Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
معنى جعل كلمة التوحيد باقية في ذرية إبراهيم ﵇
فعلى القول الأول أن إبراهيم جعل كلمة التوحيد كلمة باقية في عقبه، فالمعنى: صير إبراهيم تلك الكلمة باقية في عقبه، يعني: في ولده وولد ولده، وإنما جعلها إبراهيم باقية فيهم، لأن إبراهيم ﵇ تسبب في بقائها فيهم بأمرين: أحدهما: وصيته لأولاده بذلك، وصاروا يتوارثون الوصية بذلك عنه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فيوصي به السلف منهم الخلف، فهو الذي سن فيهم هذه السنة، يوصيهم بالتوحيد في حياته، ثم اقتدى به أولاده من بعده، فكل واحد منهم يوصي من يأتي بعده بالتمسك بـ (لا إله إلا الله) كما أشار إلى ذلك الله بقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة:١٣٠] * ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣١ - ١٣٢].
الأمر الثاني: سؤاله ربه تعالى لذريته الإيمان والصلاح، فإنه كان يسأل الله لهم الإيمان والصلاح، كما قال : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] يعني: واجعل يا رب من ذريتي أئمة.
وقال ﵎ حاكياً عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٤٠]، وقال أيضاً: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]، وقال عنه هو وإسماعيل ﵉: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٨ - ١٢٩]، فأجاب الله دعاءه في بعث الرسول المذكور في قوله: (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم) وهو محمد ﵌، ولذلك قال النبي ﷺ : (أنا دعوة أبي إبراهيم) يعني: استجاب الله هذه الدعوة لإبراهيم ﵇، ولذلك تسبب إبراهيم بهذه الدعوة في بعثة محمد ﵇؛ لأن من هذه الأسباب الدعاء، وهو قال: (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم)، وقد جعل الله الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته، ولذلك إذا أطلق على إبراهيم ﵇ أبو الأنبياء فإنما المقصود أبو الأنبياء من بعده، أما الذين قبله فلا يدخلون في ذرية إبراهيم؛ لأنه لم يكن قد خلق، أما إبراهيم ﵇ فكافأه الله بأن جعل كل الأنبياء الذين أتوا من بعده في ذريته، فأول ذلك إسحاق، ثم رزق إسحاق يعقوب، وهو إسرائيل، ثم من نسل يعقوب جاءت أنبياء بني إسرائيل، ولم تخرج عنهم النبوة إلا ببعثة النبي ﵇ من نسل إسماعيل أخي إسحاق، قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٢٧]، وقال عنه وعن نوح في سورة الحديد: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد:٢٦].
أما على القول الثاني في قوله: (وجعلها كلمة) وهو أن الذي جعلها هو الله ، فلا إشكال، ويكون التفسير: وجعلها كلمة باقية في المؤمنين من عقبه.
وقوله: (لعلهم) يعني: لعل المشركين من عقبه أو من ذريته (يرجعون) أي: عن الشرك إلى التوحيد.
стр. 1717
هل استجاب الله دعوة إبراهيم ﵇ ؟
وقد بين ﵎ هنا أن الله لم يجب دعوة إبراهيم في جميع ذريته؛ لأن إبراهيم ﵇ كان دعا لذريته بأن يكونوا على التوحيد فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٤٠]، وقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨] يعني: أن ذريته خرج منهم مؤمنون وخرج منهم كافرون، سواء في بني إسرائيل أو في العرب؛ لأنهم من نسل إسماعيل ﵇.
فإذاً: بين الله هنا أنه لم يستجب دعوة إبراهيم في جميع ذريته، وإنما استجابها في البعض وهم المؤمنون من ذريته؛ لأن كفار مكة الذين كذبوا بنبينا ﷺ من عقبه بإجماع العلماء، وقد كذبوه ﷺ وقالوا: إنه ساحر، وكثير منهم مات على ذلك، وذلك في قوله : (بل متعت هؤلاء وآباءهم)، يعني: متعت كفار مكة وآباءهم، (حتى جاءهم الحق ورسول مبين) هو محمد ﷺ ، (ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون) فكفار مكة من نسل إبراهيم من ذرية إسماعيل، ومع ذلك يثبت الله هنا أنهم كفروا ووصفوا النبي ﵇ بالسحر، فدلت هذه الآية على أن تلك الدعوة لم تستجب في حق كل ذرية إبراهيم، وإنما في المؤمنين منهم.
وما دلت عليه آية الزخرف هذه من أن بعض عقب إبراهيم لم يجعل الله الكلمة المذكورة باقية فيهم دلت عليه آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في البقرة: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة:١٢٤] يعني: واجعل من ذريتي أئمة، ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] أي: الظالمين من ذرية إبراهيم، ففهم من ذلك أن من ذريته ظالمين، وقوله تعالى في الصافات: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات:١١٣]، فالمحسن منهم هو الذي كلمة التوحيد باقية فيه، والظالم لنفسه المبين من ليس كذلك.
وقال تعالى في النساء: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء:٥٤ - ٥٥].
وبين في سورة الحديد أن غير المهتدين من ذريته كثيرون في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:٢٦].
وقوله هنا في هذه الآية الكريمة: (لعلهم يرجعون) أي: جعل الكلمة باقية فيهم لعل الزائغين الضالين منهم يرجعون إلى الحق بإرشاد المؤمنين المهتدين منهم؛ لأن الحق ما دام قائماً في جملتهم فرجوع الزائغين عنه إليه مرجو مأمول، لأن (لعل) تفيد الترجي، والترجي هنا بالنسبة لبني آدم؛ لأن الترجي هو أن يرجو الإنسان حصول شيء وهو لا يجزم بحصوله؛ لأنهم لا يعرفون من يصير إلى الهدى ومن يصير إلى الضلال، فالترجي هنا هو بالنسبة إلى بني آدم وليس بالنسبة لله .
стр. 1718
ترادف العقب والذرية والبنين
والعلامة الشنقيطي وقف هنا وقفة يسيرة قال فيها: ظاهر هذه الآيات الكريمة التي ذكرنا يدل على انسحاب معنى العقب والذرية والبنين، يعني: أن كلمات: العقب، والذرية، والبنين معناها واحد؛ لأنه قال في بعض هذه الآيات عن إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]، وقال في بعض الآيات: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٤٠]، وفي بعضها: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٣٧]، وقال : ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ﴾ [العنكبوت:٢٧]، وقال: ((وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ))، فالظاهر المتبادر من الآيات أن المراد بالبنين والذرية والعقب شيء واحد؛ وبذلك تعلم أن ظاهر القرآن يدل على أن من وقف وقفاً أو تصدق صدقة على بنيه، فقال: هذا وقف على بني أو علي ذريتي أو على عقبي، فحكم ذلك واحد.
وقد دلت بعض الآيات القرآنية على أن أولاد البنات يدخلون في اسم ذرية الرجل، وإذا دل القرآن على دخول ولد البنت في اسم الذرية والبنين دل ذلك على دخول أولاد البنين في العقب أيضاً.
فمن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم الذرية قوله ﵎: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام:٨٤] إلى قوله : ﴿وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [الأنعام:٨٥] الشاهد: (وعيسى)؛ لأن عيسى ﵇ ابن بنت، لا أب له، فهو ابن بنت من جهة مريم ﵍.
ومن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم البنين قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] إلى قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء:٢٣]؛ لأن لفظ البنات في الألفاظ الثلاثة شامل لبنات البنات وبنات بناتهن، وهذا لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص قرآني صريح في استواء بنات بنيهن وبنات بناتهن، فتحصل أن دخول أولاد البنات في الوقف على الذرية والبنين والعقب هو ظاهر القرآن، ولا ينبغي العدول عنه.
أما لفظ الولد فلا يدخل فيه أولاد البنات، والدليل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:١١]، فهذا لا يدخل فيه أولاد البنات، فهو نص صريح على عدم دخول أولاد البنات في اسم الولد.
стр. 1719
تفسير قوله تعالى: (بل متعت هؤلاء وآبائهم خير مما يجمعون)
قال ﵎: ((بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ * وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٢٩ - ٣٢].
قوله: (بل متعت هؤلاء) يعني: أهل مكة، (وآباءهم) أي: من قبلهم في الحياة فلم أعاجلهم على كفرهم (حتى جاءهم الحق) أي: دعوة التوحيد أو القرآن (ورسول مبين) أي: ظاهر الرسالة بالآيات والحجج التي يحتج بها عليهم في دعوى رسالته.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ (كافرون) أي: جاحدون، فازدادوا في ضلالهم لضمهم إلى شركهم معاندة الحق؛ لأن الكفر قابل للزيادة، والدليل: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧]، والكفر نفسه درجات، فكلما ازداد الكافر في الصد عن سبيل الله والتكذيب بآياته ازداد كفراً.
وقالوا أيضاً في مواجهة هذا الحق الذي أرسل إليهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
أي: لولا نزل هذا القرآن على رجل من إحدى القريتين المعهودتين في أذهانكم: من مكة أو الطائف، فالتعريف هنا للعهد.
وقوله: (عظيم) يقصدون بالعظمة الجاه والمال، فإن الرسالة منصب عظيم لا يليق إلا بعظيم عندهم.
قال القاضي: ولم يعلموا أنها رتبة روحانية تستدعي عظم النفس بالتحلي بالفضائل والكمالات القدسية لا التزخرف بالزخارف الدنيوية.
وقد أجابهم الله ﵎ بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ وهذا إنكار فيه تجهيل ورد لتحكمهم فيما لا يتولاه إلا هو ﵎، وبيان أن هذا ليس إليهم، فالله يخلق ما يشاء ويختار، والله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس، فالنبوة هبة من الله ، ولذلك صح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ما معناه: (إن الله نظر في قلوب العباد، فاختار من قلوب العباد قلب محمد ﷺ ؛ لأنه أصفى قلب وأطهر قلب وأكمل قلب، فاصطفاه لرسالته ولنبوته ولكتابه، ثم نظر في قلوب العباد فاختار له أصحاباً رضي الله تعالى عنهم) إلى آخر الأثر الموقوف الصحيح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
والمراد بالرحمة: النبوة، ولو وقفت على كلمة (رحمت) وقفت بالتاء مراعاة لرسم المصحف؛ لأنه إذا كانت التاء مكتوبة تاءً مفتوحة فإذا وقفت عليها تقف عليه بالتاء.
وقوله: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا) أي: فجعلنا بعضهم غنياً وبعضهم فقيراً، ورفعنا بعضهم بالغنى فوق بعض درجات.
وقوله: (ليتخذ بعضهم) يعني: ليتخذ الغني (بعضاً) يعني: الفقير (سخرياً) أي: مسخراً في العمل، وما به قوام المعايش والوصول إلى المنافع؛ لا لكمال في الموسع عليه ولا لنقص في المقتر عليه.
وهذه الآية الكريمة كلها في الرد على الاقتراح، وبيان جهلهم بحكمة الله في المفاضلة في مراتب الناس؛ حيث جعلوا مقاييس المفاضلة هي المال والجاه، فرد الله عليهم أن ذلك ليس إليهم، ثم بين ذلك فقال: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعض سخرياً)، أي: ليس المقصود الاستهزاء، وإنما يعني التسخير بالعمل، لأنه لو كان كل الناس وزراء فمن الذين سيخدمون الناس ويقومون بالوظائف الأخرى؟! لكن الله فاضل بين خلقه وخالف بين وظائفهم؛ كي ينتفع بعضهم من بعض، ويحصلوا بذلك مصالحهم، لكن ليس هذا التسخير بإعطاء البعض وتخصيصه بالغناء، والتقتير على البعض وكونه فقيراً، دليلاً على أن الغني أكمل من الفقير، أو أن الفقير أحقر من الغني، هذا الاعتبار إنما هو في موازين هؤلاء الماديين.
وقوله تعالى: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا) أي: جعلنا بعضهم غنياً وبعضهم فقيراً.
وقوله: (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) أي: رفعنا الغني فوق الفقير درجات في الدنيا.
وقوله: (ليتخذ بعضهم) أي: الغني (بعضاً) أي: الفقير (سخرياً) يعني: مسخراً في العمل؛ لأن كل شيء لابد أن يكون فيه رئيس ومرءوس، حتى يحصل ما به قوام المعايش والوصول إلى المنافع، وليس هذا الاختيار لكمال في الموسع عليه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، لكن هذا التفاضل لأن حاجة البشر ماسة إلى التضام والتآلف الذي به ينتظم شملهم، أما النفحات الربانية والعلوم اللدنية فليست مما يستدعي سعة ويساراً؛ لأنها اختصاص إلهي وفيض رحماني.
والسخري بالضم منسوب إلى السخرة بوزن غرفة، وهي الاستخدام والقهر على العمل.
وقوله: (ورحمة ربك خير مما يجمعون) يعني: أن النبوة خير مما يجمعون من الحصاد الفاني، فرحمة ربك في أول الآية وفي آخرها مقصود بها النبوة، فإذا كانت رحمة ربك خيراً مما يجمعون من الأموال والغنى والسعة واليسار فإن العظيم حقاً هو الذي أعطيها، وهو النبي ﷺ .
يقول الشنقيطي في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وقال كفار مكة: (لولا) هلا، (نزل هذا القرآن على رجل من القريتين) أي: على رجل من إحدى القريتين؛ وهما مكة والطائف (عظيم) يعنون كثرة ماله، وعظم جاهه، وعلو منزلته في قومه، وعظيم مكة الذي يريدون هو الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، وفي مرة بن كعب يجتمع نسبه بالنبي ﷺ ، وقيل: هو عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، وعظيم الطائف هو عروة بن مسعود، وقيل: حبيب بن عمرو بن عمير، وقيل: هو كنانة بن عبد يا ليل وقيل غير ذلك.
وإيضاح الآية: أن الكفار أنكروا أولاً أن يبعث الله رسولاً من البشر، ففي البداية أنكروا واقترحوا أن الله يرسل عليهم ملائكة، ثم لما سمعوا الأدلة على أن الله لم يبعث إلى البشر رسولاً إلا من البشر، تنازلوا عن اقتراحهم إرسال رسل من الملائكة إلى اقتراح آخر، وهو اقتراح تنزيل هذا القرآن على أحد الرجلين المذكورين فقالوا: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)، وهذا الاقتراح يدل على شدة جهلهم وسخافة عقولهم؛ حيث يجعلون كثرة المال والجاه في الدنيا موجباً لاستحقاق النبوة وتنزيل الوحي، ولذا زعموا أن محمداً ﷺ ليس أهلاً لإنزال هذا القرآن عليه لقلة ماله، وأن أحد الرجلين المذكورين أحق أن ينزل عليه القرآن منه ﷺ ، وقد بين ﵎ في هذه الآية الكريمة شدة جهلهم وسخافة عقولهم بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:٣٢]، والظاهر المتبادر أن المراد برحمة ربك النبوة وإنزال الوحي، وإطلاق الرحمة على ذلك متعدد في القرآن، كقوله تعالى في سورة الدخان: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الدخان:٥ - ٦]، وقال في آخر سورة القصص: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٨٦]، وقال في آخر سورة الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وقال تعالى في سورة الكهف: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الكهف:٦٥]، على القول بأن الخضر ﵇ نبي.
