← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

تفسير قوله تعالى: (قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا) قال تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٢٢]. (قالوا أجئتنا لتأفكنا)، أي: جئتنا لتصرفنا عن آلهتنا. وقيل: (لتأفكنا) أي: لتزيلنا أو لتمنعنا أو لتصرفنا، وكلها معان متقاربة (فأتنا بما تعدنا) من العذاب. وهذه الآية فيها دليل على أن الوعد قد يطلق ويوضع موضع الوعيد؛ لأنه قال هنا: (فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) يعني: في وعدك لنا به، أو: (إن كنت من الصادقين) في أنك نبي، وهذا استعجال منهم بعذاب الله وعقوبته على سبيل استبعادهم وقوعه، كقول الله : ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشورى:١٨]. ((قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ)) أي: إني وإن علمت إتيانه قطعاً، وإن كنت أقطع بأن العذاب آتيكم بسبب كفركم وإعراضكم، لكنني لا أعلم وقت مجيئه؛ لأن العلم بوقته عند الله ، فيأتيكم الله به في وقته الذي قدره له. ((قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ)) أي: أنا شأني ووظيفتي فقط أن أبلغكم ((مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ)) حيث بقيتم مصرين على كفركم، ولم تهتدوا لما جئتكم به، بل اقترحتم عليّ ما ليس من وظائف الرسل، وهذا الاقتراح يكشف مدى جهلهم؛ لأنهم حينما يطلبون من الرسول أن يأتيهم بالعذاب؛ ويستعجلونه بإتيان العذاب؛ فهذا من جهلهم، فناسب أن يوصفوا بالجهل؛ لأن هذه ليست وظيفته هو، إنما وظيفته أن يبلغهم، أما متى يحين الأجل الذي ينزل الله فيه العذاب؟ فهذا ليس إلى الأنبياء، وإنما هو إلى الله ؛ ولذلك قال لهم لما قالوا: ((فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)): ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف:٢٣]. وقال الطبري: تجهلون مواضع حظوظ أنفسكم، فلا تعرفون ما عليها من المضرة بعبادتكم غير الله، وفي استعجال عذابه.

стр. 1857

تفسير قوله تعالى: (فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم) قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف:٢٤]. أي: لما جاءهم عذاب الله الذي استعجلوه فرأوه عارضاً في ناحية من نواحي السماء، متجهاً نحو مزارعهم، والهاء في قوله: (فلما رأوه)، تعود إلى غير مذكور، وقد بين هذا المذكور قوله تعالى: (عارضاً). إذاً: الضمير يعود إلى السحاب؛ لأنه نصب كلمة عارضاً على الحال من سحاب، أي: عرض له، فعارضاً منصوب على الحال. وقيل: الضمير يعود إلى (ما) في قولهم: (فأتنا بما تعدنا)، ثم جاءت الآية: (فلما رأوه)، يعني: ما كان يعدهم. (فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم) سمي السحاب عارضاً؛ لأنه يبدو في عرض السماء. وقال الجوهري: العارض السحاب يعترض في الأفق. (فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم) يعني: متوجهاً نحو أوديتهم. قال المفسرون: كانت عاد قد حبس عنهم المطر أياماً، فساق الله إليهم سحابة سوداء، فخرجت عليهم من واد يقال له: المعتب، فلما رأوه مستقبل أوديتهم استبشروا، وقد كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر. قال ابن كثير: قال الله : (بل هو ما استعجلتم به) أي: هو العذاب الذي قلتم: (فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين). وقال غيره: قال لهم هود: (بل هو ما استعجلتم به) من العذاب حيث قالوا: (فأتنا بما تعدنا). (ريح) أي: هي ريح. أو ريح بدل من ما؛ (ريح فيها عذاب أليم). ((تُدَمِّرُ)) تهلك. ((كُلَّ شَيْءٍ)) من أموالهم وأنفسهم. ((بِأَمْرِ رَبِّهَا)) بإذنه الذي لا يعارض، فلم تدفع عنهم آلهتهم بل دمرتهم. ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] بيوتهم.

стр. 1858

تفسير قوله تعالى: (تدمر كل شيء بأمر ربها) وقوله : (ريح فيها عذاب أليم)، هذه صفة للريح، (تدمر كل شيء)، هذه صفة ثانية للريح، والريح التي عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه، وخرج هود من بين أظهرهم، فجعلت هذه الريح تحمل الفساطيط -جمع فسطاط وهي الخيام -وتحمل الظعينة -وهو الجمل يظعن عليه- والهودج سواء كانت فيه امرأة أم لا، فترفعها كأنها جرادة ثم تضرب بها الصخور. قال ابن عباس: أول ما رأوا العارض قاموا فمدوا أيديهم، فأول ما عرفوا أنه عذاب، ورأوا ما كان خارجاً من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح ما بين السماء والأرض مثل الريح، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، وأمر الله الريح فكشفت عنهم الرمال واحتملتهم ورمتهم في البحر، فهي التي قال الله فيها: (تدمر كل شيء بأمر ربها). قال ابن عباس: (تدمر كل شيء) أي: كل شيء بعثت إليه، وهذا التفسير يجب أن ننتبه له، فقوله: (تدمر كل شيء بأمر ربها)، ليس على عمومه ولا على إطلاقه، لكنه مقيد بـ: كل شيء بعثت لتدميره، وليس كل شيء على الحقيقة كما يظهر لأول وهلة. قيل: إن هذه الريح أمالت عليهم الرمال، فكانوا تحت الرمال كما قال الله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة:٧]، والحسوم: الدائمة في الشر، إذ شرها مستمر لا ينقطع، ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمال، واحتملتهم ورمتهم في البحر، والتدمير الهلاك، وكذلك الدمار، وقرئ: (يدمر كل شيء)، من دمر دماراً دمره ودمر عليه ودمر يدمر دموراً: دخل بغير إذن، وفي الحديث: (من سبق طرفه استئذانه فقد دمر) يعني: دخل بغير إذن. قوله : (تدمر كل شيء)، يعني: تدمر كل شيء من بلادهم مما من شأنه الخراب، كما قال تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات:٤٢] يعني: كالشيء البالي. إذاً: كل شيء هنا ليست على عمومها وإنما المقصود بها: كل شيء أمرت به، أو من شأنه أن يدمر، وما الدليل على قولنا: لابد من تفسيرها: بأنها دمرت كل شيء أمرت بتدميره؟ الجواب قوله: (فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم)، فبقية الآية دل على أن المساكن لم تؤمر الريح بتدميرها. وقد احتج الإمام أحمد رحمه الله تعالى بهذه الآية في مسألة من مسائل العقيدة، وهي مسألة كلام الله ، فإنه اعتمد على هذا التفسير بأن هناك فرقاً بين قول الرحمن وبين ما كان بقوله. قال الإمام أحمد في كتاب الرد على الزنادقة والجهمية: (ثم إن الجهمي ادعى أمراً آخر فقال: أخبرونا عن القرآن هو شيء؟ فقلنا: نعم هو شيء، فقال: إن الله خالق كل شيء، فلم لا يكون القرآن مع الأشياء المخلوقة، وقد أقررتم أنه شيء؟! ومثل هذا السؤال من المغاليط، فهو يدفع إلى إجابة بعينها ويحاول أن يستدرجك إلى إجابة بعينها، مع أن الصواب ليس فيها، وإنما الصواب في غيرها. يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: فلعمري لقد ادعى أمراً أمكنه فيه الدواء، ولبس على الناس بما ادعى، فقلنا -رددنا على هذا المغالط-: إن الله في القرآن لم يسم كلامه شيئاً، وإنما سمى شيئاً الذي كان يقوله، ألم تسمع إلى قوله ﵎: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ [النحل:٤٠]، فالشيء ليس هو قوله، إنما الشيء الذي كان بقوله، وفي آية أخرى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ [يس:٨٢]، فالشيء ليس هو أمره، إنما الشيء الذي كان بأمره. ومن الأعلام الدالات أنه لا يعني أن كلامه من الأشياء المخلوقة، أنه قال للريح التي أرسلها على عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، وقد أتت تلك الريح على أشياء، فلم تدمرها مثل منازلهم ومساكنهم والجبال التي بحضرتهم. فكذلك إذا قال: ((خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)) [الزمر:٦٢]، لا يعنى نفسه ولا علمه ولا كلامه مع الأشياء المخلوقة. ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٩]، فمما يخبر به عن الله أنه شيء، ولذلك كما قلنا في تفسير: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] نقول: خالق كل شيء في عالم الممكنات لا المستحيلات ولا الواجب الوجود وهو الله ، كما هو اصطلاح المتكلمين. كذلك قال في ملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣]، أليس ملك سليمان شيئاً؟ وهل هي أوتيت ملك سليمان؟ لا. يعني: أوتيت من كل شيء مما تؤتاه الملوك، وليس على الإطلاق، وقد كان ملك سليمان شيئاً ولم تؤته. وكذلك إذا قال: (خالق كل شيء)، لا يعني أن كلامه مع الأشياء المخلوقة. وشأن أهل البدع دائماً إساءة الفهم، ومغالطتهم في المناقشات، مثلاً: يقول الله : ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، وقال : ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]، وقال المسيح ﵇: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، وقال : ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤]، مع أنه قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، فلا شك أن الله لا يعني بقوله: (كل نفس ذائقة الموت)، نفسه تعالى عن ذلك علواً كبيراً، فبنفس الباب نرد على من يستدل بقوله: (الله خالق كل شيء)، على أن كلام الله أو أن القرآن مخلوق لعموم قوله: (كل شيء)، كما بينا.

стр. 1859

الفرق بين أمر الله القدري والشرعي قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥]، هذا أمر كوني قدري، وأمر الله نوعان: الأمر الشرعي الإرادي الديني، والأمر الكوني القدري، فالأمر الشرعي الإرادي كقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠]، وكقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، فهي أوامر فيها تكليف. أما الأمر الكوني القدري فمثل قوله : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وقوله : ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء:٤٧]، وقال: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٢١]، وقال: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء:١٦]. والأمر الشرعي الإرادي والأمر الكوني القدري جمعهما الله في قوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فالخلق متعلق بالربوبية، والأمر متعلق بالألوهية؛ فالأمر الشرعي الإرادي الديني متعلق بالألوهية وبالشرع. إذاً: الأمر الشرعي هو شرعه ودينه، وهذا الأمر قد يعطيه الفجار والفساق. أيضاً الأمر الشرعي يتعلق بالمحبة والرضا، فالله لا يأمر أمراً شرعياً إلا بما يحبه ويرضاه، ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨]، فالأمر الشرعي متعلق بألوهيته وشرعه ودينه، أما الأمر الكوني القدري فهو متعلق بربوبيته وخلقه، وهو قضاؤه وقدره وفعله. والأمر الشرعي الإرادي الديني قد يعطيه الفجار والفساق، يعني: أن الله أمر الناس مثلاً بالصدق، وببر الوالدين، وبالعدل والإحسان، فهل لابد أن يقع مادام الناس أمروا به؟ لا، فهذا أمر شرعي كلف الله العباد به، لكن قد يخالفه البعض ويمتثل الأمر البعض الآخر، أي: قد يتمرد على هذا الأمر الكفار والفساق، بخلاف الأمر الكوني القدري فإنه لا يمكن لأحد أبداً الخروج عن حكمه. إذاً: الأمر الشرعي الإرادي الديني يتعلق بالمحبة والرضا، أما الأمر الكوني القدري فلا يتعلق بالمحبة والرضا مطلقاً؛ لأن هذا أمر يعم ما يحبه الله وما لا يحبه الله، ولابد أن يقع، ولا يمكن أن يتخلف. إذاً: الأمران غير متلازمين، فقد يقضي الله ويقدر ما لا يأمر به وما لم يشرعه ، وقد يشرع ويأمر بما لا يقضيه، ولا يقدره. إذاً: الأمر يستلزم الإرادة الدينية، ولا يستلزم الإرادة الكونية، بمعنى: أن الحكم الكوني أو القدري مع الحكم الشرعي يجتمعان في كل ما يقع من العباد من طاعات وإيمان وغير ذلك من هذه الأمور التي هي أولاً: حكم شرعي؛ لأن الله أمر بها، ولأن الله يحبها، ويجتمعان في أنها أيضاً داخلة في إرادته الكونية العامة، فهنا اجتمعا فيما وقع من طاعات عباده وإيمانهم. وهل ينتفي الحكمان معاً الشرعي الإرادي والكوني القدري؟ نعم ينتفيان فيما لم يقع من المعاصي والفسق والكفر، فإن الله لا يأمر بالكفر، وهذه الأشياء بالذات لم يقدرها كوناً وقدراً. وقد ينفرد الحكم الشرعي والقضائي الديني فيما أمر الله به وشرعه، ولكن لم يفعله المأمور، فهنا وقع الحكم الشرعي والقضاء الديني، لكن لم يقع الأمر الكوني القدري؛ لأنه لم ينسبه ديناً. ومتى ينفرد الحكم الكوني القدري؟ ينفرد فيما وقع من المعاصي، وهذا وقع من حيث كوناً وقدراً، لكن هل يقع بشرع الله وإرادته الشرعية؟ لا؛ لأن الله لا يأمر بذلك. إذاً: الأمر يستلزم الإرادة الدينية ولا يستلزم الإرادة الكونية، فإن الله لا يأمر إلا بما يريده شرعاً وديناً، ولا يأمر إلا بالأشياء التي يريدها ويحبها مثل: أمره الكافر بالإيمان شرعاً وإن كان لم يوفقه له كوناً وقدراً. كذلك أمر خليله ﵇ بذبح ولده شرعاً، لكنه ما أراده كوناً وقدراً، بدليل أنه لم يقع. وأمر رسوله بخمسين صلاة، لكنه لم يرد ذلك كوناً وقدراً. والله يحب إيمان الكفار، ولكنه سبحانه اقتضت حكمته أن أعان بعضهم على فعل ما أمره ووفقه له، وخذل بعضهم فلم يعنه ولم يوفقه، فلم تحصل مصلحة الأمر منهم، وحصلت من الأمر بالذبح. ثم أشار الله إلى أن هذا التدبير لا يقتصر على عاد، بل هو منتظم لكل من كان على شاكلتهم من أهل مكة وغيرها، يقول : ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يونس:١٣] أي: الكافرين إذا تمادوا في غيّهم وطغوا على ربهم .

стр. 1860

الهدي النبوي مع السحاب والمطر عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواته) يعني: كان إذا ضحك يتبسم، لكن ما كان يحصل أنه يفتح فمه حتى تظهر اللهاة التي في آخر الحلق من شدة الضحك، وهذا أدب من آداب النبوة، (ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم، وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه -كان يتغير وجهه الشريف ﷺ إذا رأى غيماً أو ريحاً- قلت: يا رسول الله! الناس إذا رأوا الغيم فرحوا أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية! فقال: يا عائشة! وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب - أي: وما يضمن لي-؟ قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾) متفق عليه. وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عنها ﵂ قالت: (كان رسول الله ﵌ إذا عصفت الريح قال: اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به، فإذا تخبلت السماء؛ تغير لونه، وخرج ودخل، وأدبر وأقبل، فإذا مطرت سري عنه -لأنه عرف أن هذه رحمة وليست عذاباً،- فسألته فقال: لعله -يا عائشة - كما قال قوم عاد: ((هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا))).

