← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

تفسير قوله تعالى: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله) قال ﵎: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠]. قوله ﵎: (يضاهئون قول الذين كفروا من قبل) هذا الجزء من هذه الآية يصح أن يكون عنواناً لبحث مستفيض جداً، وهو بيان هذه المضاهاة وتفاصيل المشابهة بين قول اليهود والنصارى في زعم الولد لله ، وبين الذين كفروا من قبل (يضاهئون قول الذين كفروا من قبل)، فإن الشخص الباحث سواء في تاريخ الأديان أو في تاريخ البشر والملل سيرى من ذلك ما لا ينقضي منه العجب. فإذا ردت هذه العقيدة الفاسدة إلى أصلها سنجدها تعود إلى أصول وثنية ومشركة، وأن شياطين الإنس الذين حرفوا النصرانية في الدرجة الأولى ثم اليهودية، لم يكونوا مؤسسين، وإنما هم مقتدون بمن سبقهم من أهل الشرك والوثنية من قدماء المصريين، ومن ملاحدة وزنادقة الهند من البراهمة والبوذيين إلى آخره، وقد صدر كتاب اسمه: (العقائد الوثنية في الملة النصرانية)، هذا الكتاب يرجع كل ركن من أركان العقيدة النصرانية إلى أصله المقتبس منه من عقائد قدماء المصريين والبراهمة وغيرهم من الهنادكة والكفرة والمشركين في بلاد شرق آسيا خاصة الهند. فهذه العقيدة بالفعل هي مقتبسة من نفس هذه الاعتقادات، وفيها تتحقق هذه المضاهاة التي يخبر الله عنها هنا في هذه الآية (يضاهئون قول الذين كفروا من قبل) نفس فكرة الصلب والفداء في تكفير خطايا البشر، ونفس الآلهة التي تعرف بالصليب، ومن المعروف أن من رموز قدماء المصريين المحفورة في معابدهم علامة تشبه الصليب تماماً كانوا يمسكونها! وهذا الكتاب كنت استعرت منذ سنوات طويلة نسخة قديمة جداً منه، وهو كتاب: (العقائد الوثنية في الملة النصرانية)، لكني تعجبت من الفرق الشاسع بين الطبعتين القديمة والحديثة، فالطبعة القديمة كانت مطعمة بصور ملتقطة من الحسيات ومن الحجارة والآثار التي تثبت هذه العقائد. أما الطبعة الحديثة فلا يوجد فيها هذه الصور، وما أدري ما هو السبب! لكن الطبعة القديمة موجودة عند أخ هنا في الإسكندرية وفيها صور الحفريات والآثار الحسية التي تثبت هذا الشبه وهذه المضاهاة الصارخة. فعقيدة النصارى ليست عقيدة عيسى ﵇، وإنما هي مقتبسة من عقائد الوثنيين من قبل، وأقحمت إقحاماً في الملة النصرانية، وحرفتها من عبادة توحيد الله إلى صورة من صور الشرك والوثنية.

стр. 1227

تفسير قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) قال ﵎: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]، هذه زيادة تقرير لما سلف من كفرهم بالله ﵎، ووصفهم بنوع آخر من الشرك. ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم)) الأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد، الأحبار علماء اليهود جمع حَبر أو حِبر بكسر الحاء وفتحها، وهو العالم بتحبير الكلام وتحسينه، والتحبير بمعنى: التحسين كقول أبي موسى الأشعري للنبي ﷺ (لو كنت أعلم أنك تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيراً) أي: حسنته وزينته، فكذلك الحبر هو العالم بتحبير الكلام وتحسينه. وقال بعضهم: الحبر أعظم الأشراف بين الإسرائيليين، ويكون عندهم وسيلة للتقرب إلى الله، وهي مرتبة وراثية في آل هارون، يكون الحبر أشيخ من في هذه الطائفة. والرهبان جمع راهب بمعنى: المتعبد الخاشع المتزهد أو الزاهد، وأصل الترهب عند النصارى هو التخلي عن شهوات الدنيا وترك ملاذها، والزهد فيها والعزلة عن أهلها، وفي الحديث: (لا رهبانية في الإسلام). قال الرازي عند قوله : (أرباباً من دون الله): الأكثرون من المفسرين قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا فيهم أنهم آلهة العالم، وأنهم يخلقون ويرزقون أو غير ذلك، لكن المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم؛ وذلك لما روى الترمذي عن عدي بن حاتم ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي! اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم) فقلت: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم! فقال ﷺ : بلى عبدوهم إنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه). وهذا مما يخرج من الملة، ومن أسباب الردة طاعة من يحل ما حرم الله، أو يحرم ما أحل الله . وروى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم ﵁: (أنه لما بلغته دعوة رسول الله ﷺ فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم منَّ رسول الله ﷺ على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها عدي بن حاتم فرغبته في الإسلام، وفي القدوم على رسول الله ﷺ ، فقدم عدي المدينة -وكان رئيساً في قومه طيء وأبوه حاتم الطائي هو المشهور بالكرم- فتحدث الناس بقدومه فدخل على رسول الله ﷺ وفي عنقه صليب من فضة وهو يقرأ هذه الآية (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم! -أي: أن اليهود والنصارى لم يكونوا يسجدون ويركعون ويصومون للأحبار والرهبان- فقال ﵊: بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم، وقال رسول الله ﷺ : يا عدي! ما تقول؟ أيضرك أن يقال: الله أكبر؟! فهل تعلم شيئاً أكبر من الله؟! ما يضرك؟ أيضرك أن يقال: لا إله إلا الله؟! فهل تعلم إلهاً غير الله؟ ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق). وأي إنسان عاقل إذا سأل نفسه هذه الأسئلة، وتأمل في دين الإسلام؛ لما وجد أي سبب منطقي يعيقه عن الدخول في دين الإسلام، فشعار الإسلام هو (لا إله إلا الله) أي: لا إله حق إلا الله، ولا يستحق أن يعبد إلا الله ، فهل أي إنسان عاقل أو عنده بقية من رصيد الفطرة يرفض أن يقال: لا إله إلا الله؟! حتى إن كبار طواغيت النصارى إذا أراد أحدهم أن يتكلم في هذا الجانب فإنه يلبس على العوام ويقول: نحن أيضاً نقول: لا إله إلا الله، فكثير من المسلمين يجهلون ويقولون: النصارى يقولون: لا إله إلا الله، مع أنهم في الحقيقة يؤمنون بثلاثة من الآلهة، ويقولون: الثلاثة واحد + واحد =واحد، ولا يقولون: تساوي ثلاثة! فهم يحاولون أن يهربوا من الشرك الصراح الذي يقعون فيه؛ لأنهم يختمون الإيمان بقولهم: إله واحد أمين، الابن والأب وروح القدس، وهم يعترفون بهذا الكفر الصراح الذي ينافي العقل وينافي الفطرة، ويهدم دعوة الرسل ﵈، فهكذا يقال لكل كافر: ما الذي يزعجك من دين الإسلام ومن الذي يقول لك: لا إله إلا الله، أو لا تعبد إلا الله، أو لا يستحق أن يعبد إلا الله ؟! هل يضرك أن تقول: يا رب! أنا نزهتك عن الصاحبة، ونزهتك عن الولد، ونزهتك عن الشريك، وقلت: لا إله إلا الله؟! هل ترى الله معذبك؛ لأنك تقول له يوم القيامة: أنا نزهتك عن أن يكون لك ولد، وأنك تحتاج، ونزهتك عن أن يكون لك شريك؟! هل يوجد إنسان عاقل يرتاب في أن هذا هو الطريق الوحيد للنجاة، وهو أن يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله؟! ما أعظم الأدلة والبراهين الساطعة على صدق كلمة التوحيد المكونة من هاتين الشهادتين!!! فانظر كيف سلك النبي ﷺ في دعوة عدي هذا المسلك! إنه مسلك في منتهى اليسر وفي غاية السهولة: (يا عدي! أيضرك أن يقال: الله أكبر؟! فهل تعلم شيئاً أكبر من الله؟! يا عدي! أيضرك أن يقال: لا إله إلا الله؟! فهل تعلم إلهاً غير الله؟! ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق قال: فلقد رأيت وجهه استبشر ﷺ ثم قال: إن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون). ونحن في كل صلاة ندعو الله أن يعيذنا من سبيل هؤلاء المغضوب عليهم والضالين حيث نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] وهم اليهود ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، وهم النصارى. قال ابن كثير: وهكذا قال حذيفة بن اليمان وابن عباس وغيرهما في تفسير قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً): إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا. وقال السدي: استنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم. وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر في تفسير اتخاذهم أرباباً فقال: إنهم أطاعوهم بالسجود لهم سجوداً حقيقياً. قال الشهاب: والأول هو تفسير النبي ﷺ فينبغي الاقتصار عليه. فإذا فسر النبي ﵊ آية من كتاب الله، فلا ينبغي المصير إلى غيره؛ لأنه لما أتاه عدي بن حاتم وهو يقرؤها قال له: (إنا لم نعبدهم فقال: ألم تتبعوهم في التحليل والتحريم؟؟) والناس يقولون: فلان يعبد فلاناً إذا أفرط في طاعته. قال الرازي: قال الربيع: قلت لـ أبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟ فقال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف أقوال الأحبار والرهبان، فكانوا يأخذون بأقوالهم، وما كانوا يقبلون حكم كتاب الله ﵎. وحكى الرازي عن بعض شيوخه قال: قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء وقرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى في بعض المسائل، وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات، فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها، وبقوا ينظرون إلي متعجبين! يعني: كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات، مع أن الرواية عن سلفنا وردت على خلافها؟! ولو تأملت حق التأمل لوجدت هذا الداء سارياً في عروق الأكثرين من أهل المدينة. انتهى. على أي الأحوال الكلام ينبغي أن يمحص وألا يأخذ بظاهره حتى ينظر في تفاصيل الاستدلال الذي يذكره العلماء؛ لأننا لا نقبل أن يشيع الاستدلال كما يحصل من بعض الغلاة السلفيين، حيث يكثرون من الاستدلال بهذه الآية الكريمة في الرد على المذهبيين، فيشبهون عموم الناس من مقلدة الأئمة الأربعة وغيرهم من الأئمة المقلدين المشهورة مذاهبهم بالأحبار والرهبان! وهذا لا يقبل في ملة الإسلام أبداً؛ لأن أئمتنا ما أحلوا الحرام ولا حرموا الحلال، ولا يظن بإمام من أئمة المسلمين أبداً أنه تعمد ذلك، غاية ما في الأمر أن يكونوا ما بين مجتهد مصيب حصل على أجرين ومجتهد مخطئ حصل على أجر واحد. لكن بلا شك هناك علماء سوء فعلاً في كل زمان وفي كل مكان، يفعلون مثل فعل هؤلاء الأحبار والرهبان، ويفعل معهم نفس الذي حدث مع اليهود والنصارى، ففي حق هؤلاء الذين يحلون الحرام، أو يحرمون الحلال، وينتهكون حرمات الله ، يمكن أن يحذروا بهذه الآية تخويفاً وموعظة وزجراً لهم، أما في المسائل الخلافية الفقهية التي هي محل خلاف سائغ معتاد بين الفقهاء، فلا يأت أحد المتناظرين يستدل على الآخر بقوله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)، فهذا مما لا يليق أن نستعمله في حق أئمة المسلمين. (وما أمروا) هذه الواو حالية، أي: والحال أن أولئك الكفرة ما أمروا في كتابهم (إلا ليعبدوا إلهاً واحداً) إلا ليطيعوا أمره ولا يطيعوا أمراً غيره بخلافه. (لا إله إلا هو) صفة ثانية (إلهاً) أو استئناف مقرر للتوحيد. (سبحانه عما يشركون) أي: به في العبادة والطاعة. وهذه اللفظة دليل على أن ما عليه اليهود والنصارى شرك؛ لأن أحياناً الآيات القرآنية تأتي تفرق بين المشركين وبين أهل الكتاب، بمعنى أن المشركين هم الوثنيون، أما أهل الكتاب فهم كفار أيضاً من نوع آخر غير الوثنيين، لكن باعتبار آخر يجوز أن يوصف أهل الكتاب أيضاً بأنهم مشركون بدلالة هذه الآية الكريمة (لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون)، فهذه الواو تعود على اليهود والنصارى كما هو معلو

стр. 1228

تفسير قوله تعالى: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم) قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة:٣٢] أي: يخمدوا حجته الدالة على وحدانيته وتقدسه عن الولد، أو (يريدون أن يطفئوا نور الله) القرآن الكريم، أو نبوة محمد ﷺ ، وهذه الأقوال لا تتعارض في الحقيقة. ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة:٣٢] أي: بإعلاء التوحيد وإعزاز الإسلام. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] أي: الكافرون بدلائل التوحيد. وفي إظهار النور في مقام الإضمار مضافاً إلى الله زيادة اعتناء بشأنه، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾، ولم يقل: ويأبى الله إلا أن يتمه، لكن أظهر كلمة نوره مما يدل على زيادة الاعتناء بشأنه.

