Полный текст (3 275 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
من خصائصه ﷺ أن الله جعل أمته آخر الأمم وخيرها
من خصائصه ﷺ أن الله جعل أمته خير الأمم، وآخر الأمم، ويسر لهم حفظ كتابه في صدورهم، واشتق لهم اسمين من أسمائه ﵎ وهما: المسلمون والمؤمنون، (المسلمون) لأن الله هو السلام، (والمؤمنون) لأن الله من أسمائه المؤمن، وسمى دينهم الإسلام، ولم يوصف بهذا الوصف إلا الأنبياء دون أممهم، قال الله ﵎: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وهذه الخيرية ليست قائمة على أساس العنصرية كما هو الحال في كل المناهج المخالفة للإسلام، حيث تجد دائماً تفرقة عنصرية على أساس اللون البشرة على الأساس القبلي على أساس كذا أو كذا لكن هذه الخيرية بابها مفتوح لكل من شاء أن يلج إليها فيستطيع كل إنسان أن يتشرف بالانتماء إليها بأن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، وقال سبحانه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨].
وعن معاوية بن حيدة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]: (إنكم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى).
стр. 1997
من خصائصه ﷺ أن الله وضع عن أمته الإصر وأحل لهم كثيراً مما حرم على من قبلهم
من خصائصه ﵌: أن الله تعالى وضع عن أمته الإصر الذي كان على الأمم قبلهم، وأحل لهم كثيراً مما حرم على من قبلهم، ولم يجعل عليهم في الدين من حرج، ورفع عنهم المؤاخذة بالخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، وحديث النفس، ومن هم منهم بسيئة لم تكتب عليه سيئة بل تكتب له حسنة، يعني: من هم بالسيئة فلم يعملها فهذا الترك يثاب عليه حسنة، ومن هم بحسنة كتبت حسنة بمجرد الهم، فإن عملها كتبت عشراً، ثم يضاعف الله بعد ذلك لمن يشاء.
ووضع عنها قتل النفس في التوبة؛ لأنه كما نعلم من القرآن الكريم كانت توبة بني إسرائيل أن يقتل بعضهم بعضاً ﴿اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٥٤].
كذلك رفع عنا قرض موضع النجاسة، فقد كان من الأمم السابقة إذا أصاب ثوب أحدهم نجاسة فلا يطهر، وإنما يقرض -يقطع- المكان أو الموضع الذي أصابته النجاسة! ومن التيسير على هذه الأمة أخذ ربع عشر المال في الزكاة، وما دعوا به استجيب لهم، وشرع لهم التخيير بين القصاص والدية، ونكاح الأربع، ورخص لهم في نكاح غير ملتهم من أهل الكتابين، وفي مخالطة الحائض سوى الوطء، بخلاف اليهود فقد كانت المرأة عندهم تعزل تماماً في حال الحيض، وفي إتيان المرأة على أي شق كان، وحرم عليهم كشف العورة، وشرب المسكر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وكلمة (من حرج) نكرة في سياق النفي، فهي تعم، ولو قال: (حرجاً) فإنها تعم، لكن قوله: (اخرج) أقوى؛ لأنها نفت أي درجة من درجات الحرج، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقال معلماً إيانا أن ندعوه ثم استجاب لنا: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال تعالى في ظل وظائف الرسول ﷺ وبركاته على العالمين وعلى هذه الأمة: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧] يعني: كانت على الأمم من قبلنا، قيل: من هذه الآصار والأغلال أن الشخص لو أكره على الكفر فكفر أنه يكفر بذلك، وليس له رخصة في التلفظ بكلمة الكفر إذا أكره على قولها، بل إما أن يكفر إذا قالها، وإما أن يصبر حتى يقتل، واستدلوا على ذلك بقول فتية الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٢٠]، فنفوا الفلاح الأبدي الذي ترتب على خيار من خيارين ((إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ))، فوسع عذر الإكراه لأمة محمد ﵇، فالخيار ليس محصوراً في القتل أو الرجوع إلى ملة الكفر، فممكن أن يبقى حياً مع التلفظ بلسانه فقط وقلبه مطمئن بالإيمان، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل:١٠٦] يعني: هذا هو الذي يكفر حقيقة، ولكن ما دام القلب مطمئناً بالإيمان، ولا سلطان لأحد عليه، فيمكن أن توجد رخصة، فهذا أيضاً من وضع الآصار، واستدلوا في هذا المقام بحديث طارق بن شهاب الذي رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد: (دخل رجل النار في ذبابة، ودخل رجل الجنة في ذبابة، مرَ رجلان على أناس يعبدون الوثن، فقالوا للرجل الأول: قرب ولو ذباباًَ -يعني: لابد أن تقرب شيئاً لهذا الوثن- فأبى؛ فقتلوه فدخل الجنة -بسبب ترك التقرب بذبابة-، أما الآخر فقيل له: قرب وإلا نقتلك، فقرب ذباباً فخلوا سبيله، فكفر بذلك فدخل النار) أي: بسبب الذبابة، والحديث ضعيف، وإن صح فإنه يصلح شاهداً لهذا المعنى، وهو: أن العذر بالإكراه من خصائص أمتنا المحمدية.
وقال ﵎: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، وهذه الآية منقبة عظيمة جداً لأمة محمد ﷺ ؛ لأننا نلاحظ كثيراً من الفتاوى في القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:١]، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة:٢٢٢]، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢١٩]، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، أما هنا فلم يقل (يسألونك عني)، لكنه هو الذي يضفي هذا الترغيب في الرحمة فيقول مبادراً ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي))، يعني: كأنه لم ينتظر حتى يسأل أحد، ولكن بادر بأن تقرب إلى عباده بقوله: ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي))، ولم يقل: فقل: إني قريب، وإنما قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]، فسبحان الله ما أعظم رحمة الله بعبادة المؤمنين!! وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (لما أنزلت هذه الآية: ﴿إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] دخل في قلوبهم منه شيء لم يدخل من قبل، فاشتكوا إلى النبي ﷺ أن هذه الآية شقت عليهم، فلما قالوا ذلك للنبي ﵊ قال لهم: قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا، فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فقالوا: سمعنا وأطعنا، فأنزل الله ﵎: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٢٨٥]، إلى آخر السورة الكريمة).
وفي بعض الأحاديث أن الله قال: (قد فعلت) يعني: قد استجبت هذا الدعاء وقد غفرت لكم.
وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون؟ فأخبرني أنه عذاب كان يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين، ليس أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، كان له مثل أجر شهيد)، وهذا الحديث يعتبر سبق علمي في غاية الأهمية وفي غاية الخطورة، خاصة عند الأخصائيين بالصحة العامة الذين يهتمون جداً بالوقاية، فلا شك أن هذا الحديث يدل على أعظم درجات الوقاية من مثل هذه الأوبئة؛ لأنه لو سمح للناس الذين يقع الطاعون فيهم بالخروج لنقل هذا الوباء، أو سمح لمن لم يوجد فيه بالدخول فهذا فيه تعرض لهذا البلاء، وكله من قدر الله ، ولذلك لما حصل الطاعون في الهند قبل حوالى خمس سنوات، فالذي حصل أن بعض مرافق الحكومة سمحوا لبعضهم بالفرار إلى أماكن أخرى؛ لأن الإجراءات كانت كلها سليمة؛ فانتشر الطاعون في عامة أرجاء الهند، بسبب أنهم تركوا الناس يفرون خارج المدينة، فانتشر الطاعون جداً، وإلى أيامنا هذه بعض دول الخليج تمنع الطائرات القادمة من الهند؛ خشية أن يأتي هؤلاء الناس معهم، وهذا كله بإذن الله ، ولما حصل زلزال في جبال محيطة بهذه المنطقة في إيران، وكانت هناك أسر تعيش في جحور الجبال؛ فلما فتحت هذه الصدوع انتشر الطاعون عن طريق تأثير الزلزال، وامتد هذا المرض إلى هذه القرى، فكان هذا فعلاً من أقوى الإجراءات الوقائية، أي بلد يدخل فيه الطاعون فالمشروع لمن فيه أن يصبر ويحتسب ولا يخرج، والذي خارجها لا يدخلها، كما قال عمر: أفر من قضاء الله إلى قضاء الله.
لما امتنع من الدخول إلى الأرض التي فيها الطاعون.
стр. 1998
من خصائصه ﷺ أن عيسى ﵇ سيصلي خلف رجل من أمته
من خصائص النبي ﷺ أن من أمته من يصلي بعيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟!) قال العلماء: إن إمامهم هو المهدي بناءً على بعض الأحاديث الصحيحة التي فيها أن عيسى ﵇ حينما ينزل وقد أقيمت صلاة الفجر وإمامهم المهدي يقول له المهدي: تقدم يا روح الله! فصل، فيمتنع المسيح ﵇ من الصلاة ويقول: إن بعضكم أئمة بعض تكرمة الله هذه الأمة.
وأيهما أفضل المهدي أم عيسى ﵇؟ عيسى بن مريم بلا شك، فعيسى نبي، ومن اللطائف أنه أيضاً صحابي، لأنه ينطبق عليه تعريف الصحابي في علم الحديث: من رأى النبي ﵊ وآمن به ولو وقتاً يسيراً من الزمن، فعيسى لقي النبي ﵊ في رحلة الإسراء، وهو مؤمن به ﵊، وعيسى لم يمت؛ لأنه رفع إلى السماء وسينزل إلى الأرض في آخر الزمان.
وفي بداية الأمر سوف يمتنع المسيح ﵇ عن الصلاة إماماً؛ لأنه إذا صلى إماماً حسبما يقتضيه مقامه الشريف لوقع الناس في تخبط، هل عيسى جاء مشرعاً جديداً؟ وكيف وقد ختمت النبوة بمحمد ﷺ ؟ فحتى يزيل هذه الشبهة من البداية يمتنع أولا ًمن الصلاة إماماً؛ كي يصلي مأموماً خلف إمام من أمة محمد ﵊ وهو المهدي من أبناء النبي ﵇، ومن نسل الحسن رضي الله تعالى عنه، ومن ذرية فاطمة، لكن بعد ذلك الظاهر أن المسيح هو الذي يصلي بالناس، لكن الامتناع فقط عند بداية ظهوره عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ : (ذكر ابن آدم بين يدي الدجال فقالوا: أي المال خير يومئذ؟! فقال: غلام شديد يسقي أهله الماء، قالوا: فما طعام المؤمنين يومئذ؟ فقال ﷺ : التسبيح والتكبير والتهليل)، يعني: أنهم في ذلك الوقت يشبهون الملائكة، قالت عائشة: (فأين العرب يومئذ؟ قال: العرب يومئذ قليل) يعني: قليل بالنسبة إلى غيرهم، والعرب الآن قليل بالنسبة للمسلمين أم لا؟ العرب الآن لا يساوون تسع باقي المسلمين؛ لأن المسلمين دائرة أوسع، ثم يأتي أعداء الله ويفرقون المسلمين بهذه الطريقة، وبالقوميات والوطنيات والوثنيات؛ لأن توحدهم يعتبرونه خطراً شديداً على العالم كافة، لو أن المسلمين العرب توحدوا، ثم انضمت إليهم بعض الدول مثل موريتانيا ودول شرق آسيا، يأتون من هذه المناطق مدداً إلى البلاد العربية، ثم توحدت كل بلاد المسلمين؛ فتخيل كم ستكون القوة والموارد البشرية، والعدد الضخم، والقوى العسكرية، والقنوات، والعلوم، والعقول النابغة وغير ذلك؟! لا شك أن هذا يقضي تماماً على قوة أعداء الإسلام؛ لأن تخلف المسلمين في كثير من المجالات ليس ناشئاً عن قصور، ولكنه ناشئ عن قلة الإمكانات، وتحريم العلوم والتكنولوجيا مع فتح الباب على مصراعيه للأمور الإفسادية، لكن الأمور الحساسة التي تعطي المسلمين قوة حقيقة هم يحولون دون المسلمين ودون ذلك بعقل الاستكبار الذي يسمونه العولمة.
فالعرب قليل بالفعل بالنسبة لباقي المسلمين، فما بالك بالعرب إذاًَ بالنسبة للكفار في القتال الذي سيحصل مع الدجال؟!
стр. 1999
من خصائصه ﷺ أن أمته أقل أعمالاً وأكثر أجراً
من خصائصه ﷺ أن أمته أقل أعمالاً من الأمم السابقة وأكثر أجراً؛ فعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما بقاؤكم فيما سبق قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا بها، حتى إذا انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطاً -الأجر الذي يستحقونه-، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر، ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتاب: أي ربنا! أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطاً قيراطاً، ونحن كنا أكثر عملاً، قال الله تعالى: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء).
فلا شك أن الحديث واضح في الدلالة جداً على تفضيل أمة محمد ﷺ على سائر الأمم.
стр. 2000
من خصائصه ﷺ أنه أول من تنشق عنه الأرض
من خصائصه ﷺ أنه أول من تنشق عنه الأرض، وهو أول من يفيق من الصعقة ﵊، يقول ﵊: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول مشفع) ﷺ .
وقال ﵊: (إن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق)، وقال ﵊: (أنا أول من تنشق عنه الأرض، فأكسى الحلة من حلل الجنة، ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري).
стр. 2001
من خصائصه ﷺ أن الله أعطاه المقام المحمود وجعل بيده لواء الحمد
من خصائصه ﷺ أن الله ﵎ أعطاه المقام المحمود، وجعل بيده لواء الحمد، وأن آدم فمن سواه تحت لوائه، وأنه إمام النبيين يومئذ، وأنه أول شافع وأول مشفع، وأول من ينظر إلى الله تعالى، وأول من يؤمر بالسجود، وأول من يرفع رأسه، ولا يطلب منه شهيد على التبليغ ويطلب من سائر الأنبياء.
وأعطاه الشفاعة العظمى في فصل القضاء، وأعطاه الشفاعة في إدخال قوم الجنة بغير حساب، والشفاعة فيمن استحق النار من الموحدين ألا يدخلها، والشفاعة في رفع درجات أناس في الجنة، والشفاعة فيمن خلد من الكفار في النار أن يخفف عنهم العذاب، والمقصود بذلك: أبو طالب، قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩].