стр. 1861

معنى قوله تعالى: (فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم) قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾، هذه قراءة عاصم وحمزة، أما ابن كثير فقرأ: (فأصبحوا لا تُرى إلا مساكنهم)، وقراءة باقي القراء (فأصبحوا لا تَرى إلا مساكنهم) يعني: لا ترى -يا محمد ﵊ إلا مساكنهم. قال الفراء: لا يرى الناس؛ لأنهم كانوا تحت الرمل، وإنما ترى مساكنهم؛ لأنها قائمة.

стр. 1862

تفسير قوله تعالى: (ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف:٢٦]، لفظة: (إن) في هذه الآية الكريمة فيها ثلاثة أوجه، يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: يدل استقراء القرآن على أن واحداً منها هو الحق دون الاثنين الآخرين. قال بعض العلماء: (إن) ظرفية، لكن الجواب محذوف، والتقدير (ولقد مكناكم فيما إن مكناكم فيه)، كأنها: لو مكناكم فيه لطغيتم وبغيتم، هذا هو القول الأول، وهو: أن شرطية، وجوابها مضمر محذوف، والتقدير: (ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه) كان بغيكم أكثر وعنادكم أشد، وتم الكلام ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ [الأحقاف:٢٦]. القول الثاني: قوله: (إن مكناكم فيه) (إن) زائدة بعد ما الموصولة، حملاً لما الموصولة على ما النافية؛ لأن ما النافية تزاد بعدها لفظة (إن) كما هو معلوم، كما قال الشاعر: ما إن رأيت ولا سمعت به. وتقدير الكلام على القول الثاني: (ولقد مكناهم فيما مكانكم فيه)، ومنه قول الأخفش: يرجي المرء ما إن لا يراه وتعرض دون أدناه الخطوب يعني: يرجي المرء الشيء الذي لا يراه، فـ (إن) هنا زائدة، يؤمل المرء ما إن لا يراه، يعني: الشيء الذي لا يراه، وتعرض دون أدناه الخطوب: وتأتي الخطوب والأخبار تحول وتقطع عن أقرب أمل يؤمله. وهذان هما الوجهان اللذان لا تظهر صحة واحد منهما، إذاً: القول بأن إن شرطية، أو زائدة كليهما مرجوح. أما القول الثالث -وهو الصواب إن شاء الله تعالى- فهو: أن لفظة: (إن) نافية بعد ما الموصولة، أي: (ولقد مكناكم في الذي ما مكناكم فيه من القوة في الأجسام وكثرة الأموال والأولاد والعدد)، وإنما قلنا: إن القرآن يشهد لهذا القول؛ لكثرة الآيات الدالة عليه، فإن الله جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه يهدد كفار مكة بأن الأمم الماضية كانت أشد منهم بطشاً وقوة، وأكثر منهم عدداً وأموالاً وأولاداً، فلما كذبوا الرسل أهلكهم الله؛ ليخافوا من تكذيب النبي ﷺ أن يهلكهم الله بسببه؛ كقوله تعالى في سورة المؤمن: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر:٨٢]. وقال أيضاً في نفس السورة: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [غافر:٢١]. وقال في سورة الروم: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم:٩]. وقال تعالى في سورة الزخرف: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:٨]. إذاً: الراجح: أن (إن) هنا نافية. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ [الأحقاف:٢٦] قال الطبري: أي: جعلنا لهم سمعاً يسمعون به مواعظ ربهم، وأبصاراً يبصرون بها حجج الله، وأفئدة يعقلون بها ما يضرهم وينفعهم. وسبق أن تكلمنا في سبب إفراد السمع دون الأبصار والأفئدة في جميع آيات القرآن الكريم، وذكرنا بأن سبب ذلك أنها أتت بلفظ المصدر وهو (السمع).

стр. 1863

حلول نقمة الله بعاد لما جحدوا آياته ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف:٢٦]؛ لأنهم لم يستعملوها فيما خلقت له بل في خلافه. ﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الأحقاف:٢٦]، أي: من العذاب، وهذا وعيد من الله جل ثناؤه لقريش، يقول لهم: (فاحذروا أن يحل بكم من العذاب على كفركم بالله، وتكذيبكم رسله ما حل بعاد، وبادروا بالتوبة قبل النقمة). قال الشهاب: أفرد السمع في النظم وجمع غيره لاتحاد المدرك به وهو الأصوات، وتعددت مدركات غيره، ولأنه في الأصل مصدر، وأيضاً مسموعهم من الرسل متحد.

стр. 1864

تفسير قوله تعالى: (ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى) قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ [الأحقاف:٢٧] أي: ما حول قريتكم -يا أهل مكة- من حجر ثمود وقرى لوط ونحوهما مما كان يجاور بلاد الحجاز، وكانت أخبار هؤلاء القوم المهلكين متواترة عند قريش كحجر ثمود، وأرض سدوم، ومأرب ونحوها، فأنذرنا أهلها بالمثلات، وخربنا ديارها فجعلنها خاوية على عروشها؛ لعلهم يرجعون عن الكفر بالله ورسله. قال القرطبي: وفي الكلام متروك، ترك ذكره لدلالة الكلام عليه، وهو: (ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون) يعني: فأبوا إلا الإقامة على كفرهم والتمادي على غيهم، فأهلكناهم فلم ينصرهم منا ناصر.

стр. 1865

تفسير قوله تعالى: (فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة) قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف:٢٨]. (لولا) بمعنى: هلا، أي: هلا نصرتهم آلهتهم التي تقربوا بها بزعمهم إلى الله لتشفع لهم، حيث قالوا: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، ومنعتهم من الهلاك الواقع بهم! وقال الكسائي (فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة) القربان: كل ما يتقرب به إلى الله من طاعة ونسيكة، والجمع قرابين. و (قرباناً) إعرابها: حال. ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٨] أي: هلكوا عنهم، أو ضلت عنهم آلهتهم؛ لأنها لم يصبها ما أصابهم إذ هي جماد. وقيل: (ضلوا عنهم)، أي: تركوا الأصنام وتبرءوا منها. ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٨] أي: والآلهة التي ضلت عنهم هي إفكهم في قولهم: إنها تقربهم إلى الله زلفى. (وذلك إفكهم)، يعني: كذبهم، وفي قراءة أخرى: (وذلك أفَكَهُم) أي: ذلك القول صرفهم عن التوحيد، وقرأ عكرمة: (وذلك أفَّكَهم) يعني: قلبهم عما كانوا فيه من النعيم، وفي قراءة أخرى مروية عن ابن عباس: (وذلك إفكِهم) يعني: صارفهم، وعن عبد الله بن الزبير على اختلاف فيه: (وذلك آفكَهم) أي: أصارهم إلى الإفك. والدليل على قراءة العامة: (وذلك إفكهم) قوله تعالى: (وما كانوا يفترون).

стр. 1866

تفسير قوله تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن) قال الله ﵎: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٠]. (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن) أي: أملناهم إليك، وأقبلنا بهم نحوك. (يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا)؛ ليتم التدبر والتفكر. (فلما قضي) فرغ من قراءته كمل تأثرهم به، فأرادوا التأثير به، يعني: من شدة تأثرهم بسماع القرآن أرادوا أن يؤثروا به في قومهم من الجن. (ولوا إلى قومهم منذرين) أي: رجعوا فوراً، (إلى قومهم منذرين) لهم عما هم فيه من الضلال. (قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى)، وخص موسى لأنه المتفق على تعظيم كتابه، وقد علمنا صدقه؛ لأن هذا القرآن رأينا أنه يصدق الكتب التي بين يديه، وقد فضل عليها؛ لأنه (يهدي إلى الحق) أي: إلى معرفة الحقائق. (وإلى طريق مستقيم) لا عوج فيه، وهو الإسلام. قال ابن كثير: (يهدي إلى الحق) في الاعتقاد والأخبار، (وإلى طريق مستقيم) في الأعمال، فإن القرآن مشتمل على شيئين: خبر وطلب، فخبره صدق، وطلبه عدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة:٣٣]، فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح، وهكذا قالت الجن: (يهدي إلى الحق) أي: في الاعتقادات، (وإلى طريق مستقيم) أي: في العمليات. ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٣١] أي: رسول الله ﷺ إلى ما يدعوكم إليه من طاعة الله. ﴿وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ﴾ [الأحقاف:٣١ - ٣٢] أي: ليس بمعجز ربه بهربه إذا أراد الله عقوبته؛ لأنه في قبضته وسلطانه. ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ﴾ [الأحقاف:٣٢] أي: نصراء ينصرونه من الله إذا عاقبه. ﴿أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣٢] أي: على غير استقامة. هذه الجملة من الآيات نحتاج إلى إيضاح بعض الأمور المتعلقة بها.

стр. 1867

الربط الوثيق بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام في الشرع قوله تعالى: ((وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ)) ذكر الله أنه صرف إلى النبي ﷺ نفراً من الجن، والنفر عدد أقل من العشرة. وأخبرنا جل وعلا أنهم لما حضروه قال بعضهم لبعض: (أنصتوا) أي: اسكتوا مستمعين، (فلما قضي) أي: لما انتهى النبي ﷺ من قراءته (ولوا) أي: رجعوا (إلى قومهم) من الجن في حال كونهم (منذرين) أي: مخوفين لهم من عذاب الله إن لم يؤمنوا بالله، ويجيبوا داعيه محمداً ﷺ ، وأخبروا قومهم أن هذا الكتاب الذي سمعوه يتلى المنزل من بعد موسى (يهدي إلى الحق) وهو ضد الباطل، (وإلى طريق مستقيم)، لا اعوجاج فيه. يوجد ارتباط وثيق بين رسول الله محمد ﵊ وكليم الله موسى ﵇، والقرآن دائماً يربط بينهما في مناسبات عدة منها هذه الآية، وقوله أيضاً: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [الأحقاف:١٢]، فانظر إلى الربط بين القرآن والتوراة؛ لأنها أساس الإنجيل الذي هو فرع عن التوراة ومكمل لها. كذلك الربط بين محمد وموسى في حادثة الإسراء والمعراج، وتردد الرسول عليه الصلاة السلام بين ربه وبين موسى عدة مرات. كذلك في حادثة بدء الوحي عندما قال ورقة بن نوفل لـ خديجة: هذا الناموس الذي أنزله الله على موسى. كذلك لما قرأ جعفر بن أبي طالب على النجاشي سورة مريم وبكى من حوله قال: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة.

стр. 1868

عدم علم النبي ﷺ باستماع الجن لتلاوته دل القرآن الكريم على أن اجتماع هؤلاء النفر من الجن، وقولهم ما قالوا عن القرآن كله؛ وقع ولم يعلم به النبي ﷺ حتى أوحى الله إليه بذلك، كما قال تعالى في القصة بعينها: (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن)، لكنه في سورة الجن فصل هذه القصة بالتفصيل فقال: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن:١ - ٢] إلى آخر سورة الجن.

стр. 1869

إرهاصات ما قبل النبوة بين يدي الأحداث المهمة يحصل دائماً إرهاصات، وهي تعتبر كالمقدمات لأمر مهم سوف يحصل بعد ذلك. نضرب أمثلة لذلك: ميلاد المسيح ﵇: ما الإرهاصات التي كانت قبله؟ حمل امرأة زكريا بيحيى ﵇، وهذه مقدمة بين يدي ما هو أعظم؛ لأن امرأة زكريا كانت قد بلغت من الكبر عتياً، وجرت سنة الحياة أنه لا يولد لمثلها؛ لأنها كانت عقيماً، وكان هو قد بلغ من الكبر عتياً، ولما رأى كرامات الله لـ مريم ﵍ قال: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران:٣٧ - ٣٨]، فدعا ربه أن يهبه الولد الصالح، وقد كان -كما هو مفصل في القرآن الكريم- خرق للعادة، ومعجزة، لكنه إرهاص ومقدمة بين يدي ما هو أعظم وأخطر، وهو معجزة ميلاد المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. أيضاً: بعثة النبي محمد ﵊ لها إرهاصات ومقدمات تنبئ عن أن شيئاً مهماً جداً سوف يحصل؛ مثل حادثة الفيل، فهي إرهاص حصل قبل بعثة النبي محمد ﵊ يدل على أن الله يحمي هذا البيت؛ لاقتراب بعثة محمد؛ لأنه ولد ﵇ في نفس عام الفيل. ومن هذه الإرهاصات أيضاً: ما حصل من هواتف الجن وإخبارها عن شيء خطير وقع في هذا الكون، وهو تشديد الحراسة في السماء، فعلموا أن شيئاً خطيراً سوف يحصل؛ لأن السماء ما حرست من قبل هذه الحراسة؛ وذلك إنما حصل لأجل أن يحرس الوحي، ولا يتمكن الجن أن يسترقوا شيئاً من أخبار الوحي. من هذه الأحاديث ما رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ما سمعت عمر يقول لشيء قط: إني لأظنه كذا إلا كان كما يظنه، وهذا من الفراسة قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ جالس إذ مر به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ ظني أو إن هذا على دينه في الجاهلية أو لقد كان كاهنهم، علي بالرجل، يعني: أول ما رأى عمر هذا الرجل قال: أظن أن هذا كان كاهناً في الجاهلية، وعمر من المحدثين الملهمين، وكانت عنده فراسة شديدة رضي الله تعالى عنه، فدعي له، فقال له ذلك، فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم! فقال عمر: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني، فقال الرجل: كنت كاهنهم في الجاهلية، قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال: بينما أنا يوماً في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها؟ قولها: ألم تر الجن وإبلاسها، يعني: تحيرها ودهشتها، ويأسها من بعد إنكاسها، ولحوقها بالقلاص، جمع قلوص، وهي الناقة الشابة، وأحلاسها: جمع حلس، وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت الظهر. فقال عمر: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخاً قط أشد صوتاً منه يقول: يا جليح! أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله، يعني: في تلك اللحظة لما ذبح العجل صرخ هذا الجني بهذا الصوت: يا جليح! وهذا اسم رجل، فكان يناديه: يا جليح! رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله، قال: فوثب القوم، فقلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح! أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله، فقمت، فما نشبنا أن قيل: هذا نبي. فـ عمر نفسه أكد الخبر الذي قاله هذا الرجل الذي كان كاهناً في الجاهلية، بأن حكى هو حكاية حضرها أن جنياً صاح هذا الصياح. وهل الجن يعرفون الغيب؟ لا، لكن هذه الإرهاصات كانت بمثابة مقدمات بين يدي نزول الوحي؛ إذ قبل أن ينزل الوحي إلى السماء اشتدت الحراسة كما قال الله حاكياً عن الجن قولهم: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن:٨ - ٩].

стр. 1870

استماع الجن للقرآن في وادي نخلة قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عمرو، قال: سمعت عكرمة، عن الزبير في قوله تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن) قال: بنخلة -وهذا اسم للمكان- ورسول الله ﷺ يصلي العشاء الآخرة، ويقرأ القرآن، فأمال الله هؤلاء الجن ووجههم كي يحضروا هذه الصلاة. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩] أي: من الزحام، وحرصهم على استماع القرآن. (لبداً) يعني: بعضهم على بعض، فاللبد يكون طبقات بعضه على بعض. وروى أحمد والبيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، ورجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ وهو بنخلة عامداً إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم قالوا: يا قومنا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن:١ - ٢]، وأنزل الله على نبيه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:١] إلى آخر الآية، فمعنى ذلك أن الرسول ﵇ ما شعر بهم حين استمعوا إليه، وإنما أوحي إليه قول الجن؛ لأن الله تعالى قال: (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من آية الجن). وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. قال الحسن البصري: إنه ﵇ ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله عليه بخبرهم.

