← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

القرآن معجزة النبي الكبرى قال أحد حكماء الإسلام: إن الخارق للعادة الذي يعتمد عليه الإسلام في دعوته إلى التصديق برسالة النبي محمد ﷺ هو الخارق الذي تواتر خبره ولم ينقطع أثره، وهو الدليل وحده؛ وما عداه مما ورد من الأخبار سواء صح سندها أو اشتهر أو ضعف أو وهى فليس مما يوجب القطع عند المسلمين، فإذا أورد في مقام الاستدلال فهو على سبيل التقوية للعقد لمن حصل أصله، وحظ من التأكيد لمن سلمه من أهله؛ ذلك الخارق المتواتر المعول عليه في الاستدلال لتحصيل اليقين هو القرآن وحده. والدليل على أنه معجزة خارقة للعادة وأن موحيه هو الله وحده وليس من اختراع البشر هو: أنه جاء على لسان أمي لم يتعلم الكتابة، ولم يمارس العلوم، وقد نزل على وتيرة واحدة هادياً للضال مقوماً للمعوج كافلاً بنظام عام لحياة من يهتدي به من الأمم منقذاً لهم من خسران كانوا فيه وهلاك أشرفوا عليه، وهو مع ذلك من بلاغة الأسلوب على ما لم يرتق إليه كلام سواه؛ حتى لقد دعي الفصحاء والبلغاء أن يعارضوه بشيء من مثله فعجزوا ولجئوا إلى المجالدة بالسيوف. مع أن التحدي كان تحدياً صارخاً لأعظم بلغاء عرفهم تاريخ العرب وهم قريش، مع ذلك ما يعرف عن رجل منهم أنه استجاب لهذا التحدي، إنما لجئوا إلى المجالدة والقتال بالسيف، لكن هل عرف عن أحد منهم أنه استجاب لهذا التحدي؟! لا. يقول: فعجزوا والآية تتحداهم، وهل تحدي أقوى من أن يقول الله لهم: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٤]؟ وهذه الآية من أعظم إعجاز القرآن الكريم حيث قال: ((فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا))، فقطع بأنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن الكريم! وهو مع ذلك من بلاغة الأسلوب على ما لم يرتق إليه كلام سواه؛ حتى لقد دعي الفصحاء والبلغاء أن يعارضوه بشيء من مثله فعجزوا ولجئوا إلى المجالدة بالسيوف، وسفك الدماء، واضطهاد المؤمنين؛ إلى أن ألجئوهم إلى الدفاع عن حقهم، وكان من أمرهم ما كان من انتصار الحق على الباطل وظهور شمس الإسلام تمد عالمها بأضوائها، وتنشر أنوارها في جنباتها. وهذا الخارق قد دعا الناس إلى النظر فيه بعقولهم، وطولبوا بأن يأتوا في نظرهم على آخر ما تنتهي إليه قوتهم: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، وقال تعالى: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس:٣٨]. يقول: وطولبوا بأن يأتوا في نظرهم على آخر ما تنتهي إليه قوتهم، فإما وجدوا طريقاً لإبطال إعجازه أو كونه لا يصح دليلاً على المدعى، فعليهم أن يأتوا به، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٣ - ٢٤]، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]. فالقرآن يطالبهم بمقاومة الحجة بالحجة، ولم يطالبهم بمجرد التسليم على الرغم من العقل، فالإسلام ما طالب الناس أن يدخلوا فيه بالإكراه وبالإرغام وبالإجبار، وإنما أمرهم بإعمال العقل، وأن يستعملوا العقل الذي ميزهم الله به عن العجماوات، حتى يهتدوا به إلى إعجاز هذا القرآن الكريم. يقول: معجزة القرآن جامع من القول العلم، وكل منهما مما يتناوله العقل بالفهم، فهي معجزة عرضت على العقل وعرفته القاضي فيها، وأطلقت له حق النظر في أحنائها، ونشر ما انطوى في أثنائها، وله منها خطة الذي لا ينتقص؛ وله أن يأخذ حقه الذي لا ينتقص من التدبر في القرآن الكريم، فهي معجزة أعجزت كل قوم أن يأتوا بمثلها، ولكنها دعت كل قدرة أن تتناول ما تشاء منها. أما معجزة موت حي بلا سبب معروف للموت، أو حياة ميت، أو إخراج شيطان من جن، أو شفاء علة من بدن؛ فهي مما ينقطع عنده العقل، ويجمد لديه الفهم. هذا الفارق بين معجزة القرآن ومعجزات من سبق من الأنبياء؛ كإحياء الموتى مثلاً بالنسبة لعيسى ﵇، هل معجزة إحياء الموتى أو معجزة العصا من الأشياء التي يفسح فيها المجال للعقل لكي يتفكر ويتعقل كيف حصلت؟ لا، لأنها خرق للأسباب العادية، فهذا هو المقصود من قوله: فهي مما ينقطع عنده العقل ويجمد لديه الفهم. وإنما يأتي بها الله على يد رسله لإسكات أقوام غلبهم الوهم، ولم تضئ عقولهم بنور العلم، وهكذا يؤتي الله بقدرته الآيات للأمم على حسب الاستعدادات. يقول: وقال فاضل آخر: قضت رحمة الله جل شأنه أن تكون الأكوان في الطبيعة على ترتيب محكم، يبسط بلسان الصمت للمتبصر، ويظهر بلباس الوضوح للمتفكر، ويحبب إليهم انتقال منه إلى غيره بدون أن يشعر بملل ولا سآمة، ولا يئوب من استبطائه بنجاح، بدون هذا الاعتبار للعقل لا يأتي للنفس أن تصح عقيدتها، ولا يتأتى لها تبعاً لذلك أن تسكن من اضطرابها، هذا ولا ننكر أنه قد مضى على النوع الإنساني زمن كان فيه العقل في دور الطفولية، وكان الله يرأف بعباده فيرسل إليهم رسلاً يمتعهم بخصائص تعجز عن الإحاطة بها عقولهم، وتندهش لها ألبابهم، فيستدلون بهذه المعجزات على صدق الرسول وضرورة اتباعه. وأما الآن حيث بلغ العقل أشده، والنوع الإنساني رشده؛ فلا تجدي فيه معجزة، ولا تنفع فيه غريبة؛ لأن الشكوك قد كثرت مع كثرة المواد العلمية، فإن حدث حادث من هذا القبيل رموا فاعله بالتدليس أولاً، ثم إذا ظهر لهم برآته منه صاروا يعللون معجزته بكل أنواع التعليلات! ومحمد عبده له موقف فيه ملاحظات كثيرة بالنسبة لقضية المعجزات، وهذا الكلام في الحقيقة لا يخفى أن فيه ما يرد؛ لأن الرسول ﵊ له معجزات حسية، وكان القرآن قطعاً أكبر معجزة، لكن هل اقتصر الله في تأييد نبيه محمد ﵊ على معجزة القرآن فقط؟ لا! نعم هو معجزة المعجزات، لكن الرسول ﵊ أيد بمعجزات أخرى؛ كنبع الماء من بين أصابع يده الشريفة ﵊ والإسراء والمعراج وغير ذلك والمعجزات كثيرة جداً. فالكلام السابق يشم منه رائحة كلام من مدرسة محمد عبده الغير مرضي في قضية المعجزات. ومن الكلام الذي لا نقبله قوله: مما يدل على أن هذه القرون الأخيرة لا تجوز فيها مسائل المعجزات تكذيب علماء أوروبا لكل المعجزات السابقة، وهو وإن كان تهوراً منهم إلا أنهم مصيبون في قولهم: إننا في زمان لا ينشئ فيه الاعتقاد إلا النور العقلي والدليل العلمي. هذا الكلام فيه نظر! فلا زالت المعجزة وخرق العادة دليلاً واضحاً جداً على أن هذا الإنسان مؤيد من عند الله . الفارق فقط أنه لم توجد في زمننا معجزة خارقة للعادة كمعجزات الأنبياء؛ لأن رسولنا ﷺ قد قبض ﵊ وذهب إلى الرفيق الأعلى، وترك معجزاته الحسية خبراً يخبر به. أما المعجزة الحية التي هي متجددة وقائمة فهي لا شك القرآن الكريم، لكن هذا لا ينفي الإعجاز بما عدا القرآن الكريم من المعجزات بأنواعها. يقول: لهذه الأسباب جاءت الشريعة الإسلامية تدعو إلى السبيل الحق بأعمال العقل واتباع قواعد العلم بصرف النظر عن المعجزات وإظهار المدهشات. وهذا الكلام أيضاً غير صحيح، وأنا أعجب كيف أن القاسمي مع سلفيته الواضحة جداً يتورط في موافقة مدرسة محمد عبده في مثل هذه الأشياء؟! يقول: لعلم الله بأنه سيأتي زمان تؤثر فيه المقررات العلمية على القوة العقلية ما لا تؤثر عليها الخوارق للنواميس الطبيعية. انتهى.

стр. 1682

تفسير قوله تعالى: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله) أشار تعالى إلى منته في إرسال الرسول ﷺ والإعذار ببعثته بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه:١٣٤]. ((وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ)) أي: من قبل إتيان البينة، أو: من قبل محمد ﵊، يعني: لو أن الله أنزل عليهم العذاب قبل بعثة الرسول ﵊، لقالوا: ربنا كيف عذبتنا؟ لولا أرسلت إلينا رسولاً لترى هل نطيعه أم لا؟ لماذا عذبتنا قبل أن ترسل إلينا رسولاً وتقيم علينا الحجة؟ الله يقول لهم: قد جاءتكم الحجة، وقد جاءتكم المعجزة والدليل على صدق هذا النبي: ((وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ)) أي: من قبل البينة أو من قبل محمد ﵊ ((لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ)) أي: من عذاب دنيوي ((وَنَخْزَى)) أي: من عذاب أخروي؛ أي: ولكنا لم نهلكهم قبل إتيانها، فلم يحصل أننا أهلكناهم قبل إتيان الآية والبينة؛ فانقطعت معذرتهم؛ لأن الله أرسل إليهم الرسول بالفعل ولم يهلكهم قبل أن يرسل الرسول. فانقطعت معذرتهم، ولذلك عندما يسألون: أما جاءتكم الرسل والنذر؟ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨] ﴿قَالُوا بَلَى﴾ [الملك:٩] فيقرون: ﴿قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك:٩]. يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾، هذه الآية تشير إلى معناها آية القصص في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:٤٧]، فهذه الحجة التي يحتجون بها لو لم يأتهم نذير، هي المذكورة في قوله ﵎: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] يعني: قبل الرسل تكون لهم هذه الحجة، ويقولون: ﴿رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [القصص:٤٧]، لكن بعد الرسل قد قامت عليهم الحجة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، ويقول تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]. قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ [طه:١٣٥] أي: لأولئك الكفرة المتمردين، ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ [طه:١٣٥] كل منا ومنكم ((مُتَرَبِّصٌ)) أي: منتظر لما يئول إليه أمرنا وأمركم ﴿فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ﴾ [طه:١٣٥]، عما قريب، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ [طه:١٣٥] المستقيم ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه:١٣٥] أي: من الزيغ والضلال، أي: هل هو النبي ﷺ وأتباعه أم هم وأتباعهم؛ وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده؛ فلله الحمد في الأولى والآخرة. ((قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا))، أمر جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة أن يقول للكفار الذين يقترحون الآيات عليه عناداً وتعنتاً: كل منا ومنكم ((مُتَرَبِّصٌ))، أي: منتظر ما يحل بالآخر من الزواجر كالموت والغلبة. وقد أوضح في غير هذا الموضع أن ما ينتظره النبي ﷺ وأصحابه والمسلمون كله خير، بعكس ما ينتظره ويتربص الكفار، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:٥٢]، الشهادة أو النصر ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة:٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة:٩٨]، إلى غير ذلك من الآيات. والتربص: الانتظار.