قال تعالى: ((نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ)) يعني: أنه تعالى لم يفوض إليهم أمر معايشهم وحظوظهم في الدنيا، بل تولى قسمة ذلك بينهم، فجعل هذا غنياً وهذا فقيراً، وهذا رفيعاً وهذا وضيعاً، وهذا خادماً وهذا مخدوماً ونحو ذلك، فإذا لم يفوض إليهم حظوظهم في الدنيا ولم يحكمهم فيها، بل كان تعالى هو المتصرف فيها بما شاء كيف شاء، فكيف يفوض إليهم أمر إنزال الوحي حتى يتحكموا في من ينزل إليه الوحي؟! فهذا مما لا يعقل، ولا يظنه إلا غبي جاهل كالكفار المذكورين.
وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ التحقيق -إن شاء الله- أنه من التسخير، ومعنى تسخير بعضهم لبعض: خدمة بعضهم البعض، وعمل بعضهم لبعض؛ لأن نظام العالم في الدنيا يتوقف قيامه على ذلك، فمن حكمته جل وعلا أن يجعل هذا فقيراً مع كونه قوياً قادراً على العمل، ويجعل هذا ضعيفاً لا يقدر على العمل بنفسه، ولكنه تعالى يهيئ له دراهم، يؤجر بها ذلك الفقير القوي، فينتفع القوي بدراهم الضعيف، والضعيف بعمل القوي، فتنتظم المعيشة لكل منهما، وهكذا.
стр. 1720
الرد على زعم واقتراحات الكفار في هذه السورة
والمسائل التي ذكرها الله جل وعلا في هذه السورة الكريمة جاءت موضحة في آيات أخر من كتاب الله.
أما زعمهم أن محمداً ﷺ أنقص شرفاً وقدراً من أن ينزل عليه الوحي، فقد ذكره الله عنهم في سورة (ص) في قوله حاكياً عنهم: ﴿أأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص:٨]، وهذا معناه إنكارهم أن يخصه الله بإنزال الوحي من بينهم؛ لزعمهم أن فيهم من هو أحق بالوحي منه؛ لكثرة ماله وجاهه وشرفه فيهم، وقد قال قوم صالح مثل ذلك لصالح، كما قال تعالى: ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر:٢٥]، فقلوب الكفار متشابهة فكانت أعمالهم متشابهة، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة:١١٨] وقال تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥٣] يعني: لشدة التشابه بين العبارات التي كانوا يقابلون بها أنبياءهم من التكذيب والاحتقار والازدراء صارت متشابهة حتى في الألفاظ؛ ولذلك قال تعالى: ((أَتَوَاصَوْا بِهِ)) يعني: كلما جاء قوماً رسول ردوا عليه نفس الرد، كأن كل أمة كافرة كانت توصي التي بعدها، ولا يؤخذ من السياق أن هذا حصل بالفعل، لكن لشدة التشابه صار كأنهم يتواصون به.
وأما اقتراحهم إنزال الوحي على غيره منهم، وأنهم لا يرضون خصوصيته بذلك دونهم فقد ذكره تعالى في سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٢٤] يعني: مثل ما نزل عليهم الوحي ينزل علينا نحن أيضاً، ولذلك جاء
الجواب
﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، وقال تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر:٥٢] أي: أن تنزل عليه صحف بالوحي من السماء.
أما إنكاره تعالى عليهم اقتراح إنزال الوحي على غير محمد ﷺ الذي دلت عليه همزة الإنكار المتضمنة مع الإنكار تجهيلهم وتسفيه عقولهم في قوله: (أهم يقسمون رحمة ربك) فقد أشار تعالى إليه مع الوعيد الشديد في الأنعام؛ لأنه تعالى لما قال: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٢٤]، أتبع ذلك بقوله رداً عليهم وإنكاراً لمقالتهم: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، ثم أوعدهم على ذلك بقوله: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام:١٢٤].
وأما كونه تعالى هو الذي تولى قسمة معيشتهم بينهم فقد جاء في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [النحل:٧١]، وقال تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٢١]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد:٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء:١٣٥].
وقد أوضح تعالى حكمة هذا التفاضل والتفاوت في الأرزاق والحظوظ والقوة والضعف فقال هنا: (ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً)، وقال تعالى: (ورحمة ربك خير مما يجمعون) يعني: أن النبوة والاهتداء بهدي الأنبياء وما يناله المهتدون يوم القيامة خير مما يجمعه الناس في الدنيا من حطامها، قال تعالى في سورة يونس: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]، فإذا تأملنا وجدنا أن هنا أمراً بالفرح، وفي الآية الأخرى في سورة القصص نهي عن الفرح في قول قوم قارون له: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦]، والمقصود بالفرح المنهي عنه ما يكون عن البطر والطغيان والاستكبار في الأرض، أما الفرح هنا فهو الفرح بالإيمان وبالهدى وبالقرآن وبالإسلام، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ [يونس:٥٨] أي: بالإيمان والقرآن والإسلام، ولذلك كان الإمام وكيع بن الجراح سميناً، وكان إذا أراد أن يبكت من يكلمه في هذا السمن أو يقول له: أراك سميناً؟! يقول له: هذا من فرحي بالإسلام.
فإذاً: قوله: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) أي: نفرح بالقرآن، ونفرح بالإسلام وبالسنة؛ لأن هذا هو الذي ينبغي أن يفرح الإنسان به، ويأمرنا الله بأن نجتهد به؛ لأنه (خير مما يجمعون)، وقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران:١٥٧].
стр. 1721
بيان فساد قول الاشتراكيين في التسوية بين الناس
ختم الشنقيطي رحمه الله تعالى هذه الآية الكريمة بشيء هو حقيقة واقعة في فترة من الفترات في ظل الحكم الاشتراكي في عهد عدو الله عبد الناصر؛ حيث كانت هناك محاولة لتمرير مفاهيم الاشتراكية وفرضها على الناس، وجرت علينا الشؤم والبلاء في النظام، فإنها غصبت أموال الناس قهراً وظلماً، وحصل غير ذلك من المظالم التي ذاق الناس ويلاتها، فالشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى كان يعيش في تلك الفترة في الجزيرة العربية؛ فلذلك يشير إلى هذا الأمر الذي كان شائعاً في ذلك الوقت، يقول: دلت هذه الآية الكريمة المذكورة هنا، وهي قوله كقوله تعالى: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا)، وقوله: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل:٧١] ونحو ذلك من الآيات دلت على أن تفاوت الناس في الأرزاق والحظوظ سنة من سنن الله السماوية الكونية القدرية لا يستطيع أحد من أهل الأرض البتة تبديلها ولا تحويلها بوجه من الوجوه: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣]، وبذلك تحقق.
والعجيب أن العلامة الشنقيطي يتكلم بهذا الكلام في وقت كنا هنا في مصر ونحن تلامذة في المدارس نحفظ الميثاق أكثر مما نحفظ آيات القرآن الكريم، وكان لابد في أي موضوع تعبير أو موضوع إنشاء من أنك ترصعه بنص من الميثاق، وكأنه آية قرآنية! حتى قالت أمينة السعيد في يوم من الأيام: كيف نخضع لفقهاء أربعة ولدوا في عصر الظلام ولدينا الميثاق؟ وبعض هؤلاء يقول: إن الإسلام لا يتصادم مع الاشتراكية! حتى ألف أحد الدعاة الكبار المشهورين كتاباً اسمه: الاشتراكية في الإسلام، وأجهد نفسه هو وغيره في محاولتهم أن يأتوا من الشرق ومن الغرب بدليل أو شبهة حتى يثبتوا أن الإسلام دين الاشتراكية، وكأن الإسلام تابع لمذاهبهم ولضلالهم! والعجيب أن العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى يتصدى لهذا المفهوم في وقت كانت فيه هذه المفاهيم حقائق مقررة، وكان لا يستطيع أحد أن يوقفها أبداً، ومع ذلك هو يجهر ويتنبأ بفشل هؤلاء، ونحن الآن نعيش بعد سنوات طويلة من حقب الاشتراكية السوداء المهينة، ونراجع تلك الأيام، وكيف عذبت الشعوب وقهرتها، وأذلتها وأفقرتها، حتى نفس روسيا التي كانت منظراً فقط للأسلحة النووية، تتسول اليوم من الشرق ومن الغرب، وأمريكا تذلها وتجبرها على الركوع تحت أقدامها، وغير ذلك من التهديدات التي نسمعها بين الحين والآخر.
الشاهد من هذا الكلام: أن العلامة الشنقيطي يتكلم في جو ما كان أحد يتكلم بهذا الكلام فيه، بل كان الغالب والسائد في المؤلفات والخطب، والدروس والكتب والمطبوعات والإعلام، هو ترسيخ أن الإسلام هو دين الاشتراكية، وأن الإسلام يدعو للاشتراكية، وكانوا يرددون بيت لـ حافظ إبراهيم يقول فيه: الاشتراكيون أنت إمامهم لولا دعاوى القوم والغلواء يعني: يزعمون أن محمداً ﵊ هو إمام الاشتراكيين! مع أن الاشتراكية هذه أتت في وقت قريب، والله المستعان! وبعدما ذكر بقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل:٧١]، يقول: وبذلك تتحقق أن ما يتذرع به الآن الملاحدة المنكرون لوجود الله ولجميع النبوات والرسائل السماوية إلى ابتزاز ثروات الناس، ونزع ملكهم الخاص عن أملاكهم بدعوى المساواة بين الناس في معايشهم، أمر باطل لا يمكن بحال من الأحوال، مع أنهم لا يقصدون ذلك الذي يزعمون، وإنما يقصدون استئثارهم بأملاك جميع الناس.
فهم يظهرون للناس أن الاشتراكية تحقق وتوزع الحق بين الناس بالتساوي، وهم ينتقدون غيرها من المبادئ والأنظمة، سواء كان هذا نظاماً رأسمالياً أو غيره فيقولون: النظام الرأسمالي فيه استغلال لكن الاشتراكية توزع الفرص على الناس بالتساوي، وفي الحقيقة هم يريدون أن يستأثروا بالثروات؛ ولذلك فإن زعماء الشيوعية كانوا طوال عمرهم يعيشون حالة من الترف أشد من حالة الأباطرة والقياصرة أيام المملكة القيصرية؛ فيقتنون أعجب أنواع السيارات في العالم كله.
يقول: مع أنهم لا يقصدون ذلك الذي يزعمون، وإنما يقصدون استئثارهم بأملاك جميع الناس؛ ليتمتعوا بها، ويتصرفوا بها كيف شاءوا تحت ستار كثير من أنواع الكذب، والغرور، والخداع، كما يتحققه كل عاقل مطلع على سيرتهم وأحوالهم مع المجتمع في بلادهم، فالطغمة القليلة الحاكمة ومن ينظم إليها هم المتمتعون بجميع خيرات البلاد، وغيرهم من عامة الشعب محرومون من كل خير، مظلومون في كل شيء، حتى ما كسبوه بأيديهم، يعلفون ببطاقة كما تعلف البغال والحمير.
وكان النظام الشيوعي يوزع كل شيء بالبطائق؛ لأن مبدأ الشيوعية أن يعطي كل واحد حسب حاجته لا حسب قدرته وبذله، يعني: كل واحد يبذل للدولة حسب قدرته، ويبذل أقصى طاقته في الإنتاج، ثم يوزع على الناس حسب حاجتهم، وليس الذي يسعى أكثر ينال أكثر، بل ينال كل واحد حسب حاجته.
قال: وقد علم الله جل وعلا في سابق علمه أنه يأتي ناس يغتصبون أموال الناس، بدعوى أن هذا فقير، وهذا غني، وقد نهى جل وعلا عن اتباع الهوى بتلك الدعوى، وأوعد من لم ينته عن ذلك، فقال : ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء:١٣٥].
стр. 1722
تفسير سورة الزخرف [٣٣ - ٦١]
стр. 1723
تفسير قوله تعالى: (ولولا أن يكون الناس أمةً واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً)
قال ﵎ مشيراً إلى حقارة الدنيا عنده وفي ميزانه: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥].
قوله تعالى: ((وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً))، أي: متفقة على الكفر بالله ﵎، أي: لولا كراهة أن يصبح الناس أمة واحدة على الكفر.
((لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ)) يعني: هذا الذي يكفر بالرحمن يعطيه الله المزيد من الدنيا؛ لأنه إذا أتاه المزيد من الدنيا يظن أن الله يريد به خيراً، فيستدرجه، فكلما ازداد كفره بنعم الله ازداد استحقاقه للعذاب بجانب كفره الأصلي، فيزداد عذاباً، وهذا كما قال ﵎: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران:١٧٨].
وأما إعراب قوله: ((لِبُيُوتِهِمْ)) فهو بدل اشتمال، من كلمة (من)، يعني: لبيوت من يكفر.
وقوله: ((لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ)) فيها قراءتان: (سَقْفَاً مِنْ فِضَةْ)، والقراءة الأخرى: ((سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ)).
وقوله: ((وَمَعَارِجَ)) يعني: مصاعد من فضة ((عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ)) أي: يرتقون.
وقوله: ((وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا)) أي: من فضة ((وَسُرُرًا)) أي: من فضة ((عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ)).
وقوله: ((وَزُخْرُفًا)) أي: ولجعلنا لهم مع ذلك زخرفاً، أي: زينة من ذهب وجواهر أو فضة.
ثم أشار تعالى إلى أنه لا دلالة في ذلك على فضيلتهم، يعني: حتى ولو أعطاهم الله كل ذلك لما دل ذلك على أنهم كمل أو على أفضليتهم عند الله ؛ لقوله: ((وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) أي: وما كل هذه الأشياء التي ذكرت من السقف الفضية والمعارج والأبواب والسرر والزخرف، إلا متاعاً يستمتع به أهل الدنيا في الدنيا.