стр. 1229

تفسير قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق) قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة:٣٣]. إذا تأملنا قوله تعالى في الآية الأولى: (ولو كره الكافرون) وقوله أيضاً في هذه الآية: (ولو كره المشركون) فنتذكر أن كراهية المشركين لدين لإسلام، وحرصهم على إبطاله هذا أمر متوقع أخبرنا الله به، فلا يمكن أبداً أن نطمع في رضاهم عن ديننا، وبعض الناس يزعمون أنهم يعملون عملية تحسين وتجميل في الإسلام كي يقبله هؤلاء المشركون أو هؤلاء الكافرون، وهذا لا يكون كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، قبل الوصول إلى هذه الغاية فلن يرضوا عنا، فلا نطمع على الإطلاق؛ لأن هذا الأمر ليس بجديد عليهم؛ لأنهم يكرهون إعزاز دين الله ، ودأبهم العدوان والشنآن كما هو معلوم من سيرتهم ومن أحوالهم. (هو الذي أرسل رسوله بالهدى) أي: بالقرآن الذي هو هدى للمتقين. (ودين الحق) الحق هو التوحيد الثابت الدائم الذي لا يزول. (ليظهره) أي: يظهر الدين الحق. (على الدين كله) أي: على سائر الأديان. (ولو كره المشركون) أي: ولو كرهوا أن يكون ذلك، لكن الله قضى ولابد أن يقع ما أخبر به النبي ﵌، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله زوى لي الأرض -أي: ضم لي الأرض- فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها). وعن قبيصة بن مسعود أو مسعود بن قبيصة قال: (صلى هذا الحي من محارب الصبح، فلما صلوا قال شاب منهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمالها في النار، إلا من اتقى الله وأدى الأمانة). وأخرج الإمام أحمد في المسند عن تميم الداري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين، بعز عزيز وبذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر). وكان تميم الداري نصرانياً، وسبب إسلامه قصة الجساسة كما في صحيح مسلم، وكان يقول: (قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان كافراً منهم الذل والصغار والجزية). وعن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا دخلته كلمة الإسلام، يعز عزيزاً ويذل ذليلاً، إما يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، وإما يذلهم فيدينون لها). وأخرج الإمام أحمد عن عدي بن حاتم ﵁ قال: (دخلت على رسول الله ﷺ فقال: يا عدي! أسلم تسلم، فقلت: إني من أهل دين، قال ﵊: يا عدي! أنا أعلم بدينك منك، فقلت: أنت أعلم بديني مني؟! قال: نعم، ألست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك؟! قلت: بلى). (الركوسية) قوم لهم دين متوسط بين النصارى والصابئين. وقوله: (وأنت تأكل مرباع قومك) المرباع الربع مثل المعشار بمعنى العشر، وذلك أنهم كانوا يغزون في الجاهلية فيغنمون، فيأخذ الرئيس ربع الغنيمة دون أصحابه خالصاً له، فلذلك سمي ذلك الربع المرباع. فقال له النبي ﵊: (ألست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك؟ قلت: بلى، قال: فإن هذا لا يحل لك في دينك، قال: فلم يعد أن قالها فتواضعت لها، قال: أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام، تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب -يعني: أهذا الذي يمنعك من دخول في الإسلام- تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟ قلت: لم أرها وقد سمعت بها، قال: فوالذي نفسي بيده! ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز، قلت: كسرى بن هرمز؟! قال: نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد، قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده! لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله ﷺ قد قالها). انظر إلى اليقين والتصديق؛ (لأن رسول الله ﷺ قد قالها) هكذا كان شأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكان أيضاً شأن الصديق الأكبر، لما أخبره المشركون عما حدث به النبي ﷺ عن الإسراء والمعراج، فقالوا له: (انظر ما يقول صاحبك يزعم أنه كذا وكذا، فقال: إن كان قد قالها فقد صدق ﵌. وروى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى فقلت: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة:٣٣] أن ذلك تام، قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ، ثم يبعث الله ريحاً طيبة فيتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم). قال بعض المفسرين: معنى الآية: ليظهرن دين الإسلام على الأديان كلها، وهو ألا يعبد الله إلا بدين الإسلام. روي عن أبي هريرة أنه قال: هذا وعد من الله تعالى بأن يجعل الإسلام عالياً على جميع الأديان، وتمام هذا إنما يحصل عند خروج عيسى ﵇، وكذلك قال الضحاك والسدي: لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام. وقال الشافعي: قد أظهر الله دين رسوله ﷺ على الأديان كلها بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق، وما خالفه من الأديان باطل، وأظهره على الشرك دين أهل الكتاب ودين الأميين، فقهر رسول الله ﷺ الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعاً وكرهاً، وقتل من أهل الكتاب وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام، وأعطى بعضهم الجزية صاغرين، وجرى عليهم حكمه. قال: فهذا هو ظهوره على الدين كله؛ لأن النصارى وأهل الكتاب إذا أعطوا الجزية فهم في الحقيقة في حالة خضوع لدين الإسلام. يقول القاسمي: ما ذكره الشافعي هو نوع من أنواع الظهور، والأدق ما تقدم من أنه سوف يعتنقه كل فرقة، فإنما تذهب إليه طوائف الإصلاح من الملل الأخرى لا يبعد الآن عن الإسلام إلا قليلاً. وهذا فيه نظر في الحقيقة، ولا يصح أن نسمي هؤلاء الناس بطوائف الإصلاح، فأي شخص من طوائف الإصلاح أو من أي فرقة من هذه الفرق مادامت نصرانية فما يسمى مصلحاً، بل هو من المفسدين في الأرض، لكن هذا التعبير شاع في زمن القاسمي ربما تأثراً بالشيخ رشيد رضا ومحمد عبده باستعمالهم تعبيرات الإصلاح الديني والإصلاح الاجتماعي إلى غير ذلك من العبارات.

стр. 1230

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل) لقد بين ﵎ حال الأحبار والرهبان في إغوائهم لأراذلهم، إثر بيان سوء حال الأتباع في اتخاذهم لهم أرباباً يطيعونهم في الأوامر والنواهي، فالآية السابقة كانت في حال الأتباع، (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم) ثم بين حال المتبوعين أنفسهم فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤]. قوله تعالى: (ليأكلون أموال الناس بالباطل) أي: بالطريق المنكر من أخذ الرشوة في الأحكام فإذا حكم هؤلاء الناس فإنهم يأخذون الرشوة، وكذلك مقابل التخفيف والمسامحة في الشرائع وغير ذلك. ولا شك أن من صور ذلك أيضاً شراء الأماكن في الجنة، وهذا موجود حتى الآن، فتجد هؤلاء الأحبار والرهبان يضحكون على عوام النصارى، ويحجزون لهم الأماكن في الجنة، ويعطونهم صكوك الغفران، وقصوراً في الجنة، ويصدقون هذا الكلام، ويأخذون منهم الأموال المقابل لغفران الذنوب وغير ذلك كما هو معلوم من أحوالهم! (ليأكلون) أي: ليأخذون، لكن بما أن الغرض الأعظم من أخذ الأموال هو الأكل، أطلق على ما يغلب استعمال المال فيه وهو الأكل. (ليأكلون أموال الناس بالباطل) فيه تقبيح لحالهم وتنفير السامعين عنهم. (ويصدون عن سبيل الله) أي: عن دين الإسلام وحكمه، أو عن المسلك المقابل في التوراة والإنجيل بما اشتروه وحرفوه. ثم أشار إلى أن سبب ذلك هو إيثارهم حب المال وكنزه على أمر الله ، وتناسيهم وعيده في الكنز؛ لقوله : (والذين يكنزون الذهب والفضة) أي: يحفظونهما حفظ المدفون في الأرض، وهذا إشارة إلى سبب كنز وحفظ الذهب والفضة؛ لأنهما العملة التي كانت تستعمل. (ولا ينفقونها في سبيل الله) أي: في الزكاة. (فبشرهم بعذاب أليم) أي: مؤلم.

стр. 1231

تفسير قوله تعالى: (يوم يحمى عليها في نار جهنم) قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا﴾ [التوبة:٣٥] أي: يوقد عليها. ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ﴾ [التوبة:٣٥] أي: يقال لهم ضماً إلى ما هم فيه من الكي: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة:٣٥] أي: أنتم كنزتموه في الدنيا؛ لتتلذذوا به، فكان سبب تعذيبكم. ﴿فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٥] أي: ذوقوا وبال هذا الكنز وهو ألمه وشدته بالكي. وفي هذه الآية فوائد: الأولى: قال بعضهم في قوله تعالى: (ليأكلون أموال الناس بالباطل): فيها دلالة على تحريم الرشوة على الباطل، وقد ورد: (لعن الله الراشي والمرتشي)، وكذا تحريم أخذ العوض على فعل الواجب، وفي جواز الدفع ليتوصل إلى حقه خلاف، هل يجوز أن يدفع الإنسان مالاً؛ ليتوصل إلى حقه، إن كان لا يؤدى إليه ذلك؟ الراجح الجواز ليتوصل إلى الحق كالاستفداء. قال الحاكم: الاستفداء هو أن يدفع مالاً لمن أخذ الأسير مقابل أن يطلق سراحه. وقال الحاكم أيضاً: يدخل في تحريم الرشوة الأحكام والشهادات والفتاوى وأصول الدين وفروعه، وكل من حرف شيئاً لغرض الدنيا. الثانية: في الآية كما قال ابن كثير: تحذير من علماء السوء وعباد الضلال، قال سفيان بن عيينة ﵀: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى. وفي الحديث الصحيح: (لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة قالوا: اليهود النصارى؟ قال: فمن؟!). وفي رواية (قالوا: فارس والروم؟ قال: فمن الناس إلا هؤلاء؟). وقال ابن المبارك: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها

стр. 1232

حكم كنز المال وحفظه مع تأدية زكاته وعدمها قوله: (والذين يكنزون) (الذين) مبتدأ و (يكنزون) خبر، أو يكون التقدير: وبشر الذين يكنزون. والتعريف في كلمة (الذين) للعهد، والمعهود هو إما الأحبار والرهبان، وإما المسلمون الكانزون ويحتمل أنها في الأحبار والرهبان، وفي الكانزين من المسلمين فهي تعم الجميع، وإنما قرنوا باليهود والنصارى تغليظاً بمعنى: أنهم يفعلون فعل الكفار الذي لا يليق بالموحدين وبالمسلمين، ولما نزلت هذه الآية كبر على المسلمين هذا الوعيد فذكر عمر ﵁ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: (إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم)، رواه أبو داود والحاكم وصححه. وقال ﷺ : (ما أدي زكاته فليس بكنز)، والأصل في المال أن ينمى ويستثمر؛ كي يستفيد منه صاحب رأس المال، والمسلمون الذين يحتاجون إلى العمل، وتنشط التجارة، لكن لو أن رجلاً ترك المال دون أن يستثمره فإن لم يؤد زكاته فإنه يستحق هذا الوعيد؛ لأنه كنز، (وما أدي زكاته فليس بكنز). أما قوله ﷺ : (من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها)، فالمراد منه ما لم يؤد حقها؛ لما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره).

стр. 1233

خلاف أبي ذر ومعاوية ﵄ في تفسير هذه الآية اشتهرت محاورة معاوية لـ أبي ذر ﵄ في هذه الآية، فقد روى البخاري عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا بـ أبي ذر فقلت: ما أنزلك هذا المنزل؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية ﵄ في هذه الآية: (والذين يكنزون الذهب والفضة) فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها، فكثر عليّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لـ عثمان فقال: إن شئت تنحيت فكنت قريباً، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل. وسيأتي تفصيل هذه الحادثة. يقول أبو ذر: ولو أمر عليّ عبد حبشي لسمعت وأطعت. ولـ ابن جرير في رواية بعد قول عثمان له: تنح قريباً، قلت: والله لن أدع ما كنت أقول، فأثبت عليه. وروى أبو يعلى أن أبا ذر رضي الله تعالى عنه كان يحدث ويقول: لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم إلا ما ينفقه في سبيل الله أو يعده لغريب، وهذا كان مذهب أبي ذر رضي الله تعالى عنه، فكان لا يجوز لأحد أبداً أن يبيت وعنده دينار أو درهم، إلا إذا كان عنده مبلغ يرصده لأجل سداد دين، أما غير ذلك فيوجب عليه أن ينفقه أولاً بأول في سبيل الله ﵎ أو في مصالح المسلمين. فكان يقول: لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم؛ لذلك فيما مضى كان بعض الشيوعيين يفرحون جداً بسيرة أبي ذر رضي الله تعالى عنه. فكتب معاوية إلى عثمان: إن كان لك بالشام حاجة فابعث إلى أبي ذر، فكتب إليه عثمان: أن أقدم علي، فقدم. قال ابن كثير: كان من مذهب أبي ذر ﵁ تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال، وكان يفتي بذلك ويحثهم عليه ويأمرهم به، ويغلظ في خلافه، فنهاه معاوية فلم ينته، فخشي أن يضر بالناس في هذا، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان وأن يأخذه إليه، فاستقدمه عثمان إلى المدينة، وأنزله بالربذة وحده، وبها مات رضي الله تعالى عنه في خلافة عثمان. وقد اختبره معاوية ﵁ وهو عنده، هل يوافق عمله قوله، فبعث إليه بألف دينار ففرقها من يومه، ثم بعث إليه الذي أتاه بها فقال: إن معاوية إنما بعثني إلى غيرك، فأخطأت فهات الذهب فقال: ويحك إنها خرجت، ولكن إذا جاء مالي حاسبناك به. وقال الأحنف بن قيس: قدمت المدينة فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه، فقام عليهم فقال: بشر الكنازين برضف يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل، قال: فوضع القوم رءوسهم، فما رأيت أحداً منهم رجع إليه شيئاً، قال: وأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم، فقال: إن هؤلاء لا يعلمون شيئاً إنما يجمعون الدنيا. رواه مسلم وللبخاري نحوه. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لـ أبي ذر: (ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهباً، يمر علي ثلاثة أيام وعندي منه شيء إلا دينار أرصده لدين). قال ابن كثير: فهذا -والله تعالى أعلم- هو الذي حدا بـ أبى ذر على القول بهذا. فـ أبو ذر أخذ مذهبه من قول النبي ﷺ له: (ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهباً، يمر علي ثلاثة أيام وعندي منه شيء إلا دينار أرصده لدين). وأخرج الشيخان عنه قال: (انتهيت إلى النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: هم الأخسرون ورب الكعبة! قال: فجئت حتى جلست فلم أتقار حتى قمت فقلت: يا رسول الله! فداك أبي وأمي من هم؟ قال: هم الأكثرون أموالاً إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، وقليل ما هم). وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن الصامت ﵁: (أنه كان مع أبي ذر فخرج عطاؤه ومعه جارية، فجعلت تقضي حوائجه، ففضلت معها سبعة، فأمرها أن تشتري بها فلوساً قال: قلت: لو ادخرته لحاجة بيوتك، وللضيف ينزل بك، قال: إن خليلي عهد إلي أن أيما ذهب أو فضة أوكئ عليه فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله ، أو حتى يفرغه في سبيل الله إفراغاً). قال ابن عبد البر: وردت عن أبي ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش، فهو كنز يذم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك، وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم، وحملوا الوعيد في الآية على مانعي الزكاة. وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابي حيث قال: (هل عليّ غيرها قال: لا، إلا أن تطوع). وبالجملة فالجمهور على أن الكنز المذموم ما لم تؤد زكاته، وقد ترجم لذلك البخاري وقال في صحيحه: باب ما أدي زكاته فليس بكنز، ويشهد له حديث أبي هريرة مرفوعاً: (إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك) حسنه الترمذي وصححه الحاكم. هذا؛ وذهب ابن عمر ﵄ ومن وافقه إلى أن الزكاة نسخت وعيد الكنز، فقد روى البخاري في صحيحه أن أعرابياً قال لـ ابن عمر: أخبرني عن قول الله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة) إلى آخر الآية، قال ابن عمر: من كنزها ولم يؤد زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهراً للأموال. زاد ابن ماجة: ثم قال ابن عمر: ما كنت أبالي لو كان لي مثل أحد ذهباً أعلم عدده أزكيه وأعمل فيه بطاعة الله تعالى. فهذا يشعر بأن الوعيد على الاكتناز -وهو حبس ما فضل على الحاجة عن المواساة به- إنما كان في أول الإسلام، ومذهب أبي ذر هو على ما كان في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة لما فتح الله الفتوح وقدرت أنصبة الزكاة. ويشعر هذا أيضاً بأن فرض الزكاة كان في السنة التاسعة من الهجرة، وجزم به ابن الأثير في تاريخه. وهذه السورة التي فيها هذه الآية نزلت في السنة التاسعة بعد غزوة تبوك، فإذا نسخت بالزكاة كانت الزكاة في تلك السنة أو بعدها قطعاً. قال ابن حجر: والظاهر أن ذلك كان في أول الأمر كما تقدم عن ابن عمر، واستدل له ابن بطال بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩] يعني: ما فضل وزاد عن الحاجة، فكان ذلك واجباً في أول الأمر ثم نسخ. وزعم بعضهم أن الذي حدا بـ أبى ذر لذلك ما رآه من استئثار معاوية بالفيء، وقد كان الخلفاء الراشدون ﵃ يعتبرون الفيء لكافة المسلمين يأخذه المقاتلون وغيرهم، ولعله باعتبار أن القتال فريضة على كل المسلمين، فكلهم داخل تحت ذلك الحكم. قال: والذي يؤيد أنه لكافة المسلمين أن أبا ذر ﵁ لما كان بالشام والوالي عليها من قبل الخليفة عثمان معاوية ﵄، ورأى من معاوية ما يشعر بحرصه على ادخار المال في بيت المال؛ أنكر عليه ذلك. ولا يظن أن معاوية كولاة هذا الزمان يأخذ المال له ولأولاده، لا يظن هذا به أبداً، لكن كان أبو ذر يخالف معاوية؛ لأن معاوية كان يخزن المال في بيت المال للدولة وللمسلمين، بحيث يصرفه في وجوه المصالح التي يراها للمسلمين، وكان أبو ذر مشهوراً بالورع، شديد الحرص على حقوق المسلمين، يقول الحق ولو على نفسه، فأخذ أبو ذر يتكلم بهذا الأمر بين الناس، وظل يعلنه وهو في الشام، واتخذ له حزباً من أهل الشام يساعده على الإنكار على معاوية؛ لكي يرد المال للمسلمين، ولا يخزنه في بيت المال ويأخذه للمصالح، وإنما ينفقه فوراً. فكون له هذا الحزب أو التكتل، وظل يتكلم ويبين عدم الرضا بكنزه في بيت المال لأي حال من الأحوال، إلا لتوزيعه على كافة المسلمين؛ لاشتراكهم بما أفاء الله عليهم أجمعين، وتابعهم على قولهم أناس كثيرون كانوا يجتمعون لهذا القصد سراً وجهراً، حتى كادت تكون فتنة، فشكاه معاوية إلى الخليفة عثمان رضي الله تعالى عنه، فنفاه إلى الربذة؛ خوفاً من حدوث ما لا تحمد عقباه. وهذا التصرف من معاوية ومن عثمان ﵁ يعتبر حسماً للافتتان بين المسلمين، وإلا فإن كثيراً من الكتاب الذين لهم ميول للاشتراكية والشيوعية كانوا يتكلمون عن مذهب أبي ذر على أنه المذهب المعتمد، وأن هذه هي الشيوعية، وأن أبا ذر كان شيوعياً مع أن أبا ذر لم يسمع كلمة الشيوعية! فهذا من تمحلهم وكذبهم، وقد أخذهم الله، فالشيوعيون كانوا يلبسون على المسلمين ويخدعونهم بموقف أبي ذر، وأبو ذر كان مؤمناً بالله وباليوم الآخر، وهم ملاحدة يقولون: لا إله والحياة مادة، فأين هذا من ذاك؟! فالشيوعيون يظهرون موقف أبي ذر على أنها حركة ثورية ضد الحاكم أو الأمير أو الوالي، وهذا ليس بصحيح، فإ