стр. 1683

تفسير قوله تعالى: (قل كل متر بص فتربصوا) قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ [طه:١٣٥] أي: لأولئك الكفرة المتمردين، ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ [طه:١٣٥] كل منا ومنكم ((مُتَرَبِّصٌ)) أي: منتظر لما يئول إليه أمرنا وأمركم ﴿فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ﴾ [طه:١٣٥]، عما قريب، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ [طه:١٣٥] المستقيم ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه:١٣٥] أي: من الزيغ والضلال، أي: هل هو النبي ﷺ وأتباعه أم هم وأتباعهم؛ وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده؛ فلله الحمد في الأولى والآخرة. أمر جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة أن يقول للكفار الذين يقترحون الآيات عليه عناداً وتعنتاً: كل منا ومنكم ((مُتَرَبِّصٌ)) أي: منتظر ما يحل بالآخر من الزواجر كالموت والغلبة. وقد أوضح في غير هذا الموضع أن ما ينتظره النبي ﷺ وأصحابه والمسلمون كله خير، بعكس ما ينتظره الكفار، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:٥٢]، الشهادة أو النصر ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة:٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة:٩٨]، إلى غير ذلك من الآيات، والتربص هو: الانتظار. وفي قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه:١٣٥] ذكر جل وعلا أن الكفار سيعلمون ((مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى)) أي: وفق لطريق الصواب والديمومة على ذلك، وأمر نبيه أن يقول ذلك للكفار. والمعنى: سيتضح لكم أننا مهتدون، وأنا على صراط مستقيم، وأنكم على ضلال وباطل، وهذا يظهر لهم يوم القيامة إذا عاينوا الحقيقة، ويظهر لهم في الدنيا لما يرونه من نصر الله لنبيه محمد ﷺ ودينه. وهذا المعنى الذي ذكره هنا بينه في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٢] فالناس الآن في الدنيا، في أثناء السباق، التراب يملأ الجو، وبالتالي لا يستطيع الناس أن يعرفوا من الذي سيسبق؟ ومن الذي سيصل أولاً؟ ومن الذي غلب؟ كما قال الشاعر: سوف تدري إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار فكذلك إذا انقضت الدنيا سوف يعلمون. ومتى يعلم الكفار أن المسلمين كانوا هم أهل الهداية وأصحاب الصراط السوي؟ يجيب تعالى بقوله: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٢]، وقال تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنَ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ [القمر:٢٦]، فبمجرد أن تأتيهم ملائكة الموت وملائكة العذاب سيعلمون ساعتها قطعاً ويقيناً من المهتدي ومن كان على صواب، وقال ﵎: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص:٨٨]، إلى غير ذلك من الآيات. والصراط في لغة العرب: الطريق الواضح، والسوي: المستقيم، وهو الذي لا اعوجاج فيه، ومنه قول جرير: أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم وقوله تعالى: ((فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ)). ((مَنْ)) في قوله: ((مَنْ أَصْحَابُ)) قال فيها بعض العلماء: هي موصولة، فيكون إعراب ((مَنِ)) مفعول به في محل نصب. وقال بعضهم: هي استفهامية معلقة بالعلم. هذا آخر تفسير سورة طه.

стр. 1684

تفسير سورة الزخرف [١ - ٢٠]

стр. 1685

بين يدي سورة الزخرف سميت سورة الزخرف بهذا الاسم لدلالتها على أن الدنيا في غاية الخسة في نفسها، وغاية العداوة مع ربها؛ بحيث لا تليق بالأصالة إلا لأعدائه، كما سيتضح هذا المعنى جلياً عند تفسير الآية التي ذكر فيها الزخرف، فالدنيا ليست للمؤمنين وطناً ولا مقراً. وهي سورة مكية إلا قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، وآياتها تسع وثمانون آية.

стр. 1686

تفسير قوله تعالى: (حم . والكتاب المبين. إنا جعلناه قرآناً عربياً) قال ﵎: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:١ - ٣] أي: لعلكم تعقلون معانيه: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ﴾ [الزخرف:٤] أي: رفيع القدر، بحيث لا رفعة وراءها، ﴿حَكِيمٌ﴾ [الزخرف:٤] أي: ذو الحكمة الجامعة.

стр. 1687

تفسير قوله تعالى: (أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أن كنتم قوماً مسرفين) قال ﵎: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف:٥]. أي: أنهملكم ونصرف عنكم الذكر لإسرافكم، وإنما كانت الحاجة إلى الذكر بسبب الإسراف، يعني: أن الشخص الذي يحتاج إلى تذكير بآيات الله هو المسرف، فإنه يذكر ليرجع إلى الاعتدال، فيقول الله ﵎: ((أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا)) يعني: أنهملكم ونصرف عنكم الذكر لإسرافكم، وإنما كانت الحاجة إلى الذكر للإسراف، إذ لو كانوا على السيرة العادلة والطريقة الوسطى لما احتيج إلى التذكير، بل التذكير يجب عند الإسراف والتفريط، ولهذا بعث الله الأنبياء في زمان الفترة؛ لشدة حاجة الناس إلى التذكير؛ لأنهم يميلون إما إلى الإفراط وإما إلى التفريط.

стр. 1688

تفسير قوله تعالى: (وكم أرسلنا من نبي في الأولين . وما يأتيهم من نبي) قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ [الزخرف:٦ - ٨] أي: قوة، ﴿وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:٨] أي: سلف في القرآن في غير موضع منه ذكر قصصهم وحالهم مع تكذيبهم وتعذيبهم وما مثلناه لهم، وهذا هو الذي اختاره القاسمي. والمقصود من ذلك أن يتوقع هؤلاء المستهزئون من العقوبة مثل ما حل بسلفهم الذين ورد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾. قال الألوسي: الضمير في قوله: (أشد منهم) عائد إلى القوم المسرفين المخاطبين في قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، وفيه ما يسميه علماء البلاغة: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة. وقوله: (أشد منهم) مفعول به لأهلكنا، لكن الأصل أن (أشد) نعت لمحذوف؛ لأن المفعول محذوف تقديره: أهلكنا قوماً أشد منهم بطشاً، على حسب قوله في الخلاصة: وما من المنعوت والنعت عقل يجوز حذفه وفي النعت يقل فهنا حذف المنعوت لوضوح النعت، وعلى هذا فقوله: ((فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا)) يعني: فأهلكنا قوماً أشد منهم بطشاً، والبطش أصله: الأخذ بعنف وشدة، والمعنى: فأهلكنا قوماً أشد بطشاً من كفار مكة الذين كذبوا محمداً ﷺ ؛ بسبب تكذيبهم رسلهم، فليحذر الكفار الذين كذبوك أن نهلكهم بسبب ذلك كما أهلكنا الذين كانوا أشد منهم بطشاً، أي: كانوا أكثر منهم عَدداً وعُدداً وجلداً، فعلى الأضعف الأقل أن يتعظ بالأقوى الأكثر. وقوله تعالى: ((وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ)) أي: صفتهم التي هي إهلاكهم المستأصل بسبب تكذيبهم الرسل، وقول من قال: (مثل الأولين) أي: عقوبتهم وسنتهم راجع إلى ذلك المعنى.

стр. 1689

تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض لعلكم تهتدون) قال ﵎: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا﴾ [الزخرف:٩ - ١٠]، وفي قراءة: (مهاداً) أي: فراشاً تستقرون عليها، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:١٠] أي: طرقاً تمشون عليها من بلدة إلى بلدة لمعايشكم ومتاجركم. وقوله: (لعلكم تهتدون) أي: بتلك السبل إلى حيث أردتم من القرى والأمصار.

стр. 1690

تفسير قوله تعالى: (والذي نزل من السماء ماء بقدر) قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف:١١]. قال تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ أي: بمقدار الحاجة إليه، فلم يجعله طوفاناً يهلك، ولا رذاذاً لا ينبت، بل قدره بما ينفعكم ويقضي حاجاتكم، فهو غيث مغيث. وقوله تعالى: ﴿فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أي: أحيينا به بلدة ميتاً من النبات، قد درجت من الجدب، وعتت من القحط، فأحياها الله بعد موتها بهذا الماء. وقوله: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي: من بعد فنائكم ومصيركم في الأرض كذلك يخرجكم الله أحياءً، وقد تقدم أن من أدلة البعث والنشور الاعتبار بإحياء الله تعالى الأرض بعد موتها. قال بعض العلماء في قوله تعالى: (والذي نزل من السماء ماء بقدر): أي: بقدر سابق وقضاء، وهذا تفسير آخر. وقال بعض العلماء: أي: بمقدار يكون به إصلاح البشر، فلم يكثر الماء جداً فيكون طوفاناً فيهلكهم، ولم يجعله قليلاً دون قدر الكفاية، بل نزله بقدر الكفاية من غير مضرة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:١٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر:٢١]، إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر:٢٢].

стр. 1691

تفسير قوله تعالى: (والذي خلق الأزواج كلها) قال تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف:١٢]. قال ﵎: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ أي: خلق كل شيء فزوجه، أي: جعله صنفين، كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى﴾ [القيامة:٣٩]، والأزواج هي الأصناف، والزوج تطلق في لغة العرب على الصنف، وقد بين تعالى أن الأزواج المذكورة هنا تشمل أصناف النبات وبني آدم وما لا يعلمه إلا الله ، كما قال : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس:٣٦]، وقال أيضاً: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ [طه:٥٣]، وقال أيضاً: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥] أي: من كل صنف حسن من أصناف النبات، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان:١٠]. ومن إطلاق الأزواج على الأصناف في القرآن الكريم قول الله : ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص:٥٨] أي: أصناف، وقال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [طه:١٣١] أي: أصنافاً منهم، وقال تعالى أيضاً: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:٢٢] يعني: والأصناف الذين كانوا على شاكلتهم. وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ أي: جعل لكم من السفن والبهائم ما تركبونه.