стр. 2002
من خصائصه ﷺ أن كل سبب ونسب منقطع إلا سببه ونسبه
من خصائصه ﷺ قوله: (ينقطع يوم القيامة كل سبب ونسب إلا سببي ونسبي).
ومن ذلك قوله: (يضرب جسر جهنم فأكون أول من يجيز).
ويقول ﵊: (آتي باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك).
وعن ابن عمرو ﵄: (أن رسول الله ﷺ تلا قول إبراهيم ﵇: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦]، وقول عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]، فرفع يديه ﵊ وقال: أمتي! أمتي! ثم بكى -يعني: رحمة لأمته وشفقة عليها- فقال الله تعالى: يا جبريل! اذهب إلى محمد وقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك) (سنرضيك) أي: سنعطيك في شأن أمتك من أنواع الشفاعات وغيرها حتى ترضى؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥]، وفي هذا الحديث أعظم عناية من النبي ﷺ بأمته.
стр. 2003
شبهات لابد من الرد عليها
стр. 2004
شبهة أن ذكر خصائص النبي ﷺ من التفريق بين الأنبياء
هذا غيض من فيض فيما يتعلق بخصائص النبي ﷺ ، وبقي شيء يسير سنذكره فيما بعد، لكن نشير في نهاية الكلام هذه الليلة حول وجود بعض الأشياء التي قد تشتبه على بعض الناس فيما يتعلق بأفضلية النبي ﷺ على إخوانه الأنبياء، فقد كان بعض الضالين يكذب بهذه الفضائل أو ببعض هذه الأحاديث ويقول: إن هذا من التفريق بين الرسل، والله تعالى يقول: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، ومن هؤلاء الضالين صالح أبو بكر، فكان يكذب بعض الأحاديث في الصحيحين، وفيها إثبات هذه الفضائل، كقوله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر)، فيقول: إن هذا من التفريق بين الأنبياء، وهذا يعارض القرآن، فنحن نرد ذلك للقرآن لقوله تعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]،
و
الجواب
أن هذا في الإيمان والتصديق، أما أن يخبر الله بتفضيل النبي ﵇ وخصائصه الشريفة فهذا ليس تفريقاً بينهم، الذين يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ذمهم الله بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء:١٥٠]، فالتفريق هو في الإيمان، أما أن يصدق بالأخبار النبوية في جانب الآيات القرآنية التي فيها هذه الخصائص؛ فهذا ليس من التفريق في شيء، وإنما هذا من شبه هؤلاء القوم.
стр. 2005
شبهة أن الصلاة الإبراهيمية فيها تفضيل إبراهيم على محمد صلى الله عليهما وسلم
بعض الناس اشتبه عليه أننا في التشهد نقول: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إلى آخره)، قالوا: إن قاعدة أهل المعاني أن المشبه به أعلى في الرتبة من المشبه، كما يقول: كما صليت على إبراهيم, فالمعنى أن الصلاة على إبراهيم أفضل وأعلى من الصلاة على النبي ﷺ !
و
الجواب
أولاً: الحديث فيه: (كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم)، وآل إبراهيم يدخل فيهم الرسول محمد ﷺ ، فهذا في الحقيقة تشريف لإبراهيم ﵇، حيث إن من ذريته محمد ﵊.
ثانياً: أن المقرر في علم المعاني أن الغرض من التشريف إلحاق الأدنى بالأعلى، كما تقول: زيد كالبدر، أو إلحاق متأخر بسابق في معنى من المعاني من غير ملاحظة تفاوت بينهم، فهو إما لغرض إلحاق الأدنى بالأعلى، أو إلحاق متأخر في الرتبة بالسابق في معنى من المعاني دون اعتبار موضوع التفاوت بينهما في هذا المعنى، والصلاة الإبراهيمية من هذه القبيل؛ لأن معناها: اللهم صل على محمد كما حصلت منك الصلاة على إبراهيم, وليس هنا أخفض ولا أعلى؛ لأن الصلاة على إبراهيم منشؤها نبوته وليست أفضليته، نظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٥]، فشبه استخلاف الأمة المحمدية باستخلاف اليهود قبلهم من غير نظر إلى التفاوت بين الاستخلافين، مع أن استخلاف الأمة المحمدية -وهي المشبه- أعم وأكمل من استخلاف اليهود المشبه بهم، فهي من نفس الباب.
أيضاًَ: التفضيل بين الأنبياء منوط بأمرين: أولاً: خصال الكمال التي يتحلى بها النبي.
ثانياً: المزايا التي يهبها الله ﵎ لهم.
فلا شك أن رسولنا ﵇ اجتمع له الأمران في أعلى صورة من الكمال البشري، فيكفي أن الله مدحه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، وكان ﷺ خلقه القرآن، ولم يثن بهذا على نبي ولا رسول.
أيضاً: مما يدل على هذه الأفضلية المزايا الكثيرة التي وهب الله نبيه ﷺ والتي أشرنا إلى أشياء منها.
стр. 2006
شبهة أحاديث النهي عن التفضيل بين الأنبياء
هناك حديث: (أن رجلاً قال للنبي ﵊: يا خير البرية! فقال ﵊: ذاك إبراهيم)، وجاء في حديث آخر: (لا تفضلوني على يونس بن متى، ولا تقولوا: أنا خير من يونس بن متى)؛ فهذه الأحاديث تنهى عن التفضيل بين الأنبياء.
الجواب
أن بعض العلماء سلك مسلك الترجيح بأن هذه الأحاديث آحاد، وأفضلية النبي ﷺ ثابتة بالقرآن والسنة المتواترة والإجماع، فتكون راجحة بلا نزاع، هذا مسلك.
المسلك الآخر: الجمع، وهو من وجهين: الوجه الأول: أن هذه الأحاديث خرجت مخرج التواضع، مع الإشارة إلى حفظ مقام يونس ﵇.
الوجه الثاني: أنه قالها قبل أن يُعلمه الله بأفضليته عنده، فحين قالها لم يكن أوحي إليه هذه النعم العظمى التي أمره فيما بعد أن يخبر بها، كما في الحديث: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر) يعني: ولا أقصد بذلك الفخر، لكن هذا من الوحي الذي لا ينبغي أن أكتمه؛ لأن من مقاصد الرسالة تعظيم النبي ﵇ التعظيم اللائق به كما قال تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:٩].
إذاً: الوجه الثاني: أنه قالها قبل أن يعلمه الله بأفضليته عنده، وبيان ذلك أن الله تعالى والى إفضاله على نبيه وقتاً بعد وقت، ولحظة بعد لحظة، فكان أول ما قال في الإنذار: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]، ثم: ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام:٩٢]، ثم بعد ذلك قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨]، ثم صرف إليه الجن وبعثه إليهم أيضاً، ثم عمم بعثته فقال ﵎: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١].
ثم أسرى به وأراه من آياته ما زاده رفعة وعلواً، ثم لما أمره بالجهاد، أمر الملائكة أن يجاهدوا معه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:١٢]، أمر الملائكة أن يقاتلوا معه، وأن يكونوا من جنده ﷺ ، وهكذا كلما مرت على النبي ﷺ لحظة زاد في نفسه فضلاً، ونال من مولاه موهبة، فكلما نزلت عليه آية أو سورة ازداد بها علماً وقربى، فكان علمه بأفضليته متأخراً عن صدور تلك الأحاديث منه، وقد قال ﷺ بعدها: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، فكل فضل آتاه الله نبياً من الأنبياء اجتمع هذا الفضل كله في رسوله محمد ﷺ ، فإذا كان الله أثنى على إدريس بقوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧]، فلا يمكن أن يبلغ علو إدريس ﵇ ما بلغه رسول الله ﷺ حينما قال ﵎: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٩]، هل هناك ما هو أعظم من ذلك؟ إذا كان هود ﵇ نصر بالريح فقد نصر محمد ﷺ بالريح يوم الخندق في غزوة الأحزاب.
إذا كان يوسف ﵇ قد أوتي شطر الحسن فإن رسول الله ﷺ قد أوتي جميع الحسن ﵊، حتى كان من جمال صورته الشريفة ﵇ ما حكاه بعض الصحابة: أنه رأى وجه رسول الله ﷺ في ليلة من الليالي في حلة حمراء، وكان القمر مكتملاً، فجعل الصحابي ينظر مرة إلى القمر ومرة إلى وجه رسول ﷺ ، فرآه أجمل من القمر؛ من شدة الحسن الذي آتاه الله .
إذا كان موسى ﵇ من معجزاته أنه نبع الماء من الحجر فإن الماء نبع من أصابع النبي ﷺ الشريفة، وهذا بلا شك أقوى وأعظم.
إذا كان موسى ﵇ من معجزاته انقلاب العصا إلى حية، فأيضاً حصلت معجزة حنين الجذع للنبي ﷺ ، فنفس الجذع كان يحب الرسول ﵊، فلما أمر بأن يتخذ له منبراً، وكان هناك جذع في المسجد يعتمد عليه النبي ﷺ أثناء الخطبة، ففي أول يوم أتى الرسول ﵊ ليصعد إلى المنبر، ومر على الجذع ولم يستند إليه كالعادة -وهذا الحديث ثابت قطعاً، وهو متفق عليه-، فعلى مرأى من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن حن الجذع وبكى وارتفع صوته! وهذه آية من آيات الله ، يحن حنيناً إلى رسول الله ﷺ ويبكي بكاءً لفراقه، حتى نزل من على المنبر وأخذ يضمه إليه حتى سكت وله حنين كالطفل الذي يبكي ثم يهدأ ويظل يأتي ببعض الأصوات من شدة البكاء، فهكذا حن الجذع إلى النبي ﵌!! إذا كان موسى ﵇ قال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤]، فإن الله هو الذي قال لخليله محمد ﵇: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥]، فالله يحب أن يرضي رسول الله ﷺ ، ويقول تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة:١٤٤]، ﵊.
وتلاحظون أنني دائماً أستعمل كلمة (خليله) بدل (حبيبه) كما يجري على ألسنة الناس أنهم يصفونه بالمحبة، وهو لا شك حبيب الله ، لكن الأفضل أن تقول: خليل؛ لأن الخلة أعلى درجات المحبة، فقولك: حبيب الله فيه تقصير؛ لأن الله اتخذ محمداً خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، كما صح بذلك الحديث.
وإذا كان الله قال لموسى ﵇: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩]، فإنه قد قال في حق محمد ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، يعني: اتباعه ﷺ يجلب للإنسان فضيلة ونعمة ما بعدها نعمة: ﴿اتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه ُ﴾، وهذه بلا شك أعظم.
وإذا كان داود ﵇ قد كانت الجبال تسبح معه، فقد سبح الحصى والطعام بين يدي رسول الله ﵌.
وإذا كان سليمان ﵇ قد أوتي ملكاً عظيماً، فإن محمداً ﷺ أوتي مفاتيح خزائن الأرض، وامتد ملك أمته حتى شمل معظم الكرة الأرضية.
وإذا كانت الريح سخرت لسليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فإن البراق سخر له إلى حيث شاء الله من المنازل العالية.
على كل الأحوال: هذه إلمامة عابرة، وبقي كلام يسير متعلق بهذه المسألة، وهي خصائص رسول الله ﵌، نكملها بإذن الله في الدرس القادم.
стр. 2007
تفسير سورة الفتح [٢]
стр. 2008
تفسير قوله تعالى: (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك)
قال الله ﵎: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح:١ - ٣].
يقول شيخ المفسرين الإمام ابن جرير رحمه الله تعالى: يعني بقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، إنا حكمنا لك -يا محمد- حكماً لمن سمعه أو بلغه على من خالفك وناصبك من كفار قومك، وقضينا لك عليهم بالنصر والظفر؛ لتشكر ربك، وتحمده على نعمته بقضائه لك عليهم، وفتحه ما فتح لك، ولتسبحه وتستغفره، فيغفر لك لفعالك ذلك ربك ما تقدم من ذنبك قبل فتحه لك ما فتح، وما تأخر بعد فتحه لك ذلك ما ذكرته واستغفرته.
وبهذا يتبين ما قد يستشكل بعض الناس من العلاقة بين قوله تعالى: ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ))، وبين قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، فما وجه الارتباط بينهما يقول الإمام ابن جرير: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا)، يعني: لتحمد الله على هذا الفتح، ولتسبحه وتستغفره، فبكل هذا يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك: قبل الفتح، وما تأخر أي: بعد الفتح.
يقول الإمام شيخ المفسرين: وإنما اخترنا هذا القول في تأويل هذه الآية لدلالة قول الله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]، يعني: بعد الفتح أمره بقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:٣]، يغفر لك بعد الفتح، ولذلك قال في سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ * ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ)) يعني: فتحنا لك فتحاً مبيناً، حتى إذا ما جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره؛ يغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
إذاً: لابد أن نفهم هذه الآية في ضوء آية سورة النصر، فهذه السورة تدل على صحة هذا التفسير.
يقول الحافظ الإمام ابن جرير: إذ أمره تعالى ذكره أن يسبح بحمد ربه إذا جاءه نصر الله وفتح مكة، وأن يستغفره، وأعلمه أنه تواب على من فعل ذلك، ففي ذلك بيان واضح أن قوله ﵎: ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)) إنما هو خبر من الله جل ثناؤه لنبيه ﷺ على توحيده وشكره له على النعمة التي أنعم بها عليه، وإظهاره إياها؛ والله تعالى لا يجازي عباده إلا على أعمالهم دون غيرها؛ لأنه يقول: ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ))، وهذا كله جزاء، والجزاء والثواب دائماً يكون مبنياً على فعل العبد نفسه وليس على فعل الله، يعني: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ * ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ))، فمغفرة الله وإتمام النعمة على النبي ﵊ تكون جزاء لفعل النبي ﵊، أنه يسبح الله ويحمده، ويستغفره فيغفر له، وقد صح الخبر عنه ﷺ : (أنه كان يقوم حتى تتورم قدماه، فقيل له: يا رسول الله! تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال ﷺ : أفلا أكون عبداً شكوراً)، ففي ذلك دلالة واضحة على أن الذي قلنا من ذلك هو الصحيح من القول، وأن الله ﵎ إنما وعد نبيه محمداً ﷺ غفران ذنوبه المتقدمة على شكره له على نعمه التي أنعمها عليه، وكذلك كان يقول ﷺ : (إني لأستغفر الله وأتوب إليه في كل يوم مائة مرة)، ولو كان القول في ذلك أنه من خبر الله تعالى لنبيه أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر على غير الوجه الذي ذكرنا؛ لم يكن لأمره إياه بالاستغفار بعد هذه الآية ولا لاستغفار النبي ﷺ ربه جل وعلا من ذنوبه بعدها معنى يعقل؛ لأن الاستغفار معناه: أن العبد يطلب من الله غفران ذنوبه، فإذا لم يكن له ذنوب تغفر لم يكن لمسألته إياه غفرانها معنى؛ لأنه من المحال أن يقال: اللهم اغفر لي ذنباًَ لم أعمله، وقد تأول ذلك بعضهم بمعنى: ليغفر لك ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة، وما تأخر إلى الوقت الذي قال فيه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ * ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)).