стр. 1871

من هواتف الجن قبل البعثة قال مسلم: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا داود -وهو ابن أبي هند - عن عامر قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود ﵁ شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: (لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقيل: استطير -أي: اغتيل- فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله! فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم، قال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم). ولهذا الحديث عدة طرق تدل بمجموعها أن النبي ﵊ في بعض المرات ذهب إلى الجن قصداً، فتلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله ، وشرع الله لهم على لسانه ما هم محتاجون إليه في ذلك الوقت، ويحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن لم يشعر بهم كما قال ابن عباس، ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما قال ابن مسعود. وأما ابن مسعود فإنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته الجن ودعائه إياهم، وإنما كان بعيداً منهم، ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة. وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان الجن يستمعون الوحي فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشراً، فيكون ما سمعوا حقاً وما زادوا باطلاً، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث رسول الله ﷺ كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث، فبث جنوده، فإذا بالنبي ﷺ يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الحديث الذي حدث في الأرض. وذكر محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي قصة خروج النبي ﷺ إلى الطائف ودعائه إياهم إلى الله ، وإيذائهم له، فذكر القصة بطولها ثم قال: (ولما انصرف عنهم بات بنخلة، فقرأ تلك الليلة من القرآن، فاستمعه الجن باسم الله)، قال ابن كثير: (وهذا صحيح، ولكن قوله: إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء، كما دل عليه حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المذكور، وخروجه إلى الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين. والرجل الذي كان كاهنهم هو سواد بن قارب، قال البيهقي في حديث سواد بن قارب: ويشبه أن يكون هذا هو الكاهن الذي لم يذكر اسمه في الحديث الصحيح. ثم روى بسنده عن البراء قال: (بينما عمر بن الخطاب ﵁ يخطب الناس على منبر رسول الله ﷺ إذ قال: أيها الناس! أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فلم يجبه أحد تلك السنة، فلما كان السنة المقبلة قال: أيها الناس! أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فقلت: يا أمير المؤمنين! وما سواد بن قارب؟ قال: فقال له عمر: إن سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئاً عجيباً، قال: فبينما نحن كذلك إذ طلع سواد بن قارب، قال: فقال له عمر: يا سواد! حدثنا ببدء إسلامك كيف كان؟ قال سواد: إني كنت نازلاً بالهند، وكان لي رئي من الجن، قال: فبينما أنا ذات ليلة نائم إذ جاءني في منامي ذلك، قال: قم فافهم، واعقل إن كنت تعقل، فقد بعث رسول من لؤي بن غالب، ثم أنشأ يقول: عجبت للجن وتحساسها وشدها العيس بأحلاسها تهوي إلى مكة تبغي الهدى أخير الجن كأنجاسها فانهض إلى الصفوة من هاشم واسم بعينيك إلى راسها قال: ثم أنبهني فأفزعني، وقال: يا سواد بن قارب! إن الله بعث نبياً فانهض إليه تهتد وترشد، فلما كان من الليلة الثانية أتاني فأنبهني، ثم أنشأ يقول: عجبت للجن وتطلابها وشدها العيس بأقتابها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ليس قداماها كأذنابها فانهض إلى الصفوة من هاشم واسم بعينيك إلى قابها فلما كان في الليلة الثالثة أتاني فأنبهني، ثم قال: عجبت للجن وتخبارها وشدها العيس بأكوارها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ليس ذوو الشر كأخيارها فانهض إلى الصفوة من هاشم ما مؤمنو الجن ككفارها قال: فلما سمعته تكرر ليلة بعد ليلة، وقع في قلبي حب الإسلام من أمر رسول الله ﷺ ما شاء الله، قال: فانطلقت إلى رحلي فشددته على راحلتي، فما حللت نسعة ولا عقدت أخرى حتى أتيت رسول الله ﷺ ، فإذا هو بالمدينة -يعني: مكة- والناس عليه كعرف الفرس، فلما رآني النبي ﷺ قال: مرحبا بك يا سواد بن قارب! قد علمنا ما جاء بك، قال: قلت: يا رسول الله! قد قلت شعراً فاسمعه مني، فقال ﷺ : قل يا سواد! فقلت: أتاني رئي بعد ليل وهجعة ولم يك فيما قد بلوت بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة أتاك رسول من لؤي بن غالب فشمرت عن ساقي الإزار ووسطت بي الدعلب الوجناء بين السباسب فأشهد أن الله لا رب غيره وأنك مأمون على كل غائب وأنك أدنى المرسلين وسيلة إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل وإن كان فيما جاء شيب الذوائب وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة سواك بمغن عن سواد بن قارب قال: فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، وقال لي: أفلحت يا سواد! فقال له عمر ﵁: هل يأتيك رئيك الآن؟ فقال: منذ قرأت القرآن لم يأتني، ونعم العوض كتاب الله من الجن). وساق الإمام الماوردي هذا الحديث الذي هو علم من أعلام النبوة في هتوف الجن ثم قال: ولئن كانت هذه الهتوف أخبار آحاد عمن لا يرى شخصه، ولا يحد قوله، فخروجه عن العادة نذير، وتأثيره في النصوص بشير، وقد قبلها السامعون، وقبول الأخبار يؤكد صحتها، ويؤيد حجتها، فإن قيل: إن كانت هتوف الجن من دلائل النبوة، جاز أن تكون دليلاً على صحة الكهانة، -ونحن لم نقل: إنها دليل من أدلة النبوة، وإنما قلنا: هي إرهاصات ومقدمات بين يدي الوحي- وهنا الإمام الماوردي رحمه الله تعالى يقول: وإذا كانت هتوف الجن من دلائل النبوة، فيجوز أن تكون دليلاً على صحة الكهانة، وعنده وجهان: أحدهما أن دلائل النبوة غيرها، وإنما هي من البشائر بها، وفرق بين الدلالة والبشارة إخباراً. والثاني: أن الكهانة عن مغيب، والبشارة عن معين، فالعيان معلوم، والغائب موهوم.

стр. 1872

معنى صرف الجن إلى النبي قوله تبارك تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن). قال الماوردي: في صرف الجن المذكور في قوله تعالى: ((وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ)) وجهان: أحدهما: أنهم صرفوا عن استراق سمع السماء برجوم الشهب، ولم يصرفوا عنه بعد عيسى إلا بعد بعث رسول الله ﷺ ، فقالوا: ما هذا الحادث في السماء إلا لحادث في الأرض، وتخيلوا به تجديد النبوة، فجابوا الأرض حتى وقفوا على رسول الله ﷺ ببطن نخلة عامداً إلى عكاظ وهو يصلي الفجر، فاستمعوا القرآن ورأوه كيف يصلي، ويقتدي به أصحابه، فعلموا أنه لهذا الحادث صرفوا عن استراق السمع برجوم الشهب، وعرفوا أن الوحي ينزل على نبي بعث حديثاً، وأنه لأجل ذلك حرست السماء، وهذا قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقيل: إن السورة التي كان يقرأ بها هي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، وقيل: إنها سورة الرحمن؛ لأن الرسول ﵊ قال: (قرأتها -أي: سورة الرحمن- على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن رداً منكم، كنت كلما قرأت قوله تعالى: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) [الرحمن:١٣]، كان الجن يقولون: ولا بشيء من نعمك -يا ربنا- نكذبك، لك الحمد). الوجه الثاني في قوله (وإذ صرفنا إليك): أنهم صرفوا عن بلادهم بالتوفيق هداية من الله تعالى حتى أتوا نبي الله ببطن نخلة، فنزل عليه جبريل في هذه الآية وأخبره بوفود الجن، وأمره بالخروج إليهم، فخرج ومعه ابن مسعود حتى جاء إليهم، قال ابن مسعود: (فخط علي خطاً، وقال: لا تجاوزه). فعلى الوجه الأول: لم يعلم بهم حتى أتوه، وعلى الوجه الثاني: أعلمه جبرائيل قبل إتيانهم. واختلف أهل العلم في رؤيته لهم، وقراءته عليهم. وقوله تعالى: (فلما حضروه قالوا أنصتوا)، لما حضروا قراءته القرآن قالوا: أنصتوا لسماعه، وهذا أدب منهم. وقد روى البيهقي عن جابر قال: (قرأ رسول الله ﷺ سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال: ما لي أراكم سكوتاً؟! للجن كانوا أحسن منكم رداً، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذبك، لك الحمد). ورواه الترمذي وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم عن زهير. قوله تعالى: ((يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ)) دل على أن رسول الله ﷺ كان عامَّ الرسالة إلى الإنس والجن، قال ابن كثير: لأنه دعا الجن إلى الله تعالى، وقرأ عليهم السورة التي فيها تقابل الفريقين، أي: قرأ عليهم سورة الرحمن، وسورة الرحمن فيها خطاب للجن والأنس، وفيها تكليفهم ووعدهم ووعيدهم؛ ولهذا قالوا: (أجيبوا داعي الله وآمنُوا به).

стр. 1873

رسل الله إلى الجن قال الماوردي: لم يختلف أهل العلم أنه يجوز أن يبعث الله إليهم رسولاً من الإنس، واختلفوا في جواز بعثة رسول منهم أي: جواز أن يكون الرسول جنياً اختلفوا فيه، لكن لم يختلفوا في جواز أن الله يبعث إلى الجن رسولاً من الإنس. قال: جوز قوم إرسال رسول من الجن إلى الجن؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠]، ومنع آخرون منه، وهذا قول من جعلهم من ولد إبليس، وحملوا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠] على الذين لما سمعوا القرآن ولوا إلى قومهم منذرين، ونظيره تسمية رسل عيسى ﵇ رسلاً في آية سورة يس ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس:١٤]. وقوله: (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي)، قراءة الجمهور على البناء للمفعول، (فلما قُضي)، وقرأ بعضهم: (فلما قَضى) أي: قضى النبي ﷺ يعني: فرغ من قراءته، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة:١٠]، وقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت:١٢]، وقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة:٢٠٠]. قوله: (ولوا إلى قومهم منذرين)، أي: رجعوا إلى قومهم فأنذروهم ما سمعوه من رسول الله ﷺ ، كقوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]، واستدل بهذه الآية على أنه في الجن نذر وليس فيهم رسل. ولا شك أن الجن لم يبعث الله منهم رسولاً؛ لأن الله قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩]، وقال عن إبراهيم الخليل: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٢٧]، فكل نبي بعثه الله بعد إبراهيم فمن ذريته وسلالته. وقد يعترض بعض الناس بآية الأنعام: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠]، ف الجواب أن المراد في الآية هو مجموع الجنسين، وهذا لا يتعارض مع اقتصار الرسل على كونهم من الإنس. فقوله: (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم)، المراد هنا مجموع الجنسين، فيصدق على أحدهما وهو الإنس، كما قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٢٢]، وهو يخرج من أحدهما.

стр. 1874

تفسير قوله تعالى: (قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى) قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٣٠] أي: القرآن، وكانوا مؤمنين بموسى. قال عطاء: كانوا يهوداً فأسلموا، ولذلك قالوا: (أنزل من بعد موسى). وعن ابن عباس: أن الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى، فلذلك قالت: (أنزل من بعد موسى). قال ابن كثير: ولم يذكروا عيسى ﵇؛ لأن عيسى ﵇ أنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمم لشرعية التوراة، فالعمدة هو التوراة، فلهذا قالوا: (أنزل من بعد موسى). وهكذا قال ورقة بن نوفل حين أخبره النبي ﷺ بقصة نزول جبريل عليه أول مرة، فقال: بخ بخ، هذا الناموس الذي كان يأتي موسى، يا ليتني أكون فيها جذعاً، يعني: شاباً عند ظهورها. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٣٠ - ٣١] يعني: محمداً ﵌، وهذا يدل على أنه بعث إلى الجن والإنس، ودعاهم إلى الله، وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين وهي سورة الرحمن، ولهذا قال: (أجيبوا داعي الله وآمنوا به). وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة). قال مجاهد: الأحمر والأسود: الجن والإنس. ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١]. (يغفر لكم من ذنوبكم) والله قد يتجاوز للإنسان عن حقوقه هو، لكن حقوق العباد والمظالم التي بينهم فلا يتجاوز الله إلا أن يستحل صاحب هذا الحق. وهذا هو السبب في قوله : (يغفر لكم من ذنوبكم) فـ (من) هنا للتبعيض، أي: بعض هذه الذنوب، وهو ماعدا حق العباد، قاله الشوكاني. وقيل: إن (من) هنا لابتداء الغاية، مثلما تقول: أكلت السمكة من رأسها إلى ذيلها، فقوله: (يغفر لكم من ذنوبكم)، أي: يقع ابتداء الغفران من الذنوب ثم ينتهي إلى غفران ترك ما هو الأولى. وقيل: إن (من) زائدة.

стр. 1875

دخول المؤمنين من الجن الجنة قوله تعالى: (ويجركم من عذاب أليم) أي: ويقيكم من عذابه الأليم، وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإنما جزاء صالحيهم أن يجاروا من عذاب النار يوم القيامة. قال أبو حنيفة: ليس ثواب الجن إلا أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا تراباً مثل البهائم، وهذا قول الحسن. وقال القشيري: والصحيح أن هذا مما لم يقطع فيه بشيء، والعلم عند الله. وقال آخرون: إنهم كما يعاقبون في الإساءة، يجازون في الإحسان مثل الإنس، وإليه مال مالك والشافعي وابن أبي ليلى. وقال الضحاك: الجن يدخلون الجنة، ويأكلون ويشربون. ودليل هذا المذهب قوله ﵎: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]، قال ابن كثير: والحق أن مؤمنيهم كمؤمني الإنس يدخلون الجنة، كما هو مذهب جماعة من السلف، وقد استدل بعضهم لهذا بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]-فيدل على أن الجن قد يثابون أيضاً بالحور العين- وفي هذا الاستدلال نظر، وأحسن منه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٤٧]، فهو خطاب للإنس والجن، فالله سبحانه تعالى يقول: (ولمن خاف) وهذه صفة عموم، (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، فقد امتن الله تعالى على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، وقد قابلت الجن هذه الآية بالشكر القولي أبلغ من الإنس، فقالوا: ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد؛ فلم يكن تعالى ليمتن عليهم بجزاء لا يحصل لهم. وأيضاً فإنه إذا كان يجازي كافرهم بالنار وهو مقام عدل، فلأن يجازي مؤمنهم بالجنة وهو مقام فضل بطريق الأولى والأحرى. ومما يدل أيضاً على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٧]، وما أشبه ذلك من الآيات. أيضاً من الأدلة: أن هذه الجنة يبقى فيها متسع بعدما يدخل الله كل الخلق ممن يستحقون الجنة، حتى أن الله ينشئ لها خلقاً جديداً يسكنهم الجنة، أفلا يسكنها من آمن به وعمل له صالحاً؟! وما ذكروه هنا من الجزاء على الإيمان من تكفير الذنوب والإجارة من العذاب الأليم، هو يستلزم دخول الجنة؛ لأنه ليس في الآخرة إلا الجنة أو النار، فمن أجير من النار دخل الجنة لا محالة، ولم يرد نص صريح ولا ظاهر عن الشرع أن مؤمني الجن لا يدخلون الجنة، وإن أجيروا من النار، ولو صح لقلنا به، والله أعلم. هذا كلام ابن كثير. هذا نوح ﵊ يقول لقومه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح:٤]، وفي هؤلاء المخاطبين من آمن من قوم نوح، فهل الآية اقتصرت فقط على ذكر أن ثوابهم إذا آمنوا وأطاعوا أن يغفر الله لهم ذنوبهم ويؤخرهم إلى أجل مسمى وأنهم لا يدخلون الجنة؛ لأنه لم يذكر ذلك في هذه الآية؟ لا خلاف أن مؤمني قوم نوح في الجنة، فكذلك هؤلاء. قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف:١٩]، يدل على أنهم يثابون ويدخلون الجنة؛ لأنه قال في أول الآية: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنعام:١٣٠]، إلى أن قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام:١٣٢]. (ولكل) يعني: الإنس والجن، والله تعالى أعلم. قال الله في الترغيب: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١]، ثم قال تعالى في الترهيب: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ﴾ [الأحقاف:٣٢] أي: لا يفوت الله، ولا يسبقه، ولا يقدر على الهرب منه؛ لأنه إن هرب كل مهرب فهو في الأرض، ولا سبيل له إلى الخروج منها، وفي قوله: ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ﴾ [الأحقاف:٣٢] أي: أنصار يمنعونه من عذاب الله، وبين بُعد استحالة نجاته بوساطة غيره. وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣٢] الإشارة إلى من لا يجب داعي الله .

