Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
شبهة مدح اليهود والنصارى بما عندهم من صفات حميدة
وهنا شبهة قد يذكرها بعض الناس، فيقول مثلاً: على المؤمنين من المسلمين والنصارى واليهود أن يجتمعوا ويتكتلوا؛ لمواجهة الملحدين مثلاً، وهذا يشيع للأسف الشديد على ألسنة عمائم كبيرة جداً ضخمة، فيقولون مثل هذا الكلام، وخاصة في مؤتمرات التقارب بين الأديان، فيستعملون مثل هذه العبارة الفظيعة، فيدخلون هؤلاء في وصف الإيمان، وبعضهم مثلاً يصف الكافر الفلاني بأنه مؤمن، ويعني: بأنه يؤمن بأن هناك إلهاً -الإيمان بتوحيد الربوبية-، فبعض الناس الجهلة يسمى هذا إيماناً، على هذا فـ أبو جهل كان مؤمناً، وأبو لهب كان مؤمناً، وكفار قريش كانوا مؤمنين، لأنهم كانوا مؤمنين بتوحيد الربوبية بنص القرآن قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] فهؤلاء يجعلون أن الكافر هو الذي ينكر وجود الله، وهذا ليس بصحيح، بل عامة الكفرة حتى فرعون كانوا يؤمنون بأن هناك إلهاً، والدليل على هذا صريح في القرآن كما ذكرنا مراراً، بل لم يحك في القرآن عن طائفة أنها أنكرت وجود الله، بل حتى الدهرية لم ينكروا وجود الله، وإنما أنكروا البعث والنشور.
فوصف اليهود أو النصارى بأنهم مؤمنون؛ لأنهم يؤمنون بالله يعتبر هدماً للإسلام من أساسه؛ لأن هذا يضيع الحد الفاصل بين الكفر وبين الإيمان، فالدلالة واضحة من الآيات في القرآن الكريم والسنة على ذلك، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٢]، وكذلك تكفير القرآن الكريم لليهود وأمثالهم.
وقد يشتبه هذا الأمر على بعض الناس خاصة إذا فتنوا بما عليه الكفار من بعض السلوكيات التي ضيعها بعض المسلمين للأسف، وهذا يحصل لكثير من الناس الذين يخالطونهم ويعاشرونهم، فيطلق بعضهم لسانه في ذم المسلمين، ويطلق لسانه أيضاً في مدح الكفار قائلاً: وهؤلاء عندهم عدل! هؤلاء عندهم إنصاف!! حتى أن بعض الملوثين الذين ذهبوا إلى عصابة اليهود في فلسطين المغتصبة يرجع ويتكلم بهذا الكلام كما نشر في بعض الجرائد، ويقول: إن اليهود لم يمسوا حقي، ولم يتعرضوا لي إلى آخر هذا الكلام.
وبغض النظر عن السر وراء هذه السلوكيات الموجودة عند الكفار خاصة في أوروبا أو أمريكا أو البلاد الغربية، وأنها سلوكيات تجارية في الحقيقة ليست مبنية على مراقبة الله, وفي نفس الوقت يريدون أن يتعاونوا ويريح كل واحد الآخر؛ حتى يستطيع أن يتمتع بالحياة بصورة مستوفاة جيدة، لكن انظر إلى أخلاقهم حينما يأتون إلى بلادنا فكم عذبوا، وكم أحرقوا، وكم قتلوا، وكم نهبوا! وإلى اليوم ونحن نراهم في البوسنة والهرسك على نفس الأخلاق، وتراهم الآن في العراق وفي غيرها وحوشاً كاسرة يدمون قلوب الشعوب، ويستذلونهم استذلالاً لا مثيل له، وليست هذه الآن قضيتنا، لكن كيف نزن الأمور؟ فبعض الناس يقول لك: أنا أشتري من الكافر هذا؛ لأنه أمين، ولأنه كذا وكذا، ويفتن بالكافر ويطلق لسانه في ذم المسلم، فهذا خلل شديد جداً في فهم مثل هذا الإنسان؛ فالمشركون قد يتلبسون ببعض شعب الإيمان، والمسلم قد يأتي ببعض شعب الكفر، أي: أنه من الممكن أن نجد مثلاً بعض الكفار أميناً، وصادقاً، يحترم مواعيده إلى آخره، ومن الممكن أن نجد مسلماً يفعل عكس ذلك، فقد يتلبس المسلم ببعض شعب الكفر لكنه يبقى مسلماً، وقد يتلبس الكافر ببعض شعب الإيمان لكنه يبقى كافراً، فالكفر والإيمان متقابلان، فإذا زال أحدهما خلفه الآخر، والإيمان أصل له شعب متعددة، وأعلى شعبة من شعب الإيمان هي: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، ثم بينهما شعب متفاوتة في أهميتها وخطورتها، وهناك بعض الشعب إذا زالت زال الإيمان بالكلية، فمن شعب الإيمان ما يزول بزوالها الإيمان بالكلية، كشعبة لا إله إلا الله، فمثلاً شخص عنده شعب كثيرة من شعب الإيمان، لكن شعبة: لا إله إلا الله ليست موجودة عنده، فكل الذي يعمله حابط في الآخرة ولا ينفعه؛ لأن هذه الشعب بينها علاقة الشرط بالمشروط، فتكون شرطاً في صحة باقي الشعب، ومن شعب الإيمان ما لا يزول الإيمان بزوالها، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتاً عظيماً، منها ما يلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب.
وكذلك الكفر أصل له شعب، والمعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان، ولا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمناً، وإن كان ما قام به إيماناً، ولا من قيام شعبة من شعب الكفر بالعبد أن يسمى كافراً، وإن كان ما قام به كفراً، كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم به أن يسمى عالماً، ولا من معرفة بعض مسائل الفقه أو الطب أن يسمى فقيهاً وطبيباً، إذ لا يلزم الاسم إلا بغلبة ذلك عليه، وإذا كان مع العبد أصل التوحيد والإيمان وترك شعبة من شعب الإيمان فهذا الإيمان ينفعه في عدم الخلود في النار، لكن هل ينفعه في عدم دخول النار؟! لا، فقد يسلم، وقد يدخل النار لكن لا يخلد فيها، إذاً: فالتوحيد ينجي من الخلود في النار لا من دخول النار، وأوضح ذلك حديث الشفاعة، فالشفاعة تكون في أهل الكبائر من أمة النبي ﵊.
فإذا كان مع العبد أصل التوحيد والإيمان وترك شعبة من الإيمان فذلك الإيمان ينفقه، لكن لا نقول ينفعه في عدم دخول النار، ولكن في عدم الخلود في النار، إلا إذا كان الفعل المتروك شرطاً في صحة شعب الإيمان الأخرى، فإذا كان المتروك شرطاً في اعتبار الباقي لم ينفعه، ولهذا لم ينفع الإيمان بالله ووحدانيته وأنه لا إله إلا هو من أنكر رسالة محمد ﷺ ، مع أنه قد قال: لا إله إلا الله، لكن لم يشهد أن محمداً رسول الله، فلا ينفعه ذلك.
لذلك إذا قلنا: إن أعلاها لا إله إلا الله فنضيف معها: وأن محمداً رسول الله، ولا تنفع الصلاة من صلاها عمداً بغير وضوء؛ لأن هناك شعبة قبل شعبة الصلاة هي شرط في صحة الصلاة، وهي شعبة الطهارة والوضوء، فشعبة الطهارة شرط في شعبة الصلاة، فمن صلى دون أن يأتي بهذا الشرط بطل يبطل هذا المشروط.
إذاً: شعب الإيمان قد يتعلق بعضها ببعض تعلق الشرط بمشروطه.
وكذلك كلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله شرط في صحة باقي شعب الإيمان، فمن الجور والجهل والعدوان أن يفضل الكافر الذي افتقد شعبة لا إله إلا الله على المؤمن العاصي الذي معه لا إله إلا الله، فمن جهل الشخص أن يمدح النصراني؛ لأن كل همه هي الدنيا، فما دام أنه يُعطيه الفلوس ويُريحه في البيع والشراء فإنه يمدحه، ويطلق لسانه بالقصائد في مدح الكفار وذم المسلمين، فقد ترك حق الله ونظر في حق نفسه، فيقول: هؤلاء الكفار عندما أذهب إليهم يعاملوني معاملة فيها عدل، وإنما الظلم موجود عند المسلمين إلى آخره، فيقال له: فهم ليس عندهم أحياناً الظلم الموجود عند المسلمين؟! بل عندهم أكبر وأفظع ظلم في الوجود وهو الشرك، قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، فقد نسي حق الله وبحث عن حق دنياه، فهذا مما نحتاج فيه إلى أن نستعيد الوعي بهويتنا وعقيدتنا وبما أعزنا الله به وشرفنا على العالمين قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فبعض الناس يتعامل مع هؤلاء الكفار على أنهم أناس فوق العالم، فيعظمهم ويبجلهم ويحترمهم أشد الاحترام.
стр. 1927
الأشياء التي تحبط أعمال العبد
نعود إلى تفسير قوله ﵎: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨]، لنبين بعض ما يحبط أعمال المؤمن، حتى نكون على حذر من هذا الخطر العظيم.
صح عن أبي عامر الألهاني رضي الله تعالى عنه واسمه عبد الله بن غابر عن النبي ﷺ أنه قال: (لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباءً منثوراً، قال ثوبان: يا رسول الله! صفهم لنا، جلهم لنا ألا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها).
فعلى الإنسان أن يحذر أن يأتي بهذا الفعل، وهو عدم مراقبة الله في السر.
وقال ﵊: (إن العبد لينطق بالكلمة لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً، أو أبعد مما بين المشرق والمغرب) كما في بعض الروايات.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فإن وثق العبد من عمله بأنه وفاه حقه الذي ينبغي له ظاهراًً وباطناً، ولم يعرض له مانع يمنع تكفيره -يعني: تكفير السيئات-، ولا مبطل يحبطه من عُجب، أو رؤية نفسه فيه، أو يمنّ به، أو يطلب من العباد تعظيمه به، أو يستشرف بقلبه من يعظمه عليه، أو يعادي من لا يعظمه عليه، ويرى أنه قد بخسه حقه، وأنه قد استهان بحرمته، فهذا أي شيء يكفر؟! ومحبطات الأعمال ومفسداتها أكثر من أن تحفظ، وليس الشأن في العمل، وإنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه، فقد يعمل الإنسان العمل الصالح ثم يحبطه بعد ذلك، فليس الشأن فقط في أن تعمل العمل الصالح، لكن المهم جداً أن تحفظ هذا العمل مما أحبطه.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: فالرياء وإن دق محبط للعمل، وهو أبواب كثيرة لا تحصى، يقول الله تعالى: (من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه).
وكون العمل غير مقيد باتباع السنة أيضاً موجب لكونه باطلاً، قال ﵊: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
والمنّ به على الله تعالى بقلبه مفسد له، وكذلك المن بالصدقة والمعروف والبر والإحسان والصلة مفسد لها، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤].
وأكثر الناس ما عندهم خبر من السيئات التي تحبط الحسنات، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، فحذر المؤمنين من حبوط أعمالهم بالجهر لرسول الله ﷺ كما يجهر بعضهم لبعض، وهذه ليست ردة، وإنما هي معصية تحبط العمل وصاحبها لا يشعر بها، فالآية تنهى الإنسان إذا خاطب النبي ﵌ أن يرفع صوته فوق صوت النبي؛ أن رفع الصوت فوق صوت النبي ﵊ يحبط العمل، فقد يغضب النبي ﵊ بذلك، فيغضب الله لغضب رسوله ﷺ ، فيحبط عمل من أغضبه.
فما الظن بمن قدّم على قول رسول الله ﷺ وهديه وطريقه قول غيره وهديه وطريقه؟ أليس هذا قد حبط عمله وهو لا يشعر؟ ومن هذا قوله ﷺ : (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله)، ومن هذا قول عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها لـ زيد بن أرقم ﵁ لما باع بالعينة، قالت: (إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب) وليس التبايع بالعينة ردة، فغايته أن يكون معصية، فمعرفة ما يفسد الأعمال في حال وقوعها، ويحبطها بعد وقوعها من أهم ما ينبغي أن يفتش عليه العبد، ويحرص على عمله ويحذر.
وهنا نقف وقفة هنا يسيرة مع قول النبي ﵊: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله)، فهذا الحديث استدل به من يقول بتكفير المسلم بالمعصية كالخوارج الوعيدية، وقالوا: هو نظير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥]، فقال ابن عبد البر: مفهوم الآية أن من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله.
إذاً: فهناك تعارض بين مفهوم الآية وبين منطوق الحديث، فمفهومها الآية: أن من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله، أي: أن المؤمن لا يحبط عمله، في حين أن الحديث يقول: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله) إذاً: فالتعارض هنا بين مفهوم الآية ومنطوق الحديث، فلابد من تأويل الحديث في هذا الحالة؛ لأن الجمع إذا أمكن كان أولى من الترجيح، وتمسك بظاهر الحديث الحنابلة ومن قال بقولهم من أن تارك الصلاة يكفر، ويرد على ذلك: بأنه لو كان الأمر على ما ذهبوا عليه لما اختصت العصر بذلك، فأما الجمهور فتأولوا الحديث على عدة تأولات: فمنهم من أول الترك في قوله: (من ترك صلاة العصر)، ومنهم من أول الإحباط في قوله: (فقط حبط عمله)، ومنهم من أول العمل، فالذين أولوا ترك صلاة العصر قالوا: من تركها جاحداً، أي: من ترك صلاة العصر جاحداً فقد حبط عمله، فإذا قال رجل: أنا لا أوافق على أن صلاة العصر فريضة، فالفرائض أربع صلوات فيكون قد جحد وجوبها، فهذا لاشك أنه يخرج من الملة فيحبط عمله؛ لأنه داخل فيمن كفر بالإيمان قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥].
إذاً: من أول سبب الترك قال: المراد به من تركها جاحداً لوجوبها، أو معترفاً أنها واجبة لكنه مستخف مستهزئ بمن أقامها.
وقيل المراد: من تركها متكاسلاً، لكن الوعيد خرج مخرج الزجر الشديد وظاهره غير مراد، وهذا كقوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، وهذا القول رجحه ابن حجر رحمه الله تعالى؛ لأن الترك يطلق أحياناً على الجحود، فقوله: (من ترك صلاة العصر) يعني: من جحد.
ويشهد لذلك قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [يوسف:٣٧] أي: إني جحدت.
ومن العلماء من أول معنى قوله ﵇: (فقد حبط عمله)، فقال: إنه من مجاز التشبيه، أي: من ترك صلاة العصر فقد أشبه من حبط عمله، وقيل: معناه كاد أن يحبط عمله، وقيل: المراد بالحبط نقصان العمل في ذلك الوقت الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله، فكأن المراد بالعمل الصلاة خاصة، أي: لا يحصل على أجر من صلى العصر، ولا يرتفع له عملها حينئذ.
ومنهم من أول العمل: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله) أي: عمل الدنيا الذي بسببه اشتغل وترك صلاة العصر.
وقال الإمام القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: إن الحبط في الآية غير الحبط في الحديث، فالآية: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥]، وإحباط عمل الكافر غير إحباط عمل المسلم، فيقول القاضي أبو بكر بن العربي: إن المراد بالحبط في الآية غير المراد بالحبط في الحديث.
قال في شرح الترمذي: الحبط على قسمين: حبط إسقاط وحبط موازنة، فحبط الإسقاط: هو إحباط الكفر بالإيمان وجميع الحسنات، فهذا المقصود بالآية: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥] فيحبط كل عمل ويضيع.
وأما حبط الموازنة: فهو إحباط المعاصي للانتفاع بالحسنات عند رجحانها عليها إلى أن تحصل النجاة، فيرجع إليه جزاء حسناته، بمعنى: أن المعصية التي فعلها وهي ترك صلاة العصر تحبط انتفاعه بها لو كان فعلها في وقت هو أشد ما يكون حاجة إلى أجرها؛ وذلك عند ميزان الحسنات والسيئات، فحينئذ سيتعطل ثواب صلاة العصر التي ضيعها في وقت هو أشد حاجة إليها عند ميزان الأعمال، فهذا هو حبط الموازنة.
قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.
قال الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى: قوله خوف المؤمن من أن يحبط عمله يعني: أن يحرم ثواب عمله؛ لأنه لا يثاب إلا على ما أخلص فيه، وبهذا التقدير يندفع اعتراض من اعترض عليه بأنه يقوي مذهب الإحباطية الذين يقولون: إن السيئات يبطلن الحسنات، فهناك فرقة ضالة تسمى الإحباطية، يقولون: إن السيئات تبطل الحسنات! فبعض الناس قالوا: إن الإمام البخاري يؤيد هذا المذهب، فقال الإمام الحافظ: لا، فكلامه إذا فهمناه على حقيقته لا يفيد ولا يؤيد مذهب الإحباطية؛ لأن المقصود خوفه من أن يحرم ثواب عمله؛ لأنه لا يثاب إلا على ما أخلص لله فيه.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في الرد على الإحباطية: القول الفصل في هذا أن الإحباط إحباطان: أحدهما: إبطال الشيء للشيء وإذهابه جملة، كإحباط الإيمان للكفر والكفر للإيمان، وذلك في الجهتين فيكون إذهاباً حقيقياً.
أي: كالكافر إذا أسلم، فإن إسلامه وإيمانه يُحبط الكفر، قال ﷺ : (الإسلام يجب ما قبله)، ولو كان مسلماً ثم كفر -والعياذ بالله- وارتد فإن الكفر يحبط إيمانه أيضاً، وهذا الإحباط إذهاب حقيقي في الجهتين.
النوع الثاني من الإحباط: إحباط الموازنة، فإذا جُعلت الحسنات في كفة والسيئات في كفة، فمن رجحت حسناته نجا، ومن رجحت سيئاته وقف في المشيئة، فإما أن يُغفر له، وإما أن يعذب، فالتوقف إلى أن يحكم فيه هذا توقيف وإحباط من نوع معين؛ لأن توقيف المنفعة في وقت الحاجة إليها إبطال لها، والتعذيب إبطال أشد منه إلى حين الخروج من النار، ففي
стр. 1928
الأحوال التي تحبط فيها الأعمال الصالحة
نختم الكلام ببعض العبارات من كتاب الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه المحجة في (سير الدلحة) فلها تعلق بموضوعنا.
قال في : ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] هذه الآية كانت تشتد على الخائفين من العارفين، فإنها تقتضي أن من العباد من يبدو له عند لقاء الله ما لم يكن يحتسب، مثل أن يكون غافلاً عما بين يديه، معرضاً عنه، غير ملتفت إليه ولا يحتسب له، فإذا كشف الغطاء عاين تلك الأهوال الفظيعة، فبدا له ما لم يكن في حسابه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، ولهذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: لو أن لي ملك الأرض لافتديت به من هول المطلع، والمطلع: هو مكان الاطلاع من موضع عال، يقال: مُطّلع هذا الجبل في مكان كذا، أي مكانه ومقعده، وفي حديث: (لا تمنوا الموت؛ فإن هول المطلع شديد، وإن من سعادة المرء أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة)، رواه أبو نعيم في الحلية.
وقال بعض حكماء السلف: كم من موقف خزي يوم القيامة لم يخطر على بالك قط، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢] ومعنى حديد: حاد.
ثم يبين الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى ما يصير هباءً منثوراً من الأعمال، فيقول: النوع الأول: ويشتمل على ما هو أعم من ذلك، وهو أن يكون لهم أعمال يرجون بها الخير فتصير هباءً منثوراً، وتبدل سيئات، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩].
وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣].
وقال الفضيل في هذه الآية: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] قال: عملوا أعمالاً وحسبوا أنها حسنات فإذا هي سيئات.
النوع الثاني: أن يعمل الإنسان ذنباً يحتقره ويستهزئ به، فيكون هو سبب هلاكه، كما قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥]، وقال بعض الصحابة: إنكم تعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات، رواه البخاري.
النوع الثالث: يقول: وأصعب من هذا من زُيّن له سوء عمله فرآه حسناً.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤].
قال ابن عيينة: لما حضرت محمد بن المنكدر الوفاة جزع فدعو له أبا حازم فجاء، فقال له ابن المنكدر: إن الله يقول: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] فأخاف أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب، فجعلا يبكيان جميعاً.
وفي بعض الروايات فقال له أهله: دعوناك لتخفف عليه فزدته! فأخبرهم بما قال.
وقال الفضيل بن عياض ﵀: أخبرت عن سليمان التيمي أنه قيل له: أنت أنت ومن مثلك؟ فقال: مه! لا تقول هذا لا أدري ما يبدو لي من الله، سمعت الله يقول: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧].
النوع الرابع: يقول: وكان سفيان الثوري يقول عند هذه الآية: ويل لأهل الرياء من هذه الآية: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]، ويل لأهل الرياء من هذه الآية! وهذا كما في حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار: العالم، والمتصدق، والمجاهد.
النوع الخامس: من عمل أعمالاً صالحة وكانت عليه مظالم وعنده حقوق للناس من أموال، أو غيبة ونميمة وغير هذه الأشياء، فهو يظن أن أعماله تنجيه، فيبدو له ما لم يكن يحتسب، فيقتسم الغرماء أعماله حتى تنتهي أعماله ولم يأخذوا كل حقوقهم، فيطرح من سيئاتهم عليه ثم يطرح في النار.
النوع السادس: وقد يناقش الحساب فيطلب منه شكر النعم، ففي الحديث: (من نوقش الحساب عذب)، ولو أن الله عرض على العبد يوم القيامة أعماله فقط فهذا يرجى له أن يستره الله، كما ستره في الدنيا، وأما إذا حصل النقاش فهذه علامة على أنه سوف يعذب، يقول: وقد يناقش الحساب فيطلب منه شكر النعم، وهي: فيقال له: كيف شكرت نعمة الله؟! فتقوم أصغر النعم التي أنعم الله بها عليه فتستوعب أعماله كلها، وتبقى بقية النعم فيطالب بشكرها فيعذب.
ولهذا قال ﵊: (من نوقش الحساب عذب أو هلك).
النوع السابع: وقد يكون له سيئات تحبط بعض أعماله أو أعمال جوارحه سوى التوحيد، فيدخل النار، ونص الحديث: (فإن من أمتي من يجيء بأعمال أمثال الجبال فيجعلها الله هباءً منثوراً) وفيه: (هم قوم من جلدتكم، ويتكلمون بألسنتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها).
وعن سالم مولى أبي حذيفة مرفوعاً: (يجاء يوم القيامة بأقوام معهم من الحسنات مثل جبال تهامة)، وتهامة: هي كل ما نزل من نجد في بلاد الحجاز، فمكة كلها من تهامة.
(يجاء يوم القيامة بأقوام معهم من الحسنات مثل جبال تهامة، حتى إذا جيء بهم جعل الله أعمالهم هباء ثم أكبهم في النار)، قال سالم: خشيت أن أكون منهم.
قال ﷺ : (أما إنهم كانوا يصومون ويصلون، ويأخذون هنيهة من الليل، لعلهم كانوا إذا عرض لهم شيء سراً حراماً أخذوه فأدحض الله أعمالهم).
وقد يحبط العمل بآفة من رياء خفي، أو عجب به ونحو ذلك ولا يشعر به صاحبه.
