← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

تفسر قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) ثم يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] قال قتادة في قوله تعالى: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ)): لأنه حق على الله أن يعطي من سأله، وينصر من نصره. وقوله: ((وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)) قال ابن جرير: ويقوكم عليهم ويجرئكم حتى لا تولوا عنهم، وإن كثر عددهم، وقل عددكم، وقال القرطبي: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ أي: إن تنصروا دين الله ينصركم على الكفار، نظيره: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠]، وقال قطرب: إن تنصروا نبي الله ينصركم الله، والمعنى واحد. قوله: ((وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)) أي: عند القتال، وقيل: يثبت أقدامكم على الإسلام، وقيل: على الصراط، وهذه كلها ليس بينها تعارض، فهي من اختلاف التنوع، وليست من اختلاف التضاد. وقيل: المراد تثبيت القلوب للأمن، فيكون تثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في مواطن الحرب، قال تعالى في الأنفال: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:١٢]، فأثبت في الأنفال واسطة أن التثبيت يكون عن طريق الملائكة: ((فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا))، أما هنا في هذه الآية فلم يذكر هذه الواسطة، بل قال: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ))، فنصر الله إما بإلقاء الأمنُ والسكينة في القلوب، وإما بالملائكة، وإما بغير ذلك من الأسباب. وهذا يكون كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١]، وهو القائل : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [الروم:٤٠]، فهو يميتكم بواسطة الملك، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك:٢]، ومثل هذا كثير، فلا فاعل في الحقيقة إلا الله وحده. واستدل ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة بالعبارة المشهورة: (الجزاء من جنس العمل) ولهذا قال: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ))، كما جاء في الحديث: (من بلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، وقد دلت كثير من الآيات القرآنية على نفس هذه المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة في سورة القتال، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠]، وقوله ﵎: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. إذاً: فهنا ضمان بالنصر والتثبيت، وهذا الضمان مشروط بشروط وهي: أن ينصر العبد الله ، والجزاء من جنس العمل، فمن أعزّ أمر الله أعزّه الله، ومن نصر دين الله نصره الله، كما في هذه الآية: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)) وأما ما هو شائع على ألسنة كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام وهم يبارزون الله بالمعاصي والمخالفات وأن الله سوف ينصرهم، فهؤلاء لا ينصرون؛ لأن الله قال: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ)) وقال: ((وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ))، وقال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] أي: المتصفين بالإيمان، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]، إذاً: فالذين لا يقيمون الصلاة، ولا يؤتون الزكاة، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، ليسوا داخلين في وعد الله بالنصر ألبتة، بل مثلهم كمثل الأجير الذي استأجره مستأجر، فلم يعمل لمستأجره شيئاً، ثم جاء بعد ذلك يطلب منه الأجرة وهو لم يعمل شيئاً، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، فمن يتمادى في المعاصي والمخالفات ثم يقول: إن الله معنا، وإن الله سينصرنا، فهذا غرور منه، فهو ليس من حزب الله الموعودين بنصر الله ؛ لأنه لم ينصر الله، ولم ينصر دينه وكتابه، ولم يكن جهاده لإعلاء كلمته، وإقامة حدوده وفرائضه . وقد رأينا عواقب ذلك، فرأينا أصنافاً كثيرين مغترين في هذا الزمان، وما أكثر ما يستدلون بهذه الآية: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)) رأيناهم في النكبة، وذلك حينما كان المذيع يقول: أم كلثوم معك في المعركة، وشادية معك في المعركة، وعبد الحليم حافظ معك في المعركة، فكيف يكون الله معنا وهؤلاء أيضاً معنا؟ وكيف نكون من حزب الله ونحن نطلب النصرة من هؤلاء الأقوام، ومن حزب الشيطان؟! وهذه الآية أيضاً مما يصدق أن يستدل بها في مواجهة كثير من الناس الذين يكثرون الشر، وحينما تدعوهم إلى بعض التكاليف الشرعية سواء كانت ظاهرة أو باطنة، وسواء كانت في الفرائض أو غيرها، كاللحية مثلاً، أو الكلام في أي قضية من القضايا التي لا تروق لبعض الناس، فإنهم يقولون لك: المسلمون يذبّحون وأنت في وادٍ آخر، والكنيسة الشرقية تتحد مع الغربية، واليهود يفعلون، والنصارى يفعلون، وأنت تقول للناس: افعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا، وتتكلم في توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات!! ينبغي أن نشتغل بالأمور المهمة، فالمسلمون يذبحون ويضطهدون، فنقول: هم يتخيلون أن العلاقة بين هذا وذاك علاقة تضاد، وكأنه لا يستطيع المسلم أن يؤدي هذه الأمور كلها، سواء كانت فرعية أو أصلية، فالمسلم يستطيع أن يقوم بهذه الأمور التي ذكرنا، وفي نفس الوقت يكون مجاهداً في سبيل الله إذا أتيح له الجهاد. وأما هؤلاء فيظنون أن العلاقة علاقة تضاد، وأن المسلم لا يستطيع أن يجاهد وهو عافٍ للحيته مثلاً!! فليس هناك علاقة تضاد، ويمكن للإنسان المسلم أن يعمل أكثر من عمل في وقت واحد، فأنا مثلاً الآن جالس، وفي نفس الوقت متكلم، وناظر، وسامع، فهذه كلها توفرت في شخص واحد، وفي وقت واحد، بخلاف الأمور المتضادة كاجتماع النقيضين، فإنهما لا يجتمعان في مكان واحد، وفي آنٍ واحد، كالعمى والبصر، فهذه علاقة تضاد، وكالأبوة والبنوة في شخص واحد من جهة واحدة، فهذا لا يكون أبداً، وأما الصفات غير المتضادة، والصفات المتباينة فيمكن أن تجتمع في وقت واحد، وفي مكان واحد، كالسواد والحلاوة، فإنهما يجتمعان في العسل والتمر مثلاً، أو البياض والبرودة، فيجتمعان في الثلج، فكذلك نفس الشيء هنا، الإنسان يستطيع أن يعفي لحيته مثلاً ويجاهد في سبيل الله، فليس بينهما تضاد بل العكس، فالعلاقة بينهما في الحقيقة بمقتضى هذه الآية تكون علاقة تلازم؛ لأن الله يقول: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ))، فنصرة الله تكون بإقامة شرعه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، وكثير من هؤلاء الناس لا يستعملون هذا النوع من الجدل إلا في مصادمة السنة، ومن يدعوهم إلى الالتزام بالسنة، في حين أنهم هم أنفسهم في حياتهم العادية يمارسون أشياء منكرة، فبعضهم مثلاً يلبس (الكرفتة) ويكوي ملابسه، ويشتري فواكه، ويعمل رحلات ترفيهية، ثم لا يقبل من أحد أن يقول له: المسلمون يذبحون وأنت تأكل الفاكهة! والمسلمون يضطهدون في أقصى الغرب وأنت تكوي ملابسك وتهتم بكذا وكذا! فهو لا يقبل ذلك ممن يعترض عليه، فأولى ثم أولى حينما نأمرهم بأمر الله، أو أمر رسول الله ﵇ ألّا يحق لهم الاعتراض بقولهم: المسلمون يذبحون، وكما قال أحد إخواننا في اليمن رداً على هؤلاء القوم حينما اشتغلوا بهذا الفهم، فقال أحدهم: يا جماعة! أنتم غاضبون على الناس عندما تركوا الحجاب، وحلقوا اللحى، والمسلمون في أفغانستان يحاربون من قبل الشيوعيين! وأنتم لا تتكلمون إلا في هذا، فقال له أحد الإخوة من أهل اليمن: هب أننا حلقنا لحانا، وخلعت نساؤنا الحجاب، فماذا يفيد إخواننا الأفغان ذلك؟ وماذا تستفيدون من ذلك؟ فالشاهد: أنه ليس هناك علاقة تضادّ بين التمسك بكل أمور الدين -سواء فرعية أو أصلية- وبين جهاد الأعداء، بل هناك علاقة تلازم، وإثباتها من باب إثبات اللازم للملزوم، فإن نصر الله إنما يتنزل على من ينصر الله، قال تعالى: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ))، ثم ليس هناك قاعدة تضبط مثل هذا التفكير، فما يعظمه بعضهم قد يحتقره الآخر، وما يحتقره بعضهم قد يعظمه الآخر، وبالتالي تصبح الشريعة ألعوبة في أيدي الناس، فهذا يحذف منها ما شاء بدعوى عدم التمسك بهذه القشور وهذه المظاهر إلى آخره، وفي ترك ذلك تضييع لكثير من شعب الدين والإيمان.

стр. 1892

تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم) قال الله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٨]، قوله: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا)) يجوز أن يرفع على الابتداء، ((وَالَّذِينَ)) اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ، ويجوز فيه النصب، ويفسره قوله: ((فَتَعْسًا لَهُمْ)) أي: وكأنه قال: أتعس الله الذين كفروا فتسعاً لهم، وأما قوله: ((فَتَعْسًا لَهُمْ)) فإنه منصوب على المصدر على سبيل الدعاء عليهم، وهو مثل قولك: سقياً لك ورعياً، وهناك عبارة في العربية وهي: (لعاً له) أو (لعاً لك)، وهي كلمة تقال لشخص وقع في حفرة مثلاً وهو آتٍ في الطريق، فأنت تقول له: (لعاً لك) يعني: نجاك الله من هذه الحفرة ورفعك منها، فإذاً (لعاً له) كلمة يدعى بها للعاثر، ومعنى: (لعاً له) ارتفاع له، أي: أن يرتفع من هذه العثرة، قال الأعشى: بذات لوث عصرنا إذ عثرت فالتعس أولى لها من أن أقول لعا وفي قوله ﵎: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ)) عشرة أقوال: بعداً لهم، حزناً لهم، شقاءً لهم، شتماً لهم من الله، هلاكاً لهم، خيبةً لهم، قبحاً لهم، رغماً لهم، شراً لهم، شقوة لهم، وقيل: إن التعس: الانحطاط والعسار، وقال ابن السكيت: التعس: أن يخر على وجهه، والنكس: أن يخر على رأسه، قال الجوهري: وأصله الكبت، وهو ضد االانتعاش، ويقال: تعس يتعس تعساً. قال مجمع بن هلال: تقول وقد أفردتها من خليلها تعستَ كما أتعستني يا مجمع فيبدو أنه قتل زوجها أو خليلها، فهي تدعو عليه وتقول: تقول وقد أفردتها من خليلها تعست كما أتعستني يا مجمع وجوز قوم تعِس بكسر العين، ومنه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط)، رواه البخاري. وفي بعض طرق هذا الحديث: (تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) رواه ابن ماجة. وخبر الموصول محذوف في قوله: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ))، فإذا قلنا: إن الموصول (الذين) مبتدأ فالخبر في هذه الحالة محذوف وتقديره: والذين كفروا فتعسوا تعساً لهم، ودخلت الفاء في قوله: ((فَتَعْسًا لَهُمْ)) تشبيهاً للمبتدأ بالشرط، واللام في ((لَهُمْ)) للبيان، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] ((وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)). قوله: معطوف على ما قبله، وداخل معه في خبرية الموصول.

стр. 1893

تفسر قوله تعالى: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) ثم بيَّن الله سبب إتعاسهم وإذلالهم، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩] أي: ذلك الإضلال والإتعاس لأنهم كرهوا ما أنزل الله من الكتب والشرائع، فهم لا يريدونه ولا يحبونه، فأحبط أعمالهم، أي: الأعمال التي عملوها في الدنيا من صور الخيرات التي تدخل تحت العمل الحسن، كعمارة المسجد، وقرى الضيف، وأصناف القرب الأخرى، ولا يقبل الله العمل إلا من مؤمن، وذلك بشرطين: الأول: الإخلاص، وذلك أن يراد بالعمل وجه الله، (إنما الأعمال بالنيات). الثاني: الاقتداء، متابعة النبي ﵇، بدليل قوله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). فالإخلاص والاتباع شرطان في العمل الصالح إذا صدر من المؤمن، وإذا صدر من غير المؤمن فلابد من شرط آخر مهم جداً وهو: الإيمان بالله تعالى ودينه، ثم بعد ذلك يكون الاتّباع والإخلاص لله . وقيل: ((أَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ)) أي: عبادة الصنم.

стр. 1894

تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) قال الله ﵎: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد:١٠]. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) أي: عاقبة من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلها، الرادة لنصائحهم ((دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) أي: ما اختصوا به وكان لهم. يقال: دمره، بمعنى: أهلكه، ودمر عليه: أهلك ما يختص به من المال والنفس، والثاني أبلغ، أي: أن قوله: ((دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) أبلغ من عبارة: دمرهم؛ لأن قوله: ((دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) تعم في هذه الحالة إهلاك أنفسهم، وإهلاك ما يختص بهم كالأموال وغيره، فإذا قلت: دمرهم الله، ففيه ذكر المفعول به وهو الضمير: (هم)، من دمرهم الله، وأما قوله: ((دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) فإنه لم يصرح بالمفعول؛ لأن الله دمرهم ودمر كل ما يختص بهم، فكأنهم قد صاروا نفياً منفياً عدماً، ولذلك لم يذكر المفعول إيماءً إلى أن التدمير يعمهم ويعم ما يختص به. وأتى بكلمة بعلى في قوله: ((دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) لأن كلمة ((دَمَّرَ)) ضُمِّنت معنى: أطبق عليهم، وكلمة ((أطبق)) تتعدى بعلى، فمعنى: ((دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) أي: أطبق عليهم، ومعنى ذلك: أنه أوقعه عليهم محيطاً بهم من كل الجهات، أو ((دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) أي: هجم الهلاك عليهم، وأتاهم بغتة. قوله: ((وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا)): المقصود بالكافرين هنا: المكذبين للرسول محمد ﷺ ، ((وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا)) أي: أمثال عاقبة تكذيب الأمم السالفة، فهذه الآية مما يستدل به على حجية دليل من الأدلة الشرعية وهو القياس، فالله هنا رغبهم إلى أن يقيسوا أحوالهم على أحوال الأمم المكذبة، فإذا كان حالهم كحالهم في تكذيب الرسل فليقيسوا عاقبتهم على عاقبة الأمم السالفة. وهذه الآية الكريمة إنما ذكرها الله بعدما بيّن أحوال المؤمن والكافر تنبيهاً على وجوب الإيمان في الآيات السابقة، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ فهذا حال المؤمنين، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ * ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ثم وصل هذا بالأمر بالتفكر والاعتبار والتدبر والسياحة في الأرض؛ ليروا آثار القوم المهلَكين، فقال: ((أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ)) أي: ألم يسر هؤلاء في أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا بهم، ((فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) أي: فينظروا بقلوبهم، ((كَيْفَ كَانَ)) آخر أمر الكافرين قبلهم، ((دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) أي: أهلكهم واستأصلهم، ثم توعد المشركين، فقال: ((وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا)) أي: أمثال هذه الفعلة، يعني: التدمير. وقال الزجاج والطبري: أن الهاء في قوله: ((وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا)) تعود إلى العاقبة في قوله: ((كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ))، أي: وللكافرين من قريش أمثال عاقبة تكذيب الأمم السالفة إن لم يؤمنوا.

стр. 1895

تفسير قوله: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم) قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] وفي حرف ابن مسعود: (ذلك بأن الله ولي الذين آمنوا). قوله: ((ذَلِكَ)) أي: ما مضى مما فعله الله بفريق المؤمنين، وما فعله بفريق الكافرين، أو ((ذلك)) إشارة إلى ما ذكره من أن للكافرين أمثالها. قوله: ((ذَلِكَ بِأَنَّ)) فالباء هنا سببيه، ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا)) أي: وليهم وناصرهم، قاله ابن عباس وغيره. قوله: ((وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ)) مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج:٧١]، ولذلك نادى أبو سفيان صخر بن حرب حين كان رئيس المشركين يوم أحد -قبل أن يسلم في فتح مكة- بعدما لاحت لهم بشائر الغلبة على المسلمين نادى فقال سائلاً: أين محمد؟ أين أبو بكر؟ أين عمر؟ فلم يجب، فقال: أما هؤلاء فقد هلكوا؛ فظن أنه لم يوجد أحد منهم لأنهم ماتوا، فرد عليه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: كذبت يا عدو الله! بل أبقى الله لك ما يسوءك، وإن الذين عددت لأحياء، فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سِجال، أما إنكم ستجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني، ثم ذهب يرتجز فيقول: اعل هبل، اعل هبل، فقال رسول الله ﷺ : (ألا تجيبوه! قالوا: يا رسول الله! وما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل)، ثم قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال: (ألا تجيبوه! قالوا: وما نقول يا رسول الله؟!)، وتأملوا أن الرسول لما كان أبو سفيان يقول: أين محمد؟ أين أبو بكر؟ أين عمر؟ لم يجبه، ولما أراد أن يخدش عقيدة المسلمين واستعصامهم بربهم أمرهم بالإجابة، فعندما قال: (اعل هبل) وهذا اعتداء على مقام الألوهية، فقال لهم النبي ﵊: (ألا تجيبوه! قالوا: يا رسول الله! وما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل، ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال: ألا تجيبوه؟ قالوا: وما نقول يا رسول الله؟! قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم).

