه الآية (يضاهئون قول الذين كفروا من قبل) نفس فكرة الصلب والفداء في تكفير خطايا البشر، ونفس الآلهة التي تعرف بالصليب، ومن المعروف أن من رموز قدماء المصريين المحفورة في معابدهم علامة تشبه الصليب تماماً كانوا يمسكونها! وهذا الكتاب كنت استعرت منذ سنوات طويلة نسخة قديمة جداً منه، وهو كتاب: (العقائد الوثنية في الملة النصرانية)، لكني تعجبت من الفرق الشاسع بين الطبعتين القديمة والحديثة، فالطبعة القديمة كانت مطعمة بصور ملتقطة من الحسيات ومن الحجارة والآثار التي تثبت هذه العقائد.
أما الطبعة الحديثة فلا يوجد فيها هذه الصور، وما أدري ما هو السبب! لكن الطبعة القديمة موجودة عند أخ هنا في الإسكندرية وفيها صور الحفريات والآثار الحسية التي تثبت هذا الشبه وهذه المضاهاة الصارخة.
فعقيدة النصارى ليست عقيدة عيسى ﵇، وإنما هي مقتبسة من عقائد الوثنيين من قبل، وأقحمت إقحاماً في الملة النصرانية، وحرفتها من عبادة توحيد الله إلى صورة من صور الشرك والوثنية.
стр. 1227
تفسير قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)
قال ﵎: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]، هذه زيادة تقرير لما سلف من كفرهم بالله ﵎، ووصفهم بنوع آخر من الشرك.
((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم)) الأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد، الأحبار علماء اليهود جمع حَبر أو حِبر بكسر الحاء وفتحها، وهو العالم بتحبير الكلام وتحسينه، والتحبير بمعنى: التحسين كقول أبي موسى الأشعري للنبي ﷺ (لو كنت أعلم أنك تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيراً) أي: حسنته وزينته، فكذلك الحبر هو العالم بتحبير الكلام وتحسينه.
وقال بعضهم: الحبر أعظم الأشراف بين الإسرائيليين، ويكون عندهم وسيلة للتقرب إلى الله، وهي مرتبة وراثية في آل هارون، يكون الحبر أشيخ من في هذه الطائفة.
والرهبان جمع راهب بمعنى: المتعبد الخاشع المتزهد أو الزاهد، وأصل الترهب عند النصارى هو التخلي عن شهوات الدنيا وترك ملاذها، والزهد فيها والعزلة عن أهلها، وفي الحديث: (لا رهبانية في الإسلام).
قال الرازي عند قوله : (أرباباً من دون الله): الأكثرون من المفسرين قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا فيهم أنهم آلهة العالم، وأنهم يخلقون ويرزقون أو غير ذلك، لكن المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم؛ وذلك لما روى الترمذي عن عدي بن حاتم ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي! اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم) فقلت: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم! فقال ﷺ : بلى عبدوهم إنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه).
وهذا مما يخرج من الملة، ومن أسباب الردة طاعة من يحل ما حرم الله، أو يحرم ما أحل الله .
وروى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم ﵁: (أنه لما بلغته دعوة رسول الله ﷺ فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم منَّ رسول الله ﷺ على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها عدي بن حاتم فرغبته في الإسلام، وفي القدوم على رسول الله ﷺ ، فقدم عدي المدينة -وكان رئيساً في قومه طيء وأبوه حاتم الطائي هو المشهور بالكرم- فتحدث الناس بقدومه فدخل على رسول الله ﷺ وفي عنقه صليب من فضة وهو يقرأ هذه الآية (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم! -أي: أن اليهود والنصارى لم يكونوا يسجدون ويركعون ويصومون للأحبار والرهبان- فقال ﵊: بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم، وقال رسول الله ﷺ : يا عدي! ما تقول؟ أيضرك أن يقال: الله أكبر؟! فهل تعلم شيئاً أكبر من الله؟! ما يضرك؟ أيضرك أن يقال: لا إله إلا الله؟! فهل تعلم إلهاً غير الله؟ ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق).