стр. 1692

تفسير قوله تعالى: (لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم) قال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٣ - ١٤]. قال السيوطي في (الإكليل): في الآية استخدام هذا الذكر عند ركوب الدابة والسفينة، وكان ﷺ يقوله كلما استوى على راحلته أو دابته. ومما يلفت النظر هنا أن الآية تشير إلى هذا الذكر بعد قوله : ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف:١٢] و (الفلك): سفن، والسفن جمادات ليس فيها روح. فإذاً: هذا الذكر يقال عند ركوب أي شيء من وسائل المواصلات، سواء كان المصعد مثلاً؛ لأنه من تسهيل الله، أو كانت الحافلة أو السيارة أو الدراجة، أو أي شيء مما سخره الله من أنواع الجمادات، بجانب المخلوقات الحية من الخيول والجمال وغيرها، فيستحب أن يقال هذا الذكر عند الاستواء عليها. فالله جل وعلا جعل لبني آدم ما يركبونه من الفلك التي هي السفن، ومن الأنعام. وقوله: ((لِتَسْتَوُوا)) أي: ترتفعوا؛ لأن الاستواء بمعنى الارتفاع، أي: لترتفعوا معتدلين على ظهورها، ثم تذكروا في قلوبهم نعمة ربهم عليهم بتلك المركوبات، فلابد من شكر هذه النعمة بالقلب، ثم يضيف إلى ذلك الشكر باللسان، بأن يقولوا بألسنتهم مع تفهم معنى الكلام الذي يقولونه: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾.

стр. 1693

معنى قوله تعالى: (سبحان الذي سخر لنا هذا) قوله: (سبحان) تدل على تنزيه الله أكمل تنزيه وأتمه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وقوله: (الذي سخر لنا هذا) (هذا) راجعة إلى لفظة: (ما) في قوله : ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ يعني: الذي تركبون، والمعنى: (سبحان الذي سخر لنا هذا الذي نركبه. ويلاحظ أن الله جمع الظهور مع أن كلمة: (ما) مفرد، فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ فجمع الظهور نظراً إلى معنى ما؛ لأن معناها عام شامل لكل ما تشمله صلتها، فعام، فالجمع في الآية باعتبار معناها، والإفراد في قوله: (عليه) باعتبار لفظها. وقوله: ((سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا)) أي: ذلل لنا هذا الذي نركبه من الأنعام والسفن؛ لأن الأنعام لو لم يذللها الله لهم لما قدروا عليها، ولا يخفى أن الجمل أقوى من الإنسان، فلابد للإنسان أن يستحضر هذه النعمة، وأن يشكرها بقلبه، ثم يتدبر ويتفكر فيما يقول ليحسن أداء الشكر بلسانه، وقد رأينا صور الفيلة في بلاد الهند وغيرها، ومع هذا يأتي طفل صغير فيركب على الفيل ويقوده، وكم بين طفل وبين فيل! وأيضاً الجمال، فالجمل بلا شك أقوى من الإنسان، ويعرف هذا جيداً من يعرف طبع الجمل إذا نفر وتمرد على صاحبه، فهذا التسخير هو بقوة الله وإرادته. وكذلك البحر، فإنه آية من آيات الله ، وفيه من القوة ما لا يجهله أحد، ففيه من الأمواج ما قد تغرق أقوى السفن على الإطلاق، ومع ذلك يذلله الله ويسخره لبني آدم، فلو لم يذلل الله هذا البحر لإجراء السفن فيه لما قدر الناس على شيء من ذلك. وقد يقول بعض الناس: إن الذي يحكمه أحوال الطبيعة، وإن السفينة تحمل الأثقال الكبيرة وتثبت فوق الماء وكذا، فنقول: ينبغي أن ننتبه إلى أن الله هو الذي أودع فيه هذه السنن وهذه القوانين، ونحن فقط نكتشفها، أو نكتشف ما نستطيعه مما يتوافق مع حاجاتنا ومصالحنا، ولا شك إنها كلها من فعل الله . والقوانين التي تسمى بقوانين الفيزياء كلها عبارة عن سنن موجودة منذ أن خلق الله هذا الخلق، فأودعها فيه، ونحن نكتشفها، فالفضل لله أولاً وآخراً.

стр. 1694

معنى قوله تعالى: (وما كنا له مقرنين) وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣] أي: مطيقين، والعرب تقول: أقرن الرجل بالأمر وأقرنه إذا كان مطيقاً له كفؤاً للقيام به، من قولهم: أقرنت الدابة بالدابة، إذا قرنتها في حبل بدابة أخرى قدرت على مقاومتها، ولم تكن أضعف منها، فتجرها؛ لأن الضعيف إذا لز في القرن -الذي هو الحبل- مع القوي جره ولم يقدر على مقاومته، كما قال جرير: وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس والبزل: جمع بازل: وهو البعير الذي يضع نتاجه وهذا كله في السنة الثامنة أو التاسعة. وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن معدي كرب -وقد حمله قطرب على هذا المعنى-: لقد علم القبائل ما عقيل لنا في النائبات بمقرنين

стр. 1695

وسائل المواصلات من تسخير الله وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن ما ذكر من السفن والأنعام فإنه لو لم يذلله الله لهم لما قدروا عليه ولما أطاقوه، كما جاء ذلك مبيناً في آيات أخر، منها قوله مبيناً العلامات العظام على قدرة الله ومننه على خلقه، ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤١ - ٤٢]، وكما سبق في تفسير سورة يس أن في قوله: (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون) إشارة إلى ما استجد من وسائل المواصلات، سواء في البر أو البحر أو الجو، فكلها داخلة في قوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل:١٤]، وقال : ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الجاثية:١٢]، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنهَارَ﴾ [إبراهيم:٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٧٢] وغير ذلك من الآيات.

стр. 1696

تفسير قوله تعالى: (وجعلوا له من عباده جزءاً) قال ﵎: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:١٥]. قوله: (وجعلوا له من عباده جزءاً) أي: جعل هؤلاء المشركون لله من خلقه نصيباً، وذلك قولهم للملائكة: هم بنات الله. قال القاشاني: أي: اعترفوا بأنه خالق السماوات والأرض ومبدعهما وفاطرهما، وقد جسموه وجزءوه بإثبات الولد له الذي هو بعض من الوالد مماثل له في النوع. يعني: لا شك أن الولد فرع عن الوالد الذي هو الأصل، فإثبات الولد فيه تجسيم لله سبحانه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فالولد يكون مماثلاً في النوع لوالده، فهم ما فعلوا ذلك إلا لأنهم ماديين وظاهريين جسمانيين، لا يتجاوزن عن رتبة الحس ولا يتجردون عن ملابس الجثمانيات حتى يدركوا الحقائق المجردة والذوات المقدسة فضلاً عن ذات الله تعالى، فكل ما تصوروا وتخيلوا كان شيئاً جسمانياً، يعني: كحالة الماديين في عصرنا الذين يزعمون أنهم لا يؤمنون إلا بما يرونه ويحسونه، ويجعلون جهلهم بما وراء ذلك من الغيبيات دليلاً كافياً في التكذيب بها، ولهذا كذبوا الأنبياء في إثبات الآخرة والبعث والنشور وكل ما يتعلق بالمعاد، وكذبوا بالجن وبالملائكة، وبغير ذلك مما لا يقع تحت حسهم؛ إذ لا يتعدى إدراكهم الحياة الدنيا، وأيضاً لا تتعدى عقولهم المحجوبة عن نور الهداية أمور المعاش، فلا مناسبة أصلاً بين ذواتهم وذوات الأنبياء إلا في ظاهر البشرية، فلا حاجة إلى ما وراءها. وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أي: لجحود نعم ربه التي أنعمها عليه، وهذا يبين كفرانه لمن تدبر حاله.

стр. 1697

خلاف العلماء في معنى قوله تعالى: (جزءاً) يقول الألوسي رحمه الله تعالى في تفسير قوله : (وجعلوا له من عباده جزءاً): قال بعض العلماء: (جزءاً) أي: عدلاً ونظيراً، يعني: الأصنام وغيرها من المعبودات من دون الله . وقال بعض العلماء: (جزءاً) ولداً. وقال بعض العلماء: (جزءاً) البنات. وذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية أن الجزء هو النصيب، وتبعه القاسمي على ذلك؛ فـ القاسمي ذهب إلى أنه النصيب، واستشهد ابن كثير على ذلك بآية الأنعام، وهي قوله ﵎: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام:١٣٦]. قال الألوسي عفا الله عنه وغفر له ورحمه: إن الذي يظهر أن قول ابن كثير ﵀ هذا غير صواب في الآية؛ لأن المدعى لله في آية الأنعام هو النصيب مما ذرأ من الحرث والأنعام، والمدعى له في آية الزخرف هذه جزء من عباده، لا مما ذرأ من الحرث والأنعام، فبين الأمرين فرق واضح كما ترى. وقول قتادة ومن وافقه: إن المراد بالجزء: العدل والنظير الذي هو الشريك غير صواب أيضاً؛ لأن إطلاق الجزء على النظير ليس بمعروف في كلام العرب، أما كون المراد بالجزء في الآية الولد، وكون المراد بالولد خصوص الإناث، فهذا هو التحقيق لمعنى هذه الآية الكريمة. يعني: أن هناك من قال: إن الجزء هو: الولد، وهناك من قال: إن الجزء هو البنات، والعلامة الألوسي رحمه الله تعالى يقول: المذهب الأول صحيح باعتبار عمومه، لكن المراد من هذا العموم الخصوص (البنات) يعني: أن كلمة الولد تعم الذكور والإناث، كما قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:١١]، ثم خصص وقال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، فالبنت يطلق عليها أيضاً ولد. فإذاً: لا تعارض بين التفسيرين، بل بينهما عموم وخصوص، فالبنت تدخل في قوله الولد، لكن المراد خصوص البنت من قسمي الولد، فيكون إطلاق الجزء على الولد يوجه بأمرين: أحدهما: ما قاله بعض علماء العربية: إن العرب تطلق الجزء مراداً به البنات، فيقولون: أجزأت المرأة إذا ولدت البنات، وامرأة مجزئة، أي: تلد البنات، ومنه قول الشاعر: إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب قد تجزئ الحرة المذكار أحياناً وقول الآخر: زوجتها من بنات الأوس مجزئة للعوسج اللدن في أبياتها زجل وأنكر الزمخشري هذه اللغة قائلاً: إنها كذب وافتراء على العرب، وقال في (الكشاف) في الكلام على هذه الآية الكريمة: ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أن الجزء في لغة العرب اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب ووضع مستحدث ملحون، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه: أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتاً وبيتاً: إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب زوجتها من بنات الأوس مجزئة إلى آخره. وقال ابن منظور في (اللسان): وفي التنزيل العزيز ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف:١٥] قال أبو إسحاق: يعني به الذين جعلوا الملائكة بنات لله تعالى وتقدس عما افتروا، قال: وقد أنشدت بيتاً يدل على أن معنى جزءاً معنى الإناث، قال: ولا أدري البيت هو قديم أم مصنوع: إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب إلى آخر البيت. فالمعنى في قوله: (وجعلوا له من عباده جزءاً) أي: جعلوا نصيب الله من الولد الإناث، قال: ولم أجده في شعر قديم، ولا رواه عن العرب الثقات، وأجزأت المرأة: ولدت الإناث، وأنشد أبو حنيفة: زوجتها من بنات الأوس مجزئة انتهى الغرض من كلام صاحب (اللسان). وظاهر كلامه هذا الذي نقله عن الزجاج أن قولهم: أجزأت المرأة إذا ولدت الإناث معروف، ولذا ذكره وذكر البيت الذي أنشده له أبو حنيفة كالمسلم له. إذاً: لاحظنا أن هناك اختلافاً في ثبوت المعنى المذكور لكلمة (جزءاً).