قال ضيغم العابد رحمه الله تعالى: إن لم تأت الآخرة المؤمن بالسرور لقد اجتمع عليهم أمران: هم الدنيا، وشقاء الآخرة، فقيل له: كيف لا تأتيه الآخرة بالسرور وهو يتعب في دار الدنيا ويدأب؟ فقال: كيف بالقبول، وكيف بالسلامة؟ ثم قال: كم من رجل يرى أنه قد أصلح عمله فيجمع ذلك كله يوم القيامة ثم يضرب به وجهه، ومن هنا كان عامر بن عبد قيس وغيره يقلقون من هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].
وقال ابن عون: لا تثق بكثرة العمل، فإنك لا تدري يقبل منك أم لا؟ ولا تأمن الذنوب، فإنك لا تدري هل كفرت عنك أم لا؟ وبكى النخعي عند الموت وقال: أنتظر رسول ربي ما أدري أيبشرني بالجنة أو بالنار.
وجزع غيره عند الموت قيل له تجزع؟ قال: إنما هي ساعة ولا أدري أين يسلك بي.
وجزع بعض الصحابة عند موته فسئل عن حاله؟ فقال: إن الله قبض خلقه قبضتين: قبضة للجنة وقبضة للنار ولست أدري في أي القبضتين أنا! ومن تأمل هذا حق التأمل أوجب له القلق، فإن ابن آدم متعرض لأهوال عظيمة، من الموت والقبر، وأهوال البرزخ، وأهوال الموقف، كالصراط والميزان، وأعظم من ذلك الوقوف بين يدي الله ، ودخول النار، ويخشى على نفسه الخلود فيها بأن يسلب إيمانه عند الموت، ولم يأمن المؤمن شيئاً من هذه الأمور قال تعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]، فتحقق هذه الأمور يمنع ابن آدم القرار.
رأى بعضهم في النوم قائلاً يقول له: وكيف تنام العين وهي قريرة ولم تدر في أي المحلين تنزل وسئل بعض الموتى وكان عابداً مجتهداً عن حاله فأنشد يقول: وليس يعلم ما في القبر داخله إلا الإله وساكنوا الأجداث وفي هذا يقول بعضهم: أما والله لو علم الأنام لما خلقوا لما هجعوا وناموا لقد خلقوا لأمر لو رأته عيون قلوبهم تاهو وهاموا ممات ثم قبر ثم حشر وتوبيخ وأهوال عظام ليوم الحشر قد عملت رجال فصلوا من مخافته وصاموا ونحن إذا نهينا أو أمرنا كأهل الكهف أيقاظ نيام وعن جبير بن نفير قال: دخلت على أبي الدرداء ﵁ منزله بحمص فإذا هو قائم يصلي في مسجده، فلما جلس يتشهد جعل يتعوذ بالله من النفاق، فلما انصرف قلت له: غفر الله لك يا أبا الدرداء! ما أنت والنفاق، وما شأنك وشأن النفاق؟ فقال: اللهم! غفراً ثلاثاً، لا يأمن البلاء من يأمن البلاء، والله! إن الرجل ليفتن في ساعة واحدة وينقلب عن دينه.
وقال أبو الدرداء: والذي نفسي بيده! ما آمن عبد على إيمانه إلا سلبه أو انتزع منه فيفقده، والذي نفسي بيده! ما الإيمان إلا كالقميص يتقمصه مرة، ويضعه أخرى.
وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: ليأتين على الرجل أحايين وما في جلده موضع إبرة من النفاق، وإنه ليأتي عليه أحايين وما في قلبه موضع إبرة من إيمان.
وكان عمرو بن الأسود العنسي إذا خرج إلى المسجد قبض بيمينه على شماله فسئل عن ذلك فقال: مخافة أن تنافق يدي.
وقال معاوية بن قرة: ألا يكون فيّ نفاق أحب إلي من الدنيا وما فيها، كان عمر ﵁ يخشاه وآمنه أنا؟! يشير إلى جزع عمر، فقد كان حذيفة ﵁ قد أسر إليه النبي ﷺ بأسماء المنافقين، فكان عم
стр. 1929
تفسير سورة محمد [٢٩ - ٣٢]
стр. 1930
تفسير قوله تعالى: (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم)
قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد:٢٩].
يعني: المنافقين المذكورين سابقاً، و (أم) هنا منقطعة فقدره ببل والهمزة، أي: بل أحسب المنافقون الذين في قلوبهم مرض.
((أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)): وهو مرض نفاق والشك.
((أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ)) أي: إن لن يظهر، و (الأضغان) هي: ما يضمر من المكروه، وهي جمع ضغن، واختلف في معنى أضغانهم: فقال السدي: رجسهم.
وقال ابن عباس: حسدهم.
وقال قطرب: عداوتهم، وأنشد: قل لابن هند ما أردت بمنطق ساء الصدَيق وشيّد الأضغانا وقيل: أضغانهم: أحقادهم، وقال عمرو بن كلثوم: وإن الضغن بعد الضغن يفشو عليك ويخرج الداء الدفينا وقال الجوهري: الضغن والضغينة الحقد، وقد ضغن عليه ضغناً، وتضاغن القوم واضطغنوا أبطنوا على الأحقاد، واضطغنت الصبي: إذا أخذته تحت حجرك.
وأنشد الأحمر: كأنه مضطغن صبياً.
أي: حامله في حجره.
وفرس ضاغن: لا يعطي ما عنده من الجري إلا بالضرب، والمعنى: أم حسبوا أن لن يظهر الله عداوتهم وحقدهم لأهل الإسلام، أي أن ذلك مما لا يكاد أن يدخل تحت الاحتمال، بل لابد أن يكشفهم الله .
стр. 1931
تفسير قوله تعالى: (ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم)
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠].
قوله: ((وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ))، أي: ولو نشاء يا محمد! لأريناك أشخاصهم فعرفتهم عياناً، ولكنه تعالى لم يفعل ذلك في جميع المنافقين؛ ستراً منه على خلقه، وحملاً للأمور على ظاهر السلامة، ورد السرائر إلى عالمها، وهو رأي ابن كثير فلو نشاء لأريناكهم جميعاً، فالتعامل في الدنيا بين الناس إنما يكون على ما يظهرون، ولا سبيل إلى الوصول إلى ما يبطنونه، كما جاء في الحديث أن النبي ﵌ قال: (إني لم أومر أن أنقب عما في قلوب الناس، ولا أن أشق صدورهم)، أو كما قال ﵌، فأحكام الدنيا تجري على ما يظهره الناس، فالله هو الذي يعاملهم على بواطنهم، فينبغي الاكتفاء بستر الله على خلقه، وعدم التنقيب والتفتيش خاصة فيما يتعلق بالكفر والإيمان، فهؤلاء المنافقون حالهم ما ذكر الله ، ومع ذلك عوملوا في دولة الإسلام بما يظهرون، بمعنى: أنه لو أظهر الزندقة حكم عليه بالزندقة، ولو أظهر الردة حكم عليه بالردة، ولو أظهر الإسلام حكم عليه بما يظهر من الإسلام، وهذا بغض النظر عما يبطنه، فمن رحمة الله أن ترك الأمور في الدنيا تسير بهذه الطريقة.
وكذلك في التعامل بين الناس ينبغي أن يؤخذ على يد النمام؛ لأن النمام -كما وصفه الله تعالى- يحمل الحطب ليحرق الناس، ويثير الفتن، وقد جرى في أمور الدنيا على أن الناس يأخذون من بعض، ويقبلون بعض الظاهر، وأما النمام فإنه يحاول أن ينقل الكلام من طرف إلى طرف؛ ليفسد بين الناس، فيكشف ما خفي من أمرهم وما ستُر.
وهذا الكلام الذي نقله النمام يترتب عليه فتن وأحقاد وضغائن، فالنمام يحوِّل ما يبطنه الشخص إلى شيء مشاهد، فهو يكشف ويهتك هذا الستر فيصيره مكشوفاً معايناً، فتشتغل القلوب، وتشتعل الأحقاد في الصدور، فالناس لم يتعايشوا في الدنيا إلا بالستر، وأما لو ظهرت مواقفهم وأمورهم لكانت الحياة عذاباً وجحيماً.
فينبغي أن يكتفي الإنسان بما أمره الله به؛ وهو الظاهر، وألا يحرص على التنقيب عما في بواطن الناس، فلو تعامل الناس بما في البواطن لصارت الحياة هماً دائماً وكرباًَ، ولما سعد الناس، ولا أطاق بعضهم بعضاً.
فالله -رحمة منه بنا في هذه الدنيا- أمرنا بالاكتفاء بالظاهر، فالإنسان لا يولع ولا يغرم بالتفتيش عما في قلوب الناس، ولا أن يصغي إذنه للنمام الفاسق الذي يسعى للإفساد بين الناس عن طريق نقل الكلام، ويظن أنه يخبر بالذي وقع، لكن الشرع -حتى لو كان قد حصل بالفعل- سماه نماماً، وقال ﷺ : (لا يدخل الجنة نمام، ولا يدخل الجنة قتات).
قال القرطبي: (لَأَرَيْنَاكَهُمْ) أي: لعرفناكهم.
وقال ابن عباس: وقد عرفه إياهم في سورة براءة، تقول العرب: سأريك ما أصنع، أي: سأعلمك؛ لأن الرؤية: رؤية علمية، ورؤية بصرية، فهذه رؤية علمية، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١]، أي: ألم تعلم؟ بدليل أنه ولد في عام الفيل، فحصل حادث الفيل قبل ميلاده ﵊.
وقوله: ((لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ)) أي: بما أعلمك الله ، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء:١٠٥]، وقوله: ((وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)) نهي عن مساعدة أهل التهم، ونهي عن الدفاع عن الإنسان المريب الظالم بما يقوله خصمهم من الحجة.
وفي هذا -كما يقول القرطبي - دليل على أن النيابة عن المبطل والمستحق للخصومة لا تجوز، فمثلاً يأتي المحامي ليدافع عن قاتل، أو تاجر مخدرات أو نحو هؤلاء، وهو ظالم ومجرم وفاسق ومخرب، ومع ذلك تجد المحامي مستعداً ليدافع عنه، فمثل هذا -شرعاً- لا يجوز أبداً الدفاع عنه وأنت تعرف أنه ظالم ومعتدٍ؛ لتخلصه من هذا، وأظن أن هذا من أقبح ما يتدنس به بعض المحامين الذين لا يبالون بضياع حقوق الناس، فالمهم أن يحظى هو بحظه من الدنيا في النهاية.
فالنيابة عن المخطئ والمتهم في الخصومة لا تجوز، فلا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى عما قريب.
قول ابن عباس ﵄: وقد عرفه إياهم في سورة براءة، فسورة براءة تسمى: سورة الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين، ولذلك قال ابن عباس ﵄ في سورة التوبة: تلك الفاضحة، ما زال ينزل: ومنهم ومنهم حتى خفنا ألا تدع أحداً.
وتسمى: سورة البحوث؛ لأنها تبحث عن أفراد المنافقين، وتسمى: المبعثرة، قال الله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:٦٤]، أي: إن الله مظهر ما تحذرون ظهوراً.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنزل الله أسماء المنافقين وكانوا سبعين رجلاً، ثم نسخ تلك الأسماء من القرآن رأفة منه ورحمة؛ لأن أولادهم كانوا مسلمين، والناس يعيِّر بعضهم بعضاً، فعلى هذا قد أنجز الله وعده بإظهار ذلك، إذ قال: ((إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ))، فكشف أسمائهم، ثم ستر ذلك مراعاة لأبنائهم المسلمين كي لا يعيَّروا بهم.
وقيل: إن قوله: ((إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ)) أنه عرف نبيه ﷺ أحوالهم وأسماءهم، لا أنها نزلت أسماؤهم في القرآن، ولقد قال الله تعالى: ((وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ)).
قال شيخ المفسرين ابن جرير: عن ابن عباس في هذه الآية: ((وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ))، قال: هم أهل النفاق، وقد عرفه إياهم في براءة، فشيخ المفسرين ابن جرير رحمه الله تعالى يرى أن الله عرفه بالفعل هؤلاء المنافقين في سورة براءة، فقال : ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]، وقال: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا﴾ [التوبة:٨٣].
قوله: ((وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ))، أي: بعلامتهم الخاصة التي يتميزون بها.
قال الزجاج: المعنى: لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة، وهي السيما، فلعرفتهم بتلك العلامة، والفاء لترتيب المعرفة على الإراءة، ((وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ)) أي: ولو أريناكهم لعرفتهم بسيماهم.
وقال أنس: ما خفي على رسول الله ﷺ بعد هذه الآية أحد من المنافقين وكان يعرفهم بسيماهم، وتكرير اللام للمبالغة أو للتأكيد.
ثم قال تعالى: ((وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ)) أي: في فحواه ومعناه، ومنه قول الشاعر: منطق صائب وتلحن أحياناً وخير الكلام ما كان لحناً أي: أحسنه ما كان تعريضاً يفهمه المخاطب ولا يفهمه غيره؛ لفطنته وذكائه، وأصل اللحن إمالة الكلام إلى نحو من الأنحاء لغرض من الأغراض، وهو مأخوذ من اللحن في الإعراض، وهو الذهاب عن الصواب.
وعن مالك بن دينار قال: تلقى الرجل وما يلحن حرفاً وعمله لحن كله.
وعن بعض الزهاد قال: لم نؤت من جهل ولكننا نستر وجه العلم بالجهلِ نكره أن نلحن في قولنا ولا نبالي اللحن في الفعلِ وقال ﷺ : (إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي لكم على نحو مما أسمع منكم، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة)، قال هذا لرجلين أتيا يختصمان في شيء معين، فقال النبي ﵇: (إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر) يعني: لا أعلم الغيب ولا أعلم ما في قلوبكم، ولكوني بشراً لن أحكم إلا بما يظهر لي، (ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض) أي: أنه يستطيع أن يحور الكلام بالفصاحة وغير ذلك، فيظهر حجته أقوى من حجة الآخر، في حين أنه ظالم والآخر هو المظلوم والحق له، لكن من علم صناعة الكلام وقدرته على اللحن في الكلام فإنه يستطيع أن يدلي بحجة، والآخر لأنه عيي لا يفصح ولا يستطيع أن يعبر، فيضيع حقه بسبب ذلك، فيحذِّر النبي ﵊ من مثل هذا فيقول: (ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي لكم على نحو مما أسمع منكم) أي: أني أنا آخذ بالظاهر، وهي الحجة التي يدلي بها هذا الشخص، ومع ذلك وإن كان الذي حكم هو رسول الله ﷺ ، وكان الحكم في الحقيقة باطلاً، أي: أنه حكم للظالم على المظلوم، فالرسول ﵊ ليس مسئولاً عن ذلك؛ لأنه يحكم بالظاهر الذي ظهر له، فهذا تحذير للشخص الظالم، وإذا كان هذا في حكم الرسول الله ﵊ فما بالك بشخص ينال شيئاً ليس من حقه بحكم قانون وضعي! إذا كان حكم الرسول ﷺ لا يغير الواقع في نفس الأمر شيئاً مع أنه حكم وهو يحكم بما يظهر له، فكيف بحال هؤلاء!! فإذا كنت تعرف أنك ظالم، وأنه ليس من حقك فلا يصح أن تقول: قد حكم لي؛ لأن هذا ليس من حقك، وهذا ليس من شرعنا ولا موافقاً له، قال ﷺ : (من عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، فيرد هذا الحكم.
فحكم الحاكم أو القاضي لا يغير من الحقيقة شيئاً، وستصبح مسئولاً أمام الله عن أن تؤدي الحق إلى صاحبه: (فمن قضيت له من حق أخيه
стр. 1932
تفسير قوله تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين)
قال الله ﵎ مخاطباً المؤمنين: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، قرأ الجمهور الأفعال الثلاثة بالنون: (ولنبلونكم حتى نعلم ونبلو أخباركم).
وقرأ أبو بكر عن عاصم بالتحتية فيها كلها، أي هكذا: (وليبلونكم حتى يعلم المجاهدين منكم والصابرين ويبلو أخباركم).
قال الشوكاني: ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ)) أي: لنعاملنكم معاملة المختبر، وذلك بأن نأمركم بالجهاد حتى نعلم من امتثل الأمر بالجهاد، وصبر على دينه، وعلى مشاق ما كلف به.
وقال القرطبي: أي: نتعبدكم بالشرائع وإن علمنا عواقب الأمور، وقيل: لنعاملنكم معاملة المختبرين.
قوله: ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ)) أي: عليه.
قال ابن عباس: ((حَتَّى نَعْلَمَ)) أي: حتى نميز.
وقال علي ﵁: ((حَتَّى نَعْلَمَ)) أي: حتى نرى.
قوله: ((وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ)) أي: نظهرها ونكشفها امتحاناً لكم؛ ليظهر للناس من أطاع الله فيما أمره، ومن عصى ولم يمتثل، وهذا التفسير في غاية الدقة، وقد تتصورا أنه كلام عادي، لكن هذا الكلام مبني على الأدلة والاستنباط منها.
إذاً: فيلون على هذا التفسير ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ))، أي: وحتى يعلم أوليائي وأهل طاعتي من هو من حزب الله، ومن هو من حزب المنافقين.
وروى رويس عن يعقوب: إسكان الواو من نبلو، أي: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوْ أَخْبَارَكُمْ﴾ على القطع مما قبله، ونصب الباقون رداً على قوله: ((حَتَّى نَعْلَمَ)).
قال إبراهيم بن الأشعث: كان الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبتلينا! فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا.
فالإنسان لا يتمنى البلاء، وإنما يسأل الله العافية التي اختارها النبي ﷺ لعمه حين سأله، فعلمه أن يدعو الله بالعافية، فهذه أعظم نعم الله : العافية واليقين.
وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فاثبتوا)، فالإنسان لا يتمنى الشر، وإذا قدر عليه ذلك فليثبت.
وقد حكي عن بعض العبّاد: أنه كان يسأل الله أن يبتليه، فابتلاه فلم يصبر، وكان البلاء شديداً جداً، فكان يمر على الصبية ويقول لهم: ادعوا لعمكم الكذاب.
يعني: أنا زعمت أنني إذا ابتليت فسأصبر، فيقول: ادعوا لعمكم الكذاب، لأنه لم يستطع أن يفي بما كان يتمناه.
ودخل النبي ﵌ على رجل كأنه جلد على عظم من شدة الضعف والوهن، فقال له: (هل كنت تدعوه أو تسأله شيئاً؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم! إن كنت معاقبي في الآخرة فعجله لي في الدنيا -وهذا عدم فقه لآداب الدعاء- فقال: سبحان الله! لا تطيق)، فدعا له النبي ﵇ فعافاه الله ، فالشاهد: أن الإنسان ينبغي أن يكون فقيهاً في دعائه، فنفس اللسان الذي تخرج منه كلمة: اللهم! إن كنت ستعاقبني في الآخرة فعجله لي في الدنيا هو نفسه يمكن أن يقول: اللهم! عافني في الدنيا والآخرة: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، ونفس الرب الذي ستسأله هذه ويجيبك، سوف يجيبك أيضاً إن سألته العافية، فالله ودود غفور رحيم، فاسأل الله العفو والمغفرة، وسله العافية، فإن رحمته واسعة، بل قد حرضنا على أن نطمع في رحمته، وقال ﵊: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنها أعلى الجنة، ووسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن) أو كما قال النبي ﵌.
فمن عدم الفقه أن يدعو الإنسان بمثل هذه الدعوات، ونحن نعرف وجاء في حديث حذيفة حينما قال له رجل من التابعين: أكان رسول الله ﷺ بين أظهركم وتركتموه يمشي على الأرض؟ لو أدركناه لحملناه فوق رءوسنا؛ فقال له حذيفة مشيراً إلى نفس هذا المعنى، وذكر ما لاقوه من الشدة والبلاء في غزوة الخندق، ثم قال: قد أدركه قوم ودخلوا النار كـ أبي جهل وأبي لهب، فهؤلاء أدركوا النبي ﵊ ولكنهم كفروا به وعادوه، فهم أشد الناس عذاباً لعداوتهم للنبي ﵌، وكفرهم به.
وحكى ما حصل لهم يوم الخندق، وأن البرد كان شديداً جداً، فسأل النبي ﷺ بعض الصحابة أن يخرج رجلاً منهم فيأتيه بخبر الأعداء، فقال: (من يأتيني بخبر القوم وهو رفيقي في الجنة).
فالشاهد أنه كل مرة لا يجيبه أحد، في المرة الأولى، والمرة الثانية، والمرة الثالثة، فبعد ذلك أمر حذيفة أن يخرج ويذهب هو، فلم يجد بداً، وقد عينه النبي ﵇ بالاسم إلا أن يمتثل لأمره ﵌، فامتثل وخرج، يقول: فكان خروجي ورجوعي وكأني كنت في الحمام، وهو عند العرب المكان الدافئ جداً من شدة البخار الساخن.
فالشاهد من هذا الكلام: أن الإنسان لا يعرف صبره وثباته، ما يدريك لو أنك كنت في زمن النبي ﵊ من أي قسم ستكون: من المؤمنين، أم من المنافقين، أم من الكافرين المشركين؟ فالمهم أن ترضى بما قسم الله لك، ولا تتمنى شيئاً ربما لو أدركته لكنت من الهالكين؛ لأن الله هو الذي يعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فهذا غيب وأنت لا تدري كيف يكون، فالله وحده هو الذي يعلم كيف يكون هذا الغيب.
стр. 1933
أقسام علم الله
قوله تعالى: ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ))، علم الله بعباده وخلقه علمان: علم غيب.
وعلم شهادة.
فعلم الغيب: هو علم الفطرة الأزلية، أي فطرة الله القديمة الأزلية التي لا بداية لها، فهذه صفة من صفات الله ، وهذا هو علم الغيب، وهو موجود قبل التكليف.
وعلم الشهادة: وهو الذي يكون بعد التكليف، وهذا هو الذي يترتب عليه الثواب والجزاء، فإذا راعينا هذا التقسيم، وعلمنا الجواب على الشبهة التي يقولها بعض الناس: إذا كان الله يعلم مسبقاً، وقدر مسبقاً ما يصدر ويجري مني، ومن أي الفريقين أنا، فلماذا يحاسبني بعد ذلك؟ ف
الجواب
لو كان الله يحاسبك على علمه فيك فقط لكان لسؤالك وجه، لكنه لا يحاسبك على علمه فيك حتى تعمل به، فعملك هذا هو الذي تحاسب عليه، ولذلك جاء في الحديث: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار) إلى آخر الحديث كما تعلمون.
إذاً: فالعلم في قوله تعالى هنا في هذه الآية: ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ))، وقوله أيضاً في قوله تعالى، مثلاً: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣]، هو شهادة؛ لأنه بعد التكليف، فيريد أن يعلم أولياءه الذين سيطيعونه.
وقد يتوهم الجاهل من ظاهر قوله هنا: ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ))، أن الله يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه عن ذلك علواً كبيراً، بل الله عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون، فلا يحدث له علم؛ لأن الله لو حدث له علم فهذا العلم كمال، فالله لا يتصور أبداً خلوه عن هذا الكمال، فإذا كان العلم الذي هو الكمال حصل له -والعياذ بالله- فيما بعد وطرأ عليه، فمعنى ذلك أنه من قبل ناقصاً؛ لأنه كان خالياً من هذا العلم، فهذا لا يجوز في الله ، والله فنزه عن ذلك! إذاً: فالله يعلم ما سيعمله الخلق كما دلت عليه آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم:٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون:٦٣] أي: أنهم إلى الآن لم يعملوها لكن الله يعلمها، وقال تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة:٣].