وقوله: ((وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ)) أي: وزينة الدار الآخرة وبهاؤها عند ربك للمتقين، أي: الذين اتقوا الله فخافوا عقابه، فجدوا في طاعته، وحذروا معاصيه، خاصة دون غيرهم.
قال المهايمي: لا خصوصية في ذلك المتاع، بحيث يدل على عدم منصب النبوة، وإنما الذي يدل على عدم النبوة عدم التقوى؛ فالنبوة إنما تكون لمن كمل تقواه، سواء كانت عنده الدنيا أم لا.
وإنما كانت الزينة الدنيوية أحق بالكفار لأنها تثير ظلمة الأهوية المانعة من رؤية الحق، بحيث يصير صاحبها أعشى.
وسيأتي مزيد بيان في كلام الشنقيطي رحمه الله تعالى حول هذه الآية، لكن نثبت أولاً كلام القاسمي ﵀ حيث قال: تنبيه: ما قدمنا من أن معنى ((وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)) لولا كراهة ذلك، وأن معنى كونهم أمة واحدة اجتماعهم على أمر واحد وهو الكفر، أي: أن كراهة الاجتماع على الكفر هي المانعة من تمتيع الكافر بها على الوجه المذكور، هذا هو ما ذكره المفسرون.
فورد عليه -يعني: يورد بعض الناس إشكالاً على هذا- أنه حين لم يوسع على الكافرين خشية الفتنة التي كانت تؤدي إليها التوسعة عليهم من إطباق الناس على الكفر؛ لحبهم الدنيا، وتهالكهم عليها، فهلا وسع على المسلمين ليطبق الناس على الإسلام؟ فأجيب: بأن التوسعة عليهم مفسدة أيضاً؛ لما تؤدي إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا، والدخول في الدين لأجل الدنيا من ديدن المنافقين، فكانت الحكمة فيما دبر؛ حيث جعل في الفريقين أغنياء وفقراء، وغلب الفقر على الغنى.
هذا ما قاله الزمخشري.
على أي الأحوال هذه الآية تتمة لما قبلها ترد على أولئك الضالين زعمهم أن العظمة الدنيوية تستوجب النبوة، فبين ﵎ حكمته في تفاوت الخلق في الآية الأولى وهي التسخير، وفي الآية الثانية وهي حقارة الدنيا عنده، وأنه لولا التسخير لما آتاها أحط الخلق، وأبعدهم منه؛ مبالغة في الإعلام بضعتها.
فالدنيا أحقر عند الله من جناح بعوضة، ولولا كراهة الفتنة أن يصير جميع البشر أمة واحدة متفقة على الكفر لآتى الله سبحانه الكافر كل هذا النعيم، ولذا قال سبحانه: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٤] ((وَزُخْرُفًا)) أي: ذهباً.
وقد قال ﵊: (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء).
والحقيقة أن الحديث لا ينص على أنها تساوي جناح بعوضة، بل يدل على أن الدنيا أحقر من جناح البعوضة؛ لأنها لو كانت تساوي جناح بعوضة لما سقاه شربة ماء، فتأمل شربة الماء بالنسبة إلى كل النعيم الذي يؤتاه الكافر تعرف مدى حقارة الدنيا عند الله ! قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ)).
قوله: ((لِبُيُوتِهِمْ)) في الموضعين قرأه ورش وأبو عمرو وحفص عن عاصم بضم الباء على الأصل، وقرأه قالون عن نافع وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وشعبة عن عاصم: بكسر الباء؛ لمجانسة الكسرة للياء.
وقوله: ((سُقُفًا)) قرأه نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم ((سُقُفاً)) بضمتين على الجمع، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ((سَقْفًا)) بفتح السين وإسكان القاف على الإفراد، والمراد به: الجمع.
قوله تعالى: ((وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ)) قرأه نافع وابن كثير وابن عامر في رواية ابن ذكوان وإحدى الروايتين عن هشام وأبو عمرو والكسائي: ((لَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ)) بتخفيف الميم من (لمَا)، وقرأه عاصم وحمزة وهشام عن ابن عامر في إحدى الروايتين: ((لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ)) بتشديد الميم من (لمَّا).
ومعنى الآية الكريمة: أن الله لما بين حقارة الدنيا وعظم شأن الآخرة في قوله: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أتبع ذلك ببيان شدة حقارتها، وأنه جعلها مشتركة بين المؤمنين والكافرين؛ وجعل ما في الآخرة من النعيم خاصاً بالمؤمنين دون الكافرين، وبين حكمته في اشتراك المؤمن مع الكافر في نعيم الدنيا بقوله: ((وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً))، أي: لولا كراهتنا لكون جميع الناس أمة واحدة متفقة على الكفر لأعطينا زخارف الدنيا كلها للكفار، ولعلمنا بشدة ميل القلوب إلى زهرة الحياة الدنيا وحبها لها لو أعطينا ذلك كله للكفار، لحملت الرغبة في الدنيا جميع الناس على أن يكونوا كفاراً، فجعلنا في كل من الكافرين والمؤمنين غنياً وفقيراً، وأشركنا بينهم في الحياة الدنيا.
стр. 1724
اختصاص نعيم الآخرة بالمؤمنين
ثم بين جل وعلا اختصاص نعيم الآخرة بالمؤمنين في قوله: ((وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا))، أي: أن متاع الدنيا مشترك بين المؤمنين والكافرين، لكن الآخرة ليست مشتركة: ((وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ))، فالآخرة خاصة بالمتقين، وهذا المعنى جاء موضحاً في غير موضع، كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢].
فقوله: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: مشتركة في الحياة الدنيا بين المؤمنين والكافرين، ويدل على هذا الاشتراك صدر الآية: ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ))، فهنا امتنان على العباد بهذه النعم التي أطلق أيديهم فيها، وأنعم عليهم بها.
ثم هناك أمر مهم جداً، وهو أن في آية الزخرف ما يدل على هذا الاشتراك وهو كلمة (لولا) في قوله: ((وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ)).
؛ لأن (لولا) حرف امتناع لوجود، فالله يقول: ((قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا))، ثم يأتي العلماء والمفسرون ويقولون: هي مشتركة بين المؤمنين وبين الكفار في الحياة الدنيا، فلابد أن يعرف الإنسان ما الدليل على هذا التفسير، والدليل هو أن كلمة: ((َلَوْلا)) حرف امتناع لوجود، والذي امتنع هو أن يقصر الله الدنيا على الكفار، ويوسع عليهم فيها وحدهم، هذا هو الممتنع.
إذاً: هي ليست مقصورة عليهم؛ لأن هذا ممتنع بسبب وجود كراهة أن يصير الناس جميعاً أمة واحدة.
وكذلك تفسير هذه الآية هنا في سورة الزخرف: ((وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا))، أي: أن متاع الدنيا مشترك بينهم وبين الكفار لكن التمتع في الآخرة خاص بالمؤمنين؛ لأنه قال: ((وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ)).
وقال في آية الأعراف: ((خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، أي: خالصة لهم دون غيرهم، ولا يشاركهم فيها أحد.
يقول: فقوله في آية الأعراف هذه: ((قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) صريح في اشتراك المؤمنين مع الكفار في متاع الحياة الدنيا، وذلك الاشتراك دل عليه حرف الامتناع للوجود الذي هو (لولا) في قوله هنا: ((وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)).
أي: امتناع تخصيص الكفار بنعيم الدنيا ومتاعها، فهو ممتنع بهذا الدليل.
قال: وخصوص طيبات الآخرة بالمؤمنين منصوص عليه في آية الأعراف بقوله: ((خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، وهو الذي أوضحه في آية الزخرف بقوله: ((وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ)).
وجميع المؤمنين يدخلون في الجملة في لفظ (المتقين)؛ لأن كل مؤمن اتقى على الأقل الشرك بالله، فيصدق عليه أنه من المتقين.
стр. 1725
تمتيع الكافر في الدنيا
وما دلت عليه هذه الآيات من أنه تعالى يعطي الكفار من متاع الحياة الدنيا دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله ﵎، كقوله تعالى: ﴿قَاْلَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ [البقرة:١٢٦]، وقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان:٢٤]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٢٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس:٦٩ - ٧٠].
وقد بين ﵎ في آيات من كتابه أن إنعامه على الكافرين ليس لكرامتهم عليه، ولكنه للاستدراج، كقوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٤ - ٤٥]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٤ - ٤٥].
وصح عن النبي ﵊ أنه قال: (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر،)، فالدنيا جنة الكافر؛ لأن من ضمن حكمة الله في التوسعة على الكافر في الدنيا أنه يكافئه مقابل ما يعمل من الأعمال الحسنة، كبر الوالدين، وصدق الوعد، والإحسان إلى الفقير واليتيم والمسكين، وغير ذلك مما يسمونه بالأشياء الإنسانية، فإذا عملها وهو يريد بذلك التقرب إلى الله فقد يجازى بها في الدنيا؛ لأنها لا تنفعه على الإطلاق في الآخرة؛ لأنه لا يسمى عملاً صالحاً؛ لأنه يفتقد شرط الإيمان، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل:٩٧]، فلابد أن يكون مؤمناً، فالذي بدون الإيمان قد ينفعه في الدنيا فقط، لكن لا يمكن أن ينفعه في الآخرة، ونقول: (قد) لأنه لا ينال ذلك إلا بمشيئة الله، كما قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨]، فالمنفعة معلقة بمشيئة الله ، فيعطى الكافر في الدنيا مقابل الأعمال الحسنة التي يعملها؛ لأن هذه هي الجنة والفرصة الوحيدة لأن يثاب على هذا العمل، أما في الآخرة فلا يمكن أن ينتفع ويثاب على عمله.
ثم قال تعالى أيضاً: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف:٩٥].
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم:٧٥] على أظهر التفسيرين.
وقال تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران:١٧٨].
وقال تعالى: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج:٤٤].
ودعوى الكفار أن الله ما أعطاهم المال ونعيم الدنيا إلا لكرامتهم عليه، واستحقاقهم لذلك، وأنه إن كان البعث حقاً أعطاهم خيراً منه في الآخرة، ردها الله عليهم في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [المؤمنون:٥٥] * ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ:٣٧].
وقال تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٨].
وقال تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل:١١].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤].
стр. 1726
المقصود بالمعارج والسقف والزخرف
وقوله تعالى: ((وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا)).
يعني: لصيرنا، وقوله: ((لِبُيُوتِهِمْ)) بدل اشتمال مع إعادة العامل -يعني: حرف الجر- من قوله: ((لِمَنْ يَكْفُرُ)).
وعلى قراءة (سُقُفاً) بضمتين فهو جمع سقف، وسقف البيت معروف.
وعلى قراءة (سَقْفاً) فهو مفرد أريد به الجمع، وقد قدمنا في أول سورة الحج في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج:٥] أن المفرد إذا كان اسم جنس يجوز إطلاقه مراداً به الجمع، وأكثرنا من أمثلة ذلك من القرآن، ومن الشواهد العربية على ذلك.
وقوله تعالى: ((وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ)) الظاهر أنه جمع معرج، والمعرج والمعراج بمعنى واحد، وهو: الآلة التي يعرج بها، يعني: يصعد بها إلى العلو.
((وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ)).
أي: يصعدون ويرتفعون؛ حتى يصيروا على ظهور البيوت، ومن ذلك المعنى قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧].
والسرر: جمع سرير، والاتكاء معروف، والأبواب: جمع باب، وهو معروف، والزخرف: الذهب.
قال الزمخشري: إن المعارج التي هي المصاعد، والأبواب والسرر، كل ذلك من فضة.
وكأنه يرى اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في ذلك، وعلى هذا المعنى فقوله: ((َزُخْرُفًا)) مفعول عامله محذوف، والتقدير: وجعلنا لهم مع ذلك زخرفاً، يعني: ذهباً.
وقال بعض العلماء: إن جميع ذلك بعضه من فضة، وبعضه من زخرف، يعني: من ذهب.
стр. 1727
تفسير قوله تعالى: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناَ فهو له قرين)
قال ﵎: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦].
أي: ومن يعرض عن ذكر الرحمن فلم يخف سطوته، ولم يخش عقابه (نقيض له شيطاناً فهو له قرين)، أي: نجعل له شيطاناً يغويه، ويضله عن السبيل القويم دائماً؛ لمقارنته له، فإنه يظل مقارناً إياه.
قال: القاشاني: قرئ: ((وَمَنْ يَعْشُ عن))، وقرئ: ((وَمَنْ يَعْشَ عن)) بضم الشين وفتحها، والفرق: أن عشى يستعمل إذا نظر نظرة العشى لعارض أو متعمداً من غير آفة في بصره، وعشي إذا ضعف بصره.
قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسيرها أيضاً: وسنتعرض لهذا التفسير في أثناء تفسير سورة فصلت في قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت:٢٥].
((وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ)) أي: جئناهم بهم، وأتحناهم لهم، أو هيأنا، أو سلطنا، أو بعثنا ووكلنا، أو سببنا، أو قدرنا، وجميع تلك العبارات راجعة إلى شيء واحد، وهو أن الله ﵎ هيأ للكافرين قرناء من الشياطين يضلونهم عن الهدى، ويزينون لهم الكفر والمعاصي.
والقرناء: جمع قرين، وهم قرناؤهم من الشياطين على التحقيق.
((فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)) أي: من أمر الدنيا حتى آثروه على الآخرة.
((وَمَا خَلْفَهُمْ)) أي: من أمر الآخرة، فدعوهم إلى التكذيب به، وإنكار البعث.
وبين هنا في سورة الزخرف سبب هذا التقييض، وأنهم مع إضلالهم لهم يحسبون أنهم مهتدون، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٨].
فترتيب قوله: ((نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا)) على قوله: (ومن يعش) يدل على أن سبب تقييضه له هو غفلته عن ذكر الرحمن، ونظير ذلك آية أخرى في القرآن الكريم فيها الربط بين الغفلة عن الذكر وبين تسليط الشياطين، وهي قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:٤]، فكلمة (الوسواس الخناس) معناها: أن الإنسان إذا غفل عن ذكر الله وسوس له الشيطان، وإذا ذكر الله انخنس، وفي الحديث أنه إذا سمع الذكر يولي وله ضراط، لشدة نفرته عن ذكر الله .
إذاً: سورة الناس فيها نفس هذا المعنى في قوله ﵎: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:٤]؛ لأن الوسواس هو كثير الوسوسة؛ ليضل بها الناس، والخناس هو كثير التأخر والرجوع عن إضلال الناس، من قولهم: خنس يخنس إذا تأخر وهرب، فهو وسواس عند الغفلة عن ذكر الرحمن، خناس عند ذكر الرحمن.