стр. 1234

الحكمة من تخصيص الجباه والجنوب والظهور لكانزي المال بالكي قوله: (يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم) ما الحكمة في تخصيص هذه الأعضاء الثلاثة بالكي دون غيرها؟ قيل: إن هؤلاء الذين جمعوا وكنزوا الذهب والفضة جمعوها كي ينالوا الوجاهة عند الناس بأنهم أغنياء، وكي يتنعموا بالمطاعم الشهية، وبالملابس البهية، فلوجاهتهم ورئاستهم المعروفة بوجوههم كان الكي بجباههم. أما كي جنوبهم؛ فلأن الجنوب كانت تمتلئ من الطعام الذي يحصلونه بهذا المال، وبهذا كويت الجنوب. أما كي ظهورهم؛ فلأنهم إذا سألهم فقير تبدو منهم آثار الكراهة والمنع، فتكلح وجوههم وتقطب وتعبس في وجه السائل، ثم إذا كرر الفقير الطلب أعرضوا عنه وتركوه جانباً، ثم إذا ألح ولوه ظهورهم واستقبلوا جهة أخرى، وهي النهاية في الردع والغاية في المنع الدال على كراهية الإعطاء والبذل، وهذا دأب مانع البر والإحسان وعادة البخلاء، فكان ذلك سبباً لكي هذه الأعضاء. وقيل: لأن هذه الأعضاء أشرف الأعضاء الظاهرة، إذ هي المشتملة على الأعضاء الرئيسية التي هي الدماغ والقلب والكبد، أو لأنها أصول الجهات الأربع التي هي مقادم البدن ومآخره وجنباه، فيكون كناية عن جميع البدن.

стр. 1235

تفسير قوله تعالى: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله) لما بين ﵎ فيما تقدم إقدام الأحبار والرهبان على تغيير أحكام الله تعالى؛ إيثاراً لحظوظهم، أتبعه بما تجرأ عليه المشركون من تغيير أحكام الله؛ إيثاراً لحظوظهم ولأهوائهم، فهم يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، وذلك من تغيير الأشهر الحرم التي حرمها الله تعالى لغيرها وهو النسيء الآتي، فنعى عليهم سعيهم في تغيير حكم السنة بحسب أهوائهم وآرائهم مما أوجب زيادة كفرهم فقال : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٣٦]. (إن عدة الشهور) أي: عدد الشهور. (عند الله) أي: في حكم الله. (اثنا عشر شهراً) أي: الشهور القمرية التي عليها يدور فلك الأحكام الشرعية. (في كتاب الله) أي: في اللوح المحفوظ، أو فيما أثبته وأوجبه من حكمه، والكتاب يأتي بمعنى: حكم أي: حكم الله عليكم. (يوم خلق السماوات والأرض) أي: أن هذا استقر في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، والمعنى: أن هذا أمر ثابت في نفس الأمر منذ خلق الله تعالى الأجرام والحركات والأزمنة. (منها أربعة حرم) أي: من تلك الشهور الاثني عشر أربعة حرم، ثلاثة متتابعة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وواحد فرد وهو رجب. (ذلك الدين القيم) إشارة إلى تحريم الأشهر الأربعة. (الدين القيم) أي: المستقيم. (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) وذلك بهتك حرمتها بالقتال فيها. وقال ابن إسحاق: أي: لا تجعلوا حرمها حلالاً، ولا حلالها حرماً، كما فعل أهل الشرك. (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) أي: جميعاً. (واعلموا أن الله مع المتقين) أي: بالنصر والإمداد.

стр. 1236

تفسير قوله تعالى: (إنما النسيء زيادة في الكفر) ثم بين تعالى بعد ذلك ثمرة هذه المقدمة وهو تحريم تغيير ما عين تحريمه من الأشهر الحرم، وإبقاؤها على ما سبق في كتابه، ناعياً على المشركين كفرهم بإهمالهم ذلك، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٣٧]. (إنما النسيء) النسيء تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر، مصدر نسأه إذا أخره. (زيادة في الكفر) لأنه تحليل ما حرم الله، وتحريم ما حلله، فهو كفر آخر مضموم إلى كفرهم، وهذا يدل على أن الكفر يزيد بقدر ما يزداد الإنسان في محاربة الله ، فكما أن الإيمان يزيد وينقص فكذلك الكفر يزيد أيضاً. (يضل به الذين كفروا) أي: يضل به الذين كفروا بالله عن أحكامه إذ يجمعون بين الحل والحرمة في شهر واحد، سنة يحلونه وسنة أخرى يحرمون نفس الشهر. (يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً) أي: يحلون النسيء من الأشهر الحرم سنة ويحرمون مكانه شهراً آخر، ويتركونه على حرمته القديمة، ويحافظون عليها سنة أخرى، إذا لم يتعلق بتغييره غرض من أغراضهم. والتعبير عن ذلك بالتحريم باعتبار إحلالهم له في العام الماضي، والجملتان تفسير للضلال أو حال. قال الزمخشري: النسيء تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب وغارات، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة، فيحلونه ويحرمون مكانه شهراً آخر، حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، فكانوا يحرمون من شق شهور العام أربعة أشهر، وذلك قوله تعالى: (ليواطئوا عدة ما حرم الله) أي: ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوها، وقد خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين، وربما زادوا في عدد الشهور فيجعلونها ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت، ولذلك قال : (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً) يعني: من غير زيادة زادوها. فهذا هي الحكمة من قوله تعالى: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً) أي: أنها غير قابلة للزيادة كما كانوا يفعلون. (فيحلوا ما حرم الله) بتركهم التخصيص بالأشهر لعينها. (زين لهم سوء أعمالهم) فاعتقدوا قبيحها حسناً. (والله لا يهدي القوم الكافرين) في هاتين الآيتين مسائل منها أن جميع الأحكام الشرعية تتعلق بالأشهر العربية، ولا يمكن أبداً اعتبار غير الشهر الهلالي العربي، مثل: قضاء الكفارات ودوران الحول في الزكاة وغيرها من الأحكام المتعلقة بالشهور. قال ابن كثير: إنما كانت الأشهر المحرمة أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد؛ لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل أشهر الحج شهراً وهو ذو القعدة؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحرم شهر ذي الحجة؛ لأنهم يوقعون فيه الحج، ويشتغلون بأداء المناسك، وحرم بعده شهراً آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين؛ وحرم رجب في وسط الحول؛ لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمناً. واستنبط بعضهم من قوله تعالى: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) أي: في هذه الأشهر المحرمة، فالمعاصي فيها أبلغ في الإثم من غيرها، كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥] وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام، ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وكذا في حق من قتل في الحرم، أو قتل ذا محرم. وقال ابن عباس فيما رواه عنه علي بن أبي طلحة: إنه تعالى اختص من الأشهر أربعة أشهر جعلهن حراماً، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم. وقال قتادة: إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيماً، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء. وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلاً، ومن الناس رسلاً، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله، فإنما تعظيم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل. ويستدل جماعة من العلماء بقوله تعالى: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم ثابت محكم لم ينسخ؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة:٢]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥]. وذهب آخرون: إلى أن تحريم القتال فيها منسوخ بآية السيف لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦]. يقول القاسمي: المحرم هو ابتداء القتال في الأشهر الحرم لا إتمامه، بحيث لو دخل المسلمون في قتال قبل دخول الأشهر الحرم فلا يحرم إتمامه في الأشهر الحرم، وبهذا يحصل الجمع. وقال ابن جرير: لقد حلف بالله عطاء بن أبي رباح أنه لا يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الأشهر الحرم، وما نسخت إلا أن يقاتلوا فيها، أي: في حالة الدفاع. وقوله: (وقاتلوا المشركين كافة) استدل بها من قال: إن الجهاد في عهده ﷺ كان فرض عين.

стр. 1237

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله) حرض الله تعالى على قتال الكفرة إثر بيان قبائحهم الموجبة لذلك، وأشار إلى توجه العتاب والملامة على المتخلفين عنه، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التوبة:٣٨] أي: تثاقلتم وتباطأتم، والاستفهام في قوله: (مالكم) للتوبيخ والإنكار. (اثاقلتم إل الأرض) كلمة (اثاقلتم) تضمنت معنى الميل إلى الأرض والإخلاد إليها. أي: اثاقلتم مائلين إلى الدنيا وشهواتها الفانية، وكرهتم مشاق الغزو، وملتم إلى الراحة الخالدة؛ كقوله تعالى: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف:١٧٦] أو اثاقلتم مائلين إلى الإقامة بأرضكم ودياركم. وكان ذلك في غزوة تبوك في سنة تسع بعد رجوعهم من الطائف، حيث استنفروا لغزو الروم في وقت عسرة وقحط وقيظ، حين طابت الثمار والظلال، ومع بعد الشقة وكثرة العدو؛ فشق عليهم، قال الله: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة:٣٨] أي: الحقيرة الفانية، والدنيا مأخوذة من الدناءة. (من الآخرة) (من) هنا بمعنى: بدل الآخرة. ويوجد في القرآن الكريم استعمال كلمة (من) بمعنى بدل، وهو استعمال شائع موجود، كما في سورة الزخرف: ﴿لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف:٦٠] أي: لجعلنا بدلكم ملائكة في الأرض يخلفون، فكذلك هنا (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) أي: بدل الآخرة ونعيمها الدائم. (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة) كلمة (في) هي التي تسمى (في) القياسية؛ لأن المقيس يوضع بجنب ما يحاط به. (إلا قليل) أي: مستحقر لا يؤبه له. وروى الإمام أحمد ومسلم عن المستورد قال: قال رسول الله ﷺ : (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم، فلينظر بما ترجع! وأشار بالسبابة).

стр. 1238

تفسير قوله تعالى: (إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم) لقد توعد تعالى بعد ذلك من لم ينفر إلى الغزو بقوله : ﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة:٣٩]. قوله تعالى: (إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم) أي: لنصرة نبيه وإقامة دينه. (ولا تضروه شيئاً) لأنه الغني عن العالمين، وإنما تضرون أنفسكم. وقيل: الضمير في قوله: (ولا تضروه) يعود على الرسول ﷺ أي: ولا تضروا رسول الله ﷺ شيئاً؛ لأن الله وعده النصر بكم أو بغيركم، ووعده كائن لا محالة. (والله على كل شيء قدير) أي: من التعذيب والتبديل ونصرة دينه بغيرهم، وفي هذا التوعد على من يتخلف عن الغزو من الترهيب الرهيب ما لا يقدر قدره.

стр. 1239

حالات تأكيد الجهاد وتحوله إلى فرض عين قال بعضهم: في الآية لزوم إجابة رسول الله ﷺ إذا دعا إلى الجهاد، وكذا دعاء الأئمة إليه، ومثل الجهاد الدعاء إلى سائر الواجبات، وفي ذلك تأكيد للوجوب. وكما هو معلوم أن هناك حالات يصير الجهاد فيها فرض عين على كل مسلم منها: حالة النفير العام، فإذا استنفر الإمام المسلمين وجب على جميع المسلمين أن ينفروا، فالنفير العام من الإمام يوجب تحول الجهاد إلى الوجوب العيني، ويتأكد ذلك من وجوه: الأول: ما ذكره من التوبيخ في قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا))، فهذا يؤكد الوجوب. الثاني: في قوله تعالى: ((اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ)) أي: ملتم إلى المنافع والدعة واللذات. الثالث: في قوله ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فهذا زجر. الرابع: في قوله تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ﴾ [التوبة:٣٨] فهذا تحقير لرأيهم. الخامس: ما عقب من الوعيد بقوله: ((إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)). السادس: ما بالغ فيه بقوله: ((عَذَابًا أَلِيمًا)). السابع: في قوله: ((وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ)). الثامن: في قوله: ((وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) ففيه تهديد.

стр. 1240

تفسير قوله تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا) قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]. قوله تعالى: (إلا تنصروه) أي: إلا تنصروه بالخروج معه في تبوك (فقد نصره الله) (إذ أخرجه الذين كفروا) أي: كفار مكة حين مكروا به فصاروا سبب خروجه، فخرج ومعه أبو بكر الصديق ﵁. (ثاني اثنين) حال من ضميره ﷺ ، أي: أحد اثنين. (إذ هما في الغار) بدل من أخرجه، والغار نقب في أعلى جبل ثور، وهو جبل في الجهة اليمنى من مكة على مسير ساعة، مكث فيه ثلاثاً؛ ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهما، ثم يسيرا إلى المدينة. (إذ يقول) هذا بدل ثان أي: رسول الله ﷺ . (لصاحبه) أي: أبي بكر ﵁. (لا تحزن) وذلك أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه أشفق من المشركين أن يعلموا بمكانهما، فيخلص إلى رسول الله ﷺ بأذى.