стр. 1876

كلام الشنقيطي في قوله تعالى: (يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به) العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى تكلم في هذه الآية بكلام نختصره، يقول في قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: منطوق هذه الآية: أن من أجاب داعي الله محمداً ﷺ وآمن به وبما جاء به من الحق غفر الله له ذنوبه، وأجاره من العذاب الأليم، ومفهومها -يعني: مفهوم المخالفة، أو دليل الخطاب-: أن من لم يجب داعي الله من الجن ولم يؤمن به لم يغفر له، ولم يجره من عذاب أليم، بل يعذبه ويدخله النار، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣]، وقال تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء:٩٤ - ٩٥]. أما دخول المؤمنين المجيبين داعي الله من الجن الجنة فلم تتعرض له الآية بإثبات ولا نفي، وقد دلت آيات أخرى على أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٤٧]. ويستأنس لهذا بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]، فإنه يشير إلى أن في الجنة جناً يطمثون النساء كالإنس. و الجواب أن آية الأحقاف نص فيها على الغفران، والإجارة من العذاب، ولم يتعرض فيها لدخول الجنة بنفي ولا إثبات، وآية الرحمن نص فيها على دخولهم الجنة؛ لأنه تعالى قال فيها: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، فقوله: (ولمن) يعني: وللذي أو للذين، وهذا يعم كل خائف مقام ربه، ثم صرح بشمول ذلك للجن والإنس معاً بقوله: (فبأي آلاء ربكما تكذبان). فإذاً: لا تعارض بين الآيتين؛ لأن إحداهما بينت ما لم تتعرض له الأخرى، يعني: أن آية الأحقاف لم تتعرض لدخولهم الجنة، لكن آية الرحمن أثبتت دخولهم الجنة، فلا تعارض بين الآيتين، ولو سلمنا أن قوله تعالى: ((يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)) يفهم منه عدم دخول الجنة، فالدليل هنا هو مفهوم الآية، (يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم) حيث يفهم منها: أن هذا هو جزاؤهم لكن لا يدخلون الجنة، أما قوله تعالى: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فهذا عموم يدل على دخولهم الجنة بدلالة المنطوق، ولا شك أن المنطوق مقدم على المفهوم، وهذا دليل أصولي آخر. وسبق أن ذكرنا أن سر التبعيض في قوله: (يغفر لكم من ذنوبكم) هو: أن من الذنوب ما لا يغفر بالإيمان، كذنوب المظالم، أي: حقوق العباد، وفيه نظر؛ لأن الحربي لو نهب الأموال المصونة، وسفك الدماء المحقونة، ثم حسن إسلامه جب الإسلام عنه إثم ما تقدم بلا إنكار. ويقال: إنه ما وعد المغفرة للكافر على تقدير الإيمان في كتاب الله تعالى إلا مبعضاً. والسر فيه: أن مقام الكافر قبض لا بسط، فلذلك لم يبسط رجاؤه كما في حق المؤمن، يعني قال: (يغفر لكم من ذنوبكم) لأنه خطاب موجه لكافر، فيكون فيه قبض لا بسط للثواب، بخلاف كون الإنسان إذا آمن وأسلم، فإن الأمر يكون فيه بسط. قال ابن كثير: جمعوا في دعواهم قومهم بين الترغيب والترهيب، ولهذا نجع كثير منهم، وجاءوا إلى رسول الله ﷺ وفوداً وفوداً.

стр. 1877

تفسير قوله تعالى: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥]، لما قرر سبحانه الأدلة على النبوة والتوحيد والمعاد أمر رسوله بالصبر، فقال: (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل)، والفاء جواب شرط محذوف، أي: إذا عرفت ذلك، وقامت البراهين عليه، ولم ينجع في الكافرين؛ (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل) أي: الزم الثبات والحزم فإنك منهم. قال مجاهد: أولو العزم من الرسل خمسة: نوح وإبراهيم، وموسى وعيسى، ومحمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين. وقيل: نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وموسى. وقال ابن جريج منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب وليس منهم يونس. وقال الشعبي والكلبي: هم الذين أمروا بالقتال، فأظهروا المكاشفة وجاهدوا الكفرة. وقيل: هم الرسل المذكورون في سورة الأنعام، وهم ثمانية عشر: إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوط، واختار هذا الحسين بن الفضل؛ لقوله بعد ذكرهم: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]. وقيل: إن الرسل كلهم أولو عزم، وعلى هذا فتكون (من) في قوله تعالى: (فاصبر كما صبر ألوا العزم من الرسل) بيانية لا للتبعيض، أي: اصبر كما صبر الرسل الذين هم أولو العزم. وقيل: هم اثنا عشر نبياً أرسلوا إلى بني إسرائيل. وقال الحسن: هم أربعة إبراهيم وموسى وداود وعيسى. فأما إبراهيم فقيل له: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١]، ثم ابتلي في ماله وولده ووطنه ونفسه، فوجد صادقاً صابراً في جميع ما ابتلي به. وأما موسى فعزمه حين قال له قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢]. وأما داود فأخطأ خطيئة فنبه عليها، فأقام يبكي أربعين سنة حتى نبتت من دموعه شجرة وقعد تحت ظلها. وأما عيسى فعزمه أنه لم يضع لبنة على لبنة، وقال: إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها. فكأن الله تعالى يقول لرسوله ﷺ : اصبر، أي: كن صادقاً فيما ابتليت به، كما صدق إبراهيم، واثقاً بنصر مولاك مثل ثقة موسى، مهتماً بما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود، زاهداً في الدنيا مثل زهد عيسى. ثم قيل: هي منسوخة بآية السيف. وقيل: إنها محكمة. وذكر مقاتل: أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ يوم أحد، فأمره الله أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولو العزم من الرسل تسهيلاً عليه وتثبيتاً له. يقول القاسمي: (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل)، أي: أولوا الثبات والجد منهم فإنك منهم. والعزم في اللغة كالعزيمة، ما عقدت قلبك عليه من أمر، والعزم أيضاً القوة على الشيء والصبر عليه، فالمراد به هنا: المجتهدون المجدون أو الصابرون على أمر الله فيما عهده إليهم وقدره وقضاه عليهم. ومطلق الجد والجهد والصبر موجود في جميع الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل وكثير من الأولياء، فلذا ذهب جمهور المفسرين في هذه الآية إلى أنهم جميع الرسل، وأن (من) بيانية لا تبعيضية، فكل رسول من أولي العزم، فإن أريد به معنى مقصود ببعضهم فلابد من بيانه ليظهر وجه التخصيص، وقد اختلف في عددهم إلى أقوال: الأول: أنهم جميع الرسل. والثاني: أنهم أربعة: نوح وإبراهيم وموسى ومحمد. والثالث: أنهم خمسة، بزيادة عيسى كما قيل: أولي العزم نوح والخليل المنجد وموسى وعيسى والنبي محمد عليهم الصلاة والسلام. والرابع: أنهم ستة بزيادة هارون أو داود. والخامس: أنهم سبعة بزيادة آدم. والسادس: أنهم تسعة: بزيادة إسحاق ويعقوب ويوسف، وقد يزاد وينقص. وتوجيه التخصيص: أن المراد بهم من له جد وجهد تام في دعوته إلى الحق، وذبه عن حريم التوحيد وحمى الشريعة، بحيث يصبر على ما لا يطيقه سواه من عوارضه النفسية والبدنية وأموره الخارجية، ومبارزة كل أهل عصره كما وقع لنوح، أو الملك الجبار في عصره وانتصاره عليه من غير عدة دنيوية كـ نمرود إبراهيم، وجالوت داود، وفرعون موسى، ولكل موسى فرعون، ولكل محمد أبو جهل، وكالابتلاء بأمور لا يصبر عليها البشر بدون قوة حسية، ونفس ربانية، كما وقع لأيوب ﵊؛ فمن هنا كشف برقع الخفاء عن وجه التخصيص، وهذا مما كشفت بركاتهم سره. وقوله تعالى: ((وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ)) أي: ولا تستعجل بمساءلتك ربك العذاب لهم، فإن ذلك نازل بهم لا محالة، وإن اشتدت عليك الأمور من جهتهم.

стр. 1878

كلام الشنقيطي في المراد بأولي العزم من الرسل يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في المراد بأولي العزم من الرسل في هذه الآية الكريمة اختلافاً كثيراً، وأظهر الأقوال في ذلك: أنهم خمسة، وهم الذين قدمنا ذكرهم في الأحزاب والشورى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧] ﵈. وعلى هذا القول فالرسل الذين أمر رسول الله ﷺ أن يصبر كما صبروا أربعة، فصار هو ﷺ خامسهم. واعلم أن القول بأن المراد بأولي العزم جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأن لفظة (من) في قوله: (من الرسل)، بيانية الذي يظهر أنه خلاف التحقيق، كما دل على ذلك بعض الآيات القرآنية كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨]، فأمر الله جل وعلا نبيه في آية القلم هذه بالصبر، ونهاه عن أن يكون مثل يونس؛ لأنه هو صاحب الحوت. وكقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥]، فآية القلم، وآية طه المذكورتان كلتاهما تدل على أن أولي العزم من الرسل الذين أمر النبي ﷺ بأن يصبر كصبرهم ليسوا جميع الرسل. وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥] يعني: بالدعاء عليهم أو في إحلال العذاب بهم، فإن أبعد غايتهم يوم القيامة. (ولا تستعجل لهم) مفعول لأجله، يعني: لا تستعجل لهم العذاب.

стр. 1879

معنى قوله تعالى: (كأنهم يوم يرون ما يوعدون) قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:٣٥] من العذاب أو من الآخرة. ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ [الأحقاف:٣٥] أي: في الدنيا، حتى جاءهم العذاب، أو لم يلبثوا في قبورهم حتى بعثوا للحساب. ﴿إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف:٣٥] يعني: في جنب يوم القيامة. قيل: نساهم هول ما عاينوا من العذاب طول لبثهم في الدنيا. ﴿بَلاغٌ﴾ [الأحقاف:٣٥] أي: هذا القرآن بلاغ، (بلاغ) خبر مبتدأ محذوف، والدليل قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم:٥٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٦]، والبلاغ بمعنى التبليغ. وفي قوله: ﴿بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف:٣٥] بعض العلماء وقف على (ولا تستعجل)، ثم بدأ: (لهم بلاغ) وهذا خطأ، ذكر ذلك أبو حاتم، ويجوز بلاغاً على المصدر أو على النعت للساعة، والخفض على معنى: من نهارٍ بلاغٍ. وروي عن بعض القراء (بلغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) فيقف على (من نهار). وقرأ: (بلّغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون). قرأ الجمهور (يُهلك) على البناء للمفعول، وقرأه ابن محيصن: على البناء للفاعل. (يَهلك) والمعنى: أنه لا يهلك لعذاب الله إلا القوم الخارجون عن الطاعة، الواقعون في معاصي الله. وقال قتادة: لا يهلك على الله إلا هالك مسرف. وقيل: هذه الآية أقوى آية في الرجاء، (بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون)، يعني: لا يهلك مع رحمة الله وفضله (إلا القوم الفاسقون). قال العلامة الشنقيطي في قوله تعالى: (بلاغ) أصوب القولين في قوله تعالى: (بلاغ) أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا بلاغ، بدليل قوله: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم:٥٢]، وقوله: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٦]، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. والبلاغ اسم مصدر بمعنى التبليغ، وقد علم من استقراء اللغة العربية أنه يأتي كثيراً بمعنى التفعيل، فبلغه بلاغاً أي: تبليغاً، وكلمه كلاماً أي: تكليماً، وطلقها طلاقاً أي: تطليقاً، وسرحها سراحاً، وبينه بياناً، كل ذلك بمعنى التفعيل؛ لأنها مضاعفة العين غير معتلة. وأما القول بأن المعنى وذلك بلاغ، فهو خلاف الظاهر كما ترى، والعلم عند الله تعالى. وقال القاسمي رحمه الله تعالى: (فهل يهلك) أي: بعذاب الله إذا أنزله بمقتضى العدل والحكمة، (إلا القوم الفاسقون) الذين خالفوا أمره، وخرجوا من طاعته، نعوذ بالله من غضبه وأليم عقابه.

стр. 1880

تفسير سورة محمد [١ - ٣]

стр. 1881

بين يدي سورة محمد إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فنشرع بإذن الله تعالى في تفسير سورة القتال، وهي المسماة بسورة محمد ﷺ ، وتسمى سورة الذين كفروا، جاء في الأسباب إنها بدأت بقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١]. أما تسميتها باسم رسول الله محمد ﷺ فلما فيها من أن الإيمان بما نزل على محمد ﷺ متفرقاً أعظم من الإيمان بما نزِّل مجموعاً على جميع الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، وهذا من أعظم مقاصد القرآن. وتسمى بسورة القتال؛ لدلالتها على ارتفاع حرمة نفوس الكفار المانعة من قتالهم، فلا حرمة لهم عن قتالهم، وأيضاً سميت بسورة القتال لما ذكر فيها من أحكام القتال، وكثرة فوائده. وهي مدنية في قول ابن عباس ذكره النحاس، وقال الماوردي: مدنية في قول الجميع إلا ابن عباس وقتادة، فإنهما قالا: إنها مدنية إلا آيةً منها نزلت عليه بعد حجة الوداع حين خرج من مكة، وجعل ينظر إلى البيت وهو يبكي حزناً عليه، فنزل عليه قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد:١٣]. وقد غلط الثعلبي حيث قال: إنها -أي: السورة- مكية، فهذا قول غريب. وروى ابن مردويه عن ابن الزبير قال: نزلت في المدينة سورة الذين كفروا، أي: سورة محمد ﷺ . وروى الطبراني في الأوسط عن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ كان يقرأ بهم في المغرب: ((الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ))). وآيها ثمان وثلاثون آية، وقيل: تسع وثلاثون، ومثل هذا الاختلاف في عدد الآيات لا يعني اختلافاً في ألفاظ الآيات، فهي نفس الألفاظ، فبعض الآيات قد يرى بعض العلماء مثلاً أنها آية كاملة، والبعض يرى أنها جزء آية، وليس يمنع هذا الاختلاف في عدد ألفاظ السورة، وإنما في موضع الآية.