إذاً: من أعظم علاج الوسوسة المواظبة على ذكر الله ؛ لأن الذكر يضعف تأثير الشيطان، ويجعله يفر بعيداً عن الإنسان، كما دلت عليه آية الزخرف المذكورة، وهي قوله تعالى: ((وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ)) فعقوبته: ((نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)).
ودل على ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠]؛ لأن الذين يتولونه والذين هم به مشركون غافلون عن ذكر الرحمن، وبسبب ذلك قيضه الله لهم فأضلهم.
ومن الآيات الدالة على تقييض الشياطين للكفار ليضلوهم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣].
وقال ﵎: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ﴾ [الأنعام:١٢٨]، أي: استكثرتم من إضلال الإنس في دار الدنيا.
وقال تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٢].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس:٦٠] إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس:٦٢].
وقوله تعالى: ((فَبِئْسَ الْقَرِينُ)) يدل على أن قرناء الشياطين المذكورين في آية فصلت وآية الزخرف وغيرهما جديرون بالذم الشديد، وقد صرح تعالى في سورة النساء بقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء:٣٨]، وقال هنا: ((فَبِئْسَ الْقَرِينُ))؛ لأن كلاً من (ساء) و (بئس) فعل جامد لإنشاء الذم.
стр. 1728
تفسير قوله تعالى: (وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون)
واعلم أن الله تعالى بين أن الكفار الذين أضلهم قرناؤهم من الشياطين يظنون أنهم على هدى، فهم يحسبون أشد الضلال أحسن الهدى، فقال تعالى عنهم: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:٣٠].
وبين تعالى أنهم بسبب ذلك الظن الفاسد أخسر الناس أعمالاً في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤] وهذا ظاهر وملموس ومحسوس من أحوال الكفار، ونحن نرى شدة اغترارهم بما هم عليه، كما قال كلينتون في حفل تنصيبه للرئاسة: إن أمريكا تؤمن بأن قيمها صالحة لكل الجنس البشري، وأن عليها التزاماً مقدساً بتحويل العالم إلى صورتها.
ونقول: لو تحول العالم إلى هذه الصورة فبئس العصر! أيضاً: أقر مجلس الشيوخ في أمريكا القانون الإرهابي الذي تبنته أمريكا، والذي يبيح للرئيس الأمريكي أن يتدخل في أي دولة في العالم؛ لحماية الحرية، وتسهيل ممارسة الحرية الدينية للطوائف المخالفة للدين.
ومصر موضوعة في أوائل هذه الدول التي يطبق عليها هذا الكلام، ومن حقه أن يتدخل بفرض عقوبات على أي دولة تتعرض للحرية الدينية بأي طريقة مخالفة.
الشاهد: أن واحداً من هؤلاء الشيوخ -شيوخ الضلال- تكلم وقال: إن هذه البلد تصدر كل شيء للعالم، فينبغي أن تصدر له أيضاً قيمها، وإن من هذه القيم حماية الحريات الدينية، وغير ذلك! وطبعاً كل هذه من أساليب أقنعة الهيمنة والإذلال والقهر للأمم، وهذا كله مما يبين لنا كيف أن هؤلاء على ضلالهم وكفرهم، يحسبون أنهم مهتدون.
وقوله تعالى هنا في آية الزخرف: ((وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ))، من قولهم: عشا عن الشيء يعشو، إذا ضعف بصره عن إدراكه؛ لأن الكافر أعمى القلب، فبصيرته تضعف عن الاستنارة بذكر الرحمن، بسبب ذلك يقيض الله له قرناء الشياطين.
وقوله ﵎: ((وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ)).
قال ابن جرير في تفسيرها: وإن الشياطين ليصدون هؤلاء الذين يعشون عن ذكر الله عن سبيل الحق، فيزينون لهم الضلالة، ويكرهون لهم الإيمان بالله والعمل بطاعته.
وقوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:٣٠]، أي: يظن هؤلاء المشركون بالله بتزيين الشياطين لهم ما هم عليه أنهم على الصواب والهدى.
وقوله: ((حَتَّى إِذَا جَاءَنَا)) أي: العاشي عن ذكر الله.
وقوله: ((قَالَ)) أي: قال لشيطانه.
وقوله: ((يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ)) المقصود: بعد المسافة بين المشرق والمغرب، وقال: (المشرقين) من باب التغليب، ونظير ذلك أن تقول: العصران، والمقصود بها: الظهر والعصر، أو العمران، والمقصود بهما: أبو بكر وعمر، والأبوان: الأب والأم، والأسودان: التمر والماء، والقمران: الشمس والقمر.
وقيل: المراد: مشرقا الصيف والشتاء، والتقدير: من المغربين.
يقول بعض الشعراء أيضاً في كلمة القمرين هذه: أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع.
قوله: (لنا قمراها) يعني: الشمس والقمر.
وقوله: ((فَبِئْسَ الْقَرِينُ)).
أي: حتى إذا حضر عقابنا اللازم لاعتقاده وأعماله والعذاب المستحق لمذهبه ودينه تمنى غاية البعد بينه وبين شيطانه الذي أضله عن الحق، وزين له ما وقع بسببه في العذاب، واستوحش من قرينه واستذله، لعدم الرابطة الطبيعية، أو انقطاع الأجساد بينهما.
стр. 1729
تفسير قوله تعالى: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون)
قال ﵎: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩].
قال القاشاني: أي: لن ينفعكم التمني وقت حلول العذاب واستحقاق العقاب إذا ثبت وصح ظلمكم في الدنيا، وتبين عاقبته، وكشف عن حاله؛ لأنكم مشتركون في العذاب لاشتراككم في سببه.
أو: ولن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب من شدته؛ لأن كل واحد منكم له الحظ الأوفر من العذاب.
قال المبرد: منعوا روح التأسي؛ لأن التأسي يسهل المصيبة.
وهذا شيء طبيعي في الإنسان، كما يقول العوام: المصيبة إذا عمت هانت، أو إذا رأى الإنسان بلية غيره هانت عليه بليته.
فحتى هذا المعنى النفسي الذي يحصل بسبب الاشتراك في البلاء من التخفيف يحرم منه أهل النار، فالآية تشير إلى أن اشتراكهم في العذاب لن يحدث لهم المساواة التي كانوا يجدونها في الدنيا إذا اشتركوا في بلية، فإنهم في النار اشتركوا في البلية، لكنهم منعوا روح التأسي؛ لأن التأسي يسهل المصيبة، كما قالت الخنساء ﵂: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي وقوله: ((وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ)) وهو كقوله تعالى في سورة الصافات: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات:٣٣].
стр. 1730
تفسير قوله تعالى: (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين)
قال تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:٤٠].
هذا إنكار تعتيب من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم، وأراد أنه لا يقدر على ذلك منهم إلا الله وحده، فهذه هداية خاصة بالله ، أما أنت يا محمد فإنك لا تسمع الصم، ولا تهدي العمي؛ لأن هذا النوع من الهداية لا يقدر عليه إلا الله ، وقد تكرر في التنزيل التعبير عنهم بالصم العمي الضلال؛ لأنه لا أجمع من ذلك لحالهم، ولا أبلغ منه؛ إذ سلبوا استماع حجج الله وهداه، كالأصم، وإبصار آيات الله والاعتبار بها كالأعمى، وقُصد بذلك الضال الحائر.
стр. 1731
تفسير قوله تعالى: (فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون عليهم مقتدرون)
قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف:٤١ - ٤٢].
((فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ)) أي: نقبضك قبل أن نظهرك عليهم.
((فإنا منهم منتقمون)) أي: بالعذاب الأخروي.
ثم قال تعالى: ((أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ)).
وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر:٧٧] وفي تعبيره بالوعد -وهو لا يخلف الميعاد- إشارة إلى أنه هو الواقع؛ وهكذا كان؛ إذ لم يفلت أحد من صناديدهم إلا من تحصن بالإيمان.
стр. 1732
تفسير قوله تعالى: (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم)
قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف:٤٣].
يعني: دين الله الذي أمر به، وهو الإسلام، فإنه كامل الاستقامة من كل وجه.
قال الشهاب: هذا تسلية له ﷺ ، وأمر له بالدوام على التمسك.
يعني: هو متمسك، لكن أمره هنا للدوام، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا ِ﴾ [النساء:١٣٦] أي: دوموا على ذلك، واثبتوا عليه.
فكذلك هنا: (فاستمسك) هو متمسك منذ الوحي نزل، لكن الأمر هنا هذا أمر وهو الدوام على التمسك بهذا الحق.
والفاء واقعة في جواب شرط مقدر، أي: إذا كان أحد هذين واقعاً لا محالة فاستمسك به.
وهذه الآية تدل على أن المتمسك بهذا القرآن على هدى من الله ، وهذا معلوم بالضرورة.
стр. 1733
تفسير قوله تعالى: (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون)
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤].
((وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ)) أي: وإن الذي أوحي إليك لشرف لك ولقومك من قريش؛ لما خصهم به من نزوله بلسانهم، أو أن المراد بقوله: ((وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ)) أي: أتباعه ﷺ ، أي: أنه تنويه بقدرك، وبقدر أمتك، وذلك لما أعطاهم الله بسببه من العلوم والمزايا والخصائص والشرائع الملائمة لسائر الأحوال والأزمان.
ويجوز أن يراد بالذكر: الموعظة.
وقوله: ((وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ)) أي: عما عملتم من ائتماركم بأوامره، وانتهائكم عن نواهيه.
стр. 1734
تفسير قوله تعالى: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا)
قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥].
أي: هل حكمنا بعبادة الأوثان؟ وهل جاءت في ملة من مللهم؟ قال القاضي: والمراد هنا الاستشهاد بشيء معين، وهو الاستشهاد بإجماع الأنبياء على التوحيد والدلالة على أنه ليس ببدع ابتدعه فيكذب ويعادى، والذين أمر بمسائلتهم الرسول ﷺ هم مؤمنو أهل الكتابين: التوراة والإنجيل.
فقوله سبحانه: ((وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا)) يعني: من أمم رسلنا؛ لأن النبي ﵊ سيسأل الموجودين في زمنه، والموجودون في زمنهم هم المؤمنون من أتباع كتابهم.
أو أنه جعل سؤالهم بمنزلة سؤال أنبيائهم؛ لأنهم يخبرون عما قاله أنبياؤهم، وذلك أن دعوة التوحيد هي أظهر ما في دعوات الأنبياء، وهم يخبرون عن كتب الرسل، فإذا سألهم فكأنه سأل الأنبياء.
وقال بعض المفسرين: إن هذا كان في حادثة الإسراء.
стр. 1735
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا لعلهم يرجعون)
قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف:٤٦ - ٤٧].
((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا)) أي المصدقة له ((إِلَى فِرْعَوْنَ))؛ لينهاه عن الاستعباد، ((وَمَلَئِهِ)) أي: لينهاهم عن التعبد له.
وقوله: ((فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ))، أي: فأبان أنه لا يستحق العبادة غير الله ﵎، وأنه ليس لأحد سواه عبودية؛ لأنها حق الربوبية المطلقة لله .
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف:٤٧].
أي: فلما أتاهم بالحجج على التوحيد، والبراءة من الشرك، إذا فرعون وقومه يضحكون، كما أن قومك مما جئتهم به من الآيات والعبر يسخرون، وهذا تسلية من الله لنبيه ﷺ ، عما كان يلقى من مشركي قومه، وإعلان منه لهم أن قومه من أهل الشرك لن يعدوا أن يكونوا كسائر الأمم الذين كانوا على منهاجهم في الكفر بالله وتكذيب رسله، وإرشاد له ﷺ بالصبر عليهم أخذاً بسنن أولي العزم من الرسل، وإخبار منه له أن مردهم إلى البوار والهلاك، كسنته في المتمردين عليهم قبله، وإظهاره عليهم وإعلائه أمره، كالذي فعل بموسى ﵇ وقومه الذين آمنوا به، من إظهارهم على فرعون وملئه.
ثم أشار إلى أن موجب الهزء لم يكن إلا لعناد، فما كانوا يهزئون من الآيات والمعجزات التي جاءهم بها موسى ﵇ لقصور في تلك الآيات على ما تدل عليه، وإنما لمجرد العناد، ومحض الاستكبار والجحود، كما بين موجب هذا الهزء بقوله: ((وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا)).
أي: أختها السابقة عليها، ((وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ)).
أي: العذاب الدنيوي مما يلجئ إلى الرجوع، ((لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)).
فسلط الله عليهم العذاب الدنيوي إلجاءً لهم إلى الرجوع وإلى التوبة.
стр. 1736
تفسير قوله تعالى: (وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك)
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ [الزخرف:٤٩ - ٥٠].
قوله ﵎: ((وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ)) فيها أقوال: قيل: يا أيها العالم! لأنهم كانوا يعظمون الساحر، ولذلك خاطبوه على جهة التعظيم بقولهم: ((يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ)).
وقيل: قالوها على جهة الاستهزاء، ويرشح ذلك أن السياق في ذكر سبب استهزائهم؛ لأنه قال قبلها: ((إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ))، ثم قال: ((وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ))، أي: استهزاءً به ﵇.
أو أنهم خاطبوه بما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر، حيث كان أشيع عنه أنه ساحر، فتقدم لهم وصفه وتسميته بأنه ساحر فيما بلغهم عنه، فلما لقوه أو أتوه أو فزعوا إليه قالوا له: ((يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ))، باعتبار هذه التسمية المتقدمة عندهم.
وقوله: ((ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ)) العهد الذي عهده الله عند موسى أنه لا يعذب من آمن بموسى، فقالوا: فادع الله لنا بهذا العهد، أن من آمن منا فسوف لا يعذبه.
وقوله: ((إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ)) أي: بما تزعم أنه الهداية، يعني: كأنهم يعطونه وعداً: ((لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)) [الأعراف:١٣٤].
وهذا دليل واضح على أن فرعون وقومه كانوا يعرفون في قلوبهم أن موسى رسول من عند الله حقاً وصدقاً، وأنه لا يكذب على الله، والأدلة كثيرة في القرآن، منها هذه الآية: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ أي: سوف نتبعك ونهتدي إن كشفت عنا العذاب، كما قال ﵎ في سورة الأعراف: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ [الأعراف:١٣٤ - ١٣٥].
وكذلك قال هنا: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾، أي: ينكثون العهد الذي عاهدوا عليه، ويتمادون في غيهم.
стр. 1737
تفسير قوله تعالى: (ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر)
قال تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١].