стр. 1241

عقيدة الرافضة في أبي بكر والصحابة كان حزن أبي بكر وخوفه من أجل رسول الله ﷺ ، ولا يظن أبداً ما يقول أعداء الله الشيعة الخبثاء الضالين: إن أبا بكر كان يشفق على نفسه هو، ولم يكن يشفق على الرسول ﵊! فهؤلاء المجرمون الشيعة يأتون إلى مناقب الصحابة بشيطنتهم ويحولونها إلى عداوات لله وللإسلام، فيأتون إلى هذا الموضع الذي هو من أعظم مناقب أبي بكر، فيقول هؤلاء الظالمون المعتدون -قبحهم الله-: إن الرسول ﵊ كان يعلم بأن أبا بكر منافق، وأنه غير صادق في الإسلام، والرسول ﷺ خشي إن تركه في مكة أن يدل المشركين عليه، فقال له جبريل: اصطحبه توقياً من أن يدل عليك والعياذ بالله! فانظر هذه القلوب المنكوسة لأعداء الله الرافضة، وما زال هناك من المخدوعين من يقول: هم إخواننا وهم مثل المذهب الحنبلي والشافعي والحنفي والمالكي! فالرافضة يضللون ويلبسون على الناس ويظهرون أنهم على ديننا، وهم يعادون أصحاب الرسول ﵊ ويكفرونهم ويقولون بردتهم، ويزعمون في خرافاتهم وهذيانهم أن أبا بكر تعرف على كاهن في الجاهلية، وأن هذا الكاهن قال له: سوف يظهر رجل ويكون نبياً، وأنت ستصحبه وتكون خليفة من بعده، فصوروا حياة أبي بكر على أنها عبارة عن تخطيط لنيل الإمارة والخلافة بعد وفاة النبي ﵊!! فالشيعة الرافضة في عدوانهم على أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما بلغوا الغاية في الخبث، حتى إنهم يسمون أبا لؤلؤة المجوسي قاتل عمر ﵁: بابا شجاع الدين، وعندهم عيد يدعى عيد بابا شجاع الدين؛ يحتفلون فيه بقتل عمر، ويمثلون عملية القتل وكأنهم يمتصون دمه، وهم يشربون العسل! وخرافاتهم وعدوانهم لا تنتهي في الحقيقة، وهم أعداء الدين في الحقيقة، ليسوا منا ولسنا منهم. إننا الآن نسمع عن حركة شيعية هنا في مصر في بعض المحافظات في الزقازيق والمنصورة وطنطا، وأخيراً ظهرت دار نشر تسمى دار الهدف للقبيح المدعو صالح الهرداني، ولا نتحرج بالتصريح باسم هذا المنتكس الذي كان ينسب فيما مضى على أنه من شباب أهل السنة، وظل يتجول بين الجماعات التكفيرية إلى أن استقر به المقام أن انتكس إلى المذهب الشيعي، والآن يؤلف كتباً مشحونة بالطعن والسب للصحابة رضي الله تعالى عنهم، ويدعو إلى إحياء مذهب الإمامية بصورة أو بأخرى، وله مطبوعات دار الهدف تقوم بنشرها هنا، ولهم جمعية أهل البيت، ومن ذهب إلى معرض القاهرة للكتاب يجد الجناح حافلاً بالكتب العدوانية الظالمة التي تهاجم الإسلام وتهاجم الصحابة رضي الله تعالى عنهم! لا يتبعن أي مسلم عنده بصيرة وعلم هؤلاء القوم، هؤلاء دجالون يستعملون بعض الشعارات التي تخدع الجهلة والطغام الرعاع مثل: الموت لأمريكا، مثل المظاهرات التي عملوها في مكة في مواطن الحج، ويشوشون على المسلمين عبادتهم، وكل هذا استغلال سياسي لنيل مآرب سياسية، وإلا فهم أكبر من يتآمر مع أمريكا على المسلمين في كل عصر وفي كل مصر، وقد تكلمنا عن هذا الموضوع بالتفصيل، ولكن يبدو أنه يحتاج إلى تذكير. إن هؤلاء المجرمين أعداؤنا وأعداء الإسلام وأعداء الدين وأعداء الصحابة، والحديث يطول، وبعض الناس ربما لم يكن قد طرق أمامه هذا الموضوع من قبل فيستغرب، ونرجو أن تكون هناك فرصة لنفصل في هذا الموضوع الخطير. هذه الآية هي منقبة وفضيلة لـ أبي بكر فقد كان أبو بكر يفدي الرسول ﵊ بدمه وروحه وماله، صدقه إذ كذبه الناس، وضحى بكل ماله في نصرة الله ورسوله ﵊، فكيف بهؤلاء الظالمين يحولون مناقب أبي بكر إلى أسوأ ما يمكن أن يظن بإنسان؟!

стр. 1242

فضائل أبي بكر الصديق ﵁ ابن القيم له في كتاب (الفوائد) عبارات طيبة في غاية الجمال والروعة في بيان جمال هذه العبارة (إن الله معنا). قال ﵊: (يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟! إن الله معنا)، فكان الله معهما في الغار بالنصر والتأييد، كان الله معهما؛ لأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه هو الوحيد الذي حظي بلقب خليفة رسول الله، فاجتمع في هذه الإضافة (إن الله معنا) الله ورسوله وخليفة رسول الله، وشاء الله أنه عندما تولى عمر الخلافة أرادوا أن يقولوا خليفة خليفة رسول الله، فقالوا: إن هذا يطول، فمن ثم رأى عمر الاقتصار على أن يسمى بأمير المؤمنين، فشاء الله أن يحتفظ أبو بكر بهذا اللقب؛ كي يبقى مستأثراً بهذه الفضيلة (إن الله معنا) فيقال: خليفة رسول الله، فالخليفة بجانب رسول وبجانب الله . وفضائل أبي بكر رضي الله تعالى عنه كثيرة، فسورة الفاتحة فيها فضيلة أبي بكر وذلك في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] فنحن ندعو الله أن يهدينا صراط الذين أنعم الله عليهم، وفي مقدمتهم بعد الأنبياء أبو بكر. وبين الله في آية أخرى صفة الذين أنعم عليهم فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء:٦٩]، والأمة مجمعة على تسمية أبي بكر بـ الصديق رضي الله تعالى عنه. وفي هذه الآية دليل على إمامة أبي بكر وأنه ممن يؤتسى ويقتدى به. ومن فضائله قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح:١٦]، فهنا رغبهم الله في طاعة من يأمرهم بقتال الأعراب المرتدين، فمن الذي قاتل هؤلاء؟ إنه أبو بكر، والله هنا يأمر بطاعته، وهذا حصل بعد وفاة النبي ﷺ . وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي بكر ﵁ قال: (نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رءوسنا، فقلت: يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، فقال: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!). نفس اليقين ونفس الجزم بنصرة الله ، كما وقع من موسى ﵇ لما أدركهم آل فرعون عند ساحل البحر الأحمر فقال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، البحر أمامنا والعدو خلفنا (إنا لمدركون) ماذا قال لهم موسى؟ ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، ثقة ما بعدها ثقة، وتوكل على الله ، وحسن ظن بالله، ويقين صادق، وهو لا يعرف كيف سيكون المخرج، لكن مع ذلك هو واثق من أن الله الذي وعده بالنصر والنجاة سينجز وعده، كذلك قال النبي ﷺ : (لا تحزن إن الله معنا) (يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما). ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٤٠] أي: أمانته التي تسكن عندها القلوب. (عليه) أي: على النبي ﷺ . ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة:٤٠] أي: أنزل الملائكة؛ ليحرسوه في الغار، أو ليعينوه على العدو يوم بدر والأحزاب وحنين، فتكون الجملة معطوفة على قوله: (نصره الله). وقوى أبو السعود الوجه الثاني بأن الأول يأباه وصفهم بعدم رؤية المخاطبين لهم. ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ [التوبة:٤٠] أي: المغلوبة المقهورة. والكلمة هي الشرك أو دعوة الكفر، فهو مجاز عن معتقدهم الذي من شأنهم التكلم به على أنها الشرك، أو هي بمعنى الكلام مطلقاً على أنها دعوة الكفر. ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة:٤٠] أي: التوحيد أو دعوة الإسلام التي لا تزال عالية إلى يوم القيامة. (وكلمة الله) بالرفع على الابتداء. (هي العليا) مبتدأ وخبر، أو تكون (هي) ضمير فصل. وقرئ بالنصب أي: (وجعل كلمةَ الله) والأول أوجه وأبلغ؛ لأن الجملة الاسمية تدل على الدوام والثبوت، وأما الجعل لم يتصرف لها؛ لأنها في نفسها عالية لا يتبدل شأنها ولا يتغير حالها، كلمة الله عالية في كل حال. ولذلك في هذه القراءة: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ [التوبة:٤٠]، اقتصر على جعل (كلمة الذين كفروا السفلى) لكن ابتدأ بداية جديدة فقال: (وكلمة الله هي العليا) ولم يقل: وكلمةَ الله هي العليا، وهذا أوجه كما رجحه القاسمي، فـ (كلمة الله هي العليا) تكون جملة من مبتدأ وخبر؛ لأنها تدل على الثبات والدوام، وعدم تعرضها للتغيير والتبديل. وفي إضافة الكلمة إلى الله إعلاء لمكانها، وتنويه لشأنها. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ [التوبة:٤٠] أي: غالب على ما أراد. ﴿حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٤٠] في حكمه وتدبيره. قال بعض المفسرين: استدل على عظيم محل أبي بكر ﵁ من هذه الآية من وجوه: منها: قوله تعالى: (إذ يقول لصاحبه لا تحزن). وقوله: (إن الله معنا). وقوله: (فأنزل الله سكينته عليه) قيل: على أبي بكر؛ لأنه كان خائفاً، وهو المحتاج إلى الأمن، وقيل: على الرسول ﷺ . قال جار الله الزمخشري: وقد قالوا: من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر؛ لإنكار كلام الله، وليس ذلك لسائر الصحابة؛ لأن الله هنا قال: (إذ يقول لصاحبه)، فالآية هنا تثبت صحبة أبي بكر للنبي ﷺ . وعن أبي بكر ﵁ قال: أنا والله صاحبك، فمن هنا قالت المالكية: من أنكر صحبة أبي بكر كفر وقتل بخلاف غيره من الصحابة لنص القرآن على صحبته. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لـ أبي بكر: (أنت صاحبي على الحوض، وصاحبي في الغار). أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. وقد ساق الفخر الرازي اثني عشر وجهاً من هذه الآية على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه فأطال وأطاب.

стр. 1243

تفسير سورة التوبة [٤١ - ٥٩]

стр. 1244

تفسير قوله تعالى: (انفروا خفافاً وثقالاً) قال الله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٤١]. لما توعد الله ﵎ من لا ينفر مع الرسول ﷺ إلى تبوك، وضرب له من الأمثال ما فيه أعظم مزدجر؛ أتبعه بهذا الأمر الجازم، فقال : (انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله). (خفافاً وثقالاً) إعرابها: حالان من ضمير المخاطبين من الواو، أي: انفروا على أي حال كنتم، خفافاً لنشاطكم لهذا النفور، وثقالاً عنه لمشقته عليكم. أو: انفروا خفافاً: لقلة عيالكم وأذيالكم، أو ثقالاً: لكثرتها. أو: خفافاً: من السلاح، وثقالاً منه. أو: خفافاً وثقالاً: ركباناً ومشاة. أو: خفافاً وثقالاً: شباباً وشيوخاً. أو: خفافاً وثقالاً: مهازيل وسماناً. واللفظ الكريم يعم ذلك كله، والمراد: انفروا حال سهولة النفر وحال صعوبته. وقد روي عن ثلة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم ما كانوا يتخلفون عن غزاة قط، ويستشهدون بهذه الآية، وفريق من الصحابة ﵃ كانوا يرون أن هذه الآية محكمة، وأنها تفرض الجهاد والغزو فرضاً عينياً على كل مسلم، ولم تعذر أحداً في التخلف عن الجهاد، ولذلك كانوا لا يتخلفون أبداً عن غزوة من الغزوات. ولما كانت البعوث إلى الشام قرأ أبو طلحة رضي الله تعالى عنه سورة براءة، حتى أتى على هذه الآية فقال بمجرد أن سمع هذه الآية: أرى ربنا استنفرنا شيوخاً وشباباً، جهزوني يا بني! مع أنه كان شيخاً كبيراً، فقال بنوه: يرحمك الله! قد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى مات، ومع أبي بكر ﵁ حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فقال: ما سمع الله عذر أحد يعني: ما استجاب الله عذر أحد؛ لأن الله قال: (خفافاً وثقالاً)، فشملت جميع المسلمين، ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قتل رضي الله تعالى عنه. وكان أبو أيوب الأنصاري ﵁ يقرأ هذه الآية ويقول: فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً، ولم يتخلف عن غزاة المسلمين إلا عاماً واحداً. وقال أبو راشد الحراني: وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول الله ﷺ جالساً على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص، وقد فطن عنها يريد الغزو، فقلت له: قد أعذر الله إليك، فقال: أتت علينا سورة البعوث: (انفروا خفافاً وثقالاً). وعن حيان بن زيد قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو وكان والياً على حمص، فرأيت شيخاً كبيراً هرماً من أهل دمشق على راحلته فيمن أراح، قد سقط حاجباه على عينيه، يعني: رآه على راحلته مع أنه كان شيخاً كبيراً، وسقوط الحاجب على العينين يكون في حالة الشيخوخة المتأخرة جداً. يقول: فأقبلت عليه، فقلت له: يا عم! لقد أعذر الله إليك، قال: فرفع حاجبيه، فقال: يا ابن أخي! استنفرنا الله خفافاً وثقالاً، ألا إنه من يحبه الله يبتليه، ثم يعيده الله فيبقيه، وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر، ولم يعبد إلا الله . روى ذلك كله ابن جرير ﵀. فرحم الله تلك الأنفس الزكية! وحياها من بواسل باعت أرواحها في مرضاة ربها وإعلاء كلمته، وأكرمت نفسها عن الاغترار بزخارف هذه الحياة الدنية! أيها الإخوة! الحديث ذو شجون في هذا الموضع بالذات، ولولا أننا نلتزم بالاجتهاد بالاختصار حتى ننجز القدر المطلوب إنجازه، لأفضنا في تفصيل الكلام، ومقارنة أوضاع المسلمين التي ما كان أي مسلم من قبل يتصور أو يحلم مجرد حلم في المنام أننا سنصل إلى هذا المستوى الذي نحن فيه الآن، ليس فقط من ناحية التقاعس عن الجهاد والاستسلام والتخاذل أمام أعداء الله وأعداء الدين، وإنما أيضاً تغيير المفاهيم لدى الناس حتى صارت قضية الجهاد قرينة لرمي الناس بالتطرف والعنف والإرهاب. إلى آخر هذه المسميات. روى الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: أن بعض الملوك عاهد كفاراً على ألا يحبسوا أسيراً من أسرى المسلمين، فدخل رجل من المسلمين جهة بلادهم، فمر على بيت مغلق، فنادته امرأة: إني أسيرة، صرخت هذه المرأة من وراء هذا البيت وقالت له: إني أسيرة فأبلغ صاحبك خبري، فلما عاد إلى الأمير، واستطعمه عنده، وتجاذبا أطراف الحديث، ففي أثناء الكلام انتهى الخبر إلى هذه المرأة المعذبة، فما أكمل حديثه حتى قام الأمير على قدميه، وخرج غازياً من فوره، ومشى إلى الثغر، حتى أخرج الأسيرة واستولى على الموضع -رحمه الله تعالى- وحرر هذه الأسيرة!! ومواقف المسلمين في ذلك معروفة، لا أقول في الصدر الأول ولكن حتى إلى عهد قريب، فالدولة العثمانية رغم أنها كانت في حالة ضعف شديد، إلا أنه كان لها من الهيبة والصولة والجولة ما هو معلوم، حتى كان المندوب العثماني إذا نزل في إحدى العواصم الأوروبية يمتنعون عن دق أجراس الكنائس احتراماً له، وفي نفس الوقت خوفاً من أن يغضبوه إذا سمع صوت الأجراس فيؤدبهم. وقرأت في كتاب تاريخ الدولة العالية لـ محمد فريد في أحد الخطابات: أن مندوب إحدى الدول الأوروبية -لعلها المجر أو نحوها- ذهب للخليفة العثماني، وطلب منه طلباً معيناً: أن يحمي بلاده، أو أن يحسن إليهم، أو شيء من هذا، فمقدمة الرد السلطاني أو الباب العالي -كما كانوا يسمونه- بدأ بذكر مقدمة طويلة من الجواب يقول فيها: إن الغازي ابن الغازي ابن سليل المجد كلها مجد وتفخيم واستعلاء من هذا الكاتب، وفي النهاية جملة قصيرة، بعد أن مدح الخليفة بهذه المدائح الطويلة جداً، انتهت بقوله: فقد رأى -يعني: جلالة السلطان المعظم- أن ينظر إلى طلبكم بعين الشفقة، واستجاب لهذا الطلب، وأنعم عليكم بتلبيته. هذا موجود في تاريخ الدولة العالية. فالشاهد: أننا بعد هذا العز انظر كيف حولوا تركيا التي كانت مركز خلافة الإسلام إلى بؤرة فساد، وشر على مجاوريها من البلاد الإسلامية، المهم أن واقعنا في الحقيقة مؤلم إلى حد يجب فيه أننا نتحسر على هذا الواقع، تماماً كما تحسر القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى حين قال: ولقد نزل بنا العدو قصمه الله سنة سبع وعشرين وخمسمائة، فجاس ديارنا، وأسر خيراتنا، وتوسط بلادنا في عدد هال الناس عدده، وكان كثيراً وإن لم يبلغ ما حددوه، فقلت للوالي والمولى عليه -نصح الحاكم والرعية-: هذا عدو الله قد حصل في الشرك والشبكة، يعني: أراد أن يشجع الوالي والرعية، فقال لهم: أي فرصة أحسن من هذه الفرصة، صار الأعداء موجودين داخل دياركم في الشبكة، والإمام القاضي أبو بكر بن العربي رجل أديب، على أرقى مستوى من الأدب، فانظر كيف كان تناوله مثل هذه القضايا بأسلوبه العذب البليغ. يقول: فقلت للوالي والمولى عليه: هذا عدو الله قد حصل في الشرك والشبكة، فلتكن عندكم بركة، ولتظهر منكم إلى نصرة الدين المتعينة عليكم حركة، فليخرج إليه جميع الناس، حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار فيحاط به، فإنه هالك لا محالة إن يسركم الله له؛ فغلبت الذنوب، ورجفت القلوب بالمعاصي، وصار كل أحد من الناس ثعلباً يأوي إلى وجاره، -الوجار هو: جحر الضبع- وإن رأى المكيدة بجاره، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ثم رغب ﵎ في النفقة في سبيله، وبذل المهج في مرضاته ومرضاة رسوله ﷺ ، فبعدما قال: (انفروا خفافاً وثقالاً) قال: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٤١]. وفي اسم الإشارة: (ذلكم) إشارة إلى النفير والجهاد، وفي معنى البعد الإيذان بأن منزلته رفيعة لبعد منزلته بالشرف، والمراد بكونه خيراً: أنه خير في نفسه أو: خير من الدعة والتمتع بالأموال.