стр. 1896

تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار) ثم ساق الله الآية الثانية لبيان ولاية الله للمؤمنين، فإن الآية السابقة كالعنوان وهي قوله: ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا))، ثم بين في هذه الآية مظاهر ولاية الله للمؤمنين فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:١٢]. وفي قوله تعالى: ((وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) رد على من يقول: إن الإيمان من الرجل يقتضي الطاعة؛ لأنه لو كان الأمر كذلك ما أعادها، فالجنة تنال بالإيمان والعمل الصالح، وقيل: إن الجنة تنال بالإيمان، والدرجات تُستحق بالأعمال الصالحة، والله تعالى أعلم. قوله: ((جَنَّاتٍ)) وهي البساتين, وإنما سميت جنات لأنها تُجِنّ من فيها، أي: تستره بشجرها، ومنه المجن، وهو الترس؛ لأن صاحبه يستتر به أثناء القتال، فإذا جاءت الطعنة فإنها تصيب الترس ولا تصيب صاحبه، فهذا هو المجن، ومنه سمي الجنين؛ لأنه مستور في بطن أمه ولا يُرى ومنه الجن، لأنهم لا يُرون. قوله: ((إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)) إعراب ((تَجْرِي)) فعل مضارع مرفوع؛ لأنه يسبقه ناصب ولا جازم، وحذف الضم من الياء لثقلها، فأصلها (تجريُ)، لكن الياء مع الضمة ثقيلتان، فحذفت الضمة من الياء، فنقرأها: ((تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ))، عند الأعراب مرفوع بالضمة المقدرة على الياء. وقوله: ((مِنْ تَحْتِهَا)) أي: من تحت أشجارها، فما من جنة ولا بستان إلا وفيه أشجار، فلفظ الجنات دالٌ على الأشجار، فمعنى ((من تحتها)) أي: من تحت أشجارها. وقوله: ((الأَنْهَارُ)) أصل النهر: هو الأخدود، فإذا حفر في الأرض وصار فيها هذا الفراغ الذي يجري فيه الماء، فهذا الأخدود هو النهر، والمقصود هنا في هذه الآية هو الماء الذي يجري في هذا الأخدود، فنسب الجري إلى الأنهار توسعاً، وإنما الذي يجري هو الماء وحده، فحذف اختصاراً، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢]، والمقصود: واسأل أهل القرية. وقال الشاعر: نبئت أن النار بعدك أوقدت واستب بعدك يا كُلَيب المجلسُ يعني: أهل المجلس فحذف (أهل)، والنهر مأخوذ من أنهرتُ أي: وسعت، ومنه قول قيس بن الخطيم يصف طعنة طَعن بها عدواً له، فيقول: ملكتُ بها كفي فأنهرتُ فتقها يرى قائم من دونها ما وراءها فقوله: (ملكت بها كفي) أي: سددت وقويت بها كفي، (فأنهرت فتقها) أي: أنه طعن هذا الرجل طعنة واسعة بحيث لو أن شخصاً وقف خلفه يرى من خلاله فيرى ما وراء المطعون. ومنه قول النبي ﵌: (ما أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه فكلوه)، يعني: ما وسع الذبح حتى يجري الدم كالنهر، وجمع النهر: نُهُر وأنهار، ونهر أي: كثير الماء، وروي أن أنهار الجنان لا تجري في أخاديد، وإنما تجري على سطح الجنة منضبطة بقدرة الله حيث شاء أهلها، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ))، وهذا هو كل غايتهم وقصارها، أي: أن ينالوا المتع الحسية في الدنيا كأنهم أنعام، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]، فالذين كفروا يتمتعون في الدنيا كأنهم أنعام ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم، فهم ساهون عما في غدهم، فهل الأنعام تخطط للمستقبل، أو تفكر في المحيط؟ لا، فهي تتمادى في الشهوات، وهي لا تعلم أنها كلما استمرت في ذلك عُجِّل في ذبحها، لأن الناس يستحسنون عاقبة الذبح حينما يأكلون هذا اللحم السمين، فكذلك الذين كفروا غافلون عما ينتظرهم في العاقبة، وقيل: إن المؤمن في الدنيا يتزود، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع، ((وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ)) أي: مقاماً ومنزلاً. وقد ذكر الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى هنا في هذا السياق حديث الشيخين المتفق عليه، وهو قول النبي ﵌: (المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء). قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو قال: كان أبو نهيك رجلاً أكولاً، فقال له ابن عمر ﵄: إن رسول الله ﷺ قال: (إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء)، فقال: فأنا أؤمن بالله ورسوله ﷺ ، وقد أطبق العلماء على تأويل هذا الحديث، فالمشرحون إذا فتحوا بطن الكافر فإنهم لا يجدون أمعاءه سبعة أضعاف أمعاء المؤمن لذلك فأطبق العلماء على تأويل الحديث؛ لقرينة وهي قول أبي نهيك: فأنا أؤمن بالله ورسوله، يعني: لست كافراً. فاختُلف في معنى هذا الحديث، فقيل: ليس المراد ظاهره، وإنما هو مثَل ضُرب للمؤمن وزهده في الدنيا، والكافر وحرصه عليها، فكأن المؤمن لتقلله مادياً يأكل في مِعيٍّ واحد، والكافر لشدة رغبته فيها، واستكثاره منها، يأكل في سبعة أمعاء، فليس المراد حقيقة الأمعاء، ولا خصوص الأكل، وإنما المراد التقلل من الدنيا والاستكثار منها، فكأنه عبَّر عن تناول الدنيا بالأكل، وعن أسباب ذلك بالأمعاء، ووجه العلاقة ظاهر. وقيل: المعنى: أن المؤمن يأكل الحلال، والكافر يأكل الحرام، والحلال أقل من الحرام في الوجود، نقله ابن التين. وقيل المراد: حضّ المؤمن على قلة الأكل، إذا علم أن كثرة الأكل صفة للكافر فإن نفسه تنفر من الاتصاف بصفة الكافر، ويدل على أن كثرة الأكل من صفة الكفار قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ))، وهذا مشاهد في أغلب الكفار وبالذات في الأمريكان كما رأيت، فهم شديدو الشره في الطعام بحيث أنك إذا رأيت الطعام الموضوع على المائدة تعجب كيف سيأكله رجل واحد مع أنه يصلح لعشرة أفراد، وإذا بهذا الكافر يلتهمه التهاماً، فهم يأكلون كميات ضحمة من الأكل! وقد لا يظهر ذلك عليهم؛ لأنهم يمارسون الرياضات، فهم شديدو الشره للطعام بطريقة عجيبة! فكأن الحديث يذكر أن كثرة الأكل والشره في الطعام صفة من صفات الكافر، فالمؤمن دائماً حريص على ألا يتشبه بالكافر، وينفر من صفات الكافر المختصة به، فهذا هو المقصود من الحديث: أن ينفَّر المؤمن الأكول من التشبه بالكافر، وقد تجشأ رجل عند النبي ﷺ فقال له رسول الله ﵇: (كف عنا جشاءك؛ فإن أكثرهم شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة)، كما يقول الشاعر: فإنك إن أعطيت بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا وقد وصف سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه المشركين فقال: رأيت قوماً ليس لهم فضل على أنعامهم، فلا يهمهم إلا ما يجعلونه في بطونهم وعلى ظهورهم، وأعجب منهم قوم يعرفون ما جهل أولئك ويشتهون كشهوتهم!. فالأنعام معروفة بكثرة الطعام، والشره في تحصيل الشهوات، فهم كالأنعام، وليس لهم فضل على أنعامهم بعقل ولا حكمة، فلا يهمهم إلا ما يجعلونه في بطونهم وعلى ظهورهم، أي: أن كل همهم ما يأكلونه ويلبسونه من المتاع والملاذ، قوله: (وأعجب منهم قوم يعرفون ما جهل أولئك)، يعني: من المسلمين، (ويشتهون كشهوتهم)، فالمؤمن لا ينخرط في تحصيل متاع الدنيا كالكافر؛ لأن الكافر سبب فعله هذا جهله بالله، وجهله بأحوال يوم القيامة وغير ذلك من الأضرار والأخطار، فإذا بدر منه ذلك فهذا لا يؤاخذ، وأما المؤمن الذي يعرف ما لا يعرفه هؤلاء من عاقبة الانخراط في الشهوات فلا ينبغي له فعل ذلك؛ فلذلك قال هنا: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ)). وهناك قول آخر في تأويل الحديث السابق، وهو: أنه يحمل على ظاهره، فليس فيه تأويل، واختلف الذين قالوا: إنه باق على ظاهره في معناه على أقوال: أحدها: أنه ورد في شخص بعينه، فـ (ال) في كلمة (الكافر) تكون للعهد، أي: في شخص معين فلا تعمم، وجزم بذلك ابن عبد البر فقال: لا سبيل إلى حمله على العموم؛ لأن المشاهدة تدفعه، فكم من كافر يكون أقل أكلاً من مؤمن، وعكسه، وكم من كافر أسلم فلم يتغير مقدار أكله. قال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: (إن رجلاً كان يأكل أكلاً كثيرا ً فأسلم، فكان يأكل أكلاً قليلاً، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء). ودُفع هذا القول بأن ابن عمر راوي الحديث فهم منه العموم، فقد قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الصمد قال: حدثنا شعبة عن واسع بن محمد عن نافع قال: كان ابن عمر لا يأكل حتى يؤتى بمسكين يأكل معه، فأدخلت رجلاً يأكل معه، فأكل كثيراً، فقال: يا نافع! لا تُدخل هذا عليّ، سمعت النبي ﷺ يقول: (المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء)، فهذا يدل على أن ابن عمر راوي الحديث الأول يرى عموم هذا الحديث الذي رواه عن النبي ﵇، فهو لم يقصره على شخص بعينه، فقد عممه على هذا الرجل الذي أُتي به ليأكل معه. وتعقِّب هذا القول أيضاً بأنه غير متفق مع تعدد الاستدلال بالحديث مع فرضية تعدد الواقعة، أي: أن القول بأنه ورد في شخص بعينه، وأن اللام عهدية هذا مدفوع بوقوع تعدد الا

стр. 1897

تفسير قوله تعالى: (وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك) قال الله ﵎: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد:١٣]. قوله: (وكَأَيِّنْ) بمعنى: كم، قال الخليل وسيبويه: أصلها -أي: كلمة (كَأَيِّنْ) - أي، فدخلت عليها كاف التشبيه، فصارت كأين، وهي بدون التنوين في الأول، يعني: أن (أي) همزة وياء مشددة، أضف عليها كاف التشبيه فصارت (كأي)، فلزمتها كاف التشبيه فصار في الكلام بمعنى: كم، وجعل التنوين في المصحف نوناً فصارت (كَأَيِّنْ)؛ لأنها كلمة نقلت عن أصلها فغير لفظها بتغير معناها، ثم كثر استعمالها عند العرب وتصرفت الكلمة فحصل فيها أربع لغات: وكائن، وكئن، وكأين، وكأي وكأيئن أربع لغات، وكلها بمعنى: كم، كما قال الشاعر: وكائن بالأباطح من صديق يراني لو أصبت هو المصابا وكئن: كاف همزة على نبرة ثم نون، ولفظ: (كأين) كهذا الذي في سورة القتال، ومنه قول الشاعر: كأين أبدنا من عدو بعزنا وكائن أجرنا من ضعيف وخائف وتقول: كأين رجلاً لقيته، بنصب ما بعد (كأين) على التمييز، وتقول أيضاً: كأين من رجل لقيته، وإدخال (من) بعد كأين أكثر من النصب بها وأجود، يعني: أن تقول: وكأين من رجل لقيت، أفضل وأبلغ من أن تقول: وكأين رجلاً لقيته، كما تقول أيضاً: بكأين تبيع هذا الثوب، أي: بكم تبيعه؟ فقوله تعالى هنا: ((وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ)) أي: وكم من أهل قرية وهي مكة، ((هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ)) أي: أخرجك أهلها، فهو على حذف المضاف. قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى قال: حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن حذيفة عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: (أن نبي الله ﷺ لما خرج من مكة إلى الغار أُراه قال: التفت إلى مكة فقال: أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إلي، فلو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك)، فأعدى الأعداء من أعتدى على الله في حرمه، أو قتل غير قاتل، أو قتل بلحون الجاهلية، واللحون: هي الأحقاد والعداوات، وهي جمع لحن، فأنزل الله ﵎: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾. قوله: ((أَخْرَجَتْكَ)) فأخرج الخبر عن القرية فلذلك أنث، يعني: هذا هو السر في تأنيث كلمة ((أخرجتك))؛ فقال أولاً: ((وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ)) وهذا مؤنث، ((هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ))، ثم قال بعد ذلك: ((أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ))، ولم يقل أهلكتها فلا ناصر لها، ففهم أن المقصود من القرية أهل القرية، لكنه في الجزء الأول راعى اللفظ، وفي الجزء الثاني راعى المعنى، فقوله: ((وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ)) راعى فيه لفظ ((قرية))، وأما في قوله: ((أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ)) نظر فيه إلى المعنى. قال جل ثناؤه: (أَخْرَجَتْكَ) فأخرج الخبر عن القرية فلذلك أنث، ثم قال: (أَهْلَكْنَاهُمْ)؛ لأن المعنى في قوله: ((أَخْرَجَتْكَ)) ما وصفتَ من أنه أريد به أهل القرية فأخرج الخبر مرة عن اللفظ ومرة عن المعنى. قوله: ((فَلا نَاصِرَ لَهُمْ)) تهديد شديد، ووعيد لأهل مكة في تكذبيهم رسول الله ﷺ ، وهو سيد المرسلين، وخاتم الأنبياء، فإذا كان الله قد أهلك الأمم الذين كذبوا الرسل قبله بسببه، وقد كانوا أشد قوة من هؤلاء، فماذا ظن هؤلاء أن يفعل الله بهم في الدنيا والأخرى؟! فإنه رفع عن كثير منهم العقوبة في الدنيا لبركة وجود الرسول نبي الرحمة ﷺ فمن المعلوم أن هذه الأمة لم يهلكها الله إهلاكاً عاماً، فهذه من خصائص أمة محمد عليه الصلاة السلام أنه لا يأتي عذاب يستأصلها جميعها. وكذلك بين الله أن هناك أمانين في عهد النبي ﵇ في قوله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣]، فقد كانوا يستعجلون نزول العذاب، ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]، فالله أرحم بهم من أنفسهم فلولا قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، لكن انظر إلى الجهل والعتو! فإنهم قالوا: ((اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ))، فجاء الجواب من الله قائلاً: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ))، إكراماً لرسول الله ﵊ ما دام في وسط هؤلاء المشركين، فوجوده أمان من نزول العذاب، فبركة وجود النبي ﵇ تعم حتى هؤلاء الكفار؛ لأن وجوده معهم وبينهم يمنع نزول العذاب عليهم فقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] أي: وما كان الله ليعذبهم وفي وسطهم مؤمنون يستغفرون الله . إذاً: فهناك مانع يمنع وقوع العذاب على كثير من المشركين ولا أقول كل المشركين؛ لأن منهم من وقع عليه العذاب كـ أبي جهل، وغيره من أعداء الله، وخاصة من قُتلوا في بدر، وقد رفعت العقوبة في الدنيا عن كثير منهم بسبب وجود الرسول نبي الرحمة عليه الصلاة السلام، وليس معنى هذا أنه إن خفف عنهم في الدنيا أو لم يوقع بهم العذاب في الدنيا فإن العذاب سيخفف عليهم في الآخرة، كلا، فإنه سوف يضاعف لهم العذاب في الآخرة، قال تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠].

стр. 1898

تفسير قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله) قال الله ﵎: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٤]. قوله: ((أَفَمَنْ كَانَ)) الهمزة فيه للإنكار، والفاء للعطف على مقدر كنظائره، و (من) مبتدأ، والخبر ((كمن زين له))، وأفرد هنا باعتبار لفظ (من)، وجمع في قوله: ((وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)) باعتبار معناه. ثم قال: ((وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ))، فجمع باعتبار معنى (من)؛ لأن (من) هنا تفيد العموم. قال القرطبي: الأَلِف أَلِفُ تقرير، ومعنى: ((عَلَى بَيِّنَة)) أي: على ثبات ويقين قاله ابن عباس. وقال أبو العالية: إن المقصود به هو رسول الله ﷺ في قوله: ((أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ))، وقوله: ((عَلَى بَيِّنَةٍ)) المقصود بالبينة الوحي، ((أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ)) أي: عبادة الأصنام، وهو أبو جهل والكفار. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: يقول تعالى: ((أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ)) أي: على بصيرة ويقين في أمر الله ودينه، وبما أنزل الله في كتابه من الهدى والعلم، وبما جبله الله عليه من الفطرة المستقيمة، هل هذا كمن: ((كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)) أي: ليس هذا كهذا، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد:١٩]، وكقوله: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠].

стр. 1899

لا ينسب الشر إلى الله تعالى نختم الكلام ببحث يتعلق بقوله : ((كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ))، فنحن نحتاج إلى بعض هذه المسائل المهمة أن تكرر بين وقت وآخر، فإن في التكرار تثبيتاً للمعلومات، وتنبيهاً للغافلين، وهذا البحث هو أن الشر لا ينسب إلى الله ، فقوله ﵎ هنا: ((كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ)) هذا التزيين: هو من جهة الله خلقاً وكوناً وخبراً، وليس معنى ذلك أن الله تعالى يحبه ويرضاه، ويجوز أن يكون من الشيطان دعاء ووسوسة، ويجوز أن يكون من الكافرين؛ حيث يزين بعضهم لبعض الكفر. وقال الله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢] أي: من شر الذي خلقه الله ، فـ (ما) هنا: موصولة، أي: من شر الذي، ولا يجوز غير ذلك، والشر هنا مسند إلى المخلوق المفعول، أي: من شر ما خلقه الله، أو من شرِّ كل ما خلقه الله، أو من شر كل ذي شر خلقه الله. فالشر هنا مسنود إلى المخلوق وليس إلى خلق الرب ﵎ الذي هو فعله وتكوينه، فالشر يكون من حيث إضافته إلى المخلوق، وأما من حيث الفعل والتكوين بصفته فعل من أفعال الله، فليس فيه شر بوجه ما، فإن الشر لا يدخل في شيء من صفاته، ولا في أفعاله ، كما أنه لا يلحق ذاته ﵎، فإن ذاته لها الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وأوصافه كذلك لها الكمال المطلق، والجلال التام، ولا عيب ولا نقص فيها بوجه ما. وكذلك أفعاله كلها خيرات محضة لا شر فيها أصلاً، ولو فعل الشر لاشتق له منه اسم والعياذ بالله، فلم تكن أسماؤه كلها حسنى، ولعاد إليه منه حكم تعالى الله وتقدس عن ذلك! فالله لا ينسب إلى ذاته أو أفعاله أو صفاته أي شر على الإطلاق، فهو يتنزه ويتعالى عن الشر. وما يفعله من العدل بعباده، وعقوبة من يستحق العقوبة منهم هو خير محض، إذ هو محض العدل والحكمة، وإنما هو شر بالنسبة إليهم هم، فالشر وقع في تعلق هذه الأفعال بهم وقيامها به، ونحن لا ننكر أن الشر يكون في مفعولاته المنفصلة أي: المخلوقات المنفصلة، ولكن هنا أمران ينبغي أن يكونا منك على بال: أحدهما: أن ما كان متضمناً للشر فإنه لا يكون إلا مفعولاً منفصلاً، ولا يكون وصفاً لله، ولا فعلاً من أفعاله. والأمر الثاني: أن كونه شراً هو أمر نسبي إضافي، فهو خير من جهة تقلقه بفعل الرب وتكوينه، وشر من جهة نسبته إلى من هو شر في حقه، فله وجهان هو من أحدهما خير، وهو الوجه الذي نسب منه إلى الخالق خلقاً وتكويناً ومشيئة؛ لما فيه من الحكمة البالغة التي استأثر الله بعلمها، وأطلع من شاء من خلقه على ما شاء منها، وأكثر الناس تضيق عقولهم عن مبادئ معرفتها فضلاً عن حقيقتها، فيكفيهم الإيمان المجمل؛ لأن الله هو الغني الحميد. وفاعل الشر إنما يفعله لحاجته المنافية لغناه، أو لنقصه وعيبه المنافي لحمده، فالله هو الغني الحميد، فلأنه غني وحميد لا يفعل الشر، ولا ينسب الشر إليه، فالشخص الذي يفعل الشر كالسرقة مثلاً فإنما يفعل ذلك لأنه متحاج إلى المال، ولأنه فقير، والشخص الشرير الذي يحب أذية الناس، إنما يفعل ذلك لأنه مذموم لا يستحق أن يحمد، ولله المثل الأعلى، وأما الله فهو غني حميد، غني عن خلقه، ومتصف بالحمد، فيستحيل صدور الشر من الغني الحميد فعلاً، وإن كان هو الخالق للخير والشر، ونوضح ذلك بالمثال التالي، وهو: أن السارق إذا قطعت يده فذلك شر بالنسبة إليه، والشريعة حكمت بقطع يد السارق، فقطع هذه اليد بالنسبة إلى السارق هو شر، لكن ذلك خير محض بالنسبة إلى عموم الناس؛ لما فيه من حفظ أموالهم، ودفع الضرر عنهم، وخير بالنسبة إلى متولي القطع أمراً وحكماً، لما في ذلك من الإحسان إلى الناس عموماً، وهي خير بالنسبة إلى الله الذي أمر وحكم بقطع يد السارق؛ لأنه بذلك يحسن إلى عبيده بإتلاف هذا العضو المؤذي لهم، المضر بهم، فهو محمود على حكمه بذلك، وأمره به، ومشكور عليه، ويستحق عليه الحمد من عباده والثناء عليه والمحبة. وكذلك الحكم بقتل من يصول عليهم في دمائهم وحرماتهم، ورجم من يصول عليهم في أعراضهم، فإن كان هذا عقوبة من يصول عليهم في دنياهم، فكيف عقوبة من يصول على أديانهم ويحول بينهم وبين الهدى الذي بعث الله به رسله، وجعل سعادة العباد في معاشهم ومعادهم منوطة به؟! فالله لا يضع رحمته ورضاه موضع العقوبة والغضب، ولا يضع غضبه وعقوبته موضع رضاه ورحمته، كما قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥] * ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٦] فهذا تعجب منهم، وقال تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]، فنعم الله لا تليق بأعدائه الصادين عن سبيله، الساعين في خلاف مرضاته، الذين يرضون إذا غضب، ويغضبون إذا رضي، ويعطلون ما حكم به، ويسعون في أن تكون الدعوة لغيره، والحكم لغيره، والطاعة لغيره، فهم مضادون له في كل ما يريد، فيحبون ما يبغضه ويدعون إليه، ويبغضون ما يحبه وينفرون عنه، ويوالون أعداءه وأبغض الخلق إليه، ويظاهرونهم عليه وعلى رسوله ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان:٥٥]، وقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠]، فإذا عرفنا هذا عرفنا معنى قول النبي ﵌ في الحديث الصحيح: (لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك) أي: أن الشر لا ينسب إلى الله: لا إلى ذاته، ولا إلى صفاته، ولا إلى أفعاله، فإن كل أفعاله من حيث كونها صادرة عنه عدل وحكمة ورحمة، فمن هنا لا يصح قول من قال في تأويل قول النبي ﵊: (والشر ليس إليك) قال: معناه والشر لا يتقرب به إليك، أو: والشر لا يصعد إليك، صحيح أنهم يريدون أن ينزهوا الله عن أن يصعد إليه الشر أو أن يتقرب إليه بالشر، لكنه قول لا يتضمن تنزيهه في ذاته وصفاته وأفعاله، وقول المعصوم الصادق المصدوق ﵌ يتضمن تنزيه الله في ذاته ﵎ عن أن ينسب إليه الشر بوجه من الوجوه، لا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه، أي: لا ينسب الشر إلى الله أبداً، فينزه الله عن الشر في ذاته وصفاته وأفعاله، مع أنه داخل في مخلوقاته، فالشر يضاف إلى المخلوقات كما في قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢]. فمن حيث هو فعل الله هو خير، وهناك كثير من الحكم يمكن أن نتدبرها أو نفصلها في موضع آخر.

