Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
من حقوق النبي ﷺ على أمته
стр. 2032
من حقوقه ﷺ أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم
من حقوق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على كل مسلم ومؤمن أن يعتقد أن الرسول ﵇ أولى بروحه وبنفسه وبحياته منه، بمعنى: أنك تقدم كل شيء أمام النبي ﵊، وأن تكون جازماً قاطعاً بأنك لن تتردد في أن تبذل له كل غال، فلو قدر أنه يوجد ماء لا يكفي إلا لك أو للرسول ﷺ ، فإنه يجب عليك أن تقدمه له فيشربه هو ولو مت أنت، فتفديه بنفسك بناءً على اعتقاد حتمي أوجبه الله علينا، وهو أن نرى أن الرسول ﷺ أولى بأرواحنا وأنفسنا منا، وهذا الأمر طبقه الصحابة في مواقف كثيرة وعظيمة، قال تعالى: ﴿وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة:١٢٠]، وقال ﵎: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] يعني: أولى بحياتك وبروحك منك أنت بهذه النفس، فهذا هو حقه عند الله كأي تعظيم وأي تشريف.
ومن حق النبي ﵌ أن يحب وأن يؤثره العطشان بالماء والجائع بالطعام، وأنه يجب أن يوقى بالأنفس والأموال كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة:١٢٠]، فرغبة الإنسان بنفسه أن يصيبه ما يصيب النبي ﷺ من المشقة معه حرام، ولذلك قال حسان رضي الله تعالى عنه: فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء والنماذج كثيرة جداً في الصحابة رضي الله تعالى عنهم من التطبيق العملي لهذه الآية: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ))، وخاصة في الغزوات كغزوة أحد وغيرها، فقد كانوا يفدونه ﷺ بالغالي والنفيس رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
стр. 2033
من حقوقه ﷺ أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وولده
ومن حقه أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وولده وجميع الخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤] وقد جاء بيان ذلك في الأحاديث الصحيحة المشهورة كما في الصحيح من قول عمر ﵁: (يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي.
فقال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك.
قال: فأنت والله الآن يا رسول الله! أحب إلي من نفسي.
قال: الآن يا عمر).
وقال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين).
وقال ﷺ : (إن من أشد أمتي لي حباً قوماً يأتون من بعدي؛ يود أحدهم لو رآني بنفسه وماله).
فالمسلمون الذين يأتون من بعد النبي ﵇، ولم يروه، يتمنى كل مؤمن منهم أن يرى النبي ﷺ بعينيه حتى ولو بذل في سبيل ذلك ماله ونفسه وأولاده، يضحي بأهله وماله في سبيل أن يرى النبي ﵌.
стр. 2034
من حقوقه ﷺ تعزيره وتوقيره
كذلك من حقوقه ﷺ أن الله أمر في هذا القرآن بتعزيره وتوقيره، فقال : ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:٩] والضمير -على الراجح- يعود إلى النبي ﷺ .
والتعزير: اسم جامع لكل ما فيه نصره وتأييده، ومنعه من كل ما يؤذيه، والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار.
стр. 2035
من حقوقه ﷺ عدم مناداته باسمه
ومن ذلك أنه خصه في المخاطبة بما يليق به، فقال : ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣] فنهى الله المسلمين أن يقول أحدهم: يا محمد! أو يا أحمد! أو يا أبا القاسم! ولكن يقولون: يا رسول الله يا نبي الله وكيف لا يخاطبونه بذلك والله قد أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحداً من الأنبياء قبله؟! فلم يدعه باسمه في القرآن قط، بل بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب:٢٨]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٩]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الأحزاب:٤٥]، ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٦٤]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] مع أن الله قال: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥] خاطبه باسمه، وقال: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة:٣٣]، وقال: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦]، وقال: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [هود:٧٦]، وقال: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف:١٤٤]، وقال: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ [ص:٢٦]، وقال: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ [المائدة:١١٠] فدعا الأنبياء بأسمائهم في هذه الآيات.
стр. 2036
من حقوقه ﷺ عدم رفع الصوت والتقدم بين يديه
كذلك من حقوقه أنه حرم التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن، لا يبدأ أحد بالكلام بين يدي النبي ﷺ حتى يأذن له، فاعتبر التقدم بين يديه تقدماً بين يدي الله ورسوله.
ومن ذلك أن الله حرم رفع الصوت فوق صوته، وحرم أن يجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل، وأخبر أن ذلك سبب لحبوط العمل؛ فهذا يدل على أنه يقتضي الكفر؛ لأن العمل لا يحبط إلا بالكفر قال تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢].
كذلك رفع الله ذكر النبي ﷺ في الوحي؛ كما قال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤]، وكما قال: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [الزخرف:٤٣]، ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤] أي: الوحي، فهذا تفضيل لكون الوحي ذكراً ورفعة لشأن النبي ﷺ .
стр. 2037
من حقوقه ﷺ عدم إيذائه
من حقوقه ﷺ أنه حرم على الأمة أن يؤذوه بما هو مباح لهم أن يعامل به بعضهم بعضاً؛ تمييزاً له مثل نكاح أزواجه من بعده، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٣].