стр. 1245

تفسير قوله تعالى: (لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك) صرف الله تعالى الخطاب عن المتخلفين، ووجهه إلى رسول الله ﷺ معدداً لما صدر عنهم من الإهانات قولاً وفعلاً، ومبيناً لدناءة هممهم في هذا الخطب، فقال : ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة:٤٢]. (لو كان عرضاً قريباً) يعني: لو كان هذا الذي تدعوهم إليه عرضاً قريباً ونفعاً سهل المأخذ، (وسفراً قاصداً) أي: سفراً وسطاً ليس كهذا السفر البعيد إلى تبوك؛ (لاتبعوك)، لا لأجلك ولكن لموافقة أهوائهم، (ولكن بعدت عليهم الشُقة) أو (الشِقة) قرئ بالضم وبالكسر، يعني: بعدت عليهم الناحية التي ندبوا إليها، وسميت الناحية التي يقصدها المسافر الشقة؛ للمشقة التي تلحقه في الوصول إليها، والناحية التي يقصدها المسافر غالباً تكون بعيدة، ولذلك هذه الناحية التي تقصدها تسمى الشقة، مأخوذة من المشقة التي تلحقه في الوصول إليها. (وسيحلفون بالله): هؤلاء المتخلفون عن غزوة تبوك (سيحلفون بالله) (بالله) متعلق بكلمة (سيحلفون) يعني: سيحلفون بالله أو سيحلفون قائلين: بالله، يعني: كأنه من جملة كلامهم يعني: سيحلفون عند رجوعك من غزوة تبوك معتذرين بالعجز ويقولون: بالله لو استطعنا لخرجنا معكم إلى تلك الغزوة. ثم بين تعالى أن هذه الدعوى الكاذبة والحلف لا يفيدانهم؛ لأن المنافق دائماً من شأنه الاستجنان بالأيمان الكاذبة ويتخذها جنة ووقاية يحتمي وراءها. (يهلكون أنفسهم) أي: بهذا الحلف والمخالفة ودعوى العجز. (والله يعلم إنهم لكاذبون)؛ لأنهم بالفعل كانوا يستطيعون الخروج مع النبي ﷺ .

стр. 1246

تفسير قوله تعالى: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣]، لم أذنت لهؤلاء المنافقين في التخلف حين اعتلوا بعللهم؟! (حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين)، هلا تركتهم لما استأذنوك فلم تأذن لأحد منهم بالقعود؛ لتعلم الصادق منهم في إظهار طاعتك من الكاذب، فإنهم قد كانوا مصرين على القعود عن الغزوة، ولهذا أخبر تعالى أنه لا يستأذنه في القعود عن الغزو أحد يؤمن بالله ورسوله ﷺ فقال: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٤٤]، (لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله)؛ لأنهم يؤمنون بالله، فالإيمان يمنعهم من مخالفة أمر الرسول ﵊ بالخروج مع وجود القدرة، فالمؤمن إذا وجد في قلبه الإيمان والقدرة لا يتخلف عن الطاعة. (لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله)؛ لأن الإيمان بالله يمنع عن التخلف مع القدرة. (واليوم الآخر): لأن الشخص الذي يؤمن بالله واليوم الآخر يمنعه ذلك من ترك استبدال الثواب والحياة الأبدية إذا أغروه بعرض من الدنيا قليل. (أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم)؛ لأنهم يعتبرون الجهاد بها قربة، ويضحون بها في التقرب إلى الله فيبذلونها في سبيله. (والله عليم بالمتقين) أي: فيعطيهم من الأجر ما يناسب تقواهم، ففيه شهادة لهم بالانتظام في زمرة الأتقياء، ووعده لهم بأجزل الثواب. ((إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ)) أي: إنما يستأذنك في ترك الجهاد بالأموال والأنفس في سبيل الله: الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، إذ لا يرجون ثوابه، وهم المنافقون، ولذا قال تعالى: (وارتابت قلوبهم)، فيما تدعوهم إليه، ورسخ فيها الريب والشك، (فهم في ريبهم يترددون) أي: ليست لهم قدم ثابتة في شيء، فهم قوم حيارى هلكى، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

стр. 1247

علو مقام النبي ﵊ عند ربه اعلم أن في تصديره تعالى فاتحة الخطاب ببشارة العفو دون ما يوهم العتاب من مراعاة جانبه ﷺ ، وتعهده بحسن المفاوضة، ولطف المراجعة؛ ما لا يخفى على أولي الألباب، وهذا في غاية التلطف والعناية من الله برسوله ﷺ ؛ فإن الله علم أنه لو جابه خليله ﷺ بالعتاب ربما ذهبت نفسه شفقة من هذا العتاب، لو قال له: لماذا أذنت لهم؟ لانشق قلبه ﷺ فزعاً وجزعاً، فمن لطف الله به، ومحبته لنبيه ﷺ ، طمأنه أولاً فقال: (عفا الله عنك)، يعني: ما سيأتي من العتاب معفو عنك فيه فلا تجزع؛ تلطفاً بالنبي ﷺ ، ورعاية لجانبه ﵊. (عفا الله عنك لم أذنت لهم)، كي يطمئنه أولاً، كي لا يجزع النبي ﵌، (عفا الله عنك)؛ فبشره أولاً بالعفو دون أن يأتي بما يوهم العتاب. قال سفيان بن عيينة: انظروا إلى هذا اللطف! بدأ بالعفو قبل ذكر المعفو، وهذه الآية من المواضع التي يتكلم فيها المصنفون في الخصائص النبوية، والتي يتحدثون فيها عما اختص الله به نبيه ﷺ من الخصائص في القرآن والسنة، فهذه من خصائص القرآن الكريم، وفيها بيان علو مقام النبي ﵌ عند ربه . وقال بعض المفسرين: (عفا الله عنك) في افتتاح الكلام كما تقول: أصلحك الله وأعزك. وقال الداودي: إنها تكرمة، ويؤيد ذلك قول علي بن الجهم وهو يخاطب المتوكل وقد أمر بنفيه: عفا الله عنك ألا حرمة تعود بعفوك أن أبعدا ألم تر عبداً عدا طوره ومولى عفا ورشيداً هدى أقلني أقالك من لم يزل يقيك ويصرف عنك الردى وما اشتهر من كون العفو لا يكون إلا عن ذنب؛ غير صحيح، فهذه من المواضع التي زل فيها الزمخشري، بل ضل، وبنى كلامه على أن العفو لا يكون إلا عن ذنب، فالواجب تفسير كلمة العفو في كل مقام بما يناسبه. قال الشهاب: وعبارة: (عفا الله عنك) تستعمل حيث لا ذنب، ولا تعني وقوع ذنب، كما تقول لمن تعظمه: عفا الله عنك ما صنعت في أمري؟ هذا شخص تعظمه ومع ذلك تقول له: عفا الله عنك، فلا يستلزم ذلك أنه يكون قصر في حقك أو أذنب، وإنما هذه تكون في المخاطبات، وفي الحديث: (عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له)، يقول المحقق: لم أقف على هذا الحديث. وقال السخاوندي: هو تعليم لتعظيمه ﷺ ، يعني: المقصود من هذا السياق: تعليم الأمة كيفية تعظيم النبي ﷺ ؛ لأنه إذا كان ربه يخاطبه هذه المخاطبة، ويتلطف به هذا التلطف؛ فعلينا أيضاً أن نلزم هذا الأدب في مقامه وجنابه ﵌، ولولا تصدير العفو في الخطاب لما قام بصولة العتاب. وقال القاضي عياض في الشفا في التعريف بحقوق المصطفى، وهذا كتاب من الكتب الأساسية، ولا يليق أبداً بطالب علم أن يفرط فيه، كما أن طالب العلم لا يليق به أنه لا يقرأ في رياض الصالحين، والأذكار النووية، وزاد المعاد، وهذه الكتب من الطبيعي جداً لطالب العلم أن يمر عليها، ولا يليق به أبداً أن يمر عمره دون أن يطلع على هذه المجموعة من الكتب. يقول القاضي عياض: وأما قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣]، فأمر لم يتقدم للنبي ﷺ فيه من الله نهي فلا يعد معصية، ولم لا يعد معصية؟ لأنها لا تكون معصية إلا إذا تقدم فيما مضى نهي خالفه النبي ﵊ بذلك، وكون هذا الفعل لم يتقدمه نهي فيبعد أن يكون معصية، والله لم يعدها عليه معصية، بل لم يعده أهل العلم معاتبة، وغلطوا من ذهب إلى ذلك، وحتى القول بأنها معاتبة اعترض عليه بعض العلماء وقالوا: هذه ليست معاتبة. قال نفطويه: وقد حاشاه الله من ذلك، بل ما كان مخيراً في أمرين، وقد كان له أن يفعل ما يشاء فيما لم ينزل عليه وحي، فما دام لم ينزل وحي ينهاه عن الإذن لهؤلاء المنافقين فهو بالخيار في ذلك ﵌، كيف وقد قال تعالى: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور:٦٢]؟! فأيدوا بهذه الآية القول بأنه لا عتاب، حتى العتاب غير مقصود في هذه الآية، كيف ولم يتقدم وحي ينهاه؟ ثم أيضاً الله خيره فقال: (فأذن لمن شئت منهم)، فلما أذن لهم أعلمه الله بما لم يطلع عليه من سرهم، ولو لم يأذن لهم لقعدوا لنفاقهم، فالآن هم يتسترون وراء إذن النبي ﵇، فالله بين لنبيه أنهم أضمروا شراً، وعزموا بالفعل على التخلف، فلو لم تأذن لهم لافتضحوا وظهر هذا الذي معهم، وهم في الحالتين سواء أذنت لهم أو لم تأذن لهم ما كانوا ليخرجوا، وقد عقدوا قلوبهم على التخلف. يقول: فلما أذن لهم أعلمه الله بما لم يطلع عليه من سرهم، وأنه لو لم يأذن لهم لقعدوا لنفاقهم، وأنه لا حرج عليه فيما فعل، وليس عفا هنا بمعنى: غفر، بل كما قال النبي ﷺ : (عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق)، ولم تجب عليهم قط، يعني: لم يلزمهم ذلك، وهذا الحديث رواه ابن ماجة. ونحوه للقشيري قال: وإنما يقول: العفو لا يكون إلا عن ذنب. من لم يعرف كلام العرب، وهذا تعريض بـ الزمخشري؛ لأنه هو الذي قال هذه العبارة، قال: ومعنى عفا الله عنك أي: لم يلزمك ذنباً، وقد عد ما وقع في الكشاف هنا من قبيح سقطاته، ومن عورات الكشاف للزمخشري في هذه الآية أنه عبر هذا التعبير الذي رفضه العلماء حينما قال: إن العفو لا يكون إلا عن ذنب. وللعلامة أبي السعود مناقشة معه في ذلك، أوردها لبلوغها الغاية في البلاغة، قال ﵀: ولقد أخطأ وأساء الأدب، وبئسما فعل فيما قال وكتب من زعم أن الكلام كناية عن الجناية، وأن معناه أخطأ وبئسما فعل، هب أنه كناية، أليس إيثاره على التصريح بالكناية للتلطيف في الخطاب والتخفيف في العتاب؟! يعني: حتى لو كانت جناية ألا تلاحظ التلطف هنا في هذا، فكيف يعبر هذا التعبير القبيح؟ لأن هذا لا يليق في حق النبي ﷺ . وهب أن العفو مستلزم لكونه من القبيح، واستتباع اللائمة، بحيث هذه المرتبة من المشافهة بالسوء، أو يسوغ إنشاء الاستقباح بكلمة بئسما -وهو في التفسير قال: بئسما- أيجوز استعمال هذه العبارة المنبئة عن بلوغ القبح إلى ردة يتعجب منها؟ لأن بئس هذه يتعجب فيها بالذم، فأين هو في قوله: بئسما ما فعلت، من تعظيم الله نفسه لنبيه وتلطفه معه في الخطاب؟! ولا يخفى أنه لم يكن في خروجهم مصلحة للدين، أو منفعة للمسلمين، بل كان فيه فساد وخبال، حسبما نطق به قوله : ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة:٤٧]، وقد كرهه الله ، أي: أن خروجهم كان مبغوضاً لله؛ لأن الله قال: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]، فقد كان الأولى تأخير الإذن حتى يظهر كذبهم آثر ذي أثير يعني: أول كل شيء، كان يبدو من الأول، ويفتضحون من أول كل شيء، نعم كان الأولى تأخير الإذن، حتى يفتضحوا على رءوس الأشهاد، ولا يتمكنوا من التمتع بالعيش بالأمن والدعة، ولا يتسنى لهم الابتهاج فيما بينهم؛ لأنهم غروه ﷺ وأرضوه بالأكاذيب، على أنه لم يهنأ لهم عيش ولا قرت لهم عين، إذ لم يكونوا على أمن واطمئنان، بل كانوا على خوف من ظهور أمرهم وقد كان. قال الخفاجي: وحاول بعضهم توجيه كلام الكشاف بأن مراده أن الأصل فيه ذلك. بعضهم يحاولون أن يخففوا من الخطأ الذي ارتكبه الزمخشري فقالوا: إنه يقصد أن الأصل في استعمال هذا التعبير: (عفا الله عنك) أنه يكون فيما يكون فيه جناية، فأبدله بالعفو تعظيماً لشأنه، وإذا قدم العفو على ما يوجب الجناية فلا خطأ فيه، قال ﵀: ولو اتقى هو والموجه موضع التهم كان أولى وأحرى.