المقصود بقوله: ((من تحتي)) أي: من تحت قصوري ((أفلا تبصرون)) أي: أفلا تبصرون قوتي وملكي وعظمتي؟! فشاء الله أن يأتيه الجزاء من جنس العمل، فإنه لما قال هذه العبارة: ((تَجْرِي مِنْ تَحْتِي)) تفاخراً وتعاظماً، أجرى الله الماء من فوقه، وأغرقه في النهاية.
وقوله: ((وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي))، يعني بذلك: أنهار النيل.
وقوله: ((أَفَلا تُبْصِرُونَ)) أي: ما أنا فيه من النعيم، والخير، وما فيه موسى من الفقر؟!
стр. 1738
تفسير قوله تعالى: (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين)
قال تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢].
قوله: ((أَمْ أَنَا خَيْرٌ)) (أم) هنا بمعنى: بل، والمعنى: بل أنا خير ((مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ)) أي: ذليل ضعيف، لا شيء له من الملك والأموال، وهذا هو نفس المنطق المادي الذي يشيع في الكفار.
وقوله: ((وَلا يَكَادُ يُبِينُ)) يعني: لا يكاد يبين الكلام؛ لمخالفة اللغة العبرانية للغة القبطية، وكلمة قبطي لا تدل على ديانة، وإنما أصلها المصري القديم، وهذا يعني أن المصري القديم كان في ساعات يعبد فرعون، وفي ساعات يعبد كذا، ولما دخلت النصرانية مصر تدينوا بها، لكن للأسف الشديد حتى اليوم نحن المصريين نسمى باللغة العبرانية بالأقباط، ففي اللغة العبرية كلمة (إيجبشن) ومعناها: قبطي، ولم تعرب بكلمة مصر إلى الآن.
وقوله: ((وَلا يَكَادُ يُبِينُ))؛ أي: أن لغته غير واضحة بالنسبة لفرعون؛ لأنه يتكلم بالعبرانية، أما فرعون فيتكلم القبطية.
قال بعض المفسرين: إن هذا إشارة إلى عقدة كانت في لسانه، ثم أذهبها الله عنه، وهذا ورد في حديث الفتوح الطويل المعروف، وإن كان لم يصح، لكن يشيع عند المفسرين، خاصة في تفسير سورة طه، عند قوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه:٤٠]، فموسى ﵇ لما كان صغيراً، وخشي فرعون على ملكه منه، قيل له: اختبره، وانظر ماذا سيختار، فأتى بجمرة من النار، وبشيء آخر، فألهم أن يأخذ جمرة النار؛ حتى يظهر له أنه لا يعقل ولا يعي الأشياء، فحصل منها هذه العقدة في لسانه، والله تعالى أعلم، وإن كان الظاهر والأصل أن الأنبياء مبرءون عن العيوب الجسدية.
وعلى أي الأحوال حتى لو فرضت صحة ذلك فالذي نؤمن به يقيناً أن موسى ﵇ دعا الله أن يذهب عنه ذلك، وقد استجاب دعاءه؛ كما حكى الله عن موسى ﵇ أنه قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٧ - ٣٢] إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦].
إذاً: هذا الخبيث فرعون إن كان يقصد بقوله: ((وَلا يَكَادُ يُبِينُ)) الإشارة إلى هذه العقدة التي كانت في لسانه، فنقول: لنفترض فعلاً أنها كانت عقدة، فقد أذهبها الله عنه، فكأن فرعون عيره بشيء قد كان وزال، وفرعون وإن كان يدري هذا لكنه أراد التضليل على الرعية؛ لأنه عارف بالحقيقة.
стр. 1739
تفسير قوله تعالى: (فلولا ألقي عليه أسورة قوماً فاسقين)
قال تعالى: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف:٥٣].
((فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ)) يعني: نريد أن تنزل عليه أسورة الذهب من السماء، ((أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ))؛ كي يؤيدوه، وسبق الرد على اقتراح الآيات، وقلنا: إن هذا ليس إلى الأنبياء، بل هو من محض إرادة الله ، ولذلك لو أن الملائكة جاءتهم في صورتهم الحقيقية فلابد أن تأتيهم بالعذاب، وإلا فإنها تأتيهم في صورة رجال، كما قال : ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٩].
ويفهم من قوله: ((أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ)) أن فرعون كان يؤمن بوجود الملائكة، كما أن فرعون ما كان ينكر وجود الله، ولم يحك القرآن عن أمة من الأمم الكافرة أنها أنكرت وجود الله، فإن توحيد الربوبية قد أطبق عليه المشركون كافة، حتى الذين قص الله خبرهم في سورة المؤمنون كانوا يقرون بوجود الله، كما هو واضح من سياق الآيات.
وكذلك أبو لهب وأبو جهل وغيرهم من كفار قريش كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، لكن النزاع كان في توحيد الألوهية، وهو توحيد الله بأفعال العباد، أما توحيد الربوبية فإنه لا يسمى إيماناً، كما يفعل بعض الناس الآن؛ حيث يصف الكفار والمسلمين، ويضع معهم النصارى واليهود، كأن يقول: نحن معشر المؤمنين بالله.
إذاً: على هذا القول كان أبو جهل مؤمناً وكان أبو لهب مؤمناً وكان فرعون مؤمناً.
فالمقصود توحيد الألوهية والعبادة، وليس توحيد الربوبية، بدليل أن كلمة التوحيد هي (لا إله إلا الله)، وليست (لا رب إلا الله)؛ ولو كانت (لا رب إلا الله) لدل على أن المشركين كانوا مسلمين؛ لقول الله عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، فهم كانوا يقولون: لا رب إلا الله.
وقوله: ((أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ)) أي: يعينونه ويصدقونه.
((فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ)) أي: استفزهم بهذه المغالطات وحملهم على أن يخفوا له ويصدقوه ((فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)).
стр. 1740
تفسير قوله تعالى: (فلما آسفونا انتقمنا منهم ومثلاً للآخرين)
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ﴾ [الزخرف:٥٥ - ٥٦].
((فَلَمَّا آسَفُونَا))، يعني: أغضبونا وأسخطونا؛ لأن الأسف يراد به الغضب، كما أطلق الله الأسف على أشد الغضب في قوله : ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف:١٥٠]، على أصح التفسيرين.
فقوله: ((فَلَمَّا آسَفُونَا)) أي: أغضبونا بطاعة عدونا، وقبول مغالطاته بلا دليل، وتكذيب موسى وإيذائه ووصفه بالساحر، ونكث العهود.
وقوله: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وذلك لاستغراقهم في بحر الضلال الأجيال الطوال، وعدم نفع العظة معهم بحال من الأحوال.
وقوله: ((فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا)) أي: حجة للهالكين بعدهم؛ لأن السلف هم السابقون، كما قال : ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠]، فهم سابقون من حيث الزمان، فقوله: ((فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا)) يعني: حجة للهالكين بعدهم، وسلفاً لمن يهلك بعدهم.
وقوله: ((وَمَثَلًا)) أي: عبرة ((للآخرين))، كما قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:٨].
стр. 1741
تفسير قوله تعالى: (ولما ضرب ابن مريم مثلاً وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل)
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٧ - ٥٨].
((وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا)) هذه الآية فيها عدة تفاسير منها: ((وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا)) يعني: في كونه كآدم، كما قال ﵎: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩].
والمعنى: أنه بين وصفه الحق من أنه عبد مخلوق منعم عليه بالنبوة، عبادته كفر، ودعاؤه شرك، إذ لم يأذن الله بعبادة غيره.
وقوله: ((إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ)).
أي: من هذا المثل المضروب، ووصفه المبين ((يَصِدُّونَ)).
أي: يعرضون ولا يعون.
وقوله: ((وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ)) يعنون بآلهتهم الملائكة الذين عبدوهم، زعماً منهم أنهم بنات الله تعالى كما ذكر عنهم ذلك في أول السورة، يريدون أنهم خير من عيسى وأفضل؛ لأنهم من الملأ الأعلى، والنوع الأسمى، فإذا جازت عبادة المفضول فبالأولى عبادة الأفضل، هذا لأنهم يقررون على شركهم أصولاً صحيحة، ويبنون على تمسكهم أقيسة صريحة، وغفلوا لجهلهم عن بطلان المقيس والمقيس عليه، وأن البرهان القاطع قام على بطلان عبادة غيره ﵎.
يعني: أنهم يستدلون بعبادة النصارى لعيسى ﵇ على عبادتهم للملائكة، والملائكة أفضل من عيسى، فأولى أن تعبد الملائكة؛ لأنهم أفضل من عيسى! ولا شك في بطلان هذا القياس، وبطلان المقيس عليه، فأولاً: هل عبادتهم عيسى ﵇ مما يرضي الله؟ أو هل أمر الله به؟ فالمقيس باطل، وهذا مجرد دعوى وكفر، وكذلك المقيس نفسه باطل، وهو عبادة الملائكة؛ للأدلة الواضحة التي سوف نذكرها، وكأنهم يقررون على شركهم أصولاً صحيحة، ويبنون على تمسكهم بالباطل أقيسة صريحة، وغفلوا لجهلهم عن بطلان المقيس والمقيس عليه، وأن البرهان القاطع قام على بطلان عبادة غير الله تعالى، وعلى استحالة التوالد في ذاته العادية، وإذا اتضح الهدى، فما وراءه إلا الضلال، والمشاغبة بالجدال.
فهذا أمر واضح وضوح الشمس، فإن كلا العبادتين باطل، سواء عبادة الملائكة أو عبادة المسيح ﵇.
فإذاً: هم في هذا الكلام يعرفون جيداً أن هذا باطل، لكنهم ما أرادوا إلا المشاغبة والجدال العقيم، ولذلك قال : ((وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا))، يعني: هم مقتنعون أنهم لا يقيمون حجة، إنما يجادلون لدفع الحق.
فقوله: ((مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا))، أي: ما ضربوا لك هذا القول إلا لأجل الجدل والخصومة، لا عن اعتقاد؛ لظهور بطلانه.
وقوله: ((بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ))، أي: شديدو الخصومة للباطل تمويهاً، كما قال ﷺ : (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجهل) وما ذكرناه في تفسير هذه الآية هو الجلي الواضح لدلالة السياق والسباق، فقابل بين ما حكيناه وبين ما حكاه غيرنا وأنصف.
ثم رفع الله جل وعلا شأن عيسى ﵇ فقال : ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩].
((إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ)) أي: عبد لله، ((أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ)) أي: بالنبوة والرسالة.
وقوله: ((وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ)) أي: آية وحجة عليهم، لما ظهر على يديه، مما أيد نبوته ورسالته، وصدق دعواه.
стр. 1742
تفسير قوله تعالى: (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون)
قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف:٦٠].
((منكم)) هنا معناها: بدلكم، يعني: أن (من) تأتي بمعنى بدل، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء:٤٢]، يعني: بدل الرحمن، وقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة:٣٨]، يعني: بدلاً عن الآخرة.
((مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ)) أي: يكونون مكانكم، وهذا إيعاد لهم بأنهم في قبضة الله ومشيئة، وأنه لو شاء إهلاكهم وإبدال من هو خير منهم لفعل، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].
وقيل: معنى ((لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ)): لولدنا منكم ملائكة، كما ولدنا عيسى من غير أب؛ لتعرفوا تميزنا في القدرة.
واللفظ الكريم يحتمله، إلا أن الأظهر هو الأول.
стр. 1743
تفسير قوله تعالى: (وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم)
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف:٦١].
((وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ)) قيل: إن الضمير عائد إلى القرآن، كما ذهب إليه قوم، أي: وإن القرآن الكريم يُعْلِم بالساعة، ويخبر عنها، وعن أهوالها، وفي جعله عين العلم مبالغة، والعلم بمعنى: العلامة.
وقيل: الضمير عائد إلى عيسى ﵇، أي أن ظهوره من أشراط الساعة، فتكون هذه الآية من أدلة نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان.
وهناك آية أخرى تدل على هذا المعنى، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء:١٥٩]، على التفسير الأرجح من أن الهاء تعود إلى المسيح ﵇؛ لأن المسيح ما مات، بل هو حي في السماء، وسوف ينزل في آخر الزمان حاكماً بالقرآن، كما أشارت بذلك الأحاديث.
فالمسيح يصدق عليه تعريف صحابي؛ لأنه لقي الرسول ﵊ في ليلة الإسراء والمعراج مؤمناً به بلا شك بجانب أنه رسول الله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وعلى هذا فهو أفضل الصحابة، وهو أيضاً آخر الصحابة موتاً؛ لأنه لم يمت بعد، وسيموت بعدما ينزل إلى الأرض.
وقوله: ((وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ)) [الزخرف:٦١] قيل: إن ظهور المسيح ﵇ من أشراط الساعة، ونزوله إلى الأرض في آخر الزمان دليل على فناء الدنيا؛ لأن هذه الآيات الكبار تتابع كما تتتابع حبات العقد إذا انفرط نظامه.
وقال بعضهم: معناه أن عيسى سبب للعلم بها، فإنه هو ومعجزاته من أعظم الدلائل على إمكان البعث.
فقوله: ((وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ)) أي لعلامة على إمكان البعث والنشور؛ لظهور قدرة الله في كيفية خلق المسيح ﵇ من غير أب.
وقرئ: ((وإنه لَعَلَمٌ للساعة)) بفتحتين، أي أنه كالجبل الذي يهتدى به إلى معرفة الطريق ونحوه؛ لأن العَلَم هو: الجبل، والجبل يسمى العلامة؛ لأن كل الناس يرونه.
стр. 1744
تفسير الشنقيطي لقوله تعالى: (ولما ضرب ابن مريم مثلاً)
ونختم الكلام بكلام العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف:٥٧]، قرأ هذا الحرف نافع وابن عامر والكسائي: (يصُدون) بضم الصاد، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة: ((يَصِدُّونَ)) بكسر الصاد، فقراءة الكسر معناها: يضجون ويصيحون، وقيل: يضحكون.
وقيل: معنى القراءتين واحد، كيعرِشون ويعرُشون ويعكِفون ويعكُفون.
وعلى قراءة الضم فهو من الصدود، والفاعل المحذوف في قوله: ((ضُرِبَ)) قال جمهور المفسرين: هو عبد الله بن الزبعري السهمي قبل إسلامه.
أي: أن الذي ضرب ابن مريم مثلاً هو هذا الرجل قبل أن يدخل في الإسلام.
المقصود: ولما ضرب ابن الزبعري المذكور عيسى بن مريم مثلاً فاجأك قومك بالضجيج والصياح والضحك.