стр. 1698

التحقيق في معنى الآية أما الوجه الثاني وهو التحقيق إن شاء الله: أن المراد بالجزء في الآية: الولد، وأنه أطلق عليه اسم البنت؛ لأن الفرع كأنه جزء من أصله، والولد بضعة من الوالد. لأن معنى الجزء المذكور لله من عباده هو بعينه الذي أنكره الله إنكاراً شديداً، وقرع مرتكبه تقريعاً شديداً في قوله تعالى بعده مباشرة: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف:١٦ - ١٧]، إلى قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]، ففي سياق الآيات عموماً في هذا الموضع كلها يتكلم الله على ما هو معروف من بغض العرب للإناث، وكيف أنهم نسبوا البنات -وهن أخس النوعين في نظرهم- إلى الله .

стр. 1699

تفسير قوله تعالى: (أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين) قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف:١٦]. (أم اتخذ) يعني: بل اتخذ، والهمزة للإنكار تكذيباً لهم وتعجيباً من فعلهم؛ حيث لم يرضوا بأن جعلوا لله من عباده جزءاً حتى جعلوا ذلك الجزء شر الجزئين وهو الإناث دون الذكور، مع أنهم أنفر خلق الله عن الإناث وأمقتهم لهن، وقد بلغ بهم المقت إلى أن وأدوهن، وكأنه قيل: هبوا أن إضافة اتخاذ الولد إليه جائزة فرضاً وتمثيلاً، أما تستحيون من السقوط في الفتنة ومن ادعائكم أنه آثركم على نفسه بخير الجنسين وأعلاهما وترك له شرهما وأدناهما؟! أفاده الزمخشري. يقول الألوسي ﵀ في قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾: (أم) هنا بمعنى استفهام الإنكار، فالكفار لما قالوا: الملائكة بنات الله، أنكر الله عليهم أشد الإنكار موبخاً لهم أشد التوبيخ، حيث افتروا عليه الولد، ثم جعلوا له أنقص الولدين وأحقرهما وهو الأنثى، كما قال تعالى: (أم اتخذ مما يخلق بنات) وهي النصيب الأدنى من الأولاد، (وأصفاكم) أي: خصكم وآثركم (بالبنين) الذين هم النصيب الأعلى من الأولاد، وهذا ما وضحه تعالى في آيات كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف:١٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨] يعني: فكيف تجعلون لله الإناث وأنتم لو بشر الواحد منكم بأن امرأته ولدت أنثى لظل وجهه مسوداً من الكآبة وهو كظيم، أي: ممتلئ حزناً وغماً؟ وقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]، فيه إنكار شديد وتقريع عظيم لهم؛ لأنهم مع افترائهم عليه جل وعلا الولد جعلوا له أنقص الولدين؛ وفي هذا إشارة إلى نوعين من الضعف والنقص يوجدان في المرأة: النوع الأول: نقص ظاهري. والنوع الثاني: نقص باطني. أما النقص الظاهري فمن حيث الصورة؛ فإنه لا شك أن الرجل أكمل من المرأة من الناحية البدنية، ولذلك تحاول النساء تكميل هذا النقص في الظاهر بارتداء الحلي والزينة، أما الرجل فزينته هي الرجولة نفسها، ولذلك لا يليق بالرجل أن يلبس الذهب ولا يلبس الحرير ونحو ذلك، ومع تحريم الذهب والحرير إلا أن الله تعالى -مراعاة لفطرة النساء- أباح لهن هذه الأشياء، وقال هنا: ((أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين))، أي: أتختارون لله النصيب الأدنى والأضعف والأنقص؟! كيف والأنثى لنقصها الظاهري تنشأ في الحلية، وتنجذب إلى الزينة لتكملة هذا النقص بالملابس والزينة وغير ذلك؟ قال الشاعر: وما الحلي إلا زينة من نقيصة يتمم من حسن إذا الحسن قصرا وأما إذا كان الجمال موفراً كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا فالنقص الظاهري تجبره المرأة بالزينة من الذهب وغيره. وقوله: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ هذا هو النقص الداخلي الباطني، فالغالب في المرأة أنها حيية لا تفصح ولا تقوى على المناظرة ولا المحاورة عند الخصام والجدال، فالنساء إذا شئن أن يفتخرن في الشعر لم يقارن الرجال، بخلاف الرثاء فإن فيه ضعفاً؛ فرثاء الخنساء لأخيها صخر بالنسبة لرثاء الشعراء من الرجال فيه تميز واضح جداً. إذاً: هنا إنكار شديد وتقريع عظيم لهم بأنهم مع افترائهم على الله الولد جعلوا له أنقص الولدين الذي لنقصه الخلقي ينشأ في الحلية من الحلي والحلل وأنواع الزينة من صغره إلى كبره، حتى ترى الطفلة الصغيرة التي لا رأت التلفزيون ولا رأت الأفلام ولا خالطت المتبرجات تذهب بالفطرة إلى المرآة، ولا شغل لها إلا المرآة والزينة وتسريح الشعر والفرح والسعادة بهذا الحلي، لتجبر بتلك الزينة نقصها الخلقي الطبيعي، والأنثى غالباً لا تقدر على القيام بحجتها ولا الدفاع عن نفسها. وقد يقول بعض الناس: هناك بعض النساء عندهن قدرة على الخصام، فنقول: نعم، لكن هل هو خصام مبين ينفع أو يشفع؟ الجواب لا، ففي الغالب أن المرأة لا تقوى على مثل ذلك، ولكن توجد بعض استثناءات، كما قال الشاعر: فلو كان النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال فما التأنيث لاسم الشمس عيب وما التذكير فخر للهلال فالأنثى غالباً لا تقدر على القيام بحجتها ولا الدفاع عن نفسها.

стр. 1700

ضلال الجاهلية في نسبة البنات إلى الله قال ﵎: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل:٥٧]. وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل:٦٢]؛ لأن كراهية البنات سنة جاهلية قبيحة ومبغوضة من الله . وقال تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء:٤٠]. وقال : ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم:٢١ - ٢٢]. وقال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات:١٤٩ - ١٥٧]. كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله، وحينما يئدون البنات ويدفنونهن أحياء كانوا يقولون: نلحقهن ببنات الله، وندفنهن حتى يلتحقن بالملائكة الذين زعموا أنهم إناث، وبعض الجهلة يزينون ستائر البيوت بالتماثيل، ولكن ليت الأمر وقف عند حد التزيين بالتماثيل، بل يصنعون تماثيل على هيئة عرائس صغيرة بأجنحة، يعني: على نفس المعنى الجاهلي الذي نعاه الله واستنكره على أهل الجاهلية، أي: أنهم يصفون الملائكة بأنهم إناث، فتراهم يصنعون تمثالاً صغيراً على هيئة البنات، ذوات أجنحة، على أساس أن هذه هي الملائكة، وتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، وهذا يخرج من نفس المنبع الجاهلي، فينبغي للمسلم أن يحذر من ذلك.

стр. 1701

تفسير قوله تعالى: (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً) قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف:١٧]. وقوله ﵎: (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً) فيه إشارة إلى أسلوب آخر من أساليب الإنكار عليهم فيما يزعمون؛ لأن هذه البنات المزعومة يلزم من ادعائها أن تكون من جنس من نسبت إليه؛ لأن الوالد والولد من جنس واحد، وكلاهما يشبه الآخر في صفاته، فهذا هو السر في قوله ﵎: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ [الزخرف:١٧] يعني: أنهم بزعمهم أن لله بنات وهي الملائكة، فهذا يقتضي أنهم يجعلون هؤلاء الملائكة من المثل لله . يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: ووجه التعبير عن الأنثى بما ضرب مثلاً لله في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ ظاهر؛ لأن البنات المزعومة يلزم من ادعائها أن تكون من جنس من نسبت إليه؛ لأن الوالد والولد من جنس واحد، وكلاهما يشبه الآخر في صفاته، فلذا قال: (مثلاً). ويقول القاسمي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾: أي: من البنات، ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: من الكآبة والغم والحزن، (وهو كظيم) أي: مملوء قلبه من الكرب.

стр. 1702

تفسير قوله تعالى: (أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين) قال ﵎: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]. قوله: (أومن ينشأ) أي: يربى، (في الحلية) أي: في الزينة، يعني البنات، (وهو في الخصام) أي: في المجادلة، (غير مبين) أي: لمن خاصمه ببرهان وحجة، لعجزه وضعفه، والمعنى: أومن كان كذلك جعلتموه جزءاً لله من خلقه، وزعمتم أنه نصيبه منهم. قال إلكيا الهراسي رحمه الله تعالى: فيه دليل على إباحة الحلي للنساء، سئل أبو العالية عن الذهب للنساء فلم ير به بأساً، وتلا هذه الآية: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨].

стр. 1703

تفسير قوله تعالى: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً) ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٩]. قال ﵎: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ أي: جعلوا ملائكة الله الذين هم عنده يسبحونه ويقدسونه إناثاً، والتفسير لـ (عنده) مبني على قراءة أخرى في نفس هذه الآية وهي أن بعض القراء يقرءونها: (وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثاً)، أخذاً من قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾ [فصلت:٣٨] وليس هناك إشكال؛ لأن من شروط القراءة الصحيحة أولاً: أن توافق الرسم والخط العثماني، والخط العثماني لم يكن منقوطاً، وذلك أن (عند وعباد) تكتب بنفس الحروف العين والباء والدال، لأن عباد تكتب في المصحف العثماني (عبد) لكن تُقرأ عباد إذا قدرنا النقطة تحت الباء، أما إذا قرأناها: الذين هم عند الرحمن، فتكون النقطة فوق، وسبب هذا أن المصحف العثماني لا توجد فيه هذه النقطة لا فوق ولا تحت. ثانياً: أن تكون موافقة للإعراب ولقواعد النحو العربي. ثالثاً: أن تثبت بالتواتر. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف:١٩]، في القراءة الأخرى: (الذين هم عند الرحمن إناثاً) أي: جعلوا ملائكة الله الذين هم عنده يسبحونه ويقدسونه إناثاً، فقالوا: هم بنات الله، جهلاً منهم بحق الله سبحانه، وجراءة منهم على قول الكذب. وقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أي: أحضروا خلق الله إياهم فوصفوهم بذلك لعلمهم بهم وبرؤيتهم إياهم؟! وهو إنكار عليهم. وقوله: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ أي: على الملائكة بما هم مبرءون منه، ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾ أي: يسألون عنها يوم القيامة، بأن يأتوا ببرهان على حقيقتها، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلاً، وفيه من الوعيد ما فيه؛ لأن كتابتها والسؤال عنها يقتضي أنهم سوف يعاقبون ويجازون على ذلك أشد الجزاء.