وأي إنسان عاقل إذا سأل نفسه هذه الأسئلة، وتأمل في دين الإسلام؛ لما وجد أي سبب منطقي يعيقه عن الدخول في دين الإسلام، فشعار الإسلام هو (لا إله إلا الله) أي: لا إله حق إلا الله، ولا يستحق أن يعبد إلا الله ، فهل أي إنسان عاقل أو عنده بقية من رصيد الفطرة يرفض أن يقال: لا إله إلا الله؟! حتى إن كبار طواغيت النصارى إذا أراد أحدهم أن يتكلم في هذا الجانب فإنه يلبس على العوام ويقول: نحن أيضاً نقول: لا إله إلا الله، فكثير من المسلمين يجهلون ويقولون: النصارى يقولون: لا إله إلا الله، مع أنهم في الحقيقة يؤمنون بثلاثة من الآلهة، ويقولون: الثلاثة واحد + واحد =واحد، ولا يقولون: تساوي ثلاثة! فهم يحاولون أن يهربوا من الشرك الصراح الذي يقعون فيه؛ لأنهم يختمون الإيمان بقولهم: إله واحد أمين، الابن والأب وروح القدس، وهم يعترفون بهذا الكفر الصراح الذي ينافي العقل وينافي الفطرة، ويهدم دعوة الرسل ﵈، فهكذا يقال لكل كافر: ما الذي يزعجك من دين الإسلام ومن الذي يقول لك: لا إله إلا الله، أو لا تعبد إلا الله، أو لا يستحق أن يعبد إلا الله ؟! هل يضرك أن تقول: يا رب! أنا نزهتك عن الصاحبة، ونزهتك عن الولد، ونزهتك عن الشريك، وقلت: لا إله إلا الله؟! هل ترى الله معذبك؛ لأنك تقول له يوم القيامة: أنا نزهتك عن أن يكون لك ولد، وأنك تحتاج، ونزهتك عن أن يكون لك شريك؟! هل يوجد إنسان عاقل يرتاب في أن هذا هو الطريق الوحيد للنجاة، وهو أن يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله؟! ما أعظم الأدلة والبراهين الساطعة على صدق كلمة التوحيد المكونة من هاتين الشهادتين!!! فانظر كيف سلك النبي ﷺ في دعوة عدي هذا المسلك! إنه مسلك في منتهى اليسر وفي غاية السهولة: (يا عدي! أيضرك أن يقال: الله أكبر؟! فهل تعلم شيئاً أكبر من الله؟! يا عدي! أيضرك أن يقال: لا إله إلا الله؟! فهل تعلم إلهاً غير الله؟! ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق قال: فلقد رأيت وجهه استبشر ﷺ ثم قال: إن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون).
ونحن في كل صلاة ندعو الله أن يعيذنا من سبيل هؤلاء المغضوب عليهم والضالين حيث نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] وهم اليهود ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، وهم النصارى.
قال ابن كثير: وهكذا قال حذيفة بن اليمان وابن عباس وغيرهما في تفسير قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً): إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا.
وقال السدي: استنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم.
وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر في تفسير اتخاذهم أرباباً فقال: إنهم أطاعوهم بالسجود لهم سجوداً حقيقياً.
قال الشهاب: والأول هو تفسير النبي ﷺ فينبغي الاقتصار عليه.
فإذا فسر النبي ﵊ آية من كتاب الله، فلا ينبغي المصير إلى غيره؛ لأنه لما أتاه عدي بن حاتم وهو يقرؤها قال له: (إنا لم نعبدهم فقال: ألم تتبعوهم في التحليل والتحريم؟؟) والناس يقولون: فلان يعبد فلاناً إذا أفرط في طاعته.
قال الرازي: قال الربيع: قلت لـ أبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟ فقال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف أقوال الأحبار والرهبان، فكانوا يأخذون بأقوالهم، وما كانوا يقبلون حكم كتاب الله ﵎.