وقد بيَّن أنه لا يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه، فقال : ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٤]، وتأملوا نهاية الآية: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، فقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١٥٤] فيه صفة مستمرة بعد قوله: ((وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ))، وهذا دليل قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئاً لم يكن عالماً به عن ذلك علواً كبيراً؛ لأن العليم بذات الصدور غني عن الاختبار، قال تعالى: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ:٣].
فقوله: ((وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ)) حتى لا يذهب ذاهب ويتخيل أن الابتلاء يفيد الله علماً جديداً، فختم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، فيبتلي ما في صدوركم ليصير علم شهادة، وأما الله فإنه يعلم مسبقاً.
وفي هذه الآية بيان عظيم لجميع الآيات التي يذكر الله فيها اختباره لخلقه كما سنبينها إن شاء الله تعالى، ومعنى قوله تعالى: ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ)) أي: نعلم علماً يترتب عليه الثواب والعقاب، ولا يباهي أنه كان عالماً به قبل ذلك؛ لأن العلم الذي كان عالماً به قبل ذلك علم غيب، وهذا العلم -علم الشهادة- يكون موافقاً لما سبق به قلم القضاء.
وفائدة الاختبار ظهور القضاء والقدر، أما عالم السر والنجوى فهو عالم بكل ما سيكون كما لا يخفى.
ولذلك قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: وهذا العلم هو العلم الذي يقع عليه به الجزاء؛ لأنه إنما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه القديم عليهم.
فتأويله: حتى نعلم المجاهدين علم شهادة، وإن كان الله تعالى يعلمهم علم غيب؛ لأنهم إذا أمروا بالعمل يشهد منهم ما عملوا، فالجزاء بالثواب والعقاب يقع على علم الشهادة قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ أي: نختبرها ونظهرها.
انتهى كلام القرطبي.
وقال الإمام شيخ المفسرين جعفر بن جرير الطبري رحمه الله تعالى: ولنبلونكم أيها المؤمنون! بالقتل وجهاد أعداء الله؛ ((حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ)) أي: حتى نعلم علم شهادة إذا امتثلتم أو عصيتم، فيعلم أوليائي وحزبي أهل الجهاد في سبيل الله منكم وأهل الصبر على قتال أعدائه؛ فيظهر ذلك لهم، ويعرف ذوي البصائر من أهل الشك والحيرة، وأهل الإيمان من أهل النفاق.
قوله: ((وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ)) أي: فنعرف الصادق منكم من الكاذب.
انتهى كلام شيخ المفسرين.
وما ذكره شيخ المفسرين من أن المراد بقوله: ((حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ))، حتى يعلم حزبنا وأولياؤنا المجاهدون، فهذا له وجه، وقد يشهد له قوله تعالى: ((وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ)) أي: نظهرها ونبرزها للناس.
ومما يوضح هذا المعنى أن علماء التفسير عندما يضعون هذه العبارات الدقيقة فإنها لا تأتي خالية من الدليل، لكن الاستنباط دقيق من معاني الآيات، وفهم آيات القرآن بعضها مع بعض، ومما يوضح هذا قول الله : ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران:١٧٩]، فالشاهد هنا في هذه الآية قول الله تعالى: ((مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ))، فيتميز الخبيث من الطيب يكون بظهور ذلك للناس.
إذاً: فمعرفة المؤمنين للخبيث من الطيب، والتميز بين الفريقين يمكن أن نعرفه بأكثر من طريقة: إما أن نعرفه بأن يأمر الله الناس جميعاً بالجهاد مثلاً، فمن استجاب فهو من المؤمنين، ومن نكث فهو من المنافقين مثلاً، فيظهر ذلك للناس.
وهناك وسيلة أخرى وهي الاطلاع على الغيب، قال تعالى: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ))، بمعنى: أنهما طريقان لا ثالث لهما لكي تعرفوا الناس وتميزوا بينهم، والاطلاع على الغيب ليس إلينا، ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ))، فالله تعالى هو عالم الغيب والشهادة ، فلا سبيل إلى اطلاعكم على الغيب، إذاً فيتعين الطريق الآخر وهو: أن يقع الاختلاف بين الناس، فيمتاز أهل الإيمان من أهل النفاق؛ لذلك قال تعالى: ((مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ)) أي: من اختلاط الأمور، واختفاء المنافقين في وسطكم، ((حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)).
قوله: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ)) أي: فتعلموا ما ينطوي عليه الخبيث والطيب، ولكن الله عرفكم ذلك بالاختبار والابتلاء الذي تظهر بسببه طوايا الناس من خُبْث وطِيْب، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢] وقال ﵎: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] وأكثر المفسرين على أن هذه الآية نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة، والحر والبرد، وسوء العيش، وأنواع الشدائد، وكان الأمر كما قال تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠].
وقيل: نزلت تسليةً للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله ﷺ ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله ﷺ ، وأسر قوم من الأغنياء النفاق.
ومن الآيات في معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٦]، فكل هذه الآيات في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾.
وهذه الآية: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٦]، يقول فيها
стр. 1934
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله)
قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٣٢].
قوله: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)): المقصود بهم هنا المنافقون، وقيل: هم أهل الكتاب، وقيل: المشركون يوم بدر، ونظيرها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
وقيل: نزلت في بني قريظة والنضير، ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)) الراجح في تفسير الصد هنا أنه منعهم للناس عن الإسلام واتباع الرسول ﵌.
قوله: ((وَشَاقُّوا الرَّسُولَ))، أي: عادوه وخالفوه مخالفة شديدة.
قوله: ((مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى))، أي: علموا أنه ﷺ نبي من عند الله بما شاهدوا من المعجزات الواضحة، والحجج القاطعة.
قوله: ((لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ))، أي: ورسوله ﷺ ، (شَيْئًا) أي: بصرفهم عن الإيمان، وإصرارهم على الكفر، ولن يضروا إلا أنفسهم كما في الحديث: (من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً).
قوله: ((وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ)) أي: ثواب ما عملوه، والمقصود أنه يفسدها، والمراد بذلك أعمال الخير: كإطعام الطعام، وصلة الأرحام، وسائر ما كانوا يفعلونه من الخير، وإن كانت باطلة من الأصل؛ لأن الكفر مانع من قبولها ومن الانتفاع بها في الآخرة.
وقيل: المراد بالأعمال في قوله: ((وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ)) أي: مكائدهم.
إذاً: تحمل الأعمال على أحد معنيين: إما الأعمال التي ظاهرها الخير، مع أنها لا تنفعهم في الآخرة؛ لأنها خلت عن شرط الإيمان.
وإما أن المراد بالأعمال: مكرهم وكيدهم ومؤامراتهم.
قوله: ((وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ)) أي: المكائد التي نصبوها لإطفاء دين الله، والغوائل التي كانوا يبغونها لرسول الله ﵌.
وقد ذكرنا من قبل: أن الراجح في كلمة (صد) هنا أنها متعدية، فهم كفروا في أنفسهم، ومنعوا غيرهم أيضاً من الإيمان والإسلام، وهذا الأمر ما زال مستمراً إلى يومنا هذا وإلى أن يشاء الله ، وآية ذلك ما يحصل الآن ومنذ زمن بعيد من الحرب على الدين التنفير منه، وتحريض الناس على الصد عن سبيل الله، وهذا له أنواع وأساليب كثيرة جداً في زماننا، فقد حاولوا تخليص كثير من الناس من التدين، ومعاقبتهم على التدين، وامتحانهم على طاعة الله ورسوله ﷺ ، ووصف المتدينين بأنهم متطرفون وعنصريون وإرهابيون وغير ذلك مما يرجف به أعداء الله .
وقلنا من قبل مراراً: إن أعظم حق من حقوق الإنسان هو حق الدين فنحن في عصر يتشبث فيه هؤلاء الكفار بحقوق الإنسان على طريقتهم، فإما أنهم يعتبرون المسلمين ليس لهم حقوق وبالتالي لا يستحقون هذه الحقوق، وإما أنهم يكيلون لا أقول بمكيالين، بل هو كيل واحد للمسلمين لم يتغير، وهو كيل الظلم والجور، ونقض العهود والمواثيق.
وأكبر جريمة ترتكب في حق الإنسان أن يحال بينه وبين سعادة الدنيا والآخرة، فتخيل شخصاً يتسبب في حرمان الناس من الخلود في الجنة وما فيها من النعيم، ويوردهم موارد الهلكة، وهذا كما قال النبي ﵊: (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها).
إن أكبر جرم يرتكب في حق الإنسانية هو منع الناس من الدخول في الإسلام، فأعظم حق في الإسلام للإنسان، هو أن يصله نور التوحيد، ومن أجل ذلك كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يفتحون البلاد بالسيف، وبعض الناس يقول: هذا إكراه، ولا إكراه في الدين، فتقول: إن غاية ما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يريدونه هو أن يزيحوا الجيوش التي تقف على حدود هذه البلاد بعد دعوتهم للإسلام، فيصرون على مقاتلة المسلمين، ويريدون أن يبلغوا هذه الدعوة ويوصلوها إلى الناس مباشرة، فتقف هذه الجيوش على حدود هذه البلاد ليمنعوا نور الله من أن ينتشر في الآفاق، ويمنعوا أن تعلوا كلمة الله، وبالتالي يكون ذلك سبباً في حرمان الناس من دخول الجنة، فهم هجروا أوطانهم وديارهم وأبناءهم، وضحوا بالنفس والنفيس في سبيل أن يحملوا هذا النور إلى العالمين كما كلفهم الله مالك هذا الكون كله بذلك.
فكل ما كان يفعله الصحابة هو مجاهدة الجيوش التي تحول بينهم وبين ما أمرهم الله به فقط، فكانوا يقاتلون من امتنع، أما من لم يمتنع فيتركونه يدخل في دين الإسلام، ويمضون إلى شأنهم في فتح البلاد، فيزيحون القوى التي تقف أمامهم فقط، وأما عند معاملتهم مع الشعوب فإنهم لم يقهروا أحداً على الدخول في الإسلام، قال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦] إلى آخر الآية، فكان الصحابة ﵃ لا يُكرهون أحداً على الدخول في هذا الدين، وإنما كان همهم أن يوصلوا هذا النور إلى العالمين، فكل من يقف ليمنع هذا النور سواءً بالتخويف والإرهاب والبطش أو بالفتك والقتل، فإن الإسلام له بالمرصاد، وقد سلط الغرب الكافر سلمان رشدي وأمثاله من الكفرة الملاحدة ليطعنوا في الرسول ﵇ وفي الإسلام كما هو شأنهم، وكما حذرنا الله من ذلك من قبل، فوقف لهم أهل الحق بالمرصاد.
فأكبر حقوق الإنسان -إذا كانوا فعلاً صادقين- أن يتركوا نور الله يصل إلى هؤلاء الناس، لكننا نرى هؤلاء الناس غارقين في الوحل من الشرك والوثنية في كل أنحاء المعمورة، وسبب حرمانهم من هذا النور هو هذا الصد عن سبيل الله، ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ))، فالصد عن سبيل الله صار وظيفة، فيوجد أناس متفرغون للصد عن سبيل الله.
وأنواع الصد كثيرة جداً، والصادون عن سبيل الله كثيرون، وقد حذرنا منهم الله ، وحذرنا رسول الله ﵌.
ولذلك يقول بعض السلف: إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر أين أقامك، إن أقامك في خدمة دينه والدعوة إليه فهذا أشرف المقامات؛ لأنها وظيفة الرسل، وإن أقامك في الصد عن سبيل الله، والتنفير من دين الله، ومعاقبة الناس على التدين، وتنفير الناس من دينهم بالأوصاف المنفرة فأنت في مقام سيء، وهذا أسلوب قديم أن يوصف أهل الدين وأهل الطاعة بالأوصاف المنفرة، فيأتي أهل الباطل إلى الحق ويغلفوه بأغلفة منفرة كما يقول الشاعر مشيراً إلى هذا التلاعب بالألفاظ، وما يكون له من أثر نفسي في تنفير الناس من الحق، يقول: تقول هذا جنى النحل تمدحه وإن شئت قلت: ذا قيء الزنابير مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير فمن الممكن أن تأتي إلى عسل النحل وتقول فيه إن أردت أن تمدحه: هذا جنى النحل، هذا محصول النحل، ومن الممكن أن تقول عنه تنفيراً منه: هذا قيء الزنابير، أي: ما تتقيؤه هذه الزنابير التي تلسع مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير فنور الله ودين الله يوصف بالتطرف والإرهاب والأصولية، إلى غير ذلك من هذه المصطلحات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
فويل لمن يجمع بين الكفر في نفسه والصد عن سبيل الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾، سواء قلنا: أعمالهم التي أتوا بها وهي على صورة القيء، فإنها تحبط ولا تنفعهم الآخرة، أو ((َسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ))، يعني: كيدهم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦].
ولو أن أي دعوة واجهت من الحروب والتكفير والتشنيع والإبادة ما واجهه الإسلام والمسلمون لما بقي لها ذكر في التاريخ على الإطلاق، فليس من سبب في حماية وصيانة هذا الدين إلا أنه دين الله وحجته على خلقه.
وما من دعوة أو مذهب أو فرقة في خلال مئات قليلة من السنوات إلا وقد حرفت تماماً عن أصلها ما عدا الإسلام، فالأمم كلها من العقلاء والباحثين والعلماء الغربيين وغيرهم فضلاً عن جميع المسلمين تجمع على أن القرآن لم يحرف منه حرف واحد، ولم ينقص منه ولم يزد فيه حرف واحد، فمن الذي حفظه؟ إنه الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، حتى تبقى المعجزة، والحجة قائمة على كل من ينتمي إلى أمة الدعوة التي هي أمة محمد ﷺ ، وهي كل من على ظهر الأرض، فكل البشرية هي أمة محمد بعد بعثته، فـ كلينتون من أمة محمد، ونتنياهو وكل الكفار منذ بعثته ﷺ إلى قيام الساعة هم من أمته، أي: من أمة الدعوة التي بعث إليها محمد ﷺ ، فإن كان ﷺ قد لحق بالرفيق الأعلى لكن أمته نائبة عنه في تبليغ شرعه، وإقامة حجته، ومعجزته باقية خالدة على مر الزمان.
قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ))، يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: الظاهر أن (صَدُّوا) في الآية متعدية، والمفعول محذوف، أي: لو كان المفعول ظاهراً لم يبق خلاف في أن الفعل متعدٍ، فلو كانت الآية: (إن الذين كفروا وصدوا غيرهم عن سبيل الله)، أو: (وصدوا الناس)، لكانت متعدية، لكن لما لم يذكر المفعول اختلفوا، فقال بعضهم: هي للتوكيد.
فلكلمة: (صدوا) تأتي لازمة وتأتي متعدية، فاللازمة لا تحتاج إلى مفعول به، مثل كلمة: خرج، ونزل، كأن تقول: فصد عني، وتعني: أعرض عني، أو أشاح بوجهه عني، وكقوله تعالى: ﴿رَأ
стр. 1935
تفسير سورة محمد [٣٣ - ٣٥]
стр. 1936
تفسير قوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم)
قوله الله تعالى: ((وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ))، فهذا الجزء من هذه الآية من آيات الأحكام، حيث يشيع عند علماء التفسير -خاصة المصنفين في أحكام القرآن- الاستدلال بهذه الآية الكريمة في مسألة فقهية، وهي: هل يجوز لمن دخل في قربة نافلة أن يخرج منها قبل إتمامها؟ اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين: القول الأول: قول الإمامين الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى، قالا: له -إذا شرع في نافلة- أن يخرج منها قبل أن يتمها إلا في نافلة الحج والعمرة، فإنه يجب عليه إتمامهما، ويستدلون على ذلك بقول الله ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، فمن شرع في نافلة حج أو عمرة وجب عليه إتمامها.
وأما الصلاة والصوم فإنه يستحب له إتمامهما ولا يجب عليه، وقالوا: إن المتطوع أمير نفسه، كما سيأتي في الأحاديث، فإلزامه إياه بالإتمام مخرج عن وقت التطوع، فالله ﵎ يقول: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة:٩١]، فهذا محسن أي: متطوع قطع ما لا يجب عليه أصلاً، فلا حرج عليه في ذلك.
وقالوا: إن لفظ هذه الآية: ((وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ))، وإن كان عاماً يعم كل الأعمال، سواء كانت نافلة أو فريضة، وسواء كان حجاً أو عمرة أوغير ذلك، إلا أن هذا العموم مخصَّص؛ لأن التطوع يقتضي تخييراً، فهو مخصَّص بالأدلة التي سوف نذكرها إن شاء الله تعالى.
ومن الأدلة التي استدل بها الشافعي وأحمد على جواز ذلك: أنه قد ثبتت بعض الأحاديث التي فيها أن الإنسان إذا دعي إلى وليمة نكاح وكان صائماً فينبغي له أن يجيب فإجابة الدعوة أن يذهب إلى مكان الدعوة تقديراً لأخيه، وإدخال السرور عليه، فيجب عليه أن يجيب حتى لو كان صائماً، لكن لا يجب عليه أن يأكل؛ لقول النبي ﷺ : (إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطراً فليطعم، وإن كان صائماً فليصل)، أي: فليدع.
القول الثاني: قول الإمامين أبي حنيفة ومالك، فقد قالا: ليس له ذلك، فإذا شرع في نافلة فإنه يجب عليه الإتمام، فإذا أبطلها وجب عليه قضاؤها، ودليلهم عموم قوله تعالى: ((وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ))، واستدلوا أيضاً بحديث عائشة وحفصة رضي الله تعالى عنهما.
وأجاب الإمامان أبو حنيفة ومالك عن أدلة الشافعي وأحمد في قولهما: إن المتطوع أمير نفسه، فقالا: إن المتطوع أمير نفسه لكن ذلك مالم يشرع، فهو: أمير نفسه في أن يبتدئ بالفعل أو لا يبتدئ، وأما إذا شرع فيه فليس أمير نفسه، بل قد ألزم نفسه بالإتمام؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، ولعموم قوله هنا: ((وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)).
وإذا كان متطوعاً في صيامه فله أن يفطر، خاصة إذا ألحّ عليه الداعي، أو كان قد تكلف له؛ لقول النبي ﷺ : (إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء ترك).
وقال النبي ﵌ أيضاً: (الصائم المتطوع أمير نفسه: إن شاء صام، وإن شاء أفطر).
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (دخل علي رسول الله ﷺ يوماً فقال: هل عندكم شيء؟ فقلت: لا، قال: فإني صائم، ثم مرّ بي بعد ذلك اليوم وقد أهدي إلي حَيْس، فخبأت له منه، وكان يحب الحيس، قالت: يا رسول الله! إنه أهدي لنا حَيْس، فخبأت لك منه، قال: أدنيه، -أي: قربيه - أما إني أصبحت وأنا صائم، فأكل منه، ثم قال: إنما مثَل المتطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها)، ولم يذكر هنا قضاءً؛ بناء على أنه لا يجب قضاء النفل.
وهذا هو الراجح، أي: ما ذهب إليه الإمامان الشافعي وأحمد رحمهما الله، وذلك لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (صنعت لرسول الله ﷺ طعاماً، فأتاني هو وأصحابه، فلما وضع الطعام قال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ : دعاكم أخوكم وتكلف لكم، ثم قال له: أفطر، وصم مكانه يوماً إن شئت) وفي هذا مراعاة للأدب، وهو أنه إذا كان يشق على صاحب الدعوة ألا تأكل من طعامه، وكنت في صيام نافلة، ففي هذه الحالة الأفضل لك أن تفطر؛ إدخالاً للسرور على أخيك المسلم، وهذا في صيام النافلة فقط.
وقوله: (إن شئت) يدل على التخيير، وأنه لا يجب عليه قضاء ذلك اليوم.
وكذلك حديث أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله ﷺ آخى بين سلمان وبين أبي الدرداء ﵄، قال: فجاء سلمان يزوره فإذا أم الدرداء متبذلة - أي: لابسة ثياب المهنة، وتاركة لملابس الزينة -، فقال: ما شأنك يا أم الدرداء؟! قالت: إن أخاك أبا الدرداء يقوم الليل، ويصوم النهار، وليس له في شيء من الدنيا حاجة، فجاء أبو الدرداء فرحب به، وقرب إليه طعامه، فقال له سلمان: اطعم -أي: كُل- قال: إني صائم، قال: أقسمت عليك لتفطرن، ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل معه - وهذا هو الشاهد، أنه أكل معه -، ثم بات عنده، فلما كان من الليل أراد أبو الدرداء أن يقوم، فمنعه سلمان وقال له: يا أبا الدرداء! إن لجسدك عليك حقاً، ولربك عليك حقاً، ولضيفك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، صم وأفطر، وصل وأْتِ أهلك، وأعط كل ذي حق حقه، فلما كان في وجه الصبح قال: قم الآن إن شئت، قال: فقاما فتوضأا، ثم ركعا، ثم خرجا إلى الصلاة، فدنا أبو الدرداء ليخبر رسول الله ﷺ بالذي أمره سلمان، فقال له رسول الله ﷺ : يا أبا الدرداء! إن لجسدك عليك حقاً، مثلما قال سلمان، وفي رواية: قال له النبي صلى الله عيله وسلم: صدق سلمان) , فأقر ما قاله سلمان لـ أبي الدرداء.
إذاً: فهذا هو الراجح في هذه المسألة، وهو: أن من دخل في قربة فإنه يجوز له بعد الشروع فيها الخروج منها قبل إتمامها، ولا يجب عليه القضاء إلا في نافلة الحج والعمرة؛ للنص على ذلك.
стр. 1937
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم)
стр. 1938
العبرة بالخواتيم والأدلة على ذلك
قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد:٣٤].
هذه الآية الكريمة سبق أن تعرضنا لصدرها ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ))، وذكرنا أن الراجح في الصدّ أنه متعدٍّ، ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)) أي: في أنفسهم، ((وَصَدُّوا)) أي: غيرهم ((عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ))، وهذا يرجح على قول من قال: إن ((وَصَدُّوا)) بمعنى: أعرضوا اللازمة؛ لأنا إذا قلنا: إن صدوا هنا بمعنى: أعرضوا عن سبيل الله، فسيكون هذا توكيداً، وأما إذا قلنا: إن المعنى: أنهم صدوا غيرهم ((عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ))، فسيكون تأسيساً، ولا شك أن التأسيس مقدَّم على التوكيد؛ لأنه يبني معنىً جديداً.
قوله: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ)) فيه بيان لافتراض الخاتمة، وأن الأعمال بالخواتيم، فالعبرة بالحال التي يموت عليها الإنسان، كما قال صلى الله عيه وسلم: (إنما الأعمال بالخواتيم)، فلو صام رجل يوماً طويلاً شديداً حره، ثم أفطر قبيل غروب الشمس بثوانٍ معدودات فقد حبط صيام هذا اليوم كله، وإذا صلى صلاة طويلة ثم أحدث قبل السلام، فصلاته باطلة كلها.
وكذلك العمر، فإذا وفِّق الإنسان إلى خاتمة حسنة فإن الله يعفو عن كل ما مضى، والعكس أيضاً.