أو أنه قال هذا الكلام الذي سنحكيه.
والظاهر أن لفظة (من) هنا في قوله: ((إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ)) سببية، كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥]، ومن ذلك قول الحالفين في أيمان القسامة: أقسم بالله لمن ضربه مات.
يعني: بسبب ضربه مات.
وإيضاح معنى ضرب ابن الزبعري عيسى مثلاً أن الله لما أنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، قال ابن الزبعري: إن محمداً ﷺ يقول: إن كل معبود من دون الله في النار، وإننا وأصنامنا جميعاً في النار، وهذا عيسى بن مريم قد عبده النصارى من دون الله، فإن كان ابن مريم مع النصارى الذين عبدوه في النار، فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه، وقالوا مثل ذلك في عزير والملائكة؛ لأن عزيراً عبده اليهود، والملائكة عبدهم بعض العرب.
فيقتضي أن يكون عيسى ﵇ مثلاً لأصنامهم في كون الجميع في النار، مع أن النبي ﵊ يثني على عيسى الثناء الجميل، وهذا المشرك العنيد كأنه يلزم الرسول ﵇، ويقول للناس: هذا كلام محمد يضرب بعضه بعضاً، إذ كيف يثني على عيسى ويمدحه، ويصفه بأنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، ثم يقول: ((إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)) وهو معبود، فيدخل هو وعابدوه النار؟! فزعم ابن الزبعري أن كلام النبي ﷺ لما اقتضى مساواة الأصنام مع عيسى في دخول النار، مع أنه ﵊ يعترف بأن عيسى رسول الله، وأنه ليس في النار، فيدل ذلك على بطلان كلامه عنده، وأن الكفار وآلهتهم لا يدخلون النار.
عند ذلك أنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٣].
وأنزل الله أيضاً: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾، وعلى هذا القول فمعنى قوله تعالى: ((مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا))، أي: ما ضربوا عيسى مثلاً إلا من أجل الجدل والخصومة بالباطل، لقصد الغلبة بغير حق.
وقيل: إن (جدلاً) حال، وإتيان المصدر المنكر حالاً كثير.
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: الدليل على أنهم قصدوا الجدل بشيء يعلمون في أنفسهم أنه باطل: أن الآية التي تذرعوا بها إلى الجدل لا تدل البتة على ما زعموا، وهم أهل اللسان، ولا تخفى عليهم معاني الكلمات، والآية المذكورة إنما عبر الله فيها بلفظة (ما) التي هي في الوضع العربي لغير العقلاء؛ لأنه قال: ((إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ))، ولم يقل: إنكم ومن تعبدون، وذلك صريح في أن المراد بها هنا الأصنام؛ لأنها جماد لا يعقل، فلا يقال فيها: (من) إنما يقال فيها: (ما) فهي مقتصرة هنا على الأصنام.
وأن قوله: ((وَمَا تَعْبُدُونَ)) لا يتناول عيسى ولا عزيراً ولا الملائكة، كما أوضح تعالى أنه لا يرد ذلك بقوله ﵎ بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١].
ووجه التعبير بصيغة الجمع في قوله ﵎: ((مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا)) مع أن القائل هو عبد الله بن الزبعري السهمي يرجع إلى أمرين: أحدهما: أن من أساليب اللغة العربية إسناد فعل الرجل الواحد من القبيلة إلى جميع القبيلة، ومن أصرح الشواهد العربية في ذلك قوله: فسيف بني عبس وقد ضربوا به نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد فإنه نسب الضرب إلى جميع بني عبس، مع تصريحه بأن السيف في يد رجل واحد منهم، وهو ورقاء بن زهير.
والشاعر يهجو بني عبس بذلك.
الأمر الثاني: أن جميع كفار قريش صوبوا ضرب ابن الزبعري عيسى مثلاً، وفرحوا بذلك، ووافقوه عليه، فصاروا كالمتمالئين عليه.
وبهذين الأمرين المذكورين جمع المفسرون بين صيغة الجمع في قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ [الأعراف:٧٧] وقوله أيضاً: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس:١٤] وبين صيغة الإفراد في قوله: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر:٢٩].
стр. 1745
معنى آخر لآية: (ما ضربوه لك إلا جدلاً)
وقال بعض العلماء: الفاعل المحذوف في قوله: ((وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا)) هو عامة قريش؛ لأن كفار قريش لما سمعوا النبي ﷺ يذكر عيسى، وسمعوا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩] قالوا للنبي ﷺ : لا تريد بذكر عيسى إلا أن نعبدك، كما عبد النصارى عيسى! وعلى هذا القول فمعنى قوله: ((مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا)) أي: ما ضربوا لك هذا المثل إلا لأجل الخصومة بالباطل، مع أنهم يعلمون أنك لا ترضى أن تعبد بوجه من الوجوه.
وقوله ﵎: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٦٤] هذه الآية وإن كانت من القرآن المدني النازل بعد الهجرة إلا أن معناها: أن النبي ﵊ كان يكررها عليهم كثيراً قبل الهجرة.
فالإشارة هنا إلى أن هذا المعنى كان ثابتاً عندهم وإن لم يكن قد نزل في ذلك نص هذه الآية من سورة آل عمران.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٨٠]، ولا شك أن كفار قريش متيقنون أن النبي ﷺ أقام في مكة قبل الهجرة ثلاث عشرة سنة لا يدعو إلا إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
فادعاؤهم أنه يريد أن يعبدوه افتراء منهم، وهم يعلمون أنهم مجادلون في ذلك.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ((أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ))، التحقيق أن الضمير في قوله: ((هُوَ)) راجع إلى عيسى، لا إلى محمد عليهما الصلاة والسلام.
قال بعض العلماء: ومرادهم بالاستفهام تفضيل معبوداتهم على عيسى.
قيل: لأنهم يتخذون الملائكة آلهة، والملائكة أفضل عندهم من عيسى، وعلى هذا فمرادهم أن عيسى عُبد من دون الله، ولم يكن ذلك سبباً لكونه في النار، ومعبوداتنا خير من عيسى، فكيف تزعم أنهم في النار؟ وقال بعض العلماء: أرادوا تفضيل عيسى على آلهتهم، والمعنى أنهم يقولون: عيسى خير من آلهتنا في زعمك، وأنت تزعم أنه في النار بمقتضى عموم ما تتلوه من قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، وعيسى قد عبده النصارى من دون الله، فدلالة قولك على أن عيسى في النار مع اعترافك بخلاف ذلك يدل على أن ما تقوله من أننا وآلهتنا في النار ليس بحق أيضاً.
وقوله تعالى: ((بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)) أي: لد مبالغون في الخصومة بالباطل، كما قال تعالى: ﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧]، أي: شديدي الخصومة، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]؛ لأن وزن فَعِل كالخصم من صيغ المبالغة، قال ﵊: (إن أبغض الرجال عند الله الألد الخصم).
وقد علمت مما ذكرنا أن قوله تعالى: ((وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا)) إنما بينته الآيات التي ذكرنا بيان سببها، ومعلوم أن الآية قد يتضح معناها ببيان سببها، فعلى القول الأول أنهم ضربوا عيسى مثلاً لأصنامهم في دخول النار، فإن ذلك المثل يفهم من أن سبب نزول الآية قوله تعالى قبلها: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨]؛ لأنها لما نزلت قالوا: إن عيسى عُبد من دون الله كآلهتهم، فهم بالنسبة لما دلت عليه سواء، وقد علمت بطلان هذا مما ذكرناه آنفاً، وعلى القول الثاني: أنهم ضربوا عيسى مثلاً لمحمد ﵊ في أن عيسى قد عُبد، وأنه ﷺ يريد أن يُعبد كما عُبد عيسى.
فكون سبب ذلك سماعهم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران:٥٩].
وسماعهم للآيات المكية النازلة في شأن عيسى يوضح المراد بالمثل.
стр. 1746
تفسير قوله تعالى: (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل)
قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف:٥٩].
التحقيق أن الضمير في قوله: ((إِنْ هُوَ)) عائد إلى عيسى أيضاً، لا إلى محمد عليهما الصلاة والسلام.
وقوله: ((أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ)) لم يبين هنا شيئاً من الإنعام الذي أنعم به على عبده عيسى، ولكنه بين ذلك في سورة المائدة في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [المائدة:١١٠]، وقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران:٤٥] إلى قوله: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:٤٦].
والله تعالى أعلم.
стр. 1747
تفسير سورة الزخرف [٦١ - ٧١]
стр. 1748
تفسير قوله تعالى: (وإنه لعلم للساعة)
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف:٦١].
((وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ))، الضمير في قوله: (وإنه) إما للقرآن كما قال ذلك بعض المفسرين، فيكون المعنى أن القرآن الكريم يعلم بالساعة ويخبر عنها وعن أهوالها، وفي جعلها عين العلم مبالغة، والعَلَم بمعنى العلامة.
وقيل: الضمير لعيسى ﵇ أي أن ظهور المسيح ﵇ من أشراط الساعة، ونزوله إلى الأرض في آخر الزمان دليل على فناء الدنيا، قال بعضهم: معناه أن عيسى سبب للعلم بها، وفي قراءة: ((وإنه لعَلَمٌ للساعة)) أي: شرط من أشراط الساعة وعلامة من علاماتها، فالمعروف أن من علامات الساعة الكبرى نزول المسيح عيسى ﵇ في آخر الزمان.
أو إنه سبب للعلم بالساعة؛ لأن عيسى ﵇ والمعجزات التي أجراها الله على يده من أعظم الدلائل على إمكان البعث والنشور، فعيسى ﵇ في حد ذاته خلق من غير أب فهو آية من آيات الله التي تظهر قدرته على كل شيء، ومن ذلك الإحياء بعد الإماتة، وكذلك المعجزات الأخرى من شفاء الأكمه والأبرص، وإحياء الميت بإذن الله، كل هذا يدل على إمكان البعث والنشور، كما تقول: أمطرت السماء نباتاً، أي: أرسلت ماء يتسبب في إنبات النبات.
كالجبل الذي يهتدى به إلى معرفة الطريق ونحوه، فبعيسى ﵇ يهتدى إلى طريقة إقامة الدليل على إمكان الساعة وكيفية حصولها؛ لأننا نستدل بخلقه من غير أب، وبإحيائه الموتى بإذن الله على إمكان حصول الساعة أيضاً.
стр. 1749
نزول عيسى ﵇ ثابت في القرآن وفي السنة المتواترة
((فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)) أي: اتبعوا هداي أو اتبعوا شرعي أو رسولي، أو هو أمر للرسول أن يقول: ((هذا)) أي: القرآن أو ما أدعوكم إليه ((صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)) ((وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ))، أي: عن الاتباع ((إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)).
فصل العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى الكلام في هذه الآية يقول: التحقيق أن الضمير في قوله: (وإنه) راجع إلى عيسى لا إلى القرآن ولا إلى النبي ﷺ ، ومعنى قوله: ((لعلم للساعة)) على القول الحق الصحيح الذي يشهد له القرآن العظيم والسنة المتواترة، هو أن نزول عيسى في آخر الزمان حياً علم للساعة، أي علامة لقرب مجيء الساعة؛ لأنه من أشراطها الدالة على قربها، وإطلاق علم الساعة على نفس عيسى جار على أمرين كلاهما أسلوب عربي معروف.
أحدها: أن نزول عيسى المذكور لما كان علامة لقرب الساعة كانت تلك العلامة سبباً لعلم قربها، فأطلق في الآية المسبب وأريد السبب.
وإطلاق المسبب وإرادة السبب أسلوب عربي معروف في القرآن وفي كلام العرب، ومن أمثلته في القرآن قوله ﵎: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر:١٣]، فالزرق مسبب عن المطر، والمطر سببه، فأطلق المسبب الذي هو الرزق وأريد سببه الذي هو المطر للملابسة القوية التي بين السبب والمسبب.
والثاني من الأمرين: أن غاية ما في ذلك أن الكلام على حذف مضاف، والتقدير وإنه لذو علم للساعة، أي وإنه لصاحب إعلام الناس بقرب مجيئها لكونه علامة لذلك، وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كثير في القرآن وفي كلام العرب، وإليه أشار في الخلاصة بقوله: وما يلي المضاف يأتي خلفا عنه في الاعراب إذا ما حذفا وهذا الأخير هو أحد الوجهين اللذين وجه بهما علماء العربية النعت بالمصدر كقولك: زيد كرم وعمرو عدل، تقصد: زيد ذو كرم، وعمرو ذو عدل، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] وقد أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله: ونعتوا بمصدر كثيرا فالتزموا الإفراد والتذكيرا أما دلالة القرآن الكريم على هذا القول الصحيح، فقد قال تعالى في سورة النساء في حق المسيح ﵇: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء:١٥٩]، ومعروف أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ويؤمن بعيسى قبل موت عيسى ﵇، وذلك صريح في أن عيسى حي وقت نزول آية النساء هذه.
стр. 1750
إثبات الشنقيطي لحياة عيسى ﵇ بالأدلة
فقوله هنا: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء:١٥٩] أي: ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك صريح في أن عيسى حي وقت نزول آية النساء هذه، وأنه لا يموت حتى يؤمن به أهل الكتاب، ومعلوم أنهم لا يؤمنون به إلا بعد نزوله إلى الأرض.
فإن قيل: قد ذهبت جماعة من المفسرين من الصحابة فمن بعدهم إلى أن الضمير في قوله: ((وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ)) راجع إلى الكتابي، أي: إلا ليؤمنن به الكتابي قبل موت الكتابي، يعني: يقولون إن عيسى يمثل له عند موته، فيراه ويؤمن عند احتضاره وخروج روحه أنه عبد ورسول وليس رباً.
ف
الجواب
أن كون الضمير راجعاً إلى عيسى يجب المصير إليه دون القول الآخر؛ لأنه أرجح منه من أربعة أوجه: الأول: أنه هو ظاهر القرآن المتبادر من السياق، وعليه تنسجم الضمائر بعضها مع بعض، أما القول الآخر فبخلاف ذلك.
وإيضاح هذا: أن الله سبحانه تعالى قال: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء:١٥٧]، ثم قال تعالى: ((وَمَا قَتَلُوهُ))، أي: عيسى، ((وَمَا صَلَبُوهُ)) أي: صلبوا عيسى، ((وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ))، والذي شبه لهم هو عيسى ﵇، ((وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ)) أي: في عيسى، ((لَفِي شَكٍّ مِنْهُ)) أي: عيسى، ((مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ))، أي: عيسى، ((وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا)) أي: عيسى، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] أي: عيسى، ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء:١٥٩] أي: عيسى ((قَبْلَ مَوْتِهِ)) أي: عيسى، ((وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا)) أي: يكون عيسى عليهم شهيداً.