وأما الفتح الذي وعد الله جل ثناؤه نبيه ﷺ هذه العدة على شكره إياه عليها فإنه فيما ذكر الهدنة التي جرت بين رسول الله ﷺ وبين مشركي قريش بالحديبية.
стр. 2009
كلام السرخسي في معنى قوله تعالى: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)
قال العلامة السرخسي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ * ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ))، لا يخفى ما يسبق إلى الذهن من تنافي هذه العلة ومعلولها؛ لأن فتح الله لنبيه لا يظهر كونه علة لغفرانه له! والجواب عن هذا من وجهين: الأول: وهو اختيار ابن جرير لدلالة الكتاب والسنة عليه، أن المعنى: إن فتح الله لنبيه يدل بدلالة الالتزام على شكر النبي ﷺ لنعمة الفتح.
الدلالة الوضعية للألفاظ إما أن تكون دلالة مطابقة أو تضمن أو التزام، ودلالة المطابقة هي أن اللفظ يدل على المعنى الذي وضع له، مثل: لفظة (الإنسان) فيها دلالة مطابقة على الحيوان الناطق، فتنطبق تماماً عليه، أما دلالة التضمن فهي تدل على جزء المعنى، أي: دلالة اللفظ على جزء معناه، كما إذا قلت مثلاً: (الإنسان)، فتدل على جزء معنى الإنسان، أما دلالة الالتزام فهي دلالة تدل على لازم المعنى العقلي، يعني: إذا قلنا: أربعة فنفهم من هذا أن ذلك يلزم منه أن الأربعة عبارة عن عدد زوجي، فهذه دلالة الالتزام.
فقوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) يدل بدلالة الالتزام أنه يلزم من ذلك شكر النبي ﷺ لنعمة الفتح، فإذا شكر الله على نعمة الفتح كافأه الله بأن يغفر له ذنوبه المتقدمة والمتأخرة بسبب شكره؛ لأنه يشكر الله بأنواع من العبادات يتقرب بها إلى الله ، والجزاء إنما يكون على فعل العبد، لا على فعل الرب ، فالله يقول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، وهذا الفتح في حد ذاته لا يترتب عليه مغفرة الذنوب؛ لأن الذي فتح هو الله، وإنما الذي فعله النبي ﵇ هو أنه بعدما فتح الله عليه قال بشكر نعمة الفتح، وامتثل ما أمره الله تعالى في قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]، حينئذ فكان بعد الفتح يكثر من التسبيح والاستغفار، فغفر الله له طبقاً لذلك ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فصرح في هذه السورة الكريمة بأن تسبيحه بحمد ربه واستغفاره لربه شكراً على نعمة الفتح سبب لغفران ذنوبه؛ لأنه رتب تسبيحه بحمده واستغفاره بالفاء على مجيء الفتح والنصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ﴾ فهذا فيه ترتيب المعلول على علته، ثم بين أن ذلك الشكر سبب الغفران بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.
فهذا من حيث الدلالة من القرآن بتفسير الآية بسورة النصر، وأما دلالة السنة ففي قوله ﷺ لما قال له بعض أزواجه: (أتفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال ﵊: أفلا أكون عبداً شكوراً؟!) يعني: قد غفر الله لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، فيترتب على ذلك أن أشكر الله ، فبين ﵊ أن اجتهاده في العمل هو لشكر تلك النعمة، وترقب الغفران على الاجتهاد في العمل لا خفاء به، فـ: ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)) هذه عاقبة وثمرة اجتهاده في التقرب إلى الله بالاستغفار والتسبيح والعبادة.
الوجه الثاني في تفسير الآية: أن قوله: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا)، يفهم منه بدلالة الالتزام الجهاد في سبيل الله، بمعنى: بما أنك -يا نبي الله- قد جاهدت في الله حق الجهاد، وترتب على هذا الجهاد الفتح من الله ، فإن جهادك يكون سبباً لغفران ذنوبك المتقدمة والمتأخرة، فيكون المعنى هنا: ليغفر لك الله بسبب جهادك المفهوم من ذكر الفتح؛ لأن فتح الله له سبب، والسبب هو الجهاد في سبيل الله، فالمعنى: أنه ترتب على جهادك في سبيل الله حق الجهاد أن فتح الله عليك، فبسبب جهادك يغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، هذا حاصل ما قاله المفسرون في هذه الآية، كذلك قال القاسمي كلاماً قريباً من هذا، وقال: أبو السعود: قوله: (ليغفر لك الله) غاية للفتح من حيث إنه مترتب على سعيه ﷺ في إعلاء كلمة الله تعالى، بمكابدة مشاق الحروب، واقتحام موارد الخطوب.
قوله: (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) أي: جميع ما فرط منك من ترك الأولى، وتسميته ذنباً بالنظر إلى منصبه الجليل ﷺ .
стр. 2010
كلام ابن كثير في معنى قوله تعالى: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)
قال الحافظ ابن كثير القرشي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) هذا من خصائصه ﷺ التي لا يشاركه فيها غيره، وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره أنه يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله ﷺ ، يعني: لم تثبت هذه الفضيلة لأحد غير رسول الله ﷺ ، فمثلاً في عاشوراء يكفر السنة الماضية، ويوم عرفه صيامه يكفر سنة ماضية وسنة مقبلة، أما أن يقال لعبد من عباد الله: إنه قد غفر الله له على سبيل التحقيق ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهذه من تشريف الله لنبيه ﵌، وهو في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو أكمل البشر على الإطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة ﷺ ، ولما كان أطوع خلق الله لله وأكثرهم تعظيماً لأوامره ونواهيه قال حين بركت به الناقة: (حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أجبتهم إليها) وقوله: (حبسها حابس الفيل) أي: الذي حبس الفيل عن أن يدمر الكعبة المشرفة، ففيه إشارة إلى أن هذا أمر إلهي من عند الله ، فحينما بركت الناقة -كما سيأتي إن شاء الله في القصة المطولة لصلح الحديبية- فمعنى ذلك أن هذا من عند الله، ثم قال لهم: (والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أجبتهم إليها)، فهو أطاع الله في هذا الفعل، وأجاب إلى الصلح الذي حصل مع المشركين، فلما أطاع الله هذه الطاعة، وانقاد لأمره قال الله له: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ * ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ)) أي: في الدنيا والآخرة ((وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا)) أي: بما يشرعه لك من الشرع العظيم، والدين القويم، ثم قال: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح:٣] أي: بسبب خضوعك لأمر الله، يرفعك الله وينصرك على أعدائك، كما جاء في الحديث الصحيح: (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد إلا رفعه الله).
وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: ما عاقبت أحداً عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه.
стр. 2011
المراد من قوله: (ما تقدم من ذنبك وما تأخر)
قوله ﵎: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)، هو كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر:٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢]، وقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:٣]، وبعض المفسرين قالوا: معناه ما تقدم من ذنب قبل الرسالة، وما تأخر بعدها.
وقال بعضهم: (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ) يعني: من ذنب أبويك آدم وحواء، (وَمَا تَأَخَّرَ) أي: من ذنوب أمته، وما أبعد هذا التفسير عن معنى القرآن كما قال الشيخ صديق حسن خان رحمه الله تعالى! فهذا تأويل بعيد جداً عن قواعد علم التفسير.
وقيل: ما تقدم من ذنب أبيك إبراهيم، وما تأخر من ذنوب النبيين من بعده، وهذا أيضاًً بعيد كالذي قبله.
وقيل: ما تقدم من ذنب يوم بدر، وما تأخر من ذنب يوم حنين، وهذا كالقولين السابقين في البعد عن المدلول، وقوله: ما تقدم من ذنب يوم بدر، هو إشارة إلى قول النبي ﵊ يوم بدر: (اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبداً)، فقال: هذا هو الذنب المتقدم! لكن هذا يحمل على الوجه الصحيح، حيث لم يكن على الأرض مسلمون غير تلك الفئة؛ فليس فيها أي معنى محذور، وقوله: (وَمَا تَأَخَّرَ) أي: يوم حنين، هو إشارة لما روى أنه لما رمى المشركين بالحصباء قال: (لو لم أرمهم لم ينهزموا؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧])، وهذا هو المتأخر، وهذا قول بعيد.
وقيل: (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ) أي: لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك، وقيل غير ذلك مما لا وجه له، والأول أولى، فيكون المراد بالذنب الأول هو ما تقدم من ذنب قبل الرسالة، وما تأخر بعد الرسالة، والمراد بالذنب بعد الرسالة ترك ما هو الأولى، وسمي ذنباً في حقه لجلالة قدره ﵊، وإن لم يكن ذنباًً في حق غيره، فهو من باب: (حسنات الأبرار سيئات المقربين).
وقوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح:٢ - ٣]، الوضع يكون للحط والتخفيف، ويكون للحمل والتثقيل، فإن عدي بـ (عن) كان للحط كقوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾، وإن عدي بـ (على) كان المعنى الحمل، فوضعت عنك، غير وضعت عليك.
والوزر لغة: الثقل قال تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد:٤] أي: ثقلها من سلاح ونحوه، ومنه الوزير؛ لأنه يتحمل ثقل أميره وشغله.
والوزر شرعاً: هو الذنب، كما في الحديث: (من سن سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)، وقد يترادفان في التعبير، كقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً﴾ [النحل:٢٥]، وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت:١٣]، أفرد لفظ الوزر هنا وأطلق، ولم يبين ما هو وما نوعه، فلذلك اختلف المفسرون فيه اختلافاً كبيراً كقوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾، قيل: ما كان فيه من أمر الجاهلية، وحفظه من مشاركته معهم، فلم يلحقه شيء منه، مع أنك كنت بعيداً عن أهل الجاهلية، لكن وضعنا عنك وزرك، أي: حفظناك من أن تفعل ما كان يفعله الجاهليون، وقيل: ثقل تألمه مما كان عليه أمر الناس ولم يستطع تغييره، وشفقته ﷺ بهم، يعني: أن هذه الآية: (وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ) كقوله تعالى -على هذا التفسير-: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، يعني: أسفاً عليهم.
وقال أبو حيان: (وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ): كناية عن عصمته ﷺ من الذنوب، وتطهيره من الأوزار.
ومهما يكن من شيء فإن عصمة النبي ﷺ من الكبائر والصغائر بعد البعثة يجب القطع بها؛ لنص القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] ولوجوب التأسي به، وامتناع أن يكون في شيء من ذلك خطأ، فحكمة الله أن جعل الأنبياء معصومين؛ لأننا مأمورون بالاقتداء بهم في أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم، فلا شك أن النبي ﷺ بعد الرسالة معصوم من الصغائر والكبائر، أما قبل البعثة فلا شك في العصمة من الكبائر أيضاً؛ لأنه كان في مقام التهيؤ للنبوة منذ صغره، وقد شق صدره الشريف في سن الرضاع، وأخرج منه حظ الشيطان، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري، ثم إنه لو كان قد وقع منه شيء لأخذوه عليه حين عارضوه في دعوته، ولم يذكر من ذلك شيء، فلم يبق إلا القول في الصغائر، فهي دائرة بين الجواز والمنع، فإن كانت بعد البعثة فهو معصوم من الصغائر والكبائر، وقبل البعثة فقطعاً هو معصوم من الكبائر، أما الصغائر فالأمر يدور فيها بين جواز وقوع ذلك أو منعه، وإن كانت جائزة الوقوع فوقعت فإنها لا تمس بمقامه ﷺ ؛ لأنها وقعت قبل البعثة وقبل التكليف، وقد غفرت وحط عنه ثقلها، فإن لم تقع ولم تكن جائزة في حقه فهذا هو المطلوب.
وقد ساق الألوسي رحمه الله تعالى خبر أن عمه أبا طالب قال لأخيه العباس يوماً: لقد ضممته إلي وما فارقته ليلاً ولا نهاراً، ولا ائتمنت عليه أحداً، وذكر قصة مبيته ومنامه في وسط أولاده أول الليل، ثم نقله إياه محل أحد أبنائه حفاظاً عليه، ثم قال: ولم أر منه كذبة ولا ضحكاً ولا جاهلية، ولا وقف مع الصبيان وهم يلعبون.
ومما جاء في كتب التفسير: أنه ﵊ أراد مرة في شبابه أن يذهب إلى مكان عرس ليرى ما فيه، فلما دنا منه أخذه النوم، ولم يستيقظ إلا على حر الشمس، فصانه الله من رؤية أو سماع شيء من ذلك، ومنه قصة مشاركته في بناء الكعبة، حين سقط منه الرداء ومنع منه وفي الحال استتر، فهذه أدلة أصحاب المذهب الذي يرى أن النبي ﵊ معصوم حتى من الصغائر قبل البعثة.