وأوجب على الأمة لأجله احترام أزواجه، وجعلهن أمهاتهم في التحريم والاحترام، فقال : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦].
ومن كرامته المتعلقة بالقول أن الله فرق بين أذاه وأذى المؤمنين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب:٥٧]، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨]، فجعل أذاه أعظم من أذية المؤمنين، وهي بلا شك دون ذلك.
стр. 2038
من حقوقه ﷺ أن الله أوجب ذكره في الأذان والتشهد والخطبة
ومن ذلك أن الله رفع له ذكره، فلا يذكر الله حتى يذكر معه النبي ﷺ ، ولا تصح للأمة خطبة ولا تشهد حتى يشهدوا أنه عبده ورسوله.
وأوجب ذكره في كل خطبة، وفي الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام، ولو أن رجلاً أتى بكل شعب الإيمان، وقال: لا إله إلا الله، لكنه لم يشهد أن محمداً رسول الله؛ ما نفعه ذلك، ولبقي على الكفر.
فأي تعظيم لرسول الله ﷺ ورفع لذكره فوق هذا التعظيم؟! وقرنه باسمه أيضاً في الأذان الذي هو شعار الإسلام، وفي الصلاة التي هي عماد الدين إلى غير ذلك من المواضع.
ومن نعمه تعالى عليه مدحه له وثناؤه عليه ﷺ كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥].
ومن لطفه تعالى به قوله : ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣] علم الله أنه لو بدأ بالمعاتبة لانشق قلبه ﷺ ؛ من الهيبة أن يكون قد أغضب الله، فطمأنه أولاً ثم عاتبه، طمأنه أولاً: لا تجزع من هذا العتاب فقد غفرت لك، فقال الله تعالى: ((عَفَا اللَّهُ عَنْكَ)) ثم قال: ((لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ))، فقدم العفو على هذا العتاب، وهذا في غاية الإكرام والبر، فقد عاتب الله الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام بعد الأفعال، وعاتب نبينا ﷺ قبل وقوعه، فقال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٤]، وقال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤] وهذا كله من إتمام نعمته عليه، ((وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ)).
وقال ﵎: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] وهذا غاية البر والحب والإكرام للنبي ﵊، يقول تعالى: ((قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ)) يعني: نعلم أنك في غاية الحزن بسبب أنهم يصفونك بالكذب، وأنك تدعي الوحي، وتدعي أنك رسول، وهذا الوصف شاق على الصادق الأمين مثلك، ((قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ)) يشق عليك أن توصف بالكذب -خاصة الكذب على الله الذي هو أكبر الضلال- فقال: ((فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ)) الله يقول له: أنا خالقهم ومطلع على ما في قلوبهم، فهم يزعمون أنك تكذب بألسنتهم، أما في قلوبهم فهم يعتقدون صدقك، (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ) في الحقيقة، وإنما هم يكذبون بإظهار اتهامك بالكذب، وهذا الإخبار يهون الله به على نبيه ﷺ العناء الذي كان يلقاه، بسبب أن المشركين يصفونه بالكذب على الله بادعاء الوحي وادعاء النبوة، فطمأنه الله حتى يخفف من جزعه حين يوصف بالكذب.
قال تعالى: ((قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ)) فاطمئن فهم غير صادقين في هذا، ((فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)) فهذا فيه غاية التسلية في أن يرفع الله حزنه باتهامهم له بالكذب، وقد كانوا يسمونه الصادق الأمين، فرفع ذلك الحزن بإخباره أنه صادق عندهم، وأنهم غير مكذبين له، وأنهم معترفون بصدقه، ثم جعل الذم لهم بتسميتهم جاحدين ظالمين، فقال: ((وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)).
إذاً: الجحد: هو الإنكار بعد العلم، ثم واساه وعزاه وآنسه فقال له: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام:٣٤].
стр. 2039
تشريف الله لمقام النبي ﷺ
стр. 2040
إقسام الله بمدة حياة النبي ﷺ
من عظيم قدر النبي ﷺ عند ربه ﵎ أن الله أقسم بمدة حياته، ولله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته؛ لأنها آيات من آياته ، أما نحن فيحرم علينا القسم بغير الله، وفي الحديث: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، فخطأ أن يقول شخص لآخر: وحياتك اعمل لي كذا، وحياتك الأمر الفلاني كذا، لكن الله أقسم بحياة نبيه ﵊، فقال : ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢] (لعمرك) هي بمعنى قولنا: وحياتك، فالله يقول له: أنا أحلف بحياتك يا محمد! وبعمرك الشريف، وهذا لم يحصل لأحد قط، فالله أقسم بحياته فقال: ((لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)) أي: وبقائك أو وعيشك أو وحياتك، وهذه نهاية التعظيم والبر والتكريم، قال ابن عباس ﵄: ما خلق الله تعالى، وما ذرأ، وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد ﷺ ، وما سمعت الله تعالى أقسم بحياة أحد غيره.