стр. 1900

طرق القرآن الكريم في نسبة الشر أيضاً ممن ينبغي أن نلتفت إليه مراعاة لهذا الأمر وهو أن الشر لا ينسب إلى الله ، لا إلى ذاته، ولا إلى صفاته، ولا إلى أفعاله، فليس في فعل الله شر، ولا في ذاته، ولا في صفاته مطلقاً. فنسبة الفعل إلى الله خير محض، ولا يمكن أن يكون فيه شر، وأما من حيث إضافته إلى المخلوق فقد يكون شراً بالنسبة إليه، كقطع يد السارق، لذلك نجد أن هذه القاعدة كشفت لنا كثيراً من المعاني في القرآن الكريم، فالقرآن الكريم له أسلوب خاص في إضافة الشر، فإما أن يضاف الشر إلى سببه ومن قام به، وإما أن يضاف مع حذف فاعله. فمثال إضافة الشر إلى سببه ومن قام به قوله ﵎: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤] فتجد أن الظلم نسب إلى الكافر نفسه، فإنه ظلم نفسه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون:٦]، فلفظة (فاسقين) صيغة فاعل، فهم الذين يفعلون الفسق، كذلك قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:١٦٠] إلى آخره، فهنا أضاف الشر إلى اليهود، فنسب الشر إلى فاعله من المخلوقين، وكقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام:١٤٦] فأضيف الشر إلى الكافرين، وكقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦] فأضاف الظلم إلى هؤلاء القوم. الطريقة الثانية: أن يضاف الشر مع حذف الفاعل، أي: أن ترد الصيغة وليس فيها الفاعل، كقوله ﵎: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]، فنسب الخير إلى الله تعالى؛ لأنه خير محض، فقالوا: ((أم أراد بهم ربهم رشداً))، وأما في الشر فبنوه للمجهول، وحذفوا فاعله فقالوا: ((وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض))؛ لأن الله لا يريد الشر ولا ينسب إليه، وإن كان قد خلقه كوناً وقدراً لحكمة بالغة ليس فيها شر، فحذفوا فاعل الشر ومريده وصرحوا بمريد الرشد، ونظيره في الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] * ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِم﴾ [الفاتحة:٧] فخاطبوا الله بسبق النعمة؛ لأنها خير محض، ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧]، المغضوب اسم مشتق من غضب عليهم، فهو اسم مفعول مشتق من صيغة الفعل المبني للمجهول، وليس من صيغة الفاعل، أي: غضب الله عليه، فلذلك فقالوا: ((غير المغضوب عليهم ولا الضالين))، فنُسب الضلال إليهم، وهذا من النوع الأول، أي: أن الشر ينسب إلى فاعله المرتبط به، وحُذف الفاعل في قوله: ((غير المغضوب عليهم))، واستعملوا صيغة المبني للمجهول أو المشتق منه وهو اسم المفعول، فذكرت النعمة مضافة إلى الله: ((صراط الذين أنعمت))، وذُكر الغضب مع حذف فاعله، كقول الخضر في السفينة لما صنع فيها العيب: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] فنسب الشر إلى نفسه مع أنه كان بأمر الله، وقال في الغلامين: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢] فلما كان خيراً محضاً نسبه إلى الله تعالى. ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ﴾ [الحجرات:٧]، فأضافه إلى الله؛ لأنه خير، ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧]؛ لأنه خير محض، ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧]، فنسب هذا الأمر المحبوب إليه، لكن في حب الشهوات قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران:١٤]، فحذف الفاعل منه ولم يصرح به. وقال تعالى هنا في هذه الآية: ((أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ))، ومثله قول الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾ [الشعراء:٧٨]، فنسب الفعل إلى الله ، ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٠]، وهنا حذف الفاعل؛ لأن المرض شر، فنسبه إلى نفسه، فما أعرفه بربه! ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٢]، فنسب الخطيئة إلى نفسه؛ لأن هذا شر، فنسب إلى ربه كل كمال من هذه الأفعال، ونسب إلى نفسه النقص منها وهو المرض والخطيئة، ومثله قول الله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:١٢١]، وهذه الصيغة غالباً ما تكون في سياق المدح، فالله هو الذي آتاهم الكتاب، فقوله: ((الذين آتيناهم الكتاب)) غالباً ما تكون في سياق مدح مؤمني أهل الكتاب. وغالباً ما تستعمل صيغة: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة:١٠١] في الذم، ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى:١٤] فالسر في هاتين الصيغتين أنه حيث ذكر الفاعل كان من آتاه الكتاب واقعاً في سياق المدح، وحيث حذفه واقعاً في سياق الذم، وذلك من أسرار القرآن، فمثلاً قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢] يعني: أمة محمد ﵊، فنسب الإيراث إلى اسم الاستفهام المتعدي؛ لأنه أسلوب مدح، وقال في أهل الكتاب: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى:١٤]، فالذي يضاف إلى الله كله خير ومصلحة وعدل، والشر ليس إليه، فالحمد لله أولاً وآخراً.

стр. 1901

تفسير سورة محمد [١٥ - ٢١]

стр. 1902

تفسير قوله تعالى: (مثل الجنة التي وعد المتقون) قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد:١٥]. لما قال الله فيما تقدم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ﴾ [محمد:١٢] وصف هنا تلك الجنات المعدة للمتقين. وقوله تعالى: (مثل الجنة التي وعد المتقون) فـ (مثل) مبتدأ، وخبره قوله تعالى: ((كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا)) بتقدير حرف إنكار ومضاف، والمعنى: أمثل أهل الجنة كمثل من هو خالد؟! فالهمز للاستفهام الإنكاري، فيقدر في الأولى حرف الإنكار، وفي الثانية في قوله: (كمن هو خالد) عبارة: كمثل من هو خالد، ويمكن أن يكون المعنى: أمثَل الجنة كمثل جزاء من هو خالد، فلفظ الآية وإن كان بصيغة الإثبات إلا أنه في معنى الإنكار والنفي: (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها) ثم قال تعالى: (كمن هو خالد في النار)، فصورتها ولفظها الإثبات، لكنها في الحقيقة يراد بها الإنكار والنفي، أي: ليس هذا كذلك؛ لانطوائه تحت كلام مقدر بحرف الإنكار، وانسحاب حكمه عليه، وليس في اللفظ قرينة على هذا، وإنما هي في السياق، وهذا من جزالة المعنى، وثَم أعاريب أخر. قال القرطبي: وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه (مثال الجنة التي وعد المتقون)، وقال الشوكاني: الجملة مستأنفة لشرح محاسن الجنة، وبيان ما فيها، ومعنى: (مثل الجنة) أي: وصفها العجيب الشأن، وهذا مبتدأ خبره محذوف كما بينا، قال النضر بن شميل: تقديره: ما يسمعون، وقدره سيبويه: فيما يتلى عليكم مثل الجنة التي وعد المتقون، قال: والمثل هو الوصف، ومعناه هنا: وصف الجنة التي وعد المتقون، وجملة: (فيه أنهار من ماء غير آسن) إلى آخره مفسرة لهذا المثل، وقيل: إن (مثل) زائدة، أي: الجنة التي وعد المتقون إلى آخره، وقيل: إن مثل الجنة مبتدأ، والخبر قوله تعالى: (فيها أنهار)، وقيل خبره: (كمن هو خالد)، وهذا الذي ذكره القاسمي كما بينا. (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن) أي: غير متغير الرائحة، والآسن من الماء مثل الآجن، وقد أسن الماء يأسن أسناً وأسوناً إذا تغيرت رائحته، ويأسن الرجل أيضاً إذا دخل البئر فأصابته ريح منتنة من ريح البئر أو غير ذلك، فغشي عليه أو دار رأسه، قال زهير: قد أترك القرن مصفراً أنامله يميد في الرمح ميد المائح الأسن وقرأ الجمهور: (فيها أنهار من ماء غير آسن) بالمد، وقرأ حميد وابن كثير بالخفض: (غير أسن)، وهما لغتان كحاذر وحذر، وقال الأخفش أسن للحال، وآسن فاعل يراد به الاستقبال. إذاً؛ فمعنى: (فيه أنهار من ماء غير آسن)، أنه ماء صافٍ لا كدر فيه. (وأنهار من لبن لم يتغير طعمه) أي: لم يحمض بطول المقام كما تتغير ألبان الدنيا إلى الحموضة، فلبن الجنة في غاية البياض والحلاوة والدسومة، وورد في بعض الآثار المقطوعة: (لم يخرج من ضروع الماشية). ثم قال تعالى: (وأنهار من خمر لذة للشاربين) أي: ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا، بل هي حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل، ومعنى: (الفعل) أي: حسنة الأثر، فقد نزه الله خمر الجنة، بقوله: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ [الصافات:٤٧]، وقال: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٩]، وقال: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [الصافات:٤٦]. وفي بعض الآثار: (لن تعصرها الرجال بأقدامها). إذاً: فوصف خمر الجنة بهذه الأوصاف يقتضي نجاسة خمر الدنيا كما ذهب إليه جمهور العلماء، فالله وصف خمر الجنة بأنه شراب طهور، أي: أنه ليس بنجس كخمر الدنيا، (وأنهار من خمر لذة للشاربين)، وهذا فيه تنويه بخمر الدنيا من حيث حكم مظهرها وطعمها ورائحتها وفعلها، أي: أن أثرها لا يسلب العقل كما تفعل خمر الدنيا، ولذلك فإن من ترك الخمر في الدنيا لله فإنه يثاب بالشرب من خمر الآخرة، وكذلك من امتنع من لبس الحرير في الدنيا فإنه يثاب بلبسه في الجنة، وهكذا: (من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه). (وأنهار من خمر لذة للشاربين) لذة: قراءة الجمهور بالجر على أنها صفة للخمر، وقرئ بالنصب: (لذةً للشاربين) على أنه مصدر أو أنه مفعول له، وقرئ بالرفع: (لذة للشاربين)، فيكون صفة لأنهار. قال الطبري: فأما القراءة فلا أستجيزها إلا خفضاً لإجماع الحجة من القراء عليها. (وأنهار من عسل مصفى)، والعسل يذكر ويؤنث. قال القرطبي: العسل ما يسيل من لعاب النحل، أي: ما يفرزه النحل، (مصفى) أي: مصفى من الشمع، ومصفى من القذى، خلقه الله كذلك لم يطبخ على نار، ولا دنسه النحل. وفي سنن الترمذي عن حكيم بن معاوية عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن في الجنة بحر الماء، وبحر العسل، وبحر اللبن، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار بعد) أي: تتفرع منها الأنهار بعد ذلك، قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة). وفي صحيح البخاري قال ﵊: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن)، وقد أخذ البعض من هذا الوصف للفردوس أن الجنة -من حيث الخلق- كروية؛ لأن الأوسط لا يكون أعلى إلا فيما هو كروي. (ومنه تفجر أنهار الجنة)، وهذا هو الشاهد في موضوعنا. (ولهم فيها من كل الثمرات)، كقوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان:٥٥]، وقوله : ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن:٥٢] يعني: لأهل الجنة في الجنة، وذلك مع ما ذكر من الأشربة من كل صنف من أصناف الثمرات، (ولهم فيها من كل الثمرات) (من) هنا زائدة للتوكيد، قاله القرطبي. (ومغفرة من ربهم) أي: ومع ذلك كله مغفرة من ربهم لذنوبهم، ونُكِّرت (مغفرة) لأجل تعظيم هذه المغفرة من الله ، وهذا من ثوابهم المعنوي، فالجنة فيها كل أنواع النعيم كما قال تعالى: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، وقال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]، وأما ما يشتغل به بعض الجهلة والملاحدة من الكفار والمستشرقين وأذنابهم من أنهم يمنعون على القرآن الكريم أن يعد المؤمنين بالمتاع والطعام والشراب والفاكهة في الجنة، فهذا بلا شك جهل منهم؛ لأنهم أصلاً ليس عندهم وصف للجنة، وليس لديهم تفصيل بذلك كما بينه الله في هذه الرسالة الخاتمة، وإنما عندهم أن الإنسان الذي يثاب فإن ذلك يكون بألا تخرج منه الروح فقط، فتطلع روحه إلى السماء ثم ترجع وإلى جسده، وأما في الإسلام فمعلوم أن الإنسان مركب من روح وجسد، فالروح لها متاعها، والجسد له متاعه، ولا ينكر شيء من هذا على الإطلاق، ثم إن آدم وحواء كانا في الجنة، ثم خرجا بسبب مخالفة أمر الله تعالى بعدم القربان من الشجرة، فهذا الأمر متفق عليه بيننا وبين أهل الكتاب، فهم يؤمنون أنهما كانا في الجنة، إذاً: فأهل الجنة يأكلون، لكنهم يتنزهون عن الأنجاس والأوصاف التي تكون في الدنيا، فمتاع الدنيا لابد أن يوجد فيه ما يكدره، ولا يوجد شيء من متاع الدنيا صافٍ، فقد يحب الإنسان نوعاً معيناً من الفاكهة، لكن قد يجد فيها ما يكدره ويضايقه، فعلى الإنسان أن يفتقد أن الدنيا دار متاع، وأن ما يوجد من هذا المتاع فإنه لمجرد التنبيه إلى لذات الآخرة الحقيقية الدائمة، فعامة لذات الدنيا لابد فيها من مكدر، وذلك إما بالنصب والتعب في تحصيلها، وإما ببعض المشاق في إعدادها للطعام وغير ذلك، فالدنيا ليست دار نعيم مطلق، وإنما هي دار ابتلاء، وكما قال ﵎ في النار مثلاً: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة:٧١ - ٧٣]، فبين أن الحكمة من خلق النار (نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين) أي: إذا رأوها تذكروا نار الآخرة، و (متاعاً للمقوين) أي: متاعاً للاسترفاه، ولإنضاج الطعام، وللإضاءة وغير ذلك من منافع النار، لكن الهدف الأساسي والغاية الأولى هي: (تذكرة) أي: رأيتموها تذكرتم نار الآخرة، وكذلك إذا رأى الإنسان نعيماً في الدنيا فإنه يذكره بنعيم الآخرة، فلذلك جعلت عامة الشهوات مقرونة بالأوجاع والآلام والمكدرات؛ تنبيهاً إلى أن هذه الدار ليست هي دار النعيم، وإنما هي دار قرن ما فيها من نعيم بما يكدره وينغصه، فالإنسان إذا لم يذق هذا المتاع فإنه لا يستطيع أن يتخيل متاع الدنيا، فإذا وجد أي نوع من أنواع هذا المتاع في الدنيا فإنما هو لتنبيه الإنسان على أن في الجنة ما هو أعظم منه، فقوله هنا: (ومغفرة من ربهم) هو نوع من أنواع نعيمهم الروحي، وجزائهم المعنوي، وقال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢] وقد تو

стр. 1903

تفسير قوله تعالى: (ومنهم من يستمع إليك) قال ﵎: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٦]، يذكر تعالى عن المنافقين في بلادتهم وقلة فهمهم أنهم كانوا يجلسون إلى رسول الله ﷺ ويستمعون كلامه، فلا يفهمون منه شيئاً. قال القرطبي: أي: من هؤلاء الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، وزين لهم سوء عملهم: قوم يستمعون إليك، وهم المنافقون كـ عبد الله بن أبي بن سلول ورفاعة بن التابوت وزيد بن الصليت والحارث بن عمرو ومالك بن الدخشم، فقد كانوا يحضرون الخطبة يوم الجمعة، فإذا سمعوا ذكر المنافقين فيها أعرضوا عنها، فإذا خرجوا سألوا عنه، وقيل: كانوا يحضرون عند رسول الله ﷺ مع المؤمنين، فيستمعون منه ما يقول، فيعيه المؤمن ولا يعيه الكافر، لأن على قلوبهم أقفالاً، وتلك الأقفال تمنع من أن يدخل فيها الإيمان، أو أن يخرج منها النفاق، والله تعالى أعلم. قوله: ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا)). يقول ابن جرير: حتى إذا خرجوا من عندك قالوا إعلاماً منهم لمن حضر معهم مجلسك من أهل العلم بكتاب الله، وتلاوتك عليهم ما تلوت، وقيلك لهم ما قلت، يقولون لمن كان حاضراً من أهل العلم: إنهم لم يصغوا سماعهم لقولك وتلاوتك، ماذا قال آنفا؟ يعني: ماذا قال لنا محمد ﷺ آنفا؟ قوله ﵎: (حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم) قال ابن كثير يعني: من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقال عكرمة: هو عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهذه منقبة لـ عبد الله بن عباس، وقال ابن عباس: أنا منهم وقد سئلت فيمن سئل. وفي رواية عن ابن عباس أن المقصود بالآية عبد الله بن مسعود وكذا عبد الله بن بريدة. وقال القاسم بن عبد الرحمن: هو أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه، وقال ابن زيد: إنهم الصحابة، وقال الشوكاني: والأول أولى، يعني: علماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فلا تعارض بين ما ذكر من أمثلة من علماء الصحابة وبين التعميم. قوله: (آنفاً) أي: الآن، على جهة الاستهزاء، أي: إما أنهم يقولون: ماذا قال آنفاً؟ على سبيل الاستفهام الحقيقي، وهذا يدل على غباوتهم، وقلة فهمهم، وبلادة عقولهم، فهم لا يعون ما يعيه المؤمنون. وتفسير آخر: (قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً) أنهم يقولون ذلك على جهة الاستهزاء، وإعلاناً منهم أنهم لا يبالون بما يقوله النبي ﷺ ، وأنهم لن يلتفتوا إلى قوله ﵊، أما قوله تعالى: (ماذا قال آنفاً) فالآنف: هو الساعة أو الوقت الذي هو أقرب الأوقات إليك، تقول: استأنفت الشيء إذا بدأت به، ومنه: أمر أنف، أي: مبتدأ، و (روضة أنف) أي: لم يرعها أحد، و (كأس أنف) إذا لم يشرب منها شيء، فكأنه استأنف شربها، وهو مثل: روضة أنف، وأنف كل شيء أوله. وقال قتادة في هؤلاء المنافقين: الناس رجلان: رجل عَقِل عن الله فانتفع بما سمع، ورجل لم يعقِل ولم ينتفع بما سمع، وكان يقال: الناس ثلاثة: فسامع عالم، وسامع عاقل، وسامع غافل تارك. (ماذا قال آنفاً) قرئ (آنفاً) منصوباً على الظرفية، أي: وقتاً مؤتنفاً، أو حال من ضمير من قال.

стр. 1904

تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم) قال ﵎: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ))، أولئك إشارة إلى المذكورين من المنافقين، وقلنا: إنهم منافقون؛ لأن الذين كانوا يحضرون مجلس النبي ﵊ كانوا من المنافقين، وكانوا لا يجترئون على مواجهته بما يكره، والمنافقون -كما تعلمون- ظهر أمرهم في المدينة ولم يكونوا في مكة، وهذه السورة مدنية، فكانوا يحضرون ويمارسون جميع تعاليم الإسلام الظاهرة، ويتواجدون في مجامع ومجالس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإذا خرجوا من عنده طفحت قلوبهم، وفاضت ألسنتهم بما في قلوبهم من النفاق، كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠]. (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم) (أولئك) أي: المذكورون من المنافقين، (الذين طبع الله على قلوبهم) فلم يؤمنوا، ولا توجهت قلوبهم إلى شيء من الخير، (واتبعوا أهواءهم) أي: في الكفر والعناد. قال ابن جرير رحمه الله تعالى: وسوى جل ثناؤه بين صفة هؤلاء المنافقين وبين المشركين في أنهم جميعاً إنما يتبعون أهواءهم، فيما هم عليه من فراقهم دين الله الذي ابتعث به محمداً ﵌، فقال الله في هؤلاء المنافقين: (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم). وقال في أهل الكفر به من أهل الشرك: (كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم)؟ وقال القاسمي: (واتبعوا أهواءهم) أي: آراءهم لا ما يدعو إليه البرهان، ولفظ (الهوى) عامة في القرآن مذموم، فالهوى لا يأتي في القرآن إلا مذموماً. وقال ابن كثير: (واتبعوا أهواءهم) أي: فلا فهم صحيح، ولا قصد صحيح.

стр. 1905

تفسير قوله تعالى: (والذين اهتدوا زادهم هدىً) قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، (والذين اهتدوا) أي: للإيمان (زادهم الله هدىً)، وقيل: (زادهم هدىً) أي: زادهم النبي ﷺ هدىً، وقيل: ما يستمعونه من القرآن هدى أي: يتضاعف يقينهم، ولاشك أن هذا أحد الأدلة على أن الإيمان يزيد وينقص؛ لأن القاعدة: أن ما كان قابلاً للزيادة فإنه يكون قابلاً للنقص، والأدلة على ذلك كثيرة جداً، وهذه من عقائد أهل السنة والجماعة التي فارقهم فيها أهل الأهواء والبدع كالمرجئة، فقد ذهبوا إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولا يتفاضل أهله فيه، وهذا غير صحيح؛ فكلما تعلم الإنسان أكثر وزاد من الأعمال الصالحة ازداد عنده الإيمان، فكثير من الناس يسألون وهم متحيرون، فيقول أحدهم: إنه يشعر بضعف إيمانه، ويشعر بضعف يقينه، ويشعر بتراجع في قوة إيمانه، والأمر في ذلك واضح، فكما ازددتَ من الأعمال الصالحة ازداد وارتفع الإيمان في قلبك، وكلما أكثرت من ذكر الله، ومن قراءة القرآن، وتجنبت المعوقات كإطلاق البصر، ومقارنة جلساء السوء، والتعرض لمواقع الفتن، ووفرت الشروط، ونفيتَ الموانع شعرت في نفسك بقوة الإيمان وزيادته، فهذا الأمر محسوس، فكلما أتيت من شعب الإيمان بما هو أكثر، واجتهدت في ذلك فستشعر أن مرض القلب سوف يشفى بإذن الله ﵎. (والذين اهتدوا زادهم هدى) قال الفراء: زادهم إعراضُ المنافقين واستهزاؤهم هدىً، وقيل: زادهم نزول الناسخ هدى، وفي الهدى الذي زادهم الله أربعة أقاويل: قال الربيع بن أنس: زادهم علماً، وقال الضحاك: (أنهم علموا ما سمعوا، ثم عملوا بما علموا، أي: أنهم أعقبوا العلم الذي سمعوه بالعمل، وفي العمل بعد العلم زيادة هدى، وقد أعطى القرآن الكريم هذه المسألة اهتماماً عظيماً، فتردد في مواضع من القرآن الكريم أهمية ربط العلم بالعمل، كما في قوله ﵎: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]، وكما في قوله ﵎: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود:٨٨]، وفي قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]، وفي قوله : ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف:٦٨]، أي: أنه كان يعمل بما علم، وجاء في تفسير قوله ﵎: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام:٩١]، أي: علمتم فلم تعملوا، فما ذلكم بعلم، فقد أثبت ونفى، فالمراد: علمتم شيئاً لم تعملوا به، فكأنكم لم تعلموه؛ لأنكم اشتركتم مع من يجهل هذا الأمر في عدم العمل، وقيل في قوله ﵎: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة:٢٧]: إنهم قطعوا كل ما أمر الله به أن يوصل، فمما أمر الله به أن يوصل: أن يوصل العلم بالعمل، فالتفريط في ما أمر الله به أن يوصل يدخل فيه: أن يتخلف العلم عن العمل، ويدخل فيما أمر الله به أن يوصل: وصل الإيمان بالأنبياء السابقين وبالنبي الذي أرسل إليه، ويدخل فيها أيضاً صلة الرحم، وغير ذلك مما أمر الله به أن يوصل. إذاً: (والذين اهتدوا زادهم هدىً) قيل: علماً، وقيل: العمل بهذا العلم بعد أن سمعوه، وقيل: زادهم بصيرة في دينهم وتصديقاً لنبيهم ﷺ ، وقيل: شرح صدورهم بما هم عليه من الإيمان، (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم) أي: ألهمهم إياها. وقيل: فيه خمسة أوجه: الأول: (وآتاهم تقواهم) أي: آتاهم الخشية. والثاني: (وآتاهم تقواهم) أي: أتاهم ثواب تقواهم في الآخرة. والثالث: (وآتاهم تقواهم) أي: وفقهم للعمل الذي فرض عليهم. الرابع: (وآتاهم تقواهم) أي: بين لهم ما ينبغي عليهم أن يتقوه ويتجنبوه مما نهى الله عنه. الخامس: (وآتاهم تقواهم) قيل: هو ترك المنسوخ بالناسخ. وقال الماوردي: ويحتمل أنه ترك الرخص والأخذ بالعزائم، وقرئ: (وأعطاهم تقواهم)، بدلاً من (وآتاهم). قال عكرمة: هذه نزلت فيمن آمن من أهل الكتاب، (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم).