فما هو الجواب عن قول الله ﵎: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢]؟ ما هو هذا الوزر؟ ولماذا قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر:٥٥]؟ قيل في
الجواب
إنه تكريم له ﷺ ، فكلمة: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) هذا تكريم له، وكما جاء في أهل بدر قول النبي ﵊: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، مع أنهم لم يفعلوا محرماً، ولكنه تكرم منه لهم، ورفع لمنزلتهم، وقد كان ﷺ يتوب ويستغفر، ويقوم الليل حتى تورمت قدماه فقال: (أفلا أكون عبداً شكوراً)، فكان كل ذلك منه شكراً لله تعالى ورفعاً لدرجاته ﷺ ، وإذا كان النبي ﵊ قال في أحد أصحابه -وهو صهيب ﵁: (نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه)، وصهيب حسنة من حسنات النبي ﵌، وكان ﷺ إذا خرج من الخلاء يقول: (غفرانك)، فبالنسبة لمقامه الشريف هو يرى أنه توقف لسانه عن الذكر، وبلا شك أنه كان يذكر الله بقلبه حتى في حال التخلي، لكن كان يضطر إيقاف لسانه عن ذكر الله في هذه الفترة التي لا يليق فيها ذكر الله باللسان، ويقتصر على ذكر الله بالقلب، فنظر النبي ﵊ إلى أن هذا منه ذنب وتقصير، حيث حرم من ذكر الله باللسان، فكان إذا خرج من الخلاء قال: (غفرانك)، يعني: لإمساك لساني عن ذكرك في هذه الحال، فهو سأل الله المغفرة مع أنه لم يأت في الحقيقة بموجب للاستغفار، وإنما شعوره بترك الذكر في تلك الحالة هو الذي استوجب منه الاستغفار، وقد استحسن العلماء قول الجنيد: (حسنات الأبرار سيئات المقربين)، فالمسألة نسبية بالنسبة لمقام العبد عند الله ، وإذا كان هذا في حق أمهات المؤمنين: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]، إلى آخر الآية، وقال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٠ - ٣١]، وهذا لعظم مقامهن، فإذا صدر من أي أم من أمهات المؤمنين ذنب فإنه يضاعف لها العذاب؛ لشرف وعلو مقامها عند الله في الجهتين، فما بالك بالنبي نفسه ﵌؟! أو أن المراد بمثل هذه الآيات: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢]، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر:٥٥]، هو ما جاء في القرآن الكريم من بعض اجتهاداته ﷺ في سبيل الدعوة، فما ظن أنه ذنب في حق النبي ﷺ ، أو وصفه ربه على أنه ذنب فهو في الحقيقة واحد من اثنين: إما أنه من باب ترك الأولى، وهو ذنب بالنسبة لمقامه الشريف، أو أنه ﷺ اجتهد وظن أن في هذا الأمر الذي فعله رضوان الله، فبعد ما فعله أعلم أن رضاء الله كان في الاجتهاد الآخر؛ فعد ذنباً في حقه ﵌، أما أن يتعمد معصية فلا وألف لا، ومثال
стр. 2012
عصمة الأنبياء
قول الله ﵎: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]، واجتهاده في إيمان عمه، فقد كان حريصاً جداً أشد الحرص على إيمان عمه حتى قال الله له: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ [القصص:٥٦] ونحو ذلك، فتحمل الآية: ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)) على معنى الوزر اللغوي، ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢] يعني: الثقل الذي كنت تتحمله من أعباء الدعوة، وتبليغ الرسالة، كما جاء في قوله ﷺ : (لما كان ليلة أسري بي فأصبحت بمكة فظعت وعرفت أن الناس مكذبي)، يعني الناس سوف يكذبوني، وكيف يصدقون خبر الإسراء؟! قال: (فقعدت معتزلاً حزيناً فمر بي أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه ﷺ فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم، وقص عليه الإسراء) ففيه التصريح بأنه فظع، والفظاعة هنا: ثقل وحزن، فلا شك أن الحزن ثقل، ولا شك أن توقع تكذيب قومه إياه أثقل على نفسه من كل شيء، فهذا الثقل هو المقصود من قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢] أي: رفعنا عنك هذا العبء وهذا الثقل.
ومن ضمن الآيات التي فيها ذكر الاستغفار أو الإشارة إلى ذنب قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] إلى قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:٣]، قال البعض: إن الاستغفار إنما يكون عن ذنب فما هو هذا الذنب؟ وتقدمت الإشارة بإيجاز عن عصمة الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولا شك أن التوبة دعوة الرسل، ولو بدأنا من قصة آدم ﵇ قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٣٧]، ومعلوم موجب تلك التوبة، وهو ما وقع من آدم ﵇، ثم نوح ﵇ قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح:٢٨]، وإبراهيم ﵇ قال: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٢٨]، وقال أيضاً: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١] فبناء على هذا قال بعض العلماء: إن الاستغفار نفسه عبادة كالتسبيح، يعني: التوبة هي دعوة الأنبياء، فحتى الاستغفار نفسه هو عبادة في حد ذاته كالتسبيح، ولا يلزم من الاستغفار وجود ذنب.
وقيل: ((وَاسْتَغْفِرْهُ)) هذا تعليم لأمته ﵌.
وقيل: ((وَاسْتَغْفِرْهُ)) هذا تكريم له ورفع لدرجاته ﷺ .
وقد قال ﷺ : (توبوا إلى الله، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة)، فيكون الاستغفار والتوبة عبارة عن الاستكثار من الخير والإنابة إلى الله .
وحاصل كلام الأصوليين في مسألة عصمة الأنبياء أو ما قاله العلماء في هذه المسألة هو: عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ثابتة من الكفر، وفي كل ما يتعلق بالتبليغ، ومن الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة أو تطفيف حبة، فهذه أشياء متفق عليها بين الأصوليين، ولا شك أن كل الأنبياء معصومون من الكفر، وليس في هذا جدال، والحوار الذي قصه الله علينا في سورة الأنعام: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥] إلى آخر الآيات، إبراهيم ﵊ كان مناظراً ولم يكن ناظراً، وناظراً معناه: مفكراً لنفسه، يبحث عن الحق والتوحيد، فلما رأى الشمس قال: هذا ربي، وقال: هذا القمر أو هذا الكوكب ربي لا، هذا لا يمكن أبداً، فإبراهيم ﵇ نبي، وإبراهيم معصوم مما هو أدنى من هذا بكثير، فكيف يوصف إبراهيم -والعياذ بالله- بالشرك والحيرة في أمر الله؟! هذا مستحيل! وإنما كان يناظر قومه ويستدرجهم حتى يصل بهم في النهاية إلى الإقرار بالتوحيد، كنوع من الإلزام في أسلوب الحوار، لكن لا يمكن أن يكون إبراهيم ﵇ ناظراً لنفسه، فإن الأنبياء قطعاً معصومون من الشرك.
إذاًَ: الأصوليون يتفقون على عصمة الأنبياء عليهم وعلى نبينا ﵊ من الكفر، وعن كل ما يتعلق بالتبليغ، فكل ما يتعلق بتبليغ الرسالة هم معصومون فيه، ومعصومون من الكبائر، ومعصومون من صغائر الخسة، وصغائر الخسة هي التي تدل على دناءة النفس وخستها، كسرقة لقمة أو تطفيف حبة عند الميزان مثلاً، فالحرص على هذه من صغائر الخسة، وتدل على دناءة النفس، فلا شك أن الأنبياء ﵈ معصومون من ذلك، وأكثر أهل الأصول على جواز وقوع الصغائر -غير صغائر الخسة- منهم، ولكن جماعة كثيرة من متأخري الأصوليين اختاروا أن ذلك -وإن جاز عقلاً- لم يقع فعلاً، وقالوا: ما جاء في الكتاب والسنة من ذلك إنما فعلوه بتأويل أو نسيان أو سهو أو نحو ذلك.
стр. 2013
كلام الشنقيطي في مسألة عصمة الأنبياء
قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: الذي يظهر لنا أنه الصواب في هذه المسألة: أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لم يقع منهم ما يزري بمراكزهم العلية، ومناصبهم السامية، ولا يستوجب خطأً منهم، ولا نقصاً فيهم صلوات الله وسلامه عليهم، ولو فرضنا أنه وقع منهم بعض الذنوب، فإنهم يتداركون ما وقع منهم بالتوبة والإخلاص وصدق الإنابة إلى الله ، حتى ينالوا بذلك أعلى الدرجات.
حتى ما وقع منهم من هذه الأشياء اليسيرة لو فرض أنها وقعت فالأنبياء لا يقرون على ذلك ولا يصرون عليه، وإنما لابد أن ينيبوا إلى الله ويتوبوا إليه توبة ترفع درجاتهم، بحيث إن النبي لم يكن يصل إلى الدرجة العليا لولا هذه التوبة.
إذاً: يقول الشنقيطي: ولو فرضنا أنه وقع منهم بعض الذنوب؛ فإنهم يتداركون ما وقع منهم بالتوبة، والإخلاص وصدق الإنابة إلى الله ، حتى ينالوا بذلك أعلى الدرجات، فتكون بذلك درجاتهم أعلى درجة ممن لم يرتكب شيئاً من ذلك، ومما يوضح هذا قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢١ - ١٢٢]، فانظر أي أثر يبقى للعصيان والغي بعد توبة الله عليه واجتبائه -أي: اصطفائه- إياه وهدايته له! ولا شك أن بعض الزلات ينال صاحبها بالتوبة منها درجة أعلى من درجته قبل ارتكاب تلك الزلة، والعلم عند الله ﵎.
وقد قال بعض العلماء: رب معصية أوجبت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً.
ولذلك قال النبي ﵇: (لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أشد من ذلك العجب العجب!) وقيل أيضاً: لأن يبيت الرجل نائماً ويصبح نادماً، خير له من أن يبيت قائماً ويصبح معجباً مغتراً بعمله.
стр. 2014
كلام ابن حزم في عصمة الأنبياء
ما زلنا في بيان معنى قوله ﵎: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾، الحقيقة الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في كتابه الفصل سرد تقريباً كل ما يظن البعض أنه ذنوب وقعت للأنبياء نص عليها في القرآن الكريم، ثم ظل يبين أن هذه الآيات لا تخرج عما ذكرناه، فالذنب إما أن يكون من باب ترك الأولى، أو أنه ذنب بالنسبة لمناصبهم الجليلة أو الرفيعة عند الله ، أو أنه اجتهاد أرادوا فيه إرضاء الله، فبان بعد ذلك أنه خطأ؛ لأن النبي ﷺ له الاجتهاد، ولكنه لا يقر إذا أخطأ في اجتهاده، بل يأتي الوحي مصححاً له هذا الأمر، فتكلم في قصة آدم، ونوح، وإبراهيم، ولوط، وإخوة يوسف، وموسى وأمه، ويونس، وداود، وسليمان، وهذا في كتاب الفصل، وهو فصل كبير في هذه المسألة، وهو من أوسع الأبواب في ذلك.
لكن سنقتصر على ما ذكره هو وغيره متعلقاً بنبينا محمد ﷺ باعتبار أننا نفسر هذه الآية: ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ))، قالوا: فإن لم يكن له ذنب ﵊ فماذا غفر له وبأي شيء امتن الله عليه في ذلك؟! يقول الإمام ابن حزم ﵀: قد بينا أن ذنوب الأنبياء ﵈ ليست إلا ما وقع بنسيان لا بتعمد نسيان أو بقصد ما يظنونه خيراً مما لا يوافقون مراد الله تعالى منهم.
فهذان هما الوجهان اللذان غفرهما الله للنبي ﷺ ، ما حصل منه على سبيل النسيان، أو ما فعله يقصد فيه الخير فلا يوافق رضوان الله ، من ذلك مثلاً قول الله ﵎: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨]، ما هو الذي أخذوه؟ الفداء من الأسارى، قال ابن حزم: إنما الخطاب في ذلك للمسلمين لا لرسول الله ﷺ .
فهذه الآية لا يفهم منها أن الرسول ﵊ هو الذي ارتكب هذا الذنب، وإنما الخطاب للمؤمنين: ((لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ)) يعني أيها المسلمون ((عَذَابٌ عَظِيمٌ))، وإنما كان ذلك إذ تنازعوا في غنائم بدر فكانوا هم المذنبين، يبين ذلك قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١]، وقال تعالى في نفس هذه السورة النازلة في هذا المعنى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الأنفال:٦]، وقال تعالى أيضاً قبل ذلك الوعيد بالعذاب الذي احتج به من خالفنا: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال:٦٧]، فهذا نص القرآن، وقد رد الله الأمر في الأنفال المذكورة يومئذ إلى رسول الله ﷺ .
قال القرطبي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨]، فيه أنه لا يعذب قوماً حتى يبين لهم ما يتقون: ((لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ)) يعني: حكم سبق في قضاء الله أنه لا يمكن أن يعذب قوماً حتى يبين لهم ما يتقون، أي: حتى تقوم عليهم الحجة الرسالية أولاً.
واختلف الناس في كتاب الله السابق على أقوال كما في قوله تعالى: ((لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ))، وأصح هذه الأقوال أنه ما سبق من إحلال الغنائم، فإنها كانت محرمة على من قبلنا، فلما كان يوم بدر أسرع الناس إلى الغنائم، فأنزل الله : ((لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ)) أي: بتحليل الغنائم، ((لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (لما كان يوم بدر تعجل الناس إلى الغنائم فأصابوها فقال رسول الله ﷺ : إن الغنائم لا تحل لأحد سود الرءوس غيركم، وكان النبي وأصحابه إذا غنموا الغنيمة جمعوها ونزلت نار من السماء فأكلتها) رواه أبو داود الطيالسي والترمذي وقال: حسن صحيح.
فكان فيما مضى النبي إذا جاهد مع قومه يجمعون الغنائم في مكان واحد، ثم تنزل النار من السماء فتلتهم هذه الغنائم، ولم تكن تحل لهم الغنائم، ومن خصائص نبينا ﷺ أنه أحلت له الغنائم ولأمته، فأنزل الله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨ - ٦٩].
وقالت فرقة: الكتاب السابق هو مغفرة الله لأهل بدر ما تقدم وما تأخر من ذنوبهم.
وقالت فرقة: الكتاب السابق هو عفو الله عنهم في هذا الذنب معيناً، والعموم أصح؛ لقول الرسول السلام لـ عمر في أهل بدر: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) أخرجه مسلم، هل معنى ذلك أنهم يصبحون معصومين؟ لا، بل معناه: أن أهل بدر إذا عاشوا بعد نزول هذه الآية، فمن يرتكب منهم معصية فإنه يأخذ لإزالة هذه المعصية بالتوبة، كلما ارتكب خطأً أو ذنباً فإنه يوفق إلى التوبة.