стр. 2041
إقسام الله بكلام نبيه ﷺ
وأقسم الله بكلام نبيه ﵇ وقوله في سورة الزخرف فقال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف:٨٨] (وَقِيلِهِ) أي: قول الرسول ﷺ بإضمار حرف القسم، فيكون قوله: ((يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ)) جواب القسم، فهو أقسم بقيله: يا رب أو وقيله: يا رب قسمي، ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٨ - ٨٩].
стр. 2042
إقسام الله على تزكية نفس نبيه ﷺ
وأقسم على تزكية نفسه ﷺ وعصمتها من الآثام لمقامه الشريف، فالله زكى فؤاده ولسانه وجوارحه ﷺ .
فزكى قلبه بقوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١].
وزكى لسانه بقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
وزكى بصره بقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧].
وقال تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١] أقسم جل وعلا بما أقسم به من عظيم قسمه على تنزيه المصطفى ﷺ بما غمصته الكفرة به.
وآنسه بقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم:٢]، وهذه نهاية المبرة في الخطاب.
ثم أعلمه بما له عنده من نعيم دائم، وثواب غير منقطع لا يمن به عليه فقال: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم:٣].
ثم أثنى عليه صلوات الله وسلامه عليه بما منحه من هبات وهداه إليه، وأكد ذلك تسليماً للتمجيد بحرفي التأكيد فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ﵌، و (إنك) توكيد بـ (إن)، وتوكيد باللام، فهو لعلى خلق عظيم، وهذا المديح لم يحصل لأحد غير النبي ﷺ ، ولم يقل: إن خلقك عظيم، وإنما قال: ((وَإِنَّكَ لَعَلى))، فهي تدل على نسبة التمكن والرسوخ في حسن وعظمة هذا الخلق.
стр. 2043
شفقة الله على نبيه ﷺ
ومن شفقته عليه ﷺ قوله ﵎: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:٢]، ويقول جل وعلا: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣].
فالله يقول له هنا: هون عليك! هل أنت مهلك نفسك حسرة وحزناً على هؤلاء الكافرين الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله؟! فالله يواسيه ويعزيه بأن الهداية هي هداية الله ، ويقول له: لا تهلك نفسك، أنا ما أنزلت عليك القرآن لتشقى وتتعذب هذا العذاب؛ حسرة على هؤلاء المعرضين عن الحق، وشفقة وخوفاً عليهم من عذاب جهنم، فكان ﵇ يتألم أشد الألم لإعراض قومه عنه؛ خوفاً عليهم أن يعذبوا ويهلكوا، وهذا صرح به النبي ﵌ في قوله: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، فأخذ يذبهن عن النار، يقول ﷺ : وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنت تفلتون من يدي، تقحمون فيها)، وفي بعض الروايات: (فتغلبوني تتقحمون فيها) أو كما قال ﵊ تصور كيف هو رحمة للعالمين! وكيف هو رحمة لجميع أمته ﵊! فيقول: (مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً) في ظلمة، فمعلوم أن الفراش لعدم وجود عقل له ينجذب إلى هذا الضوء ولا يدرك أن في انجذابه للضوء إحراقه وهلاكه، وجعل هذا الرجل الذي أضاء هذه النيران يذب الفراش: يطرده حتى لا يحترق، فالفراش يهرب منه ويصر على أن يلقي بنفسه في النار، فيكون هذا نفس مثلي ومثلكم، يقول: أنا واقف على النار وأنتم تنجذبون إليها بالشهوات والشبهات، وأنا أذبكم وأدفعكم وأطردكم حتى لا تهلكوا، وهذا يقصد به أمة الدعوة كلها مسلمين وكفاراً جميعاً، فيقول: (وأنا آخذ بحجزكم عن النار)، يحاول أن يمسك هذا من ذيله، وهذا من كمه، وهذا من وسطه، وهم أناس كثير وهو واقف يريد أن يذب الذي يريد أن يلقي بنفسه في النار، (وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي) أي: تغلبوني وتدفعوني، وتلقون بأنفسكم في النار إصراراً على الهلاك، وهذا هو حال النبي ﵇ مع الكفار والمعرضين عن هديه ﵌، فكان شديد الحسرة على عدم إيمانهم، وشديد الحزن عليهم؛ لأنهم سوف يكونون من أهل النار، ولذلك لما دخل على ذلك الشاب اليهودي الذي كان يحتضر، أمر النبي ﵇ هذا الشاب اليهودي أن يشهد شهادة الحق، ويدخل في الإسلام، فنظر إلى أبيه، فقال له: أطع أبا القاسم ﵊ ففعل ذلك الشاب ودخل في الإسلام، ثم مات؛ فخرج النبي ﷺ مبتهجاً وفرحاً مسروراً وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه من النار) فهذا هو شعور النبي ﵇ بأمته، رحمة لأمته عليه والسلام، فكان يحزن حزناً شديداً، ويتحسر ويتألم لإعراض الكفار عنه لما يعلمه من العذاب الذي سوف يصيبهم، فقال الله مخففاً عليه: ((مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)) هل نحن أنزلنا عليك القرآن كي تتعذب وتتألم وتهلك نفسك من الخوف على الكافرين والحسرة عليهم؟ لا، ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:٢ - ٣] تذكرة لمن يخشى ويتقي الله .