стр. 1882

تفسير قوله تعالى: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم) فقوله تعالى: ((الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)). قال ابن عباس ومجاهد: ((الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ))، هم أهل مكة. (كفروا) أي: بتوحيد الله، (وصدوا) أنفسهم والمؤمنين عن دين الله -وهو: الإسلام- بنهيهم عن الدخول فيه، فصدوا أنفسهم بعد الإيمان، وصدوا غيرهم بنهيهم عن الدخول في دين الإسلام. فـ ((الَّذِينَ كَفَرُوا))، أي: جحدوا توحيد الله وعبدوا غيره، ((وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ))، أي: أعرضوا وامتنعوا عن الإقرار لله بالوحدانية، ولنبيه ﷺ بالرسالة، أو صدوا غيرهم عن ذلك فهذا هو تفسير القاسمي لقوله تعالى: ((وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)). أي: أن الفعل (صدَّ) إما أنه فعل لازم، وإما أنه متعد، فإذا قلنا: إنه لازم، فمعنى (صدوا) أي: أعرضوا، وتقول مثلاً: فصد عني، أي: فأعرض عني، وإذا قلنا إنه متعد فالصد هنا بمعنى المنع، فالكافر يصد عن سبيل الله، أي: أنه يمنع الآخرين وينهاهم عن الدخول في دين الله ، وسيأتي تفصيل ذلك. وقال الضحاك: ((وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)) أي: عن بيت الله بمنع قاصديه. وقيل: هم أهل الكتاب. والاسم الموصول في قوله: ((الَّذِينَ كَفَرُوا)) مبتدأ، والخبر قوله تعالى: ((أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)). وقد حقق العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى معنى هذه الآية الكريمة في تفصيل كثير جداً لا نحتاجه في القرآن الكريم؛ ولذلك نحن نقف معكم هذه الوقفة، يقول ﵀: قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ((وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ))، قال بعضهم: هو من الصدود؛ لأن صد في الآية لازمة. وقال بعضهم: ليس من الصدود، وإنما هو من الصد؛ لأن صد في الآية متعدية، وعليه فالمفعول محذوف، أي: صدوا غيرهم عن سبيل الله، وهو الدخول في الإسلام. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: وهذا القول الأخير هو الصواب؛ لأنه على القول بأن صد لازمة، فإن ذلك يكون تكراراً، فصد يعني: أعرض هو عن الإسلام ولم يدخل فيه بنفسه، فيكون الفعل هنا صد من الصدود وهو الإعراض، فيكون تكراراً مع قوله: ((الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ))، يعني: صد عن سبيل الله يكون توكيداً بكفروا، والتكرار عامة يكون للتوكيد؛ لأن الكفر هو أعظم أنواع الصدود أي: الإعراض عن سبيل الله. أما على القول: بأن صد متعدية فلا تكرار؛ لأن المعنى: أنهم ضالون في أنفسهم، مضلون لغيرهم بصدهم إياهم عن سبيل الله، فهذا مثل قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]. فإذا حملنا الحياة الطيبة على أنها الآخرة، وقوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [النحل:٩٧] في الآخرة فإنه يكون توكيداً، لكن ممكن أيضاً أن يكون المعنى: ((فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)) هذا في الدنيا، ((وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ)) في الآخرة، فيكون على هذه الحال تأسيساً، وهو الأولى، فاللفظ إذا دار بين التأكيد والتأسيس وجب حمله على التأسيس إلا بدليل يجب الرجوع إليه. فالأرجح في قوله هنا: ((الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)) -والله تعالى أعلم- أن (صد) متعدية، والمعنى: أنهم كفروا في أنفسهم، وكانوا نشطين في دعوة غيرهم للبقاء على هذا الكفر، ونهوا الناس عن الدخول في دين الله، فالراجح إذاً هو حملها على التأسيس لا التوكيد. ((الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ))، للمفسرين أقوال في تفسير قوله تعالى: ((أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ))، قال القاسمي: أي: جعلها على غير هدى ورشاد. وقال الضحاك: ((أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)) أي: أبطل كيدهم ومكرهم للنبي ﷺ ، وجعل الدائرة عليهم. وقيل: معنى ((أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)) أي: أبطل ما عملوه في حال كفرهم مما كانوا يسمونه مكارم الأخلاق، فهم في حالة كفرهم كانوا يفعلون بعض الأعمال من مكارم الأخلاق، كصلة الأرحام، وفك الأسارى، وحسن الجوار، وغير ذلك، فهذه الأعمال باعتبار أنها غير مبنية على العقيدة الصحيحة فإنها تحبط، ولا تستعظم في الآخرة، ولم يجعل الله لها جزاءً ولا ثواباً، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، فأعمالهم لا تنفعهم في الآخرة. وقيل: ((أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)) أي: أبطلها، وقيل: أضلهم عن الهدى بما صرفهم عنه من التوفيق. يقول العلامة الشنقيطي في تفسير قوله تعالى: ((أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ))، أي: أبطل ثوابها، فما عمله الكافر من حسن في الدنيا، كقرى الضيف، وبر الوالدين، وحمى الجار، وصلة الرحم، والتنفيس عن المكروب فإنه يبطل يوم القيامة ويضمحل، ولا يكون له أثر، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، وهذا هو الصواب في معنى الآية. لكن ينبغي أن ننتبه إلى أمر مهم جداً في القراءة، فنحن نقول: ((أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)) أي: أبطل ثوابها في الآخرة، فالكافر إذا عمل شيئاً من هذه الأعمال الحسنة فإنه يثاب عليها في الدنيا إذا شاء الله له ذلك، فالمجال الوحيد في أن يثاب على ما عمل هو: أن يثاب عليها في الدنيا فقط، وذلك بإيساع الرزق والصحة، وغير ذلك من الأمور في الدنيا، وأما في الآخرة فلا يثاب الكافر على عمل عمله وقد قدم على الله كافراً به، فلابد من العقيدة الصحيحة، وأما في الدنيا فقد يثاب بإذن الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨].

стр. 1883

تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا عملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد) قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد:٢]. فبعد أن ذكر الكافرين أتبعهم بذكر المؤمنين، قال: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ))، و (الذين) صيغة عموم، فيدخل تحته كل مؤمن من المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ولا يمنع من ذلك خصوص سببها. فقد قيل: إنها نزلت في الأنصار، وقيل: في أناس من قريش، وقيل: في مؤمني أهل الكتاب، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في قوله: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) أي: آمنت قلوبهم وسرائرهم، وانقادت جوارحهم وبواطنهم وظواهرهم. قوله: ((وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ))، وهذا من عطف الخاص على العام، فـ (آمنوا) في أول الآية عام، ثم ذكر الخاص بعد ذلك: ((وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ))، ﷺ ، فهذا عطف خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته ﷺ . أي: (والذين آمنوا) إيماناً عاماً بكل ما ينبغي الإيمان به، لكن هناك إيمان خاص بعد بعثة محمد ﷺ ، وهو الإيمان بما نزّل على محمد، وهو شرط في صحة الإيمان، وإذا لم يأتوا بهذا الشرط حبط كل عملهم، فبعد بعثة النبي محمد ﷺ غلقت جميع الأبواب المؤدية إلى الجنة، ولم يبق إلا باب وطريق واحد وهو اتباع ما جاء به محمد رسول الله ﵌. فمن لم يؤمن بمحمد ﵇ بعد بعثته كان من أهل النار، كما قال ﷺ : (والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي رجل من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)، وهذه إشارة إلى أن الإيمان بمحمد ﵊ شرط في صحة الإيمان بعد بعثته ﷺ . قال الشوكاني ﵀: وخص سبحانه الإيمان بما أنزل على محمد ﷺ بالذكر مع اندراجه تحت مطلق الإيمان المذكور قبله، تنبيهاً على شرفه وعلو مكانته. أي: مع أن الإيمان بمحمد داخل في قوله: (والذين آمنوا)، لكن خُصّ بالذكر لينبه على شرفه وعلو مكانته. قوله: ((وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ)) هذه جملة معترضة بين المبتدأ وهو: ((والذين آمنوا)) وبين خبره وهو ((كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ)). قوله: ((وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ))، قال الشوكاني: معنى كونه الحق أنه الناسخ لما قبله. قوله: ((مِنْ رَبِّهِمْ))، في محل نصب على الحال. قال القرطبي: يريد أن إيمانهم هو الحق من ربهم. وقيل: إن القرآن هو الحق من ربهم، فقد نسخ به ما قبلهم. قوله: ((كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ)) أي: السيئات التي عملوها فيما مضى، فإنه غفرها لهم بالإيمان والعمل الصالح. قوله: ((وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ)) قيل: شأنهم، أو أمورهم، أو حالهم، والمعاني الثلاثة متقاربة، وهي متأولة على إصلاح ما تعلق بالإيمان. وحكى النقاش: أن المعنى: ((وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ)) أي: أصلح نياتهم، وهو على هذا التأويل محمول على صلاح دينه، يعني: بعض العلماء قالوا: إنها متأولة، أصلح بالهم أي: أصلح ما يتعلق بدنياهم، كذلك قلنا: بأنه الشأن أو الأمور أو الحال. وقال الشوكاني: قيل: ومعنى ((وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ)) أي: عصمهم من المعاصي في حياتهم، وأرشدهم إلى أعمال الخير، وليس المراد إصلاح حال دنياهم من إعطائهم المال، وقد جاء في حديث تشميت العاطس: (يهديكم الله ويصلح بالكم) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة. ويقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) أي: الطاعات فيما بينهم وبين ربهم. قوله: ((وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ)) أي: بما أنزل الله به جبريل على محمد ﷺ ، وإنما خصه بالذكر مع دخوله فيما قبله تعظيماً لشأنه؛ لأنه لا يصح الإيمان ولا يتم إلا به، إذ يفيد بعطفه أنه أعظم أركانه في إفراده بالذكر، وقد تأكد ذلك بالجملة الاعتراضية وهي قوله: ((وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ))؛ لتبين شرف وعظم مكانة الإيمان بمحمد ﷺ ، وما أنزل إليه: (وهو الحق) أي: الثابت بالواقع ونفس الأمر، ((كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ)) أي: ستر بإيمانهم وعملهم الصالح ما كان منهم من الفسق والمعاصي، فالتكفير هو التغطية، ومنه كفرت البذرة إذا غطيتها بالتراب، فالمقصود: أن الإيمان والعمل الصالح ستر وغطى على ما كان منه من الكفر والمعاصي؛ لنزوعهم عنها وتوبتهم، (وأصلح بالهم) أي: حالهم وشأنهم وعملهم في الدنيا بالتأييد والتوفيق. قال الشهاب: البال يكون معناه الحال والشأن، وقد يَخَصّ بالشأن العظيم، كما روي عن النبي ﵊ في قوله: (كل أمر ذي بال) (ذي بال) أي: ذي شأن عظيم. ويتجوَّز به عن القلب. أي: قد يستعمل استعمالاً مجازياً بمعنى القلب، ولو فسر البال هنا بالقلب لكان المعنى حسناً أيضاً، ((كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ)) أي: أصلح قلوبهم. وقد فسره النسفي بالفكر؛ لأنه إذا صلح قلبه وفكره صلحت عقيدته وأعماله. وقال ابن جرير (البال) كالمصدر مثل الشأن، لا يعرف منه جمع، ولا تكاد العرب تجمعه إلا في ضرورة الفعل، فإذا جمعوه قالوا: بالاً، بالاً. وقال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية الكريمة: (وأصلح بالهم) أي: أصلح لهم شأنهم وحالهم إصلاحاً لا فساد معه. وما ذكره الله جل وعلا هنا في أول هذه السورة الكريمة من أنه يبطل أعمال الكافرين، ويبقي أعمال المؤمنين جاء موضحاً في آيات كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود:١٥]، تأملوا الظرف (فيها)، فالهاء تعود إلى الحياة الدنيا، أي: لا يجازَون إلا في الدنيا؛ ولذلك صح في الحديث: (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر) فالدنيا هي المكان الوحيد الذي يثاب فيه على ما عمل من الأعمال الحسنة، فيوجد من التقاة من يعمل أعمالاً حسنة كبر الوالدين، وصدق الحديث، والوفاء بالوعد، والإحسان إلى الفقراء، فهذا قد يحصل من الكافر، فيثاب عليها في الدنيا فقط، بشرط أن يشاء الله ذلك. قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥] أي: في الدنيا فقط. ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ [هود:١٦] أي: في الآخرة، ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٦]. وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا * أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٣ - ٢٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩]، وقال تعالى في سورة الأحقاف: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف:٢٠]. قوله تعالى: ((وأضل أعمالهم)) أصله من الضلال، وهو بمعنى: الغيبة والاضمحلال، فالشيء إذا غاب فقد ضل، وليس مأخوذاً من الضالة، فهذا كقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام:٢٤]. قوله تعالى: ((وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ))، قال ابن كثير: هو عطف خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته ﷺ ، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود:١٧]. وقوله تعالى: ((وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ)) جملة اعتراضية تتضمن شهادة الله بأن هذا القرآن المنزل على هذا النبي الكريم ﷺ هو الحق من الله، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام:٦٦]، فالله يشهد لنبيه بأنه على الحق: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة:٥٠ - ٥١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [يونس:١٠٨]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء:١٧٠].

стр. 1884

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم) قال الله ﵎: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ [محمد:٣]. ((ذلك)): إشارة إلى المذكور من فعله تعالى بالفريقين من مؤمنين وكفار، حيث أضل أعمال الكافرين، وكفر سيئات المؤمنين وأصلح بالهم. قوله: ((وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ)) أي: يسبب لهم الأسباب، فيلحق بكل قوم من الأمثال أشكالاً، قال الزمخشري: فإن قلت: أين ضرْب الأمثال؟ ف الجواب هو في جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار، واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين، أو أن المثل في أن جعل الإضلال مثلاً لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلاً لفوز المؤمنين. فقوله تعالى: ((ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ)) أي: إنما أبطلنا أعمال الكفار، وتجاوزنا عن سيئات الأبرار، وأصلحنا شئونهم؛ لأن الذين كفروا اتبعوا الباطل، ((وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ)) وهو التوحيد والإيمان، ((كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ)) أي: يبين لهم مآل أعمالهم، وما يصيرون إليه في معادهم. فالإشارة في قوله تعالى: (ذلك) إشارة إلى ما مر مما أوعد به الكفار، ووعد به المؤمنين، وهو مبتدأ خبره ما بعده، وقيل: إنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره أي: الأمر ذلك، وهذا هو ما يعتمد عليه بعض القراء في مثل هذا الموضع بأنه يجيز الوقف هنا، فلو وقفت هنا بعد كلمة (ذلك) يكون المعنى: الأمر ذلك، ويكون إعرابها: خبر لمبتدأ محذوف، فكأن المعنى قد تم؛ ولذلك جاز الوقوف، وإن وقف عند قوله (ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا) أي: الأمر ذلك بسبب أن الذين كفروا اتبعوا الباطل، وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم. قوله: ((كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ)) الضمير في (أمثالهم) يرجع إلى كلا الفريقين: الذين كفروا، والذين آمنوا. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ)) أي: ذلك المذكور من إضلال أعمال الكفار، أي: إبطالها واضمحلالها، وبقاء ثواب أعمال المؤمنين، وتكفير سيئاتهم، وإصلاح حالهم كله واقع بسبب أن الكفار اتبعوا الباطل، ومن اتبع الباطل فعمله باطل، والزائل المضمحل تسميه العرب باطلاً، وضده الحق، وقد سبق هذا مراراً في أثناء تفسير القرآن الكريم الحق الثابت الدائم الباقي، فالباطل معناه: الزائل المضمحل، فقال الله هنا: ((ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ)) أي: الزائل ومضمحل، ((وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ))، وبسبب أن الذين آمنوا اتبعوا الحق، ومتبع الحق أعماله حق، فهي ثابتة باقية وليست زائلة مضمحلة، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن اختلاف الأعمال يستلزم اختلاف الثواب لا يتوهم استواءهما إلا الكافر الجاهل، أي: لا يتوهم استواء المؤمن مع الكافر أو استواء أعمال المؤمن مع أعمال الكافر إلا كافر جاهل، وينبغي أن يستنكر عليه تسويته بين المؤمنين والكافرين، وهذا ما وضحه قوله ﵎: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]، فهذا معناه أنه يستوجب الإنكار عليهم؛ لأن هذا هو الذي فعله الله بهم، ((أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ)) الذين اتبعوا الحق من ربهم ((كَالْمُجْرِمِينَ)) الذين اتبعوا الباطل؟! لا يستويان، قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٦]. وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]. قوله تعالى: ((كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ)) سبق بيان معناه، وضرب الأمثال يراد منه بيان الشيء بذكر نظيره الذي هو مثل له.