стр. 1906

تفسير قوله تعالى: (فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة) قال الله ﵎: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ [محمد:١٨]، هذا كقوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى * أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم:٥٦ - ٥٧] و (الآزفة) اسم من أسماء يوم القيامة، وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، وقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١]، وقال : ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]. إذاً: فالمقصود من قوله ﵎: (فقد جاء أشراطها) بعثة محمد ﷺ وهذه -كما ذكرنا في أول تفسيرها- أنها مدنية، فبعثة النبي محمد ﵊، ونزول الوحي عليه أحد أشراط الساعة الكبرى، فمنذ ذلك الوقت وإلى أن يشاء الله والأشراط والآيات تتوالى،: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١]، ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]، فكثير من الناس ينتظرون بهذا الكلام قرب قيام الساعة، وقد حصل أكثر من مرة بعض الحوادث، وكلما حصلت حادثة حاول الناس أن يلصقوها بقرب وشيك لقيام الساعة، فهناك أحداث مرتبة لها ترتيب زمني معين، فلا تأتي الساعة إلا بعد أن تحصل هذه الأشياء وخاصة العلامات الكبرى، وبعض الناس يستعجلون في تفسير بعض الحوادث فيحصل نوع من الكلام بالهوى وبدون علم، فلما وقعت حرب الخليج مثلاً يقول بعضهم: هذه هي الملحمة المذكورة، فكيف تكون ملحمة ولم يحصل قبلها شيء؟! ويقولون: نحن الآن أصبحنا في القرن الخامس عشر، وقد مرت سنوات من عهد النبي ﷺ ، فهذا وقت اقتراب الساعة! وقد كان الصحابة مع النبي ﷺ يوماً والشمس في الأفق على عشش المدينة، ولم يبق إلا الشيء اليسير في الأفق، فقال ﵊ ما معناه: (إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه)، فانظر هذه الدقائق المعدودات قبل غروب الشمس، فالنسبة فيه ما بقي من الدنيا إلى ما مضى منها كالنسبة بين هذه الدقائق في آخر اليوم إلى ما مضى من هذا اليوم القريب. يقول ﷺ : (إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا، فأعطوا قيراطاً قيراطاً ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به إلى صلاة العصر ثم عجزوا، فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتابين: أي ربنا! أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطيتنا قيراطاً قيراطاً ونحن كنا أكثر عملاً؟! فقال الله : هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء) رواه البخاري. إذاً: فاقتراب الساعة أمر نسبي، والإنسان لا ينشغل كثيراً بموضوع اقتراب الساعة كما حصل من قبل؛ ومن طبيعة الإنسان أنه دائماً شغوف لمحاولة استطلاع المجهول، فهذه فطرة الإنسان، وقد أشبع الإسلام هذه الفطرة والغريزة في الإنسان، ومن حكمة الله أنه أوحى إلى نبيه كثيراً جداً من أخبار الغيب، فهم يسمونه المغيب، ونحن نسميه الغيب، وأشبعت هذه الغريزة عن طريق الأخبار التي أتت في القرآن والسنة تخبرنا عن كثير جداً من المغيبات، سواء فيما مضى من أحداث هذا الكون والخلق، أو فيما سيأتي في أواخر الزمان، فيحصل بعد ذلك ما يحصل من تفاصيل يوم القيامة مما يكون في الجنة، ومما يكون في النار، وصفة أحوال أهلها إلى غير ذلك، فقد استجاب القرآن الكريم لهذه الفطرة في الإنسان -وهي غريزة حب الاستطلاع والتطلع إلى الغيب- وذلك بما أوحى الله إلى نبيه ﷺ ، فبعض الناس يستطيل الوقت فمن ثم يحاولون أن يصدقوا بعض الأخبار الضعيفة. وبعضهم لا يستحي عندما يكتب من أن يقول: أعرف كذا وكذا في الكتب المقدسة!! ويقصد بالكتب المقدسة التوراة والإنجيل! فهل يجوز لمسلم أن يصف كتاب اليهود والنصارى بأنه كتاب مقدس كما يسمونه هم؟! إن كان ولابد فتقول: كتاب مقدس عندهم، وأما عندنا فليس مقدساً، ونحن نؤمن بالإنجيل والتوارة وجميع الكتب التي أوحاها الله، لكنها تلك الكتب التي لم تحرف ولم تبدل ولم تغير، وأما وضع المصداقية لهذه الكتب المحرفة، والتي فيها الكذب على الله وعلى أنبياء الله ، وفيها التحريف، وأنها مصادر علمية معتمدة وموثقة فهذا غير صحيح، فلا يوجد سند على الإطلاق بيننا وبين أهل الكتاب، إن الله تعالى قد آتانا هذا القرآن، فكيف نعرض عنه في غمرة العواطف واستعجال يوم القيامة؟! بأننا لو قلنا: إن فلاناً هو المقصود ففيه شرك؛ لأنك تخبر بالأخبار قبل أن تقع، فعندنا مئات من النبوءات الصادقة الثابتة قطعاً وقد حصل منها كثير وسيحصل ما أخبر به النبي ﷺ بإذن الله تعالى. إذاً: فالانسياق وراء هذه الغريزة -غريزة التطلع لأحداث اليوم الآخر واقتراب قيام الساعة- يتعب النفس، فهذه أمور كونية قدرية سوف تقع لا محالة كما أخبر الله ، وكما أخبر الصادق المصدوق ﷺ ، فأنت مسئول إذا حصلت كما أخبر النبي ﵊ أن تجزم بذلك، وأما قبل حصولها فلا تجزم، لكن يكفيك أن تعرف قطعاً وبلا شك أن ساعتك الخاصة بك قد اقترب، فهناك ساعتان للمرء: الساعة الأولى: وهي ساعة انتهاء عمر الدنيا، ثم يكون القيام من القبور، فالقيامة عبارة عن انتهاء الدنيا، والانتقال إلى الآخرة، فهذا في حق الدنيا، فتنتهي الدنيا بقيام القيامة، فهذا حد فاصل بين الدنيا والآخرة. والساعة الثانية: هي الموت، والموت قريب في كل شخص منا، وهو عبارة عن قيامة وساعة؛ لأنك تنتقل من الدنيا إلى مقدمات الآخرة في الحياة البرزخية، وهناك ينقطع عملك، وتواجه حسابك. إذاً: فلكل إنسان قيامة، وقد قال بعض السلف: من مات فقد قامت قيامته، فعليك أن تنشغل بيوم القيامة الخاصة بك؛ لأنك قطعاً ستسأل عنه، لذا فإنه يجب عليك أن تستعد له، وأما أن نستسلم لما ذكرناه سابقاً كما حصل مراراً أن بعض الناس يعمل سيناريو وحواراً وإخراجاً لهذه القضية، وقضية خروج المهدي فهذا لا ينفع، وقد أشيع أن في مستهل القرن الخامس عشر ستقوم القيامة، فكان الناس خائفين من ذلك، وحاول أصحاب هذه الشائعات أن يخترعوا سيناريو معيناً من أجل أن يصدق أن هذا هو المهدي، وأننا لابد أن ننصره. واسمع إلى هذه الكلمة من بعض الأئمة أظنه سفيان الثوري، فقد سئل عن المهدي فقال: إذا خرج فلا تكن منه في شيء حتى يجتمع الناس عليه. أي: حتى لو أن المهدي الحقيقي خرج فلا تكن منه في شيء، ولا علاقة لك به حتى يجتمع الناس عليه، فإذا اجتمع الناس من علماء وغيرهم عليه، واستقر الأمر أن هذا فعلاً هو المهدي الذي أخبر به الصادق المصدوق ﵊ ففي هذه الحالة يمكنك أن تنضم إليه. فإذا سمعت بأحد يدعي أنه المهدي فتذكر هذه النصيحة من هذا الإمام الجليل: إذا خرج -أي: المهدي- فلا تكن منه في شيء حتى يجتمع الناس عليه، فهذه إشارة عابرة عن آخر صيحة في عالم المؤلفات، فبعد أن ذقنا سنين من مئات الكتب التي اتصلت بالجن والعفاريت، ورأينا هذا التهريج والإسهال التأليفي في موضوع الجن، ونحن الآن في أحدث الصيحات الموجودة وهي موضوع قيام الساعة، ولعلنا عما قريب سنتكلم فيه بشيء من التفصيل. فقوله تعالى: ((فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً)) فيه إشارة إلى قرب قيام الساعة بغتة فجأة، فالساعة قريبة لا شك فيها، قال تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى * أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم:٥٦ - ٥٧] فهي قريبة، لكن اقترابها نسبي، وليس المراد أنها ستقوم الآن، فلا زال هناك كثير من أشراط الساعة الكبرى لم يأت كخروج المهدي، ونزول المسيح ﵇، ثم خروج المسيح الدجال إلى آخر تلك الأمارات العظمى، فليس هناك حرج على الإطلاق أن تقول: لن تقوم الساعة الآن، وقد رأينا كثيراً من الدجالين الذين يخرجون في هذا الزمان، فتسمع بعضهم يقول: يوم القيامة سيكون في يوم السبت القادم، فالإنسان روحه ليست في يده وإنما هي في يد غيره وهو الله ، يأخذها متى شاء، فكل واحد له يوم قيامة وهي ساعة موته. فقد أخبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﵊ بأنه هناك ترتيباً معيناً أوحي إليه، فلن تقوم الساعة حتى يحصل كذا وكذا وكذا من الأمور المرتبة ترتيباً زمنياً. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: فبعثة رسول الله ﷺ من أشراط الساعة -يعني: من علامات الساعة الكبرى- لأنه خاتم الرسل الذي أكمل الله به الدين، وأقام به الحجة على العالمين، وقد أخبر صلوات الله وسلامه عليه بأمارات الساعة وأشراطها، وأبان عن ذلك وأوضحه بما لم يؤته نبي قبله ﵌. وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: بعثة محمد ﷺ من أشراط الساعة، وكذا قال الضحاك، قال القاسمي: وهو كما قال، ولهذا جاء في أسمائه ﷺ أنه نبي التوبة، ونبي الملحمة، والحاشر الذي تحشر الناس على قدميه، والعاقب الذي ليس بعده نبي، والمسيح ﵇ إذا نزل فإنه لم ينزل بشريعة جديدة، وإنما يحكم بالقرآن وبسنة النبي ﵌. وينزل المسيح -كما أخبر النبي ﵊ وقد أقام المسلمون صلاة الفجر، فيخرج المهدي إلى المسيح ليؤمهم في صلاة الفجر، فيأبى المسيح ﵇ ويقول: إن بعضكم لبعض أئمة؛ تكرمة الله لهذه الأمة، فالمسيح ﵇ يتجنب الشبهة؛ لأنه ربما إذ

стр. 1907

تفسير قوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) قال الله ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٩]. قوله: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) ولاشك أن الرسول ﷺ عالم بالله، فما المقصود إذاً من قوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله)؟ قال الماوردي: فيه ثلاثة أوجه: الأول: اعلم أن الله أعلمك أن لا إله إلا الله. الثاني: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) أي: ما علمتَه تبياناً فاعلمه خبراً يقيناً. الثالث: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) يعني: فاذكر أن لا إله إلا الله، فعبر عن الذكر بالعلم؛ لأن الذكر يحدث عن العلم. وجاء عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله تعالى حين بدأ به: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك). فالاستغفار عمل، والأولى علم، فبدأ بالعلم قبل العمل. وقال أيضاً: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد:٢٠] إلى قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١] فدل على أن العلم يكون أولاً، ثم العمل. وقال تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] وقال قبلها: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤] فالحذر عمل، وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١] إلى آخره، ثم أمر بالعمل بعده. وقوله: (واستغفر لذنبك) يحتمل وجهين، أحدهما: استغفر الله أن يقع منك ذنب، الثاني: استغفر الله ليعصمك من الذنوب، وقيل: لما ذكر له حال الكافرين والمؤمنين أمره بالثبات على الإيمان، أي: اثبت على ما أنت عليه من التوحيد والإخلاص، والحذر، مما تحتاج معه إلى الاستغفار. وقيل: الخطاب في قوله: (واستغفر لذنبك) للنبي ﷺ والمراد به أمته، وهذا كثير ما يأتي في القرآن أن يكون الأمر للنبي ﵊ والمراد أمته كقوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق:١] فالأمر هنا للنبي، والمقصود أمته ﵊. وعلى هذا القول: فإن هذه الآيات توجب على المسلم أن يستغفر لجميع المسلمين؛ لقوله: ((وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ))، ولا شك أن تكرار اللام إشارة إلى أن ما يضاف إلى النبي ﵇ من الذنب ليس كما يكون من المؤمنين، وقد كررنا ذلك مراراً، فهي بالنسبة إلى مقامه الشريف تكون كبيرة، وكما قال الجنيد: حسنات الأبرار سيئات المقربين، فبالنسبة لمقامه سميت ذنوباً، مع أنها لا تخرج عن أحد أمرين: إما أنها من باب ترك الأولى، فلذلك أرشد به، وإما أنها اجتهاد اجتهده النبي ﷺ ورأى أن فيه رضا الله، فعمله ابتغاء مرضاة الله، ثم بان له بعد ذلك أنه لا يوافق رضا الله، فعاتبه الله عليه، فهو لم يقصد ولم يتعمد المخالفة، والأمثلة كثيرة نتعرض لها بالتفصيل إن شاء الله تعالى في تفسير سورة الفتح بإذن الله تعالى. جاء عنه ﵊ أنه قال: (من استغفر للمسلمين والمسلمات كتب له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة) أو كما قال ﷺ ، وهذا الحديث ثابت عن النبي ﵊. ففيه الترغيب وفضيلة أن يعم الإنسان في دعائه عامة المؤمنين، فلا يزهد الإنسان في هذا الثواب، وقد يقول قائل: كيف تصل هذه الدعوة إلى كل المؤمنين والمؤمنات؟ فنقول: نعم، فهذا من أكثر الأدعية بركة أن تدعو لنفسك، وتضم معك في الدعاء عامة المؤمنين والمسلمين، (من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كان له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة). فالمؤمنون كثر -ولله الحمد- في كل زمان، فإذا استغفرت لهم نلت حسنة عن كل نفس مؤمنة، فهذا مما لا ينبغي أن يُزهد فيه. قيل: كان ﷺ يضيق صدره من كفر الكفار والمنافقين، فنزلت هذه الآية: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) أي: فاعلم أنه لا كاشف يكشف ما بك إلا الله، فلا تعلق قلبك بأحد سواه. وقيل: أُمر بالاستغفار لتقتدي به الأمة، (فاستغفر لذنبك) حتى تقتدي به الأمة في ذلك، (وللمؤمنين والمؤمنات) أي: ولذنوب المؤمنين والمؤمنات، وهذا أمر بالشفاعة. روى مسلم: عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس المخزومي ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وأكلت من طعامه، فقلت: يا رسول الله! غفر الله لك، فقال لي صاحبي: هل استغفر لك النبي ﷺ ؟ قال: نعم ولك، ثم تلا هذه الآية: ((وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ))، ثم تحولتُ فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه جمعاً، عليه خيلان كأنه الثآليل). فـ عبد الله بن سرجس ﵁ يعرف أدب النبي ﷺ ، وأنه إذا واجهه بهذه العبارة: (يا رسول الله! غفر الله لك) يعلم أنه سيجزيه ويثيبه عليها بأن يقول له: ولك، فيدخل تحت من استغفر له النبي ﵌، (ثم تلا هذه الآية: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات)، يقول عبد الله بن سرجس: (ثم تحولت فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه)، وهذه من علامات نبوة النبي ﷺ ، فقد كان خاتم النبوة بين كتفيه، وكان مكتوب فيه: محمد رسول الله. وقوله: (جمعاً) أي: مثل جمع الكتف، يعني: كما تجمع الأصابع وتضمها هكذا جمعاً، (عليه خيلان كأنه الثآليل)، الخيلان: جمع خال، وهو الشامة في الجسد، والثآليل: جمع ثؤلول: وهي حبيبات تعلو الجسد، وهي التي كانت تكتب جملة: محمد رسول الله بالشامة أو هذه الحبيبات. إن خاتم النبوة هذا أمر ثابت بلا شك، والعجيب أنه موجود حتى الآن إشارة إلى ذلك في كتب اليهود والنصارى، فالذي يدّعونه مقدساً موجود فيه هذا النص في وصف خاتم النبوة بين كتفي النبي ﵌، وتعلمون أن هذا كان أحد العلامات التي استدل بها سلمان الفارسي ﵁ على نبوة محمد ﷺ ، فـ سلمان له رحلة طويلة جداً في البحث عن الحق، وقد استغرقت هذه الرحلة عمراً طويلاً، فظل يتنقل بين علماء النصارى إلى أن قال له آخر واحد منهم: إنه قد حضر زمان هذا النبي، أو: إنه كاد أن يظهر في بلاد العرب في يثرب -وهي المدينة- فظل يتنقل إلى أن وصل إلى المدينة، وعلم بمقدم النبي ﵊ مهاجراً إلى مكة، فلما رأى النبي ﵊ كان هذا الحبر أو العالم النصراني قد قال له: إن من صفته أنه يقبل الهدية -أي: يأكل الهدية- ولا يأكل الصدقة، ومن صفته أن هناك خاتم النبوة بين كتفيه، فذهب سلمان إلى النبي ﵊ وقال له: لقد وجدت أنت وأصحابك في حالة من الضعف والفقر فأتيتك بهذه الصدقة، فأتى بإناء فيه تمر قد جمعه، فأخذه النبي ﵊ ودفعه إلى أصحابه وقال: كلوا، ولم يأكل هو، فقال سلمان: هذه واحدة. ثم أتاه في اليوم الثاني وقال له: رأيتك لم تأكل من التمر الذي أتيتك به بالأمس فهذه هدية، فقربها إلى أصحابه وأكل معهم، فقال سلمان: وهذه الثانية. ثم تحول سلمان رضي الله تعالى عنه إلى خلف النبي عليه الصلاة وجعل ينظر، فتفطن النبي ﵇ أن هذا الرجل يريد أن يرى خاتم النبوة بين كتفيه، فألقى الرداء فرآه، ثم أسلم، إلى آخر هذه القصة الجميلة المليئة بالعبر، وهي قصة إسلام سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه. قال حسان: على كتفيه للنبوة خاتم من الله يلوح ويشهد (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك)، وتعلمون أن من شروط لا إله إلا الله: العلم بمعناها نفياً وإثباتاً، فلابد أن يتعلم الإنسان معنى لا إله إلا الله نفياً وإثباتاً، فإنها تنفي استحقاق غير الله للعبادة، وتثبت استحقاق الله للعبادة وحده لا شريك له، فلابد أن يتعلم الإنسان معنى لا إله إلا الله. قوله: (والله يعلم متقلبكم ومثوابكم) أي: يعلم أعمالكم في تصرفكم وإقامتكم. وقيل: (متقلبكم) أي: في أعمالكم نهاراً، (ومثواكم): في ليلكم نياماً، أي: أنه يعلم كل أحوالكم سواء في تقلبكم في النهار في حاجاتكم أو مثواكم في أثناء الليل حينما تنامون. وقيل: (متقلبكم) في الدنيا، (ومثواكم) في الدنيا والآخرة. وقيل: (متقلبكم) في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات، (ومثواكم) أي: مقامكم في الأرض. وقال ابن كيسان: متقلبكم من ظهر إلى بطن إلى الدنيا، ومثواكم في القبور، والعموم يأتي على هذا كله، فلا يخفى عليه سبحانه شيء من حركات بني آدم وسكناتهم، وكذا جميع خلقه، فهو عالم بجميع ذلك قبل كونه جملة وتفصيلاً في الأولى والأخرى سبحانه لا إله إلا هو.