وقيل: الكتاب السابق: هو ألا يعذب أحداً بذنب أتاه جاهلاً حتى يتقدم إليه.
وقالت فرقة: الكتاب السابق هو ما قضى الله من محو الصغائر باجتناب الكبائر.
стр. 2015
عدم دلالة أول سورة عبس على وقوع المعاصي من الأنبياء
أما قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢] إلى آخره، فبعض الناس يستدل بهذا على وقوع المعصية من الأنبياء، حتى إن الله عاتب النبي ﵊، فقال ابن حزم ﵀: فإنه كان ﵇ قد جلس إليه عظيم من عظماء قريش، ورجا إسلامه، وعلم ﷺ أنه لو أسلم لأسلم بإسلامه ناس كثير، وأظهر الدين، وعلم أن هذا الأعمى الذي يسأله عن أشياء من أمور الدين لا يفوته وهو حاضر معه، يعني: الرسول ﷺ اجتهد فرأى أن جواب هذا الأعمى ابن أم مكتوم لا يفوت، فهو موجود معه، فممكن أن يؤجل الإجابة قليلاً حتى يستدرك بعد ذلك، بخلاف ما لو فاته دعوة هذا الرجل وإسلامه، فاشتغل عنه ﷺ لِما خاف فوته من عظيم الخير مما لا يخاف فوته، وهذا غاية النظر للدين، والاجتهاد في نصرة القرآن في ظاهر الأمر، ونهاية التقرب إلى الله الذي لو فعله اليوم منا فاعل لأجر، فلو واحد منا في هذا العصر فعل ذلك الفعل لحمد على ذلك حمداً عظيماً، لكن في هذه المسألة بالذات اجتهاد النبي ﵇ ونظره لمصلحة الدعوة رغم ما فيه من المعاني العظيمة لم توافق رضا الله ، يقول: وهذا غاية النظر للدين، والاجتهاد في نصرة القرآن في ظاهر الأمر، ونهاية التقرب إلى الله الذي لو فعله اليوم منا فاعل لأجر، فعاتبه الله على ذلك، إذ كان الأولى عند الله أن يقبل على ذلك الأعمى الفاضل البر التقي، وهذا نفس ما قلناه.
وكما سها ﷺ من اثنتين ومن ثلاث، وقام من اثنتين، ولا سبيل إلى أنه يفعل من ذلك شيئاً تعمداً أصلاً يعني: الرسول ﷺ سها من اثنتين ومن ثلاث في الصلاة، فهذا يعني من نفس الباب.
قال القرطبي: قال علماؤنا: ما فعله ابن أم مكتوم كان من سوء الأدب، ولكنه لم يكن عالماً بأن النبي ﵊ مشغول بغيره.
يحتمل أن ابن أم مكتوم لم يحس بذلك؛ لأنه لم يكن يرى أن الرسول ﵊ مشغول بغيره، وأنه يرجو إسلام هؤلاء، ولكن الله ﵎ عاتب النبي ﷺ حتى لا تنكسر قلوب أهل الصفة، أو ليعلم أن المؤمن الفقير خير من الغني، وكان النظر إلى المؤمن أولى، وهو أصلح وأولى من الأمر الآخر، وهو الإقبال على الأغنياء طمعاً في إيمانهم، وإن كان ذلك أيضاً نوع من المصلحة، وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧].
وقيل: إنما قصد النبي ﷺ تأليف الرجل ثقة بما كان في قلب ابن أم مكتوم من الإيمان، كما قال في الحديث: (إني لأصل الرجل -يعني: أعطيه- وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار على وجهه)، كذلك أنزل الله في حق ابن أم مكتوم على نبيه ﷺ : ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢]، وتأملوا أيضاً غاية الرق والحب والتعظيم من الله لنبيه ﷺ ؛ لأنه لم يقل له: عبست وتوليت، بصيغة الخطاب، لكن ترفقاً بالنبي ﵊، وشفقة عليه، قال ﵎: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١] بلفظ الخبر عن الغائب تعظيماً له ﷺ ، ولم يقل: عبست وتوليت، ثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب تأليفاً له؛ لأن الاستمرار بخطابه بصيغة الغائب فيها إعراض، فقال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢]، ثم التفت إليه تأليفاً له حتى لا يستوحش من صيغة الغائب، قال له: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:٣] تأليفاً للنبي ﷺ ، وما يدريك: يعني: ما يعلمك لعله يزكى؟ يعني: بما استدعى منك تعليمه إياه من القرآن والدين؛ بأن يزداد طهارة في دينه، وزوال ظلمة الجهل عنه.
وقيل: الضمير في (لعل) للكافر يعني: إنك إذا طمعت في أن يتزكى بالإسلام أو يذكر فتقربه الذكرى إلى قبول الحق، وما يدريك أن ما طمعت فيه كائن؟ هذا تفسير آخر، يعني: وما أعلمك أن هناك أملاً في هذا الكافر أنه سوف يتزكى إذا التفت إليه وانصرفت عن الأعمال.
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: عبر تعالى عن هذا الصحابي الجليل الذي هو عبد الله بن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه بلقب يكرهه الناس، مع أنه تعالى قال: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ [الحجرات:١١] والجواب ما نبه عليه بعض العلماء من أن السر في التعبير عنه بلفظ الأعمى للإشعار بعذره في الإقدام على قطع كلام الرسول ﷺ ؛ لأنه لو كان يرى ما هو مشتغل به مع صناديد الكفار لما قطع كلامه.
فهذا هو السر الذي وصفه الله تعالى لأجله؛ لأنه متى ما كان هناك مندوحة وسعة في أن تعبر عن أخيك المسلم إذا أردت تعريفه بصفة لا ذم فيها تعين عليك ذلك، ولا يجوز أن تذكره بصفة يكرهها كالأعرج أو الأعمى أو كذا أو كذا من الصفات، إلا إذا لم تجد وسيلة لتعريفه إلا هذه الوسيلة، ويجب ألا تقصد بذلك التنقص أو السخرية أو الازدراء.
والله -مع أنه قال: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ [الحجرات:١١]- استعمل هنا لفظ الأعمى، فقال: ﴿أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾، حتى يفهم قارئ القرآن أو مستمع القرآن أن هذا الرجل الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه لم يكن سيئ الأدب، بحيث إنه أقدم على قطع كلام الرسول ﵊ وهو يراه يخاطب غيره، وإنما كان معذوراً بسبب هذا العمى؛ لأنه لم يبصر الرسول ﷺ وهو يخاطب غيره، فمن ثم أقدم على المقاطعة في قطع كلامه وسؤاله عما سأل من أمر الدين.
وقال الفخر الرازي: إنه وإن كان أعمى لا يرى فإنه يسمع، وبسماعه حديث رسول الله ﵌ وإقدامه على مقاطعته يكون مرتكباً معصية، فكيف يعاتب عليه رسول الله ﷺ ، والظاهر -والله تعالى أعلم- أنه إنما عاتبه لعدم رفقه به، ومراعاة حال عماه، فعليه يكون ذكره بهذا الوصف من باب التعريض بغيره من أولئك الصناديد وسادة القوم، وكأنه يقول لهم: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، يعني: أنه وصف بكونه (الأعمى)، والمقصود أنه في الحقيقة ليس أعمى؛ لأنه مبصر بقلبه بنور الإيمان، أما الأعمى الحقيقي فهو أنتم أيها الكفار كما قال الله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ فعليه: يكون ذكره بهذا الوصف من باب التعريض بغيره من أولئك الصناديد وسادة القوم، وكأنه يقول لهم: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، فهذا كفيف البصر، ولكن وقاد البصيرة أبصر الحق وآمن، وجاء مع عماه يسعى طلباً للمزيد، وأنتم تغلقت قلوبكم، وعميت بصائركم، فلم تدركوا الحقيقة، ولم تبصروا نور الإيمان، كما في الآية الكريمة: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
وسورة عبس فيها كثير من آداب طالب العلم كما تلاحظون قال تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢] يعني: أن طالب العلم هو الذي سعى إلى الشيخ وإلى من يتعلم منه؛ لأن الآية بعدها: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى﴾ [عبس:٨ - ٩] هذا من شدة حرصه على طلب العلم.
وقد حث الله النبي ﵊ على الصبر مع المؤمنين فقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف:٢٨] إلى آخر الآية، فمن ثم عاتبه لما أعرض عن الأعمى.
وقال : ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٥٢] من رزقهم من شيء، ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢]، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] إلى آخر الآية.
وقال نوح ﵇ لما قال له قومه: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود:٢٧]، يعيرون نوحاً ﵇ بأن أتباعه هم الضعفاء والفقراء، يعني: من ضمن الأشياء التي نفرتهم من الحق أن قالوا: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾، الفقراء والمساكين ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ يعني: مجرد أن دعوتهم اتبعوك، وهذا ليس عيباً في الإنسان أبداً، بل الإنسان يمدح للانقياد إلى الحق بمجرد ظهوره، فإذا ظهر الحق فالإنسان لا عذر له في التأخير للانقياد له، بل يمدح الإنسان بانقياد له كما مدح سحرة فرعون، حيث آمنوا في لحظات! قال فرعون: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه:٧١] فمدحوا في القرآن الكريم بسبب أنهم عندما ظهر لهم الحق انقادوا في الحال، ولم يؤخروا الانقياد، فيا عجباً ممن يتضح له حكم الشرع في كثير من القضايا فلا ينقاد! كالمرأة المتبرجة
стр. 2016
دحض ما نسبه المستشرقون إلى النبي من الكذب
توجد أشياء تنسب زوراً إلى النبي ﵌، مثل ما يذكره بعضهم في تفسير سورة النجم من أن الرسول ﵊ -والعياذ بالله- ألقى الشيطان على لسانه وهو يقرأ الآية: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى)، فهذا بلا شك كذب موضوع؛ لأنه لم يصح قط من طريق النقل، ولا معنى للاشتغال به، إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد، وهذه القصة يذكرها المفسرون عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٢ - ٥٤]، وقد ناقشنا بالتفصيل الشديد الكلام في هذا الآية، والرد على هذه الضلالة، وهناك رسالة للعلامة الألباني اسمها: نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق.
وهذا ليس ذنباً فقط، بل هذا شرك، والرسول ﵊ معصوم من أدنى من هذا، فكيف يظن أنه سجد وسجد المشركون معه؟! هذا شيء صعب، وقد صح أنه سجد وسجد المشركون معه في نهاية سورة النجم، لكن هذا الكلام لم يصح على الإطلاق.
стр. 2017
عدم دلالة قوله تعالى: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله) على وقوع المعاصي من الأنبياء
بعض من جوز الصغائر على الأنبياء احتجوا بقول: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، قال العلماء: عاتب الله نبيه ﵇ على قوله للكفار حين سألوه عن الروح والفتية وذي القرنين: (غداً أخبركم بجواب أسئلتكم) ولم يستثن في ذاك يعني لم يقل: إن شاء الله، فاحتبس الوحي عنه خمسة عشر يوماً حتى شق ذلك عليه، وأرجف الكفار؛ فنزلت عليه هذه السورة مفرجة.
فكيف نرد على الذين يستدلون بهذه الآية على أن النبي ﵊ ارتكب معصية؟ نرد عليهم بكلمة واحدة موجودة في الآية: ((نَسِيتَ))، وبهذا يعلم نسيانه، فلم يكن عمداً، قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، فقد كفى الله الكلام في ذلك، لبيانه في آخر الآية أن ذلك كان نسياناً فعوتب ﵇ في ذلك.
стр. 2018
عدم دلالة قوله تعالى: (وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) على وقوع المعاصي من الأنبياء
واحتجوا كذلك بقوله تعالى في حق النبي ﵇: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧] قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها بيان الإجمال الواقع بسبب الإبهام في صلة موصول، ومن أمثلة ذلك هذه الآية: ((وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ))، (ما) مجملة يعني: الذي أبداه الله، فأبهم الله هذا الذي أخفاه ﷺ في نفسه وأبداه الله، ولكنه أشار إلى أن المراد به زواجه ﷺ زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها حيث أوحى إليه ذلك، وهي في ذلك الوقت تحت زيد بن حارثة ﵁؛ لأن زواجه إياها هو الذي أبداه الله بقوله: ((فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا)).
هذا هو التحقيق في معنى الآية الذي دل عليه القرآن، وهو اللائق بجنابه ﷺ ، أما ما تزخر به كتب الجهلة والمستشرقين من الطعن في النبي ﵊ بكلام سخيف لا يصدر إلا من الكذابين، أنه ذهب -أستغفر الله- الرسول يزور زيد بن حارثة فتحرك الستر من على الباب فرأى بنت عمته زينب بنت جحش، فرآها جميلة، فقال: سبحان مقلب القلوب ثم عشقها، وأمر زيد بن حارثة أن يطلقها ليتزوجها! فهذا من كذبهم وافترائهم وعدوانهم على مقام النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهم يستدلون بقوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ وهنا نلاحظ أن الله تكفل بأن يبدي هذا الشيء الذي أخفاه الرسول ﵇ في نفسه، فهل فيما أبداه الله وفيما أوحاه الله للنبي ﵇ أنه عشق بنت عمته؟ وكيف وهو لم يرها من قبل؟ وأنه أول ما رآها قال: سبحان مقلب القلوب إلى آخر هذا الكلام الظالم المعتدي المفترى؛ فلما تأملنا الذي أبداه الله رأينا التفاصيل التي نذكرها، ولم نجد فيه أنه عشقها وكتم ذلك في نفسه، فدل على كذب هذا؛ لأنه لو كان مما أخفاه في نفسه لكان الله قد أبداه.
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: فإنه قد أبهم هذا الذي أخفاه ﷺ في نفسه وأبداه الله، ولكنه أشار إلى أن المراد به زواجه ﷺ زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها، حيث أوحى إليه ذلك، وهي في ذلك الوقت تحت زيد بن حارثة، فزواجه إياها هو الذي أبداه الله بقوله: ((فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا))، فمن الذي تولى عقد زواج زينب بنت جحش؟ الله ! ولذلك كانت زينب بنت جحش تفاخر سائر أزواج النبي ﵊ وتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني ربي من فوق سبع سماوات؛ لأن نون الضمير هنا في (زوجناكها) نون العظمة.