إذاً: فهذه الآية الكريمة فيها بيان أن الوفاة على الكفر توجب الخلود في النار، فمجرد أن يكون الإنسان كافراً لا يكفي للحكم عليه بعينه أنه من أهل النار، وإنما لا بد من أن يثبت أنه قد مات على الكفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، وهذا يشير إلى قوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]، فانظر إلى رحمه الله تعالى، فحتى هؤلاء الذين كفروا في أنفسهم، وفتنوا وعذبوا المؤمنين بالنيران في قصة الأخدود الشهيرة، اشترط الله في استحقاقهم هذا الوعيد أن يثبتوا على ذلك حتى الممات، فقال: ((إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا))، فمفهومها أنهم إن تابوا فإن الله يغفر لهم، فهذا من رحمة الله الواسعة.
وقد قيل: إن المراد بالآية أصحاب قليب بدر، وظاهر الآية العموم في كل من مات على الكفر وإن كان سببها خاصاً.
وقد وضح هذه الآية آيات أخرى من كتاب الله تعالى، ومنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران:٩١]، فانظر إلى قوله: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ)) ففيها إشارة إلى الخاتمة.
وروى الشيخان عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك)، كلفتك أن تعبدني ولا تشرك بي شيئاً وهذا لفظ البخاري.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [البقرة:١٦١ - ١٦٢].
قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ))، الواو في قوله: ((وَهُمْ كُفَّارٌ))، هي واو الحال، أي: ماتوا على حال الكفر.
وقال الله تعالى: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٨].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧].
стр. 1939
حكم لعن الكافر المعين
يقول القاضي ابن العربي رحمه الله تعالى: قال لي كثير من أشياخي: إن الكافر المعين لا يجوز لعنه؛ لأن حاله عند الوفاة لا تعلم، وقد شرط الله تعالى في هذه الآية في إطلاق اللعنة الوفاة على الكفر.
فاستنبط بعض العلماء من هذه الآية أنه لا يجوز لعن الكافر المعين؛ لأن حاله عند الوفاة لا تعلم، فهو لا يستحق اللعنة حقاً إلا إذا مات على الكفر، كما في الآيات السابقة كلها: ((وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ)).
فخاتمة الإنسان لا تعلم إلا بنص من الوحي، فلا نقطع بالجنة لأحد إلا لمن قطع له الوحي بذلك، وكذلك لا نقطع بالنار لأحد إلا لمن حكم له الوحي بذلك، كـ أبي جهل وفرعون وأبي لهب وغيرهم من الكافرين الذين قطع الوحي سواء في القرآن أو السنة بكفرهم ولعنهم، لأنهم ماتوا على كفرهم، فهؤلاء يقطع لهم بالنار.
وأما من عدا ذلك فيجوز لعن النوع لا العين، كما تقول: لعنة الله على الظالمين! ولعنة الله على الكافرين! أما أن تلقن فلان بن فلان باسمه، فينبغي ألا تتهور في ذلك؛ لأنك لا تعلم خاتمة هذا الإنسان كيف تكون، أو كيف كانت.
стр. 1940
حكم لعن الكفار جملة من غير تعيين
لا خلاف في جواز لعن الكفار جملة من غير تعيين؛ لما رواه مالك عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان.
وهذا أمر ثابت، فالصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا إذا انتصف رمضان يلعنون الكفرة، وكانت الصيغة التي يدعون بها: اللهم! العن كفرة أهل الكتاب إلى آخر الدعاء المعروف، ثم أقر العلماء بعد ذلك أن الصحابة كان عامة من يقاتلونهم أهل الكتاب، وأما بعد ذلك فقد تنوع الأعداء الذين يقاتلونهم ولم يقتصروا على أهل الكتاب، فلذلك استحسن بعض العلماء أن يدعى بـ: اللهم! العن الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون أنبياءك، ويقاتلون أولياءك إلى آخر الدعاء.
قال القرطبي: قال علماؤنا: فالدعاء باللعن على الكافرين عموماً، سواء كان لهم ذمة أم ليس لهم ذمة، وليس ذلك بواجب، ولكنه مباح لمن فعله؛ لجحدهم الحق، وعداوتهم للدين وأهله.
وكذلك كل من جاهر بالمعاصي كَشُرَّاب الخمر، وأكَلة الربا، ومن تشبه من النساء بالرجال، ومن الرجال بالنساء إلى غير ذلك مما ورد لعنه في الأحاديث، فتلعن النوع فتقول: لعن الله المتبرجة، لعن الله المغيرات خلق الله!، لعن الله النامصة! لعن الله شارب الخمر! فهذا حكمه الجواز لا الاستحباب؛ فضلاً عن الوجوب، وهذا بخلاف بعض الفرق الضالة الذين يتعبدون باللعن، ويا ليتهم يلعنون من يستحق اللعن! ولكنهم يلعنون خيرة خلق الله بعد الأنبياء وهم صحابة رسول الله ﵌، فنرى الرافضة -قبحهم الله- يعدون لعن أبي بكر وعمر -والعياذ بالله- أفضل وأرجى ثواباً من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، وفضائحهم في ذلك فظيعة ومستبشعة.
فلا ينبغي أبداً أن تلين قلوبنا، أو أن يرى الله في قلوبنا هوادة في بغض هؤلاء المجرمين أعداء الله وأعداء رسوله، وأعداء أصحابه.
وقد أظهر بعضهم أشياء قد تفتن بعض القاصرين، فنجد بعض الناس يقولون: كان الخميني يفعل كذا وكذا من المواقف الفذة في نظرهم، ويتعامون ويتناسون جرائمه الكبرى في مجال التوحيد، وفي تكفير الصحابة ولعنهم وغير ذلك من عدوانه وتطاوله، فهذا لا تغفره هذه المواقف، والشيطان لابد أن يلبس على الإنسان الباطل بشيء من الحق؛ حتى يروّج عليه هذا الضلال، فيشعر أنه هو الذي يعز الإسلام، وأنه هو الذي يدافع عنه، وهو متلبس بطامات كبرى.
آخر تلك المواقف موقف يذكرنا بقول عمر رضي الله تعالى عنه: أشكو إلى الله جلد الفاجر وعجز الثقة.
وقد كان الرجل الرافضي الخبيث المدعو محمد خاتمي سيذهب زيارة أول أمس إلى فرنسا، ثم إنه أُعلن عن إلغاء هذه الزيارة، واتضح أن السبب أنه أثناء ترتيبات الزيارة طلب ألا تقدم خمور على المائدة التي يجلس عليها، فالصليبيون الحاقدون في فرنسا رفضوا ذلك، وقالوا: لا، على الضيف أن يحترم أعراف أصحاب الدعوة، ولا يعترض على شيء مما هو من تقاليدهم أو عادتهم، فكان هذا سبب إلغاء الزيارة.
ولا شك أن هذا موقف كنا نود أن يصدر من غيره، ولكن نقل ما حجم هذا الموقف -وإن كان موقفاً حسناً- بجانب الطامات الكبرى، والمصائب التي لا يجبرها شيء، حتى لو فعل أضعاف أضعاف ذلك من المواقف الجيدة؟! فلا بد أن نعطي الأشياء موازينها، فهؤلاء قوم يتعبدون بلعن الصحابة وتكفيرهم، إلا خمسة منهم أو ثلاثة، فضلالهم بيَّن، فينبغي ألا نبهر بمثل هذه المواقف الجزئية، وهي لا تكفي لتغفر لهم جرائمهم في حق الصحابة، فقبحهم الله ، ونكّس راياتهم.
فخلاصة الكلام في اللعن: أن اللعن ليس عبادة، وإنما هو جائز ومباح بهذه الشروط التي ذكرناها، فهو ليس بواجب، وإنما مباح لمن فعله، فيجوز أن يُلعن جنس الكفار عموماً؛ لجحدهم الحق، وعداوتهم للدين وأهله، وكذلك كل من جاهر بالمعاصي كما ذكرنا.
وذكر القاضي ابن العربي: أن لعن العاصي المعين لا يجوز اتفاقاً، لما روي عن النبي ﷺ أنه (أتي بشارب خمر مراراً، فقال بعض من حضره: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم)، فأبقى له حرمة الأخوة، وهذا يوجب الشفقة، والحديث صحيح أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم.
стр. 1941
حكم لعن العاصي المعين
وقد ذكر بعض العلماء خلافاً في لعن العاصي المعين، أي أن يلعن باسمه فيقال: لعن الله فلاناً مثلاً، إن كان عاصياً كشارب الخمر أو غير ذلك.
ذكرنا قول القاضي ابن العربي: أن لعن العاصي المعين لا يجوز اتفاقاً، واستدل على هذا بحديث: (لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم)، وهذا قاله في حق نعيمان الذي كان يجلد مراراً في شرب الخمر.
وأجيب: بأنه قال هذا بعد أن أقيم عليه الحد، ومن أقيم عليه حد الله فلا ينبغي لعنه؛ لأن الحد يطهره، فلا يجوز أن يعيَّر بالذنب، أو أن يؤاخذ به.
وأما من لم يقم عليه الحد فلعنه جائز سواء سمي أو عيِّن؛ لأن النبي ﷺ لا يلعن إلا من تجب عليه اللعنة ما دام على تلك الحالة الموجبة للعن، فإذا تاب منها وأقلع وطهره الحد فلا تتوجه إليه اللعنة، وبيَّن هذا قول النبي ﷺ : (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب).
قال بعض العلماء: ما دام أنه قد أقام عليها الحد فلا ينبغي أن يوبخها، ولا يلومها ولا يقرعها بالزنا بعد الضرب؛ لأن الأمر قد انتهى، فما دامت أنها قد أقيم عليها الحد فهو تطهير، وفي نفس الوقت لا يجوز بعد ذلك تقريعها وتوبيخها بسبب هذه الفاحشة.
وبعض العلماء فسروا الحديث: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب) أنه: لا يقنع ولا يكتفي في عقوبتها بالتثريب - وهو التوبيخ - بل لا بد أن يضربها الحد.
وعلى كل الأحوال: فهذا الحديث يدل على أن التثريب واللعن إنما يكون قبل إقامة الحد وقبل التوبة، والله تعالى أعلم.
قال ابن العربي: وأما لعن العاصي مطلقاً فيجوز إجماعاً، وذلك مثل أن يقول: لعن الله شارب الخمر، ولعن الله السارق، كما قال النبي ﵊: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده).
ولعن النامصة والمتنمصة وغير ذلك من أنواع الكبائر والمعاصي من غير تعيين شخص بعينه، وهذا لعن مطلق لا يقصد به شخص معين.
стр. 1942
تعريف اللعن والتحذير من التخلق به
واللعن: هو الدعاء بالإبعاد من رحمة الله.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في (فتح الباري): أخرج أبو داود عن أبي الدرداء بسند جيد مرفوعاً إلى النبي ﷺ قال: (إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتأخذ يمنة ويسرة، فإن لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لُعن، فإن كان أهلاً وإلا رجعت إلى قائلها).
وله شاهد عند أحمد من حديث ابن مسعود بإسناد حسن.
فالإنسان إذا لعن أحداً فإن اللعنة تصعد إلى السماء، ثم تغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتأخذ يمنة ويسرة، فإن كان الشخص الذي لعن يستحق هذه اللعنة أصابته، وإن لم يكن يستحقها فإنها ترجع إلى نفس الشخص الذي دعا باللعنة.
وعنه ﷺ قال: (لعن المسلم كقتله)، رواه البخاري؛ لأنه إذا لعن أخاه المسلم فكأنه دعا عليه بالهلاك.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (لم يكن النبي ﷺ سبّاباً ولا فاحشاً ولا لعّاناً، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: ماله ترب جبينه!) رواه البخاري.
وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال: (بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة أي: فضجرت -ضجرت من الناقة- فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: خذوا ما عليها ودعوها، فإنها ملعونة، قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس لا يعرض لها أحد)، رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا ينبغي لصدِّيق أن يكون لعّاناً).
وعنه ﷺ قال: (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة)، رواه مسلم.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: فيه الزجر عن اللعن، وأن من تخلق به لا يكون فيه هذه الصفات الجليلة؛ لأن اللعنة في الدعاء يراد بها الإبعاد من رحمة الله ، وليس الدعاء بهذا من أخلاق المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى بالرحمة فيما بينهم، والتعاون على البر والتقوى، وجعلهم كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وكالجسد الواحد، وأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فمن دعا على أخيه المسلم باللعنة -وهي الإبعاد من رحمة الله تعالى- فهو من نهاية المقاطعة والتدابر، وهذا غاية ما يوده المسلم للكافر ويدعو عليه، يعني: أن الدعاء باللعن أمر في غاية الخطورة، وهو عنوان نهاية وأقصى التدابر والنفور والمقاطعة، فلهذا جاء في الحديث الصحيح قول النبي ﷺ : (لعن المؤمن كقتله)؛ لأن القاتل إذا قتله فإنه يقطعه عن منافع الدنيا، وهذا يقطعه عن نعيم الآخرة، أي: أن اللعن لو استجيب فإنه يكون سبباً للقطع عن نعيم الآخرة، ويبعد عن رحمة الله .
وقيل: إن معنى: (لعن المؤمن كقتله) أي: في الإثم، وأما قول النبي ﷺ : (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة)، فمعناه: أنهم لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم اللذين استوجبوا النار.
وأما قوله: (ولا شهداء) ففيه ثلاثة أقوال، أصحها وأشهرها: لا يكونون شهداء يوم القيامة على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم الرسالات.
الثاني: لا يكونون شهداء في الدنيا، أي: لا تقبل شهادتهم؛ لفسقهم.
الثالث: لا يرزقون الشهادة، وهي القتل في سبيل الله تعالى.
وحتى لا يتوهم بعضكم التعارض بين أجزاء الكلام الذي ذكرناه في هذا الموضوع، فنلاحظ أن النبي ﵇ استعمل صيغة المبالغة فقال: (لا ينبغي لصديق أن يكون لعّاناً)، وهذه صيغة مبالغة، وقال أيضاً: (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة)، وهذه صيغة تكثير، فلم يقل: لا ينبغي لصديق أن يكون لاعناً، ولم يقل: إن اللاعنين ليسوا بشفعاء ولا شهداء يوم القيامة؛ لأن هذا الذم في الحديث إنما هو لمن كثر منه اللعن، وكان اللعن عادته، وأما من سُمع منه ذلك مرة أو نحوها فإنه ليس داخلاً في هذه النصوص.
وكذلك يخرج من هذه الأحاديث اللعنُ المباح، وهو الذي ورد الشرع به كقول الله تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]، وقول النبي ﵇: (لعن الله اليهود والنصارى)، أو كلعن النبي ﵊ للواصلة، والواشمة، وشارب الخمر، وآكل الربا وموكله، وكاتبه وشاهديه، ولعنه للمصورين، ومن انتمى إلى غير أبيه، أو تولى غيّر مواليه، ومن غير منار الأرض، وغير هؤلاء ممن هو مذكور في الأحاديث الصحيحة.
стр. 1943
الأسباب المكفرة للذنوب
من المعلوم أن باب التوبة مفتوح، والتوبة لها أجلان، أجل في حق عمر كل إنسان، وأجل في حق عمر الدنيا كلها، ففيما يتعلق بحق كل عبد تقبل توبته ما لم يغرغر؛ لقول النبي عليه الصلاة السلام: (تقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، يعني: مالم يحضره الموت.
وأما بالنسبة لعمر الدنيا فباب التوبة مفتوح مالم تطلع الشمس من مغربها.
فهذا الإنسان الذي ارتكب الكفر، أو المعاصي التي تستوجب اللعن هو يستحق بنص هذه الآيات والأحاديث الوعيد المذكور فيها، لكن لا يعيَّن هذا الشخص كما قلنا، فالشخص المعين -وكلامنا الآن في حق المسلم العاصي الذي فعل شيئاً من الكبائر التي تستوجب اللعنة- لا يلعن باسمه، فلا تقل للمرأة التي تنمصت: لعن الله فلانة بنت فلانة باسمها، أو هذه ملعونة؛ لأنها متنمصة مثلاً، لكننا في مقام الزجر وفي مقام الدعوة والخطابة نستعمل النصوص بعمومها فنقول: لعن الله تارك الصلاة، ولعن الله النامصة، ولعن الله المتبرجة، وأما نفس الشخص فلا يحكم عليه باللعن؛ لأنه لا بد له من توفر الأسباب والشروط وانتفاء الموانع، فالشخص المعين الذي ارتكب شيئاً مما توعد عليه باللعن يمكن أن يكون مجتهداً في هذا، فهو قد فعل هذا لكنه غير متعمِّد، فقد اجتهد فأخطأ مثلاً، فيغفر له اجتهاده، وقد يكون ممن لم تبلغه الأدلة أو النصوص التي تحرم هذا الفعل، فيعذر بجهله، وقد يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله مع قبح الفعل الذي فعل، كما غفر الله للرجل الذي قال: (إذا مت فاسحقوني ثم ذروني، فغفر الله له)؛ لخشيته منه، فقد كان يظن أن الله لا يقدر على جمعه وإعادته، أو شك في ذلك، ومع ذلك غفر الله له مع شناعة هذا الاعتقاد الكفري.
إذاً: فالنسبة لما يتعلق بالآخرة ينبغي أن نتوقف في حق المعين، فأمر الآخرة موكول إلى الله ، لكن هل يمنعنا ذلك من إجراء الأحكام الظاهرة عليه في الدنيا؟ لا، فحتى الكافر إذا قلنا: إننا لا نقطع له بجنة ولا بنار مثلاً فهل معنى ذلك أننا لا نجري عليه أحكام الدنيا؟ لا، فهذا فقط في الآخرة، وأما في الدنيا فيعامل الناس بما يظهرونه، فيعامل معاملة الكافر.
وكذلك الرجل المبتدع، فإننا لا ندري حاله مع الله : هل له حسنات ستكفر عنه إثم هذه البدعة؟ وهل هو جاهل؟ وهل هو مجتهد مخطئ مثلاً؟ فالتوقف في أمر الآخرة لا ينبغي أن يمنعنا من أن نعاقبه في الدنيا؛ لنمنع بدعته وأن نستتيبه، وقد يكون القول في نفسه كفراً، لكن الشخص الذي قاله لا يقطع بتكفيره كما قلنا مراراً، ولا يكون ذلك إلا إذا صار منافقاً زنديقاً.
وقد صنف الله الخلق في كتابه ثلاثة أصناف: كفار من المشركين ومن أهل الكتاب، وهم الذين لا يقرون بالشهادة، وصنف هم المؤمنون باطناً وظاهراً، وصنف أقروا ظاهراً لا باطناً، وهم المنافقون والزنادقة.
فهذه الأقسام الثلاثة مذكورة في أول سورة البقرة، وكل من ثبت أنه كافر في نفس الأمر وكان مقراً بالشهادتين، فإنه لا يكون إلا زنديقاً، والزنديق هو المنافق.
فقد يظهر الشخص الشهادتين ومع ذلك يكون كافراً؛ لأنه يظهر الإسلام في الظاهر وهو يبطن الكفر، فهذا صنف من أصناف الكفار.
وقد يقترف الشخص كبيرة تستوجب اللعن، لكن قد يقترن بهذه الكبيرة من الحياء من الله والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر، فهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، فالفعل واحد لكن هناك أحوال قلبية تقترن به هي التي إما أن تصعد به إلى مقام الكبيرة، وإما أن تنزل بالكبيرة إلى مقام الصغيرة، وهذا أيضاً مما لا سبيل إلى الإطلاع إليه.
وكذلك قد يعفى لصاحب الإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره، فالشخص الذي عمل أعمالاً حسنة كثيرة جداً قد يعفى عنه إذا أخطأ أو ارتكب إثماً ما لا يعفى لغيره، ففاعل السيئات قد تسقط عنه عقوبة جهنم بنحو عشرة أسباب عرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة؛ لذلك نقول: لا تقل: أنتِ ملعونة لأنك متبرجة، لكن يجوز أن يقال لها: لعن الله المتبرجة، بصيغة عامة هكذا؛ لأنك لا تعلم عاقبتها وخاتمتها، ولا تدري حالها مع الله ، ولا تدري ما في قلبها مما يقترن بهذه المعصية من الأحوال القلبية التي أشرنا إليها.
فإن الإنسان حتى لو ارتكب السيئة فإنه ظاهراً يستحق عذاب جهنم، لكن لا يشترط في ثبوت الوعيد لمن فعل كذا أن يتحقق هذا الوعيد لذلك الشخص، بل قد توجد أسباب تسقط عنه عقوبة جهنم منها مثلاً: التوبة، فالتوبة قد تكون بينه وبين الله ولا يحس بها الخلق، وكذلك الاستغفار، قال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣].
فربما كان يستغفر من هذا الذنب.
وكذلك من هذه الأسباب الماحية: الحسنات، أي: أن يعمل أعمالاً صالحة بعد ارتكابه للمعصية، فمجرد الاستقامة تمحو السيئات الماضية، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، وقال ﵊: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها).
وكذلك المصائب الدنيوية، كأن يبتلى هذا الشخص بمصائب تكفر عنه وتحط عنه وزر المعصية التي ارتكبها، قال النبي ﵌: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب، ولا غم ولا هم ولا حزن، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر بها من خطاياه).
إذاً: فالمصائب الدنيوية من كفارات الخطايا، إذا صبر عليها.
ومن هذه الأسباب أيضاً: أن يعذب الإنسان في القبر بقدر يستوفي ما عليه من هذه المعصية، فلا يعاقب عليها في نار جهنم في الآخرة.
ومن هذه الأسباب التي تسقط العقوبة عن العبد حتى وإن استحق جهنم بسبب الذنب: دعاء المؤمنين واستغفارهم له في الحياة وبعد الممات، فقد يستغفر له إخوانه في الله، أو أولاده، أو أقرباؤه، أو الناس الصالحون ويدعون له فيستجاب دعاؤهم، يسقط عنه استحقاق العقوبة، مع أنه داخل تحت هذا الوعيد، لكن عفا الله عنه بسبب استغفار المؤمنين له.
وكذلك من هذه الأسباب: ما يُهدى إليه بعد الموت من أعمال صالحة، كأن يتصدق عنه، أو يحج عنه ويعتمر، فهذا يصله ثوابه في القبر، وربما كان سبباً في تكفير ما استحق من العذاب في جهنم.
ومن المكفرات أيضاً: معاناة أهوال يوم القيامة وشدائده، فالأهوال التي تكون يوم القيامة هي في حد ذاتها مكفِّرة، فربما أيضاً تسقط عنه العقوبة في جهنم بسبب معاناة مشاق يوم القيامة وشدائده.
ومن أسباب سقوط عقوبة جهنم أيضاً: ما ثبت في الصحيحين من أن المؤمنين إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض في مظالم يبنهم في الدنيا لم تستوف، ففي هذه الحالة بعدما يجوزون على الصراط لا يمكن أن يدخل الجنة أبداً مؤمنان وبينهما ضغينة، فالجنة لا يدخلها أحد أبداً وفي قلبه ضغينة كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف:٤٣]، وليس هناك غلّ على الإطلاق، ولذلك جاء في الحديث في وصف أهل الجنة: (قلوبهم على قلب رجل واحد)، فهم إخوة متحابون فلا هناك ضغائن ولا تحاسد ولا أحقاد على الإطلاق، وما كان بينهم من مظالم في الدنيا فإنهم يحبسون بسببها بعد المرور على الصراط على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، (فإذا هذبوا ونقّوا أذن لهم في دخول الجنة)، وذلك مصداق قول الله تعالى: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣] فـ (طبتم) من التطييب والتطهير، فيقتص منهم أولاً قبل الدخول إلى الجنة؛ حتى يدخلوا مهذبين منقين من كل ما لا يُرتضى.