وقال ﵎: ((فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ)) هل ستموَّت نفسك أم ماذا؟ هذا المعنى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ) أي: هل ستهلك نفسك (عَلَى آثَارِهِمْ)؟ تخيلوا أن شخصاً يودع أحبابه الراكبين في القطار، وهو متحسر لفراق هؤلاء الأحباب، وحزين عليهم، فحتى والقطار يمشي، فهو يجري حتى يعجز عن القطار ويسبقه، وهذا نفس التصوير تقريباً في هذه الآية الكريمة (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ) يمشون وهم معرضون عنه، وهو يتبعهم بأقصى استطاعته (عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)، فهل ستهلك نفسك أسفاً وحسرة عليهم وهم مصرون على الكفر؟ فبلا شك أن هذا غاية المحبة والإكرام من الله لنبيه وحبيبه وخليله محمد ﵌.
стр. 2044
أخذ الله الميثاق على الأنبياء قبله أن يؤمنوا به ﷺ
من تشريفه له على الأنبياء قوله ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١]، يقول علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: لم يبعث الله نبياً من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد ﵌: لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، ويأخذ العهد بذلك على قومه، والنبي نفسه يأخذ عهده على قومه: لئن بعث محمد وأنتم أحياء لابد أن تؤمنوا به وتنصروه ﵌، وفي الحديث: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني)، لم تكن له أي رخصة في الاستقلال، بل لابد أن يتبع النبي ﷺ ، حتى عيسى ﵇ إذا نزل في آخر الزمان فإنه ينزل تابعاً لشريعة محمد ﵌، ولا يستأنف شرعاً جديداً.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] موسى ﵇ ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] قيل: هو محمد ﵌.
ومن ذلك أيضاً: قوله ﵎: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، لا شك أن هذه الآية تفيد فضل النبي ﵌ على هؤلاء الرسل الذين هم أولو العزم وأصحاب الصلاح، من وجهين: إحداهما: أن الله عبر في جانبهم بكلمة (وصى) فقال: ((شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا)) وقال: ((وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)) إشارة إلى أن ما أوتيه النبيون قبله ﵊ لم يعد أن يكون وصايا تختص بقليل من الناس لا تجاوزهم إلى غيرهم، أما في جانبه ﵌ فقد قال: ((وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)) فعبر في جانبه بـ (أوحينا) تعظيماً لشأنه، كأنه هو المخصوص بالوحي، إشارة إلى أن تخصيصه ﷺ بإتيانه القرآن العظيم تشريف يفوق ما أوتي النبيون من معجزات خارقة تنتهي بانتهاء زمنها، وكتب فيها تشريعات ووصايا تختص بقليل من الناس لا تجاوزهم إلى غيرهم، ولذلك قال ﵊: (ما من نبي إلا أوتي ما على مثله آمن البشر، وكان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) وسبق أن شرحنا معنى هذا الحديث.
стр. 2045
رفع العذاب عن أهل مكة لوجود النبي ﷺ
ومن كرامته على ربه ﵌ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]، ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ))؛ لأن المشركين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال:٣٢] لم يقولوا: فاهدنا إليه، لكن لجهلهم وجرأتهم قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]، يقول الله : كيف أستجيب لهم وأنزل عليهم العذاب وأنت موجود معهم في مكة؟! لا يمكن أن أنزل العذاب وأنت فيهم؛ إكراماً للنبي ﵊، فإن وجوده فيهم أمان لهم من الهلكة، فمعنى: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)) أي: ما دمت بمكة، فلما خرج النبي صلى الله علية وسلم من مكة وبقي فيها من بقي من المؤمنين نزل قوله تعالى: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)) يعني: وفيهم مؤمنون يخفون إيمانهم ويستغفرون الله، فوجود المؤمنين الذين يستغفرون الله حائل ومانع من نزول العذاب عليهم، وهذا مثل قوله تعالى كما سيأتي في سورة الفتح: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:٢٥]، فلما هاجر المؤمنون نزلت: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٤].
ومما يبين شرف مقام النبي صلى الله عليه آله وسلم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤].
إذاً: لابد أن من تأمل القرآن العظيم يدرك كيف رفع الله ذكر النبي ﵌ بالوحي، قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤] بالوحي سواء في القرآن أو في السنة من النصوص التي تدل على رفعة مقامه، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [الزخرف:٤٣] ثم قال بعدها: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ يعني: هذا الوحي فيه بيان ورفع ذكرك وتشريفك وبيان مقامك العظيم.
стр. 2046
تمام نعمة الله على عبده المصطفى ﵊
قال جعفر بن محمد وهو يتكلم شارحاً معنى قوله تعالى: ((وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ)) ﵌: من تمام نعمته عليه أن جعله حبيبه، وأقسم بحياته، ونسخ به شرائع غيره، وعرج به إلى المحل الأعلى، وحفظه في المعراج حتى ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]، وبعثه إلى الأحمر والأسود، وأحل له ولأمته الغنائم، وجعله شفيعاً مشفعاً، وسيد ولد آدم، وقرن ذكره بذكره، ورضاه برضاه، وجعله أحد ركني التوحيد، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح:١٠].