стр. 1248

غائلة الاستئذان والتثاقل في الخروج للجهاد استدل بهذه الآية على أن النبي ﷺ كان يحكم أحياناً بالاجتهاد، كما قال الرازي. وقال السيوطي في الإكليل: استدل بها من قال: إن اجتهاده قد يخطئ، ولكن ينبه عليه بسرعة. قال الرازي: دلت الآية على وجوب الاحتراز عن العجلة، ووجوب التثبت والتأني، وترك الاغترار بظواهر الأمور، والمبالغة في التفحص، حتى يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستحقه من التقريب والإبعاد. وقيل: نفي الفعل للمستقبل الدال على الاستمرار في قوله تعالى: (لا يستأذنك) معناه: أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا، (لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر). قال الناصر: وهذا الأدب يجب أن يقتفى مطلقاً، فلا يليق بالمرء أن يستأذن أخاه في أن يجزي له معروفاً، كما يقول الله : ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ [التوبة:٤٤] إلى آخره، فهذا بيان أن هذا شأن المؤمنين، وأنه لا يقع منهم هذا الفعل، فهو ينفي هذا الأمر ووقوعه في المستقبل، وواضح أن هذه الصيغة تفيد الاستمرار. فهذا الأدب ينبغي أن يتحراه ويقتفيه المؤمن مطلقاً، فلا يليق المرء أن يستأذن أخاه في أن يجزي له معروفاً، ولا بالمضيف أن يستأذن ضيفه في أن يقدم إليه طعاماً، إذ ليس من الأدب ولا المروءة أن تقول للضيف: هل أكلت أم لا؟ لكن تحضر الطعام، هذا هو الكرم، وهذه هي المروءة الإسلامية، يحضر له الطعام ما دام يملكه؛ لأنه قد يحرج ويقول لك: لا، لكن الأصل أن الإنسان يقدم الطعام دون استئذان. وعندما نراجع أخلاق الخليل إبراهيم ﵇، فإنه ما قال لهذا الوفد الذي أتاه: هل أحضر لكم طعاماً؟ أو: هل أنتم محتاجون إلى طعام؟ لا، المقصود من أدب الأخوة: ألا يحوج أخاه أن يطلب منه شيئاً، يعني: إذا انتظرت حتى يطلب منك أخوك الإعانة على معروف أو على أمر يحتاجه، فهذه درجة متدنية من الأخوة، ومن التقصير أن يحوج أخاه إلى أن يطلب منه، والمقصود: أنه يتوخى ويتحرى حاجة أخيه، وكيف يسدها له قبل أن يلجئه إلى الطلب منه. يقول هنا: فلا يليق بالمرء أن يستأذن أخاه في أن يجزي له معروفاً، ولا بالمضيف أن يستأذن ضيفه في أن يقدم إليه طعاماً، فإن الاستئذان في أمثال هذه المواطن أمارة التكلف والتكره، وصلوات الله على خليله وسلامه، لقد بلغ من كرمه وأدبه مع ضيوفه أنه كان لا يتعاطى شيئاً من أسباب التهيؤ للضيافة بمرأى منهم، أي: أنه لم يكن يظهر أمامهم استعداداً بأنه يهيئ نفسه للضيافة، فلذلك مدحه الله تعالى على لسان رسوله ﵌ بهذه الخلة الجميلة والآداب الجليلة، فقال ﵎: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] (فراغ) أي: اختفى وما أظهر لهم أنه يستعد وليس بمرأى من ضيوفه، فلا يتصل بالتليفون بالمحل أمام الضيوف أحضر كذا وكذا، ولا يظهر أنه يعد طعاماً، لا، بل اختبأ يعد في السر، ثم يعرضه عليهم، والمهتم بأمر ضيفه ربما يعد كالمستأذن له في الضيافة، إن كان معك ضيف وفي الطريق تشتري له كذا وكذا من المشروب والأكل، هذا أيضاً فيه إظهار التهيؤ للضيافة، وكأنك تستأذنه: هل أضيفك أم لا؟! والكريم يعرض الطعام على الضيف ثم إذا شاء أكل، وإن شاء امتنع عن الطعام، لكن لا يستأذن الضيف، فهذا من الآداب التي ينبغي أن يتمسك بها ذوو المروءة وأولو القوة. وأشد من الاستئذان في الخروج للجهاد ونصرة الدين: التثاقل عن المبادرة إليه، وإذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم من شأنهم لعلو كعبهم في الإيمان وشرفهم وعلو هممهم، لا يمكن أن يقع منهم أبداً استئذان في الخروج عن الجهاد، ولا يمكن أن يستأذنوا أبداً، فهذا ليس من شأن المؤمنين: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ [التوبة:٤٤]. وأشد من ذلك ليس فقط الاستئذان كما فعل المنافقون، بل أشد من ذلك أيضاً: التثاقل عن المبادرة إليه بعد الحض عليه والمناداة، فقد حضهم الرسول ﵇ وناداهم وكلفهم، ثم بعد ذلك اعتذروا واستأذنوا في الخروج! وأسوأ أحوال المتثاقل وقد دعي الناس إلى الغزاة: أن يكون متمسكاً بشعبة من النفاق، نعوذ بالله من التعرض لسخطه!

стр. 1249

تفسير قوله تعالى: (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة) بين الله تعالى جلياً شأن أولئك المنافقين المستأذنين بأنهم لم يريدوا الخروج للجهاد حقيقة، ولذلك خذلهم، فقال : ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦]. (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة) يعني: قوة من مال وسلاح وزاد، ونحو هذا. (ولكن كره الله انبعاثهم) أي: نهوضهم للخروج، (فثبطهم) كسلهم وضعف رغبتهم، (وقيل اقعدوا مع القاعدين) يعني: مع النساء والصبيان. ودل قوله تعالى: (لأعدوا له عدة) على أن عدة الحرب من الكراع والسلاح، وجميع ما يستعان به على العدو هو من جملة الجهاد، فما صرف في المجاهدين صرف في ذلك، يعني: الزكاة مثلاً إذا أخرجت في سبيل الله تصرف أيضاً في العدة من السلاح وغيره، وهذا جلي فيما يتقوى به من العدة كالسلاح، فأما ما يحصل به الإرهاب من الرايات والطبول ونحو ذلك مما يضعف به قلب العدو فهو داخل في الجهاد، يعني: دخول السلاح دخول جلي، أما هذه الأشياء فالظاهر أنها أيضاً تدخل فيه، وقد قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]، ويكون ذلك كلباس الحديد حالة الحرب، وهذا جلي حيث لا يؤدي إلى الترف. ((وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ))، للإمام منع من يتهم بمضرة المسلمين أن يخرج للجهاد، فإذا علم من شخص أنه مثبط مخذل، أو يخرج لأجل الإضرار، أو يتجسس على المسلمين؛ فللإمام أن يمنعه من الخروج، فله نفي الجاسوس والمرجف والمخذل. (وقيل اقعدوا مع القاعدين) قيل: إنه تمثيل لإلقاء الله تعالى كراهة الخروج في قلوبهم، يعني: نزل خلق داعية القعود فيهم منزلة الأمر والقول؛ كقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٣]، قال: موتوا يعني: أماتهم ثم أحياهم. أو هو تمثيل لوسوسة الشيطان بالأمر بالقعود، أو هو حكاية قول بعضهم لبعض، أو هو إذن الرسول ﷺ لهم بالقعود. وقوله: (ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا)، كان يمكن أن يقول: وقيل: كونوا مع القاعدين، لكن قال: (اقعدوا مع القاعدين). قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى قوله: (مع القاعدين)؟ قلت: هو ذم لهم وتعجيز وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى، الذين شأنهم القعود والجثوم في البيوت، وهم القاعدون والخالفون والخوالف، ويبينه قوله تعالى: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة:٨٧]، وهذا وصف لهم بدناءة وخفة الهمة أن يرضوا بأن يكونوا مع النساء والصبيان وهؤلاء الخوالف. قال الناصر: وهذا من تنبيهاته الحسنة -أي: الزمخشري -، ونزيده بسطاً فنقول: لو قيل: اقعدوا مقتصراً عليه لم يفد سوى أمرهم بالقعود، وكذلك لو قال: كونوا مع القاعدين، فإن كلاهما يفيد الأمر بالقعود وحسب، ولا تحصل هذه الفائدة من إلحاقهم بهؤلاء الأصناف الموصوفين عند الناس بالتخلف والتقاعد، لكن لما قال: (اقعدوا مع القاعدين) أي: رضيتم لأنفسكم أن تندرجوا في وسط النساء والصيبان، واستويتم بالنساء والصبيان والمرضى الذين أمراضهم مزمنة؟! ولعن الله فرعون لما بالغ في توعد موسى ﵇ بقوله: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء:٢٩]، ولم يقل: لأجعلنك مسجوناً، لمثل هذه النكتة من البلاغة: (لأجعلنك من المسجونين) يعني: من المسجونين الذين تعرف حالهم، وما يعانونه من كذا وكذا، وهذه الفائدة لا تظهر لو قال: (لأسجننك)، أو لأجعلنك مسجوناً، لكن قال: (لأجعلنك من المسجونين).

стр. 1250

تفسير قوله تعالى: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً) ثم بين تعالى سر كراهته لخروجهم فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧]. (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً) أي: إلا فساداً وشراً. (ولأوضعوا خلالكم) لأسرعوا السير والمشي بينكم بالفساد. قال الشهاب: الإيضاع: إسراع سير الإبل، يقال: وضعت الناقة تضع إذا أسرعت، وأوضعتها أنا، والمراد هنا: ولأوضعوا خلالكم: أسرعوا وتحركوا في وسط صفوفكم بالنمائم -جمع: نميمة- ينشرون النميمة والإفساد بين صفوف المسلمين، ولذلك قال تعالى هنا: (ولأوضعوا خلالكم) يعني: أوضعوا، كأنهم يركبون الإبل ويتحركون بها وسط المسلمين ليشيعوا النميمة والإفساد. فقيل: المفعول مقدر وهو النمائم، ولأوضعوا خلالكم، يعني: النمائم، فشبه النمائم بالركائب في جريانها وانتقالها، وأثبت لها الإيضاع، ففيه استعارة تخييلية أو مكنية، وقيل: شبه سرعة إفسادهم لذات البين بالنميمة بسرعة سير الركائب، ثم استعير لها الإيضاع وهو للإبل. (ولأوضعوا خلالكم) جمع خلل. (يبغونكم الفتنة) يطلبون لكم ما تفتنون به لإيقاع الخلاف فيما بينكم، وإلقاء الرعب في قلوبكم، وإفساد نياتكم. (وفيكم سماعون لهم) منقادون لقولهم، مستحسنون لحديثهم، وإن كانوا لا يعلمون حالهم لضعف عقولهم؛ فيتوهمون منهم النصح والإعانة، وهم يريدون التخذيل والفتنة، فيؤدي إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير. وقال مجاهد وزيد بن أسلم وابن جرير: أي: فيكم عيون وفيكم سماعون لهم؛ وقيل: فيكم عيون يسمعون لهم أخباركم وينقلونها إليهم، وهذا لا يبقى له اختصاص بخروجهم معهم، بل هذا عام في جميع الأحوال، والمعنى الأول أظهر في المناسبة للسياق، وإليه ذهب قتادة وغيره من المفسرين. (والله عليم بالظالمين) يعني: لا يخفى عليه شيء من أمرهم، وفيه شمول للفريقين: القاعدين والسماعين.

стр. 1251

تفسير قوله تعالى: (لقد ابتغوا الفتنة من قبل) ثم برهن تعالى على ابتغائهم الفتنة في كل مرة، أي: أن هذا مجرب، وهو ديدنهم ودأبهم فيما مضى، قال الله تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٤٨] أي: طلبوا الشر بتشتيت شملك وتفريق صحبك عنك من قبل غزوة تبوك، كما فعل عبد الله بن أبي بن سلول حين انصرف بثلث الجيش يوم أحد عن المسلمين. (وقلبوا لك الأمور) يعني: دبروا لك الحيل والمكائد، ودوروا الآراء في إبطال أمرك. قال الشهاب: المراد من الأمور المكايد، فتقليبها مجاز عن تدبيرها، أو تقليبها: تفتيشها وإزالتها، (وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق) وهو تأييدك ونصرك وظفرك. (وظهر أمر الله) أي: علا دينه. (وهم كارهون) أي: على رغم منهم. قال ابن كثير: لما قدم النبي ﷺ المدينة رمته العرب عن قوس واحدة، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم بدر وأعلى كلمته قال ابن أبي وأصحابه: هذا أمر قد توجه، يعني: هذا أمر قد أقبل، فدخلوا في الإسلام ظاهراً ثم لما أعز الله الإسلام وأهله غاظهم ذلك وساءهم.

стр. 1252

تفسير قوله تعالى: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني) قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩]. (ومنهم من يقول ائذن لي) في القعود، (ولا تفتني) أي: لا توقعني في الفتنة. روي عن مجاهد وابن عباس: أنها نزلت في الجد بن قيس أخي أبي سلمة، وذلك فيما رواه محمد بن إسحاق: أن النبي ﷺ قال له ذات يوم وهو في الاستعداد للجهاد: (هل لك يا جد في جلاد بني الأصفر؟! -يعني: في جهاد بني الأصفر وهم الروم- فقال: يا رسول الله! أوتأذن لي ولا تفتني؟ عافني من ذلك، ائذن لي ألا أذهب ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجباً بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، وقال: قد أذنت لك). قال الشهاب: كان يخشى العشق لهن، أو مواقعتهن من غير حل. وبنو الأصفر هم: الروم، وقيل في وجه التسمية وجوه، منها: أنه ملكهم بعض الحبشة فتولد بينهم أولاد ألوانهم ذهبية. والجد بن قيس هذا من بني سلمة، وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لهم: (من سيدكم يا بني سلمة؟! قالوا: الجد بن قيس على أنا نبخله، فقال رسول الله ﷺ : وأي داء أدوأ من البخل؟! ولكن سيدكم الفتى الجعد الأبيض؛ بشر بن البراء بن معرور). ((أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا)) قال أبو السعود: أي: في عينها ونفسها، فرغم أنهم يخافون الذهاب لجهاد الروم فيقعوا في الفتنة، والذي فعلوه هو نفسه الفتنة وعينها. قال: وأكمل أفرادها الغني عن الوصف بالكمال الحقيق باختصاص اسم الجنس به. (سقطوا) لا في شيء مغاير لها، فضلاً عن أن يكون مهرباً ومخلصاً منها. يعني هذا القعود وهذا التخلف ليس مهرباً أو مخلصاً من الفتنة، وإنما هو عين الفتنة التي يزعمون أنهم يريدون أن يهربوا منها، وذلك بما فعلوا من العزيمة على التخلف، والجرأة على الاستئذان بهذه الطريقة الشنيعة، ومن القعود بالإذن المبني عليه، وعلى الاعتذارات الكاذبة. وقرئ بإفراد الفعل، محافظة على لفظ (من) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩]- وفي تصدير الجملة بحرف التنبيه مع تقديم الظرف - (ألا في الفتنة) - إيذان بأنهم وقعوا فيها، وهم يحسبون أنها منجىً من الفتنة، زعماً منهم أن الفتنة إنما هي التخلف بغير إذن. وفي التعبير عن الافتتان بالسقوط في الفتنة تنزيل لها منزلة المهواة المهلكة المفصحة عن ترديهم في درجات الردى أسفل سافلين. ((وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)) أي: يوم القيامة، فلا محيد لهم عنها ولا مهرب، وهذا وعيد لهم على ما فعلوا.

стр. 1253

تفسير قوله تعالى: (إن تصبك حسنة تسؤهم) بين تعالى عداوة المنافقين زيادة في تشهير مساوئهم فقال : ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ [التوبة:٥٠]. (إن تصبك حسنة) يعني: فتح وظفر وغنيمة (تسوءهم) أي: يسيئهم ذلك؛ لشدة عداوتهم لك. (وإن تصبك مصيبة) يعني: نوع من الشدة. (يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل) نحن قد احتطنا، وأخذنا بالقعود. (من قبل) أي: من قبل إصابة المصيبة، فيتبجحوا بما صنعوا حامدين لآرائهم، أي: كنا أذكياء، وكنا نحسن التفكير حينما حزمنا أمرنا، ولم نخرج إلى الجهاد، وهم قد أظهروا الفرح برأيهم (وهم فرحون) برأيهم، وبما أصابكم.