فهذا السياق القرآني الذي ترى ظاهر ظهوراً لا ينبغي العدول عنه في أن الضمير في قوله: (قبل موته) راجع إلى عيسى.
هذا هو الوجه الأول الذي يترجح به عود الضمير إلى عيسى ﵇.
الوجه الثاني من مرجحات هذا القول: أنه على هذا القول الصحيح، فمفسر الضمير ملفوظ مصرح به في قوله تعالى: ((وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ)).
وأما على القول الآخر فمفسر الضمير ليس مذكوراً في الآية أصلاً، بل هو مقدر تقديره: (ما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به قبل موته)، أي: موت أحد أهل الكتاب المقدر.
أي: فعلى القول بأن الضمير في قوله: (موته) راجع إلى الكتابي، لا يجود ما يفسر الضمير في الآية، فيحتاج إلى تقديره بما ذكر، وهو تكلف، ولا شك أن التفسير الذي لا يحتاج إلى تقدير أرجح وأولى مما يحتاج إلى تقدير؛ فإذا فسرناه: ((وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ)) أي: قبل موت المسيح ما احتجنا إلى أي تقدير؛ لأن كل الضمائر كما ذكرنا سياقها في شأن المسيح ﵇، أما على القول الآخر فلا بد من تقدير.
الوجه الثالث من مرجحات هذا القول الصحيح: أنه تشهد له السنة النبوية المتواترة؛ فلقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بأن المسيح عيسى ﵇ حي الآن، وأنه سينزل في آخر الزمان حكماً مقسطاً، ولا ينكر تواتر السنة بذلك إلا مكابر.
وللأسف الشديد أنه تورط بعض من له فضل على مذهب السلفية في مصر، وهو الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى وعفا عنه، حيث تابع شيخه الشيخ محمد عبده في هذه الضلالة، وهي إنكار نزول المسيح عيسى ﵇ آخر الزمان! رغم خدمات الشيخ رضا للمنهج السلفي، وأنه ممن أحيوا هذا المنهج هنا في مصر، ومع ذلك كان في متابعاته لـ محمد عبده ما نسأل الله أن يعفو عنه فيه، أو عنهما جميعاً، فهذا مما ضل فيه وزل الشيخ رشيد رضا رحمه الله تعالى، والعلماء ردوا عليه في عدة كتب.
قال ابن كثير بعدما نصر هذا القول: هذا القول هو الحق كما سنبينه بعد بالدليل القاطع إن شاء الله تعالى اهـ.
ويعني بالدليل القاطع: الأحاديث المتواترة تواتراً معنوياً؛ لأن الروايات كثيرة جداً؛ لكن القدر المجمع المتفق عليه هو إثبات نزول المسيح ﵇، وليس مثلاً كحديث: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)؛ لأن التواتر هنا تواتر لفظي.
يقول الشنقيطي معلقاً على قول ابن كثير: هذا القول هو الحق كما سنبينه بعد بالدليل القاطع إن شاء الله تعالى اهـ.
يقول: وقوله: بالدليل القاطع، يعني السنة المتواترة؛ لأنها قطعية، وهو صادق في ذلك، وقال ابن كثير في تفسير آية الزخرف ما نصه: وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵇ قبل يوم القيامة إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً، وأما القول بأن الضمير في قوله (قبل موته) راجع إلى أهل الكتاب فهو خلاف ظاهر القرآن، ولم يقم عليه دليل لا من كتاب ولا سنة.
الوجه الرابع: هو أن القول الأول الصحيح واضح لا إشكال فيه، ولا يحتاج إلى تأويل ولا تخصيص بخلاف القول الآخر، فهو مشكل لا يكاد يصدق إلا مع تخصيص، والتأويلات التي يروونها فيه عن ابن عباس وغيره، ظاهرة البعد والسقوط؛ لأنه على القول بأن الضمير في قوله (قبل موته) راجع إلى عيسى فلا إشكال ولا خفاء، ولا حاجة إلى تأويل، ولا إلى تخصيص.
أما على القول بأنه راجع إلى الكتابي فإنه مشكل جداً بالنسبة لكل من فاجأه الموت من أهل الكتاب! يعني: لا يمكن الأخذ بهذا القول الثاني إلا بتأويل أو تخصيص؛ لأنه من الممكن أن يأتي الموت لأي رجل كتابي فجأة، فلا يمكنه أن يرى عيسى ولا غيره، كمثل من سقط من مكان عال إلى أسفل، أو من قطع رأسه بالسيف فجأة وهو غافل، أو من مات وهو نائم ونحو ذلك، فلا يصدق هذا العموم المذكور في الآية على هذا النوع من أهل الكتاب إلا إذا ادعى إخراجهم منه بمخصص.
فيقال: كل أهل الكتاب ما من منهم أحد حينما يموت إلا ويؤمن بالمسيح قبل موته إلا من سقط من أعلى إلى أسفل، وإلا من صدمته سيارة فمات فجأة، وإلا من مات وهو نائم، وإلا من قطع رأسه بالسيف وهو غافل، وإلا من كذا وكذا ممن لن يستطيعوا أن يروا المسيح قبل الموت ويؤمنوا به.
وهذا التخصيص ليس عليه دليل.
ولا سبيل إلى تخصيص عمومات القرآن، إلا بدليل يجب الرجوع إليه من المخصصات المتصلة أو المنفصلة.
وبهذا كله تعلم أن الضمير في قوله (قبل موته)، راجع إلى عيسى، وأن تلك الآية من سورة النساء تبين قوله تعالى هنا: (وإنه لعلم للساعة)، كما ذكرنا.
стр. 1751
إبطال الشنقيطي بأن عيسى قد توفي من أربعة أوجه
فإن قيل: إن كثيراً ممن لا تحقيق عندهم يزعمون أن عيسى قد توفي، ويعتقدون مثل ما يعتقده ضلال اليهود والنصارى، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]، وقوله تعالى على لسان المسيح: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة:١١٧].
وهذا السياق للأسف الشديد أورده الشيخ محمد رشيد رضا وهو شيء مؤلم حقيقة وددنا لو لم يقع في مثل هذه الزلات! ف
الجواب
أنه لا دلالة في إحدى الآيتين البتة على أن عيسى قد توفي فعلاً، أما قوله تعالى: (إني متوفيك) فإن دلالته المزعومة على ذلك منفية من أربعة أوجه: الأول: أن قوله: (متوفيك) حقيقة لغوية في أخذ الشيء كاملاً غير ناقص، والعرب تقول: توفى فلان دينه يتوفاه فهو متوف له، إذا قبضه وحازه إليه كاملاً من غير نقص.
فمعنى: (إني متوفيك) في الوضع اللغوي أي حائزك إلي كاملاً بروحك وجسمك، وعيسى ﵇ رفع بجسده وروحه، ولو سلمنا جدلاً أن قوله: (إني متوفيك) معناها: إني مميتك، فلا إشكال فيها فإننا نؤمن بأن الله سوف يميت المسيح يوماً من الأيام بعد ما ينزل، كل ما في الأمر أنه لم يحدد متى سيتوفاه، فلم يقل مثلاً: إني متوفيك قبل رفعك إلى السماء، وإنما قال: (إني متوفيك)، فهذا لا يدل على تعيين الوقت، ولا يدل على كونه مضى، وهو متوفيه قطعاً يوماً ما.
وبعض الناس قد يقول: ألم يقل الله: (إني متوفيك ورافعك إلي) فربط التوفي بالرفع على أساس أن العطف يقتضي التتابع أو الترتيب؟! فنقول: لا دليل في ذلك؛ لإطباق جمهور أهل اللسان العرب على أن الواو لا تقتضي الترتيب ولا الجمع، وإنما تقتضي مطلق التشريك، وقد ادعى السيرافي والسهيلي إجماع النحاة على ذلك، وعزاه الأكثر للمحققين وهو الحق، خلافاً لـ قطرب والفراء وثعلب وأبو عمرو الجاحظ وهشام والشافعي من أنها تفيد الترتيب لكثرة استعمالها فيه، وقد أنكر السيرافي ثبوت هذا القول عن الفراء وقال: لم أجده في كتابه، وقال ولي الدين: أنكر أصحابنا نسبة هذا القول إلى الشافعي.
وخلاصة الكلام أن الواو تقتضي مطلق التشريك، تقول: جاء محمد وعلي وحسن، فالعطف هنا يقتضي أنهم كلهم اشتركوا في المجيء، لكن لا يفيد أن مجيئهم كان مرتباً، بخلاف ما إذا قلت: جاء علي ثم محمد ثم حسن، فإن (ثم) تقتضي الترتيب.
وقد استدل القائلون بالترتيب بقول النبي ﵊: (أبدأ بما بدأ الله به ((إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ)))، ولكن لا يدل ذلك على اقتضائها الترتيب، وإنما تدل على الاهتمام بالشيء المقدم، فقد يكون العطف بها مع قصد الاهتمام بالمذكور الأول، كقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]، وأحياناً يكون المعطوف بها مرتباً، كما قال حسان: هجوت محمداً وأجبت عنه وعند الله في ذلك الجزاء على رواية الواو، لأن هناك رواية أخرى: هجوت محمداً فأجبت عنه وقد يراد بالواو المعية، كما في قوله: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت:١٥]، يعني مع أصحاب السفينة، وقوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة:٩]، يعني مع القمر، لكن لا تحمل الواو على الترتيب ولا على المعية إلا بدليل منفصل يدل على ذلك.
فهذا هو الوجه الأول في الجواب.
الوجه الثاني: أن معنى (إني متوفيك) أي: منيمك، (ورافعك إلي)، أي في تلك النومة.
كأنه ألقي عليه النوم ثم رفعه الله إليه، وقد جاء في القرآن إطلاق الوفاة على النوم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام:٦٠]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] وعزا ابن كثير هذا القول للأكثرين، واستدل بالآيتين المذكورتين.
الوجه الثالث: أن (متوفيك)، اسم فاعل توفاه، إذا قبضه وحازه إليه، ومنه قولهم: توفى فلان دينه إذا قبضه إليه، فيكون معنى (متوفيك) على هذا: قابضك منهم إلي حياً، وهذا اختيار شيخ المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى.
ثم أعاد التنبيه في بيان أن (متوفيك) حقيقة لغوية في أخذه بروحه وجسمه كاملاً من غير نقصان، فالمعنى أنه توفاه بالروح والجسد، في حين أن معنى: إني مميتك فيها التوفي بالروح فقط وليس الجسد، فيكون قوله: (إني متوفيك) دالاً على نقيض ما يستدلون له.
الدليل الثاني: أن (متوفيك) وصف محتمل للحال والاستقبال والماضي، ولا دليل في الآية على أن ذلك التوفي قد وقع ومضى، بل السنة المتواترة والقرآن دالان على خلاف ذلك، أي على أن ذلك في المستقبل بعدما ينزل إلى الأرض.
الثالث: أنه توفي نوم، وقد ذكرنا الآيات الدالة على أن الوفاة تطلق على النوم.
أما قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة:١١٧]، فدلالته على أن عيسى مات، ودلالة هذا القول على أن عيسى مات منفية من وجهين: الأول منهما: أن عيسى ﵇ يقول ذلك يوم القيامة، ولا شك أنه يموت قبل يوم القيامة،، فإخباره يوم القيامة بموته لا يدل على أنه الآن قد مات كما لا يخفى.
والثاني منهما: أن ظاهر الآية أنه توفي رفع وقبض للروح والجسد لا توفي موت.
وإيضاح ذلك أن مقابلته لذلك التوفي بالديمومة فيهم في قوله: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة:١١٧]، تدل على ذلك؛ لأنه لو كان التوفي هنا توفي موت لقال: وكنت عليهم شهيداً ما دمت حياً فلما توفيتني؛ كما قال: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم:٣١]؛ لأن الذي يقابل بالموت هو الحياة، أما التوفي الذي يقابل بالديمومة فيهم والبقاء فيهم فالظاهر أنه توفي انتقال عنهم إلى موضع آخر، وهو الرفع إلى السماء، فيكون المعنى: (وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني) أي: نقلتني من الأرض إلى السماء، ولم أعد دائماً فيهم.
وأما الوجه الرابع من الأوجه المذكورة سابقاً: أن الذين زعموا أن عيسى قد مات، قالوا: إنه لا سبب لذلك الموت، إلا أن اليهود قتلوه وصلبوه، فإذا تحقق نفي هذا السبب وقطعهم أنه لم يمت بسبب غيره، تحققنا أنه لم يمت أصلاً، وذلك السبب الذي زعموه منفي يقيناً بلا شك؛ لأن الله جل وعلا قال: ((وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ))، وقال تعالى: ((وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ)).
فإذا أتى اليقين من الله بنفي موت المسيح ﵇ بالقتل ونفي موته بالصلب لم يبق إلا أنه رفعه إليه، ومن ادعى أن المسيح مات لم يدع إلا بسبب من هذين السببين إما القتل وإما الصلب، فإذا نفى الله قطعاً كلا السببين لم يبق إلا أنه باق على الحياة، قال تعالى: ((وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ))، وقال أيضاً: ((وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ))، وانظر إلى الإضراب والانتقال من الضد إلى الضد، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٨]، وفيها إشارة إلى معنى العزة والقهر والغلبة، وأن الله ينفذ إرادته ضد إرادة من أراد قتل المسيح ﵇ أو صلبه.
وضمير (رفعه) في قوله: (بل رفعه الله إليه) ظاهر في رفع الروح والجسم معاً.
وقد بين الله جل وعلا مستند اليهود في اعتقادهم أنهم قتلوه بأن الله ألقى شبهه على إنسان آخر، فصار من يراه يعتقد اعتقاداً جازماً أنه عيسى ﵇، وهذا هو السبب في أنهم أنفسهم يقولون: ((إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ))، فهم رأوا صورة المسيح على شخص آخر، فرآه اليهود لما أجمعوا على قتل عيسى فاعتقدوا لأجل ذلك الشبه الذي ألقي على هذا الشخص اعتقاداً جازماً أنه عيسى فقتلوه، فهم يعتقدون صدقهم في أنهم قتلوه وأنهم صلبوه، ولكن العليم اللطيف الخبير أوحى إلى نبيه في الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أنهم لم يقتلوه ولم يصلبوه، فمحمد ﷺ والذين اتبعوه عندهم علم من الله بأمر عيسى لم يكن عند اليهود ولا النصارى، كما أوضحه تعالى بقوله: ((وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ)).