стр. 1704

تفسير قوله تعالى: (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم) قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ * أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٠ - ٢٢]. في هذه الآيات الرد على من يقلدون آبائهم على الباطل، وبيان أن ذلك من عبادة الطاغوت؛ لأن الله يكره ويبغض عبادة الطاغوت، والناس في ذلك أصناف، كما قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ [النحل:٣٦] وهم الذين عبدوا الله ووحدوه، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦] وهم الذين عبدوا الطاغوت من دون الله، فعبادة الطاغوت من دون الله لا يمكن أن يكون صاحبها مهتدياً، ولهذا كذبهم الله في قولهم: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾، بأنهم ليسوا مهتدين، بل هم ضالون. وأوضح أنه لم يكن راضياً بكفرهم، وأنه بعث في كل أمة رسولاً، وأمرهم على لسانه أن يعبدوا الله وحده ويجتنبوا الطاغوت، أي: يتباعدوا عن عبادة كل معبود سواه، وأن الله هدى بعضهم إلى عبادته وحده، وأن بعضهم حقت عليه الضلالة، أي: ثبت عليه الكفر والشقاء، كما قال تعالى في آية الأنعام: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]، فالله وحده هو الذي يملك التوفيق والهداية، وله الحجة البالغة على خلقه، يعني: فمن هديناه وتفضلنا عليه بالتوفيق فهو فضل منا ورحمة، ومن لم نفعل له ذلك فهو عدل منا وحكمة؛ لأنه لم يكن له ذلك ديناً علينا ولا واجباً مستحقاً، بل إن أعطيناه ذلك ففضل، وإن لم نعطه فعدل.

стр. 1705

تقدير الله للمقادير قبل خلق الخلق الله ﵎ قدر مقادير الخلق قبل أن يخلقهم، وعلم أن قوماً صائرون إلى الشقاء، وقوماً صائرون إلى السعادة، كما قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]، وأقام الحجة على الجميع ببعث الرسل وتأييدهم بالمعجزات التي لا تترك في الحق لبساً، فقامت عليهم حجة الله في أرضه بذلك، ثم إنه تعالى وفق من شاء توفيقه، ولم يوفق من سبق له في علمه الشقاء الأزلي، وخلق لكل واحد منهم قدرة وإرادة يقدر بها على تحصيل الخير والشر، وصرف قدرتهم وإرادتهم بقدرته وإرادته إلى ما سبق لهم في علمه من أعمال الخير المستوجبة للسعادة، وأعمال الشر المستوجبة للشقاء، فأتوا كل ما أتوا وفعلوا كل ما فعلوا طائعين مختارين غير مجبورين ولا مقهورين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩]، وقال: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]. وادعاء أن العبد مجبور لا إرادة له ضروري السقوط عند عامة العقلاء، ومن أعظم الضروريات الدالة عليه: أن كل عاقل يعلم أن بين الحركة الاختيارية والحركة الاضطرارية فرقاً ضرورياً، لا ينكره عاقل، وأنك لو ضربت من يدعي أن الخلق مجبورون وفقأت عينه -مثلاً- وقتلت ولده واعتذرت له بالجبر فقلت له: أنا مجبور، ولا إرادة لي في هذا السوء الذي فعلته بك، بل هو فعل الله، وأنا لا دخل لي فيه، فإنه لا يقبل منك هذه الدعوى بلا شك، بل يبالغ في إرادة الانتقام منك، قائلاً: إن هذا بإرادتك ومشيئتك، مع سبق الإصرار والترصد. ومن أعظم الأدلة القطعية الدالة على بطلان مذهب القدرية أن العبد لا يستقل بأفعاله دون قدرة الله ومشيئته: أنه لا يمكن لأحد أن ينكر علم الله بكل شيء قبل وقوعه، والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا ينكرها إلا مكابر، وسبق علم الله فيما يقع من العبد قبل وقوعه برهان قاطع على بطلان تلك الدعوى. وإيضاح ذلك: أنك لو قلت للقدري الذي ينفي القدر السابق: إذا كان علم الله في سابق أزله تعلق بأنك تقع منك السرقة أو الزنا بمحل كذا وفي وقت كذا، وأردت أنت بإرادتك المستقلة في زعمك دون إرادة الله ألا تفعل تلك السرقة أو الزنا الذي سبق بعلم الله وقوعه، فهل يمكنك أن تستقل بذلك، وتصير علم الله جهلاً بحيث لا يقع ما سبق في علمه وقوعه في وقته المحدد له؟! والجواب بلا شك: هو أن ذلك لا يمكن بحال، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]، ولا إشكال البتة في أن الله يخلق للعبد قدرة وإرادة يقدر بها على الفعل والترك، ثم يصرف الله بقدرته وإرادته قدرة العبد وإرادته إلى ما سبق به علمه، فيأتيه العبد طائعاً مختاراً غير مقهور ولا مجبور، وغير مستقل به دون قدرة الله وإرادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩]. والمناظرة التي ذكرها بعضهم بين أبي إسحاق الإسفراييني وعبد الجبار المعتزلي توضح هذا، وهي أن عبد الجبار المعتزلي قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء، يريد أن يقول: إن المعاصي مثل السرقة والزنا لا تقع بمشيئة الله؛ لأنه في زعمه يريد أن ينزه أن تكون هذه الرذائل بمشيئة الله، فهم يريدون نفي القدر السابق تنزيهاً لله؛ لأن الله لا تقع المعاصي بمشيئته، فلما قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء، قال له أبو إسحاق: كلمة حق أريد بها باطل، ثم قال -أي: أبو إسحاق - رداً عليه: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، فقال عبد الجبار: أتراه يشاؤه ويعاقبني عليه؟ فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبراً عليه، فأنت الرب وهو العبد؟ فقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني إلى الهدى وقضى علي بالردى، أتراه أحسن أم أساء؟ فقال أبو إسحاق: إن منعك حقاً واجباً لك عليه فقد ظلمك، وإن كان ملكه المحض فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل. فبهت عبد الجبار، وقال الحاضرون: والله ما لهذا جواب. ومضمون جواب أبي إسحاق هذا الذي أفحم به عبد الجبار هو معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]. وذكر بعضهم: أن عمرو بن عبيد جاءه أعرابي فشكا إليه أن دابته سرقت، وطلب منه أن يدعو الله أن يردها إليه، فقال عمرو ما معناه: اللهم إنها سرقت ولم ترد سرقتها؛ لأنك أنزه وأجل من أن تدبر هذا الخنا، فقال الأعرابي: ناشدتك الله يا هذا إلا ما كففت عني من دعائك الخبيث؛ فإن كانت سرقت ولم يرد سرقتها فقد يريد ردها ولا ترد، ولا ثقة لي برب يقع في ملكه ما لا يشاؤه. فألقمه حجراً. والله أعلم.

стр. 1706

تفسير سورة الزخرف [٢١ - ٣٢]

стр. 1707

تفسير قوله تعالى: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً) قال الله ﵎: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف:٢١]. تقدم أن ناقشنا بالتفصيل معنى قوله تعالى ﵎: (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم)، وبينا أن مسلك المفلسين: إما الاحتجاج بالتقليد، وإما الاحتجاج بالقدر في مصادمة الشرع، ويحسبون أن في الاستناد إلى مشيئة الله العامة -المشيئة الكونية القدرية- حجة لهم، في حين أن الحجة هي لله عليهم؛ لأن الله شاء ذلك كوناً وقدراً، لكنه شاءه أيضاً شرعاً، حيث شاء منهم الهداية والطاعة، فلا ينبغي أن يحتج الإنسان بالقدر إلا في المواضع التي ذكرنا تفصيلها فيما تقدم. وقوله تعالى: ((أم آتيناهم كتاباً من قبله)) (أم) هي المنقطعة المقدرة بـ (بل والهمزة)، يعني: أنهم ((ما لهم بذلك من علم)) وفي هذا وصفهم بالجهل فيما يتخرصون به، حيث قالوا: ((لو شاء الرحمن ما عبدناهم)). وقوله: ((أم آتيناهم كتاباً من قبله)) أي: هل عندهم كتاب من الله أوحي إليهم من قبل هذا القرآن، ((فهم به مستمسكون)) أي: بهذا المنهج، وهو الاحتجاج بالقدر فيما هم عليه من الشرك، وهذا كقوله تعالى في الآيات الأخرى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] يعني: كتاباً موحىً فيه ذلك. قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((أم آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون)): (أم) هنا تتضمن معنى استفهام إنكار، يعني: أن هذا الذي عليه الكفار من عبادتهم الأوثان وجعلهم الملائكة بنات الله لا دليل لهم عليه، ولذا أنكر أن يكون آتاهم كتاباً يحل فيه ذلك، وأنكر أن يكونوا قد أوتوا هذا الكتاب، وأنكر أن يكونوا مستمسكين في ذلك بكتاب من الله، إنكاراً دالاً على النفي للتمسك بالكتاب المذكور مع التوبيخ والتقريع. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن كفرهم المذكور لم يكن عن هدى من الله، ولا كتاب أنزله الله بذلك، بينه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [فاطر:٤٠]، وهذا دليل عقلي. ثم طالبهم بالدليل النقلي فقال: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ﴾ [فاطر:٤٠]. وقال تعالى في سورة الأحقاف: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٤]. وقال تعالى في سورة الروم: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٥]. وقال في سورة الصافات: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات:١٥٦ - ١٥٧]، وقال في سورة النمل: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٦٤]. وقال في سورة الحج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج:٨]. وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:١٤٨].

стр. 1708

تفسير قوله تعالى: (بل قالوا إن وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) قال ﵎: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]. أي: لا حجة لهم إلا تقليدهم آبائهم الجهلة مثلهم، ولذا قالوا: ((إنا وجدنا آباءنا على أمة)) يعني: على ملة أو على دين. ((وإنا على آثارهم مهتدون)) أي: أنهم يعتزون بتراث الآباء والأجداد وعقائدهم.