ويقول ﵊: (لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة)، فهذا الوقوف على هذه القنطرة سبب من أسباب سقوط العقوبة.
ومن أسباب سقوط عقوبة جهنم عن العاصي: شفاعة الشافعين من الأنبياء وعلى رأسهم نبينا محمد ﷺ ، أو شفاعة الصالحين من المؤمنين، أو شفاعة الملائكة.
وكذلك من أعظم أسباب سقوط عذاب جهنم عن العاصي: عفو أرحم الراحمين من غير شفاعة، فرحمة الله هي أعظم أمل للعصاة والمذنبين، فيرحم الله العبد بمشيئته وفضله تكرماً منه بغير شفاعة ولا سبب من هذه الأسباب التي ذكرنا.
إذاً: فهذه جملة من الأشياء تدل على أنه قد يسقط عن فاعل السيئات عقوبة جهنم، وقد عُرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة.
стр. 1944
تفسير قوله تعالى: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون)
قال الله ﵎: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥].
يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: ثم قال الله لعباده المؤمنين: ((فَلا تَهِنُوا)) أي: لا تضعفوا عن الأعداء، ((وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ)) أي: المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم، وكثرة عددكم وعددكم.
إذاًً: فـ ابن كثير رحمه الله تعالى يذهب إلى أن موضع هذه الآية هو حال القوة، ومفهوم هذا أنه يجوز ذلك إذا كنتم في حال تسوغ لكم ذلك، والواو في قوله: ((وأنتم)) حالية، أي: في حال علوكم على عدوكم.
يقول ابن كثير: فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المعاهدة والمهادنة مصلحة فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله ﷺ حين صده كفار قريش عن مكة، ودعوه إلى الصلح، ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين، فأجابهم إلى ذلك.
انتهى كلام الحافظ ابن كثير.
وقال الإمام العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة وشعبة عن عاصم: (إلى السَلم) بفتح السين، وأما حمزة وشعبة فقد قرأها: (إلى السِّلم) بكسر السين.
وقوله تعالى: ((فَلا تَهِنُوا)) أي: لا تضعفوا وتذلوا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٤٦]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال:١٨] أي: مضعف كيدهم.
وقول زهير بن أبي سلمى: وأخلفْتك ابنة البكري ما وعدتْ فأصبح الحبل منها واهناً خَلِقا أي: ضعيفاً.
وقوله تعالى: ((وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ)) جملة حالية، أي: فلا تضعفوا عن قتال الكفار حال كونكم عالين عليهم.
قوله: ((وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ)) أي: لا تبدءوا بطلب السلم، وهو الصلح والمهادنة، ((وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ)) أي: والحال أنكم أنتم الأعلون، أي: الأقهرون والأغلبون لأعدائكم، فإنكم ترجون من الله من النصر والثواب ما لا يرجون.
وهذا التفسير في قوله: ((وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ)) هو الصواب، وتدل عليه آيات من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى بعده: ((وَاللَّهُ مَعَكُمْ))، فمن كان الله معه وهو الأعلى الغالب والقاهر والمنصور والموعود بالثواب، فهو جدير بألا يضعف عن مقاومة الكفار، ولا يبدأهم بطلب الصلح والمهادنة.
وكقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٤] * ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة:١٥].
ومما يوضح معنى آية القتال هذه قوله تعالى: ((وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ))، فقد فسر: الشنقيطي رحمه الله تعالى قوله تعالى: ((فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ)) بقوله: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤].
وقوله : ((وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ)) أي: من النصر الذي وعدكم الله به، والغلبة، وجزيل الثواب؛ لأنكم مؤمنون.
وذلك كقوله هنا: ((وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ))، وقوله: ((وَاللَّهُ مَعَكُمْ)) أي: بالنصر والإعانة والثواب.
ثم يقول الشنقيطي ﵀: واعلم أن آية القتال هذه لا تعارض بينها وبين آية الأنفال حتى يقال: إن إحداهما ناسخة للأخرى.
أي: أن بعض العلماء ذهب إلى أن هناك تعارضاً بين هذه الآية: ((فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ))، وقوله في سورة الأنفال: ((وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا)).
فيقول الشنقيطي: ليس هناك تعارض بينهما، حتى يقال: إن إحداهما ناسخة للأخرى، بل هما محكمتان.
فكل واحدة منهما منزلة على حال غير الحال التي نزلت عليها الأخرى، فالنهي في آية القتال -أي: هنا في سورة محمد ﷺ في قوله: ((فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ)) هو نهي عن الابتداء بطلب السلم.
وأما الأمر بالجنوح إلى السلم في قوله: ((وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا)) فمحله فيما إذا ابتدأ الكفار بطلب السلم والجنوح لها كما هو صريح في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦١].
يقول: وهذا الذي ذكرنا في معنى هذه الآية أولى وأصوب مما فسرها به ابن كثير رحمه الله تعالى، وهو أن المعنى: لا تدعوا إلى الصلح والمهادنة وأنتم الأعلون، أي: في حال قوتكم وقدرتكم على الجهاد.
أي: وأما إذا كنتم في ضعف وعدم قوة فلا مانع من أن تدعوا إلى السلم -أي: الصلح والمهادنة-، ومنه قول العباس بن مرداس السلمي: السلم تأخذ منها ما رضيت به والحرب تكفيك من أنفاسها جُرَعُ قوله تعالى: ((وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ))، ((وَلَنْ يَتِرَكُمْ)) أي: فلن ينقصكم شيئاً من ثواب أعمالكم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤]، أي: لا ينقصكم من ثوابها شيئاً، وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧].
وقوله هنا: ((وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ))، أصله من الوتر: وهو الفرد، فأصل قوله: ((وَلَنْ يَتِرَكُمْ)) أي: لن يفردكم ويجردكم من أعمالكم، بل يوفيكم ثوابها كاملاً.
стр. 1945
بعض الآيات التي ذكرت فيها كلمة: (السلم)
وهنا سنلقي الضوء على بعض الآيات المناسبة التي ذكرت فيها كلمة: (السلم) كقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٠٨ - ٢٠٩].
قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً))، السلم هنا معناه: الإسلام، فالله لما بيَّن وميَّز الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق قال: كونوا على ملة واحدة، واجتمعوا على الإسلام، واثبتوا عليه.
فالسلم هنا بمعنى الإسلام، كما قاله مجاهد ورواه أبو مالك عن ابن عباس، ومنه قول الشاعر الكندي: دعوت عشيرتي للسلم لما رأيتهمُ تولوا مدبرينَ أي: دعوت عشيرتي إلى الإسلام لما ارتدت كندة بعد وفاة النبي ﷺ مع الأسعد بن قيس الكندي.
فلم يؤمر المؤمنون قط بالدخول في المسالمة التي هي الصلح، وإنما قيل للنبي ﷺ أن يجنح للسلم إذا جنحوا لها، وأما أن يبتدئ بها فلا، وهذا كلام شيخ المفسرين الإمام الطبري رحمه الله تعالى.
وقيل: المقصود بالآية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) بأفواههم ((ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)) أي: ادخلوا في الإسلام بقلوبكم.
وقال طاوس ومجاهد: ((ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)) أي: في أمر الدين.
وقال سفيان الثوري: في أنواع البر كلها.
وقال ابن كثير: يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين به المصدقين بنبيه ﷺ أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا إلى ذلك.
فيكون معنى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)) أي: في جميع أحكام الإسلام الظاهرة والباطنة.
وأما الآية الأخرى فهي قوله في سورة الأنفال: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦١]، وقد سبق أن بيّنّا أن الجمع بينها وبين الآية في سورة القتال: بأن آية الأنفال تحمل في حالة ما إذا بدأ الكافرون بالجنوح إلى السلم، لكن لا شك أن المسلمين إذا كان لهم مصلحة في الرجوع إلى السلم لنفع يجتنبونه، أو ضر يدفعونه فلا بأس أن يبتدئ به المسلمون إذا احتاجوا إليه، وقد صالح رسول الله ﷺ أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم، وصالح الضمريَّ وأكيدر دومة الجندل وأهل نجران، وهادن قريشاً لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده، وما زال الخلفاء والصحابة على هذا السبيل سالكون، وبهذا الهدي عاملون.
قال القشيري: إذا كانت القوة للكفار جاز مهادنتهم عشر سنين، ولا تجوز الزيادة، وقد هادن رسول الله ﷺ أهل مكة عشر سنين.
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لا سبيل لمهادنة المشركين أكثر من عشر سنين على ما فعل النبي ﷺ عام الحديبية، وإن هودن المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة؛ لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية.
وقال ابن حبيب عن مالك: تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث وإلى غير مدة.
وقال المهلب: ويجوز عند الحاجة للمسلمين عقد الصلح بمال يبذلونه للعدو، وهذا مأخوذ من موادعة النبي ﷺ عيينة بن حصن الفزاري والحارث بن عوف المري يوم الأحزاب على أن يعطيهما ثلث ثمر المدينة، وينصرفا بمن معهما من غطفان، ويخذلا قريشاً، ويرجعا بقومهما عنهم.
وكانت هذه مراوغة ومخادعة ولم تكن عقداً، فلما رآهما رسول الله ﷺ قبلا ذلك قبل أن يعقد عقداً استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فقالا: (يا رسول الله! هذا أمر تحبه فنصنعه لك، أم شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع، أو أمر تصنعه لنا؟ فقال: بل أمر أصنعه لكم؛ فإن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله! والله! قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة إلا شراء أو قِرىً، فحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك نعطيهم أموالنا! والله! لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فسرَّ بذلك رسول الله ﷺ وقال: أنتم وذاك، وقال لـ عيينة والحارث: انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف، وتناول سعد الصحيفة وليس فيها شهادة أن لا إله إلا الله فمحاها).
стр. 1946
معنى المعية المذكورة في قوله تعالى: (والله معكم)
قوله: ﵎: ((فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ)).
والمعية هنا معية خاصة؛ لأن الخطاب هنا للمؤمنين.
وقد جاءت النصوص في القرآن الكريم تثبت أن معية الله لعباده نوعان: النوع الأول: معية الله الخاصة بالمتقين المحسنين، قال هنا في هذه الآية: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨].
وقال تعالى: ((لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)).
وقال تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢].
وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ) [الأنفال:١٢].
وقوله : ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠].
النوع الثاني: المعية العامة لجميع الخلق، كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧].
وقال : ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ))، وقال: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف:٧]، أي: بل نحن معهم.
وقال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس:٦١].
إذاً: فهناك آيات فيها إثبات المعية الخاصة، وهناك آيات فيها إثبات المعية العامة، ووجه الجمع بينهما: أن المعية الخاصة تكون بالنصر والتأييد والإعانة، وهذه خاصة بالمتقين المحسنين، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، وما سبق من الآيات المذكورة.
وأما المعية العامة فهي لجميع الخلق بالإحاطة والعلم، فهو تعالى أعظم وأكبر من كل شيء، وهو محيط بكل شيء، وجميع الخلائق في يده أصغر من حبة خردل في يد أحدنا ولله المثل الأعلى، وهذه المعية عامة لكل الخلائق، كما دلت عليه الآيات المتقدمة.
وقال الله ﵎: ((ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ))، وهذا يدل على أنه تعالى مستوٍ على عرشه، عالٍ على جميع خلقه.
وقال أيضاً: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ))، وليس بين هاتين الآيتين اختلاف ولا تضاد، فالله مستوٍ على عرشه استواءً لائقاً بكماله وجلاله بلا تكييف ولا تشبيه، وجميع الخلائق في يده أصغر من حبة خردل، فهو محيط بجميع الخلائق بالعلم التام، ونفوذ القدرة.
إذاً: لا منافاة بين علوه على عرشه، ومعيته لجميع الخلائق، ألا ترى -ولله المثل الأعلى- أن أحدنا لو جعل في يده حبة من خردل -وهي أصغر الحبوب على الإطلاق- فإنه لا يكون داخلاً في شيء من أجزاء هذه الحبة مع أنه محيط بجميع أجزائها، فالسماوات والأرض ومن فيهما في يده تعالى أصغر من حبة خردل في يد أحدنا، ولله المثل الأعلى، علواً كبيراً.
فهو أقرب إلى الواحد منا من عنق راحلته، بل من حبل وريده، مع أنه مستوٍ على عرشه، ولا يخفى عليه شيء من عمل خلقه جل وعلا.
стр. 1947
شبه المنحرفين في تأويل آيات إثبات المعية والرد عليهم
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى راداً على من يئولون هذا: وأما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية؛ لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حُمل عنهم التأويل في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله، يعني: نحن متبعون لا مبتدعون، فلا تسموا هذا تأويلاً، إنما نحن تَبَع للسلف، فما قال السلف قلنا به.
فورد عن علماء الصحابة والتابعين أنهم قالوا في مثل هذه الآية: هو على العرش، وعلمه في كل مكان، أما ما يقوله بعض الناس: إن الله موجود في كل الوجود! فهذا حلول، وبعضهم يقول: إن الله موجود في كل مكان، فهو في كل مكان بعلمه، فلا يغيب عنه شيء من خلقه.
وأما اعتقاد أهل السنة فهو أن الله مباين لخلقه، منفصل عنهم لا يمتزج بهم، ولا يحل في شيء من خلقه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ومن الآيات التي استدل بها المنحرفون عن عقيدة السلف في هذا: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦].
فقالوا: هذه تدل على ذلك.
ف
الجواب
أن هذه الآية فيها قولان للناس: أحدهما: أنه قربه بعلمه، ولهذا قرنه بعلمه بوسوسة نفس الإنسان، والدليل على هذا التفسير قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] إذاً: فهو أقرب إليه بالعلم والمراقبة والمشاهدة.
وحبل الوريد هو حبل العنق، وهو: عرق بين الحلقوم والودجين -اللذين متى قطعا مات صاحبه- وأجزاء القلب، وهذا الحبل يحجب بعضه بعضاً، وعلم الله بأسرار العبد وما في ضميره لا يحجبه شيء.
والقول الثاني: ((وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)) أي: وملائكتنا أقرب إليه من حبل الوريد، أي: قربه من العبد بملائكته الذين يصلون إلى قلبه، فيكون بذلك أقرب إليه من ذلك العرق.
وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول ابن القيم: وسمعته يقول: هذا مثل قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣] مع أن الذي كان يقص على النبي ﵊ هو جبريل ﵇.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨]، فإن جبريل ﵇ هو الذي قصه عليه بأمر الله، فنسب تعليمه إليه؛ لأنه بأمر الله، والناس الآن يقولون مثلاً: محافظ الإسكندرية بنى (الكورنيش) مع أنه لم ينبه بنفسه، ولكنه هو الذي أمر.
ويقال: فعل الأمير كذا، أو أسس كذا، وليس معناه أنه هو الذي يقوم بذلك لكن هناك أسباباً تلي ذلك، وإنما ينسب ذلك إليه لأنه تم بأمره، ولله المثل الأعلى، فكذلك هنا: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨]، أي: إذا قرأه رسولنا جبريل ﵇ فأنصت إلى قراءته، هكذا في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية: فإذا قرأه رسولنا فأنصت إلى قراءته حتى يقضيها.
وإن كان أول الآية كما يقول ابن القيم يأبى ذلك؛ لأن الله قال: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ)).
قال: وكذلك خلقه للإنسان إنما هو بالأسباب وتخليق الملائكة، كما في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن أسيد ﵁ في تخليق النطفة، يقول: (فيقول الملك الذي يخلقه: يا رب! ذكر أم أنثى؟ أسوي أم غير سوي؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك).
إذاً: فالله هو الخالق وحده، ولا ينافي ذلك استعمال الملائكة بإذنه ومشيئته وقدرته في التخليق، فإن أفعالهم وتخليقهم هو خلق لله ، فما ثَم خالق على الحقيقة غيره .
كما نلاحظ أن عامة الآيات التي فيها إثبات الاستواء على العرش يقترن بها إثبات صفة العلم، وهذا يدل على إحاطة الله ؛ لعلمه بكل شيء، وهذه إشارة إلى أنه مع الخلق بعلمه وإن كان مستوٍ على العرش استواءً يليق بجلاله، فيقول الله ﵎: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) يعني: بعلمه، لأن التي قبلها: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ:٢]، ثم قال: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ))، يعني: بعلمه ﵎.
стр. 1948
كلام ابن تيمية ﵀ في المعية الواردة في الآيات
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: لفظ المعية في سورة الحديد والمجادلة في آيتيهما ثبت تفسيره عن السلف بالعلم، قالوا: هو معهم بعلمه.
وقد ذكر الإمام ابن عبد البر وغيره: أن هذا إجماع من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يخالفهم أحد يعتد بقوله، وهو مأثور عن ابن عباس والضحاك ومقاتل بن حيان وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وغيرهم، قال ابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية: هو على العرش وعلمه معهم، وهكذا عمن ذكر معه.
وقد بسط الإمام أحمد الكلام على المعية في (الرد على الجهمية).
ولفظ المعية جاء في كتاب الله عاماً كما في هاتين الآيتين -يعني: آية الحديد وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]، وآية المجادلة التي قوله: ((مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ))، إلى آخر الآية-، وجاء خاصاً كما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، وقوله: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، وقوله: ((لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)).
فلو كان المراد: بذاته مع كل شيء إذاً لم يبق له مزية، يعني: إذا كانت المعية بالذات مع كل المخلوقات فلا تكون فيه مواساة كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، فسيرد عليه أبو بكر بقوله: وهو أيضاً مع غيرنا كما هو معنا!! فلا يستقيم معنى ذلك إلا بحمل الآية على المعية الخاصة، أي: بالنصر والتأييد.
يقول ابن تيمية: فلو كان المراد بذاته مع كل شيء لكان التعميم يناقض التخصيص، فإنه قد علم أن قوله: ((لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)) أراد به تخصيصه وأبا بكر دون عدوهم من الكفار.
وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، فخصهم بذلك دون الظالمين والفجار، وأيضاً فلفظ المعية ليست في لغة العرب، ولا في شيء من القرآن أن يراد بها اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى.
وكلمة (المعية) في لغة العرب وفي القرآن الكريم لا تقتضي الامتزاج، فإنك تقول: سرت مع القمر، مع أنك لم تمتزج بالقمر، وإنما تمشي مسايراً، وترسل لابنك في أطراف الأرض رسالة وتقول له: أنا معك، مع أن ذلك لا يدل على الامتزاج.
فلا يراد بالمعية اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى، كما في قول الله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩]، فلا يفهم من ذلك أنهم امتزجوا معه.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]، وقال: ﴿وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ [الأنفال:٧٥]، ومثل هذا كثير.
فامتنع أن يكون قوله: ((وَهُوَ مَعَكُمْ)) يدل على أن ذاته مختلطة بذوات الخلق، فإنه افتتح الآية بالعلم، وختمها بالعلم، فكان السياق يدل على أنه أراد أنه عالم بهم.
إذاً: فلفظ المعية في اللغة وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة والمقاربة، فهو إذا كان مع العباد لم يناف ذلك علوه على عرشه، ويكون حكم معيته في كل موطن بحسبه، فالمعية العامة تعني إن الله مع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان، والمعية الخاصة خُصَّ بعض الخلق بها، ففي هذه الحالة نفهم المعية على أنها معية بالإعانة والنصر والتأييد والتثبيت.
وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي ﵁ في كتاب (ذم التأويل): فإن قيل: قد تأولتم آيات وأخباراً.
أي: أن الأشاعرة وغيرهم يهاجمون أهل السنة والسلفيين ويقولون لهم: أنتم تحرمون علينا التأويل وتبيحونه لأنفسكم، فها أنتم الآن تئولون هذه الآيات ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)) وتقولون يعني: معكم بعلمه.
فإن قيل: قد تأولتم آيات وأخباراً، فقلتم في قوله تعالى: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ)) أي: بالعلم، ونحو هذا من الآيات والأخبار، فيلزمكم ما يلزمنا.
قلنا: نحن لم نتأول شيئاً، وحمل هذه الأخبار على هذه المعاني ليس بتأويل؛ لأن التأويل صرف اللفظ عن ظاهره، وهذه المعاني هي الظاهر من هذه الألفاظ، بدليل أنه المتبادر إلى الأذهان منها، وظاهر اللفظ هو ما يسبق إلى الفهم منه.
فالمتبادر إلى الفهم من قولك: إن الله معك، يعني: بالحفظ والكلاءة، ولذلك قال تعالى فيما أخبر عن نبيه ﷺ : ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، وقال لموسى: ((إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى))، ولو أراد أنه بذاته مع كل أحد لم يكن لهم بذلك اختصاص؛ لوجوده في حق غيرهم كوجوده فيهم، ولم يكن ذلك موجباً لنفي الحزن عن أبي بكر ولا علة له، فعلم أن ظاهر هذه الألفاظ هو ما حملت عليه ولم يكن تأويلاً، وإنما هو المعنى الراجح من ظاهر الألفاظ، فيحمل في كل موطن على ما يليق به.
ثم لو كان تأويلاً فما نحن تأولناه، وإنما السلف رحمة الله عليهم الذين ثبت ثوابهم، ووجب اتباعهم هم الذين تأولوا، فإن ابن عباس والضحاك ومالكاً وسفيان وكثيراً من العلماء قالوا في قوله: ((وَهُوَ مَعَكُمْ)): أي: علمه، ثم قد ثبت في كتاب الله والمتواتر عن رسول الله ﷺ وإجماع السلف أن الله تعالى في السماء على عرشه.
وجاءت هذه اللفظة مع قرائن محفوفة بها دالة على إرادة العلم منها، وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المجادلة:٧]، ثم قال في آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]، فبدأها بالعلم وختمها به، وسياقها هو لتخويفهم بعلم الله بحالهم، وأنه ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ويجازيهم عليها، وهذه القرائن كلها دالة على إرادة العلم، فقد اتفقت فيها هذه القرائن، ودلالة الأخبار على معناها، ومقالة السلف وتأويلهم، فكيف يلحق بها ما يخالف الكتاب والأخبار ومقالات السلف؟! وحكى ابن عبد البر كما ذكرنا الاتفاق عليه، ودلت الأخبار أيضاً والقرائن في الآيات على هذا المعنى، فكيف تلحقون بما هذا شأنه ما يخالف الكتاب والأخبار ومقالات السلف؟ فهذا لا يخفى على عاقل إن شاء الله تعالى، وإن خفي فقد كشفناه وبيناه بحمد الله تعالى.
ومع هذا لو سكت إنسان عن تفسيرها وتأويلها لم يحرَّج ولم يلزمه شيء، فإنه لا يلزم أحداً الكلام في التأويل إن شاء الله تعالى.
стр. 1949
تفسير سورة محمد [٣٦ - ٣٨]
стр. 1950
تفسير قوله تعالى: (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد:٣٦ - ٣٧].