والحاصل أن القرآن العظيم على التفسير الصحيح والسنة المتواترة عن النبي ﷺ كلاهما دال على أن عيسى حي، وأنه سينزل في آخر الزمان، وأن نزوله من علامات الساعة، وأن معتمد الذين زعموا أنهم قتلوه ومن تبعهم هو إلقاء شبهه على غيره، واعتقادهم الكاذب أن ذلك المقتول الذي شبه بعيسى هو عيسى، وقد عرفت دلالة الوحي على بطلان ذلك، وأن قوله: (متوفيك) لا يدل على موته فعلاً، وقد رأيت توجيه ذلك من أربعة أوجه.
стр. 1752
تفسير قوله تعالى: (ولما جاء عيسى بالبينات هذا صراط مستقيم)
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الزخرف:٦٣].
((تَخْتَلِفُونَ فِيهِ)) أي: من أحكام التوراة وغيرها، كاختلاف اليهود في القيامة لعدم صراحتها في كتبهم، وقد جاء في نحوها آية: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠]، وقد وضع عيسى عن اليهود شيئاً من إصر التوراة وأغلال الناموس كما فعل في يوم السبت.
قال بعض المحققين: وإنما لم يقل: لأبين لكم كل ما تختلفون فيه، بل قال: ((وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ))، لأنه لم يفعل ذلك، بل ترك بيان كثير من الأشياء كالفساد الذي دخل في أغلب كتبهم تركه للفارقليد، أي: لمحمد ﷺ الذي يأتي بعده، وجاء في آخر طبعات الأناجيل في قصة نهاية مواقف المسيح ﵇ أنه قال لمن حوله من الحواريين: إنني ينبغي أن أنصرف عنكم الآن؛ لأني إن لم أنصرف لا يأتيكم الفارقليد روح الحق الذي هو من عند الله ، يأتيكم ويخبركم بكل ما كنت أريد أن أقوله لكم، وإنه ينطق بالحق على فمه، ولا بد أن أمضي الآن، حتى يأتيكم الفارقليد.
والذي سوف يدين العالم ويفعل كذا وكذا.
فتكرر استعمال لفظ الفارقليد أو الفارقليتوس باللغة اليونانية القديمة، وقد كان صاحب كتاب صصد الأنبياء على معرفة بأستاذ اسمه كارلون لينو وهو إيطالي متخصص ومتعمق جداً في اللغة اليونانية القديمة، فقال له: ما معنى كلمة الفارقليد فقال له: إن القسس يزعمون أن معناها المعزي أو المخلص أو المحامي إلى آخر كلامهم، فقال له: أنا لا أسأل القسس أو القساوسة، ولكني أسأل الدكتور كارلون لينو الحاصل على الدكتوراة في آداب اللغة اليونانية القديمة، فقال: إنها تعني الشخص الذي في اسمه حمد كثير، قلت له: هل يعني ذلك صيغة أفعل التفضيل من حمد أو أحمد، قال: نعم، قال: كذلك اسم نبينا محمد ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]، قال: يا أخي إنك تقرأ كثيراً وسكت اكتفاء بهذا التعليق! وهناك بحوث كثيرة جداً وخاصة من علماء النصارى الذين يدخلون في الإسلام عن علم وعن خبرة وبحوث في غاية العمق، خاصة عبد الأحد داود الذي كان من أكبر قساوسة الطائفة الكلدانية في العراق، ثم أسلم، وله كتب في غاية القوة، ولهم بحوث مستفيضة في ذلك، الذين قاموا بالترجمة من اللغة العبرانية التي تكلم بها المسيح ﵇ على هذه الكلمة (الفارقليد) لم يحافظوا على اللفظ، بل ترجموا الكلمة بمعناها، مع أن المفروض أن الأعلام لا تغير، فالذي اسمه كريم يظل اسمه في كل العالم (كريماً)، وتكتب حتى بالإنجليزي ( K
الجواب
REEM) مثلاً، لكن الذي حصل أنهم لما ترجموا أحمد ترجموها بالمعنى، مثل أن تحول كريم إلى: جنرس!! فحولتها لمعنى اللغة التي ترجمتها، فهذا الذي فعلوه بكلمة أحمد، حيث ترجمت على أنها صيغة أفعل التفضيل من المدح، والشخص الذي في اسمه حمد ومدح وثناء كثير هو محمد أو أحمد.
فهذا هو السبب في أن هذه الكلمة الفارقليد التي تعني أن هذا الاسم شخص في اسمه حمد كثير، على وزن أفعل التفضيل من حمد، يعني: أحمد بالضبط، فالذي حصل أنهم تناقلوه، لما كثر استدلال المسلمين بهذه الآية، وكثر دخول النصارى في الإسلام بسبب ورود نص في الإنجيل على الفارقليد وأن المسيح مضى كي يأتي الفارقليد، وأنه سوف يغير كل شيء، وأنه ينطق بالحكمة ويعلمهم كل ما يحتاجونه، وأنه هو الذي سيدين هذا العالم وغير ذلك من صفات النبي ﵇؛ عندها بدءوا مهنة التحريف، فبدأوا يتجنبون في الطبعات الأخيرة من الأناجيل كلمة الفارقليد ويقولون: المعزي أو المخلص كي يهربوا من ذلك، لكن الأناجيل القديمة كلها كانت تستعمل الفارقليد.
فقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف:٦٣]، إنما قال: (بعض) لأنه ترك مهمة تبيين كل ما يختلفون فيه إلى من سيأتي بعده، وهو النبي محمد ﷺ الذي أتى بكتاب يهيمن على كل الكتب السابقة، وذلك لعدم استعداد الناس في زمانه لقبول كل شيء منه، كما قال هو عن نفسه في إنجيل يوحنا في الإصحاح السادس عشر: وخصوصاً إذا تعرض للطعن في كتبهم، وهي رأس مالهم الوحيد، وتراث أجدادهم، ولو أنه كشف لهم التزييف الذي زيفوه لشك فيه الكثيرون منهم وكذبوه، ولما اتبعه إلا الأقلون أو النادرون.
وأما قول الله تعالى على لسانه: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [آل عمران:٥٠]، فالمراد بمثل هذا التعبير أنه بمجيئه ﵇ تحققت نبوات التوراة عنه، وبه صحت وصدقت، يعني: أن المسيح أخبرت به التوراة، فمجيئه بعد ذلك مما يصدق أن التوراة من عند الله، وكلمة التوراة تطلق على كتب العهد القديم، فالمعنى أن النبي عيسى كان وفق ما أنبأ به النبيون عنه من قبل، ولولاه لما صدقت تلك النبوات فإنها لا تنطبق إلا عليه، وليس المراد أن عيسى يقر كل ما في التوراة كما يتوهم النصارى الآن من مثل هذه الآية، وإلا لما قال بعدها مباشرة: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠]، فكيف يقرها وهو قد جاء ناسخاً لبعض ما فيها؟! فتدبر ذلك ولا تكن كهؤلاء الذين يهرفون بما لا يعرفون، والمفسرون ما لا يفهمون.
انتهى كلامه، وهو وجيه جداً.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الزخرف:٦٤].
قال ابن جرير: أي إن الله الذي يستوجب علينا إفراده بالألوهية وإخلاص الطاعة له هو ربي وربكم جميعاً، فاعبدوه وحده لا تشركوا معه في عبادته شيئاً.
((هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)) أي: هذا الذي أمرتكم به من اتقاء الله وطاعته، وإفراده بالألوهية هو الطريق القويم، وإذا كان هذا قول عيسى ﵇ فلا عبرة بقول الملحدين فيه والمفترين عليه ما لم يقله، ثم أشار إلى وعيد من خالف الحق بعد وضوحه.
стр. 1753
تفسير قوله تعالى: (فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم)
قال : ﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [الزخرف:٦٥] أي: اختلفت الفرق المتحزبة اختلافاً نشأ من بينهم، ولم ينشأ الاختلاف من كلام الله، ولا من كلام عيسى، وإنما نشأ من بينهم هم، فهم الذين اختلفوا في الحق ظلماً وعناداً.
((فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ)) أي: مؤلم من شدة الأهوال وكثرة الفضائح، وظلمهم بترك النظر في الدلائل العقلية والنقلية.
((فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ)) ولا بد من تفسير الذين ظلموا بالذين كفروا، وفي القرآن يطلق الظلم على الظلم الأكبر: الكفر والشرك، ويطلق كذلك على ظلم دون ظلم وهو المعصية، فهنا لا بد من تفسير ظلموا بالذين كفروا، بدليل ما جاء في سورة مريم: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم:٣٧] في نفس المناسبة، وقال ﵎: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، وقال أيضاً: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]، وقال : ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦]، وقال : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢]، وقد جاء في الحديث تعيين الظلم هنا بأنه الشرك.
стр. 1754
تفسير قوله تعالى: (هل ينظرون إلا الساعة إلا المتقين)
قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٦ - ٦٧].
((هَلْ يَنظُرُونَ)) أي قريش، وينظرون أي: ينتظرون، والاستفهام هنا بمعنى النفي، أي: لا ينتظر الكفار ((إِلَّا السَّاعَةَ)) أي القيامة، ((أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً)) أي: في حال كونها مباغتة، أو مفاجئة لهم، وهم لا يشعرون بمفاجأتها في حال غفلتهم وعدم شعورهم بمجيئها.
والمصدر من (أن) وصلتها في قوله: ((أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً)) في محل نصب على أنه بدل اشتمال من الساعة.
قال تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف:١٨٧]، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨]، وقال تعالى: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس:٤٩].
((الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ)) أي: المتخالون على المعاصي والفساد والصد عن الحق يوم القيامة ((بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)) أي: معادٍ يتبرأ كل من صاحبه ((إِلَّا الْمُتَّقِينَ)) إلا المتصادقين في طاعة الله ومحبته .
стр. 1755
تفسير قوله تعالى: (يا عباد لا خوف عليكم أنتم وأزواجكم تحبرون)
قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٨ - ٦٩].
((يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ)) يعني: يؤمنهم من العذاب، ((وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ)) أي: على فوات لذات الدنيا، لكونهم على حال ألذ منها وأحسن حالاً وأجمل.
((الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا)) أي: صدقوا بكتاب الله ورسله، وعملوا بما جاءتهم به رسلهم، ((وَكَانُوا مُسْلِمِينَ)) أي: أهل خضوع لله بقلوبهم وقبول منهم لما جاءتهم به رسلهم عن ربهم على دين إبراهيم ﵇، حنفاء لا يهود ولا نصارى ولا أهل أوثان ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٧٠].
قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ((يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ)): ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة بعض صفات الذين ينتفي عنهم الخوف والحزن يوم القيامة، فذكر منها هنا الإيمان بآياته والإسلام، وذكر بعضاً منها في غير هذا الموضع، فمن ذلك -يعني: مما ينفي عن الإنسان الخوف والحزن يوم القيامة-: الإيمان والتقوى، قال في سورة يونس: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] ومن ذلك أيضاً: الاستقامة، وقولهم: (ربنا الله) ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠]، وقال في الأحقاف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف:١٣].
والخوف في لغة العرب: الغم من أمر مستقبل.
والحزن: الغم من أمر ماض.
وربما استعمل كل منهما في موضع الآخر.
وإطلاق الخوف على العلم أسلوب عربي معروف.
قال بعض العلماء: ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٢٩]، يعني: إلا أن يعلما ألا يقيما حدود الله، ومنه أيضاً قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء:٣] يعني: إذا علمتم أنكم لن تعدلوا في اليتامى.
ومنه قول أبي محجن الثقفي: إذا مت فادفني إلى جنب كرمة تروي عظامي في الممات عروقها يعني: من شدة ما يحب شرب الخمر يتمنى أن يدفنوه بعد موته إلى جنب شجرة عنب، حتى تروي عظامه بالكرم، فالعروق والجذور تتغلغل في الأرض وتصل للعظام.
ولا تدفنني في الفلاة فإنني أخاف إذا ما مت ألا أذوقها في الفلاة: أي في الصحراء الخالية، بل ادفني في بستان فيه شجرة عنب.
(فإني أخاف): أخاف هنا معناها: أعلم، أنني إذا مت لن أستطيع أن أذوقها؛ لأنه لا يشك في أنه لا يشربها بعد موته.
قوله تعالى: ((الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ)) ظاهره المغايرة بين الإيمان والإسلام، وقد دلت بعض الآيات على اتحادهما كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦]، ولا منافاة في ذلك، فإن الإيمان يطلق تارة على جميع ما يطلق عليه الإسلام من الاعتقاد والعمل، كما قال ﵊: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، وثبت في الصحيح حديث وفد عبد القيس، وفيه أنه جعل من الإيمان الأعمال الظاهرة: أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وأن تحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً.
وقال ﵎: ((ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ)) أي: تسرون سرواً يظهر حبوره أي أثره على جلودكم، كما قال تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٤].
قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية الكريمة: ((ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ)).
قوله تعالى: ((أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ)) فيه لعلماء التفسير وجهان: أحدهما: أن المراد بأزواجهم نظراؤهم وأشباههم في الطاعة، ومن هم على شاكلتهم في الإيمان وتقوى الله، وهذا القول اقتصر عليه ابن كثير القول الثاني: أن المراد بأزواجهم: نساؤهم في الجنة، قالوا: لأن هذا الأخير أبلغ في التنعم والتلذذ من الأول؛ ولذا يكثر في القرآن ذكر إكرام أهل الجنة بكونهم مع نسائهم دون الامتنان عليهم بكونهم مع نظرائهم وأشباههم في الطاعة، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس:٥٥ - ٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان:٥٤] وقال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة:٢٢ - ٢٣]، وقال: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن:٧٠]، إلى قوله: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢]، وقال: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص:٥٢].
ومفرد الأزواج زوج بلا هاء -يعني هذا هو الأصل في اللغة- والزوجة بالهاء لغة وليست لحناً، خلافاً لمن زعم أن الزوجة من لحن الفقهاء، وأن ذلك لا أصل له في اللغة، ومنها قول الفرزدق: وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي كساع إلى أسد الشرى يستبيلها وقول الحماسي: فبكى بناتي شجوهن وزوجتي والظاعنون إلي ثم تصدعوا وفي صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي ﷺ قال في صفية: (إنها زوجتي).
وقوله: ((تحبرون)) معناه: أنهم يكرمون بأعظم أنواع الإكرام وأتمها.
следующие страницы →