стр. 1709

تفسير قوله تعالى: (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]. يعني: أن هؤلاء ليسوا أول كفار اتكئوا واستندوا إلى تقليد الآباء والأجداد ومشايعتهم على الكفر، بل هذه سنة الأقوام والأمم من قبلك، أي: كما فعل هؤلاء المشركون من دفاع الحجة بالتقليد فعل من قبلهم من أهل الكفر بالله. قال القاضي البيضاوي: والقاضي عند الإطلاق في كتب التفسير يقصد به البيضاوي. قال: وفيه تسلية له ﷺ ، ودلالة على أن التقييد في نحو ذلك ضلال قديم، وأن مقلديهم أيضاً لم يكن لهم سند منظور فيه. وتخصيص المترفين في قوله: ((إلا قال مترفوها)) إشعار بأن النعم وحب البطالة صرفهم عن النظر إلى التقليد، فالترف له آفات كثيرة جداً، منها أن الترف يصرف الإنسان ويثبط همته بحيث لا يترقى عن مستوى التقليد، والأخذ بقول الغير بدون دليل.

стр. 1710

تفسير قوله تعالى: (قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتهم عليه آباءكم) قال تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف:٢٤]. وفي قراءة أخرى: (قُل أولوا جئتكم بأهذى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون) أي: جاحدون منكرون، وإن كان أهدى، إقناطاً للمنذرين من أن ينظروا أو يتفكروا فيه، يعني: حتى لو كان ما تأتينا به أهدى مما وجدنا عليه آباءنا ((فإنا بما أرسلتم به كافرون))؛ لأن كلامهم هذا جاء جواباً لقول الرسول: ((أولو جئتكم)) يعني: أتكفرون وتكذبون حتى ولو جئتكم ((بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم))؟ قالوا: نعم، ((إنا بما أرسلتم به كافرون)) ولو كان أهدى؛ لأنهم يقصدون بذلك تيئيس وإقناط الرسل والمنذرين من أن ينظروا أو يتفكروا فيما جاءهم به الرسول.

стр. 1711

تفسير قوله تعالى: (فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين) ثم قال تعالى: ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف:٢٥]. كان العذاب فيما مضى يأتي الأمة المكذبة فيستأصلها، وقد رفع هذا العذاب المستأصل عن أمة محمد ﷺ ، أعني: بذلك أمة الإجابة، وإلا فإن أمة محمد هي كل من على ظهر الأرض منذ أن بعث إلى أن تقوم الساعة، إذ ليس للبشرية نبي سوى محمد ﵊، فأمة الدعوة هم المخاطبون برسالته وبالقرآن، والمكلفون بالإيمان به، وهم كل البشر على وجه الأرض إلى أن تقوم الساعة، فلا تعاقب هذه الأمة بالاستئصال التام، لكن يمكن أن تكون هناك زلازل في بعض الأماكن، إلا أنها لا تكون عقوبة كاملة لأهل الأرض، وهذا مما رحم الله به البشرية ببعثته الشريفة ﵌، فلذلك في التفسير هنا في قوله: ((فانتقمنا منهم)) يعني: بعذاب الاستئصال. وقوله: ((فانظر كيف كان عاقبة المكذبين)) أي: انظر كيف كان آخر أمرهم مما أصبح مثلاً وعبرة.

стр. 1712

تفسير قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون . إلا الذي فطرني) قال ﵎: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧]. (وإذ قال إبراهيم) قال القاضي: أي: اذكر وقت قوله هذا؛ ليروا كيف تبرأ عن التقليد وتمسك بالدليل، يعني: هم يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢] ولو كان هؤلاء الكفار من العرب أو مشركي قريش عقلاء، وكان لابد من تقليد، فليقلدوا أباهم إبراهيم؛ فإن أشرف آبائهم هو إبراهيم ﵇. (إنني براء مما تعبدون) أي: بريء من عبادتكم، أو من معبودكم. و (براء) هي القراءة العامة، وهو مصدر كالطلاق والعتاق، أريد به معنى الوصف مبالغة؛ لأن المصدر إذا استعمل في الصفة يكون فيه مبالغة، فإذا قلت: رجل عدل، أي: أنه هو نفس العدل، وقد تقدم بيان هذا مراراً، فلذلك أطلق على الواحد وغيره. وقُرئ بضم الباء: (إنني بُراء) فيكون اسماً مفرداً صفة مبالغة، كطُوال وكُرام بضم الطاء والكاف. وقوله: ((إلا الذي فطرني فإنه سيهدين)) هذا استثناء منقطع، أو متصل على أن (ما) في قوله: (إنني براء مما) يعم أولي العلم وغيرهم، وأنهم كانوا يعبدون الله والأصنام، أو (إلا) بمعنى غير فتكون صفة لـ (ما) أي: إنني بريء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني أي: خلقني. ((فإنه سيهدين)) أي: للدين الحق واتباع سبيل الرشد، والسين إما للتأكيد، بدليل أن نفس الآية جاءت في نفس القصة جاءت في سورة الشعراء بدون سين: (يهدين) فهي للتأكيد، والمضارع في الموضعين للاستمرار، أي: استمرار هذه الهداية. أو أن السين للتسويف والاستقبال، والمراد هداية زائدة على ما كان له أولاً، فيتغاير ما في الآيتين من المحكي بناءً على تكرر قصته ﵇.

стр. 1713

براءة إبراهيم هي كلمة التوحيد يقول العلامة الشنقيطي ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧]: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قال لأبيه وقومه: إنه براء، أي: بريء من جميع معبوداتهم التي يعبدونها من دون الله، أي أنه بريء من عبادة كل معبود إلا المعبود الذي خلقه وأوجده وهو وحده معبوده، وضحه قوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٥ - ٧٨]، وكقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٨ - ٧٩] فبين أيضاً هنا براءته من المشركين، وزاد في سورة الممتحنة بيان براءته من العابدين وعداوته وبغضه لهم في الله : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة:٤]. قوله هنا: ((فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ))، ذكر نحوه في الشعراء: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨]، وقوله أيضاً: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]، وقال: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٧]. وقوله: ((إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ)) * ((إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي)) أي: خلقني، وهذا يدل على أنه لا يستحق العبادة إلا من خلق؛ ولا خالق إلا الله ، وفي الآية الأخرى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨]، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة:٢١]، فإذا كان هو الذي خلقكم فينبغي أن تعبدوه وحده، وقال : ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٨٤]، وقال: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد:١٦]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل:١٧]، وقال أيضاً: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف:١٩١]، وقال أيضاً: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] وكل ما عبد من دون الله فهو طاغوت، مأخوذ من فعلوت من الطغيان، والطغيان هو مجاوزة الحد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١]، فالطاغوت ما جاوز الحد؛ لأن الإنسان إذا رفع المخلوق إلى حد أن يعبده فيكون قد طغى واتخذه طاغوتاً، ورأس الطاغوت: الشيطان؛ لأنه الآمر بكل شرك وكفر وعصيان، ولذلك قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] يعني: بـ (لا إله إلا الله) وهذا هو تحقيق لا إله إلا الله، أي: أن تكفر بكل ما عبد من دون الله، وتؤمن أنه لا يستحق أن يوجه له شيء من العبادة التي لا تنبغي إلا الله، وتثبت أحقية هذه العبادة لله ، ولذلك فمعنى لا إله إلا الله: لا إله حق إلا الله، وليس المعنى: لا إله موجود إلا الله؛ لأن الناس يزعمون أو يصفون بالألوهية مخلوقات من دون الله ويتخذونها آلهة، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣]، فكلمة (إله) تطلق على إله الحق وإله الباطل، أما الله فلا يطلق إلا على الإله الحق، ولذلك الإعراب: لا: نافية للجنس، ولا يصح أن يكون التقدير: لا إله موجود، وأنا الحقيقة يلح علي دائماً المثال الذي كان المدرس يقوله لنا ونحن في ابتدائي: لا زعيم إلا جمال، يعني: لا زعيم موجود. أما لا إله إلا الله فالتقدير: لا إله حق، وليس: لا إله موجود؛ لأنه توجد آلهة تعبد من دون الله، وهي آلهة باطلة، فالشيطان يُعبد، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس:٦٠]، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣]، والمال إله، كما قال ﷺ : (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم) وهكذا. فإذاً: كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت، فلا يصح الإيمان بالله إلا مع الكفر بالطاغوت الذي يتجاوز به العبد حده حينما يرفعه إلى مقام الألوهية ويعبده من دون الله، فكل هذا معناه واحد فقوله: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله) يعني: وحده، (فقد استمسك بالعروة الوثقى) التي هي: لا إله إلا الله، وكذلك قول إبراهيم ﵇ هنا: (إنني براء مما تعبدون) * (إلا الذي فطرني) يساوي: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله)، وتساوي: لا إله إلا الله، ولذلك قال هنا: (وجعلها كلمة) أي: كلمة التوحيد، (باقية في عقبه لعلهم يرجعون).

стр. 1714

تفسير قوله تعالى: (وجعلها كلمة باقية في عقبه) قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٨]. يقول القاسمي: (وجعلها) أي: شهادة التوحيد، (كلمة باقية في عقبه) أي: موصىً بها موروثة متداولة محفوظة، فإبراهيم ﵇ قبل أن يموت كان يوصي بنيه بأن يتمسكوا بلا إله إلا الله، وأن يتبرءوا من المشركين، وبنوه كذلك فيما بعد كانوا يوصون أبناءهم، وهكذا كل جيل كان يوصي الآتي من عقب إبراهيم بأن لا إله إلا الله، ولذلك عندما نراجع وصايا العلماء نجد فيها: أن هذه وصية فلان الفلاني؛ أوصي بأني أشهد أن لا إله إلا الله، يعني: كأنها وصية لمن يأتي بعده من ذريته بأن يثبتوا على التوحيد، قال تعالى: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ [البقرة:١٣٣] يعني: وحده بلا شريك، وقال ﵎: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]. وقوله: (لعلهم يرجعون) أي: لكي يرجعوا إلى عبادته وإلى توحيده في سائر شئونهم، أو لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم، وهذا التفسير مجمل، نشير إليه أولاً، ثم نأتي بالتفاصيل من كلام الشنقيطي ﵀. وقوله: (وجعلها) يعني: كلمة التوحيد المفهومة من قول إبراهيم الآنف الذكر: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧]. وقوله: (كلمة باقية في عقبه) والقاسمي هنا يفهم من تفسيره أنه ليس كل عقب إبراهيم وذريته استقاموا على التوحيد، بل منهم من انحرف عن التوحيد إلى الشرك، لكن بقي الموحدون منهم يوصون عبر الأجيال بكلمة التوحيد، ويتداولونها ويحفظونها، كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة:١٣٢]، وكذلك أيضاً وصى بنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]. وهذه الآية فصلها العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى تفصيلاً وافياً فقال: قوله تعالى: (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) * (بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين) * (ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون) يقول: الضمير المنصوب في (جعلها) راجعه إلى كلمة الإيمان المشتملة على معنى (لا إله إلا الله) وهذه الكلمة مذكورة في الآية السابقة بالمعنى، لكنها تساوي في اللفظ معنى: لا إله إلا الله؛ لأن (لا إله إلا الله) نفي وإثبات، فمعنى النفي منها: هو البراءة من جميع المعبودات غير الله في جميع أنواع العبادات، وهذا المعنى جاء موضحاً في قوله: (إنني براء مما تعبدون)، ومعنى الإثبات منها هو إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله، كما في قوله: (إلا الذي فطرني فإنه سيهدين).