стр. 1254

تفسير قوله تعالى: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) ثم أرشد تعالى إلى جواب المنافقين ببطلان ما بنوا عليه مسرتهم، فالسبب الذي سروا به وفرحوا من أجله سبب باطل لا يستوجب ذلك، فقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:٥١]. (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)، هذا احتجاج بالقدر في موضعه؛ لأن القدر يحتج به في المصائب ولا يحتج به على المعائب والذنوب. (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) أي: ما أثبته لمصلحتنا الدنيوية والأخروية، كما قال النبي ﷺ : (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)، وهذا الفرح لرضانا بقضائه في تلك المصيبة، نحن في هذه المصيبة نقوم بنوع آخر من أنواع العبودية، وهو: الرضا بقضاء الله ، ونحمده في الضراء كما نحمده في السراء، فهذا الأمر لم يسؤنا في الحقيقة، ولكننا نرضى بقضاء الله ، كيف والله لم يكتبها علينا ليضرنا بها؛ إذ هو مولانا؟! فإذا كان الله هو مولانا الذي يتولى أمورنا ويوقع الأمور على وفق مصلحتنا الدينية والأخروية، فكيف نُساء بما يبتلينا به من المصائب والأقدار؟! (هو مولانا) يتولى أمورنا، فإنما كتبها علينا ليوطننا على الصبر عليها والرضا بها، فيعطينا من الأجر ما هو خير منها. (وعلى الله فليتوكل المؤمنون)؛ لأنه لا ناصر ولا متولي لأمرهم غيره، (وعلى الله)، وحده، (فليتوكل المؤمنون)؛ لأن التوكل لا يكون إلا على الله . ((قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا))، هل تنتظرون بنا إلا إحدى الحسنين؟ وكم أكلت هاتان الآيتان من قلوب أعداء الدين؟ لأنهم يمعنون في إغاظة المسلمين وكيدهم ثم إذا بالمسلمين يظهرون عدم المبالاة لهذا الكيد ويستدلون بهذه الآية الكريمة! (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)، علام تشمتون؟ وعلام تفرحون والله لا يكتب لنا إلا ما فيه خيرنا، ويكتب لنا ليوفقنا للصبر ثم للجزاء بالجنة؟ (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)؛ لأن الله يريد بنا الخير حتى فيما هو شر، لكن العاقبة للتقوى، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]؛ لأنه هو مولانا، فـ: (هو مولانا)، تعليل لهذا التفسير، فهو مولانا الذي يتولى أمورنا، ومولانا الذي ينصرنا، والله سبحانه قال في أوليائه: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، إلى آخر الحديث المعروف، فهو مولاهم الذي يتولاهم، فلا يمكن أن يكتب لهم شيئاً يريد بهم فيه الشر، وإنما يريد بهم فيه الخير حتى لو كان في ظاهره خلاف ذلك. (قل هل تربصون) أي: هل تنتظرون بنا، (إلا إحدى الحسنيين) أي: إحدى العاقبتين اللتين كل واحدة منهما هي حسنى العواقب، ليست حسنة لكنها الحسنى -الأفضل والأخير- وهما النصر أو الشهادة، فلو كان الإنسان يؤمن بالله وباليوم الآخر، ويصدق الرسول ﵇، ويصدق وعد الله في القرآن الكريم، فهي فعلاً إحدى الحسنين: النصر أو الشهادة، وهذا أقصى ما يغيظ أعداء الدين، وهذه الآية كم دوخت من أمم! وكم أزالت من ممالك! هذا هو خلاصة الكلام، أقصى ما يضرك من الأعداء هو أن يقتلوك، فالقتل في حقك إن كان في سبيل الدين فهو شهادة، وليس سقوطاً ولكنه ارتفاع إلى الفردوس الأعلى، والوعد الذي رتبه الله على الشهادة -كما سيأتي في آخر السورة- وعد عظيم، وكل مؤمن عنده يقين فلا يضن على نفسه بأعظم أمنية بأن يموت في سبيل الله . فهذه جعلت لأمة المسلمين خصيصة لا تدانيها فيها أمة من الأمم، لا سيما أحفاد القردة والخنازير؛ لأن اليهود -لعنهم الله- أخوف ما يخافون من أمثال هذه الآية الكريمة، ولذلك عبروا كثيراً عن أنهم لا يخافون إلا من المسلمين؛ لأن المسلم يعتقد أنه لو قتل يهودياً أو قتله اليهودي فسيدخل الجنة في الحالتين، وهو المعنى الذي تجسده هذه الآية: ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:٥٢]. أما نحن: (ونحن نتربص بكم) إحدى السوءتين من العواقب: إما أن يصيبكم الله بعذاب من عنده، كما أصاب من قبلكم من الأمم، أو بعذاب بأيدينا وهو القتل، وتموتون على الكفر. (فتربصوا) بنا ما ذكر من عواقبنا. (إنا معكم متربصون) منتظرون ما هي عاقبتكم، فلابد أن يلقى كل منا ما يتربصه، ولا يتجاوزه، فلا تشاهدون إلا ما يسرنا، ولا نشاهد إلا ما يسوءكم.

стр. 1255

تفسير قوله تعالى: (قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم) قال تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٥٣]. (قل أنفقوا) يعني: أنفقوا أموالكم في سبيل الله ووجوه البر. (طوعاً أو كرهاً)، هذان مصدران وقعا موقع الفاعل، يعني: طائعين من قبل أنفسكم أو كارهين مخافة القتل. (لن يتقبل منكم) لن يتقبل منكم ذلك الإنفاق. ثم بين سبب ذلك بقوله: (إنكم كنتم قوماً فاسقين) أي: عاتين متمردين. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف أمرهم بالإنفاق، ثم قال: (لن يتقبل منكم)؟ قلت: هو أمر في معنى الخبر، فهو مثل قوله ﵎: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم:٧٥]، أمر بمعنى الخبر، ومعناه: لن يتقبل منكم أنفقتم طوعاً أو كرهاً، فكلمة: (أنفقوا) المقصود بها أنفقتم، لكن الكلام ترتيبه في التفسير كما يلي: لن يتقبل منكم نفقاتكم سواء أنفقتم طوعاً أو كرهاً لا فائدة، ونحوه قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠] يعني: لن يغفر الله لهم سواء استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم. ومنه قول كثير عزة: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت يعني: لا نلومك أسأت إلينا أم أحسنت. يقول: الزمخشري: فإن قلت: متى يجوز مثل هذا التعبير أو السياق؟ قلت: إذا دل الكلام عليه، كما جاز عكسه في قوله: رحم الله زيداً وغفر له، فإن قلت: لم فعل ذلك؟ قلت: لنكتة فيه، وهي أن كثيراً كأنه يقول لـ عزة: امتحني لطف محلك عندي وقوة محبتي لك، وعامليني بالإساءة أو الإحسان وانظري، هل يتفاوت حالي معك مسيئة كنت أو محسنة؟ ولذلك يقول كثير عزة: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة. وفي معناه قول القائل: أخوك الذي إن قمت بالسيف عامداً لتضربه لم يستغشك في الود وهذه درجة من الأخوة نادرة، يقول: أخوك الحقيقي الذي إن أسأت إليه أحسن إليك، حتى لو قمت تضربه بالسيف لا يغشك في المودة، أو لا يستغشك -من الغش والخيانة- ولو جئته تطلب أن تقطع يده لبادر إليك فرقاً من الرد عليك، لبادر هو بذلك خوفاً من أن يؤذيك بأن يعذر لك أو يمنعك من ذلك ويردك عنه، يقول: أخوك الذي إن قمت بالسيف عامداً لتضربه لم يستغشك في الود ولو جئت تبغي كفه لتبينها لبادر إشفاقاً عليك من الردِ يرى أنه في الود وانٍ مقصر على أنه قد زاد فيه عن الجهد مع كل هذا يرى أن هذا الود هو مقصر فيه! كذلك المعنى هنا: أنفقوا وانظروا هل يتقبل منكم؟ مثل قوله: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم)، انظر هل ترى اختلافاً بين حال الاستغفار وتركه؟ لا، بل في كلا الحالتين لن يغفر الله لهم، وكذلك هنا: ((أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ)).

стр. 1256

تفسير قوله تعالى: (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله) ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة:٥٤]، جمع كسلان، يعني: متثاقلين؛ إذ لا يرجون على فعلها ثواباً؛ لأن الرغبة والرهبة هي القوة الدافعة للعمل، فهم ليس عندهم خوف ولا رجاء ثواب، فلذلك يقومون متكاسلين فقط تحت ضغط السيف والسلطان، فلا يرجون على فعلها ثواباً، ولا يرهبون من تركها عقاباً؛ لأنهم مكذبون. ﴿وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٤]؛ لأنهم يرون الإنفاق في سبيل الله مغرماً وتركه مغنماً. وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه) رواه النسائي عن أبي أمامة، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].

стр. 1257

تفسير قوله تعالى: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) لما بين تعالى قبائح أفعال المنافقين، وما لهم في الآخرة من العذاب المهين، وعدم قبول نفقاتهم؛ ببيان أن ما يظنونه من منافع الدنيا هو في الحقيقة سبب لعذابهم وبلائهم، فهم يبخلون بالمال لحرصهم على الدنيا، ويتمتعون بهذه الدنيا، ويظنون أن من الكياسة والذكاء أنهم يتنعمون بهذه الدنيا بهذه الطريقة؛ فبين تعالى وجلَّى تمام الانجلاء أن النفاق سبب الخسارة، لجلبه آفات الدنيا والآخرة، فقال : ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥]. (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم)، وهذا هو الواقع، فعامة المفتونين بالكفار إنما يفتنون بهم بسبب الدنيا لا بسبب أي شيء آخر، وعامة الذين يفتنون بالكفار أغلب أسباب فتنتهم بالدنيا، وبما معهم من مال، وقوة، وانطلاق في الأرض، أو غير ذلك من أعراض الدنيا، لكن هل هناك من يفتن بهم لأنهم يعبدون الله، أو لأنهم موحدون لله، أو لأنهم ملتزمون بالإسلام؟ كلا، فينبغي أن تصحح المقاييس والمفاهيم في النظر لهؤلاء الأراذل من أعداء الدين وأعداء الله ورسوله ﷺ . (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم)؛ لأن ما هم فيه من النعمة أو المال والأولاد إنما هو استدراج لهم، كما قال ﵎: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران:١٧٨]. (إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا) أي: بسبب ما يكابدون لجمعها، فهم يتعبون في تحصيل المال، ثم يتعبون ويكدون في حفظها، فيتعذبون بتحصيل المال، ويتعذبون بحمايته، ويعانون فيها من الشدائد والمصائب ما الله به عليم. (إنما يريد الله ليعذبهم)، قيل: اللام هنا زائدة، وقيل: المفعول محذوف، يعني: أن اللام تعليلية: إنما يريد الله إعطاءهم ليعذبهم، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: قضى الله قضاءً لا يرد: أن من أحب شيئاً سواه عذب به ولابد. فالله يعذبهم بها، وفعلاً لو أخذنا نتحدث في جزئية من هذه الآية، وهي: تعذيب الكافر بأولاده، ولو تأملتم أحوال الكفار في بلادهم، ستجدون أن أغلب هؤلاء الكفار يعذبون بأولادهم أشد العذاب، وقد يصل إلى القتل، والعقوق الذي لا عقوق بعده، وصار هذا الأمر متوارثاً، وهؤلاء يستدينون ديناً سابقاً، فهؤلاء الآباء من قبل عقوا آباءهم، فيعذبون -فعلاً- بأولادهم أشد أنواع العذاب. ((وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)) يعني: يموتون كافرين لاهين بالتمتع بالدنيا عن النظر في العاقبة، فيكون ذلك استدراجاً لهم، كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٤ - ٤٥]، وأصل كلمة الزهوق: الخروج بصعوبة، (وتزهق أنفسهم) أي: تخرج أرواحهم من عروقهم ويعذبون أثناء خروجها، كما هو معروف في الحديث. (وهم كافرون)، وهذه مصيبة أكبر؛ أن يموت إنسان على الكفر والعياذ بالله، ولو مات على الكفر انتهى كل شيء، فيخلد في جهنم أبد الآباد، ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه:٧٤].

стр. 1258

تفسير قوله تعالى: (ويحلفون بالله إنهم لمنكم) قال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة:٥٦]. (ويحلفون بالله) أي: المنافقين، (إنهم لمنكم) أي: في الدين؛ ليدفعوا بدلالة اليمين دلائل النفاق، ليدفعوا دلائل النفاق الظاهرة منهم كالتخلف والاستئذان، (وما هم منكم) لأنهم كاذبون، (ولكنهم قوم يفرقون) إنما يحلفون لكم لأنهم يخافون القتل، ويخافون ما يفعل بالمشركين، فيتظاهرون بالإسلام تقية، ويؤيدونه بالأيمان الفاجرة. ثم أشار إلى سبب الخوف وهو: أزمة المساكن، فقد كانوا يخافون أن تضيع عليهم المساكن التي يعيشون فيها بينكم، يقول: ثم أشار إلى سبب الخوف، وهو اضطرارهم إلى مساكنهم مع ضعفهم واضطرارهم وحاجتهم إلى المساكن التي يعيشون فيها بينكم، لكن لو وجدوا بديلاً حتى لو في الجحور والمغارات لهربوا وفروا إلى هذه الأماكن، فيقول تعالى مبيناً سبب خوفهم: (ولكنهم قوم يفرقون) ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة:٥٧]: من شدة البغض للإسلام وأهله، لكنهم مضطرون من باب: ودارهم ما دمت في دارهم وأرضهم ما دمت في أرضهم (لو يجدون ملجأً) يعني: لو يجدون حصناً يلتجئون إليه، (أو مغارات) في الجبال، يسكن كل واحد منهم مغارة. (أو مدخلاً) يعني: موضع دخول يدخلون فيه، وهو السرب في الأرض. (لولوا إليه) لأقبلوا نحوه. (وهم يجمحون) أي: يسرعون إليه إسراعاً لا يردهم عنه شيء؛ كالفرس الجموح النفور الذي لا يرده لجام، أي: لو وجدوا شيئاً من هذه الأمكنة التي هي منفور عنها مستنكرة لأتوه لشدة خوفهم وكراهتهم للمسلمين، وغمهم بعز الإسلام ونصر أهله؛ لأنهم إذا عاشوا في وسط المسلمين يرون عزة الإسلام فينالهم غم وهم، ويرون نصرة أهل الإسلام فتركبهم الهموم والاكتئاب ويعلوهم البأس، فهم في حالة من النفور والكراهية والخوف لا يجعلهم يصبرون على الإقامة سوى اضطرارهم لهذه الأماكن التي يعيشون فيها، لكن لو وجدوا ملجأً حتى في أماكن سيئة للغاية كهذه الأماكن التي هي مستنكرة ومنفرة لفضلوها على الإقامة بينكم؛ لكنهم لا يجدون. فانظر إلى التعبير بكلمة: (لولوا إليه وهم يجمحون)، فهي تكشف ما في قلوبهم من الحقد على الإسلام وأهل الإسلام، وعلى العكس تماماً الآن نرى الملاحدة والمنافقين والعلمانيين أعداء الدين، كيف أنهم لما أمنوا، ولا سلطان لهم يردعهم، ولا شريعة لديهم تؤدبهم، انطلقوا كالجرذان المسعورة بهذا العدوان على دين الله في الإعلام صباح مساء، حتى إن جرثومة مثل نصر أبو زيد المرتد الملحد الذي يسب الله والرسول ﵇، ويطعن في القرآن الكريم، ومع ذلك يوجد من هؤلاء المجرمين من يقول: أين حرية الفكر؟ وأين حرية الاعتقاد؟ ووالله ما هي حرية الفكر، إنما يريدون حرية الكفر، فإلى الله المشتكى مما وصلنا إليه! انظر كيف كان ضعف المنافقين في عهد النبوة، ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة:٥٦ - ٥٧].