قوله تعالى: ((إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ)) وقال تعالى أيضاً: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الأنعام:٣٢]، أي: لقصر مدتها، كما قال الشاعر: ألا إنما الدنيا كأحلام نائم وما خير عيش لا يكون بدائم تأمل إذا ما نلت بالأمس لذة فأفنيتها هل أنت إلا كحالم وقيل: معناه: أن متاع الحياة الدنيا لعب ولهو، فالذي يشتهونه في الدنيا لا عاقبة له فهو بمنزلة اللعب واللهو، فمثلاً: ترى الأطفال يجتمعون على اللعب بالرمل أو الدمى أو غيرها، ثم ينفض هذا اللعب وينصرفون عنه كأنه لم يكن، فكذلك الدنيا.
وقيل: معنى: (لعب ولهو) أي: باطل وغرور، واللعب ما لا ينتفع به، واللهو ما يلتهى به، وكل ما شغلك فقد ألهاك.
وقيل: اللعب: ما رغب في الدنيا، واللهو ما ألهى عن الآخرة وشغل عنها.
إلا أنه ينبغي أن يفهم من قوله تعالى: ((إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ)) أي: ما كان منها متمحضاً للدنيا، فليس من اللعب ولا من اللهو ما كان من أمور الآخرة؛ لأن حقيقة اللعب هو ما لا ينتفع به، ولا يترتب عليه نفع، واللهو هو: ما يلتهى به.
أما ما كان مراداً للآخرة فهو خارج عن اللعب واللهو، ولذلك قال الشاعر: لا تتبع الدنيا وأيامها ذماً وإن دارت بك الدائرة من شرف الدنيا ومن فضلها أن بها تستدرك الآخرة فالدنيا هي المزرعة التي يزرع المؤمن فيها ليحصد في الآخرة، فليس كل أمر الدنيا مذموماً، وقد بين ذلك النبي ﵌ في قوله: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالماً ومتعلماً)، والعالم والمتعلم شريكان في الأجر، وسائر الناس همج لا خير فيهم.
وروي أيضاً: (من هوان الدنيا على الله: ألا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها)، وقال ﷺ : (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء).
ويقول الشاعر: تسمع من الأيام إن كنت حازماً فإنك منها بين ناهٍ وآمر إذا أبقت الدنيا على المرء دينه فما فات من شيء فليس بضائر ولن تعدل الدنيا جناح بعوضة ولا وزن زف من جناح لطائر فما رضي الدنيا ثواباً لمؤمن ولا رضي الدنيا جزاءً لكافر وقال ابن عباس في قوله: ((إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ)) هذه حياة الكافر؛ لأنه يكون فيها في غرور وباطل، وأما حياة المؤمن فتنطوي على أعمال صالحة، فلا تكون لهواً ولا لعباً.
يقول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة:٢١٢]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] أي: تغر المؤمن وتخدعه، فيظن طول البقاء، وهي فانية.
والمتاع: هو ما يتنفع به كالفأس والقدر والقصعة، ثم يزول ولا يبقى ملكه.
قال الحسن في قوله: (إلا متاع الغرور) أي: كخضرة النبات، ولعب البنات، لا حاصل له.
أي: أن النبات يزدهر فيصير أخضر، ثم يصير في النهاية حطاماً، أو كلعب البنات فإنه لا حاصل له.
وقال قتادة: هي متاع توشك أن تضمحل بأهلها، فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله سبحانه ما استطاع.
قوله: ((وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ))، الغرور هو الشيطان، فهو يغر الناس بالأماني والمواعيد الكاذبة.
وقال ابن عرفة: الغرور ما رأيت له ظاهراً تحبه وفيه باطن مكروه أو مجهول، يقال: هذا من بيع الغرر، وهو: ما كان له ظاهر بيع يغر، وباطن مجهول.
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء:٧٧]، فوصف متاع الدنيا بأنه قليل؛ لأنه لا بقاء له، وقال النبي ﷺ : (مثلي ومثل الدنيا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها).
وقال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام:٧٠].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨]، وهذا الاستفهام (ما لكم) استفهام توبيخ، وقوله: (من الآخرة) أي: أرضيتم بنعم الدنيا بدلاً من نعيم الآخرة؟!! فـ (من) هنا تتضمن معنى البدل، ((أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ)) أي: بدل الآخرة، وهذا كقوله ﵎: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف:٦٠] أي: (لجعلنا بدلكم ملائكة في الأرض يخلفون).
فعاتبهم الله على إيثار الراحة في الدنيا على الراحة في الآخرة، إذ لا تنال راحة الآخرة إلا بنصب الدنيا، قال ﷺ لـ عائشة رضي الله تعالى عنها وقد فاقت راشدة: (أجرك على قد نصبك)، أي: رواه البخاري على قدر المشقة التي تعانينها.
стр. 1951
الآيات الدالة على ذم الدنيا وحقارتها
стр. 1952
قوله تعالى: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض)
وقال ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس:٧ - ٨]، وقال : ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٤ - ٢٥].
((إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) أي: صفة الحياة الدنيا في فنائها وزوالها وقلة خطرها، (كماء) أي: كمثل ماء، ((أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ)) أي: اختلط بالماء نبات الأرض، فأخرجت ألواناً من النبات، أو اختلط النبات بالمطر، أي: شرب منه، فتندى وحسن واخضر، والاختلاط هو تداخل الشيء بعضه في بعض.
((فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ)) أي: مما يأكله الناس من الحبوب والثمار والبقول، ومما تأكله الأنعام من الكلأ والتبن والشعير.
(حتى إذا أخذت الأرض زخرفها) أي: حسنها وزينتها، فالزخرف هو كمال حسن الشيء، ومنه قيل للذهب زخرف.
(وظن أهلها) أي: أيقن أهلها (أنهم قادرون عليها)، أي: على حصادها والانتفاع بها.
(أتاها أمرنا) أي: عذابنا، أو أمرنا بإهلاكها.
(ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً) أي: محصودة مقطوعة لا شيء فيها.
(كأن لم تغن بالأمس) أي: كأن لم تكن عامرة، والمغاني في اللغة هي المنازل التي يعمرها الناس.
ولما ذكر الله وصف هذه الدار -وهي دار الدنيا- وصف الدار الآخرة فقال: ((وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ)) أي أنه لا يرضى لكم الدنيا التي هذه صفتها وطناً، وإنما يدعوكم إلى دار السلام، فهو سبحانه لا يدعوكم إلى جمع الدنيا، بل يدعوكم إلى الطاعة؛ لتصيروا إلى دار السلام، وهي الجنة.
((وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) أي: بالدعوة، إظهاراً للحجة وعدلاً منه ﵎، فتأملوا هذا، فبعدما ذم الدنيا وبين حقارتها قال : ((وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ)) أي: يدعوا كل الخلق، بدليل أنه أغفل ذكر المفعول به، لم يقل: (والله يدعوكم)، وإنما قال: (والله يدعو)، أي: جميع الناس إلى دار السلام، للدخول في الإسلام وطاعة الله .
ثم قال: ((وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ))، فخصّ هنا في الهداية من يشاء هدايته، وعم أولاً بالدعوة؛ إظهاراً للحجة، وعدلاً منه أن الجميع مدعوون إلى الدخول في الإسلام والعمل الصالح؛ لأجل أن يستحقوا دخول الجنة، ثم خص بالهداية؛ استغناءً عن خلقه، ورحمة منه وتفضلاً، وهذه الآية حجة على القدرية الذين قالوا: لقد هدى الله الخلق كلهم إلى صراط مستقيم، أما الله فيقول: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣]).
وقال ﵎: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس:٦٩ - ٧٠]، أي: أن هذا أقصى ما ينالونه في الدنيا، فإنهم يتمتعون فيها متاعاً مؤقتاً، ((ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ)).
وقال أيضاً: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد:٢٦] أي: في جانب الآخرة (إلا متاع) أي: متاع من الأمتعة، والمتاع هو الشيء القليل الذاهب، وهو مأخوذ من قولك: متَع النهار، أي: ارتفع، وإذا ارتفع النهار فلابد له من زوال ونهاية.
وقال ابن عباس في تفسير: قوله (إلا متاع) أي: زاد كزاد الراعي، وقيل: ما يتزود منها إلى الآخرة من التقوى والعمل الصالح.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:٧]، والزينة هي كل ما على وجه الأرض، فهو عموم من جهة خلقه وصنعه وإحكامه، فهذه الآية بسط في التسلية في مواساة النبي ﵌، أي: لا تهتم يا محمد! للدنيا وأهلها، فإنا إنما جعلنا ذلك امتحاناً واختباراً لأهلها، فمنهم من يتدبر ويؤمن، ومنهم من يكفر، ويوم القيامة بين أيديهم، فلا يعظمنّ عليك كفرهم، فإنا سنجازيهم.
ومعنى هذه الآية: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:٧] كمعنى قوله ﷺ : (إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون)، وقوله ﷺ : (إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا، قيل: وما زهرة الدنيا؟ قال: بركات الأرض) أخرجه مسلم، والمعنى: أن الدنيا مستطابة في ذوقها، معجبة في منظرها كالثمر المستحلى، المعجب المرأى، فابتلى الله بها عباده لينظر أيهم أحسن عملاً، أي: من يكون أزهد فيها، وأترك لها، ولا سبيل للعباد إلى بغض ما زينه الله إلا أن يعينهم الله على ذلك، ولهذا كان عمر يقول فيما ذكر البخاري: اللهم! إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينته لنا، اللهم إني أسألك أن أنفقه في حقه.
فهذا هو المهم، أن يغنيك الله على إنفاق هذا المال في حقه، وهذا هو معنى قول النبي ﷺ : (فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع)، أي: أن المكثر من الدنيا كالذي يشرب من ماء البحر، فكلما شرب ازداد عطشاً، أما القانع الذي يقنع بما قسم الله له فإنه يبارك له في ذلك.
فالمكثر من الدنيا لا يقنع بما يحصل له منها، بل همته جمعها؛ لأنه لم يفهم عن الله وعن رسوله ﷺ ، فالفتنة حاصلة معها، وعدم السلامة غالبةعليها، وقد أفلح من أسلم ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه.
وقال ابن عطية: كان أبي ﵁ يقول في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:٧]: أحسن العمل: أخْذ بحق، وإنفاق في حق، مع الإيمان، وأداء الفرائض، واجتناب المحارم، والإكثار من المندوب إليه.
قال القرطبي: وهذا قول حسن وجيز في ألفاظه، بليغ في معناه، وقد جمعه النبي ﷺ في لفظ واحد، وهو قوله لـ سفيان بن عبد الله الثقفي ﵁ لما قال: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: قل: آمنت بالله، ثم استقم) رواه مسلم.
وقال سفيان الثوري: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] أي: أيكم أزهد فيها.
وقال العسقلاني: (أحسن عملاً) أي: أترك لها.
стр. 1953
قوله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء)
قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف:٤٥].
((وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) أي: قس لهؤلاء المتكبرين الذين سألوك طرد فقراء المؤمنين، ((مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ))، فشبه الدنيا بالماء؛ لأن الماء لا يستقر في موضع، وكذلك الدنيا لا تبقى على حال واحد، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة، وكذلك الدنيا، ولأن الماء لا يبقى بل يذهب، وكذلك الدنيا تذهب، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل، وكذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها، ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعاً منبتاً، وإذا جاوز المقدار كان ضاراً مهلكاً، كذلك الدنيا، فالفكاك منها ينفع، وقبولها يضر، ولذلك قال ﷺ : (قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه).
وقال ﵎: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦]، وذلك أن في المال جمالاً ونفعاً، وفي البنين قوة ودفعاً، فصارا زينة الحياة الدنيا، لكن معه قرينة الصفة للمال والبنين؛ لأن المعنى: المال والبنون زينة هذه الحياة الدنيا المحتقرة، فلا تتبعوها نفوسكم.
إذاً: فهذه الآية في الحقيقة هي رد على من افتخر بالغَناء والترف، فأخبر تعالى أن ما كان من زينة الحياة الدنيا فإنه يمر ولا يبقى، كالهشيم حين تذروه الرياح، وإنما يبقى ما كان من زاد القبر وعُدد الآخرة، ولذلك قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦] أي: التي عرفتم صفتها، فلا ينبغي لأحد أن يتفاخر بهما.
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:٤٦] أي: والباقيات الصالحات أفضل عند ربك ثواباً وخير أملاً، أي: أفضل أملاً من الافتخار بالمال والبنين دون عمل صالح.
وقال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣١ - ١٣٢].
وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠].
وقد جاء اللعب مقدماً على اللهو في أربعة مواضع من القرآن الكريم، وقد نظمت في بيتين وهما: إذا أتى لعب ولهو وكم من موضع هو في القرآن فحرف في الحديث وفي القتال وفي الأنعام منها موضعان
стр. 1954
الأحاديث الواردة عن النبي في ذم الدنيا
وقد بين النبي ﵌ ذم الدنيا، ودعا إلى الاعتبار بسرعة زوالها، فقد جاء عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أُحبّ المساكين؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول في دعائه: (اللهم أحيني مسكيناً! وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين)، والمساكين هم: أهل السكينة والتواضع، وذلك لأن الفقير أرق قلباً، وأقرب إلى الله ، والمسكنة مأخوذة من السكون، فهو إذا لم يستطع كسباً، أو لم يجد مالاً فإنه يسكن ويقعد.
فقوله: (اللهم! أحيني مسكيناً) ليس فيه دعاء بالفقر؛ لأن الفقر إذا وقع فإنه بلاء، وقد قرنه النبي ﵌ بالكفر في أذكار الصباح والمساء فقال: (اللهم! إني أعوذ بك من الكفر والفقر)، إذاً: فليس هذا الدعاء دعاءً بالفقر وهو بلاء، وإنما هو دعاء بأخلاق المساكين من الخشوع والسكينة والتواضع، (اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين).
عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن مطعم ابن آدم قد ضرب للدنيا مثلاً فانظر ما يخرج من ابن آدم، وإن قزحه وملحه قد علم إلى ما يصير)، فهذا مثل من أمثلة الدنيا، فالطعام الذي يخرج من ابن آدم بعدما يمتص ويهضم يصير فضلات لها شكل قبيح، ورائحة نتنة، فانظر إلى عاقبتها، ولا تغتر بمظهرها، وإن قزحها وملحها ووضع عليها التوابل والمشهيات.
وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من كان همه الآخرة جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه فرق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له).
فمن كانت الآخرة همه، وجعل الهموم هماً واحداً فإن هذا يترتب عليه هذا الكسب العظيم، فيجمع الله شمله، وتلتئم أموره، وجعل غناه في قلبه، وهذا هو أعلى درجات الغنى: غنى القلب كما قال النبي ﷺ : (ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس).
ويقول الشاعر: غنيت بلا مال عن الناس كلهم إن الغنى العالي عن الشيء لا به فكل من استغنى بمال فهو فقير إلى هذا المال، وأما أعلى درجات الغنى فهي أن تستغني عن الشيء ولا يستعبدك؛ ولذلك جعل عاقبة من كانت الآخرة همه أن جعل غناه في قلبه؛ لأنه إذا اغتنى قلبه طمع ولم يتطلع إلى الدنيا، ومع ذلك من إيقاع القناعة في قلبه لا يحرم عليه الدنيا، بل تأتيه الدنيا وهي راغمة ذليلة، فهي التي تأتيه وليس هو الذي يجري وراءها، (من كان همه الآخرة جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة)، فهذه هي السعادة التي يبحث عنها الناس، ويضلون الطريق إليها حينما يعرضون عن الذكر والقرآن، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤].
(ومن كانت الدنيا همه فرق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له)، ولم يأته من الدنيا التي يوغل في الجري واللهف وراءها إلا ما كتب له.
وعن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا نبي الله! لو اتخذت فراشاً ألين من هذا، فقال: مالي وللدنيا! ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها).
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نذكر الفقر ونتخوفه، فقال: آلفقر تخافون؟! والذي نفسي بيده لتصبن عليكم الدنيا صباً حتى لا يزيغ قلب أحدكم إذا أزاغه إلا هي، وايم والله! لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء).
وعن محمود بن لبيد مرفوعاً: (اثنان يكرههما ابن آدم، يكره الموت، والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب).
وقال ﷺ : (أجملوا في طلب الدنيا، فإن كلاً ميسر لما خلق له).
وقال ﷺ : (ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع، وأشار بالسبابة).
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (دخلت عليّ امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله ﷺ عباءة مثنية، فرجعت إلى منزلها فبعثت إليَّ بفراش حشوه صوف، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ فقال: ما هذا؟ فقلت: فلانة الأنصارية دخلت عليَّ فرأت فراشك، فبعثت إليَّ بهذا، فقال: رديه، فلم أرده وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فقال: يا عائشة! رديه والله! لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة).
وقد عرضت عليه ﷺ مفاتيح كنوز الدنيا فلم يأخذها، وقال: (بل أجوع يوماً وأشبع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك)، وكان من دعائه ﷺ : (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً).
وقال أبو هريرة: (والذي نفس أبي هريرة بيده! ما شبع نبي الله ﷺ ثلاثة أيام شبعاً من خبز حنطة حتى فارق الدنيا).
وعن أنس ﵁ قال: (ما أعلم أن رسول الله ﷺ رأى رغيفاً مرققاً، ولا شاة سميطاً حتى لحق بربه).
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليالٍ تباعاً حتى قبض).
وعن عمر رضي الله تعالى عنه قال: (لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم لا يجد دقلاً يملأ بطنه).
وعن عائشة ﵂ قالت: (والذي بعث محمداً بالحق! ما رأى رسول الله ﷺ النقي، ولا أكل خبزاً منخولاً منذ بعثه الله إلى أن قبضه، قال عروة: فكيف كنتم تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نطحنه وننفخه، فيطير ما طار ونعجن الباقي).
وفي مسند الحارث عن أبي أسامة عن أنس: (أن فاطمة ﵂ جاءت بكسرة خبز إلى النبي ﷺ فقال: ما هذه الكسرة يا فاطمة؟! قالت: قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى آتيك بهذه الكسرة، فقال: أما إنه أول طعام دخل في فم أبيك منذ ثلاثة أيام).
وعن جابر ﵁ قال: (لما حفر رسول الله ﷺ الخندق أصابهم جهد شديد حتى ربط النبي ﷺ على بطنه حجراً من الجوع)، قال ابن القيم: وقد أسرف أبو حاتم ابن حبان في تقاسيمه في رد هذا الحديث وبالغ في إنكاره، وقال: إن المصطفى أكرم على ربه من ذلك، أي: أنه رفض الحديث من جهة المعنى، وقال: إن فرد عليه ابن القيم قائلاً: وهذا من وهمه، وليس في هذا ما ينقص مرتبته عند ربه، فذلك رفعة له، وزيادة في كرامته ﷺ ، وعبرة لمن بعده من الخلفاء والملوك وغيرهم، وكأن أبا حاتم لم يتأمل سائر الأحاديث في معيشة النبي ﷺ ، وهل ذلك إلا من أعظم شواهد صدقه، فإنه لو كان كما يقول أعداؤه وأعداء ربه إنه طالب ملك ودنيا لكان عيشه عيش الملوك، وسيرته سيرتهم، ولقد توفاه الله وإن درعه لمرهونة عند يهودي على طعام أخذه لأهله، وقد فتح الله عليه بلاد العرب، وجبيت إليه الأموال، ومات ولم يترك درهماً واحداً، ولا ديناراً ولا شاة، ولا بعيراً ولا عبداً ولا أمة، ﷺ .
تقول عائشة رضي الله تعالى عنها: (كان يمر بنا هلال وهلال ما يوقد في بيت من بيوت رسول الله ﷺ نار، قلت: يا خالة! -هذا عروة - فعلى أي شيء كنتم تعيشون؟ قالت: على الأسودين، التمر والماء).
وقال ﷺ : (لقد أُخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أُوذيت في الله وما يؤذى أحد)، فقد كان المؤمن الوحيد من هذه الأمة ﷺ فقط حين بعث، فكان هو فرداً واحداً، قال: (لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت عليَّ ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولـ بلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال).
وعن أبي طلحة رضي الله تعالى عنه قال: (شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع ورفعنا عن بطوننا حجراً حجراً) يعني: جاء الصحابة يشكون إلى الرسول ﵇ الجوع، فأتى كل واحد ووقف أمام الرسول ﵊ ورفع ثيابه فإذا به قد شد عن بطنه بحجر، وفائدة شد الحجر على البطن، وكذلك شد الأحزمة على البطون أن ذلك يقاوم الجوع؛ لأن الضغط على المعدة بالحجر يقلل من حجمها، ويقلل من الشعور بالجوع، فكان الصحابة من شدة الجوع يربطون على بطونهم حجراً، وهذه إحدى وسائل إيقاف الوزن الآن، فيضحكون على الناس ويجعلون لهم كتلة تضغط على مكان المعدة بحيث يقل حجم المعدة فلا يشعر الإنسان بالجوع، أو تقلل الإحساس بالجوع، فالمهم أن الصحابة شكوا بلسان الحال لا بلسان المقال، فيقول أبو طلحة: (شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع ورفعنا عن بطوننا حجراً حجراً، فرفع رسول الله ﷺ عن بطنه حجرين).
فهذه جملة من الأحاديث التي فيها
стр. 1955
الأمثلة المضروبة في ذم الدنيا وحقارتها
ومن الأمثلة التي تنبه الإنسان إلى حقيقة الدنيا ما قاله بعضهم، قال: للعبد ثلاثة أحوال: حالة لم يكن فيها شيئاً، وهي ما كان قبل أن يولد، ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١].
وحالة أخرى: وهي من ساعة موتك إلى ما لا نهاية له في البقاء السرمدي في القبر، ثم البعث، ثم الخلود في إحدى الدارين، وكل واحد منا له تاريخ ميلاد وله تاريخ وفاة، فقبل أن يوجد في هذه الدنيا يحسب ما بقي من حين أن خلق الله آدم ﵇، أو من حين أن الكون وإلى الآن كم مضى؟ فهذه أول حالة، وقد كنت فيها عدماً، ثم هناك حالة أخرى عند الطرف الآخر من الرحلة وهي: من خروج روحه إلى الحياة البرزخية في القبر، إلى البعث والنشور، ثم الخلود في إحدى الدارين.
وهناك حالة متوسطة ما بين هاتين الحالتين وهي: أيام حياته، فانظر إلى مقدار زمانها ونسبتها إلى الحالتين، ولنفرض أن العمر مائة سنة مثلاً فلننظر إلى نسبة زمانها بالنسبة للحالتين، فإنه أقل من طرفة عين في مقدار عمر الدنيا، فتمر عليه ولم يبال كيف تقضت أيامه فيها، وفي شدة وضيق أو في سعة ورفاهية، فالدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها.
مثال آخر: وهو أن شهوات الدنيا في القلب كشهوات الأطعمة في المعدة، وسوف يجد العبد عند الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة والنتن والقبح ما يجده للأطعمة اللذيذة إذا انتهت غايتها.
كان بعض السلف يقول لأصحابه: انطلقوا حتى أريكم الدنيا، فيذهب بهم إلى مزبلة فيقول: انظروا إلى ثمارهم، ودجاجهم، وعسلهم، وسمنهم.
يعني: هذه هي النهاية.