وحكى الرازي عن بعض شيوخه قال: قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء وقرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى في بعض المسائل، وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات، فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها، وبقوا ينظرون إلي متعجبين! يعني: كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات، مع أن الرواية عن سلفنا وردت على خلافها؟! ولو تأملت حق التأمل لوجدت هذا الداء سارياً في عروق الأكثرين من أهل المدينة.
انتهى.
على أي الأحوال الكلام ينبغي أن يمحص وألا يأخذ بظاهره حتى ينظر في تفاصيل الاستدلال الذي يذكره العلماء؛ لأننا لا نقبل أن يشيع الاستدلال كما يحصل من بعض الغلاة السلفيين، حيث يكثرون من الاستدلال بهذه الآية الكريمة في الرد على المذهبيين، فيشبهون عموم الناس من مقلدة الأئمة الأربعة وغيرهم من الأئمة المقلدين المشهورة مذاهبهم بالأحبار والرهبان! وهذا لا يقبل في ملة الإسلام أبداً؛ لأن أئمتنا ما أحلوا الحرام ولا حرموا الحلال، ولا يظن بإمام من أئمة المسلمين أبداً أنه تعمد ذلك، غاية ما في الأمر أن يكونوا ما بين مجتهد مصيب حصل على أجرين ومجتهد مخطئ حصل على أجر واحد.
لكن بلا شك هناك علماء سوء فعلاً في كل زمان وفي كل مكان، يفعلون مثل فعل هؤلاء الأحبار والرهبان، ويفعل معهم نفس الذي حدث مع اليهود والنصارى، ففي حق هؤلاء الذين يحلون الحرام، أو يحرمون الحلال، وينتهكون حرمات الله ، يمكن أن يحذروا بهذه الآية تخويفاً وموعظة وزجراً لهم، أما في المسائل الخلافية الفقهية التي هي محل خلاف سائغ معتاد بين الفقهاء، فلا يأت أحد المتناظرين يستدل على الآخر بقوله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)، فهذا مما لا يليق أن نستعمله في حق أئمة المسلمين.
(وما أمروا) هذه الواو حالية، أي: والحال أن أولئك الكفرة ما أمروا في كتابهم (إلا ليعبدوا إلهاً واحداً) إلا ليطيعوا أمره ولا يطيعوا أمراً غيره بخلافه.
(لا إله إلا هو) صفة ثانية (إلهاً) أو استئناف مقرر للتوحيد.
(سبحانه عما يشركون) أي: به في العبادة والطاعة.
وهذه اللفظة دليل على أن ما عليه اليهود والنصارى شرك؛ لأن أحياناً الآيات القرآنية تأتي تفرق بين المشركين وبين أهل الكتاب، بمعنى أن المشركين هم الوثنيون، أما أهل الكتاب فهم كفار أيضاً من نوع آخر غير الوثنيين، لكن باعتبار آخر يجوز أن يوصف أهل الكتاب أيضاً بأنهم مشركون بدلالة هذه الآية الكريمة (لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون)، فهذه الواو تعود على اليهود والنصارى كما هو معلو
стр. 1228
تفسير قوله تعالى: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم)
قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة:٣٢] أي: يخمدوا حجته الدالة على وحدانيته وتقدسه عن الولد، أو (يريدون أن يطفئوا نور الله) القرآن الكريم، أو نبوة محمد ﷺ ، وهذه الأقوال لا تتعارض في الحقيقة.
﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة:٣٢] أي: بإعلاء التوحيد وإعزاز الإسلام.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] أي: الكافرون بدلائل التوحيد.
وفي إظهار النور في مقام الإضمار مضافاً إلى الله زيادة اعتناء بشأنه، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾، ولم يقل: ويأبى الله إلا أن يتمه، لكن أظهر كلمة نوره مما يدل على زيادة الاعتناء بشأنه.
стр. 1229
تفسير قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق)
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة:٣٣].