ومن نعمه عليه ﵌ ما امتن عليه به في سورة النجم والإسراء والفتح، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال:٣٠] إلى آخر الآية، ومنها قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٤٠]، وما كان من أمر الغار، وسراقة بن مالك.
ومن مقام كماله ﷺ ما جبله الله عليه من كمال خلقته، وجمال صورته، وقوة عقله، وصحة فهمه، وفصاحة لسانه، وقوة حواسه وأعضائه، واعتدال حركاته، وشرف نسبه، وعزة قومه، وكرم بيته صلى الله عليه آله وسلم.
وأما خصاله المكتسبة الأخروية فسائر الأخلاق العلية، والآداب الشرعية، من الدين والعلم، والحلم والصبر، والشكر والعدل، والزهد والتواضع، والعفو والعفة، والجود والشجاعة، والحياء والمروءة، والصمت والتؤدة والوقار، والرحمة، وحسن الأدب والمعاشرة وأخواتها التي جماعها حسن الخلق.
وإذا كانت خصال الكمال والجلال ما ذكرناه، ورأينا الواحد منا يتشرف بواحدة منها أو اثنتين، إن اتفقت له في كل عصر، إما من نسب، أو جمال، أو قوة، أو علم، أو حلم، أو شجاعة، أو سماحة، حتى يعظم قدره، ويضرب باسمه الأمثال، ويتقرر له بالوصف بذلك في القلوب أثرة وعظمة، وهو منذ عصور خوال رمم بوال، فما ظنك بعظيم قدر من اجتمعت فيه كل هذه الخصال إلى ما لا يعد ولا يعبر عنه مقال، ولا ينال بكسب ولا حيلة إلا بتخصيص الكبير المتعال من فضيلة النبوة والرسالة، والخلة والشفاعة، والوسيلة والفضيلة، والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود، والبراق والمعراج، والبعث إلى الأحمر والأسود، والصلاة بالأنبياء، والشهادة بين الأنبياء والأمم، وسيادة ولد آدم، ولواء الحمد، والبشارة والنذارة، والمكانة عند ذي العرش، والأمانة والهداية، ورحمة للعالمين، وإعطاء الرضا والسؤل والكوثر، وسماع القول، وإتمام النعمة والعفو عما تقدم وما تأخر، وشرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر، وعزة النصر، ونزول السكينة، والتأييد بالملائكة، وإيتاء الكتاب والحكمة، والسبع المثاني، والقرآن العظيم، وتزكية الأمة، والدعاء إلى الله، وصلاة الله تعالى والملائكة، والحكم بين الناس بما أراه الله، ووضع الإصر والأغلال عنهم، والقسم باسمه، وإجابة دعوته، وتكليم الجمادات والعجم، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير القليل، وانشقاق القمر، ورد الشمس، وقلب الأعيان، والنصر بالرعب، وظل الغمام، وتسبيح الحصى، وإبراء الآلام، والعصمة من الناس إلى ما لا يحويه محتفل، ولا يحيط بعلمه إلا مانحه ذلك سبحانه، ومفضله به لا إله غيره، إلى ما أعد له في الدار الآخرة من منازل الكرامة، ودرجات الخلد، ومراتب السعادة، والحسنى والزيادة التي تقف دونها العقول، ويحار دون إدراكها الوهم.
стр. 2047
الشر لا ينسب إلى الله
قال الله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ [الفتح:٢] فأضاف الذنب إليه، وقال في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] الخطاب لله تعالى، فأضاف الإنعام إلى الله لأنه خير، أما الغضب والضلال فأتى منسوباً إلى من قام به، أو أتي به مبنياً لاسم المفعول: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧].
ومن ذلك أيضاً قوله ﵇: (والخير في يديك، والشر ليس إليك)، وقالت الملائكة: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠] يعني نقدسك وننزهك عما لا يليق بك.
كذلك الله من أسمائه (السلام)، يعني: الذي سلم من العيوب والنقائص، وأيضاً الذي يسلم خلقه من ظلمه لهم؛ لأنه منزه عن الظلم، وأيضاً سلامته سبحانه من إرادة الظلم والشر، ومن التسمية به، ومن فعله، ومن نسبته إليه، فالله سالم من كل ذلك، لذلك من أسمائه السلام .
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢] فأضاف الشر إلى المخلوقات، يعني: شر الذي خلق أو من شر المخلوقات، فالشر لا ينسب إلى الله .
وقالت الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الجن:١٠] ذكروا الشر مبنياً للمجهول: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠] فالرشد والخير نسب إلى الله.
وقال إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي﴾ [الشعراء:٧٧ - ٧٨] انظروا نسبته إلى الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٧٩]، ثم قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] فالمرض لأنه شر أضافه إلى نفسه فقال: ((وإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)) ، ثم قال: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٨١]، ثم قال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢] فنسب الخطيئة والشر إلى نفسه.