стр. 1885

تفسير سورة محمد [٤ - ٦]

стр. 1886

تفسير قوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: قال ﵎: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٤ - ٦]. قوله تعالى: ((فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ))، لما ميز الله بين الفريقين أمر المؤمنين بجهاد الكفار، (فإذا لقيتم) أيها المؤمنون! ((الذين كفروا فضرب الرقاب)). قال ابن عباس في الذين كفروا هنا: هم الكفار المشركون عبدة الأوثان، ويقول: هم كل من خالف دين الإسلام من مشرك أو كتابي إذا لم يكن صاحب عهد ولا ذمة، ذكره الماوردي، واختاره ابن العربي فقال: وهو الصحيح؛ لعموم الآية فيه، أي: أن الآية أتت بصيغة عموم ((الذين كفروا))، فتعم كل من كفر سواء كان يهودياً أو نصرانياً أو وثنياً. ((فَضَرْبَ الرِّقَابِ)) ضرْب: مصدر، قال الزجاج في قوله: ((فضرب الرقاب)): أي: فاضربوا الرقاب ضرباً، وخص الرقاب بالذكر لأن القتل أكثر ما يكون بقطع الرقاب، وقيل: إنه لفظ دل على الإغراء، أي: فالزموا ضرب الرقاب. قال أبو عبيدة: وهو كقولك: يا نفس! صبراً، إغراءً بالصبر، أي: يا نفس! اصبري صبراً. وقيل: التقدير: فاقصدوا ضرب الرقاب. وقال بعض العلماء: الحكمة من قوله تعالى: ((فَضَرْبَ الرِّقَابِ)) ولم يقل فاقتلوهم أن في التعبير بضرب الرقاب من الغلظة والشدة ما ليس في لفظ القتل؛ لما فيه من تصوير القتل بأبشع صوره، وهو حز العنق، وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وأوجَه أعضائه. قوله: ((حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ)) أي: أثخنتم القتل، قال الشوكاني: حتى إذا بالغتم في قتلهم، وأكثرتم القتل بهم، وهذه غاية للأمر بضرب الرقاب لا لبيان غاية الحق، وهو مأخوذ من الشيء الثخين أي: الغليظ، تقول: هذا قماش ثخين، أي: غليظ وسميك، فكذلك هنا: ((حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ)) يعني: أكثرتم فيهم القتل. قوله: ((فَشُدُّوا الْوَثَاقَ)) قرأ الجمهور بفتح الواو من الوثاق، وقرأ السلمي بكسرها. والوثاق: اسم للشيء الذي يوثق به كالرباط أو الحبل مثلاً، وقرأ الجمهور: وإنما أمر سبحانه بشد الوثائق لئلا ينفلتوا، والمعنى: إذا بالغتم في قتلهم فأسروهم وأحيطوهم بالوثاق. قوله: ((فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا))، أي: فإما أن تمنوا عليهم بعد الأسر مناً أو تفدون فداءً، والمن: هو الإطلاق بغير عوض، والفداء: ما يَفدي به الأسير نفسه حتى يتحرر من الأسر. ولم يذكر القتل هنا اكتفاء بما تقدم، فالأمر هنا يكون تخييراً بين ثلاثة أشياء: إما القتل، وإما المنّ، وإما الفداء، واقتصر هنا في هذه الآية على التخيير بين المن والفداء ولم يذكر القتل؛ لأن القتل مذكور في أول الآية. وقد قرأ الجمهور: ((فإما منا بعد وإما فداء)) بالمد، وقرأ ابن كثير: ((وإما فدىً)) بالقصر، وإنما قدم المنّ على الفداء لأنه من مكارم الأخلاق، فلهذا كانت العرب تفتخر به، كما قال شاعرهم: ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم إذا أثقل الأعناق حملُ المغارم وكما يقول الشاعر الآخر: ما كان ضرك لو مننت وربما منَّ الفتى وهو المغيض المحنق فمما كانت تفتخر به العرب: المنّ مع القدرة على الفدية، فيمنون بفكاك الأسرى بلا مقابل، كما قال شاعرهم في البيت السابق: ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم إذا أثقل الأعناق حملُ المغارم وروي عن بعضهم أنه قال: كنت واقفاً على رأس الحجاج حين أُتي بالأسرى من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث وهم أربعة آلاف وثمانمائة، فقتل منهم نحواً من ثلاثة آلاف، حتى قُدِّم إليه رجل من كندة فقال: يا حجاج! ما جازاك الله عن السنة والكرم خيراً، قال: ولم ذاك؟ قال: لأن الله تعالى قال: ((فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً)) في حق الذين كفروا، فوالله! ما مننت ولا فديت، فقد قال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق: ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم إذا أثقل الأعناق حمل المغارم فقال الحجاج: أفٍ لهذه الجيف -يقصد بالجيف الثلاثة الآلاف الذين حصدهم عما قريب- أما كان فيهم من يحسن مثل هذا الكلام؟! خلوا سبيل من بقي، فخلّي يومئذ عن بقية الأسرى، وهم زهاء ألفين؛ بقول ذلك الرجل. ((حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)) الوزر: هو الثقل، ومنه وزير الملك، فسمي وزيراً لأنه يتحمل عنه الأثقال والأعباء، قال مجاهد وابن جبير في قوله: ((حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)): هو خروج عيسى ﵇. وعن مجاهد أيضاً: حتى لا يكون دين إلا دين الإسلام، فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن الشاة من الذئب، ونحوه عن الحسن والكلبي والفراء والكسائي. فقال الكسائي: ((حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)) حتى ينتهي الجهاد. ولا ينتهي الجهاد حين يسلم الخلق أجمعون. وقال الفراء: حتى يؤمنوا ويذهب الكفر. وقال الكلبي: حتى يظهر الإسلام على الدين كله. وقال الحسن: حتى لا يعبدوا إلا الله. والمعنى: أن المسلمين مخيرون بين تلك الأمور وهي: القتل أو المن أو الفداء، إلى غاية وهي: ((حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)) أي: حتى تنتهي الحرب مع الكفار. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إماماً مهدياً، وَحكَماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وتوضع الجزية، وتضع الحرب أوزارها)، فإذا صح هذا الحديث فإنه يكون تفسيراً لقوله: ((حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)) أي: حتى يسلم الخلق أجمعون. وعن سلمة بن نفيل ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج) أخرجه ابن سعد، والإمام أحمد، والنسائي، والبغوي، والطبراني، وابن مردويه. قال قتادة في قوله: ((حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)): أي: حتى لا يبقى شرك. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣] أي: حتى لا يكون شرك، ويكون الدين لله. وقال ابن كثير: وقوله: ((حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)) قال مجاهد: حتى ينزل عيسى ابن مريم، وكأنه أخذه من قوله ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال) رواه أبو داود. إذاً: فلعل هذا الحديث هو الذي استندوا إليه في هذا التفسير، ومعلوم أن الذي يقاتل الدجال هو المسيح عيسى ابن مريم ﵇، ويكون معه المسلمون، فيقاتلون الدجال وأتباعه من اليهود. وروى أبو القاسم البغوي عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان ﵁ قال: (لما فتح على رسول الله ﷺ فتح فقالوا: يا رسول الله! سيبت الخيل، ووضعت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها؟ قالوا: لا قتال، قال: كذبوا! الآن جاء القتال، لا يزال الله يرفع قلوب قوم يقاتلونهم فيرزقهم منهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وعقر دار المسلمين بالشام) هكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي. إذاً: فهذا يقوي القول بعدم نسخ الآية، وأن هذا التشريع مستمر إلى أن ينزل المسيح يقتل الدجال، فكأن هذا الحكم -وهو التخيير بين الثلاثة الأمور- شرع باقٍ مادامت هناك حرب، فإذا انتهت الحرب فحينئذ يرفع هذا الحكم، وهذا يقوي القول بعدم نسخ هذه الآية الكريمة. وقيل: معنى (الأوزار): السلاح، فالمعنى: شدوا الوثاق حتى تأمنوا وتضعوا السلاح، ويكون معنى الحرب هنا (حتى تضع الحرب أوزارها): الأعداء المحاربين، أي: حتى يضعوا سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة، ويقال للكراع: أوزار. قال الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا

стр. 1887

خلاف العلماء في تأويل قوله: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) وقد اختلف العلماء في تأويل هذه الآية الكريمة: ((فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)). القول الأول: إن هذه الآية كانت في أهل الأوثان ثم نسخت، فلا يجوز أن يفادوا، ولا يمن عليهم، والناسخ لها عندهم قوله تعالى: ((فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ))، وهذه آية السيف المعروفة في سورة براءة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥]، فقالوا: إن هذه الآية ناسخة للآية التي في سورة محمد، بمعنى: أن أهل الأوثان لا يجوز أن يفادوا، ولا أن يمن عليهم، وإنما الواجب هو قتلهم. ونسختها أيضاً آية: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال:٥٧]، وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) [التوبة:٣٦]. قاله قتادة والضحاك والسدي وابن جريج والعوفي عن ابن عباس ﵄، وقاله كثير من الكوفيين. وقال عبد الكريم الجزري: (كُتب إلى أبي بكر في أسير أسر، فذكروا أنهم التمسوه بفداء كذا وكذا، فقال: اقتلوه؛ لقتل رجل من المشركين أحب إلي من كذا وكذا). قال الشوكاني: والمائدة آخر ما نزل، فوجب أن يقتل كل مشرك إلا من قامت الدلالة على تركه من النساء والصبيان، ومن تؤخذ منهم الجزية، وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة ﵀. القول الثاني: إنها في الكفار جميعاً، وهي منسوخة أيضاً على قول جماعة من العلماء وأهل النظر، منهم قتادة ومجاهد قالوا: إذا أسر المشرك لم يجز أن يمنّ عليه، ولا أن يفادى به فيرد إلى المشركين، ولا يجوز أن يفادى عندهم إلا بالمرأة؛ لأنها لا تقتل، والناسخ لها قوله تعالى: ((فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ))؛ إذ كانت براءة آخر ما نزلت بالتوقيف، فوجب أن يقتل كل مشرك إلا من قامت الدلالة على تركه من النساء، والصبيان، ومن يؤخذ منه الجزية، فهناك أدلة في النهي عن قتل النساء، والصبيان، ومن لا يؤخذ منهم الجزية كالرهبان المعتزلين في الصوامع وغير ذلك. وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة؛ خيفة أن يعودوا حرباً على المسلمين، أي: إذا تُركوا. وعن قتادة قال: ((فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً)) قال: نسخها قوله: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال:٥٧]. وقال مجاهد: نسخها قوله تعالى: ((فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ))، وهو قول الحكم. إذاً: فالقولان يقولان: إنها منسوخة، لكن القول الأول يقول: إنها في أهل الأوثان، والقول الثاني: أنها في الكفار عامة، إلا ما استثني من النساء، والصبيان، ومن لا تؤخذ منه الجزية. القول الثالث: إنها ناسخة، فعن الضحاك قال في قوله تعالى: ((فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)) قال: نسخها قوله: ((فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً)). وعن عطاء في قوله: ((فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً))، قال: فلا يقتل المشرك، ولكن يمنّ عليه ويفادى كما قال الله . وقال أشعث كان الحسن يكره أن يقتل الأسير، ويتلو قوله: ((فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً)). وعن الحسن قال: ليس للإمام إذا حصل الأسير في يديه أن يقتله، لكنه بالخيار في ثلاثة منازل: إما أن يمنّ، أو يفادى، أو يسترقّ. القول الرابع: إنه لا فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل بالسيف لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧]، فإذا أسر بعد ذلك فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره، وهذا قول سعيد بن جبير. القول الخامس: إن الآية محكمة لا نسخ فيها، والإمام مخير في كل حال. رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄، وقاله كثير من العلماء منهم: ابن عمر والحسن وعطاء، وهو مذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبو عبيد وغيره، واختاره القرطبي وقال: لأن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين فعلوا ذلك، فقتل النبي ﷺ عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث يوم بدر صبراً، وفادى سائر أسارى بدر، ومنَّ على ثمامة بن أثال الحنفي وهو أسير في يده، وأخذ من سلمة بن الأكوع جارية ففدى بها أناساً من المسلمين، وهبط عليه ﷺ قوم من أهل مكة فأخذهم النبي ﵊ ومنّ عليهم، وقد منّ على سبي هوازن، وهذا كله ثابت في الصحيح. قال النحاس: وهذا على أن الآيتين محكمتان معمول بهما، وهو قول حسن؛ لأن النسخ إنما يكون لشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للنسخ، وذكْر المنّ والفداء لا ينافي جواز القتل، وإذا كان الأسر والاسترقاء والمفاداة والمنّ فيه مصلحة للمسلمين جاز. وقد فصل القاسمي رحمه الله تعالى أيضاً في حكم هذه الآية بما مختصره: ((فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ)) يقول: لما كان طليعة هذه السورة تمهيداً لجهاد المشركين الساعين في الأرض بالفساد، يعني: سبق في الآيات السابقة إشارة إلى ما اقتضى استحقاق المشركين للقتال والشدة والغلظة، وهو أنهم كفروا وصدوا عن سبيل الله، وأنهم اتبعوا الباطل، فهم يستحقون التشنيع المذكور في الآية الرابعة، فإذا لقيتم هؤلاء الذين كفروا وصدوا غيرهم عن سبيل الله فأضل الله أعمالهم، والذين اتبعوا الباطل خلافاً للمؤمنين. يقول: لما كان طليعة هذه السورة تمهيداً لجهاد المشركين الساعين في الأرض بالفساد، الصادين عن منهج الرشاد، وبعثاً على الصدق في قتالهم، وكسحاً لعقبة باطلهم، عملاً بما يوجبه الإيمان، ويقبضه الإيقان، وتمييزاً لأولياء الرحمن من أولياء الشيطان، فأعقب تلك الطليعة بهذه الجملة، أي: أعقب ذكر هذه الطليعة المقدمة في أوائل السورة بهذه الجملة: ((فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ)). ولهذا قال أبو السعود: الفاء لترتيب ما في حيّزها من الأمر على ما قبلها: ((فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)) أي: إن ضلال أعمال الكفرة وخبثهم، وصلاح أحوال المؤمنين وفلاحهم مما يوجب أن يرتب على كل من الجانبين ما يليق به من الأحكام، وكأن المعنى: فإذا كان الأمر على ما ذكر من أن: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد:١ - ٢] إلى آخر الآية، فإذا كان الأمر كذلك فإذا لقيتموهم في المحاربة فضرب الرقاب، وأصله: فاضربوا الرقاب ضرباً، فحذف الفعل وقدّم المصدر، فأنيب منابه مضافاً إلى المفعول، وفيه اختصار وتأكيد بليغ، والتعبير به عن القتل تصوير للقتل بأشنع صوره، وتهويل لأمره، وإرشاد للغزاة إلى أيسر ما يكون منه، فإن أيسر وأسهل طريقة للقتل هي ضرب الرقاب. قوله: ((حتى إذا أثخنتموهم)) أي: حتى إذا أكثرتم فيهم القتل، وقهرتم وغلبتم من تبقى منهم ممن لم تضرب رقبته في القتال فصاروا في أيديكم أسرى ((فشدوا الوثاق)) أي: أمسكوهم بهذا الوثاق؛ كي لا يقتلوكم فيهربوا منكم. قوله: ((فإما مناً بعد وإما فداءً)) أي: فإما تمنّون بعد ذلك عليهم فتطلقونهم بغير عوض لزوال سبُعيتهم -أي: كأنهم كالوحوش الضارية-، وإما تفدونهم فداء، فتطلقونهم بعوض مال، أو مبادلة الأسرى كمسلم أسروه، فيتقوى به المسلمون، أو يتخلص أسيرهم. ولم يذكر القتل هنا اكتفاء بما مر من قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧]، وذلك فيمن يرى فيه الإمام بقاء السَّبُعية، أي: من كان في عتاة الكفار وأقويائهم ممن لم يقهر، وبقي فيه الكبر والإصرار على النكاية بالمسلمين، فإن رأى الإمام أن مثل هؤلاء لو أطلقوا فإنهم يعودون بالضرر على المسلمين؛ لبقاء السبعية فيهم كاملة، والقدرة على الأذية والنكاية، فله أن يقتلهم؛ كي لا يعودوا إلى مقاتلة المسلمين. ولم يذكر الاسترقاق أيضاً هنا؛ لأنه في معنى استدامة الأسر، وذلك فيمن يرى فيه نوع سبُعية، ولا تزال كذلك حتى تضع الحرب أوزارها، أي: إلى انقضاء الحرب، والأوزار كالأحمال وزناً ومعنى، واستعير لأداة الحرب التي لا تقوم إلا بها، أي: أنه شبه آلات الحرب بإنسان يحمل حملاً على رأسه أو ظهره، وقد جاء ذكرها في قول الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا يعني: آلات الحرب. وقيل: (أوزارها) آثامها، أي: حتى يترك أهل الحرب -وهم المشركون- شركهم ومعاصيهم، وذلك بأن يسلموا. قال في الإكليل: في الآية بيان كيفية الجهاد. يقول القاسمي: وهذا القول هو الذي أختاره؛ أن الآية محكمة، والإمام بالخيار بين واحد من هذه الثلاثة: إما القتل، وإما المنّ، وإما الفداء، فإذا دار الأمر في الآية بين الإحكام و