فهذا هو اللائق بجناب النبي ﷺ .
وعليه فاعلم أن ما يقوله كثير من المفسرين من أن ما أخفاه ﷺ وأبداه الله وقوع محبة زينب في قلبه، ومحبته لها وهي تحت زيد، وأنها سمعته يقول: سبحان مقلب القلوب إلى آخر القصة؛ فهذا كله لا صحة له، والدليل عليه أن الله لم يبد من ذلك شيئاً مع أنه صرح بأنه مبدي ما أخفاه النبي ﷺ .
قال القرطبي رحمه الله تعالى: واختلف الناس في تأويل هذه الآية، فذهب قتادة بن دعامة وابن زيد وجماعة من المفسرين منهم الطبري وغيره: إلى أن النبي ﷺ وقع منه استحسان زينب بنت جحش وهي في عصمة زيد، وكان حريصاً على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو، إلى أن قال: وهذا الذي كان يخفي في نفسه، ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف، يعني في قوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٧]؛ لأنها كانت تترفع عليه، ويحصل منها خصومات، فكان يذهب يشتكي للرسول ﵊ فيقول له: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ))، ولا شك أن هذا القول غير صحيح، وأنه غير لائق بجناب النبي ﷺ .
ونقل القرطبي أن الله أوحى إلى نبيه ﷺ أن زيداً سيطلق زينب، وأن الله يزوجها رسوله ﷺ ، وبعد أن علم هذا بالوحي قال لـ زيد: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ))، مع أنه كان يعلم بالوحي أنه سيطلقها، وأن الرسول هو الذي سوف يتزوجها لحكمة عظيمة كما سنبين إن شاء الله تعالى.
فبعد أن علم هذا بالوحي قال لـ زيد: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ)) فالعتاب على كلمة: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ))، وأن الذي أخفاه في نفسه هو أن الله سيزوجه زينب ﵂.
ثم قال القرطبي بعد أن ذكر هذا القول: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: هذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين كـ الزهري والقاضي بكر بن العلاء القشيري والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم إلى أن قال: فأما ما روي أن النبي ﷺ هوى زينب امرأة زيد، وربما أطلق بعض المجان لفظ العشق، فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي ﷺ بمثل هذا أو مستخف بحرمته ﷺ .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير هاهنا آثاراً عن بعض السلف ﵃ أحببنا أن نضرب عنها صفحاً لعدم صحتها فلا نوردها إلى آخر كلامه.
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: والتحقيق إن شاء الله في هذه المسألة هو ما ذكرنا أن القرآن دل عليه؛ وهو أن الله أعلم نبيه ﷺ بأن زيداً يطلق زينب، وأن الله يزوجها إياه ﷺ ، وهي في ذلك الوقت تحت زيد، فلما شكاها زيد إليه ﷺ قال له: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ)) فعاتبه الله على قوله: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ)) بعد علمه أنها ستصير زوجته ﷺ ، وخشي مقالة الناس لو أظهر ما علم من تزويجه إياها أن يقولوا: يريد تزوج زوجة ابنه -بالتبني- في الوقت الذي هي فيه في عصمة زيد.
يقول تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٧]، كلما كان يأتي يشتكي له يقول: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ))، مع أنه قد نزل عليه الوحي يخبره أنه سيطلقها، وأن الله سيجوز الرسول ﵊ من زينب رضي الله تعالى عنها، فهذا هو الذي عاتبه الله تعالى عليه، أنه كان يقول: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ)) مع أنه يعلم أنه سيطلقها وأنه سيتزوجها عليها الصلاة والسلام.
((وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ)) خشي مقالة الناس لو قال لهم ما أوحاه الله إليه من أنه سوف يطلقها وسوف يزوجها إياه، فالناس سيقولون: إنه يريد التزوج من زوجة ابنه في الوقت الذي هي مازالت في عصمة زيد، والدليل على هذا أمران: الأول: ما قدمنا أن الله قال: ((وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ))، وهذا الذي أبداه الله جل وعلا هو زواجه إياها في قوله: ((فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا))، ولم يبد جل وعلا شيئاً مما زعموه أنه أحبها، ولو كان ذلك هو المراد لأبداه الله تعالى كما ترى.
الأمر الثاني: أن الله جل وعلا صرح بأنه هو الذي زوجه إياها: ((زَوَّجْنَاكَهَا))، وأن الحكمة الإلهية في ذلك التزويج هي قطع تحريم أزواج الأدعياء، في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾، فقوله تعالى: ((لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ)) تعليل صريح لتزويجه إياها فيما ذكرنا، وكون الله هو الذي زوجه إياها لهذه الحكمة العظيمة صريح في أن سبب زواجه إياها ليس هو محبته لها التي كانت سبباً في طلاق زيد كما زعموا، ويوضح هذا قوله تعالى: ((فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا))؛ لأن الآية تدل على أن زيداً قضى وطره منها، ولم تبق له بها حاجة، فمعناه أنه طلقها باختياره المحض، ولم يبق له عندها حاجة فطلقها، فإنما طلقها باختياره، والله ﵎ أعلم.
قال النحاس: قال بعض العلماء: ليس هذا من النبي ﷺ خطيئة، ألا ترى أنه لم يؤمر بالتوبة ولا بالاستغفار منه، وقد يكون الشيء ليس بخطيئة إلا أن غيره أحسن منه، وهو أنه أخفى ذلك في نفسه.
стр. 2019
عدم دلالة قوله تعالى: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) الآية على وقوع المعاصي من الأنبياء
كذلك من الآيات التي قد يظن منها صدور المعصية عن النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣]، وأخبره الله بالعفو قبل الذنب؛ لئلا يطير قلبه فرقاً ﷺ .
قال بعض العلماء: هذا افتتاح كلام كما تقول: أصلحك الله وأعزك ورحمك حصل كذا وكذا.
وقيل: المعنى: عفا الله عنك ما كان من ذنبك في أنك أذنت لهم، ما هو هذا الإذن؟ قيل: هو الإذن لهم في الخروج معه، وفي خروجهم بلا عدة ونية صادقة.
وقيل: المعنى: لم أذنت لهم في القعود لما اعتلوا بالأعذار؟
стр. 2020
عدم دلالة قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) على وقوع المعاصي من الأنبياء
كذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم:١]، ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلاً، قالت: فتواطأت أنا وحفصة أن أيتنا ما دخل عليها رسول الله ﷺ فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير) والمغافير: صمغ متغير الرائحة، يكون فيه حلاوة، واحدها مغفور، وطعمه مثل العسل، فتواطأت حفصة وعائشة أنه كلما أتى إليهما النبي ﵇ ذكرتا له ذلك؛ لأنه أكل عند زينب عسلاً، كان يأتيها فيمكث ويشرب عندها عسلاً، تقول: (فتواطأت أنا وحفصة أن أيتنا ما دخل عليها رسول الله فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير، فدخل على إحداهما، فقالت له ذلك، فقال: بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود له، فنزل قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ))، إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم:٤] أي: عائشة وحفصة ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]).
قال القرطبي: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ)) يعني: هو العسل المحرم بقوله: (لن أعود له)، ((تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ)) أي: تفعل ذلك طلباً لرضاهن: ((وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) غفور مما أوجب المعاتبة، رحيم برفع المؤاخذة، وقد قيل: إن ذلك كان ذنباً من الصغائر، والصحيح أنه معاتبة على ترك الأولى، وأنه ﵊ لم تكن له صغيرة ولا كبيرة.
стр. 2021
عدم دلالة قوله تعالى: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم) على وقوع المعاصي من الأنبياء
كذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨]، ثبت في صحيح مسلم (أن النبي ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد، وشج رأسه؛ فجعل يمسح الدم عنه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله تعالى؟! فأنزل الله تعالى: ((لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ)) [آل عمران:١٢٨])، يعني: لا تقل: كيف يفلحون، ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
قال القرطبي: قال علماؤنا: قوله ﵇: (كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم)، فيه استبعاد لتوفيق من فعل ذلك به، فيستبعد كيف يفلح أمثال هؤلاء الذين عاملوا نبيهم هذه المعاملة، وقوله تعالى: ((لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ))، تقريب لما استبعده، وإقناع في إسلامهم، ولما أقنع في ذلك قال ﵊: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)، وقد آمن منهم فعلاً كثير مثل خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وها نحن نترضى عنهم إلى آخر الزمان، وقد أخرج البخاري عن ابن عمر (أنه سمع النبي ﷺ يقول في صلاة الفجر ورفع رأسه من الركوع: اللهم ربنا ولك الحمد في الركعة الأخيرة ثم قال: اللهم العن فلاناً وفلاناً،، فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾).
стр. 2022
عدم دلالة قوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره) على وقوع المعاصي من الأنبياء
كذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤]، هذه الآية نزلت في صلاته ﵊ على عبد الله بن أبي، وقد صلى عليه بناءً على الظاهر من تلفظه بالإسلام وإظهاره له، ثم لم يكن يفعل ذلك لما نهي عنه، وإنما أراد الإحسان إلى ابنه الصحابي الجليل عبد الله بن عبد الله بن أبي، وفي نفس الوقت اكتفى بظاهر انتساب أبيه إلى الإسلام.
стр. 2023
الرد على من يطعن في النبي ﵊ من الملاحدة والحذر من مكرهم
كذلك فيما يتعلق بحادثة السحر هل هي تنال من العصمة؟ موضوع السحر للنبي ﵊ قطعاً لم يمس قضية تبليغ الرسالة من قريب ولا من بعيد على الإطلاق، وسنبين إن شاء الله تعالى أن هناك أشياء لا يعصم منها الأنبياء، فالأنبياء يمكن أن يشكوا من مرض، بل إن النبي ﵇ كان يمرض مرضاً شديداً وقال: (إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم)، وقال (إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء، كما يضاعف لنا الأجر).
فعلى أي الأحول: كما ترون هذه الآيات التي استدل بها بعض الذين ينفون عصمة الأنبياء أو ينسبون الذنوب حقيقة إلى الأنبياء، وكلها أجاب عنها العلماء بما ترون، فموضوع التجرؤ على مثل هذا فيه اعتداء على جناب النبي ﵇، وهو من هو عند الله ، وعند ملائكته، وعند المؤمنين كما فصلنا ذلك، فعملية القدح في الأنبياء عن طريق القدح في صفاتهم هذا من قبل الكائدين لهذا الدين.
وبعض الناس يندفعون في الحكم على أشياء توصف بأنها إسلامية، كما حصل منذ أسبوعين في جريدة الشعب، ففيها عنوان لمكان معين في الإنترنت، هذا الموقع يمدح بأنه موقع إسلامي، وفيه كثير من الموضوعات يتكلم عن النبوة، وعن وعن موقع لا يوجد مثله، ويمدح الكاتب فيه مدحاً عظيماً جداً جداً بنحو هذا الكلام، واكتفى فقط بذكر العناوين: النبوات، القرآن، الملائكة، الشهادة، الصلاة، الزكاة، صلاة الجماعة، الأسرة، هذه عناوين كلها عن مكتبة إسلامية رائعة، وذكر أنها بشتى اللغات بما فيها الصينية والماليزية وغيرها، فما بالك باللغات الأكثر شيوعاً، مع أن صاحب هذا الموقع هو رشاد خليفة مسيلمة مدينة توكسان في ولاية أرزونا في أمريكا قرب المكسيك، وهذا الرجل رشاد خليفة مصري خريج كلية الزراعة من القاهرة، وقد ادعى النبوة! وقد سلك مسلك التدرج في هذا الأمر، ففي أول الأمر ظهر على المسلمين بحكاية معجزة الرقم: (١٩)، وكالعادة نحن نغفل عن أصول هذه الأشياء، فمثلاً يوم (٢١) مارس هذه عيد من أعياد البهائية، فيعملون فيه عيد الأم ليشاركوا احتفال البهائيين بعيد مقدس عندهم! فرقم (١٩) الذي دوى في الدنيا كلها، هو قام بنوع من الدجل، فقد شغل الكمبيوتر ليعطيه بيانات، ويعمل عمليات معينة، فلو أعطيت مثلاً رقم (١٣) فسيخرج لك علاقات مبنية على رقم (١٣)، ورقم (١٩) مقدس جداً عند البهائيين، ودينهم يدور عليه، فالشاهد أن هذا الرجل يهدم دعوة الإسلام هدماً لا يستطيعه اليهود ولا النصارى لو اجتمعوا، وعدوانه على مقام النبي ﵊ عدوان صارخ، فيقول: إنه اكتشف كتاباً مذهلاً ومدهشاً والأمة بقيت غافلة عنه من ساعة وفاة الرسول ﵊ إلى يومنا هذا، أمر خطير جداً! المسلمون أجمعوا على هذا الأمر منذ وفاة الرسول ﷺ إلى يومنا هذا، وهو اكتشف حقيقة مذهلة على حد تعبيره، وهي: أن السنة النبوية بكل أقسامها الفعلية والقولية والتقريرية هي من عمل الشيطان، ويصف جميع علماء الحديث بالمجرمين، ويستدل بقوله ﵎: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]، يصف بهذا المحدثين! ويزعم أن الإمام البخاري هو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان:٣١].
إلحاد ما بعده إلحاد! ومع ذلك نجد أننا نتساهل في تقبل مثل هذه الأشياء التي ينبغي الحذر الشديد منها، فالمصائب كثيرة، وأنا كنت في مدينة توكسان مرة، ثم مريت على مسجد هذا الملحد، وكان هناك إخوة يريدونني أن أدخل هذا المكان الملعون الذي هو أشد خطراً من مسجد الضرار.
الشاهد أنه لا ينبغي أن نتعامل بسذاجة وبساطة في تزكية أمثال هذه الأشياء دون أن نأخذ منها الحذر الكافي.
فعلى الإخوة التنبيه والتحذير من الانخداع بمثل هذه الأشياء، ولابد أن نرجع إلى العلماء، ونفحص هذه الأشياء قبل أن نزكيها أو أن ندل الناس عليها.