стр. 1259

تفسير قوله تعالى: (ومنهم من يلمزك في الصدقات) قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:٥٨]. (يلمزك) يعني: يعيبك. (في الصدقات) يعني: في قسمة الصدقات، يلمزون الرسول ويعيبونه بأنه -والعياذ بالله وحاشاه- غير عادل. ثم بين فساد لمزهم وأنه لا منشأ له، وليس لأنهم حريصون فعلاً على العدل؛ لكن لأنهم حريصون على حطام الدنيا، فيقول تعالى: (ومنهم من يلمزك في الصدقات)، من يعيبك في قسمة الصدقات، ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة:٥٨]. (إن أعطوا منها) القدر الذي يريدون (رضوا)، وقالوا: هذا عدل، (وإن لم يعطوا منها) القدر الذي يطلبون، (إذا هم يسخطون)، فيجعلونه غير عدل.

стр. 1260

تفسير قوله تعالى: (ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله) قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]. (ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله) يعني: كفانا فضله وما قسمه لنا. (سيؤتينا الله من فضله ورسوله) يعني: بعد هذا إن كنا نؤمل المزيد فسوف يؤتينا الله من فضله حسب ما نرجو ونؤمل. (إنا إلى الله راغبون) يعني: راجون أن يغنمنا ويخولنا فضله. والجواب محذوف بناءً على ظهوره، يعني: لو أنهم فعلوا ذلك، ولو أنهم قالوا ذلك؛ لكان خيراً لهم. (ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله) يعني: في المستقبل لكان خيراً لهم. روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم فيئاً، أتاه ذو الخويصرة رجل من بني تميم، وقال: يا رسول الله! اعدل، فقال رسول الله ﷺ : ويلك! من يعدل إذا لم أعدل؟! فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ائذن لي فأضرب عنقه! فقال رسول الله ﷺ : دعه؛ فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، والمراد بذلك: الخوارج، وهذا الرجل فعلاً هو أصل الخوارج، وتحقق خروج هؤلاء الخوارج بهذه الأوصاف التي وصفهم بها النبي ﵌، فمع اجتهادهم في العبادة؛ حتى إن أحدكم ليحقر صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، ويقرءون القرآن، لكن لا يجاوز تراقيهم، يعني: لا يؤجرون عليه ولا يرفع إلى الله .

стр. 1261

تفسير سورة التوبة [٦٠ - ٧٢]

стр. 1262

تفسير قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) قال الله ﵎: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٨ - ٥٩]. فأجابهم الله مبيناً أنهم لا يستحقون أن يعطوا من الزكاة أو من الصدقات، فقال ﵎: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة:٦٠] يعني: إنما يستحق الصدقات: ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠]. لما ذكر تعالى لمزهم في الصدقات، أعقب ذلك ببيان أحقية ما فعله الرسول ﷺ من القسمة، ففي الآيتين السابقتين: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ) أي: يعيبك، (فِي الصَّدَقَاتِ) أي: في قسم الصدقات، فأعقب ذلك ببيان أحقية ما فعله النبي ﷺ من القسمة؛ لأنه في هذا القسم لم يتجاوز مصارفها المشروعة له، وهذا هو عين العدل، وذلك أنه تعالى شرع قسمها لهؤلاء ولم يكله إلى أحد غيره، ولم يأخذ ﷺ منها لنفسه شيئاً، فالذي تولى القسمة هو الله ، ولم يكن للنبي ﷺ في ذلك أي دور، وإنما بين مصارف الصدقات، وكان قاسماً موزعاً والله هو الذي أعطى، كما في الحديث المتفق عليه عن معاوية رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي)، فالعطاء من الله، وما على النبي ﷺ إلا أن يوزعها ويصرفها حيث أمره الله ﵎، فكذلك هنا الله الذي أعطى، والله هو الذي أمر بتوزيع المال على هذه المصارف، والنبي ﵌ هو الذي قسمها على هؤلاء، ولم يأخذ ﷺ منها لنفسه شيئاً، بل حرمت الصدقة على أهل بيته ﵌، ففيم اللمز لقاسمها صلوات الله وسلامه عليه؟! وروى أبو داود عن زياد بن الحارث ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته، فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له: (إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك). إذاً: هذه الآية الكريمة رد لمقالة أولئك اللمزة الذين كانوا يلمزونه ويعيبونه في قسمة الصدقات، ففيها رد لمقالة أولئك اللمزة وتوضيح لأطماعهم؛ ولبيان أنهم بمعزل عن الاستحقاق، وإعلام بمن إعطاؤهم عدل ومنعهم ظلم، وهم هؤلاء الأصناف الثمانية في هذه الآية الكريمة، فإعطاء هؤلاء عدل ومنع هؤلاء ظلم؛ لأنه منعهم من حقهم الذي شرع الله لهم.

стр. 1263

الفرق بين الفقير والمسكين (إنما الصدقات -محصورة- للفقراء)، الفقير هنا فعيل بمعنى: فاعل، فيقال: فقر يفقر من باب تعب يتعب إذا قل ماله، والمساكين جمع: مسكين، من: سكن سكوناً؛ لأن المسكين تسكن أو تذهب حركته لسكونه إلى الناس، وهو بفتح الميم في لغة بني أسد، (مَسكين)، وبكسرها عند غيرهم. وقال ابن السكيت: المسكين: الذي لا شيء له، والفقير: الذي له بلغة من العيشَ، وكذلك قال يونس، وجعل الفقير أحسن حالاً من المسكين، قال: وسألت أعرابياً: أفقير أنت؟ قال: لا، والله بل مسكين. وقال الأصمعي: المسكين أحسن حالاً من الفقير، وهذا هو القول الأقوى؛ لأن الله قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩]، فالآية تؤيد القول بأن المسكين هو الذي له مال لكنه لا يكفيه، يعني: له دخل لكنه لا يقوم باحتياجاته الأصلية. ((أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ)) يعني: كانت هذه السفينة لجملة من المساكين، وفي نفس الوقت يعملون في البحر، يعني: لهم دخل وإن كان لا يكفيهم. في حين قال ﵎ في حق الفقراء: (لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) يعني: لا يستطيعون ضرباً في الأرض، فهؤلاء ليس لهم دخل أصلاً ولا عمل. وقال ابن الأعرابي: المسكين هو: الفقير، وهو الذي لا شيء له، فجعلهما سواءً. وقال البدر القرافي: إذا اجتمعا افترقا: ثمرة ذلك تظهر فيما إذا مات رجل وأوصى للفقراء والمساكين، فهنا اجتمعا في الوصية فيفترقان في المعنى، بمعنى: أن يكون الفقير الذي لا شيء له أصلاً، والمسكين الذي له دخل ولكنه لا يكفيه، ففي هذه الحالة لا بد تنفيذاً لهذه الوصية من صرف الوصية للنوعين، لكن هذان اللفظان إذا افترقا اجتمعا، يعني: إذا اقتصر على أحدهما شملت المعنى العام لهما، كما إذا أوصى فقال: أوصي بهذا المال للفقراء فقط، ففي هذه الحالة يجوز الصرف للفقراء وللمساكين، أو قال: أوصي بهذا المال للمساكين، فإذا وردت مفردة، ففي هذه الحالة يجوز إعطاء الصنف الآخر الذي لم يذكر. وهذا الأمر ليس جديداً علينا، إذ هناك كثير من الألفاظ الذي تنطبق عليه هذه القاعدة: إذا افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا، مثل: الإسلام والإيمان. والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، فهنا افترقا فيجتمعان من حيث المعنى، فتشمل الباطن والظاهر. لكن إذا افترقا مثل حديث جبريل: (ما الإسلام؟) (ما الإيمان؟) فانظر المغايرة هنا حينما اجتمعا في نص واحد. مثال ذلك أيضاً: البر والتقوى، وكذا: الله والرب، فيكون لفظ الجلالة الله قسيماً للرب، يعني: توجد مغايرة بينهما من حيث المعنى، كما في قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٣]، فغاير بين الرب وبين الإله. وكذلك كما تقول في كلامك: رب العالمين! وإله المرسلين، ففي هذه الحالة أيضاً يكون هناك مغايرة. ومثال افتراقهما عندما يأتي الواحد منها منفرداً عن الآخر -لكنه في هذه الحالة يشمل الأمرين- قول الله : ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٤٠]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام:١٦٤]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠]، ومن هذه المواضع سؤال الإنسان في القبر: من ربك؟ فهنا تعني: من إلهك؟

стр. 1264

معنى قوله تعالى: (والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم) يقول المهايمي: ثم ذكر تعالى من يحتاج إليهم والمحتاجين إلى الصدقات، يعني: الزكاة تعطى للمحتاجين من المسلمين ولمن يحتاج إليهم المسلمون، فمن هؤلاء الذين يحتاج إليهم المسلمون: العاملون عليها، فلابد من وجود كادر من الموظفين يتولون جمع الزكاة ويتولون تصريفها ويسعون في تحصيلها، ومنهم: القابض، والوازن، والكيال، والكاتب، فهؤلاء يعطون أجورهم من الزكاة ((وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا)). ثم ذكر من يحتاج إليهم الإمام، فقال ﵎: ((وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ))، وهم قوم ضعفت نيتهم في الإسلام، فيحتاج الإمام إلى تأليف قلوبهم بالعطاء تقوية لإسلامهم؛ لئلا يسري ضعفهم إلى غيرهم، أو أشراف يترقب بإعطائهم إسلام نظرائهم. معنى قوله تعالى: ((وَفِي الرِّقَابِ)): ثم ذكر تعالى من يعان بها في دفع الرق؛ لقوله ﵎: ((وَفِي الرِّقَابِ)) يعني: للإعانة في فك وإعتاق الرقاب، فيعطى المكاتبون منها ما يستعينون به على أداء نجوم الكتابة، يعني: أقساط الكتابة، وإن كانوا كاسبين، يعني: حتى وإن كان هؤلاء المكاتبون يعملون ويتكسبون، لكن يعطون أيضاً من الزكاة ما يعينهم على التحرر من الرق وإن كانوا كاسبين، وهذا قول الشافعي والليث. أو (وفي الرقاب) يعني: وللصرف في عتق الرقاب، وذلك بأن يصرف من مال الزكاة في شراء رقاب ثم تعتق، وهذه صورة أخرى. إذاً: إما أن تفك رقاب المكاتبين كي يعتقوا، وإما أن يشترى من مال الزكاة أرقاء ثم يعتقون بعد ذلك، قال ابن عباس والحسن: لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة، وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق، ولا يخفى أن الرقاب يعم الوجهين، وقد ورد في ثواب الإعتاق وفك الرقبة أحاديث كثيرة. معنى قوله تعالى: ((وَالْغَارِمِينَ)): ثم ذكر تعالى من تفك ذمته في الديون، فكما تفك الرقاب، هناك أيضاً من تفك ذمته؛ لأنها مقيدة بالدين، فقال : ((وَالْغَارِمِينَ))، وهم الذين ركبتهم الديون لأنفسهم في غير معصية ولم يجدوا وفاءً، أو لإصلاح ذات البين ولو أغنياء، فالغارم إما أن يستدين لمصلحة نفسه أو يستدين لمصلحة غيره حتى لو كان غنياً، فالذي يستدين لمصلحة نفسه يشترط فيه أن يكون ركبه الدين في غير معصية وفي غير إسراف، لا من يستدين للترف وللتنعم، ويقول: أنا غارم، ويؤخذ له من الزكاة! فلا تكون نفقته في سفه وترفه، وإنما في أمور أساسية يحتاجها، ولا يكون الدين ركبه في معصية، ولم يجد من ماله ما يوفي به هذه الديون، فالغارم يعطى أيضاً من الزكاة. أو لإصلاح ذات البين ولو أغنياء، كرجل تحمل مالاً في ذمته لإصلاح ذات البين، مثلاً: قبيلتان سوف تقتتلان بسبب المال، فهو يعطي من ماله من أجل أن يعصم دماء هؤلاء المقتتلين، ففي هذه الحالة هذا يعطى من الزكاة ولو كان غنياً ما دام أنه غرم لإصلاح ذات البين. نرى تساهلاً عند كثير من الناس، ويعز عليهم إخراج الزكاة نتيجة الشح الذي هو مركوز في النفس، فيحاول أن يخرج المال دائماً إلى أحد أقاربه، ويكون هذا الشخص مستديناً في أمور كمالية، مثلاً في تأثيث بيته بصورة فيها نوع من الترف، أو قريبته ستتزوج ويريد أن يساعد أهلها في الأثاث، وغالباً الأثاث يكون في كماليات، في حين مال الزكاة يحتاج إليه آخرون للقوت أو للعلاج، فينبغي عدم التساهل في هذا الأمر.

стр. 1265

(في سبيل الله وابن السبيل) ثم ذكر تعالى الإعانة على الجهاد بقوله ﵎: ((وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ))، فيصرف على المتطوعة في الجهاد؛ لأن المتطوعة لا مرتب لهم، فيعطى سهم (في سبيل الله) للمجاهدين المتطوعين، فيشترى لهم الكراع والسلاح. قال الرازي: لا يوجب قوله: (في سبيل الله) القصر على الغزاة، ولذا نقل القفال في تفسيره عن بعض الفقهاء جواز طرح الصدقات إلى جميع وجوه الخير: من تكفين الموتى، وبناء الحصون، وعمارة المساجد؛ لأن قوله: (وفي سبيل الله) عام في الكل، وهذا من الموضوعات المهمة جداً التي تحتاج إلى بحث مستقل؛ ولكن لأن خطتنا في التفسير الاختصار بقدر المستطاع فلن نتعرض له، وكثير من الناس الآن توسعوا في هذا المصرف، حتى إنهم يقولون: يجوز صرفها في طباعة الكتب وتوزيعها في المعسكرات الإسلامية، وفي الأنشطة، ويوجد أصل لهذه الأقوال، لكن هذا المذهب مرجوح، والراجح هو مذهب الجمهور: أن سهم (في سبيل الله) للمتطوعين في الجهاد؛ لأن هذا هو الأصل عند إطلاق في سبيل الله، ولا يمنع هذا لفظ: (في سبيل الله) أن يطلق على الحج وغير ذلك من العبادات؛ لأن إعطاء الفقراء مثلاً هو في سبيل الله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾. إذاً: تخصيص هذا المصرف بقوله: (وفي سبيل الله)، يقتضي تمييزه بنوع خاص، ففي سبيل الله عند إطلاقها تنصرف إلى الجهاد. معنى قوله تعالى: (وَاِبْنِ السَّبِيلِ)): ثم ذكر تعالى الإعانة لأبناء الطريق بقوله: ((وَاِبْنِ السَّبِيلِ))، فيعطى المجتاز في بلد ما يستعين به على بلوغه إلى بلده، يعني: يمكن أن رجلاً مسافراً يكون مليونيراً في بلده، لكنه فقد أمواله وصار في حالة فقر، فهذا ابن سبيل، ويأخذ من الزكاة حتى لو كان غنياً في بلده، ولا يعطى على سبيل الاستدانة، لكن هذا حقه أن يعطى من الزكاة، وابن السبيل: هو الذي انقطعت به السبيل، ولا يملك المال الذي يعود به إلى بلده، فهذا يعطى من مال الزكاة. ((فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ)) (فريضة) ناصبه مقدر، أي: فرض الله ذلك فريضة. ((وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)): (عليم) بأحوال الناس ومراتب استحقاقهم، (حكيم) لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة من الأمور الحسنة التي منها سوق الحقوق إلى مستحقيها.
следующие страницы →