стр. 1888

تفسير قوله تعالى: (سيهديهم ويصلح بالهم) قال الله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٥ - ٦]. سبق أن تكلمنا في الحكمة من تشريع الجهاد، وقد ذكر الله في هذه الآية الكريمة بعض أحكام الجهاد وشرحناها فيما مضى، ثم لما كان من شأن القتال أن يقتل فيه كثير من المؤمنين قال الله : ((وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ)) أي: لن يذهبها، بل يكثرها وينميها ويضعفها، ومنهم من يجري عليه عمله في طول برزخه، أي: منهم من يجري عليه ثواب عمله الصالح ما دام في البرزخ، ويستمر وكأنه لم يمت. فلذلك قال تعالى: ((وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، فجاء هذا الثواب العظيم للشهادة والقتل في سبيل الله في هذه الآية وغيرها من الآيات والأحاديث؛ لأنه ربما يخشى الإنسان أن يقتل في سبيل الله فيلقى الله وعليه ذنوب وخطايا أو غير ذلك مما يخشى منه، فضمن الله لهم الثواب الجزيل كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى؛ ترغيباً لهم في التقدم نحو الجهاد في سبيل الله . يقول ﵎: ((وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)). قال بعض المفسرين: يريد قتلى أحد من المؤمنين، ((فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ)) أي: لن يذهبها، بل سيكثرها وينميها ويضاعفها، ومنهم من يجري عليه عمله في طول برزخه، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن قيس الجذامي -رجل كانت له صحبة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمه: يكفر عنه كل خطيئة) وهذا كما قال النبي ﵊: (إن السيف محاء للخطايا) أي: يمحو ويكفر خطايا الإنسان، (ويرى مقعده من الجنة، ويزوج من الحور العين، ويؤمن من الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلى حلة الإيمان). وروى الإمام أحمد أيضاً عن المقداد بن معدي كرب الكندي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن للشهيد عند الله ست خصال: أن يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوَّج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار؛ الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه)، أخرجه الترمذي وصححه ابن ماجة. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄، وعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين) (إلا الدين)؛ لأن هذا حق للآدميين، فلا بد أن يؤدى ويستوفى. وروي عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقال أبو الدرداء ﵁: قال رسول الله ﷺ : (يُشفَّع الشهيد في سبعين من أهل بيته)، رواه أبو داود. ((والذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم))، وهذه قراءة العامة -أي: عامة القراء أو جمهورهم- وهي اختيار أبي عبيد، وقرأ أبو عمرو وحفص ((وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، وكذلك قرأ الحسن إلا أنه شدد التاء على التكثير، أي: ((قتِّلوا) وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر وأبو حيوة: (والذين قَتَلوا في سبيل الله) أي: قتلوا المشركين. وقد رجح بعض العلماء هذه القراءة ((والذين قتلوا في سبيل الله)) من حيث المعنى، وذلك أن السياق يناسبه أن يكون هذا في الدنيا؛ لأنهم قتلوا المشركين وبقوا في الدنيا يعملون، فهم لم يفارقوا الحياة الدنيا، ولذلك قال: ((فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ)). ثم قال: ((سَيَهْدِيهِمْ)) أي: فيما يستقدم مما تبقى من أعمارهم، إذا فهم لا زالوا في الدنيا؛ لأن الآخرة دار جزاء. فهم ركزوا على كلمة: ((سَيَهْدِيهِمْ))، ففهموا من ذلك أنهم لابد أن يبقوا أحياء بعد قتلهم غيرهم، وأما لو كانوا قد قتلوا فهذا بعيد. لكن هذا المذهب مرجوح وسنوضح إن شاء الله تعالى عما قريب سبب ذلك. وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر وأبو حيوة: (والذين قَتَلوُا) أي: قتلوا المشركين في سبيل الله، وقال قتادة: ذُكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أحد ورسول الله ﷺ في الشعب، وقد فشت فيهم الجراحات -أي: جراحات القتل-، ولما وجد المشركون الجراحات كثيرة، وقد قتل عدد كبير من المسلمين اغتروا وتكبروا وأخذوا ينادون: اعل هبل اعل هبل، فينادون بالعلو الإلهي لهبل، وهو أحد أصنامهم، فرد عليهم المسلمون: الله أعلى وأجل، وقال المشركون يوم بيوم بدر، والحرب سجال، فقال النبي ﷺ : (قولوا: لا سواء لا سواء -أي: لا نستوي نحن وأنتم-؛ فقتلانا أحياء عند ربهم يرزقون، وقتلاكم في النار يعذبون فقال المشركون: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال المسلمون: الله مولانا ولا مولى لكم). قال القشيري: قراءة أبي عمرو (قُتِلُوا) بعيدة لقوله تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾، والمقتول لا يوصف بأنه سوف يُهدى؛ لأنه قد فارق الحياة. وقال غيره: يكون المعنى على قراءة: ((وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ)) * ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾، إذا رجعنا إلى تذكر أنواع الهداية التي دائماً ما نتكلم عنها فأولها: الهداية العامة لجميع الخلق، وغير ذلك من أنواع الهداية التي تنتهي بالهداية في الدار الآخرة، وهي: هداية المؤمنين إلى الجنة وهداية الكفار إلى النار. إذاً: لا استبعاد على الإطلاق في قراءة: ((وَالَّذِينَ قُتِلُوا))، وهي قراءة أبي عمرو وحفص؛ لأن هذا لا يتنافى مع قوله تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾؛ لأن المعنى يكون: سيهديهم إلى الجنة، أو سيهدي من بقي منهم، أي: يحقق لهم الهداية. وقال ابن زياد: سيهديهم إلى محاجة منكر ونكير في القبر، ويثبتهم عند السؤال في القبر. وقال أبو المعالي: وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان، والطرق المفضية إليها، ومن ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين: ((فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ)) * ((سَيَهْدِيهِمْ)) أي: إلى الطريق المؤدية إلى الجنة، وأما هداية الآخرة فكما في هداية الكفار إلى صراط الجحيم، قال تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٢٣] أي: فاسلكوا بهم إلى صراط الجحيم. وقال ابن كثير: ((سَيَهْدِيهِمْ)) أي: إلى الجنة؛ لقوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس:٩]. ويمكن أن نضيف إلى قول ابن كثير آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]، وهذا كلام المؤمنين الذين يدخلون الجنة كما هو السياق في سورة الأعراف.

стр. 1889

تفسير قوله تعالى: (ويدخلهم الجنة عرفها لهم) قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٦] أي: أنهم إذا دخلوها فإنه يقال لهم: تفرقوا إلى منازلكم، قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم وحيث قسم الله لهم منها لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحداً! أي: لا يسألون غيرهم أن يدلهم عليها، فإنك إذا ذهبت إلى مكان لا تعرفه فإنك تستدل وتسأل: أين المكان الفلاني؟ وأين الشارع الفلاني؟ وأما أهل الجنة فإنهم لا يحتاجوا على الإطلاق إلى تعريف، فالله هو الذي يتولى تعريفهم بمنازلهم في الجنة. وروي نحوه عن زيد بن أسلم فقال محمد بن كعب: يعرفون بيوتهم إذا دخلوا الجنة كما تعرفون بيوتكم إذا انطلقتم من الجمعة. بل إن هدايتهم إلى منازلهم في الجنة عندما يدخلونها أكبر وأعظم من هدايتهم إلى بيوتهم التي في الدنيا إذا خرجوا منها ثم عادوا إليها، فقد روى البخاري من حديث قتادة عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار يتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونُقُّوا أذن لهم في دخول الجنة، والذي نفسي بيده! إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله كان في الدنيا). وقال الحسن: وصف الله تعالى لهم الجنة في الدنيا، فلما دخلوها عرفوها بصفتها. وهذا قول آخر في تفسير قوله: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ أي أنه: وصفها لهم وهم في الدنيا وصفاً مشوقاً لكل مؤمن أن يسعى لتحصيلها. وقيل: فيه حذف، والتقدير: عرّف طرقها ومساكنها وبيوتها لهم، فحذف المضاف. وقيل: ((عَرَّفَهَا لَهُمْ)) بواسطة دليل يدلهم على المكان، وهذا الدليل هو الملك الموكل بعمل العبد، فإنه يمشي أمام الإنسان وهو يتبعه حتى يأتي العبد منزله، ويعرّفه الملك جميع ما جُعل له في الجنة، وحديث أبي سعيد السابق يرد هذا القول؛ لأن هذا القول يثبت الواسطة، وأما حديث أبي سعيد فلا يثبت الواسطة، بل إن الله هو الذي يعرفهم مكانهم في الجنة. فالأقرب والصحيح أنه بغير واسطة، والله تعالى هو الذي يعرفهم ويهديهم إلى منازلهم في الجنة. وقال ابن عباس: (((عَرَّفَهَا لَهُمْ)) من العرف، أي: مأخوذة من العَرْف، وهو: الرائحة الطيبة. قال ابن عباس: (أي: طيبها لهم بأنواع الملاذ)، ويقال: طعام معرف، أي: مطيب، تقول العرب: (عرفت القدر) إذا طيبتها بالملح والإبزار، وقيل: هو من وضع الطعام بعضه على بعض من كثرته، ويقال: حرير معرف، أي: بعضه فوق بعض، فهو من العرف المتتابع، كعرف الفرس. وقيل: ((عَرَّفَهَا لَهُمْ)) أي: وفقهم للطاعة حتى استوجبوا الجنة. وقيل: عرف أهل السماء أنها لهم إظهاراً لكرامتهم فيها. وقيل: عرف المطيعين أنها لهم. فهذه هي الأقوال في تفسيرها، وإذا صح عن النبي ﵇ قول في تفسير آية ما وجب المصير إليه، فيجب تفسير الآية هنا بما فسرها به رسول الله ﵌، وأن معنى: ((عَرَّفَهَا لَهُمْ)) أنه يهديهم إلى منازلهم في الجنة بمجرد دخولها، وبدون واسطة.