إذا تأملنا قوله تعالى في الآية الأولى: (ولو كره الكافرون) وقوله أيضاً في هذه الآية: (ولو كره المشركون) فنتذكر أن كراهية المشركين لدين لإسلام، وحرصهم على إبطاله هذا أمر متوقع أخبرنا الله به، فلا يمكن أبداً أن نطمع في رضاهم عن ديننا، وبعض الناس يزعمون أنهم يعملون عملية تحسين وتجميل في الإسلام كي يقبله هؤلاء المشركون أو هؤلاء الكافرون، وهذا لا يكون كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، قبل الوصول إلى هذه الغاية فلن يرضوا عنا، فلا نطمع على الإطلاق؛ لأن هذا الأمر ليس بجديد عليهم؛ لأنهم يكرهون إعزاز دين الله ، ودأبهم العدوان والشنآن كما هو معلوم من سيرتهم ومن أحوالهم.
(هو الذي أرسل رسوله بالهدى) أي: بالقرآن الذي هو هدى للمتقين.
(ودين الحق) الحق هو التوحيد الثابت الدائم الذي لا يزول.
(ليظهره) أي: يظهر الدين الحق.
(على الدين كله) أي: على سائر الأديان.
(ولو كره المشركون) أي: ولو كرهوا أن يكون ذلك، لكن الله قضى ولابد أن يقع ما أخبر به النبي ﵌، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله زوى لي الأرض -أي: ضم لي الأرض- فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها).
وعن قبيصة بن مسعود أو مسعود بن قبيصة قال: (صلى هذا الحي من محارب الصبح، فلما صلوا قال شاب منهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمالها في النار، إلا من اتقى الله وأدى الأمانة).
وأخرج الإمام أحمد في المسند عن تميم الداري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين، بعز عزيز وبذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر).
وكان تميم الداري نصرانياً، وسبب إسلامه قصة الجساسة كما في صحيح مسلم، وكان يقول: (قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان كافراً منهم الذل والصغار والجزية).
وعن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا دخلته كلمة الإسلام، يعز عزيزاً ويذل ذليلاً، إما يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، وإما يذلهم فيدينون لها).
وأخرج الإمام أحمد عن عدي بن حاتم ﵁ قال: (دخلت على رسول الله ﷺ فقال: يا عدي! أسلم تسلم، فقلت: إني من أهل دين، قال ﵊: يا عدي! أنا أعلم بدينك منك، فقلت: أنت أعلم بديني مني؟! قال: نعم، ألست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك؟! قلت: بلى).
(الركوسية) قوم لهم دين متوسط بين النصارى والصابئين.
وقوله: (وأنت تأكل مرباع قومك) المرباع الربع مثل المعشار بمعنى العشر، وذلك أنهم كانوا يغزون في الجاهلية فيغنمون، فيأخذ الرئيس ربع الغنيمة دون أصحابه خالصاً له، فلذلك سمي ذلك الربع المرباع.
فقال له النبي ﵊: (ألست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك؟ قلت: بلى، قال: فإن هذا لا يحل لك في دينك، قال: فلم يعد أن قالها فتواضعت لها، قال: أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام، تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب -يعني: أهذا الذي يمنعك من دخول في الإسلام- تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟ قلت: لم أرها وقد سمعت بها، قال: فوالذي نفسي بيده! ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز، قلت: كسرى بن هرمز؟! قال: نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد، قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده! لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله ﷺ قد قالها).
انظر إلى اليقين والتصديق؛ (لأن رسول الله ﷺ قد قالها) هكذا كان شأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكان أيضاً شأن الصديق الأكبر، لما أخبره المشركون عما حدث به النبي ﷺ عن الإسراء والمعراج، فقالوا له: (انظر ما يقول صاحبك يزعم أنه كذا وكذا، فقال: إن كان قد قالها فقد صدق ﵌.
وروى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى فقلت: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة:٣٣] أن ذلك تام، قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ، ثم يبعث الله ريحاً طيبة فيتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم).
قال بعض المفسرين: معنى الآية: ليظهرن دين الإسلام على الأديان كلها، وهو ألا يعبد الله إلا بدين الإسلام.