وقال الخضر: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]؛ لأن كونه يخلع لوحاً من السفينة هذا فيه نوع من الشر والإفساد، لذلك أدباً مع الله نسبها إلى نفسه مع أنه قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢]، فقد كان بوحي، لكن انظر إلى الدقة في العبارة! قال في السفينة: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، كذلك في الغلام الذي قتله قال: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨١]، أما في الجدار الذي أراد أن يميل فقام في إصلاحه لميل الجدار حتى يظل الكنز مدفوناً ومحفوظاً للغلامين اليتيمين فقال: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢]، ثم قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ [الكهف:٨٢]؛ لأن فيه إصلاحاً وخيراً: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢].
من ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧] لكن في الشيء غير المحبوب قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران:١٤].
ونستطيع أن نستنبط من هذا قاعدة وهي: أن إيتاء الكتاب أو إيراث الكتاب إذا أتى منسوباً إلى الله فهو سياق مدح لمن آتاهم الله الكتاب، وإذا أتى بصيغة اسم المفعول أو المبني للمجهول فهو في سياق ذم، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:١٢١] هذا مدح لمن آتاهم الله الكتاب، والآية غالباً تتكلم عن أناس صالحين ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:١٢١]، لكن قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة:١٠١]، أو ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى:١٤]؛ نسبت إلى المجهول فهي سياق ذم.
إذاً: لا ينسب الشر إلى الله ، هذا ما تيسر في تفسير قوله ﵎: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [يوسف:٦].
стр. 2048
الأسئلة
стр. 2049
حكم إنكار أحاديث الشفاعة
السؤال
جاء في بعض الجرائد أن الدكتور مصطفى محمود أنكر أحاديث الشفاعة، وقال: إن أحاديث الشفاعة غير صحيحة! فما قولكم؟
الجواب
الجواب عن مثل هذا إذا صح أنه فعلاً قال هذا، أن نتذكر حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه سلم على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله)، وهذا هو الشاهد الذي أتمثل به، وإن كان المقصود به طاعة أولي الأمر، لكن سأتمثل هذا وأجتزئ بهذا الشاهد: (وعلى أن لا ننازع الأمر أهله)، هل هناك أحد يعجز عن الدعوى؟ هل أحد يعجز بلسانه أن يتكلم ويقول أي كلام يريد أن يقوله؟ لكن العبرة هل الذي يتكلم هو من أهل العلم أم ليس من أهل العلم؟ فما دام إنساناً ليس من أهل العلم لا ينبغي له أن يتطفل على مائدة العلماء، وهل كل من يتكلم يستحق أن يرد عليه؟ يقول بعض العلماء: إذا سكت من لا يعلم قل الخلاف، فالمفروض أن نقول كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: ما خان أمين قط، ولكن اؤتمن غير أمين فخان.
فبنفس المعنى نستطيع أن نعمم ونقول: ما ابتدع عالم قط، ولكن استفتي غير عالم فأضل الناس.
فالضلال والانحراف لا يأتي أبداً من عالم متحقق بعلمه الذي يجمع بين العلم والخوف من الله ، ولا يوجد أحد أبداً إذا كان ابنه الطفل الصغير مريضاً أنه يذهب به عند السمكري، لا يوجد أحد أبداً يريد أن يصلح مثلاً جهازاً كهربائياً ويأتي به للدكتور الجراح، لا، فنحن نحترم الثقافة جداً، ولو أحد أحب أن يأتي لابنه بمدرس خصوصي فإنه ينتقي أحسن مدرس، ويتحرى ويسأل عن كذا وكذا لكن لماذا الدين بالذات هان علينا، وكل واحد منا يعتبر نفسه شيخ الإسلام؟! إذا فتحت قضية الدين أمام أستاذ في كلية الهندسة أو في كذا من التخصصات، أو شخص يبيع خضاراً وبطاطس وطماطم، أو شخص قاعد على شرب القهوة أو كذا أو كذا ممن لا حظ لهم على الإطلاق في العلم؛ فإنه يعطي نفسه الحق في أن يتكلم ويفتي ويجادل ويناقش ويخطئ العلماء أيضاً ويسفههم! هذه مسألة مبدأ: هل هذا من أهل العلم؟ هذا ليس من أهل العلم على الإطلاق، فنحن لا نريد أن نخوض في الكلام على هؤلاء الناس، لكن نقول: من أنت؟ كما قال الشاعر: يقولون هذا عندنا غير جائزٍ فمن أنتم حتى يكون لكم عند يقول لك: أنا عندي وفي رأيي وأنا أرى كذا وكذا فمن أنتم حتى يكون لكم عند؟! فيأتي رجل في هذا الزمان المتأخر وينكر أحاديث الشفاعة، من أنت أصلاً حتى تنكر أحاديث الشفاعة؟! أحاديث الشفاعة متواترة يعني: ثابتة بنفس الطريقة التي ثبت بها القرآن الكريم، فأحاديث الشفاعة متواترة عن النبي ﵌، فسواء تكلم فلان أو علان فنحن لا نأبه بمثل هذا، ولا نتكلف الرد عليه؛ لأننا لابد أن نرسي هذا المبدأ، من الذي يتكلم؟ هل هو إنسان مشهود له بالعلم؟ والعبرة بأن يكون مشهوداً له بالعلم بين العلماء، وليس بين عوام الناس الذين لا يحسنون ميزان الأشخاص، فلا نبالي سواء أنكر الأحاديث الواردة في الشفاعة أو غيرها، وإنكارها من صفات الخوارج والمعتزلة، فهم الذين أنكروا أحاديث الشفاعة، وهكذا شخص آخر ينكر رؤية الله في الآخرة وآخر ينكر أحاديث المعراج وآخر ينكر انشقاق القمر!! هذه فوضى، ولا يحسم هذه الفوضى إلا أن يكون هناك عالم وجاهل، هناك صغير وكبير، وأنا استمعت اليوم في نشرة الأخبار إلى شيء لفت نظري جداً، وفيه علاقة ضعيفة بما نتكلم فيه، يقولون: إن آخر أسلوب لجأ إليه الوحوش الصرب في كوسوفو أنهم يدخلون القرية أو المدينة فيلاقون وجهاء الناس الكبراء من أعمدة الاقتصاد أعمدة الطب مدراء المستشفيات الأطباء المثقفين وكذا وكذا، فيأخذونهم ويرحلونهم إلى الحدود، فيصيرون لاجئين، فإذا أراد قوم تشتيت قوم وإذهاب شوكتهم يفعلون هكذا، قال الشاعر الجاهلي: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا لأنه إذا غاب هؤلاء الكبار سيصبح الناس في فوضى، وهذا أسلوب من أساليب القتل المعنوي، إضافة إلى المذابح الدموية التي يفعلونها.
فتغييب العقول الواعية من أهل العلم والتخصص يجعل الأمر نهباً لكل من أراد أن يفتي في الدين، وينكر ما ينكر، ويكذب بما شاء أن يكذب، فتتحول الأمور فوضى، فهذه صورة من صور القتل المعنوي، أننا نستفتي أناساً ليسوا من أهل العلم، لنا أن ندخلهم تحت مصطلح: المثقفين طلبة علم سمهم بما شئت، لكن أن يصدر هؤلاء على أنهم علماء فهذا لا ينبغي أبداً.
стр. 2050
تفسير سورة الفتح [٣ - ٦]
стр. 2051
تفسير قوله تعالى: (وينصرك الله نصراً عزيزاً)
قال تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح:٣].
قال شيخ المفسرين الإمام ابن جرير رحمه الله تعالى: يقول تعالى: وينصرك على سائر أعدائك ومن ناوأك نصراً لا يغلبه غالب، ولا يدفعه دافع، بالبأس الذي يؤيدك الله به وبالظفر الذي يؤيدك به؛ لأن الله هو الذي ينصرك، وهو الذي يعلي بك.
وقال القرطبي: ((نَصْرًا عَزِيزًا)) أي: غالباً منيعاً لا يتبعه ذل، وعن ابن جريج في قوله: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ يريد بذلك فتح مكة وخيبر والطائف.
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ أي: بسبب خضوعك لأمر الله يرفعك وينصرك على أعدائك، كما جاء في الحديث الصحيح: (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) يعني: لأن النبي ﵇ خضع لأمر الله، وحقق أعلى مراتب العبودية التي لم يصل إليها بشر قبله ﷺ ، فكافأه الله بأن رفعه على العالمين.
стр. 2052
تفسير قوله تعالى: (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين)
قال ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:٤].
قوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) هذا يدل على أن المقصود بالسكينة في هذه الآية الكريمة السكينة التي يهبها الله لعباده المؤمنين، أما مكانها فهو في قلوب المؤمنين، يقول ابن كثير ﵀: قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ) أي: جعل الطمأنينة، وهذا قاله ابن عباس، وعنه: السكنية: الرحمة، وقال قتادة: الوقار في قلوب المؤمنين، وهم الصحابة يوم الحديبية الذين استجابوا لله ولرسوله، وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما اطمأنت قلوبهم بذلك واستقرت زادهم إيماناً مع إيمانهم.
وقد استدل بها البخاري وغيره من الأئمة على تفاضل الإيمان في القلوب، يعني: بقوله تعالى: ((لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ))، فهذه الآية من أدلة القرآن الكريم على أن الإيمان يزيد، وبالتالي ينقص؛ لأن ما كان قابلاً للزيادة يكون قابلاً للنقصان، وهذه عقيدة أهل السنة، ومسألة من أمهات المسائل في الإيمان، فعند أهل السنة: أن الإيمان تصديق بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، وأنه قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
وقال القرطبي رحمه الله تعالى: السكينة: السكون والطمأنينة، وقال ابن عباس: كل سكينة في القرآن هي الطمأنينة إلا التي في البقرة.
يشير بذلك إلى قول الله ﵎ في سورة البقرة: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢٤٨]، فما عدا هذا الموضع في سورة البقرة فإن السكنية تعني السكون والطمأنينة.