ومن العجائب التي سمعتها من الإخوة الذين كانوا يعيشون معه في نفس المدينة أن عنده صلاة الجماعة تكون بين الرجال والنساء جميعاً، ومع هذا نجد من يجازف ويتهور ويقول: هو موقع إسلامي ليس له مثيل، وهو متميز! فهذا هو رشاد خليفة مسيلمة الكذاب في مدينة توكسان، ودجال هذا العصر، ورغم أن الله أهلكه منذ سنوات، لكن ما زال هناك من يصفون خلفه، ويبثون دعوته بكل اللغات في شتى أنحاء الأرض! نسأل الله أن يكفي المسلمين شرهم أجمعين.
стр. 2024
تابع تفسير سورة الفتح [٢]
стр. 2025
تفسير قوله تعالى: (ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح:١ - ٢].
وصف الله نعمته على نبيه التي أسبغها عليه ﷺ بالتمام، إيذاناً منه بدوام هذه النعمة واتصالها، فقوله: ((وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ)) يدل على أن نعمة الله على النبي ﷺ هي نعمة دائمة متصلة لا يمكن أن يسلبها النبي ﷺ بعد أن أعطاه الله إياها، بل يتمها له ﷺ بالدوام في هذه الدار وفي دار القرار.
وما أحسن اقتران التمام بالنعمة، وإضافة النعم إليه، فقال سبحانه: ((وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ))، في حين أنه قال في الذنب: ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ))، فالنعمة وصفها بالتمام، وأضاف نعمته إلى نفسه ، أما الذنب فأضافه إلى النبي ﵌، كما جاء في سيد الاستغفار: (أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي)؛ لأن الله لا ينسب إليه الشر، فليس في أفعاله شر على الإطلاق، وإنما أفعاله خير كلها، وهذا المعنى أوضحناه في مناسبات عدة، ومنها هذا الموضع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: العارف يسير إلى الله تعالى بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل.
يعني: هذان ركنا العبودية، مشاهدة منة الله على العبد، ومطالعة عيب النفس والعمل، فإن مشاهدة منة الله على العبد توجب له المحبة والحمد، والشكر لولي النعم والإحسان، ومطالعة عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار، والافتقار والتوبة في كل وقت، وأنه لا يرى نفسه إلا مفلساً، وأقرب باب دخل منه العبد على الله هو الإفلاس، فلا يرى لنفسه حالاً ولا مقاماً ولا سبباًً يتعلق به، ولا وسيلة منه يمن بها، فالعباد لم يدخلوا على الله تعالى إلا من باب الافتقار الصرف، والإفلاس المحض، دخول من قد كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه فانصدع، وملكته الكسرة من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربه ، وكمال فاقته وفقره إليه، وأن في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة وضرورة كاملة إلى ربه ، وأنه إن تخلى عنه طرفة عين هلك وخسر خسارة لا تجبر، إلا أن يعود الله تعالى عليه ويتداركه برحمته، ولا طريق إلى الله ﵎ أقرب من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الدعوة، والعبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها: حب كامل وذل تام، هذا معنى العبودية، فلابد في العبودية من هذين الركنين، حب كامل وذل تام، فإذا وجد الحب بدون ذل وطاعة وانقياد فليست هذه العبودية، وإذا وجد انقياد بدون الحب فهذه أيضاً ليست عبودية، فربما انقاد الإنسان إلى من هو أعلى منه رتبة كالجندي مثلاً مع قائده وهو لا يحبه، لكن في الظاهر هناك انقياد، لكن لما لم يقترن به الحب والحمد له لا تسمى هذه عبودية.
أما العبودية الصحيحة فلها جناحان هما: غاية الحب مع غاية الذل، غاية الحب الذي ينشأ عن أمرين: الأول: التفكر في نعم الله على هذا العبد وإحسانه إليه؛ لأن ذلك لا شك مما يوجب المحبة، فإن الفطرة توجب على القلب حب من أحسن إلى الإنسان.
الثاني: التفكر في صفات الله ، صفات الجلال والجمال والكمال التي توجب له المدح والحمد والثناء الحسن، وإن لم يصل منه إلى العبد شيء، فإنك لا شك إذا سمعت -ولله المثل الأعلى- عن أوصاف شخص كريم وسخي وصادق ووفي وكذا وكذا من الصفات الجميلة فإنك تحبه، حتى ولو لم يكن أحسن إليك أو لم تتعد هذه النعم إليك، لكنك تجد قلبك منجذباً إليه محباً له.
فالله -ولله المثل الأعلى- أنعم على عباده غاية الإنعام والإحسان: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، ثم إنه متصف بأعظم وأجمل وأجل صفات الكمال والجمال والجلال، فهذان أمران يوجبان محبة الله والحمد له.
الجناح الثاني للعبودية: الذل التام، فالعبودية هي غاية الحب وغاية الذل، فالحب ينشأ عن التفكر في نعم الله، والتفكر في صفات الله التي تستوجب له المدح والحب، والذل التام ينشأ عن معرفة العبد نفسه وما فيها من الآفات والتقصير.
فمنشأ الحب الكامل والذل التام عن ذينك الأصلين المتقدمين، وهما مشاهدة المنة كما في قوله: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [يوسف:٦]، ومطالعة عيب النفس والعمل المأخوذ من قوله: ((مِنْ ذَنْبِكَ))، وهي التي تورث الذل التام، وإذا كان العبد قد بنى سلوكه إلى الله على هذين الأصلين لم يظفر به عدوه إلا على غرة وغيلة، وما أسرع ما ينعشه الله ويجبره ويتداركه برحمته، وتأمل إتمام النعمة، بحرف (على) في قوله: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [يوسف:٦]، فحرف (على) يؤذن بالاستعلاء والاكتمال والإحاطة.
قال شيخ المفسرين الإمام ابن جرير رحمه الله تعالى: ((وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ)) لإظهاره إياك على عدوك، ورفعه ذكرك في الدنيا، وغفرانه ذنوبك في الآخرة.
وقال القرطبي: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [يوسف:٦] قال ابن عباس: في الجنة، وقيل: بالنبوة والحكمة، وقيل: بفتح مكة والطائف وخيبر، وقيل: بخضوع من استكبر وطاعة من تجبر.
وقال الشوكاني: لإظهار دينك على الدين كله، وقيل: بالجنة، وقيل: بالنبوة والحكمة، وقيل: بفتح مكة والطائف وخيبر، والأولى أن يكون المعنى ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة والهداية إلى صراط مستقيم وهو دين الإسلام.
وقد أشار الله إلى نعمته على نبيه ﵌ في سورة الضحى حين قال الله مخاطباً نبيه ﷺ : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]، فأمر الله نبيه ﷺ أن يحدث أمته بما أنعم عليه ليعرفوه ويعتقدوه، ويزدادوا حباً له وتعظيماً، فالتحدث بالنعمة في حق النبي ﷺ واجب، وفي حق غيره من أفراد الأمة جائز إذا أمن العجب والرياء، فأوجب الله على النبي ﷺ أن يخبر أمته بعظم مقامه عند الله، وتمام نعمة الله عليه ويفصل لهم ذلك، لماذا؟ لما سيأتي في نفس هذه السورة: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:٩] يعني: كي تعرفوا قدر هذا النبي العظيم عند الله ؛ فتعزروه وتوقروه وتؤدوا حقه عليكم.
стр. 2026
مظاهر نعمة الله على نبيه ﷺ
من مظاهر نعمة الله على نبيه ما جاء في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣]، وقد روي في السيرة ما يشهد لهذا المعنى، ويثبت دوام موالاة الله لحبيبه، وعنايته به ﷺ ، وحفظه له، فقد كان يكلؤه عمه، وقال له في ذلك: والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فسخر له عمه مع عدم موافقته له على الإيمان والإسلام، لكن بما في قلبه من المحبة الطبيعية وليست المحبة الشرعية التي اقتضت مناصرته والدفاع عنه.
ومن ذلك أيضاً ما نصره به من أصحابه خاصة أبو بكر رضي الله تعالى عنه، كما فعل الهجرة وهما في طريقهما، حيث كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه تارة يمشي أمام النبي ﷺ ، ثم لا يلبث أن يمشي خلفه، فسأله النبي ﷺ عن ذلك فقال: (أذكر الرصد -العدو الذي يأتي من الأمام- فأكون أمامك، وأذكر الطلب -العدو حين يأتي من خلف- فأكون وراءك).
ومن هذه النعم قول الله لنبيه ﷺ : ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ومن عصمة الله لرسوله حفظه له من أهل مكة، وصناديدها وحسادها، ومعانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبغض، ونصب المحاربة له ليلاً ونهاراً، لما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدره وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب إذ كان رئيساً كبيراً مطاعاً في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله ﷺ لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبين كفار قريش -بين أبي طالب وبين كفار قريش- قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات أبو طالب نال منه المشركون أذىً يسيراً، ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى دارهم (المدينة) فلما صار إليها حموه من الأحمر والأسود، فكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله ورد كيده عليه، فلما كاده اليهود بالسحر حماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواءً لذلك الداء، ولما سم اليهود ذراع تلك الشاه بخيبر أعلمه الله به وحماه منه، ولهذا أسباب كثيرة جداً يطول ذكرها.
стр. 2027
النعم التي أمتن الله بها على نبيه في سورة الضحى
من هذا قول الله مشيراً إلى تمام النعمة على نبيه ﵊ ودوامها واتصالها، وأنه لا يسلبه إياها بعد أن أعطاه إياها: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ [الضحى:٤]، نعمة الله عليه في الآخرة أفضل وأعظم وخير من نعمته عليه في الدنيا: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى:٥ - ٦] يعني: منذ ولادته ونشأته تعهده الله من صغره فصانه ﷺ عن دنس الشرك، وطهره وشق صدره ونقاه، وكان رغم يتمه سيد شباب قريش، حيث قال عمه عند خطبته خديجة لزواجه بها: فتى لا يعادله فتى من قريش حلماً وعقلاً وخلقاً إلا رجح عليه.
أما قوله ﵎: ((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)) قال بعض العلماء: يعطيه في الدنيا من إتمام الدين، وإعلاء كلمة الله، والنصر على الأعداء، والجمهور على أنه في الآخرة: ((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ)) يعني: في الآخرة، وفصلته مواضع أخر منها هذا العطاء وهذه النعمة التي سوف يعطيه الله إياها في الآخرة، وهو الذي وعده الله بقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، وجاءت السنة ببيان أن هذا المقام المحمود -وهو الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون- هو الشفاعة العظمى حين يتخلى ويعتزل كل نبي، ويقول كل نبي: نفسي نفسي! حتى يصلوا إلى النبي ﷺ فيقول: (أنا لها! أنا لها!)، وقد قال ﷺ (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر).
ومن النعم التي سوف يعطيه الله إياها الحوض المورود، وما خصت به أمته من مجيئهم غراً محجلين يردون عليه الحوض.
ومنها الوسيلة، وهي منزلة رفيعة عالية لا تنبغي إلا لعبد واحد، كما جاء في الحديث: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي وسلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد واحد، وأرجو أن أكون أنا هو).
ومنها الشفاعة في دخول الجنة، كما في الحديث: أنه ﷺ أول من تفتح له الجنة، كما جاء في الحديث: (آتي باب الجنة فأستفتح؛ فيقال لي: من؟ فأقول: محمد، فيقول خازن الجنة: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك) ﵌.
ومنها الشفاعة المتعددة حتى لا يبقى أحد من أمته في النار ﵌، وجاء الحديث الذي فيه: (أن الرسول ﵊ ذكر ما دعا إبراهيم لقومه حين قال: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦]، وقال المسيح ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]، ثم بكى النبي ﷺ يعني: تذكر إحسان هؤلاء الأنبياء إلى قومهم، فبكى متأثراً، كأنه يقول لله : فماذا لي؟ وماذا لأمتي؟ (فبكى ثم قال الله : ما يبكيك يا محمد؟ -عن طريق جبريل ﵇ فقال: يا رب! أمتي أمتي! أمتي أمتي! فأمر الله جبريل أن يقول له: يا محمد! إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك)، فربط بعض المفسرين بين هذا الحديث الصحيح وبين قوله هنا: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥]، فقال: أي: سنظل نعطيك ونحسن إلى أمتك إلى أن ترضى، ((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)) ولذلك بالغ بعض الناس في تأويل هذه الآية حتى خرجوا عن حد الاعتدال فقال شاعر منهم: أترضى حبيبي أن تكون منعماً ونحن في جمر اللظى نتقلب ألم يرضك الرحمن في سورة الضحى وكيف ترضى وفينا معذب لا شك أن الرسول ﵊ يرضيه ما يرضي ربه، ومما يرضي ربه ظهور آثار صفات رحمته وصفات عدله أيضاً، فكما أن الله يحب أن يغفر الذنوب للعاصين، كذلك من صفات الجلال والكمال والجبروت أن يعذب من تمرد وعصاه فقول الشاعر هنا: أترضى حبيبي أن تكون منعماً ونحن في جمر اللظى نتقلب ألم يرضك الرحمن في سورة الضحى وكيف ترضى وفينا معذب وقول الآخر: قرأنا في الضحى ولسوف يعطي فسر قلوبنا ذاك العطاء وحاشا يا رسول الله ترضى وفينا من يعذب أو يساء فهذا الكلام فيه نظر؛ لأن الأمر لو كان بمجرد التعطف لما ذبح عصفور، ولا تألم طفل، وإنما هي سنن الله الماضية التي تظهر وتجلي آثار صفاته وأسمائه جل وعز.
من هذه النعم شهادته على الرسل وشهادة أمته على الأمم، فإن الرسول ﵊ يشهد على الرسل أنهم قد أبلغوا رسالة ربهم، كذلك أمته تشهد على الأمم كما قال الله: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج:٧٨]، أما هو ﷺ فلا يحتاج إلى من يشهد له، وأما قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧] فقيل: غافلاً عما تعلمه الآن من الشرائع يعني: قبل نزول الوحي عليك، وفيه أسرار علوم الدين التي لا تعلم بالفطرة ولا بالعقل، وإنما بالتلقين عن طريق الوحي، فهداك إلى ذلك بما أوحى إليك، فمعنى الضلال على هذا القول الذهاب عن العلم، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣]، وقال : ﴿وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [يوسف:٣] أي: من قبل القرآن: ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف:٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٨٦].