стр. 1908

تفسير قوله تعالى: (ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة) قال الله ﵎: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ * فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٠ - ٢٣]. قوله تعالى: (ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال) قرأ الجمهور: (فإذا أنزلت) وذكر على بناء الفعلين للمفعول، وقرأ زيد بن علي وابن عمير: (فإذا نزلت)، وذكر على بناء الفعلين للفاعل، ونصب القتال. وهذه السورة محكمة، يعني: هذه الآية آية محكمة، فليس فيها نسخ، قال ابن جرير: وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله بن مسعود: (فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال) معنى قوله: (سورة محكمة) يعني: محدثة النزول، وهذه القراءات تفسر المعنى، وليس المقصود بكونها محدثة أنها مخلوقة، وإنما المراد أنها محدثة من حيث النزول، فالقرآن محدث بالنسبة لنزوله، وأما من حيث هو فهو كلام الله. (طاعة وقول معروف) قال القرطبي: قراءة أبي: (يقولون طاعة). (فهل عسيتم) قال الطبري: أجمعت القراء غير نافع على فتح السين من قوله: (فهل عسيتم)، وكان نافع يكسرها ويقول: (فهل عسِيتم)، قال ابن جرير: والصواب عندنا قراءة ذلك بفتح السين بإجماع الحجة من القراء عليها، وأنه لم يسمع في الكلام -أي: كلام العرب- عسي أخوك يقوم، بكسر السين وفتح الياء، ولو كان صواباً كسرها إذا اتصل بها مكني جاءت بالكسر مع غير المكني، وفي إجماعهم على فتحها مع الاسم الظاهر الدليل الواضح على أنها كذلك مع المكني، وإن التي تلي (عسيتم) مكسورة، وهي حرف جزاء، و (أن) التي مع (تفسدوا) في موضع نصب بعسيتم. (فهل عسيتم إن توليتم)، قرأ الجمهور (إن توليتم) مبنياً للفاعل، وقرأ علي بن أبي طالب: بضم التاء وكسر اللام مبني للمفعول (فهل عسيتم إن توليتم)، وبها قرأ ابن أبي إسحاق وورش عن يعقوب. وقال القرطبي: قراءة علي بن أبي طالب (إن توليتم أن تفسدوا في الأرض) بضم التاء والواو وكسر اللام، وهي قراءة ابن أبي إسحاق، فرواها رويس عن يعقوب: (فهل عسيتم إن تُولِّيتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم)، قال القرطبي: قراءة يعقوب وسلام وعيسى وأبي حاتم: (وتقطعوا أرحامكم)، بفتح التاء وتشديد القاف، من القطع اعتباراً بقوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة:٢٧]. وروى هذه القراءة هارون عن أبي عمرو وقرأ الحسن: (وتقطعوا أرحامكم) مفتوحة الحروف مشددة؛ اعتباراً بقوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنبياء:٩٣]، وأما الباقون فقد قرءوها: (وتُقَطِّعوا) بضم التاء المشددة والطاء، من التقطيع على التفسير، وهو اختيار أبي عبيد. قوله: (فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت) أي: نظراً مثل نظر المغشي عليه، (فأولى لهم) هذا مبتدأ وخبر، وقيل: خبر ((أولى)): (طاعة)، (فأولى لهم طاعة)، وقيل: طاعة صفة لسورة، أي: ذات طاعة. قال في فتح البيان: وفيه بُعد لكثرة الفواصل، وقيل: طاعة مبتدأ، والتقدير: طاعة وقول معروف أمثل من غيره، وقيل: التقدير: أمرنا طاعة. قوله: (إن توليتم) جملة معترضة بين (عسيتم) و (أن تفسدوا)، خبر عسى، و (أولئك) إشارة إلى المفسدين، قال في (فتح البيان) من هنا إلى آخر السورة لا يظهر إلا كونه مدنياً صحيح؛ لأن القتال لم يشرع إلا في المدينة، وكذلك النفاق لم يظهر إلا في المدينة. فيحمل القول فيما تقدم بأنها مكية على أغلبها أو أكثرها، ويحمل القول بأنها مدنية على البعض منها. يقول الله تعالى مخبراً عن المؤمنين الذين صدقوا الله ورسوله في تمنيهم شرعية الجهاد، قالوا: ((لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ))، فهذا شأن المؤمنين، أنهم يتشوقون إلى تشريع الجهاد؛ ليحصلوا ما يترتب عليه من الفوائد، وأعظم ذلك الشهادة في سبيل الله. ((وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ))، أي: أنهم متشوقون إلى نزول سورة تشرع لهم الجهاد والقتال. ((لَوْلا)) أي: هلّا نزلت سورة؛ اشتياقاً للوحي، وحرصاً على الجهاد وثوابه. فلما فرضه الله وأمر به نكل عنه كثير من الناس، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء:٧٧]. وهاهنا يقول : ((وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ)) أي: مشتملة على حكم القتال؛ ولهذا قال هنا: ((فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ))، أي: في معنى الجهاد، (مُحْكَمَةٌ)، أي: غير منسوخة. ((وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ))، قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين؛ لأن النسخ لا يرد عليها من قبل أن القتال نسخ ما كان من الصفح والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة. وهذا الموضوع بالذات يحتاج إلى بعض الإيضاح، وقد سبق أن أخذناه بالتفصيل في محاضرة، وجعلناها موضوعية إلى التيارات الجهادية، فلا نطيل الآن في ذكره. ((فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ))، أي: ذكر فيها الأمر بقتال المشركين. ((رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)) أي: شك، وهم المنافقون، أو ضعْف في الدين، وأصل المرض: الفتور، فمرض القلوب: فتورها عن قبول الحق، والأول أظهر؛ لموافقته سياق النص الكريم، أي: أنهم المنافقون. قوله: ((يَنظُرُونَ إِلَيْكَ)) -أي: يا محمد! ﵊ شزراً وكراهية منهم، وينظرون نظر مغموصين ومغتاظين بتحديث وتحديد، يحدثون بأعينهم، ويحدون النظر من الشزر والكراهية، والغيظ الذي يملأ قلوبهم. وقوله: ((يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ)) أي: من فزعهم ورعبهم وجبنهم من لقاء الأعداء خوفاً من أن تؤذيهم فتأمرهم بالجهاد مع المسلمين، وهم في السر يميلون إلى الكفار، فأنت ستأمرهم إذا نزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال، فهم يخافون أن تأمرهم بالخروج لجهاد الكفار الذين يحبونهم، ويوالونهم في السر، ويظهرون أنهم معك، فيظهر ذلك في عيونهم وفي نظراتهم. ((مِنَ الْمَوْتِ))، أي: من خوف الموت. وقال ابن زيد: هؤلاء المنافقون طبع الله على قلوبهم فلا يفقهون ما قال النبي ﷺ . وشبه نظرهم بنظر المحتضر الذي لا يصرف بصره. ((فَأَوْلَى لَهُمْ))، اتفق المفسرون على أن المراد بقوله تعالى هنا: ((فَأَوْلَى لَهُمْ)) التهديد والوعيد، لكن اختلفوا بعد ذلك في المراد به هنا هل هو تهديد، أو تهديد ووعيد؟ فذهب الأصمعي إلى أنه فعل ماضي، أي: أنه بمعنى قارب، وقيل: قرب، فمعنى: ((فَأَوْلَى لَهُمْ)) أي: قارب هلاكهم. والأكثر أنه اسم تفضيل من الولي، بمعنى: القرب، ((فَأَوْلَى لَهُمْ))، أي: قرب أجلهم. وقال أبو علي: (أَوْلَى لَهُمْ) اسم تفضيل من الويل، أصلها: (أويل لهم)، فحمل وزنه أفلع، وورد بأن الويل غير متصرف، وأن القلب خلاف الأصل، وفيه نظر. وقيل: إنه أولى: فعل من: آل، يأول. وقال الرضي: إنه علم للوعيد، وهو مبتدأ، و (لَهُمْ) خبره، وقد سمع فيه قولان: بتاء التأنيث. وقال القرطبي: قال الجوهري: وقولهم: أولى لك، تهديد ووعيد. أي: اعتاد العرب أن يستعملوا هذه الصيغة: (أولى لك) للتهديد والوعيد، كما قال الشاعر: فأولى ثم أولى ثم أولى وهل للدر يحلب من مردّ وهذا كما في الآية في سورة القيامة: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة:٣٤ - ٣٥]. وقال الأصمعي: معناه: قاربه ما يدركه، أي: نزل به. فأولى ثم أولى ثم أولى، أي: اقترب، أو قاربه ما يدركه، وهو نازل به لا محالة، ولن يُردّ هذا الوعيد المهلِك عنه. فأولى ثم أولى ثم أولى وهل للدر يحلب من مرد أي: هل يمكن للبن بعد حلبه من الضرع أن يرجع مرة ثانية؟! فكذلك الوعيد سوف يأتيك قطعاً ولن يرد عنك، ولن يزول. وقال الأصمعي: (فَأَوْلَى) معناه: قاربه ما يهلكه، أي: نزل به، وأنشد: فعادى بين هاديتين منها وأولى أن يزيد على الثلاث أي: وقارب أن يزيد على الثلاث. وقال ثعلب: ولم يقل أحد في (أولى) أحسن مما قاله الأصمعي. إذاً: فأفضل ما قيل في تفسير (أولى) أنه بمعنى قاربه ما يهلكه. وقال المبرد: يقال لمن

стр. 1909

شرح قوله تعالى: (طاعة وقول معروف) قال الله تعالى: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد:٢١]. قوله: ((طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ)) أي: وكان الأولى بهم أن يسمعوا ويطيعوا في الحالة الراهنة، وأن يستعدوا للقتال؛ لأنهم سوف يباشرونه. قوله: ((فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ)) أي: جد الحال وحضر القتال، ((فَلَوْ صَدَقُوا)) أي: أخلصوا له النية، ﴿َلكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. قال ابن جرير: قوله ((طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ)) هذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيل هؤلاء المنافقين من قبل أن تنزل سورة محكمة ويذكر فيها القتال، وأنهم إذا قيل لهم: إن الله مفترض عليكم الجهاد قالوا: سمعاً وطاعة، فقال الله لهم: ((فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ))، وفرض القتال شق ذلك عليهم وكرهوه، فقال لهم: ((طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ))، قبل وجوب الفرض عليكم، فإذا عزم الأمر كرهتموه وشق عليكم. ((طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ)) أي: نأخذ منكم شيئين فقط قبل أن يفرض عليكم الجهاد بالكلام. ((فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ)) كرهتموه وشق عليكم، ونظرتم إليه: ((نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ))، إذاً: ففي هذه الحالة يوقف على (فَأَوْلَى)، ثم ابدأ من: (لَهُمْ) ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد:٢١]. وقال القاسمي: في قوله: ((طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ)) أوجه: الأول: أنه خبر (أولى) على ما تقدم. الثاني: أنها صفة السورة، أي: ((فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ)) (طَاعَةٌ)، أي: ذات طاعة، أو للطاعة، وفيه بُعد؛ لكثرة الفواصل. الثالث: أنه مبتدأ، و (قول): عطف عليه، والخبر محذوف تقديره: أمثَل بكم من غيرهما، أي: طاعة وقول معروف أمثل بكم وأريح من غيرهما. الرابع: أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي: أمرنا طاعة. الخامس: أن (لَهُمْ) خبر مقدم، و (طَاعَةٌ) مبتدأ مؤخر، والوقف والابتداء يعرفان مما تقدم. ((فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ)): أي: جد الحال، وحضر القتال، قال أبو السعود: أسند العزم وهو الجد إلى الأمر، وهو لأصحابه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]. وعامل الظرف الذي هو جواب الشرط محذوف ((فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ)) ف الجواب خالفوا أو تخلفوا، وقيل: ناقضوا، وقيل: كرهوا، وقيل: جواب الشرط هو: فلو صدقوا الله تعالى فيما قالوه من الكلام المنبه عن الحرص على الجهاد (لكان) أي: الصدق (خيراً لهم)، أي: في عاجل دنياهم، وآجل أخراهم، وذلك بأن عفر لهم المعصية والمخالفة. وقيل: فلو تركوه في الإيمان، ووافقت قلوبهم ألسنتهم في ذلك، وأياً ما كان فالمراد بهم: الذين في قلوبهم مرض، وهم المخاطبون بقوله ﵎: ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ))، أي: أيها المنافقون! الذين في قلوبهم مرض، (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم).

стр. 1910

تفسير سورة محمد [٢٢ - ٢٧]

стр. 1911

تفسير قوله تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقعطوا أرحامكم) قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢]. قوله تعالى: ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ)) أي: إن أعرضتم عن تنزيل الله تعالى، وفارقتم أحكام كتابه، وما جاء به رسول الله ﷺ ، وتوليتم عن الجهاد، ونكلتم عنه. قوله: ((أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ)) أي: أن تعودوا إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء، فتسفكوا الدماء، وتقطعوا الأرحام؛ ولهذا قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾. إذاً: فهذا نهي عن الفساد في الأرض عموماً، وعن قطع الأرحام خصوصاً، بل إن الله قد أمر بالإصلاح في الأرض، وصلة الأرحام، وهو: الإحسان إلى الأقارب في المقال، والفعال، وبذل الأموال. قوله: ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ))، يقال: عسيت أن أفعل كذا، وعسيت أن أفعل كذا بالكسر، والكسر لغتان ذكره الجوهري وهما سبعيتان، أي: قراءتان من القراءات السبع في القرآن. قوله تعالى: ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ)) فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب؛ لتأكيد التوبيخ، وتشديد التقريع، والمعنى: هل يتوقع منكم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم؟! قوله: ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ)) قيل: هو من الولاية، أي: ولاية الأمور أو الحكم بين الناس. قال أبو العالية: المعنى: فهل عسيتم إن توليتم الحكم فجعلتم حكاماً أن نفسدوا في الأرض بأخذ الرّشا؟! وقال الكلبي: فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم؟! وقال ابن جريج: فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام؟! وقال كعب: فهل عسيتم إن توليتم الأمر أن يقتل بعضكم بعضاً؟! وقيل: (إِنْ تَوَلَّيْتُمْ)، هي من التولي والإعراض عن الشيء. قال قتادة: ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ)) عن كتاب الله، ((أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ)) بسفك الدماء الحرام، ((وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ)). وقيل: ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ)) أي: فلعلكم إن أعرضتم عن القرآن، وفارقتم أحكامه أن تفسدوا في الأرض، وتعودوا إلى جاهليتكم. وقال بكر المزني: إنها نزلت في الحرورية الخوارج وفيه بُعد؛ لأن الخوارج لم يكونوا قد ظهروا بعدُ، والأظهر أنه إنما عني بها المنافقون كما سيأتي بيان هذه الجملة من الآيات. وقال ابن حيان: المقصود بها: قريش. وقال المسيب بن شريك والفراء: نزلت في بني أمية وبني هاشم، وبنو أمية وبنو هاشم هما من قريش، أي: كأن فيها إشارة إلى ما وقع من القتل، وتقطيع الأرحام، والفساد في صراع بين العباسيين والأمويين، ودليل هذا التأويل ما روى عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ))، ثم قال: هذا الحي من قريش، أخذ الله عليهم إن ولّوا الناس ألا يفسدوا في الأرض، ولا يقطعوا أرحامهم). هناك قراءة أخرى: (فهل عسيتم إن تُولِّيتم)، فيكون المعنى على هذه القراءة: إن وَليتْكم ولاةٌ جائرة خرجتم معهم في الفتنة وحاربتموهم!! أي: إن حكمكم حكام جائرون ظالمون، خرجتم معهم في الفتنة وحاربتموهم.

стр. 1912

تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين لعنهم الله) قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾. قوله: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ)) أي: طردهم وأبعدهم من رحمته، ((فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)) أي: فأصمهم عن استماع الحق، ((وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ))، أي: قلوبهم عن الخير، أو أعمى أبصارهم عن مشاهدة ما يستدلون به على التوحيد، والبعث، وحقيقة سائر ما دعاهم إليه رسول الله ﷺ ، فأتبع الإخبار بأن من فعل ذلك حقت عليه اللعنة، وسُلب الانتفاع بسمعه وبصره حتى لا ينقاد للحق وإن سمعه، فجعله كالبهيمة التي لا تعقل. قيل: إن الله بعد ما قال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾، قال: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ)) يعني: من فعلوا ذلك، (فَأَصَمَّهُمَْ) أي: عاقبهم، ((وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)). وقال: ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ))، ثم قال: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ))، فرجع من الخطاب إلى الغيبة، فهذا أيضاً التفات على عادة العرب في ذلك، وهذا فيه التفات للإيذان؛ لأن ذكر جناياتهم أوجب إسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية أحوالهم الفظيعة لغيرهم. أي: أنه كان في الأول: ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ)) بتوجيه الخطاب إليهم، ((إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ))، ثم أعرض في الخطاب عنهم؛ لأنهم إذا فعلوا هذين الفعلين فلا يستحقون أن يخاطبهم الله مباشرة، فمن ثم انتقل إلى الغيبة فقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾، فرجع من الخطاب إلى الغيبة على عادة العرب في ذلك للإيذان بأن ذكر جناياتهم أوجب إسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية أحوالهم الفظيعة لغيرهم. قال في آخر الآية: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾، فلم يقل الله : فأصم آذانهم وأعماهم، وإنما قال: ((فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ))، والحكمة في ذلك أنه لا يلزم من ذهاب الأذن ذهاب الاستماع، ويلزم من ذهاب الأعين ذهاب الإبصار، فلو أن إنساناً قطعت أذنه فإنه لا يفقد حاسة السمع تماماً، لكن لا شك أنه سيتأثر؛ لأن الأذن لها فائدة عظيمة، لكن يبقى له السمع؛ فلذلك قال: ((فَأَصَمَّهُمْ))، فلو قال: فقطع آذانهم، أو ذهب بآذانهم لما دل ذلك على انتفاء السمع؛ لأنه لا يلزم من ذهاب الأذن ذهاب السمع، ثم قال: ((وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ))، ولم يقل: (وأعماهم) لأن الأعين يلزم من ذهابها ذهاب الإبصار. وقد جعل الله العينين مقدمتين، وجعل الأذنين في الجانبين، والحكمة في ذلك: أن العينين بمنزلة الكاشف والرائد الذي يتقدم القوم ليكشف لهم، وبمنزلة السراج الذي يضيء للسالك ما أمامه، أما الأذنان فيدركان المعاني الغائبة التي ترد على العقل من أمامه ومن خلفه وعن جانبيه، فكان جعلهما في الجانبين أعدل الأمور، فسبحان من بهرت حكمته العقول! وكذلك جعل للعينين غطاء؛ لأن الأذن تجلب الأصوات، والأصوات عبارة عن طاقة لا بقاء لها، فلو جعل على الأذنين غطاء لذهب الصوت قبل ارتفاع الغطاء. فتزول المنفعة المقصودة، وأما نظرة العين فأمر فائت، فالعين محتاجة إلى غطاء يقيها، وحصول الغطاء لا يؤثر في الرؤية قال بعض أهل العلم: عينا الإنسان هاديان، وأذناه رسولان إلى قلبه، ولسانه ترجمانه، ويداه جناحان، ورجلاه بريدان، والقلب ملك، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث خبثت جنوده. وقد جعل الله بين السمع والبصر والفؤاد علاقة وارتباطاً ونفوذاً يقوم به بعضها مقام بعض؛ ولهذا يقرن بينهما سبحانه كثيراً في كتابه، فقال : ﴿ِإنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ [الأحقاف:٢٦]، وقال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩]، وقال أيضاً: ﴿َفإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، إذاً: فالعبرة ببصيرة القلب لا بالعين الباصرة؛ ولذلك جاء في حديث جابر ﵁ مرفوعاً: (انطلقوا بنا إلى البصير الذي في بني واقف نعوده)، وكان رجلاً أعمى، ونجد العلماء يقولون عند وصف العالم الضرير: الشيخ فلان بن فلان البصير بقلبه، وهذه إشارة إلى أنه لا يرى بعينه، لكنه بصير بقلبه، كيف لا وقد آتاه الله كتابه! فهذا تأدُّبٌ بأدب النبي ﷺ حينما قال: (انطقوا بنا إلى البصير الذي في بني واقف نعوده)، وكان رجلاً أعمى. قال القرطبي في تفسير هذه الآية: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ظاهر الآية أنها خطاب لجميع الكفار، وقال قتادة وغيره: معنى الآية: يخاف عليكم إن أعرضتم عن الإيمان أن تعودوا إلى الفساد في الأرض لسفك الدماء. وقال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله تعالى؟! ألم يسفكوا الدماء الحرام، ويقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن؟ فالرحم على هذا رحم دين الإسلام والإيمان التي قد سماها الله أخوة. فإذاً: إذا كان المقصود بقوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢]: أن تقطعوا رحم الإسلام والإيمان بالقتل الذي يكون بين المسلمين، فالرحم على هذا هو عام وليس الرحم الخاص، فالمقصود به رحم الأخوة الإيمانية التي سماها الله أخوة بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]. وعلى قول الفراء: أن الآية نزلت في بني هاشم وبني أمية فالمراد: من أضمر منهم نفاقاً، فأشار بقطع الرحم إلى ما كان بينهم وبين النبي ﷺ من القرابة؛ لتكذيبهم النبي ﷺ إلى آخره.