روي عن أبي هريرة أنه قال: هذا وعد من الله تعالى بأن يجعل الإسلام عالياً على جميع الأديان، وتمام هذا إنما يحصل عند خروج عيسى ﵇، وكذلك قال الضحاك والسدي: لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام.
وقال الشافعي: قد أظهر الله دين رسوله ﷺ على الأديان كلها بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق، وما خالفه من الأديان باطل، وأظهره على الشرك دين أهل الكتاب ودين الأميين، فقهر رسول الله ﷺ الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعاً وكرهاً، وقتل من أهل الكتاب وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام، وأعطى بعضهم الجزية صاغرين، وجرى عليهم حكمه.
قال: فهذا هو ظهوره على الدين كله؛ لأن النصارى وأهل الكتاب إذا أعطوا الجزية فهم في الحقيقة في حالة خضوع لدين الإسلام.
يقول القاسمي: ما ذكره الشافعي هو نوع من أنواع الظهور، والأدق ما تقدم من أنه سوف يعتنقه كل فرقة، فإنما تذهب إليه طوائف الإصلاح من الملل الأخرى لا يبعد الآن عن الإسلام إلا قليلاً.
وهذا فيه نظر في الحقيقة، ولا يصح أن نسمي هؤلاء الناس بطوائف الإصلاح، فأي شخص من طوائف الإصلاح أو من أي فرقة من هذه الفرق مادامت نصرانية فما يسمى مصلحاً، بل هو من المفسدين في الأرض، لكن هذا التعبير شاع في زمن القاسمي ربما تأثراً بالشيخ رشيد رضا ومحمد عبده باستعمالهم تعبيرات الإصلاح الديني والإصلاح الاجتماعي إلى غير ذلك من العبارات.
стр. 1230
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل)
لقد بين ﵎ حال الأحبار والرهبان في إغوائهم لأراذلهم، إثر بيان سوء حال الأتباع في اتخاذهم لهم أرباباً يطيعونهم في الأوامر والنواهي، فالآية السابقة كانت في حال الأتباع، (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم) ثم بين حال المتبوعين أنفسهم فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤].
قوله تعالى: (ليأكلون أموال الناس بالباطل) أي: بالطريق المنكر من أخذ الرشوة في الأحكام فإذا حكم هؤلاء الناس فإنهم يأخذون الرشوة، وكذلك مقابل التخفيف والمسامحة في الشرائع وغير ذلك.
ولا شك أن من صور ذلك أيضاً شراء الأماكن في الجنة، وهذا موجود حتى الآن، فتجد هؤلاء الأحبار والرهبان يضحكون على عوام النصارى، ويحجزون لهم الأماكن في الجنة، ويعطونهم صكوك الغفران، وقصوراً في الجنة، ويصدقون هذا الكلام، ويأخذون منهم الأموال المقابل لغفران الذنوب وغير ذلك كما هو معلوم من أحوالهم! (ليأكلون) أي: ليأخذون، لكن بما أن الغرض الأعظم من أخذ الأموال هو الأكل، أطلق على ما يغلب استعمال المال فيه وهو الأكل.
(ليأكلون أموال الناس بالباطل) فيه تقبيح لحالهم وتنفير السامعين عنهم.
(ويصدون عن سبيل الله) أي: عن دين الإسلام وحكمه، أو عن المسلك المقابل في التوراة والإنجيل بما اشتروه وحرفوه.
ثم أشار إلى أن سبب ذلك هو إيثارهم حب المال وكنزه على أمر الله ، وتناسيهم وعيده في الكنز؛ لقوله : (والذين يكنزون الذهب والفضة) أي: يحفظونهما حفظ المدفون في الأرض، وهذا إشارة إلى سبب كنز وحفظ الذهب والفضة؛ لأنهما العملة التي كانت تستعمل.
(ولا ينفقونها في سبيل الله) أي: في الزكاة.
(فبشرهم بعذاب أليم) أي: مؤلم.
следующие страницы →