مثال ثالث: روى ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: (بلغني أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أو ما بقي، أنفدوا الزاد، وحسروا الظهر، وبقوا بين ظهراني المفازة -الصحراء المهلكة- لا زاد ولا حمولة، فأيقنوا بالهلكة، فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حلة يقطر رأسه، فقالوا: إن هذا قريب عهد بريف، وما جاءهم هذا إلا من قريب، قال: فلما انتهى إليهم قال: يا هؤلاء! على ما أنتم؟ قالوا: على ما ترى، قال: أرأيتم إن هديتكم على ماء رواء، ورياض خضر ما تجعلون لي؟ قالوا: لا نعصيك شيئاً، قال: عهودكم ومواثيقكم بالله -أي: أعطوني العهود والمواثيق أنكم لا تعصوني إذا دللتكم على مكان فيه رياض خضراء وماء عذب وكذا وكذا-، فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله لا يعصونه شيئاً، قال: فأوردهم ماءً ورياضاً خضراً، قال: فمكث فيهم ما شاء الله، ثم قال: يا هؤلاء! الرحيل، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى ماء ليس كمائكم، ورياض ليست كرياضكم -يعني: هي أجمل وأبهى وأحلى-، قال: فقال جُلُّ القوم -وهم أكثرهم-: والله! ما وجدنا هذا حتى ظننا أن لن نجده، وما نصنع بعيش هو خير من هذا، قال: وقالت طائفة وهم أقلهم: ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله لا تعصونه شيئاً، وقد صدقكم في أول حديثه، فوالله ليصدقنكم في آخره! فراح فيمن اتبعه وتخلف بقيتهم، فبادرهم عدوهم فأصبحوا بين أسير وقتيل).
فهذا أيضاً مثال من أمثلة الدنيا، وهذا ما فعله النبي ﷺ من نصيحة أمته.
المثال الرابع: ما رواه المستورد بن شداد ﵁ قال: (كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله ﷺ على الشاة الميتة، فقال رسول الله ﷺ : أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها؟ قالوا: ومِن هوانها ألقوها يا رسول الله! قال: فوالذي نفس محمد بيده! للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها).
المثال الخامس: مثل الدنيا مثل إناء مملوء عسلاً، فرآه الذباب فأقبل نحوه، فبعض الذباب صعد على حافة الإناء وجعل يتناول من العسل حتى أخذ حاجته ثم طار، وبعض الذباب الآخر حمله الترف على أن رمى بنفسه في لجة الإناء ووسطه فلم يدعه الانغماس فيه أن يتهنأ به إلا قليلاً حتى هلك في وسطه.
فكذلك الدنيا: إن وقف الإنسان على الحافة وأخذ المقدار الذي يحتاجه في حياته نجا، وأما إذا انغمس فيها فإنه يغرق، ولذلك يكثر إخواننا في جماعة التبليغ من ضرب الأمثلة الطيبة كقولهم: إن السفينة تمشي في الماء، فما دام أن الماء خارجاً عنها فإنها تستطيع أن تمشي وتسلم، وأما إذا دخل الماء فيها فإنها تغرق، فكذلك الدنيا.
ومن الأمثلة أيضاً: ما رواه بعضهم أن رجلاً كان يمشي في صحراء، فوجد بئراً على طرفيه حبلان مثبتان، حبل من اليمين وحبل من الشمال، فتعلق بالحبلين ونزل ليشرب من هذا البئر، فلما توسط البئر وجد أمامه كوه أو فجوة في جدار البئر فيها عسل، وإذا به يمكث ليتناول هذا العسل، فإذا بفأرين من أعلى: فأر أبيض وفأر أسود، فأتى كل واحد منهما ليأكل طرف هذا الحبل وكل منهما في جهة، وإذا به ينظر في القاع فيرى وحوشاً وثعابين ونحوها، فهو في هذه الحالة يرى عمره، ويرى الحبل ينقرض في أعلى، ويرى العاقبة وأنه سيقع فريسة هذا التنين أو الوحش، ومع ذلك أخذ يتمادى في تناول هذا العسل، ويتلاهى عن المصير الذي ينتظره عما قريب.
فهذا مثل الدنيا، قالوا: فالفأر الأسود هو الليل، والفأر الأبيض هو النهار، فهما يأكلان عمره، وهذا الحبل هو عمره، فالحبل الأيام، والليل والنهار يقربان عمره، فالإنسان في الحقيقة ينقص عمره بمرور السنوات، فقد سبق في المقادير أن هذا الإنسان يعيش فترة مسماه كتبها له، فكلما مر يوم اقترب من القبر أكثر، فالعد في الحقيقة هو تنازلي وليس تصاعدياً، فهو يفقد من عمره كل يوم يمر خلافاً للجهلة الذين يقولون: عقبى مائة سنة، ويهنوا الإنسان، وأنا إلى الآن أعجب: كيف أن الإنسان يحتفل بما يسمى عيد الميلاد؟ فهل هذا عيد يقتضي الفرحة أم يقتضي الحزن والخوف من الله ؟! لقد صرت الآن أقرب إلى القبر، وعمرك محدود لا محالة لا يزيد وإنما ينقص.
فكلما مرت سنة صرت أقرب إلى لقاء الله، فهذا اليوم المفروض أن يكون وقت عزاء وحزن وغم وهم إن لم تكن تستدرك هذه الأيام الماضية.
فالإنسان يتلهى في الدنيا، وينهمك في تعاطي هذه الشهوات، والعمر يقرض من فوق وينتظره المصير تحت في العذاب، فهذا مثال من الأمثلة.
مثال آخر: عن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: (مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش والجنادب يتقاحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تغلبوني وتتقاحمون فيها).
فالرسول ﵊ مهمته إنقاذكم من النار، فأنتم كمثل هذا الفراش الذي يجذب ناحية الضوء ولا يدرك أن فيه إحراقاً وهلاكاً، فهو يذب الفراش كي ينجو، والفراش -لقلة عقله- يندفع ويصر على أن يرمي نفسه في النار.
فكذلك الناس يتهافتون ويلقون أنفسهم في النار بالانهماك في الشهوات والإعراض عن الدين، والنبي ﷺ يحاول أن ينقذهم لكنهم يصرون على أن يهلكوا أنفسهم.
فهذه هي صفة بعثة رسول الله ﷺ كما قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، فما جاء الشرع ليعكر على الناس حياتهم، ولا ليعقد لهم حياتهم، ولا ليثقل كاهلهم، وإنما أتى رحمة بهم بكل ما شرعه الله ، فلا يريد الشرع إلا مصلحتنا، ولا يريد إلا نجاتنا وسعادتنا، ومن هلك فإنه هو الذي يصر على هذه الهلكة، ويرفض أن يستجيب لداعي الله .
فانظر إلى قول الرحمة المهداة ﷺ : (وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تغلبوني وتتقاحمون فيها)، أي: أنكم أنتم الذين تصرون على أن ترموا أنفسكم في النار، أما أنا فأحاول إنقاذكم وأنتم تتقاحمون، فتخيل منظراً كهذا: شخص يريد أن يرمي نفسه بالنار، وآخر يمنعه وهو يقاومه يقول: لا، اتركني أرمي نفسي، إلى أن يغلبه فعلاً ويقع رغماً عنه.
فالرسول ﵊ لا يحاول انجاء شخص واحد، وإنما يحاول إنجاء ملايين البشر حين يدعوهم إلى التوحيد، وإلى الإسلام، وإلى النجاة من النار، وهم يصرون على أن يهلكوا أنفسهم.
مثال آخر وهو المثال السابع: مثل الإنسان ومثل ماله وعمله وعشيرته، مثل رجل له ثلاثة إخوة، فقضي له سفر بعيد طويل لابد له منه، فدعا إخوته الثلاثة فقال: قد حضر ما ترون من هذا السفر الطويل، وأحوج ما كنت إليكم الآن، يعني: أن السفر طويل وبعيد وشاق فأريد أن تصحبوني في هذا السفر، فقال أحدهم: أنا كنت أخاك إلى هذه الحال، ومن الآن فلست بأخ ولا صاحب، وما عندي غير هذا.
فقال له: لن تغني عني شيئاً.
فقال الأخ للآخر: ما عندك؟ فقال: كنت أخاك وصاحبك إلى الآن، وأنا معك حتى أجهزك إلى سفرك، وتركب راحلتك، ومن هنالك لست لك بصاحب.
فقال له: أنا محتاج إلى مرافقتك في مسيري.
فقال: لا سبيل لك إلى ذلك.
فقال: لن تغني عني شيئاً.
فقال للثالث: ما عندك أنت؟ قال: كنت صاحبك في صحتك ومرضك، وأنا صاحبك الآن، وصاحبك إذا ركبت راحلتك، وصاحبك في مسيرك، فإن سرت سرت معك، وإن نزلت نزلت معك، وإذا وصلت إلى بلدك كنت صاحبك فيها لا أفارقك أبداً.
فقال: إن كنت لأهون الأصحاب إليّ، يعني: أنك كنت عندي أرخص من هؤلاء الأصحاب أو الإخوة، إن كنت لأهون الأصحاب إلي، وكنت أوثر عليك صاحبيك، فليتني عرفت حقك وآثرتك عليهما.
فالأول: ماله.
والثاني: أقاربه وعشيرته وأصحابه.
والثالث: عمله.
فالأول: ماله، الذي قال له: كنت أخاك إلى هذه الحال، ومن الآن فلست لك بأخ ولا صاحب، وما عندي غير هذا؛ لأن المال بمجرد خروج الروح لم يصبح ملكه، وإنما هو مال الورثة، فانقطعت الصلة.
وأما الأخ الثاني الذي قال له: كنت أخاك وصاحبك إلى الآن، وأنا معك حتى أجهزك إلى سفرك، وتركب راحلتك، ومن هنالك لست لك بصاحب، وهذا ما يفعله الأهل والعشيرة عند خروج روح الإنسان وموته، فهم لا يتركونه، لكن يبقون معه فترة مؤقتة كي يسرعوا في التخلص منه، ويبقى أعز الناس عليه وأحبهم إليه يقول: إكرام
стр. 1956
زهد السلف في الدنيا وتحذيرهم منها
قال علي رضي الله تعالى عنه في وصف الدنيا: أولها عناء، وآخرها فناء، حلالها حساب، وحرامها عقاب، من صح فيها أمن، ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فتن، ومن ساعاها -يعني: سابقها- فاتته، ومن قعد عنها أتته، ومن نظر إليها أعمته، ومن نظر بها -أي: اعتبر- بصرته.
وقال وهب بن منبه: مثل الدنيا والآخرة مثل ضرتين إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى.
وقال بعضهم: طالب الدنيا كشارب ماء البحر كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً.
ودخل أبو حازم على بشر بن مروان فقال: يا أبا حازم! ما المخرج مما نحن فيه؟ قال: تنظر ما عندك فلا تضعه إلا في حقه، وما ليس عندك فلا تأخذه إلا بحقه، قال: ومن يطيق هذا يا أبا حازم؟ قال: فمن أجل ذلك ملئت جهنم من الجنة والناس أجمعين.
ودخل قوم منزل عابد فلم يجدوا شيئاً يقعدون عليه، فقال: لو كانت الدنيا دار مقام لاتخذنا لها أثاثاً.
وقيل لبعض الزهاد: ألا توصي؟ قال: بماذا أوصي؟! والله مالنا شيء، ولا لنا عند الله شيء، ولا لأحد عندنا شيء.
وقال سليمان بن عبد الملك لـ أبي حازم: مالنا نكره الموت؟ قال: لأنكم خربتم آخرتكم، وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب.
ولما ثقل عبد الملك بن مروان رأى غسالاً يلوي بيده ثوباً فقال: وددت أني كنت غسالاً لا أعيش إلا بما أكتسبه يوماً بيوم، فبلغ ذلك أبا حازم فقال: الحمد لله الذي جعلهم يتمنون عند الموت ما نحن فيه ولا نتمنى نحن عنده ما هم فيه.
وحفر الربيع بن خثيم في داره قبراً فكان إذا وجد في قلبه قسوة جاء فاضطجع في القبر فمكث فيه ما شاء الله، ثم يقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، ثم يرد على نفسه فيقول: قد أرجعتك فجدي.
وقال بعض السلف في يوم عيد وقد نظر إلى كثرة الناس وزينة لباسهم: هل ترون إلا خرقاً تبلى، أو لحماً يأكله الدود غداً.
وقال الحسن: إن الموت قد فضح الدنيا، فلم يدع لذي لب فيها فرحاً.
وعن الحسن أيضاً قال: يا ابن آدم! طأ الأرض بقدمك؛ فإنها عن قليل قبرك، وإنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك.
لكن ينبغي أن نعرف أن الذم الوارد في الكتاب والسنة للدنيا ليس راجعاً إلى زمانها، أي: أنه ذم للدنيا لا ذم لليل والنهار المتعاقبين إلى يوم القيامة، فإن الله جعلهما خلفة لمن أراد أن يذكر، أو أراد شكوراً.
وكذلك ليس ذم الدنيا راجعاً إلى أجزائها من الجبال والبحار والأنهار والمعادن؛ لأن هذه من نعم الله على عباده، لما فيها من المنافع، والاعتبار، والاستدلال على وحدانية الصانع ، وإنما يقع ذم الدنيا على أفعال بني آدم في الدنيا؛ لأن غالبها واقع على غير الوجه الذي تحمد عاقبته، كما قال : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الحديد:٢٠].
وقد كان من دعاء النبي ﷺ : (اللهم! أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر).
إذاً: فهذا هو رأس مال الإنسان: الوقت، والزمن، والعمر، فلا يذم الدهر أو الزمن لذاته، وإنما يذم لأنه يشغل عن طلب الآخرة، فيمكن أن يستعمل في الخير، وأن يستعمل في الشر.
إذاً: فينبغي أن نعرف ما هو الشيء الذي يتوجه إليه الذم.
وقال سعيد بن جبير: متاع الغرور ما يلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يلهك فليس بمتاع غرور، ولكنه متاع بلاغ إلى ما هو خير منه.
وقال يحيى بن معاذ: كيف لا أحب دنيا قدر لي فيها قوت، أكتسب بها حياة، وأدرك بها طاعة، وأنال بها الجنة؟! يعني: هل يمكن أن يصل أحد إلى الجنة إلا بالعمل الصالح في الدنيا، وإذاً: فالدنيا مزرعة لا تذم لذاتها وإنما تذم فيها أعمال بني آدم.
وسئل أبو صفوان الرعيني: ما هي الدنيا التي ذمها الله في القرآن والتي ينبغي للعاقل أن يتجنبها؟ فقال: كل ما أصبت في الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم، وكل ما أصبت منها تريد الآخرة فليس منها.
أي: ليس من الدنيا المذمومة.
وقال الحسن: نعمت الدار الدنيا كانت للمؤمن، وذلك أنه عمل قليلاً وأخذ زاده منها إلى الجنة، وبئست الدار كانت للكافر والمنافق، وذلك أنه ضيع لياليه وكان زاده منها إلى النار.
وقد قص الله لنا على لسان أهل العلم والإيمان في قصة قارون حينما نصحوه فقالوا له: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٧]، وقد اختلف المفسرون في المراد بقوله تعالى: (ولا تنس نصيبك من الدنيا).
فقيل: هو العمل الصالح الذي تخرج به من الدنيا، فهو الذي ينفعك، فنصيب الإنسان من الدنيا في الحقيقة هو عمره وعمله الصالح، كما قال بعض السلف: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً وهذه العبارة المنسوبة إلى الحسن البصري ﵀، فقوله: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، أي: أن يتهالك في خدمة الدنيا وكأنه سوف يعيش إلى الأبد فيستمتع بالدنيا، وليس الأمر كما يفهمه بعض الناس، فلو كان أمامك عملان أحدهما إن فاتك غداً تستدركه بعد غد، أو بعد شهر، أو بعد سنة، أو بعد عشر سنوات، أو بعد عشرين سنة، فهو عندك إلى الأبد ويمكن أن تعوضه، وفي نفس الوقت هناك عمل آخر إن فاتتك مادته فإنها تنتهي، فإنك تقدم العاجل، فأعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً فسوّف في الدنيا، وأما في الآخرة فبادر.
قوله: واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، يعني: قدم عمل الآخرة على عمل الدنيا، وهذا هو الوجه الأول في تفسير قوله تعالى: ((وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا))، أي: الذي ينفعك وهو العمل الصالح.
والقول الآخر: إن قوله: ((وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)) نوع من الرفق مع الشخص الذي تدعوه؛ حتى تبين له أن الالتزام بطاعة الله ، والدخول في الدين لن يحرمه من الدنيا التي يحبها ما دام في المباح والحلال، فكأنه يقول: لن تحرم من متاع الدنيا ومن الطيبات التي أحلها الله ، فلا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال، وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك.
والتفسير الثالث: أن قوله: ((وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)) وعظ مستقل، فلا تنس أن هذه الدنيا التي أنت غارق فيها أن الذي ستخرج به منها هو الكفن، كأنهم قالوا: لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك هذا الذي هو الكفن، كما قال الشاعر: نصيبك مما تجمع الدهر كله رداءان تلوى فيهما وحنوط وقال آخر: هي القناعة لا تبغي بها بدلاً فيها النعيم وفيها راحة البدن انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن يقول ﵎: ((إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ))، قال شيخ المفسرين ﵀ ﵎: يقول تعالى ذكره حاضاً عباده المؤمنين على جهاد أعدائه، والنفقة في سبيله، وبذل مهجتهم في قتال أهل الكفر به، قاتلوا أيها المؤمنون! أعداء الله وأعداءكم من أهل الكفر، ولا تدعوكم الرغبة في الحياة إلى ترك قتالهم، فإنما الحياة الدنيا لعب ولهو إلا ما كان منها لله من عمل في سبيله، وطلب رضاه، فأما ما عدا ذلك فإنما هو لعب ولهو يضمحل فيذهب، ويندرج فيمر، أو إثم يبقى على صاحبه عاره وخزيه.
قوله: ((وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ))، أي: وإن تعملوا في هذه الدنيا التي ما كان فيها مما هو لها فلعب ولهو، فتؤمنوا به، وتتقوه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، وهو الذي يبقى لكم منها، ولا يبطل بطول اللهو واللعب، ((وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ)) هذا هو جواب الشرط، (يؤتكم أجوركم) أي: فهذا ليس من اللهو واللعب، بل يترتب عليه الأجر والثواب، فيعوضكم منه ما هو خير لكم منه يوم فقركم وحاجتكم إلى أعمالكم.
قوله: ((وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ))، أي: لا يسألكم ربكم أموالكم، ولكنه يكلفكم توحيده، وخلع ما سواه من الأنداد، وإفراد الألوهية والطاعة له.
стр. 1957
تفسير قوله تعالى: (إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم)
قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد:٣٧].
قوله: (إن يسألكموها) أي: إن يسألكم ربكم أموالكم (فيحفكم) يعني: يذهبكم بالمسألة، ويلح عليكم بطلبها منكم، (تبخلوا) أي: تمنعوها إياه ضناً منكم بها، ولكنه علم ذلك منكم ومن ضيق أنفسكم فلم يسألكموها.
قوله: (ويخرج أضغانكم) أي: ويخرج جل ثناؤه لو سألكم أموالكم بمسألته ذلك منكم أضغانكم.
قال: قد علم الله أن في مسألته المال خروج الأضغان، أي: أن المال أكثر شيء يكشف ما في داخل الإنسان، والمال هو مادة مهمة جداً من مواد الامتحان، فأي شخصية تريد أن تحكم عليها فلاشك أن موقع المال في قلبه هو من الموازين الحساسة والدقيقة التي تصلح أن يكشف بها على أخلاق الإنسان، ولذلك قالوا: سميت الدنيا دنيا لأنها دنيئة، وسمي المال مالاً لأنه يميل بصاحبه.
فهذا بيان لشدة تعلق الإنسان بالمال، ((وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ))، أي: أنه هو الذي يعطيكم ولا يطلب منكم شيئاً.
﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد:٣٧]، أي: سيخرج هذا المال أو هذا السؤال أضغانكم وأحقادكم.
وقال القرطبي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ((وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ)) أي: لا يأمركم بإخراج جميعها في الزكاة، بناءً على أن الإضافة هنا تفيد العموم.
قوله: ((وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ)) فالإضافة من صيغ العموم، ومن صيغ العموم أيضاً أسماء الشرط وأسماء الاستفهام، والأسماء الموصولة، والجموع المعرفة تعريف الجنس، والجموع المضافة، واسم الجنس، والنكرة المنفية، والمفرد المحلى باللام، ولفظ كل، وجميع، ونحوها مثل: معشر، ومعاشر، وعامة، وكافة، وقاطبة.
فالإضافة من صيغ العموم من غير فرق بين كون المضاف جمعاً كما تقول: عبيد زيد، أي: كل عبيد زيد، أو اسم جمع كما تقول: جاءني ركب المدينة، أو اسم جنس كما في قوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:١٨] فهذه اسم جنس لكل النعم، أو كما في الحديث: (منعت العراق درهمها ودينارها، ومنعت الشام قفيزها وصاعها)، إلى آخر الحديث، فهي جاءت بصيغة المفرد؛ لكنها اسم جنس.
الشاهد: أن من صيغ العموم الإضافة، فقوله هنا: ((وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ)) يعني: لا يسألكم جميع أموالكم، هذا هو المنطوق، والمفهوم: وإنما يسألكم بعض أموالكم، ولكن لا يسألكم جميع أموالكم، وهذا البعض هو الزكاة، وعلى هذا الأساس فسر القرطبي قوله تعالى: ((وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ))، أي: لا يأمركم بإخراج جميعها في الزكاة، بل أمر بإخراج البعض وهو القليل منها فهو غيض من فيض.
قول آخر: ((وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ))، يعني: لا يسألكم أموالكم لنفسه، أو لحاجة منه إليها، إنما يأمركم بالإنفاق في سبيله ليرجع ثوابه إليكم، فهو راجع إليكم في الحقيقة.
وقيل: ((وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ))، وإنما يسألكم أمواله؛ لأن هذا المال الذي في أيديكم هو مال الله، وهو الذي خولكم هذا المال، فحينما يكلفكم إنفاق هذا المال فهو ليس مالكم أنتم، وإنما هو مال الله الذي آتاكم، فلا يسألكم أموالكم وإنما يسألكم أمواله؛ لأنه المالك لها، وهو المنعم بإعطائها.
وقيل: ((وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ))، أي: لا يسألكم محمد ﷺ أجراً على تبليغ الرسالة كما في قوله تعالى: ((قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ)) [الفرقان:٥٧].
وقال صديق حسن خان: وإن تؤمنوا بالله وتتقوا الكفر والمعاصي (يؤتكم أجوركم) أي: جزاء ذلك في الآخرة، والأجر هو الثواب على الطاعة.
وقال القاسمي: قال بعض المفسرين: أي: لا يسألكم جميع أموالكم، بل يقتصر منكم على جزء يسير كربع العشر، وعُشره، إشارة إلى إفادة الجمع المضاف للعموم، وهو معطوف على الجزاء، والمعنى: إن تؤمنوا لا يسألكم الجميع، أي: لا يأخذه منكم كما يأخذ من الكفار جميع أموالهم، ولا يخفى حسن مقابلته لقوله: (يؤتكم أجوركم)، فهناك نوع من حسن المقابلة بين: ((وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ)) أي: يعطكم كل الأجور، ويسألكم بعض المال.