стр. 1890

تفسير سورة محمد [٧ - ١٤]

стр. 1891

تفسر قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) ثم يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] قال قتادة في قوله تعالى: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ)): لأنه حق على الله أن يعطي من سأله، وينصر من نصره. وقوله: ((وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)) قال ابن جرير: ويقوكم عليهم ويجرئكم حتى لا تولوا عنهم، وإن كثر عددهم، وقل عددكم، وقال القرطبي: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ أي: إن تنصروا دين الله ينصركم على الكفار، نظيره: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠]، وقال قطرب: إن تنصروا نبي الله ينصركم الله، والمعنى واحد. قوله: ((وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)) أي: عند القتال، وقيل: يثبت أقدامكم على الإسلام، وقيل: على الصراط، وهذه كلها ليس بينها تعارض، فهي من اختلاف التنوع، وليست من اختلاف التضاد. وقيل: المراد تثبيت القلوب للأمن، فيكون تثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في مواطن الحرب، قال تعالى في الأنفال: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:١٢]، فأثبت في الأنفال واسطة أن التثبيت يكون عن طريق الملائكة: ((فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا))، أما هنا في هذه الآية فلم يذكر هذه الواسطة، بل قال: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ))، فنصر الله إما بإلقاء الأمنُ والسكينة في القلوب، وإما بالملائكة، وإما بغير ذلك من الأسباب. وهذا يكون كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١]، وهو القائل : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [الروم:٤٠]، فهو يميتكم بواسطة الملك، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك:٢]، ومثل هذا كثير، فلا فاعل في الحقيقة إلا الله وحده. واستدل ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة بالعبارة المشهورة: (الجزاء من جنس العمل) ولهذا قال: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ))، كما جاء في الحديث: (من بلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، وقد دلت كثير من الآيات القرآنية على نفس هذه المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة في سورة القتال، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠]، وقوله ﵎: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. إذاً: فهنا ضمان بالنصر والتثبيت، وهذا الضمان مشروط بشروط وهي: أن ينصر العبد الله ، والجزاء من جنس العمل، فمن أعزّ أمر الله أعزّه الله، ومن نصر دين الله نصره الله، كما في هذه الآية: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)) وأما ما هو شائع على ألسنة كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام وهم يبارزون الله بالمعاصي والمخالفات وأن الله سوف ينصرهم، فهؤلاء لا ينصرون؛ لأن الله قال: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ)) وقال: ((وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ))، وقال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] أي: المتصفين بالإيمان، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]، إذاً: فالذين لا يقيمون الصلاة، ولا يؤتون الزكاة، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، ليسوا داخلين في وعد الله بالنصر ألبتة، بل مثلهم كمثل الأجير الذي استأجره مستأجر، فلم يعمل لمستأجره شيئاً، ثم جاء بعد ذلك يطلب منه الأجرة وهو لم يعمل شيئاً، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، فمن يتمادى في المعاصي والمخالفات ثم يقول: إن الله معنا، وإن الله سينصرنا، فهذا غرور منه، فهو ليس من حزب الله الموعودين بنصر الله ؛ لأنه لم ينصر الله، ولم ينصر دينه وكتابه، ولم يكن جهاده لإعلاء كلمته، وإقامة حدوده وفرائضه . وقد رأينا عواقب ذلك، فرأينا أصنافاً كثيرين مغترين في هذا الزمان، وما أكثر ما يستدلون بهذه الآية: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)) رأيناهم في النكبة، وذلك حينما كان المذيع يقول: أم كلثوم معك في المعركة، وشادية معك في المعركة، وعبد الحليم حافظ معك في المعركة، فكيف يكون الله معنا وهؤلاء أيضاً معنا؟ وكيف نكون من حزب الله ونحن نطلب النصرة من هؤلاء الأقوام، ومن حزب الشيطان؟! وهذه الآية أيضاً مما يصدق أن يستدل بها في مواجهة كثير من الناس الذين يكثرون الشر، وحينما تدعوهم إلى بعض التكاليف الشرعية سواء كانت ظاهرة أو باطنة، وسواء كانت في الفرائض أو غيرها، كاللحية مثلاً، أو الكلام في أي قضية من القضايا التي لا تروق لبعض الناس، فإنهم يقولون لك: المسلمون يذبّحون وأنت في وادٍ آخر، والكنيسة الشرقية تتحد مع الغربية، واليهود يفعلون، والنصارى يفعلون، وأنت تقول للناس: افعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا، وتتكلم في توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات!! ينبغي أن نشتغل بالأمور المهمة، فالمسلمون يذبحون ويضطهدون، فنقول: هم يتخيلون أن العلاقة بين هذا وذاك علاقة تضاد، وكأنه لا يستطيع المسلم أن يؤدي هذه الأمور كلها، سواء كانت فرعية أو أصلية، فالمسلم يستطيع أن يقوم بهذه الأمور التي ذكرنا، وفي نفس الوقت يكون مجاهداً في سبيل الله إذا أتيح له الجهاد. وأما هؤلاء فيظنون أن العلاقة علاقة تضاد، وأن المسلم لا يستطيع أن يجاهد وهو عافٍ للحيته مثلاً!! فليس هناك علاقة تضاد، ويمكن للإنسان المسلم أن يعمل أكثر من عمل في وقت واحد، فأنا مثلاً الآن جالس، وفي نفس الوقت متكلم، وناظر، وسامع، فهذه كلها توفرت في شخص واحد، وفي وقت واحد، بخلاف الأمور المتضادة كاجتماع النقيضين، فإنهما لا يجتمعان في مكان واحد، وفي آنٍ واحد، كالعمى والبصر، فهذه علاقة تضاد، وكالأبوة والبنوة في شخص واحد من جهة واحدة، فهذا لا يكون أبداً، وأما الصفات غير المتضادة، والصفات المتباينة فيمكن أن تجتمع في وقت واحد، وفي مكان واحد، كالسواد والحلاوة، فإنهما يجتمعان في العسل والتمر مثلاً، أو البياض والبرودة، فيجتمعان في الثلج، فكذلك نفس الشيء هنا، الإنسان يستطيع أن يعفي لحيته مثلاً ويجاهد في سبيل الله، فليس بينهما تضاد بل العكس، فالعلاقة بينهما في الحقيقة بمقتضى هذه الآية تكون علاقة تلازم؛ لأن الله يقول: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ))، فنصرة الله تكون بإقامة شرعه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، وكثير من هؤلاء الناس لا يستعملون هذا النوع من الجدل إلا في مصادمة السنة، ومن يدعوهم إلى الالتزام بالسنة، في حين أنهم هم أنفسهم في حياتهم العادية يمارسون أشياء منكرة، فبعضهم مثلاً يلبس (الكرفتة) ويكوي ملابسه، ويشتري فواكه، ويعمل رحلات ترفيهية، ثم لا يقبل من أحد أن يقول له: المسلمون يذبحون وأنت تأكل الفاكهة! والمسلمون يضطهدون في أقصى الغرب وأنت تكوي ملابسك وتهتم بكذا وكذا! فهو لا يقبل ذلك ممن يعترض عليه، فأولى ثم أولى حينما نأمرهم بأمر الله، أو أمر رسول الله ﵇ ألّا يحق لهم الاعتراض بقولهم: المسلمون يذبحون، وكما قال أحد إخواننا في اليمن رداً على هؤلاء القوم حينما اشتغلوا بهذا الفهم، فقال أحدهم: يا جماعة! أنتم غاضبون على الناس عندما تركوا الحجاب، وحلقوا اللحى، والمسلمون في أفغانستان يحاربون من قبل الشيوعيين! وأنتم لا تتكلمون إلا في هذا، فقال له أحد الإخوة من أهل اليمن: هب أننا حلقنا لحانا، وخلعت نساؤنا الحجاب، فماذا يفيد إخواننا الأفغان ذلك؟ وماذا تستفيدون من ذلك؟ فالشاهد: أنه ليس هناك علاقة تضادّ بين التمسك بكل أمور الدين -سواء فرعية أو أصلية- وبين جهاد الأعداء، بل هناك علاقة تلازم، وإثباتها من باب إثبات اللازم للملزوم، فإن نصر الله إنما يتنزل على من ينصر الله، قال تعالى: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ))، ثم ليس هناك قاعدة تضبط مثل هذا التفكير، فما يعظمه بعضهم قد يحتقره الآخر، وما يحتقره بعضهم قد يعظمه الآخر، وبالتالي تصبح الشريعة ألعوبة في أيدي الناس، فهذا يحذف منها ما شاء بدعوى عدم التمسك بهذه القشور وهذه المظاهر إلى آخره، وفي ترك ذلك تضييع لكثير من شعب الدين والإيمان.

стр. 1892

تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم) قال الله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٨]، قوله: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا)) يجوز أن يرفع على الابتداء، ((وَالَّذِينَ)) اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ، ويجوز فيه النصب، ويفسره قوله: ((فَتَعْسًا لَهُمْ)) أي: وكأنه قال: أتعس الله الذين كفروا فتسعاً لهم، وأما قوله: ((فَتَعْسًا لَهُمْ)) فإنه منصوب على المصدر على سبيل الدعاء عليهم، وهو مثل قولك: سقياً لك ورعياً، وهناك عبارة في العربية وهي: (لعاً له) أو (لعاً لك)، وهي كلمة تقال لشخص وقع في حفرة مثلاً وهو آتٍ في الطريق، فأنت تقول له: (لعاً لك) يعني: نجاك الله من هذه الحفرة ورفعك منها، فإذاً (لعاً له) كلمة يدعى بها للعاثر، ومعنى: (لعاً له) ارتفاع له، أي: أن يرتفع من هذه العثرة، قال الأعشى: بذات لوث عصرنا إذ عثرت فالتعس أولى لها من أن أقول لعا وفي قوله ﵎: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ)) عشرة أقوال: بعداً لهم، حزناً لهم، شقاءً لهم، شتماً لهم من الله، هلاكاً لهم، خيبةً لهم، قبحاً لهم، رغماً لهم، شراً لهم، شقوة لهم، وقيل: إن التعس: الانحطاط والعسار، وقال ابن السكيت: التعس: أن يخر على وجهه، والنكس: أن يخر على رأسه، قال الجوهري: وأصله الكبت، وهو ضد االانتعاش، ويقال: تعس يتعس تعساً. قال مجمع بن هلال: تقول وقد أفردتها من خليلها تعستَ كما أتعستني يا مجمع فيبدو أنه قتل زوجها أو خليلها، فهي تدعو عليه وتقول: تقول وقد أفردتها من خليلها تعست كما أتعستني يا مجمع وجوز قوم تعِس بكسر العين، ومنه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط)، رواه البخاري. وفي بعض طرق هذا الحديث: (تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) رواه ابن ماجة. وخبر الموصول محذوف في قوله: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ))، فإذا قلنا: إن الموصول (الذين) مبتدأ فالخبر في هذه الحالة محذوف وتقديره: والذين كفروا فتعسوا تعساً لهم، ودخلت الفاء في قوله: ((فَتَعْسًا لَهُمْ)) تشبيهاً للمبتدأ بالشرط، واللام في ((لَهُمْ)) للبيان، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] ((وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)). قوله: معطوف على ما قبله، وداخل معه في خبرية الموصول.

стр. 1893

تفسر قوله تعالى: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) ثم بيَّن الله سبب إتعاسهم وإذلالهم، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩] أي: ذلك الإضلال والإتعاس لأنهم كرهوا ما أنزل الله من الكتب والشرائع، فهم لا يريدونه ولا يحبونه، فأحبط أعمالهم، أي: الأعمال التي عملوها في الدنيا من صور الخيرات التي تدخل تحت العمل الحسن، كعمارة المسجد، وقرى الضيف، وأصناف القرب الأخرى، ولا يقبل الله العمل إلا من مؤمن، وذلك بشرطين: الأول: الإخلاص، وذلك أن يراد بالعمل وجه الله، (إنما الأعمال بالنيات). الثاني: الاقتداء، متابعة النبي ﵇، بدليل قوله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). فالإخلاص والاتباع شرطان في العمل الصالح إذا صدر من المؤمن، وإذا صدر من غير المؤمن فلابد من شرط آخر مهم جداً وهو: الإيمان بالله تعالى ودينه، ثم بعد ذلك يكون الاتّباع والإخلاص لله . وقيل: ((أَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ)) أي: عبادة الصنم.

стр. 1894

تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) قال الله ﵎: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد:١٠]. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) أي: عاقبة من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلها، الرادة لنصائحهم ((دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) أي: ما اختصوا به وكان لهم. يقال: دمره، بمعنى: أهلكه، ودمر عليه: أهلك ما يختص به من المال والنفس، والثاني أبلغ، أي: أن قوله: ((دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) أبلغ من عبارة: دمرهم؛ لأن قوله: ((دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) تعم في هذه الحالة إهلاك أنفسهم، وإهلاك ما يختص بهم كالأموال وغيره، فإذا قلت: دمرهم الله، ففيه ذكر المفعول به وهو الضمير: (هم)، من دمرهم الله، وأما قوله: ((دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) فإنه لم يصرح بالمفعول؛ لأن الله دمرهم ودمر كل ما يختص بهم، فكأنهم قد صاروا نفياً منفياً عدماً، ولذلك لم يذكر المفعول إيماءً إلى أن التدمير يعمهم ويعم ما يختص به. وأتى بكلمة بعلى في قوله: ((دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) لأن كلمة ((دَمَّرَ)) ضُمِّنت معنى: أطبق عليهم، وكلمة ((أطبق)) تتعدى بعلى، فمعنى: ((دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) أي: أطبق عليهم، ومعنى ذلك: أنه أوقعه عليهم محيطاً بهم من كل الجهات، أو ((دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) أي: هجم الهلاك عليهم، وأتاهم بغتة. قوله: ((وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا)): المقصود بالكافرين هنا: المكذبين للرسول محمد ﷺ ، ((وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا)) أي: أمثال عاقبة تكذيب الأمم السالفة، فهذه الآية مما يستدل به على حجية دليل من الأدلة الشرعية وهو القياس، فالله هنا رغبهم إلى أن يقيسوا أحوالهم على أحوال الأمم المكذبة، فإذا كان حالهم كحالهم في تكذيب الرسل فليقيسوا عاقبتهم على عاقبة الأمم السالفة. وهذه الآية الكريمة إنما ذكرها الله بعدما بيّن أحوال المؤمن والكافر تنبيهاً على وجوب الإيمان في الآيات السابقة، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ فهذا حال المؤمنين، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ * ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ثم وصل هذا بالأمر بالتفكر والاعتبار والتدبر والسياحة في الأرض؛ ليروا آثار القوم المهلَكين، فقال: ((أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ)) أي: ألم يسر هؤلاء في أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا بهم، ((فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) أي: فينظروا بقلوبهم، ((كَيْفَ كَانَ)) آخر أمر الكافرين قبلهم، ((دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) أي: أهلكهم واستأصلهم، ثم توعد المشركين، فقال: ((وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا)) أي: أمثال هذه الفعلة، يعني: التدمير. وقال الزجاج والطبري: أن الهاء في قوله: ((وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا)) تعود إلى العاقبة في قوله: ((كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ))، أي: وللكافرين من قريش أمثال عاقبة تكذيب الأمم السالفة إن لم يؤمنوا.

стр. 1895

تفسير قوله: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم) قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] وفي حرف ابن مسعود: (ذلك بأن الله ولي الذين آمنوا). قوله: ((ذَلِكَ)) أي: ما مضى مما فعله الله بفريق المؤمنين، وما فعله بفريق الكافرين، أو ((ذلك)) إشارة إلى ما ذكره من أن للكافرين أمثالها. قوله: ((ذَلِكَ بِأَنَّ)) فالباء هنا سببيه، ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا)) أي: وليهم وناصرهم، قاله ابن عباس وغيره. قوله: ((وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ)) مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج:٧١]، ولذلك نادى أبو سفيان صخر بن حرب حين كان رئيس المشركين يوم أحد -قبل أن يسلم في فتح مكة- بعدما لاحت لهم بشائر الغلبة على المسلمين نادى فقال سائلاً: أين محمد؟ أين أبو بكر؟ أين عمر؟ فلم يجب، فقال: أما هؤلاء فقد هلكوا؛ فظن أنه لم يوجد أحد منهم لأنهم ماتوا، فرد عليه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: كذبت يا عدو الله! بل أبقى الله لك ما يسوءك، وإن الذين عددت لأحياء، فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سِجال، أما إنكم ستجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني، ثم ذهب يرتجز فيقول: اعل هبل، اعل هبل، فقال رسول الله ﷺ : (ألا تجيبوه! قالوا: يا رسول الله! وما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل)، ثم قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال: (ألا تجيبوه! قالوا: وما نقول يا رسول الله؟!)، وتأملوا أن الرسول لما كان أبو سفيان يقول: أين محمد؟ أين أبو بكر؟ أين عمر؟ لم يجبه، ولما أراد أن يخدش عقيدة المسلمين واستعصامهم بربهم أمرهم بالإجابة، فعندما قال: (اعل هبل) وهذا اعتداء على مقام الألوهية، فقال لهم النبي ﵊: (ألا تجيبوه! قالوا: يا رسول الله! وما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل، ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال: ألا تجيبوه؟ قالوا: وما نقول يا رسول الله؟! قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم).
следующие страницы →