وقيل: ((وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى)) وجد رهطك ضالين فهداهم بك، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢] يعني: واسأل أهل القرية.
وقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٨] أي: فقيراً فأغناك بمال عمك، ثم ببذل خديجة رضي الله تعالى عنها، ثم بمواساة الأنصار ﵃، ثم جاءت غنائم حنين فأعطى عطاء من لا يخشى الفقر، وتوفي ﷺ ودرعه مرهونة في أصوع من شعير.
وكان غناه قبل كل شيء هو غنى النفس والاستغناء عن الناس، وكان أجود بالخير من الريح المرسلة، وأغناه الله بما لا غنى بعده، أغناه أعظم غنى على الإطلاق كما أشار بذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر:٨٧] الفاتحة، ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧]، وهذه إشارة إلى أنه قد أغناه أعظم وأشرف وأكبر غنى في الوجود، وذلك بالقرآن الكريم، هذا هو الغنى العالي الذي لا يصل إلى رتبته غنى، ثم قال: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨]، إشارة إلى الاستغناء بالقرآن عن النظر إلى ما متع الآخرون من متاع الدنيا؛ لأن القرآن يغني صاحبه، قال ﷺ : (من لم يتغن بالقرآن فليس منا)، وهذه الحديث له تفسيرات عدة، والذي يناسب المقام هنا أنه من لم يستغن بالقرآن عن النظر إلى الدنيا، والسعي الحثيث وراء الدنيا؛ فليس منا، هذا معنى: (من لم يتغن بالقرآن)، وشاهد ذلك من الشعر قول الشاعر: كلانا غني عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا يعني: استغناء.
وقال ﵎: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] قيل: المراد بها المذكورات، والتحدث بها شكرها عملياً من إيواء اليتيم كما آواه الله قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى:٩]، فهذا هو الشكر العملي لهذه النعم، فكما أنعم الله عليك تنعم أنت على غيرك تأسياً بفعل الله معك، وقيل: التحدث بنعمة الله هو التبليغ عن الله من آية أو حديث، والنعمة هنا عامة لتنكيرها وإضافتها كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، وأعظم النعم وأولاها وأظهرها نعمة الوحي، ولذلك سورة النحل تسمى سورة النعم، وقد ابتدأت بأعظم نعمة وهي نعمة الوحي، كما قال ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وقال في سورة النحل: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل:٢]، وقال: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] ففي هذه الآية قال: (نعمتي)، وفي هذه الآية في سورة الضحى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [الضحى:١١]، ولا يبعد أن يكون النبي ﷺ نحر مائة ناقة في حجة الوداع لما أنزل الله عليه هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] فنحر في حجة الوداع لما نزلت هذه الآية مائة ناقة شكراً لله على إتمام النعمة وإكمال الدين.
стр. 2028
النعم التي امتن الله بها على نبيه في سورة الشرح
عدد الله على نبيه نعمه العظمى في سورة الشرح، فقال : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] قيل: هو شق صدره الشريف وغسله وملئه حكمة وإيماناً، وقيل: هو توسيعه للمعرفة والإيمان، وجعل قلبه وعاء للحكمة، وفي البخاري عن ابن عباس قال: شرح الله صدره للإسلام، وقال ابن كثير في تفسير قوله: ((أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)): نورناه وجعلناه فسيحاً رحيباً واسعاً، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢]، وقال جل وعلا: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤].
ثم قال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤] اختلف في تفسير هذه الآية، فمن قائل: إنه رفع حسي، أي: إن ذكرك واسمك الشريف يذكر في الأماكن العالية على المنابر في الخطب، وفي الأذان، وفي الإقامة، وافتتاحيات الكلام في الأمور الهامة، واستدلوا لذلك بالواقع فعلاً حيث إن الله رفع ذكر النبي ﷺ رفعاً حسياً، واستشهدوا على ذلك بقول حسان رضي الله تعالى عنه يمدح النبي ﷺ بقوله: أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد ومن رفع ذكره ﷺ ذكر صفته واسمه في كتب الأنبياء قبله، حتى عرف للأمم الماضية قبل مجيئه ﵌، ومن ذلك جعله تعالى الوحي ذكراً له، قال الله: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٣ - ٤٤]، فتبين أن رفع ذكره ﷺ إنما هو عن طريق الوحي، فقوله: ((وَإِنَّهُ)) أي: القرآن ((لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ)) يعني: رفعة ومجد، وعلو شأن لك ولقومك إن اتبعوا هذا القرآن، فبين الله أن الله يرفع ذكر النبي ﵇ بالقرآن، لذا تأملوا الآية: ((فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ))، ((وَإِنَّهُ)) أي: هذا الوحي الذي هو القرآن ((لَذِكْرٌ لَكَ)) لرفعة شأن لك ((وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ))، فهذا بيان أن الله رفع ذكره ﷺ بالوحي سواء كان الوحي نصوصاً توجه الخطاب إلى النبي ﷺ أو غيره، ففي الوحي توجد أنواع من المخاطبة للرسول ﷺ كلها تدل على رفع ذكره وشأنه عند الله بالوحي؛ كقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة:٤١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال:٦٤]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١]، ولم يخاطبه باسمه قط، فلا توجد آية واحدة في القرآن فيها خطاب من الله للنبي ﵊ باسمه، وإنما يخاطبه بأوصافه، بخلاف الخطاب مع جميع الأنبياء قبله كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى.
فأما في مقام إثبات الرسالة والشهادة له بأنه رسول فقد صرح باسمه بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] يعني: الله هو الذي يخبر بصدقه في هذه الرسالة، أو رفع ذكره في الوحي عن طريق الوحي، والوحي يعم القرآن والسنة، فكلاهما وحي، ورفع ذكره في فروع الشريعة -كما ذكرنا- في الأذان وفي الإقامة، وفي التشهد، وفي الخطب، وفي الصلاة عليه ﵌، والكافر إذا أتى بكل شعب الإيمان، ولكنه لم يشهد أن محمداً رسول الله، فهو باق على كفره، وهو من أهل جهنم الخالدين فيها؛ لأنه لم يشهد له ﷺ بالرسالة.
стр. 2029
النعم التي أمتن الله بها على نبيه في سورة الكوثر
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] قيل: الكوثر علم اسم على شيء معين، وقيل: الكوثر صفة على وزن فوعل على العلمية، قالوا: إن الكوثر علم على نهر في الجنة، وعلى الوصفية فقالوا: هو الخير الكثير، ومما استدل به على العلمية وأن الكوثر اسم أو علم على نهر في الجنة ما ثبت في صحيح البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: (لما عرج برسول الله ﵌ إلى السماء قال: أتيت نهراً حافتاه قباب لؤلؤ مجوف فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر) يعني: نهر الكوثر الذي أعطاه الله إياه.
وبسنده أيضاً عن عائشة ﵂: (سئلت عن قوله تعالى: ((إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)) فقالت: هو نهر أعطيه نبيكم ﷺ ، شاطئاه عليهما در مجوف، آنيته كعدد النجوم).
وفي حديث ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : (الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب، والماء يجري على اللؤلؤ، وماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل) رواه الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي وقال: حسن صحيح.
وروى أيضاً عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه، ولما سئل سعيد بن جبير أن الناس يزعمون أن الكوثر نهر في الجنة قال: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه.
إذاً: الكوثر هو الخير الكثير أو الحوض، والحوض والنهر هو من جملة الكوثر الذي أعطاه الله نبيه ﵌.
стр. 2030
وجوب الصلاة على النبي ﷺ
من النعم التي امتن الله بها على نبينا محمد ﷺ ما أوجده الله لنبينا على القلب واللسان والجوارح من حقوق زائدة على مجرد التصديق بنبوته، فليس حق النبي علينا يقتصر على الاعتراف بنبوته، وإنما هناك حقوق زائدة على هذا، كما أوجب الله على خلقه من العبادات على القلب واللسان والجوارح أموراً زائدة على مجرد التصديق به ، وحرم الله لحرمة نبيه ﷺ أشياء مما يباح أن تفعل مع غيره، غير مجرد التكذيب بنبوته، يعني: يحرم تكذيب نبوته، وإلى جانب ذلك حرمت أشياء زائدة على مجرد التكذيب على أمته، مع أن هذه الأشياء تباح أن تفعل مع غيره، فمن ذلك أنه أمر بالصلاة عليه والتسليم ﷺ ، فقد أخبر أن الله وملائكته يصلون عليه ﷺ ، وجعل الصلاة والسلام عليه قربة وعبادة، وهذا أمر لم ينله غيره من الأنبياء والمرسلين ﷺ ، وجمعت صيغة الصلاة والسلام عليه جميع الخيرات، ومن صلى عليه مرة صلى الله عليه عشراً حضاً للناس على ذلك، قال ﷺ : (من ذكرت عنده فلم يصل علي خطئ طريق الجنة).
وقال ﵊: (البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي)، ولا شك أن في قوله في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] التشريف الذي شرف الله به رسوله ﵌ بهذه الآية، وهو أجمع وأتم من تشريف آدم ﵇ بسجود الملائكة له؛ لأن تشريف آدم بسجود الملائكة تشريف بفعل الملائكة، أما هنا فالتشريف هو بفعل الله ، فتشريف يصدر عن الله أبلغ من تشريف تختص به الملائكة من غير أن يكون الله تعالى معهم في هذا التشريف، فهنا جمع له تشريفاً تقوم به الملائكة كما حصل لآدم، لكن زاد عليه أن الله مع الملائكة، فالفارق كبير جداً كالفارق بين الخالق والمخلوق، قال هنا: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)) فبدأ بنفسه ، ثم ثنى بملائكته، وإذا استحضرنا أن الملائكة لا يحصي عددهم إلا الله لعرفنا مدى تعظيم ذكر النبي ﵊ والصلاة عليه على لسان الملائكة! ثم إن هذا مستمر، أما السجود فكان حادثة مؤقتة ثم انقضت، والصيغة هنا أتت بصيغة المضارعة؛ لتدل على الاستمرار إلى هذه اللحظة، فالملائكة مازالت تصلي -إلى أن يشاء الله على النبي ﷺ وكذلك الله؛ لأن الآية: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ))، ولم يقل: صلوا على النبي، لا، وإنما: ((يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)) لتفيد الاستمرار في هذا التشريف.
стр. 2031
من حقوق النبي ﷺ على أمته
стр. 2032
من حقوقه ﷺ أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم
من حقوق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على كل مسلم ومؤمن أن يعتقد أن الرسول ﵇ أولى بروحه وبنفسه وبحياته منه، بمعنى: أنك تقدم كل شيء أمام النبي ﵊، وأن تكون جازماً قاطعاً بأنك لن تتردد في أن تبذل له كل غال، فلو قدر أنه يوجد ماء لا يكفي إلا لك أو للرسول ﷺ ، فإنه يجب عليك أن تقدمه له فيشربه هو ولو مت أنت، فتفديه بنفسك بناءً على اعتقاد حتمي أوجبه الله علينا، وهو أن نرى أن الرسول ﷺ أولى بأرواحنا وأنفسنا منا، وهذا الأمر طبقه الصحابة في مواقف كثيرة وعظيمة، قال تعالى: ﴿وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة:١٢٠]، وقال ﵎: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] يعني: أولى بحياتك وبروحك منك أنت بهذه النفس، فهذا هو حقه عند الله كأي تعظيم وأي تشريف.
ومن حق النبي ﵌ أن يحب وأن يؤثره العطشان بالماء والجائع بالطعام، وأنه يجب أن يوقى بالأنفس والأموال كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة:١٢٠]، فرغبة الإنسان بنفسه أن يصيبه ما يصيب النبي ﷺ من المشقة معه حرام، ولذلك قال حسان رضي الله تعالى عنه: فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء والنماذج كثيرة جداً في الصحابة رضي الله تعالى عنهم من التطبيق العملي لهذه الآية: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ))، وخاصة في الغزوات كغزوة أحد وغيرها، فقد كانوا يفدونه ﷺ بالغالي والنفيس رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
стр. 2033
من حقوقه ﷺ أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وولده
ومن حقه أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وولده وجميع الخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤] وقد جاء بيان ذلك في الأحاديث الصحيحة المشهورة كما في الصحيح من قول عمر ﵁: (يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي.
فقال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك.
قال: فأنت والله الآن يا رسول الله! أحب إلي من نفسي.
قال: الآن يا عمر).
وقال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين).
وقال ﷺ : (إن من أشد أمتي لي حباً قوماً يأتون من بعدي؛ يود أحدهم لو رآني بنفسه وماله).
فالمسلمون الذين يأتون من بعد النبي ﵇، ولم يروه، يتمنى كل مؤمن منهم أن يرى النبي ﷺ بعينيه حتى ولو بذل في سبيل ذلك ماله ونفسه وأولاده، يضحي بأهله وماله في سبيل أن يرى النبي ﵌.
стр. 2034
من حقوقه ﷺ تعزيره وتوقيره
كذلك من حقوقه ﷺ أن الله أمر في هذا القرآن بتعزيره وتوقيره، فقال : ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:٩] والضمير -على الراجح- يعود إلى النبي ﷺ .
والتعزير: اسم جامع لكل ما فيه نصره وتأييده، ومنعه من كل ما يؤذيه، والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار.
стр. 2035
من حقوقه ﷺ عدم مناداته باسمه
ومن ذلك أنه خصه في المخاطبة بما يليق به، فقال : ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣] فنهى الله المسلمين أن يقول أحدهم: يا محمد! أو يا أحمد! أو يا أبا القاسم! ولكن يقولون: يا رسول الله يا نبي الله وكيف لا يخاطبونه بذلك والله قد أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحداً من الأنبياء قبله؟! فلم يدعه باسمه في القرآن قط، بل بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب:٢٨]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٩]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الأحزاب:٤٥]، ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٦٤]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] مع أن الله قال: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥] خاطبه باسمه، وقال: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة:٣٣]، وقال: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦]، وقال: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [هود:٧٦]، وقال: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف:١٤٤]، وقال: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ [ص:٢٦]، وقال: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ [المائدة:١١٠] فدعا الأنبياء بأسمائهم في هذه الآيات.
следующие страницы →