стр. 1715

ذكر خلاف المفسرين في فاعل جعل من قوله: (وجعلها كلمة) الفاعل في قوله: (وجعلها) ضمير مستتر، يرجع إلى إبراهيم، وفي قول آخر: يرجع إلى الله . فبعض المفسرين قالوا: هو راجع إلى إبراهيم، وهذا هو ظاهر السياق؛ لأن السياق في شأن إبراهيم ﵇. وقال بعضهم: هو راجع إلى الله ، يعني: أن الله هو الذي جعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون.

стр. 1716

معنى جعل كلمة التوحيد باقية في ذرية إبراهيم ﵇ فعلى القول الأول أن إبراهيم جعل كلمة التوحيد كلمة باقية في عقبه، فالمعنى: صير إبراهيم تلك الكلمة باقية في عقبه، يعني: في ولده وولد ولده، وإنما جعلها إبراهيم باقية فيهم، لأن إبراهيم ﵇ تسبب في بقائها فيهم بأمرين: أحدهما: وصيته لأولاده بذلك، وصاروا يتوارثون الوصية بذلك عنه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فيوصي به السلف منهم الخلف، فهو الذي سن فيهم هذه السنة، يوصيهم بالتوحيد في حياته، ثم اقتدى به أولاده من بعده، فكل واحد منهم يوصي من يأتي بعده بالتمسك بـ (لا إله إلا الله) كما أشار إلى ذلك الله بقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة:١٣٠] * ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣١ - ١٣٢]. الأمر الثاني: سؤاله ربه تعالى لذريته الإيمان والصلاح، فإنه كان يسأل الله لهم الإيمان والصلاح، كما قال : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] يعني: واجعل يا رب من ذريتي أئمة. وقال ﵎ حاكياً عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٤٠]، وقال أيضاً: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]، وقال عنه هو وإسماعيل ﵉: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٨ - ١٢٩]، فأجاب الله دعاءه في بعث الرسول المذكور في قوله: (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم) وهو محمد ﵌، ولذلك قال النبي ﷺ : (أنا دعوة أبي إبراهيم) يعني: استجاب الله هذه الدعوة لإبراهيم ﵇، ولذلك تسبب إبراهيم بهذه الدعوة في بعثة محمد ﵇؛ لأن من هذه الأسباب الدعاء، وهو قال: (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم)، وقد جعل الله الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته، ولذلك إذا أطلق على إبراهيم ﵇ أبو الأنبياء فإنما المقصود أبو الأنبياء من بعده، أما الذين قبله فلا يدخلون في ذرية إبراهيم؛ لأنه لم يكن قد خلق، أما إبراهيم ﵇ فكافأه الله بأن جعل كل الأنبياء الذين أتوا من بعده في ذريته، فأول ذلك إسحاق، ثم رزق إسحاق يعقوب، وهو إسرائيل، ثم من نسل يعقوب جاءت أنبياء بني إسرائيل، ولم تخرج عنهم النبوة إلا ببعثة النبي ﵇ من نسل إسماعيل أخي إسحاق، قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٢٧]، وقال عنه وعن نوح في سورة الحديد: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد:٢٦]. أما على القول الثاني في قوله: (وجعلها كلمة) وهو أن الذي جعلها هو الله ، فلا إشكال، ويكون التفسير: وجعلها كلمة باقية في المؤمنين من عقبه. وقوله: (لعلهم) يعني: لعل المشركين من عقبه أو من ذريته (يرجعون) أي: عن الشرك إلى التوحيد.

стр. 1717

هل استجاب الله دعوة إبراهيم ﵇ ؟ وقد بين ﵎ هنا أن الله لم يجب دعوة إبراهيم في جميع ذريته؛ لأن إبراهيم ﵇ كان دعا لذريته بأن يكونوا على التوحيد فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٤٠]، وقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨] يعني: أن ذريته خرج منهم مؤمنون وخرج منهم كافرون، سواء في بني إسرائيل أو في العرب؛ لأنهم من نسل إسماعيل ﵇. فإذاً: بين الله هنا أنه لم يستجب دعوة إبراهيم في جميع ذريته، وإنما استجابها في البعض وهم المؤمنون من ذريته؛ لأن كفار مكة الذين كذبوا بنبينا ﷺ من عقبه بإجماع العلماء، وقد كذبوه ﷺ وقالوا: إنه ساحر، وكثير منهم مات على ذلك، وذلك في قوله : (بل متعت هؤلاء وآباءهم)، يعني: متعت كفار مكة وآباءهم، (حتى جاءهم الحق ورسول مبين) هو محمد ﷺ ، (ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون) فكفار مكة من نسل إبراهيم من ذرية إسماعيل، ومع ذلك يثبت الله هنا أنهم كفروا ووصفوا النبي ﵇ بالسحر، فدلت هذه الآية على أن تلك الدعوة لم تستجب في حق كل ذرية إبراهيم، وإنما في المؤمنين منهم. وما دلت عليه آية الزخرف هذه من أن بعض عقب إبراهيم لم يجعل الله الكلمة المذكورة باقية فيهم دلت عليه آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في البقرة: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة:١٢٤] يعني: واجعل من ذريتي أئمة، ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] أي: الظالمين من ذرية إبراهيم، ففهم من ذلك أن من ذريته ظالمين، وقوله تعالى في الصافات: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات:١١٣]، فالمحسن منهم هو الذي كلمة التوحيد باقية فيه، والظالم لنفسه المبين من ليس كذلك. وقال تعالى في النساء: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء:٥٤ - ٥٥]. وبين في سورة الحديد أن غير المهتدين من ذريته كثيرون في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:٢٦]. وقوله هنا في هذه الآية الكريمة: (لعلهم يرجعون) أي: جعل الكلمة باقية فيهم لعل الزائغين الضالين منهم يرجعون إلى الحق بإرشاد المؤمنين المهتدين منهم؛ لأن الحق ما دام قائماً في جملتهم فرجوع الزائغين عنه إليه مرجو مأمول، لأن (لعل) تفيد الترجي، والترجي هنا بالنسبة لبني آدم؛ لأن الترجي هو أن يرجو الإنسان حصول شيء وهو لا يجزم بحصوله؛ لأنهم لا يعرفون من يصير إلى الهدى ومن يصير إلى الضلال، فالترجي هنا هو بالنسبة إلى بني آدم وليس بالنسبة لله .

стр. 1718

ترادف العقب والذرية والبنين والعلامة الشنقيطي وقف هنا وقفة يسيرة قال فيها: ظاهر هذه الآيات الكريمة التي ذكرنا يدل على انسحاب معنى العقب والذرية والبنين، يعني: أن كلمات: العقب، والذرية، والبنين معناها واحد؛ لأنه قال في بعض هذه الآيات عن إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]، وقال في بعض الآيات: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٤٠]، وفي بعضها: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٣٧]، وقال : ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ﴾ [العنكبوت:٢٧]، وقال: ((وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ))، فالظاهر المتبادر من الآيات أن المراد بالبنين والذرية والعقب شيء واحد؛ وبذلك تعلم أن ظاهر القرآن يدل على أن من وقف وقفاً أو تصدق صدقة على بنيه، فقال: هذا وقف على بني أو علي ذريتي أو على عقبي، فحكم ذلك واحد. وقد دلت بعض الآيات القرآنية على أن أولاد البنات يدخلون في اسم ذرية الرجل، وإذا دل القرآن على دخول ولد البنت في اسم الذرية والبنين دل ذلك على دخول أولاد البنين في العقب أيضاً. فمن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم الذرية قوله ﵎: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام:٨٤] إلى قوله : ﴿وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [الأنعام:٨٥] الشاهد: (وعيسى)؛ لأن عيسى ﵇ ابن بنت، لا أب له، فهو ابن بنت من جهة مريم ﵍. ومن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم البنين قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] إلى قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء:٢٣]؛ لأن لفظ البنات في الألفاظ الثلاثة شامل لبنات البنات وبنات بناتهن، وهذا لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص قرآني صريح في استواء بنات بنيهن وبنات بناتهن، فتحصل أن دخول أولاد البنات في الوقف على الذرية والبنين والعقب هو ظاهر القرآن، ولا ينبغي العدول عنه. أما لفظ الولد فلا يدخل فيه أولاد البنات، والدليل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:١١]، فهذا لا يدخل فيه أولاد البنات، فهو نص صريح على عدم دخول أولاد البنات في اسم الولد.