وقال الشنقيطي رحمه الله تعالى: ((وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ))، هذه الأجور التي وعد الله بها من آمن واتقى جاءت مبينة في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله: ((وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ))، في هذه الآية الكريمة أوجه معلومة عند أهل التفسير منها كما ذكرنا أن المعنى: ولا يسألكم النبي ﷺ أموالكم أجراً على ما بلغكم من الوحي المتضمن لخير الدنيا والآخرة، وهذا الوجه يشهد له قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ:٤٧]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور:٤٠].
وعقد العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في (أضواء البيان) في موضعين (٢/ ١٧ - ٢٢٠) و (٧/ ١٨٩ إلى ١٩٢) بحثاً مفصلاً حول بيان أن جميع الرسل لا يأخذون أجراً على التبليغ، وناقش فيه مسألة أخذ الأجر على تعليم القرآن وبين عدم جواز ذلك، والبحث مفصل لكن نكتفي بهذا الذي ذكرنا.
قوله: ((إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ)) يعني: يلح عليكم، يقال: أحفى في المسألة، وألحف، وألح بمعنى واحد، والحفي المستقصي بسؤاله، كذلك الإحفاء الاستقصاء بالكلام والمنازعة، ومنه: أحفى شاربه، أي: استقصى في أخذه.
قوله: ((إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ)) أي: يضيق عليكم ويلح عليكم فالنتيجة: ((تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ)) أي: يخرج البخل أضغانكم، أو: يخرج الله أضغانكم.
قال قتادة: قد علم الله أن في سؤال المال خروج الأضغان.
وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن وحميد: (إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا وتخرج أضغانكم).
وروى الوليد عن يعقوب الحضرمي: (إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ونخرج أضغانكم).
وفي قراءة: (ويخرج أضغانكم)، يعني: على الاستئناف، وليست معطوفة على ما قبلها.
والمشهور عن أبي عمرو: (ويخرج) كسائر القراء عطف على ما تقدم.
قال صديق حسن خان ﵀: أي: إن يأمركم بإخراج جميع أموالكم تبخلوا بها، وتمتنعوا عن الامتثال، (ويخرج أضغانكم) يعني: الأحقاد، والمعنى: أنها تظهر عند ذلك، فالمال أكثر ما يكشف خبايا النفس، ولذلك فمن الأمور المهمة التي تستطيع أن تحكم بها على الإنسان أن تعامله معاملة مالية، فالمال هو الذي يكشف حقيقة الأخلاق والطباع، ويظهر شح النفس.
قال قتادة: علم الله أن في سؤال المال خروج الأضغان، وهذا من حيث محبة المال بالجبلة والطبيعة، ومن نوزع في حبيبه ظهرت طويته التي كان يخفيها.
أي: أن المال محبوب للإنسان جداً، فإذا نوزع فيه طولب بإخراجه بصورة أو بأخرى فحينئذٍ يظهر هذا التعلق الذي كان مطوياً في قلبه للعيان.
قال ابن كثير: وصدق قتادة فإن المال محبوب ولا يصرف إلا فيما هو أحب إلى الشخص منه.
فلا يجود الإنسان ببذل المال إلا إذا كان متأكداً أن هذا الذي يصرف إليه المال أعز عليه من المال سواءً كان أخاً في الله، أو غير ذلك، أو كان ينفقه لوجه الله وهو موقن أن الثواب الذي عند الله أضعاف هذا المال الذي يخرجه.
стр. 1958
تفسير قوله تعالى: (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله)
قال الله ﵎: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد:٣٨] أي: هاأنتم يا هؤلاء المخاطبون الموصوفون (تدعون)، وهذه جملة مستأنفة مقررة ومؤكدة لما قبلها؛ لاتحاد محصل معناهما، (لتنفقوا في سبيل الله) أي: في الجهاد وفي طرق الخير، (فمنكم من يبخل) أي: بما يطلب منه، ويدعى إليه من الإنفاق في سبيل الله، وإذا كان منكم من يبخل باليسير من المال فكيف لا يبخلون بالكثير وهو جميع الأموال؟! فإن كان يبخل بالقليل من المال وهو الزكاة مثلاً، أو حقوق الله وهي قليلة، فكيف لا يبخل بالكثير؟ ومقابله: ومنكم من يجود، فتأملوا هذا: (فمنكم من يبخل) و (منكم) هنا تبعيضية، ((هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ))، ومقابله: (ومنكم من يجود)، وهذا المقابل حذف من الكلام؛ لأن المراد في الآية هو الاستدلال على البخل؛ لأنه في الآية التي قبلها قال: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾، فأتت الآية التي تليها لتبين حقيقة هذا: ((هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ))، ومفهوم (منكم) أي: بعضكم.
ثم بين سبحانه أن ضرر البخل عائد على النفس فقال: ((وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ))، فهو في الحقيقة إنما يبخل على نفسه؛ لأنه يمنعها الأجر والثواب، ويحرمها ما هو أعظم من المال وهو الأجر والثواب.
و (بَخلَ) و (ضَنَّ) يتعديان تارة بـ (على) وبـ (عن) أخرى، فتقول: بخل على نفسه، أو بخل عن نفسه، وهذا الذي استعمل هنا: ((وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ))؛ لأن (عن) تتضمن معنى الإمساك، أي: كأنه أمسك عن نفسه الأجر والثواب.
وقيل: المعنى: يبخل عن داعي نفسه لا عن داعي ربه، (ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه) أي: أن (عن) هنا تشير إلى مصدر البخل، أي: أن البخل ينشأ عن داعي نفسه هو، وأما الله تعالى فلا يدعو أبداً إلى البخل ولا يحب البخل.
قوله: ((وَاللَّهُ الْغَنِيُّ)) أي: المطلق والمنزه عن الحاجة إلى أموالكم.
قوله: ((وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ)) أي: إلى ما عنده من الخير والرحمة، وهذا كما قال : ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧]، وقال: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر:٧]، وقال موسى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم:٨]، وقال : ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:٦٨]، وقال تعالى: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن:٦]، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥].
ثم قال ﵎: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]، قوله: (وإن تتولوا) معطوف على الحملة الشرطية المتقدمة وهي قوله: (وإن تؤمنوا وتتقوا) إلى أن قال: (وإن تتولوا) أي: إن تعرضوا عن الإيمان والتقوى.
(يستبدل قوماً غيركم) أي: يستبدل قوماً آخرين يكونون مكانكم، هم أطوع لله منكم.
قال ابن عباس: (لما نزلت هذه الآية قالوا: من هؤلاء الذين يستبدلهم الله بنا؟ وسلمان إلى جانب النبي ﷺ فقال: هم الفرس، هذا وقومه)، وفي إسناده مسلم الزنجي، وقد تفرد به، وفيه مقال معروف، ولهذا الحديث طرق في الصحيح.
وهذا الدرس في الحقيقة عندما درسته كان الدرس رقم (١٢) من دروس التفسير، بتاريخ الخميس سبعة جماد الأولى، سنة ١٣٩٩هـ، أي: أنه قبل حوالي (٢٠) سنة تقريباً، وكان في بداية ثورة الخميني عليه من الله ما يستحقه، وقد عانينا كثيراً بسبب سوء فهم أو سوء تطبيق كثير من الناس أيامها، فقد كان الكلام على أشده، وكان الناس يرموننا بالجنون كيف أننا ننتقد الخميني؟! فهذه ذكريات مما عانيناه بسبب سوء فهم تفسير هذه الآية، ولها نضاير أيضاً في القرآن الكريم، فكان بعض الناس الذين اندفعوا بدافع الحماس العاطفي بدون بصيرة، يقحمون أنفسهم في تأييد الخميني بصورة تدل على جهلهم بأصول الإسلام، وهي العقيدة الصحيحة، وكيف نحكم على الآخرين.
فكان كثير من الناس يقولون: إن هذا الحديث يدل على أن الله راض عن الخميني، وعن ثورته، وعما عليه الرافضة في إيران، فكانوا دائماً يستدلون بهذا الحديث، وهو حديث ابن عباس: (لما نزلت هذه الآية قالوا: من هؤلاء؟ وسلمان إلى جانب النبي ﷺ فقال: هم الفرس، هذا وقومه).
فنقول: صحيح هم الفرس، وهناك أدلة أخرى تبين ذلك، لكن من هم الفرس المعنيون؟ إنهم: أهل السنة والجماعة وليسوا أهل البدعة والضلالة.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (تلا رسول الله ﷺ هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله! من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب رسول الله ﷺ على منكب سلمان ﵁ ثم قال: هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس)، وهذه إشارة إلى خروج علماء عظام من فارس.
وفارس كانت إيران والعراق، فلاشك أن فارس خرج منها أئمة كبار في الحديث وفي الفتوى وغيره، وعلى رأسهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله تعالى، فهو من فارس.
فالحديث ينطبق على أهل السنة من هؤلاء الأئمة، وأما أئمة الضلالة مثل الخميني فهو عدو لدود للإسلام وللسنة ولأصحاب الرسول ﵊، وعقيدته الفاسدة في تحريف القرآن الكريم وغير ذلك من الألفاظ البشعة التي قالها، فلا يمكن أبداً أن يقصد بهذه النصوص على الإطلاق.
والحديث في هذا الأمر ذو شجون، وأنا مع مرور الأيام التفت إلى أمر مهم جداً وهو: أن الأجيال تتغير، فدائماً أكرر مسائل قد تكلمت فيها قبل وبالتفصيل المريح، لكن أضطر أحياناً من خلال أسئلة الإخوة، ومن خلال بعض الأمور العابرة أن أذكر أموراً أساسية جداً وهي غير معروفة للإخوة، ومن ضمنها الموقف الصحيح من الشيعة؟ وكيف تحكم عليهم؟ وقد تكلمنا من قبل في هذا الموضوع بعنوان: شيعة اليوم أخطر من شيعة الأمس.
فالحقيقة أن الشخص يحتاج إلى أن يذكر نفسه بين وقت وآخر أننا لابد أن نعيد الكلام في هذه الأمور الأساسية؛ لأن الأجيال الجديدة للأسف مقصرون في القراءة، وفي نفس الوقت نحن نقصِّر في المادة التي نقدمها وإن كنا أحياناً نكون معذورين، فنحن إن شاء الله نجتهد في أن نستمر، وبعض الناس يسخرون لإطفاء هذا النور، فالله حسيبهم! وعن أبي هريرة ﵁ قال: (تلا رسول الله ﷺ هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله! من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب رسول الله ﷺ على منكب سلمان ثم قال: هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس)، وفي إسناده أيضاً مسلم بن خالد الزنجي تفرد به.
وقال عكرمة: هم فارس والروم، وفي سورة الجمعة إشارة إليه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة:٢]، ثم قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة:٣]، فهناك أمم أخرى سوف تدخل في الإسلام غير العرب الذين هم أمة أمية، ولم يكن نزل فيهم كتاب.
قال عكرمة: هم فارس والروم.
وقال الحسن: هم العجم.
وقال شريح بن عبيد: هم أهل اليمن، وقيل: الأنصار، وقيل: الملائكة، وقيل: التابعون.
وقال مجاهد: هم من شاء الله من سائر الناس.
وقال الكلبي: هم كندة والنخع والنقعة من عرب اليمن.
وقال المحاسبي: فلا أحد يعد بعد العرب من جميع أجناس الأعاجم أحسن ديناً ولا كانت منهم العلماء إلا الفرس.
وحكي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه لما نزلت هذه الآية فرح بها رسول الله ﷺ وقال: (هي أحب إلي من الدنيا)، والله أعلم بحاله، فلينظر في سنده.
قوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]، في التولي عن الإيمان والتقوى، بل يكونون مطيعين له .
قال ابن جرير: في البخل بالإنفاق في سبيل الله، ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] أي: في الضن والبخل بالإنفاق في سبيل الله .
وهذا المعنى الذي دلت عليه الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ
стр. 1959
ارتباط سورة محمد بما قبلها وما بعدها من السور
أخيراً: فيما يتعلق بأسرار ارتباط هذه السورة الكريمة سورة القتال مع السورة التي قبلها وهي سورة الأحقاف، والسورة التي بعدها وهي سورة الفتح، فلا يخفى ارتباط أولها بآخر الأحقاف؛ لأن آخر آية في الأحقاف هي: ﴿بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف:٣٥]، ثم بدأ في سورة القتال بقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١]، فهنا اتصال وتلاحم واضح بين آخر الأحقاف وأول سورة محمد بحيث إنك لو تعمدت إسقاط البسملة لكان ذلك متصلاً اتصالاً واحداً لا تنافر فيه، وكانت كالآية الواحدة يأخذ بعضها بعنق بعض.
وأيضاً سورة القتال متممة لموضوع سورة الأحقاف، فالأحقاف فيها الحديث عن إعراض الكافرين في مختلف العصور، وفيها دعوتهم إلى الإيمان بالتي هي أحسن، وقد استنفذت سورة الأحقاف وسائل الإقناع بالوسائل العقلية، قال تعالى: ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف:٤]، إلى آخر السورة، فأثبتت عتو أهل الكفر وجحودهم، فكانت سورة القتال بما فيها من جهاد وقواعد الحرب وتشريعاته متفقة تماماً مع نسخ وسائل الدعوة السلمية بآية السيف.
أما مناسبة سورة القتال لما بعدها وهي سورة الفتح: فلا يخفى حسن وضعها؛ لأن الفتح بمعنى النصر قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، والفتح بمعنى النصر إنما يترتب على القتال، وقد فرح النبي ﷺ بسورة الفتح فرحاً شديداً؛ لأنها بينت ما يفعل به وبالمؤمنين، في حين أن سورة الأحقاف جاء فيها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]، والمراد بهذا في الدنيا فقط، ثم بين الله هنا في سورة الفتح ما سوف يفعله بالنبي ﵊ وبالمؤمنين، كما هو واضح في السورة.
إذاً فسورة الفتح متصلة بصورة الأحقاف من هذه الحيثية أيضاً.
وهذا قول ابن عباس، وقد ورواه عنه علي بن أبي طلحة، ولذا قال عكرمة والحسن وقتادة: إن آية الأحقاف: ((وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ))، منسوخة بآية الفتح: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
стр. 1960
مقدمة في تفسير سورة الفتح
стр. 1961
فوائد ومعلومات عن سورة الفتح
стр. 1962
معاني كلمة (الفتح)
سورة الفتح سميت بهذا لدلالتها على فتح البلاد والحجج والمعجزات والحقائق، وهذا كله من معاني الفتح، وقد ترتب على كل واحد منها المغفرة، وإتمام النعمة، والهداية، والنصر العزيز، وكل هذه أمور جليلة.
وآيها تسع وعشرون آية، وهي سورة مدنية، أي أنها نزلت بعد الهجرة بغض النظر عن المكان الذي نزلت فيه.
فهذه السورة مدنية، فإنها نزلت مرجع رسول الله ﷺ من الحديبية سنة ست من الهجرة عدة له بالفتح، قال أنس: لما رجعنا من الحديبية، وقد حيل بيننا وبين نسكنا، فنحن بين الحزن والكآبة، نزلت يعني: هذه السورة.
واختلف في المكان الذي نزلت فيه، فوقع عند محمد بن سعد أنها نزلت في مكان اسمه ضجنان، وعند الحاكم في الإكليل بكراع الغميم، وعن أبي معشر: أنها نزلت بالجحفة، والأماكن الثلاثة متقاربة.
وروى البخاري أن النبي ﷺ قال وهو في بعض أسفاره لـ عمر: (لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، يعني: سورة الفتح)، وهذا الحديث يدل على أن هذه السورة نزلت في الليل.
وأخرج البخاري عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: (قرأ النبي ﷺ يوم فتح مكة سورة الفتح فرجّع فيها).
و (الفتح) يأتي بمعنى: أن يفتح المغلق، وهذا مشهور كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧٣].
والفتح يأتي بمعنى: النصر، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء:١٤١]، وقال تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة:٥٢]؛ لأن النصر يفتح الله به أمراً مغلقاً.
والفتح يأتي بمعنى: القضاء؛ لأن القضاء فصل للأمور، وفتح لما أشكل منها، كما قال الله : ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ [السجدة:٢٨ - ٢٩]، يوم الفتح هو يوم القيامة، يعني: يوم القيامة لا ينفع الذين كفروا إيمانهم، فسمي يوم القيامة بيوم الفتح؛ لأنه يقضى فيه بين العباد، ويفصل فيه بينهم، وبعض المفسرين قالوا: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ [السجدة:٢٩]، أراد به فتح مكة؛ لأنه يوم لا ينفع الذين كفروا إيمانهم؛ لأنهم في هذه الحالة إذا آمنوا بعدما تغلب المسلمون عليهم سيكون إيمانهم خوفاً من السيف، وليس إيماناً نابعاً من قلوبهم.
وقال الله : ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ [سبأ:٢٦] يعني: يقضي بيننا بالحق ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف:٨٩] أي: خير القضاة.
قال أعرابي لآخر ينازعه: بيني وبينك الفتاح يعني: بيني وبينك الحاكم؛ لأنه يقضي ويفصل في الأمور.
وعن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] قال: كنت أقرؤها ولا أدري ما هي حتى تزوجت بنت مشرح فقالت: فتح الله بيني وبينك يعني: حكم الله بيني وبينك.
стр. 1963
وقت نزول سورة الفتح
هذه السورة من القرآن الليلي؛ لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا في غاية الدقة في وصف أحوال النبي ﵌ عامة، وما يتعلق بالوحي بصفة خاصة، فمن أنواع علوم القرآن معرفة القرآن المدني والمكي، ومعرفة القرآن الليلي والنهاري، فهذه السورة من القرآن الليلي.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: نزلت -أي: سورة الفتح- ليلاً بين مكة والمدينة في شأن الحديبية.
وفي الصحيحين عن زيد بن أسلم عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ : (كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلاً فسأله عمر عن شيء فلم يجبه رسول الله ﷺ ، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر بن الخطاب: ثكلت أم عمر نذرت رسول الله ﷺ ثلاث مرات كل ذلك لم يجبك؟!) (ثكلت أم عمر) يعني: دعاء بالفقد، فهو يخاطب نفسه ويقول: (نذرت) يعني: ألححت على النبي ﵇، وبالغت في السؤال ثلاث مرات كل ذلك لم يجبك؟! قال عمر: فحركت بعيري، ثم تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل في قرآن)، خاف أن يكون الرسول قد غضب منه فينزل فيه القرآن يدينه بذلك؛ لأنه لم يعرف لماذا لم يرد عليه النبي ﷺ ، يقول: يقول: (فما نشبت أن سمعت صارخاً يصرخ بي، فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن، فجئت رسول الله ﷺ فسلمت عليه، فقال ﷺ : لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] إلى آخر السورة) وهذا لفظ البخاري، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
стр. 1964
مكان نزول سورة الفتح
اختلف في مكان نزول هذه السورة، فبعض العلماء قالوا: بضجنان، وبعضهم قال: بكراع الغميم، وبعضهم قال: بالجحفة، وجمع الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بين ذلك بقوله: وهذه الأماكن متقاربة، فلذلك عبر بعض الصحابة بمكان والبعض بمكان آخر؛ لأنها في منطقة متقاربة فلا يضر ذلك.
قال القرطبي: إن هذه السورة المباركة سورة مدنية بإجماع المفسرين، ومعنى مدنية: أنها نزلت بعد الهجرة، وإن كان نزولها في غير المدينة.
إذاً: تقسيم سور القرآن الكريم إلى مكية ومدنية ليس تقسيماً على أساس المكان، بل على أساس زمن النزول، فما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعد الهجرة فهو مدني؛ وإن نزل خارج المدينة كهذه السورة الكريمة.
стр. 1965
منزلة سورة الفتح في قلوب الصحابة
هذه السورة حافلة بالمواقف الرائعة التي فيها مناقب وفضائل وخصائص للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولصحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
فهذه السورة لها وضع خاص؛ لأنها من أكثر السور التي وردت فيها آيات تدل على رفعة مقام النبي ﵌ عند ربه ، وهذا ما فقهه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقد روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وغيره أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن -أي: الصحابة- نعد الفتح صلح الحديبية.
لأن صلح الحديبية كان من أعظم الفتوح التي جاءت ببركة عظيمة جداً بالنسبة للمسلمين كما سيأتي، وكان خطاً فاصلاً -كما سنبين إن شاء الله ﵎ بين ما قبله وما بعده.
وقال الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ﵁ قال: ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية.
وجاء في الحديث الذي ذكرناه آنفاً قول النبي ﷺ : (لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس).
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: (نزلت على النبي ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢] مرجعه من الحديبية، قال النبي ﷺ : لقد أنزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض، ثم قرأها عليهم النبي ﷺ ، فقالوا: هنيئاً مريئاً يا نبي الله! لقد بين الله ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ [الفتح:٥] حتى بلغ قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٥]) وهذا الحديث متفق عليه.
وقول الصحابة ﵃ للنبي ﷺ : (هنيئاً مريئاً يا نبي الله! لقد بين الله ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟).
يشيرون إلى ما سبق الكلام عليه في سورة الأحقاف في قول الله ﵎: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]، يعني في الدنيا، أما في الآخرة فقد بين الله في هذه السورة الكريمة ما يفعل بنبيه ﷺ وما يفعل بهم، فلما بينت السورة أولاً ما يفعل الله بالنبي ﵇ قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم: (هنيئاً مريئاً يا نبي الله! لقد بين الله ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟)، فنزلت عليه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الفتح:٥]، إلى أن بلغ قوله تعالى: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٥].
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع قال: حدثنا شعبة عن معاوية بن قرة قال: سمعت عبد الله بن مغفل -اسم (مغفل) أو (حمار) هذه أسماء آباء وأجداد المسلمين في الجاهلية، فلا يمكن تغييرها، فلذلك بقيت، أما الصحابي إذا كان له اسم يكرهه النبي ﵊ فإنه كان يغير الاسم القبيح، وموضوع الأسماء له أهمية كبيرة في الحقيقة؛ فإن الإنسان غالباً يكون له حظ من اسمه، واسمه ينعكس على نفسيته جداً؛ لهذا نتألم جداً حين نجد بعض الناس في الأرياف ضاقت عليهم الدنيا، واختاروا بعض الأسماء العجيبة بسبب بعض العقائد منها: من أجل أن الولد لا يحسد، فيطلقوا أسماء تنفر، فالشخص الذي يسمع الاسم ينقبض فيتلهى وينشغل عن الحسد بهذه الأشياء، وهذا تفسير رديء، فلا بد من التنبه لمثل هذا، وإن كان ليس له علاقة بموضوعنا، فلذلك ينبغي الالتزام بهدي النبي ﷺ في اختيار الأسماء الحسنة، ومن حقوق الطفل على أبيه أن يسميه بأسماء حسنة ليست غريبة -رضي الله تعالى عنه يقول: (قرأ رسول الله ﷺ عام الفتح في مسيره سورة الفتح على راحلته فرجّع فيها) قيل: إن هذا الترجيع هو للتنبيه وهو في المدود بالذات، وقيل: إن هذا لأنه كان راكباً على الناقة، فالإنسان عندما يقرأ المد وهو راكب على شيء يهتز ويتحرك؛ يحصل منه هذا الترجيع.
قال الراوي: لولا أني أكره أن يجتمع الناس علينا لحكيت لكم قراءته ﵌، وهذا الحديث متفق عليه.
следующие страницы →