стр. 1913

تفسير قوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) قال الله ﵎: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]. وهذه آية جامعة عظيمة، والكلام فيها يطول جداً، وإذا أفردنا الكلام الذي ينبغي أن نقوله حتى نستوفي جزءاً من فوائد هذه الآية الكريمة فسوف يكون الكلام كثيراً جداً، ويكفي أن العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى فسر هذه الآية في مائة وخمسة وخمسين صفحة في كتابه الرائع: (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن)، ففسر فيها هذه الآية العظيمة، واستنبط منها العبر، وربط ما دلت عليه بواقع المسلمين في العلم والعمل. قوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، قرأ الجمهور: ((أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا))، وقرئ: (أم على قلوب إِقفالها) بكسر الهمزة، على أنها مصدر. قال ابن القيم رحمة الله عليه: يريد على قلوب هؤلاء أقفال. ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ))، قد بدت على قلوب أقفالها يعني: على قلوب هؤلاء المذكورين في الآية. وقال مقاتل: يعني: أن هذه الأقفال قد طبعت على القلوب. عن عروة بن الزبير قال: (تلا رسول الله ﷺ يوماً: ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)) فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر ﵁ حتى ولي فاستعان به)، أي: لأنه فقه معنى هذه الآية. وأصل القفل: اليبس والصلابة، يقول القرطبي: فالأقفال هنا إشارة إلى إرتياج القلب وخلوه عن الإيمان، أي: فلا يدخل قلوبهم الإيمان، ولا يخرج منها الكفر؛ لأن الله طبع على قلوبهم، وقال: ((عَلَى قُلُوبٍ))؛ لأنه لو قال: على قلوبهم لم يدخل قلب غيرهم في هذه الجملة، والمراد: أم على قلوب هؤلاء وقلوب من كانوا بهذه الصفة أقفالها؟! وهذا الاستفهام قيل: إنه للإنكار، وقيل أيضاً: ((أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا))، أم: هي المنقطعة، ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ))، بل: ((عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا))، فهم لا يفهمون ولا يعقلون، والمراد قلوب هؤلاء المخاطبين. قوله: ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ))، يقول: أصل التدبر: التفكر في عاقبة الشيء، وما سيئول إليه أمره. وتدبر القرآن لا يكون إلا مع حضور القلب، وجمع الذهن، ويشترط فيه تقليل الغذاء والكلام، وإخلاص النية، والآيات بعمومها تشمل كل من لا يتدبر القرآن ولا يتأثر به، ويدخل فيه من نزلت فيه الآية أولاً، والمقلدة الشاردة عن التدبر في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهؤلاء هم الذين: ((عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)). وإن كان في هذا الحصر نظر. قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: الهمزة في قوله: ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ)) للإنكار، والفاء عاطفة على جملة محذوفة على أصح القولين، والتقدير: أيعرضون عن كتاب الله فلا يتدبرون القرآن؟! وقال ﵀: وما تضمنته هذه الآية الكريمة من التوبيخ والإنكار على من أعرض عن تدبر كتاب الله جاء موضحاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:٦٨]، وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]. وقد ذم جل وعلا المعرض عن هذا القرآن العظيم في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف:٥٧]. وقال الشنقيطي أيضاً: وقد شكا النبي ﷺ إلى ربه من هجر قومه هذا القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]. وكما ذمت النصوص من لا يتدبر القرآن ففي الجانب الآخر مدحت وأثنت على من تدبر القرآن وتعلمه وعمل به، فجعلهم ﷺ خير الناس، فكما أن خير الكلام كلام الله فكذلك خير طلبة العلم من طلب علم القرآن، فالقرآن أفضل وأكمل وأعظم ما يشتغل به، وقد وردت خيرية هذا في حديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، فخير العلماء من علم القرآن، وخير المتعلمين من تعلم القرآن، وقد وصف النبي ﷺ أهل القرآن فقال: (أهل القرآن هم أهل الله وخاصته). وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩]. قال البغوي في تفسيرها: قال ابن عباس: ((كُونُوا رَبَّانِيِّينَ)) أي: كونوا فقهاء معلمين. وقيل: سمى العلماء ربانيين لأنهم يربون العلم، أي: يقومون به، يقال لكل من قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد ربه يربه، فهو رباً له، وقيل: سمو ربانيين لأنهم يربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها، وزيدت الألف والنون للمبالغة في النسب، وقيل: (الربانيون): هم العلماء بالحلال والحرام.

стр. 1914

تفسير قوله تعالى: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى) قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:٢٥]. أما القراءات في هذه الآية الكريمة فقرئ قوله : ((وَأَمْلَى لَهُمْ)). في قراءة أخرى: (وأُملِيَ لهم)، والقراءة الثالثة: (وأُمليْ لهم). فعلى القراءة الأولى: ((وَأَمْلَى لَهُمْ)) إما أن يكون الذي أملى لهم هو الشيطان، وإما أن الله سبحانه تعالى هو الذي أملى لهم. والقراءة الثانية: (الشيطان سول لهم وأُملِيَ لهم) فيها نفس الاحتمالين. والقراءة الثالثة: (الشيطان سول لهم وأُمليْ لهم) أي: أن الله هو الذي يملي لهم. وقال ابن جرير: وأولى هذه القراءات بالصواب التي عليها عامة قراء الحجاز والكوفة من فتح الألف في ذلك؛ لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار. يعني قراءة: ((أَمْلَى لَهُمْ)). قوله: ((إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ)) فجملة المبتدأ والخبر: ((الشَّيْطَانُ سَوَّلَ))، وهذه الجملة في محل نصب خبر إنّ. والظاهر في قوله: ((إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى)) أنهم قوم كفروا بعد إيمانهم. وقال بعض العلماء: هم اليهود الذين كانوا يؤمنون بنبينا محمد ﷺ ، فلما بُعث وتحققوا أنه هو النبي الموصوف في كتبهم كفروا به. إذاً: فقوله: ((إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ)) لو قلنا: إن المقصود بها اليهود لعنهم الله، فإن ارتدادهم على أدبارهم هو كفرهم به ﷺ بعد أن عرفوه وتيقنوه، وهذا هو سبب استعمال كلمة: ((ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ))، أي: رجعوا عما كانوا عليه من التصديق والإيمان بنبي يبعث صفته كذا وكذا، فلما عرفوه وتيقنوه كذبوه، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]. فكلمة: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ) تشير إلى معنى قوله تعالى: ((مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى))، فهم قد عرفوه كما في قوله: ((فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا)) [البقرة:٨٩]. وقوله تعالى: (كَفَرُوا بِهِ) يشير إليه قوله تعالى: ((ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ)). وقال ابن عباس والضحاك والسدي: هم المنافقون قعدوا عن القتال بعد ما علموه في القرآن. قال بعض العلماء: وهذا أولى؛ لأن السياق في المنافقين، وهذا القول في التفسير نصره شيخ المسلمين وإمامهم بلا منافس ولا منازع الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، فقد قال: هم أهل النفاق، وهذه الصفة بصفة أهل النفاق عندنا أشبه منها بصفة أهل الكتاب وذلك أن الله أخبر أن ردتهم كانت لقيلهم للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر، ولو كانت من صفة أهل الكتاب، لكان في وصفهم بتكذيب محمد ﷺ الكفاية من الخبر عنهم أنهم إنما ارتدوا من أجل قيلهم ما قالوا، وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن سبب ارتداد هؤلاء القوم من بعد ما تبين لهم الهدى هو إغواء الشيطان لهم، كما قال تعالى مشيراً إلى علة ذلك: ((الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ)) أي: زين لهم الكفر والارتداد عن الدين. قوله: ((وَأَمْلَى لَهُمْ)) أي: مد لهم في الأمل، ووعدهم طول العمر، وطول الأمل من أعظم أسباب الكفر وارتكاب المعاصي. ويشهد لهذا المعنى أي أن يكون الإملاء من الشيطان قوله ﵎: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء:١٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء:٦٤]. ويشهد: لكون هذا الإملاء والإمهال من الله قوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٤ - ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران:١٧٨]، فالله لا يعجزه الكفار، فهم في قبضته، وتحت سلطانه، لكنه يستدرجهم ويملي لهم، فيزدادون بذلك اغتراراً، ويتمادون في الكفر والصد عن سبيل الله، فلذلك يستحقون المزيد من العقوبة كما قال هنا: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران:١٧٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم:٧٥] وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٥ - ٥٦] أي: إنما هو استدراج، وقد صح في هذا المعنى حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا: ((فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ)) [الأنعام:٤٤]). فهذا استدراج وليست هذه علامة اختيار واصطفاء كما يزعم بعض الناس، فإنهم يقولون: إن الله يحبنا؛ فقد أعطانا كذا وكذا، وهذه المقاييس تدل على على الاغترار بالله، قال تعالى: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٤] فهذا اغترار، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦]، وبعض الناس يتمادى في المعاصي ثم يقول: ربنا كريم، وربنا غفور رحيم، وغير ذلك من التعلق بنصوص الرجاء مع قطعها عن نصوص الوعيد، فتجد المرأة متمادية في التبرج والسفور ثم تقول: هذا بيني وبين ربنا، والمهم القلب، فالقلب أبيض، والقلب صافٍ، فهذا نوع من الاغترار، بل هو استدراج كما يقول هنا النبي ﷺ : (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج)، فهو يتمادى في المعاصي والله يعطيه ويزيده وهذا استدراج له، فليتفطن الإنسان لذلك، (ثم تلا النبي ﷺ قوله تعالى: ((فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ)) [الأنعام:٤٤])، من الرزق والمال والصحة والبركات والخيرات، ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام:٤٤]، أي: فرحوا فرحاً لا يحبه الله، وهذا كما قال فيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦]. قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام:٤٤]، فهذا فيه زيادة حسرة عليهم، أي: إذا أخذوا بغتة وهم في هذا الرغد.

стр. 1915

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر) قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾. قوله: (ذَلِكَ) أي: ما تقدم من التمهيل والإملاء، أو أن المراد ارتدادهم على أعقابهم. قوله: ((بِأَنَّهُمْ قَالُوا)) يعني: هؤلاء المنافقين الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، ((قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ))، قيل: هم المشركون. قوله: ((سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ))، هذا البعض هو عداوة رسول الله ﷺ ، ومخالفة ما جاء به. وفي قول آخر في: ((ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ)) أن القائلين هم اليهود، ((ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا))، أي: اليهود ((قالوا للذين كرهوا ما نزل الله)) وهم المنافقون، وقيل المعنى: إن المنافقين قالوا لليهود: ((سنطيعكم في بعض الأمر)) كالقعود عن الجهاد، والموافقة في الخروج معهم إذا خرجوا، والتظاهر على رسول الله ﷺ ، ويؤيد هذا القول قول الله : ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الحشر:١١]، فقال الشنقيطي: التحقيق الذي لا شك فيه أن هذه الآيات عامة في كل ما يتناوله لفظها، وأن كل ما فيها من الوعيد عام لمن أطاع من كره ما نزل الله، يعني: سواء كانوا من المنافقين أو اليهود أو المشركين، فهي عامة في كل من كره ما أنزل الله . قوله: ﴿والله يَعْلَم إِسْرَارَهُمْ﴾ قرأها نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة عن عاصم: (والله يعلم أسرارهم)، هذه قراءة عامة القراء (والله يعلم أسرارهم) بفتح الهمزة، جمع سر. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (إسرارهم) بكسر الهمزة على أنها مصدر أسر كقوله: ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح:٩] وقد قالوا لهم ذلك سراً، فأفشاه الله العالم بكل ما يسرون وما يعلنون. قال شيخ المفسرين ﵀: والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمفيدة. قال ابن كثير ﵀: والآية الكريمة تدل على أن كل من أطاع من كره ما نزل الله في معاونته له على كراهته ومؤازرته له على ذلك الباطل، أنه كافر بالله، بدليل قوله تعالى فيمن كان كذلك: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٧ - ٢٨].

стр. 1916

الشرك في الحكم كالشرك في العبادة هناك بعض التوضيحات التي تتعلق بهذه الآية الكريمة وهي مستقاة من (أضواء البيان)، قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى مبيناً بعض المسائل منها: أن الشرك في الحكم كالشرك في العبادة، قال الله في حكمه: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦] وهذا على أساس أن (لا) هنا نافية، أي: أن الله لا يشرك في حكمه أحد، تأمل استعمال الإشراك في الحكم، ذلك لعلم الله أن هناك شركاً في الحكم كالشرك في العبادة. وفي قراءة ابن عامر من السبعة: (ولا تشرك في حكمه أحداً) يعني: لا تشرك يا نبي الله في حكمه أحداً، أو لا تشرك أيها المخاطب! في حكم الله أحداً. وقال سبحانه في عبادته: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، فالأمران سواء، وكلاهما شرك بالله العظيم، فالحلال حلال الله، والحرام حرام الله، والدين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه كفر بواح لا نزاع فيه. أي: إذا حكم إنسان بغير ما أنزل الله معتقداً أن شرع المخلوق مثل شرع الله فهو كافر، أو أن شرع المخلوق أفضل من شرع الله فهو -من باب أولى- كافر مشرك، وكل من أطاع غير الله في تشريع مخالف لما شرعه الله فقد أشرك به مع الله كما يدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام:١٣٧]، أي: لما أطاعوهم في قتل الألاد. وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، فسمى هؤلاء الذين يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله شركاء. وذكر تعالى أن الشيطان يقول للذين كانوا يشركون به في الدنيا: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢]. إذاً: فهذه هي المسألة الأولى، وهي: أن الشرك في الحكم كالشرك في العبادة.

стр. 1917

ورود الأدلة على أنه لا حكم إلا لله المسألة الثانية: الأدلة على أنه لا حكم إلا لله : يقول الله : ﴿إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، وقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يوسف:٦٧]، وقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام:٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، وقال: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]، وقال : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨] وقال أيضاً: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، وقال : ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢]، وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام:١١٤]. قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، أنه لا يشك في كفرهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم.

стр. 1918

بيان صفات من يستحق أن يكون الحكم له وحده المسألة الثالثة: بيان صفات من يستحق أن يكون الحكم له وحده، فنقول: إنه لا حكم إلا لله، وهذا ناشئ عن صفات اختص الله بها توجب توحيده في الحكم، كما توجب توحيده في العبادة، فعلى كل عاقل أن يتأمل صفات من يستحق أن يكون له الحكم وحده، ويقارنها ويقابلها مع صفات البشر المشرعين للقوانين الوضعية، فينظر هل تنطبق عليهم صفات من له التشريع؟! سبحان الله وتعالى عن ذلك، فإن كانت تنطبق عليهم -ولن تكون- فحينئذ فليتبع تشريعهم، وإن ظهر يقيناً أنهم أحقر وأخس وأذل وأصغر من ذلك فليقف بهم عند حدهم، ولا يجاوزه بهم إلى مقام الربوبية. يقول تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى:١٠ - ١٢]. فلنتأمل هذه الصفات، فمن اتصف بها فإنه يستحق أن يكون الحكم له وحده، فمن هو المتصف بهذه الصفات من هؤلاء الذين يشرعون من دون الله، ويحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله ويضادون الله في خلقه، أين هم من هذه الصفات، هل هم أربابنا الذين خلقونا ورزقونا؟ هل يستحقون أن نتوكل عليهم، وأن ننيب إليهم؟ هل منهم أحد يتصف بأنه فاطر السماوات والأرض؟ أو أنه هو الذي جعل لنا من أنفسنا أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً؟ هل واحد منهم ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير؟ هل فيهم من يدعي أنه له مقاليد السماوات والأرض، وأنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وأنه بكل شيء عليم؟ كذلك قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]. هل فيهم أحد ينطبق عليه أنه لا إله إلا هو، وأن كل شيء هالك إلا وجهه، وأن له الحكم وإليه نرجع؟ كل هذا لا ينطبق إلا على الله . كذلك قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢]. هل فيهم أحد يستحق أن يوصف بأنه هو العلي الكبير؟! وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٧٠]. ثم ذكر أيضاً من صفاته التي يستحق بها أن يكون له الحكم وحده والعبادة له وحده: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:٧١ - ٧٣]، وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام:٥٧]. كل هذه الصفات الجليلة لا يوصف بها أي من الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية، ولا يدعيها أي منهم، فهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً.

стр. 1919

الكفر بالشيطان شرط في صحة الإيمان ومن هذه المسائل أيضاً: أن الشيطان إله باطني يُعبد من دون الله ، وأن طاعة الشيطان شرك بالله العظيم، وأن الكفر به شرط في صحة الإيمان، ولما كان التشريع وجميع الأحكام -شرعية كانت أو كونية قدرية- من خصائص الربوبية كما بينا كان كل من اتبع تشريعاً غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرِّع رباً، وأشركه مع الله. ومما يدل على ذلك: المناظرة التي جرت بين حزب الرحمن حزب الشيطان، فقد أوحى الشيطان إلى أوليائه المشركين فقال لهم: سلوا محمداً ﷺ عن الشاة تصبح ميتة من الذي قتلها؟ فأجابهم بأن الله هو الذي قتلها، إذاً ذبيحة الله، فكيف تقولون: إن ما ذبحه الله حرام مع أنكم تقولون: إن ما ذبحتموه بأيديكم حلال؟! فأنتم إذاً أحسن من الله وأحل ذبيحة!! فأنزل الله -بإجماع من يعتد به من أهل العلم- قوله تعالى: ((وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ)) يعني: الميتة، حتى لو زعم الكفار أن الله ذكاها بيده الكريمة بسكين من ذهب في زعمهم. والضمير في قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:١٢١] عائد إلى الأكل المفهوم من قوله تعالى: ((وَلا تَأْكُلُو))، فإنه -أي: الأكل منها- (لَفِسْقٌ)، أي: خروج عن طاعة الله، واتباع لتشريع الشيطان. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]، فصارت هذه فتوى سماوية لمن خالف الله جل وعلا واتبع تشريع الشيطان بأنه مشرك بالله. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:١٠٠]، يعني: فيما يأمر به من الكفر والمعاصي. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠] * ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦١]. وقال تعالى على لسان إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٤]. وقال تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء:١١٧]، يدعون هنا بمعنى: يعبدون. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١] أي: أنهم كانوا يتبعون الشياطين ويطيعونهم فيما يشرعون ويزينون لهم من الكفر والمعاصي، على أصح التفسيرَيْن. وأوضح النبي ﷺ هذا المعنى لما سأله عدي بن حاتم ﵁ عن قوله تعالى: ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ)) [التوبة:٣١] كيف اتخذوهم أرباباً؟ فأجابه ﷺ : بأنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله، وبذلك الاتباع اتخذوهم أرباباً. ومن أصرح الأدلة في هذا أن الكفار إذا أحلوا شيئاً يعلمون أن الله حرمه، أو حرموا شيئاً يعلمون أن الله أحله، فإنهم بذلك يزدادون كفراً جديداً مع كفرهم الأول، قال تعالى: ((ِإنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا)) إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٣٧]، فهذا يدل على الكفر في الأصل، ثم ما يأتون به من النسيء، وهو تحليل المحرم وتحريم صفر مكانه، فهذا مضاد لشريعة الله، وهو زيادة كفر على كفرهم الأول. ثم بين الله أن الكفر بالطاغوت شرط في صحة الإيمان، فلا يصح الإيمان بالله إلا بالكفر بالطاغوت. فلا يصح الإيمان بالله إلا بالكفر بالطاغوت، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فلا يقل أحد: أنا أعبد ربنا، ثم تراه يشرك مع الله غيره، ويظن أن عبادته تلك تصح! لا، فإن معنى (يعبدوني) أي: وحدي، وهكذا كل فعل أمر في القرآن، فقوله: (اعبدوا الله) معناها الدائم: اعبدوا الله وحده، ولذلك نقول دائماً في كلمة التوحيد: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. إذاً: فلا بد من الاثنين معاً، فتجريد التوحيد لله لا يتحقق إلا بالكفر بالطاغوت، والإيمان بالله وحده؛ ولذلك قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]، والعروة الوثقى هي: لا إله إلا الله، وهذه أحد أسماء كلمة التوحيد، ومعناها: لا إله حق إلا الله. فيفهم من هذه الآية الكريمة أن من لم يكفر بالطاغوت فإنه لم يتمسك بالعروة الوثقى، ومن لم يتمسك بها فهو هالك مع الهالكين. ومعنى لا إله إلا الله أُشير إليه في كثير من المواضع في القرآن، كما في سورة الزخرف قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٨]. فعبر هنا عن كلمة التوحيد بالمعنى، ولذلك قال: ((وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ)) يعني: كلمة لا إله إلا الله. فقوله: ((إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ)) هذا معنى: لا إله وهو كفر بالطاغوت. وقوله: ((إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي)) هو بمعنى: إلا الله، وهو الإثبات. وقال : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠] إلى قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، فبيَّن الله حال الذين يكرهون ما أنزل الله، وبين أيضاً واجب المسلمين نحوهم في قوله : ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى:١٣] أي: شق عليهم وعظم على أنفسهم. وهذا التكبر والاستكبار والاستنكاف عن الانقياد لشرع الله نجده أوضح ما يكون في هذا الزمان، وفي العالم الجديد، وهو عند أولئك وهم الملاحدة الذين إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم، وأما إذا ذكرت لهم القوانين الدولية، وحقوق الإنسان، والقوانين الوضعية، فإنهم يستبشرون بذلك وتتهلل أساريرهم، فينطبق هذا الوصف تماماً على الملاحدة العلمانيين الزنادقة في هذا الوقت، فإنهم يكرهون ما أنزل الله، ويزهدون في أن يحرفوا الناس عن شرع الله، ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى:١٣]. وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس:٧١]. وقال تعالى على لسان نوح ﵇: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح:٧]، فهذا يدل على شدة بغضهم لما يدعوهم إليه نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [الحج:٧٢]، وفي يوم من الأيام هاجمت أمينة سعيد العلماء الذين يطالبون بالعودة إلى شرع الله فقالت: كيف نخضع لفقهاء أربعة، ولدوا في عصر الظلام ولدينا الميثاق؟! ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨]، فهذا حالهم، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]، ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:٦]. ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية:٧ - ٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت:٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُ

стр. 1920

تفسير قوله تعالى: (فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم) قال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ هذه الفاء لترتيب مع بعدها على ما قبلها، و (كيف) في محل رفع خبر مقدم، والتقدير: فكيف علمه بأسرارهم إذا توفتهم الملائكة؟! أو هي في محل نصب لفعل محذوف، والتقدير: فكيف يصنعون إذا توفتهم الملائكة؟! أو أن (كيف) خبر لكان مقدرة، أي: فكيف يكونون إذا توفتهم الملائكة؟! والظرف معلوم للمقدر إذا. وأما جملة (يضربون) فهي في محل نصب حال. وأما القراءات في هذه الآية: فقرأ الجمهور: ((فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ))، وقرأ الأعمش: (فكيف إذا توفاهم الملائكة). قوله: ((يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ)) أي: يضربون وجوههم التي ولوها عن الله إلى أعداء الله؛ لأنهم كانوا يوالون أعداء الله، وكانوا يقولون: ((لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ)). ولوا وجوههم إلى أعداء الله وصرفوها عن الله، فلذلك تأتي الملائكة عند خروج أرواحهم يضربون وجوههم وأدبارهم التي ولوها عن الأعداء إلى الله، وفي الكلام تخويف وتهديد، والمعنى: أنه إذا تأخر عنهم العذاب فسيكون حالهم هذا، وهو تصوير لتوفيهم على أقبح حال وأشنعه. وقيل: لا يتوفى أحد على معصية إلا وتضرب الملائكة في وجهه ودبره، وقيل: ذلك عند القتال؛ نصرة من الملائكة لرسول الله ﷺ ، فيضربون وجوههم عند الطلب، وأدبارهم عند الهرب، فإذا كانت الملائكة تطاردهم وجهاً لوجه فيضربون وجوههم، أما إذا أدركتهم الملائكة وهم يفرون فإنهم يضربون أدبارهم عند الهرب. وقيل: ذلك يوم القيامة عند سوقهم إلى النار، والأول أولى، أي: أنه إذا تأخر عنهم العذاب فعما قريب سيأتيهم الأجل شاءوا أم أبوا، ويشهد لهذا -يعني: يشهد لهذا القول أنه عند الاحتضار- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال:٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ﴾ [الأنعام:٩٣] ((بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ)) أي: بالضرب، ﴿أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣]. ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ)) أي: ذلك التوفي المذكور على الصفة المذكورة، ((بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ)) من الكفر والمعاصي، وقيل: كتمانهم ما في التوراة من نعت نبينا ﷺ ، والأول أولى؛ لما في الصيغة من العموم، ((ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ))، وهذه صيغة عموم تعم كل ما يسخط الله، ولا تقتصر على التكذيب بنبينا محمد ﷺ . قوله: ((بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ)) أي: كرهوا ما يرضاه من الإيمان والتوحيد والطاعة، والإسخاط: هو استجلاب السخط، وهو الغضب هنا، ((وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ))؛ لأن من أطاع من كره ما أنزل الله فقد كره رضوان الله؛ لأن رضوان الله تعالى ليس إلا في العمل بما نزل، فاستلزم كراهة ما نزل كراهة رضوانه؛ لأن رضوانه فيما نزل، ومن أطاع كارهه فهو ككارهه، ((فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ)) أي: أبطلها، والمراد أعمالهم التي صورتها صورة الطاعة، وإلا فلا عمل للكافر، أو أحبط ما عملوه قبل الردة من أعمال الخير.

стр. 1921

تفسير سورة محمد [٢٨]

стр. 1922

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨]. قوله: (فأحبط أعمالهم) أي: أبطلها، والمراد أعمالهم التي صورتها صورة الطاعة. فنلاحظ هنا في الآية الكريمة أن الله أثبت أن للكافرين أعمالاً، وهذه الأعمال في الظاهر هي أعمال صالحة، وقد تكون أعمالاً صالحة عملها قبل الردة، فإنه يحبطها. وهنا نقف وقفة مهمة جداً تتعلق بعمل الكافر.

стр. 1923

شروط العمل الصالح المقبول لقد دل القرآن العظيم على أن العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة شروط: الشرط الأول: موافقته لما جاء به النبي ﵌، كقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. وقال ﵊: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود عليه ولا يقبل. الشرط الثاني: أن يكون خالصاً لله ، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾ [البينة:٥]، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤]، وقال ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات). الشرط الثالث: أن يكون مبنياً على أساس العقيدة الصحيحة، وهو المتابعة والاقتداء بالنبي ﵇، لابد أن يكون موافقاً للسنة. أما الشرط الثالث فهو: أن يكون مبنياً على أساس العقيدة الصحيحة؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] إلى آخر الآية، فلا ينال هذا الثواب إلا إذا توفرت صفة الإيمان: ((وَهُوَ مُؤْمِنٌ)) فقيد ذلك بالإيمان، فمفهوم المخالفة أنه لو كان غير مؤمن لما قبل منه ذلك العمل الصالح.

стр. 1924

الآيات الواردة في بيان أن عمل الكافر يحبط في الآخرة ويجازى به في الدنيا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء:١٢٤]. وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر:٤٠]، ومفهوم هذه الآيات أن غير المؤمنين إذا أطاع الله بالإخلاص فإن ذلك لا ينفعه؛ لفقد شرط القبول وهو الإيمان بالله جل وعلا، فينبغي الالتفات إلى هذا الأمر، وذلك أن اتصاف الإيمان يكون سبباً في حدوث عمل الآخرة، ولذلك شاع عند العلماء عبارة تلخص هذا القضية وهي قولهم: سيئة الموحد خير من حسنة المشرك، فالشخص الموحد يشهد أن لا إله إلا الله ويؤدي لوازم ذلك، فمع التوحيد يعمل السيئة، فهذه المعصية أفضل من الحسنة التي يعملها المشرك، فإذا قصر الموحد في شيء معين أو ارتكب سيئة معينة، فهذه السيئة بالنسبة لحسنة المشرك هي أفضل منها، مع أن هذه سيئة وهذه حسنة، لكن هذه صادرة من موحد، فإنه غاية ما في الأمر أنها تنقص إيمانه، أو أنه يعذب من أجلها إن لم يعف الله عنها، أو تكفرها أعمال صالحة أخرى، وأما حسنة المشرك فلا تنفعه مع الشرك؛ لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة، والكلام عن هذه المسألة نسبي، فلا نقول: إن السيئة أمر طيب، ولا نقول: يا أيها الموحدون! تمادوا في السيئات، لا، لكننا نذكر موازنة الأعمال السيئة، فمع كونها قبيحة من الموحد لكنها أفضل من حسنة المشرك. وقد أوضح الله هذا المفهوم في آيات أخر، فقال في هذه الآيات التي ذكرناها: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء:١٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء:١٢٤] فالاستدلال هنا على حرية الناس استدلال بالمفهوم على أن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة، ومثل قوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ﴾ [غافر:٤٠] إلى آخره، فالاستدلال هنا بالمفهوم لا المنطوق، فالمفهوم: أن غير المؤمن إذا أطاع الله بإخلاص لا ينفعه ذلك؛ لأنه فقد شرط القبول وهو الإيمان، وهذا المفهوم وضحته آيات أخرى، بل صرحت به بدلالة المنطوق آيات أخرى منها: قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] فهذا منطوق، وهو أقوى بلا شك. وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ [إبراهيم:١٨]. وقوله تعالى في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩]، وكذلك قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٦]. وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأحزاب:١٩]. وقد بين الله في مواضع أخر أن عمل الكافر الذي يتقرب به إلى الله يجازى به في الدنيا، ولا حظ له منه في الآخرة. إذاً: فعمل الكافر في الآخرة يحبط ويبطل، أما في الدنيا فإنه ينفعه إذا شاء الله ذلك، كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]. وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠].

стр. 1925

الأحاديث الواردة في بيان أن عمل الكافر يحبط في الآخرة وأنه يجازى به في الدنيا ثبت عن النبي ﷺ نحو ما جاءت به هذه الآيات من انتفاع الكافر بعمله في الدنيا، جاء في حديث أنس ﵁ عند مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها)، فالله لا يظلم العباد شيئاً، فالمؤمن تنفعه الحسنة في الدنيا وفي الآخرة: (إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته) يعني: أن الأعمال الحسنة والصالحة التي عملها الكافر ابتغاء وجه الله في الدنيا كبر الوالدين، وإغاثة الملهوف، وصدق الحديث، والوفاء بالمواعيد وغير ذلك، فقد توجد في الكافر بعض الأعمال الصالحة وهو يعملها لله، لكنه غير مؤمن، ولم يشهد بشهادتي التوحيد، فهذا يطعم بحسناته التي عملها لله في الدنيا، فيثاب بسعة الرزق، أو بالصحة، أو بالمال، أو بالجميل، بالجاه وهكذا؛ فالدنيا هي جنة الكافر، كما قال ﵊: (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر)، فهذه الحياة الدنيا هي المكان الوحيد الذي يمكن أن يثاب فيها على أعماله، وأما الآخرة فلا يمكن لغير مؤمن وغير الموحد أن ينفعه أي عمل فيها. ويقول ﵊: (إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها). وفي مسلم أيضاً عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه حدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الكافر إذا عمل حسنة أُطعم بها طُعمة من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقاً في الدنيا على طاعته). وهذا الذي أشرنا إليه من دلالة القرآن والسنة على أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في الدنيا كبر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الضيف والجار، والتنفيس عن المكروب ونحو ذلك كله مقيد بمشيئة الله تعالى، كما نص على ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨]، فهذه الآية تقيد ما ورد من الآيات المطلقة، فهي مقيدة بأن يشاء الله ذلك، وقد تقرر في الأصول أن المقيد يقضي على المطلق لاسيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده! لا يسمع بي رجل من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني، ثم لم يؤمن بي إلا كان من أهل النار)، فهذا صريح في أن من سمع بالنبي ﷺ وما أرسل به، وبلغه ذلك على الوجه الذي أنزله الله عليه ثم لم يؤمن به ﵊ أن مصيره إلى النار، ولا فرق في ذلك بين يهودي أو نصراني أو مجوسي أو لا ديني. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان أسلفها)، فهذه نصوص أخرى تضيف قيداً جديداً وهو: أن أعمال الكافر في حياته تظل موقوفة، أي: ينتظر به، فإذا أسلم أثيب على أعماله الصالحة التي عملها حال كفره، فتنفعه إذا أسلم، وإذا لم يسلم أخذ بالأول والآخر كما ستبين هذه الأحاديث. قال ﷺ : (إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان أزلفها -يعني: حتى قبل إسلامه-، ومحيت عنه كل سيئة كان أزلفها، ثم كان بعد ذلك الكتاب: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها)، فهذه حال الكافر إذا أسلم، فأول ما يسلم فإنه يمحى عنه ما أمضى من السيئات، كما قال ﵊: (الإسلام يجب ما قبله) أي: يقطع ما كان قبله ويمحوه. إذاً: فهذا الحديث يدل على أن حسنات الكافر موقوفة، فإن أسلم قبلت وإلا ردت، وعلى هذا فقوله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور:٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، وقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأحزاب:١٩]، ونحوها من الآيات يجب أن تحمل على من مات على الكفر، ولا دليل على خلاف ذلك، وفضل الله أوسع من هذا وأكثر، فلا استبعاد له. ﵊: (الإيمان يجب ما قبله) هل المراد به السيئات فقط، وأما الحسنات فدلت هذه الأحاديث على أن الإيمان لا يحبط الحسنات السابقة. ويترتب على هذا مسألة فقهية، وهي: إذا حج المسلم ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام فهل يحبط حجه أم لا يحبط؟ اختلف الفقهاء في هذا، لكن الكلام الذي ذكرناه يرجح أنه لا يحبط، ولا يجب عليه إعادته، وهو مذهب الإمام الشافعي وأحد قولي الليث بن سعد، واختاره ابن حزم وانتصر له بكلام جيد نفيس. وعن حكيم بن حزام ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله! أرأيت أموراً كنت أتحنث بها في الجاهلية -أتعبد بها في الجاهلية- من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم أفيها أجر؟ فقال رسول الله ﷺ : أسلمت على ما أسلفت من خير)، رواه الشيخان وغيرهما، فهذا يدل على أن الإسلام يجب السيئات فقط، وأما الحسنات فتبقى ويثاب عليها رحمة من الله . وعن عائشة ﵂ قالت: (قلت: يا رسول الله! ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ فقال: لا يا عائشة! إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)، رواه مسلم. قوله: (إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) يعني: أنه لم يكن موحداً، بل كان مشركاً. إذاً: هذا الحديث يدل دلالة ظاهرة على أن الكافر إذا أسلم نفعه عمله الصالح في الجاهلية، بخلاف ما إذا مات على كفره فإنه لا ينفعه، بل يحبط بكفره، وفيه دليل على أن أهل الجاهلية الذين ماتوا قبل البعثة المحمدية ليسوا من أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة الرسول ﷺ ، إذ لو كانوا كذلك لم يستحق ابن جدعان العذاب، ولما حبط عمله الصالح. وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: (كنت تحت راحلة رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فقال قولاً حسناً، فقال فيما قال: من أسلم من أهل الكتاب فله أجره مرتين، وله مثل الذي لنا، وعليه مثل الذي علينا، ومن أسلم من المشركين فله أجره، وله مثل الذي لنا، وعليه مثل الذي علينا)، رواه الروياني، وسنده حسن. وهذا فيه إبطال لحديث شائع على ألسنة الخطباء والوعاظ، وكثير من الناس، وهو: أنهم يزعمون أن النبي ﷺ قال في أهل الذمة: (لهم ما لنا، وعليهم ما علينا). وهذا الكلام لا أصل له عن النبي ﵌، والصحيح هو هذا الحديث في أنه إنما قال ذلك فيمن أسلم من أهل الكتاب والمشركين.

стр. 1926

شبهة مدح اليهود والنصارى بما عندهم من صفات حميدة وهنا شبهة قد يذكرها بعض الناس، فيقول مثلاً: على المؤمنين من المسلمين والنصارى واليهود أن يجتمعوا ويتكتلوا؛ لمواجهة الملحدين مثلاً، وهذا يشيع للأسف الشديد على ألسنة عمائم كبيرة جداً ضخمة، فيقولون مثل هذا الكلام، وخاصة في مؤتمرات التقارب بين الأديان، فيستعملون مثل هذه العبارة الفظيعة، فيدخلون هؤلاء في وصف الإيمان، وبعضهم مثلاً يصف الكافر الفلاني بأنه مؤمن، ويعني: بأنه يؤمن بأن هناك إلهاً -الإيمان بتوحيد الربوبية-، فبعض الناس الجهلة يسمى هذا إيماناً، على هذا فـ أبو جهل كان مؤمناً، وأبو لهب كان مؤمناً، وكفار قريش كانوا مؤمنين، لأنهم كانوا مؤمنين بتوحيد الربوبية بنص القرآن قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] فهؤلاء يجعلون أن الكافر هو الذي ينكر وجود الله، وهذا ليس بصحيح، بل عامة الكفرة حتى فرعون كانوا يؤمنون بأن هناك إلهاً، والدليل على هذا صريح في القرآن كما ذكرنا مراراً، بل لم يحك في القرآن عن طائفة أنها أنكرت وجود الله، بل حتى الدهرية لم ينكروا وجود الله، وإنما أنكروا البعث والنشور. فوصف اليهود أو النصارى بأنهم مؤمنون؛ لأنهم يؤمنون بالله يعتبر هدماً للإسلام من أساسه؛ لأن هذا يضيع الحد الفاصل بين الكفر وبين الإيمان، فالدلالة واضحة من الآيات في القرآن الكريم والسنة على ذلك، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٢]، وكذلك تكفير القرآن الكريم لليهود وأمثالهم. وقد يشتبه هذا الأمر على بعض الناس خاصة إذا فتنوا بما عليه الكفار من بعض السلوكيات التي ضيعها بعض المسلمين للأسف، وهذا يحصل لكثير من الناس الذين يخالطونهم ويعاشرونهم، فيطلق بعضهم لسانه في ذم المسلمين، ويطلق لسانه أيضاً في مدح الكفار قائلاً: وهؤلاء عندهم عدل! هؤلاء عندهم إنصاف!! حتى أن بعض الملوثين الذين ذهبوا إلى عصابة اليهود في فلسطين المغتصبة يرجع ويتكلم بهذا الكلام كما نشر في بعض الجرائد، ويقول: إن اليهود لم يمسوا حقي، ولم يتعرضوا لي إلى آخر هذا الكلام. وبغض النظر عن السر وراء هذه السلوكيات الموجودة عند الكفار خاصة في أوروبا أو أمريكا أو البلاد الغربية، وأنها سلوكيات تجارية في الحقيقة ليست مبنية على مراقبة الله, وفي نفس الوقت يريدون أن يتعاونوا ويريح كل واحد الآخر؛ حتى يستطيع أن يتمتع بالحياة بصورة مستوفاة جيدة، لكن انظر إلى أخلاقهم حينما يأتون إلى بلادنا فكم عذبوا، وكم أحرقوا، وكم قتلوا، وكم نهبوا! وإلى اليوم ونحن نراهم في البوسنة والهرسك على نفس الأخلاق، وتراهم الآن في العراق وفي غيرها وحوشاً كاسرة يدمون قلوب الشعوب، ويستذلونهم استذلالاً لا مثيل له، وليست هذه الآن قضيتنا، لكن كيف نزن الأمور؟ فبعض الناس يقول لك: أنا أشتري من الكافر هذا؛ لأنه أمين، ولأنه كذا وكذا، ويفتن بالكافر ويطلق لسانه في ذم المسلم، فهذا خلل شديد جداً في فهم مثل هذا الإنسان؛ فالمشركون قد يتلبسون ببعض شعب الإيمان، والمسلم قد يأتي ببعض شعب الكفر، أي: أنه من الممكن أن نجد مثلاً بعض الكفار أميناً، وصادقاً، يحترم مواعيده إلى آخره، ومن الممكن أن نجد مسلماً يفعل عكس ذلك، فقد يتلبس المسلم ببعض شعب الكفر لكنه يبقى مسلماً، وقد يتلبس الكافر ببعض شعب الإيمان لكنه يبقى كافراً، فالكفر والإيمان متقابلان، فإذا زال أحدهما خلفه الآخر، والإيمان أصل له شعب متعددة، وأعلى شعبة من شعب الإيمان هي: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، ثم بينهما شعب متفاوتة في أهميتها وخطورتها، وهناك بعض الشعب إذا زالت زال الإيمان بالكلية، فمن شعب الإيمان ما يزول بزوالها الإيمان بالكلية، كشعبة لا إله إلا الله، فمثلاً شخص عنده شعب كثيرة من شعب الإيمان، لكن شعبة: لا إله إلا الله ليست موجودة عنده، فكل الذي يعمله حابط في الآخرة ولا ينفعه؛ لأن هذه الشعب بينها علاقة الشرط بالمشروط، فتكون شرطاً في صحة باقي الشعب، ومن شعب الإيمان ما لا يزول الإيمان بزوالها، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتاً عظيماً، منها ما يلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب. وكذلك الكفر أصل له شعب، والمعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان، ولا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمناً، وإن كان ما قام به إيماناً، ولا من قيام شعبة من شعب الكفر بالعبد أن يسمى كافراً، وإن كان ما قام به كفراً، كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم به أن يسمى عالماً، ولا من معرفة بعض مسائل الفقه أو الطب أن يسمى فقيهاً وطبيباً، إذ لا يلزم الاسم إلا بغلبة ذلك عليه، وإذا كان مع العبد أصل التوحيد والإيمان وترك شعبة من شعب الإيمان فهذا الإيمان ينفعه في عدم الخلود في النار، لكن هل ينفعه في عدم دخول النار؟! لا، فقد يسلم، وقد يدخل النار لكن لا يخلد فيها، إذاً: فالتوحيد ينجي من الخلود في النار لا من دخول النار، وأوضح ذلك حديث الشفاعة، فالشفاعة تكون في أهل الكبائر من أمة النبي ﵊. فإذا كان مع العبد أصل التوحيد والإيمان وترك شعبة من الإيمان فذلك الإيمان ينفقه، لكن لا نقول ينفعه في عدم دخول النار، ولكن في عدم الخلود في النار، إلا إذا كان الفعل المتروك شرطاً في صحة شعب الإيمان الأخرى، فإذا كان المتروك شرطاً في اعتبار الباقي لم ينفعه، ولهذا لم ينفع الإيمان بالله ووحدانيته وأنه لا إله إلا هو من أنكر رسالة محمد ﷺ ، مع أنه قد قال: لا إله إلا الله، لكن لم يشهد أن محمداً رسول الله، فلا ينفعه ذلك. لذلك إذا قلنا: إن أعلاها لا إله إلا الله فنضيف معها: وأن محمداً رسول الله، ولا تنفع الصلاة من صلاها عمداً بغير وضوء؛ لأن هناك شعبة قبل شعبة الصلاة هي شرط في صحة الصلاة، وهي شعبة الطهارة والوضوء، فشعبة الطهارة شرط في شعبة الصلاة، فمن صلى دون أن يأتي بهذا الشرط بطل يبطل هذا المشروط. إذاً: شعب الإيمان قد يتعلق بعضها ببعض تعلق الشرط بمشروطه. وكذلك كلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله شرط في صحة باقي شعب الإيمان، فمن الجور والجهل والعدوان أن يفضل الكافر الذي افتقد شعبة لا إله إلا الله على المؤمن العاصي الذي معه لا إله إلا الله، فمن جهل الشخص أن يمدح النصراني؛ لأن كل همه هي الدنيا، فما دام أنه يُعطيه الفلوس ويُريحه في البيع والشراء فإنه يمدحه، ويطلق لسانه بالقصائد في مدح الكفار وذم المسلمين، فقد ترك حق الله ونظر في حق نفسه، فيقول: هؤلاء الكفار عندما أذهب إليهم يعاملوني معاملة فيها عدل، وإنما الظلم موجود عند المسلمين إلى آخره، فيقال له: فهم ليس عندهم أحياناً الظلم الموجود عند المسلمين؟! بل عندهم أكبر وأفظع ظلم في الوجود وهو الشرك، قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، فقد نسي حق الله وبحث عن حق دنياه، فهذا مما نحتاج فيه إلى أن نستعيد الوعي بهويتنا وعقيدتنا وبما أعزنا الله به وشرفنا على العالمين قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فبعض الناس يتعامل مع هؤلاء الكفار على أنهم أناس فوق العالم، فيعظمهم ويبجلهم ويحترمهم أشد الاحترام.