стр. 1719

تفسير قوله تعالى: (بل متعت هؤلاء وآبائهم خير مما يجمعون) قال ﵎: ((بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ * وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٢٩ - ٣٢]. قوله: (بل متعت هؤلاء) يعني: أهل مكة، (وآباءهم) أي: من قبلهم في الحياة فلم أعاجلهم على كفرهم (حتى جاءهم الحق) أي: دعوة التوحيد أو القرآن (ورسول مبين) أي: ظاهر الرسالة بالآيات والحجج التي يحتج بها عليهم في دعوى رسالته. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ (كافرون) أي: جاحدون، فازدادوا في ضلالهم لضمهم إلى شركهم معاندة الحق؛ لأن الكفر قابل للزيادة، والدليل: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧]، والكفر نفسه درجات، فكلما ازداد الكافر في الصد عن سبيل الله والتكذيب بآياته ازداد كفراً. وقالوا أيضاً في مواجهة هذا الحق الذي أرسل إليهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. أي: لولا نزل هذا القرآن على رجل من إحدى القريتين المعهودتين في أذهانكم: من مكة أو الطائف، فالتعريف هنا للعهد. وقوله: (عظيم) يقصدون بالعظمة الجاه والمال، فإن الرسالة منصب عظيم لا يليق إلا بعظيم عندهم. قال القاضي: ولم يعلموا أنها رتبة روحانية تستدعي عظم النفس بالتحلي بالفضائل والكمالات القدسية لا التزخرف بالزخارف الدنيوية. وقد أجابهم الله ﵎ بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ وهذا إنكار فيه تجهيل ورد لتحكمهم فيما لا يتولاه إلا هو ﵎، وبيان أن هذا ليس إليهم، فالله يخلق ما يشاء ويختار، والله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس، فالنبوة هبة من الله ، ولذلك صح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ما معناه: (إن الله نظر في قلوب العباد، فاختار من قلوب العباد قلب محمد ﷺ ؛ لأنه أصفى قلب وأطهر قلب وأكمل قلب، فاصطفاه لرسالته ولنبوته ولكتابه، ثم نظر في قلوب العباد فاختار له أصحاباً رضي الله تعالى عنهم) إلى آخر الأثر الموقوف الصحيح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. والمراد بالرحمة: النبوة، ولو وقفت على كلمة (رحمت) وقفت بالتاء مراعاة لرسم المصحف؛ لأنه إذا كانت التاء مكتوبة تاءً مفتوحة فإذا وقفت عليها تقف عليه بالتاء. وقوله: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا) أي: فجعلنا بعضهم غنياً وبعضهم فقيراً، ورفعنا بعضهم بالغنى فوق بعض درجات. وقوله: (ليتخذ بعضهم) يعني: ليتخذ الغني (بعضاً) يعني: الفقير (سخرياً) أي: مسخراً في العمل، وما به قوام المعايش والوصول إلى المنافع؛ لا لكمال في الموسع عليه ولا لنقص في المقتر عليه. وهذه الآية الكريمة كلها في الرد على الاقتراح، وبيان جهلهم بحكمة الله في المفاضلة في مراتب الناس؛ حيث جعلوا مقاييس المفاضلة هي المال والجاه، فرد الله عليهم أن ذلك ليس إليهم، ثم بين ذلك فقال: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعض سخرياً)، أي: ليس المقصود الاستهزاء، وإنما يعني التسخير بالعمل، لأنه لو كان كل الناس وزراء فمن الذين سيخدمون الناس ويقومون بالوظائف الأخرى؟! لكن الله فاضل بين خلقه وخالف بين وظائفهم؛ كي ينتفع بعضهم من بعض، ويحصلوا بذلك مصالحهم، لكن ليس هذا التسخير بإعطاء البعض وتخصيصه بالغناء، والتقتير على البعض وكونه فقيراً، دليلاً على أن الغني أكمل من الفقير، أو أن الفقير أحقر من الغني، هذا الاعتبار إنما هو في موازين هؤلاء الماديين. وقوله تعالى: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا) أي: جعلنا بعضهم غنياً وبعضهم فقيراً. وقوله: (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) أي: رفعنا الغني فوق الفقير درجات في الدنيا. وقوله: (ليتخذ بعضهم) أي: الغني (بعضاً) أي: الفقير (سخرياً) يعني: مسخراً في العمل؛ لأن كل شيء لابد أن يكون فيه رئيس ومرءوس، حتى يحصل ما به قوام المعايش والوصول إلى المنافع، وليس هذا الاختيار لكمال في الموسع عليه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، لكن هذا التفاضل لأن حاجة البشر ماسة إلى التضام والتآلف الذي به ينتظم شملهم، أما النفحات الربانية والعلوم اللدنية فليست مما يستدعي سعة ويساراً؛ لأنها اختصاص إلهي وفيض رحماني. والسخري بالضم منسوب إلى السخرة بوزن غرفة، وهي الاستخدام والقهر على العمل. وقوله: (ورحمة ربك خير مما يجمعون) يعني: أن النبوة خير مما يجمعون من الحصاد الفاني، فرحمة ربك في أول الآية وفي آخرها مقصود بها النبوة، فإذا كانت رحمة ربك خيراً مما يجمعون من الأموال والغنى والسعة واليسار فإن العظيم حقاً هو الذي أعطيها، وهو النبي ﷺ . يقول الشنقيطي في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وقال كفار مكة: (لولا) هلا، (نزل هذا القرآن على رجل من القريتين) أي: على رجل من إحدى القريتين؛ وهما مكة والطائف (عظيم) يعنون كثرة ماله، وعظم جاهه، وعلو منزلته في قومه، وعظيم مكة الذي يريدون هو الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، وفي مرة بن كعب يجتمع نسبه بالنبي ﷺ ، وقيل: هو عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، وعظيم الطائف هو عروة بن مسعود، وقيل: حبيب بن عمرو بن عمير، وقيل: هو كنانة بن عبد يا ليل وقيل غير ذلك. وإيضاح الآية: أن الكفار أنكروا أولاً أن يبعث الله رسولاً من البشر، ففي البداية أنكروا واقترحوا أن الله يرسل عليهم ملائكة، ثم لما سمعوا الأدلة على أن الله لم يبعث إلى البشر رسولاً إلا من البشر، تنازلوا عن اقتراحهم إرسال رسل من الملائكة إلى اقتراح آخر، وهو اقتراح تنزيل هذا القرآن على أحد الرجلين المذكورين فقالوا: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)، وهذا الاقتراح يدل على شدة جهلهم وسخافة عقولهم؛ حيث يجعلون كثرة المال والجاه في الدنيا موجباً لاستحقاق النبوة وتنزيل الوحي، ولذا زعموا أن محمداً ﷺ ليس أهلاً لإنزال هذا القرآن عليه لقلة ماله، وأن أحد الرجلين المذكورين أحق أن ينزل عليه القرآن منه ﷺ ، وقد بين ﵎ في هذه الآية الكريمة شدة جهلهم وسخافة عقولهم بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:٣٢]، والظاهر المتبادر أن المراد برحمة ربك النبوة وإنزال الوحي، وإطلاق الرحمة على ذلك متعدد في القرآن، كقوله تعالى في سورة الدخان: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الدخان:٥ - ٦]، وقال في آخر سورة القصص: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٨٦]، وقال في آخر سورة الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وقال تعالى في سورة الكهف: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الكهف:٦٥]، على القول بأن الخضر ﵇ نبي. قال تعالى: ((نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ)) يعني: أنه تعالى لم يفوض إليهم أمر معايشهم وحظوظهم في الدنيا، بل تولى قسمة ذلك بينهم، فجعل هذا غنياً وهذا فقيراً، وهذا رفيعاً وهذا وضيعاً، وهذا خادماً وهذا مخدوماً ونحو ذلك، فإذا لم يفوض إليهم حظوظهم في الدنيا ولم يحكمهم فيها، بل كان تعالى هو المتصرف فيها بما شاء كيف شاء، فكيف يفوض إليهم أمر إنزال الوحي حتى يتحكموا في من ينزل إليه الوحي؟! فهذا مما لا يعقل، ولا يظنه إلا غبي جاهل كالكفار المذكورين. وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ التحقيق -إن شاء الله- أنه من التسخير، ومعنى تسخير بعضهم لبعض: خدمة بعضهم البعض، وعمل بعضهم لبعض؛ لأن نظام العالم في الدنيا يتوقف قيامه على ذلك، فمن حكمته جل وعلا أن يجعل هذا فقيراً مع كونه قوياً قادراً على العمل، ويجعل هذا ضعيفاً لا يقدر على العمل بنفسه، ولكنه تعالى يهيئ له دراهم، يؤجر بها ذلك الفقير القوي، فينتفع القوي بدراهم الضعيف، والضعيف بعمل القوي، فتنتظم المعيشة لكل منهما، وهكذا.

стр. 1720

الرد على زعم واقتراحات الكفار في هذه السورة والمسائل التي ذكرها الله جل وعلا في هذه السورة الكريمة جاءت موضحة في آيات أخر من كتاب الله. أما زعمهم أن محمداً ﷺ أنقص شرفاً وقدراً من أن ينزل عليه الوحي، فقد ذكره الله عنهم في سورة (ص) في قوله حاكياً عنهم: ﴿أأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص:٨]، وهذا معناه إنكارهم أن يخصه الله بإنزال الوحي من بينهم؛ لزعمهم أن فيهم من هو أحق بالوحي منه؛ لكثرة ماله وجاهه وشرفه فيهم، وقد قال قوم صالح مثل ذلك لصالح، كما قال تعالى: ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر:٢٥]، فقلوب الكفار متشابهة فكانت أعمالهم متشابهة، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة:١١٨] وقال تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥٣] يعني: لشدة التشابه بين العبارات التي كانوا يقابلون بها أنبياءهم من التكذيب والاحتقار والازدراء صارت متشابهة حتى في الألفاظ؛ ولذلك قال تعالى: ((أَتَوَاصَوْا بِهِ)) يعني: كلما جاء قوماً رسول ردوا عليه نفس الرد، كأن كل أمة كافرة كانت توصي التي بعدها، ولا يؤخذ من السياق أن هذا حصل بالفعل، لكن لشدة التشابه صار كأنهم يتواصون به. وأما اقتراحهم إنزال الوحي على غيره منهم، وأنهم لا يرضون خصوصيته بذلك دونهم فقد ذكره تعالى في سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٢٤] يعني: مثل ما نزل عليهم الوحي ينزل علينا نحن أيضاً، ولذلك جاء الجواب ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، وقال تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر:٥٢] أي: أن تنزل عليه صحف بالوحي من السماء. أما إنكاره تعالى عليهم اقتراح إنزال الوحي على غير محمد ﷺ الذي دلت عليه همزة الإنكار المتضمنة مع الإنكار تجهيلهم وتسفيه عقولهم في قوله: (أهم يقسمون رحمة ربك) فقد أشار تعالى إليه مع الوعيد الشديد في الأنعام؛ لأنه تعالى لما قال: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٢٤]، أتبع ذلك بقوله رداً عليهم وإنكاراً لمقالتهم: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، ثم أوعدهم على ذلك بقوله: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام:١٢٤]. وأما كونه تعالى هو الذي تولى قسمة معيشتهم بينهم فقد جاء في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [النحل:٧١]، وقال تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٢١]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد:٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء:١٣٥]. وقد أوضح تعالى حكمة هذا التفاضل والتفاوت في الأرزاق والحظوظ والقوة والضعف فقال هنا: (ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً)، وقال تعالى: (ورحمة ربك خير مما يجمعون) يعني: أن النبوة والاهتداء بهدي الأنبياء وما يناله المهتدون يوم القيامة خير مما يجمعه الناس في الدنيا من حطامها، قال تعالى في سورة يونس: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]، فإذا تأملنا وجدنا أن هنا أمراً بالفرح، وفي الآية الأخرى في سورة القصص نهي عن الفرح في قول قوم قارون له: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦]، والمقصود بالفرح المنهي عنه ما يكون عن البطر والطغيان والاستكبار في الأرض، أما الفرح هنا فهو الفرح بالإيمان وبالهدى وبالقرآن وبالإسلام، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ [يونس:٥٨] أي: بالإيمان والقرآن والإسلام، ولذلك كان الإمام وكيع بن الجراح سميناً، وكان إذا أراد أن يبكت من يكلمه في هذا السمن أو يقول له: أراك سميناً؟! يقول له: هذا من فرحي بالإسلام. فإذاً: قوله: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) أي: نفرح بالقرآن، ونفرح بالإسلام وبالسنة؛ لأن هذا هو الذي ينبغي أن يفرح الإنسان به، ويأمرنا الله بأن نجتهد به؛ لأنه (خير مما يجمعون)، وقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران:١٥٧].
следующие страницы →