стр. 1927

الأشياء التي تحبط أعمال العبد نعود إلى تفسير قوله ﵎: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨]، لنبين بعض ما يحبط أعمال المؤمن، حتى نكون على حذر من هذا الخطر العظيم. صح عن أبي عامر الألهاني رضي الله تعالى عنه واسمه عبد الله بن غابر عن النبي ﷺ أنه قال: (لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباءً منثوراً، قال ثوبان: يا رسول الله! صفهم لنا، جلهم لنا ألا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها). فعلى الإنسان أن يحذر أن يأتي بهذا الفعل، وهو عدم مراقبة الله في السر. وقال ﵊: (إن العبد لينطق بالكلمة لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً، أو أبعد مما بين المشرق والمغرب) كما في بعض الروايات. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فإن وثق العبد من عمله بأنه وفاه حقه الذي ينبغي له ظاهراًً وباطناً، ولم يعرض له مانع يمنع تكفيره -يعني: تكفير السيئات-، ولا مبطل يحبطه من عُجب، أو رؤية نفسه فيه، أو يمنّ به، أو يطلب من العباد تعظيمه به، أو يستشرف بقلبه من يعظمه عليه، أو يعادي من لا يعظمه عليه، ويرى أنه قد بخسه حقه، وأنه قد استهان بحرمته، فهذا أي شيء يكفر؟! ومحبطات الأعمال ومفسداتها أكثر من أن تحفظ، وليس الشأن في العمل، وإنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه، فقد يعمل الإنسان العمل الصالح ثم يحبطه بعد ذلك، فليس الشأن فقط في أن تعمل العمل الصالح، لكن المهم جداً أن تحفظ هذا العمل مما أحبطه. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: فالرياء وإن دق محبط للعمل، وهو أبواب كثيرة لا تحصى، يقول الله تعالى: (من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه). وكون العمل غير مقيد باتباع السنة أيضاً موجب لكونه باطلاً، قال ﵊: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). والمنّ به على الله تعالى بقلبه مفسد له، وكذلك المن بالصدقة والمعروف والبر والإحسان والصلة مفسد لها، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤]. وأكثر الناس ما عندهم خبر من السيئات التي تحبط الحسنات، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، فحذر المؤمنين من حبوط أعمالهم بالجهر لرسول الله ﷺ كما يجهر بعضهم لبعض، وهذه ليست ردة، وإنما هي معصية تحبط العمل وصاحبها لا يشعر بها، فالآية تنهى الإنسان إذا خاطب النبي ﵌ أن يرفع صوته فوق صوت النبي؛ أن رفع الصوت فوق صوت النبي ﵊ يحبط العمل، فقد يغضب النبي ﵊ بذلك، فيغضب الله لغضب رسوله ﷺ ، فيحبط عمل من أغضبه. فما الظن بمن قدّم على قول رسول الله ﷺ وهديه وطريقه قول غيره وهديه وطريقه؟ أليس هذا قد حبط عمله وهو لا يشعر؟ ومن هذا قوله ﷺ : (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله)، ومن هذا قول عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها لـ زيد بن أرقم ﵁ لما باع بالعينة، قالت: (إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب) وليس التبايع بالعينة ردة، فغايته أن يكون معصية، فمعرفة ما يفسد الأعمال في حال وقوعها، ويحبطها بعد وقوعها من أهم ما ينبغي أن يفتش عليه العبد، ويحرص على عمله ويحذر. وهنا نقف وقفة هنا يسيرة مع قول النبي ﵊: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله)، فهذا الحديث استدل به من يقول بتكفير المسلم بالمعصية كالخوارج الوعيدية، وقالوا: هو نظير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥]، فقال ابن عبد البر: مفهوم الآية أن من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله. إذاً: فهناك تعارض بين مفهوم الآية وبين منطوق الحديث، فمفهومها الآية: أن من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله، أي: أن المؤمن لا يحبط عمله، في حين أن الحديث يقول: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله) إذاً: فالتعارض هنا بين مفهوم الآية ومنطوق الحديث، فلابد من تأويل الحديث في هذا الحالة؛ لأن الجمع إذا أمكن كان أولى من الترجيح، وتمسك بظاهر الحديث الحنابلة ومن قال بقولهم من أن تارك الصلاة يكفر، ويرد على ذلك: بأنه لو كان الأمر على ما ذهبوا عليه لما اختصت العصر بذلك، فأما الجمهور فتأولوا الحديث على عدة تأولات: فمنهم من أول الترك في قوله: (من ترك صلاة العصر)، ومنهم من أول الإحباط في قوله: (فقط حبط عمله)، ومنهم من أول العمل، فالذين أولوا ترك صلاة العصر قالوا: من تركها جاحداً، أي: من ترك صلاة العصر جاحداً فقد حبط عمله، فإذا قال رجل: أنا لا أوافق على أن صلاة العصر فريضة، فالفرائض أربع صلوات فيكون قد جحد وجوبها، فهذا لاشك أنه يخرج من الملة فيحبط عمله؛ لأنه داخل فيمن كفر بالإيمان قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥]. إذاً: من أول سبب الترك قال: المراد به من تركها جاحداً لوجوبها، أو معترفاً أنها واجبة لكنه مستخف مستهزئ بمن أقامها. وقيل المراد: من تركها متكاسلاً، لكن الوعيد خرج مخرج الزجر الشديد وظاهره غير مراد، وهذا كقوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، وهذا القول رجحه ابن حجر رحمه الله تعالى؛ لأن الترك يطلق أحياناً على الجحود، فقوله: (من ترك صلاة العصر) يعني: من جحد. ويشهد لذلك قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [يوسف:٣٧] أي: إني جحدت. ومن العلماء من أول معنى قوله ﵇: (فقد حبط عمله)، فقال: إنه من مجاز التشبيه، أي: من ترك صلاة العصر فقد أشبه من حبط عمله، وقيل: معناه كاد أن يحبط عمله، وقيل: المراد بالحبط نقصان العمل في ذلك الوقت الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله، فكأن المراد بالعمل الصلاة خاصة، أي: لا يحصل على أجر من صلى العصر، ولا يرتفع له عملها حينئذ. ومنهم من أول العمل: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله) أي: عمل الدنيا الذي بسببه اشتغل وترك صلاة العصر. وقال الإمام القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: إن الحبط في الآية غير الحبط في الحديث، فالآية: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥]، وإحباط عمل الكافر غير إحباط عمل المسلم، فيقول القاضي أبو بكر بن العربي: إن المراد بالحبط في الآية غير المراد بالحبط في الحديث. قال في شرح الترمذي: الحبط على قسمين: حبط إسقاط وحبط موازنة، فحبط الإسقاط: هو إحباط الكفر بالإيمان وجميع الحسنات، فهذا المقصود بالآية: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥] فيحبط كل عمل ويضيع. وأما حبط الموازنة: فهو إحباط المعاصي للانتفاع بالحسنات عند رجحانها عليها إلى أن تحصل النجاة، فيرجع إليه جزاء حسناته، بمعنى: أن المعصية التي فعلها وهي ترك صلاة العصر تحبط انتفاعه بها لو كان فعلها في وقت هو أشد ما يكون حاجة إلى أجرها؛ وذلك عند ميزان الحسنات والسيئات، فحينئذ سيتعطل ثواب صلاة العصر التي ضيعها في وقت هو أشد حاجة إليها عند ميزان الأعمال، فهذا هو حبط الموازنة. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر. قال الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى: قوله خوف المؤمن من أن يحبط عمله يعني: أن يحرم ثواب عمله؛ لأنه لا يثاب إلا على ما أخلص فيه، وبهذا التقدير يندفع اعتراض من اعترض عليه بأنه يقوي مذهب الإحباطية الذين يقولون: إن السيئات يبطلن الحسنات، فهناك فرقة ضالة تسمى الإحباطية، يقولون: إن السيئات تبطل الحسنات! فبعض الناس قالوا: إن الإمام البخاري يؤيد هذا المذهب، فقال الإمام الحافظ: لا، فكلامه إذا فهمناه على حقيقته لا يفيد ولا يؤيد مذهب الإحباطية؛ لأن المقصود خوفه من أن يحرم ثواب عمله؛ لأنه لا يثاب إلا على ما أخلص لله فيه. قال القاضي أبو بكر بن العربي في الرد على الإحباطية: القول الفصل في هذا أن الإحباط إحباطان: أحدهما: إبطال الشيء للشيء وإذهابه جملة، كإحباط الإيمان للكفر والكفر للإيمان، وذلك في الجهتين فيكون إذهاباً حقيقياً. أي: كالكافر إذا أسلم، فإن إسلامه وإيمانه يُحبط الكفر، قال ﷺ : (الإسلام يجب ما قبله)، ولو كان مسلماً ثم كفر -والعياذ بالله- وارتد فإن الكفر يحبط إيمانه أيضاً، وهذا الإحباط إذهاب حقيقي في الجهتين. النوع الثاني من الإحباط: إحباط الموازنة، فإذا جُعلت الحسنات في كفة والسيئات في كفة، فمن رجحت حسناته نجا، ومن رجحت سيئاته وقف في المشيئة، فإما أن يُغفر له، وإما أن يعذب، فالتوقف إلى أن يحكم فيه هذا توقيف وإحباط من نوع معين؛ لأن توقيف المنفعة في وقت الحاجة إليها إبطال لها، والتعذيب إبطال أشد منه إلى حين الخروج من النار، ففي

стр. 1928

الأحوال التي تحبط فيها الأعمال الصالحة نختم الكلام ببعض العبارات من كتاب الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه المحجة في (سير الدلحة) فلها تعلق بموضوعنا. قال في : ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] هذه الآية كانت تشتد على الخائفين من العارفين، فإنها تقتضي أن من العباد من يبدو له عند لقاء الله ما لم يكن يحتسب، مثل أن يكون غافلاً عما بين يديه، معرضاً عنه، غير ملتفت إليه ولا يحتسب له، فإذا كشف الغطاء عاين تلك الأهوال الفظيعة، فبدا له ما لم يكن في حسابه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، ولهذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: لو أن لي ملك الأرض لافتديت به من هول المطلع، والمطلع: هو مكان الاطلاع من موضع عال، يقال: مُطّلع هذا الجبل في مكان كذا، أي مكانه ومقعده، وفي حديث: (لا تمنوا الموت؛ فإن هول المطلع شديد، وإن من سعادة المرء أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة)، رواه أبو نعيم في الحلية. وقال بعض حكماء السلف: كم من موقف خزي يوم القيامة لم يخطر على بالك قط، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢] ومعنى حديد: حاد. ثم يبين الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى ما يصير هباءً منثوراً من الأعمال، فيقول: النوع الأول: ويشتمل على ما هو أعم من ذلك، وهو أن يكون لهم أعمال يرجون بها الخير فتصير هباءً منثوراً، وتبدل سيئات، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩]. وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]. وقال الفضيل في هذه الآية: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] قال: عملوا أعمالاً وحسبوا أنها حسنات فإذا هي سيئات. النوع الثاني: أن يعمل الإنسان ذنباً يحتقره ويستهزئ به، فيكون هو سبب هلاكه، كما قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥]، وقال بعض الصحابة: إنكم تعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات، رواه البخاري. النوع الثالث: يقول: وأصعب من هذا من زُيّن له سوء عمله فرآه حسناً. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]. قال ابن عيينة: لما حضرت محمد بن المنكدر الوفاة جزع فدعو له أبا حازم فجاء، فقال له ابن المنكدر: إن الله يقول: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] فأخاف أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب، فجعلا يبكيان جميعاً. وفي بعض الروايات فقال له أهله: دعوناك لتخفف عليه فزدته! فأخبرهم بما قال. وقال الفضيل بن عياض ﵀: أخبرت عن سليمان التيمي أنه قيل له: أنت أنت ومن مثلك؟ فقال: مه! لا تقول هذا لا أدري ما يبدو لي من الله، سمعت الله يقول: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]. النوع الرابع: يقول: وكان سفيان الثوري يقول عند هذه الآية: ويل لأهل الرياء من هذه الآية: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]، ويل لأهل الرياء من هذه الآية! وهذا كما في حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار: العالم، والمتصدق، والمجاهد. النوع الخامس: من عمل أعمالاً صالحة وكانت عليه مظالم وعنده حقوق للناس من أموال، أو غيبة ونميمة وغير هذه الأشياء، فهو يظن أن أعماله تنجيه، فيبدو له ما لم يكن يحتسب، فيقتسم الغرماء أعماله حتى تنتهي أعماله ولم يأخذوا كل حقوقهم، فيطرح من سيئاتهم عليه ثم يطرح في النار. النوع السادس: وقد يناقش الحساب فيطلب منه شكر النعم، ففي الحديث: (من نوقش الحساب عذب)، ولو أن الله عرض على العبد يوم القيامة أعماله فقط فهذا يرجى له أن يستره الله، كما ستره في الدنيا، وأما إذا حصل النقاش فهذه علامة على أنه سوف يعذب، يقول: وقد يناقش الحساب فيطلب منه شكر النعم، وهي: فيقال له: كيف شكرت نعمة الله؟! فتقوم أصغر النعم التي أنعم الله بها عليه فتستوعب أعماله كلها، وتبقى بقية النعم فيطالب بشكرها فيعذب. ولهذا قال ﵊: (من نوقش الحساب عذب أو هلك). النوع السابع: وقد يكون له سيئات تحبط بعض أعماله أو أعمال جوارحه سوى التوحيد، فيدخل النار، ونص الحديث: (فإن من أمتي من يجيء بأعمال أمثال الجبال فيجعلها الله هباءً منثوراً) وفيه: (هم قوم من جلدتكم، ويتكلمون بألسنتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها). وعن سالم مولى أبي حذيفة مرفوعاً: (يجاء يوم القيامة بأقوام معهم من الحسنات مثل جبال تهامة)، وتهامة: هي كل ما نزل من نجد في بلاد الحجاز، فمكة كلها من تهامة. (يجاء يوم القيامة بأقوام معهم من الحسنات مثل جبال تهامة، حتى إذا جيء بهم جعل الله أعمالهم هباء ثم أكبهم في النار)، قال سالم: خشيت أن أكون منهم. قال ﷺ : (أما إنهم كانوا يصومون ويصلون، ويأخذون هنيهة من الليل، لعلهم كانوا إذا عرض لهم شيء سراً حراماً أخذوه فأدحض الله أعمالهم). وقد يحبط العمل بآفة من رياء خفي، أو عجب به ونحو ذلك ولا يشعر به صاحبه. قال ضيغم العابد رحمه الله تعالى: إن لم تأت الآخرة المؤمن بالسرور لقد اجتمع عليهم أمران: هم الدنيا، وشقاء الآخرة، فقيل له: كيف لا تأتيه الآخرة بالسرور وهو يتعب في دار الدنيا ويدأب؟ فقال: كيف بالقبول، وكيف بالسلامة؟ ثم قال: كم من رجل يرى أنه قد أصلح عمله فيجمع ذلك كله يوم القيامة ثم يضرب به وجهه، ومن هنا كان عامر بن عبد قيس وغيره يقلقون من هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]. وقال ابن عون: لا تثق بكثرة العمل، فإنك لا تدري يقبل منك أم لا؟ ولا تأمن الذنوب، فإنك لا تدري هل كفرت عنك أم لا؟ وبكى النخعي عند الموت وقال: أنتظر رسول ربي ما أدري أيبشرني بالجنة أو بالنار. وجزع غيره عند الموت قيل له تجزع؟ قال: إنما هي ساعة ولا أدري أين يسلك بي. وجزع بعض الصحابة عند موته فسئل عن حاله؟ فقال: إن الله قبض خلقه قبضتين: قبضة للجنة وقبضة للنار ولست أدري في أي القبضتين أنا! ومن تأمل هذا حق التأمل أوجب له القلق، فإن ابن آدم متعرض لأهوال عظيمة، من الموت والقبر، وأهوال البرزخ، وأهوال الموقف، كالصراط والميزان، وأعظم من ذلك الوقوف بين يدي الله ، ودخول النار، ويخشى على نفسه الخلود فيها بأن يسلب إيمانه عند الموت، ولم يأمن المؤمن شيئاً من هذه الأمور قال تعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]، فتحقق هذه الأمور يمنع ابن آدم القرار. رأى بعضهم في النوم قائلاً يقول له: وكيف تنام العين وهي قريرة ولم تدر في أي المحلين تنزل وسئل بعض الموتى وكان عابداً مجتهداً عن حاله فأنشد يقول: وليس يعلم ما في القبر داخله إلا الإله وساكنوا الأجداث وفي هذا يقول بعضهم: أما والله لو علم الأنام لما خلقوا لما هجعوا وناموا لقد خلقوا لأمر لو رأته عيون قلوبهم تاهو وهاموا ممات ثم قبر ثم حشر وتوبيخ وأهوال عظام ليوم الحشر قد عملت رجال فصلوا من مخافته وصاموا ونحن إذا نهينا أو أمرنا كأهل الكهف أيقاظ نيام وعن جبير بن نفير قال: دخلت على أبي الدرداء ﵁ منزله بحمص فإذا هو قائم يصلي في مسجده، فلما جلس يتشهد جعل يتعوذ بالله من النفاق، فلما انصرف قلت له: غفر الله لك يا أبا الدرداء! ما أنت والنفاق، وما شأنك وشأن النفاق؟ فقال: اللهم! غفراً ثلاثاً، لا يأمن البلاء من يأمن البلاء، والله! إن الرجل ليفتن في ساعة واحدة وينقلب عن دينه. وقال أبو الدرداء: والذي نفسي بيده! ما آمن عبد على إيمانه إلا سلبه أو انتزع منه فيفقده، والذي نفسي بيده! ما الإيمان إلا كالقميص يتقمصه مرة، ويضعه أخرى. وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: ليأتين على الرجل أحايين وما في جلده موضع إبرة من النفاق، وإنه ليأتي عليه أحايين وما في قلبه موضع إبرة من إيمان. وكان عمرو بن الأسود العنسي إذا خرج إلى المسجد قبض بيمينه على شماله فسئل عن ذلك فقال: مخافة أن تنافق يدي. وقال معاوية بن قرة: ألا يكون فيّ نفاق أحب إلي من الدنيا وما فيها، كان عمر ﵁ يخشاه وآمنه أنا؟! يشير إلى جزع عمر، فقد كان حذيفة ﵁ قد أسر إليه النبي ﷺ بأسماء المنافقين، فكان عم

стр. 1929

تفسير سورة محمد [٢٩ - ٣٢]

стр. 1930

تفسير قوله تعالى: (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم) قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد:٢٩]. يعني: المنافقين المذكورين سابقاً، و (أم) هنا منقطعة فقدره ببل والهمزة، أي: بل أحسب المنافقون الذين في قلوبهم مرض. ((أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)): وهو مرض نفاق والشك. ((أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ)) أي: إن لن يظهر، و (الأضغان) هي: ما يضمر من المكروه، وهي جمع ضغن، واختلف في معنى أضغانهم: فقال السدي: رجسهم. وقال ابن عباس: حسدهم. وقال قطرب: عداوتهم، وأنشد: قل لابن هند ما أردت بمنطق ساء الصدَيق وشيّد الأضغانا وقيل: أضغانهم: أحقادهم، وقال عمرو بن كلثوم: وإن الضغن بعد الضغن يفشو عليك ويخرج الداء الدفينا وقال الجوهري: الضغن والضغينة الحقد، وقد ضغن عليه ضغناً، وتضاغن القوم واضطغنوا أبطنوا على الأحقاد، واضطغنت الصبي: إذا أخذته تحت حجرك. وأنشد الأحمر: كأنه مضطغن صبياً. أي: حامله في حجره. وفرس ضاغن: لا يعطي ما عنده من الجري إلا بالضرب، والمعنى: أم حسبوا أن لن يظهر الله عداوتهم وحقدهم لأهل الإسلام، أي أن ذلك مما لا يكاد أن يدخل تحت الاحتمال، بل لابد أن يكشفهم الله .
следующие страницы →