وقال ابن عباس ﵄: بعث النبي ﷺ بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدقوه فيها زادهم الصلاة، فلما صدقوه زادهم الزكاة، فلما صدقوه زادهم الصيام، فلما صدقوه زادهم الحج، ثم أكمل لهم دينهم فذلك قوله تعالى: (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) يعني: بما يصدقون به من شعب الإيمان المتجددة باستمرار، والتي كانت تضاف إلى الدين بين وقت وآخر عن طريق الوحي، فهم بذلك يزدادون إيماناً مع السابق، فإيماناً يعني: تصديقاً بشرائع الإيمان مع تصديقهم بالإيمان، وقال الربيع بن أنس: (ليزدادوا إيماناً) خشية مع خشيتهم، وقال الضحاك: يقيناً مع يقينهم، وقال الخشني: السكينة نور في القلب يسكن به إلى شاهده ويطمئن، وهو من مبادئ عين اليقين، يعني: أن مرتبة السكينة أعلى من مرتبة علم اليقين، ومن أوائل درجات مرتبة عين اليقين بعد علم اليقين، كأنه وجدان يقيني معه لذة وسرور.
وقال الشوكاني: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ) أي: السكون والطمأنينة بما يسره لهم من الفتح؛ لئلا تنزعج نفوسهم لما يرد عليهم.
(لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) (ليزدادوا) هذا ضمير يعود إلى أهل الحديبية رضي الله تعالى عنهم أي: ليزدادوا بسبب تلك السكينة إيماناً منضماً إلى إيمانهم الحاصل لهم من قبل.
قال الكلبي: كلما نزلت آية من السماء فصدقوا بها ازدادوا تصديقاً إلى تصديقهم يعني: كما أن المؤمن كلما آمن وتعلم شيئاً جديداً أو عمل بشيء جديد يزداد إيماناً مع إيمانه الأصلي السابق، كذلك الكافر أيضاً على الجهة الأخرى كلما كذب بشيء من الحق فإنه يزداد كفراً؛ لذلك قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧].
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير هذه الآية قال: إن الله بعث نبيه ﷺ بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، فأكمل لهم دينهم فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]).
وعنه أيضاً قال: فأوثق إيمان أهل السماء وأهل الأرض وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلا الله.
стр. 2053
كلام ابن القيم حول السكينة وأنواعها وآثارها وأسبابها
تكلم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كلاماً موسعاً عن معاني السكينة في مصنفين: الأول مدارج السالكين، والثاني: إعلام الموقعين عن رب العالمين، فتكلم في إعلام الموقعين أثناء شرحه لقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى فيما يشترط في المسلم، وهو أن يكون له حلم ووقار وسكينة، يقول: فليس صاحب العلم والفتيا إلى شيء أحوج منه إلى الحلم والسكينة والوقار، فإنها كسوة علمه وجماله، وإذا فقدها كان علمه كالجبل العاري من اللباس، وقال بعض السلف: ما قرن شيء إلى شيء أحسن من علم إلى حلم، والناس هاهنا أربعة أقسام: فخيارهم من أوتي الحلم والعلم -والحلم هي السكينة والوقار-، وشرارهم من عدمهما لا حلم ولا علم، الثالث: من أوتي علماً بلا حلم، والرابع: عكسه، يعني: من يؤتى حلماً، لكن لا علم له، فالحلم زينة العلم وبهاؤه وجماله، وضده الطيش والعجلة والحدة والتسرع وعدم الثبات، فالحليم لا يستفزه البداوات أي: بداءات الأمور، لا يستفزه المبتدأ بل ينظر إلى الخبر كما قال الشاعر: مبتدأ حلو لمن ذاقه ولكن انظر خبر المبتدأ فالحليم دائماً ينظر فيما بعد ولا ينظر إلى بداءات الأمور: فلا تخدع بأول ما تراه فأول طالع فجر كذوب فلابد أن يتحلم الإنسان ويتصبر، يقول: فالحليم لا يستفزه البداوات، ولا يستفزه الذين لا يعلمون، ولا يقلقه أهل الطيش والخفة والجهل، بل هو وقور ثابت ذو أناة، يملك نفسه عند ورود أوائل الأمور عليه، ولا تملكه أوائلها، وملاحظته للعواقب تمنعه من أن تستخفه دواعي الغضب والشهوة، فبالعلم تنكشف له مواقع الخير والشر والصلاح والفساد، وبالحلم يتمكن من تثبيت نفسه عند الخير، فيؤثره ويصبر عليه، وعند الشر فيصبر عنه، فالعلم يعرفه رشده، والحلم يثبته عليه، وإذا شئت أن ترى بصيراً بالخير والشر لا صبر له على هذا ولا عن هذا رأيته، وإذا شئت أن ترى صابراً على المشاق لا بصيرة له رأيته، وإذا شئت أن ترى من لا صبر له ولا بصيرة رأيته، وإذا شئت أن ترى بصيراً صابراً لم تكد، وإذا رأيته فقد رأيت إمام هدى فاستمسك بغرزه، والوقار والسكينة ثمرة الحلم ونتيجته.
يقول: ولشدة الحاجة إلى السكينة وحقيقتها وتفاصيلها وأقسامها نشير إلى ذلك بحسب علومنا القاصرة، وأذهاننا الجامدة، وعباراتنا الناقصة، ولكن نحن أبناء الزمان، والناس في زمانهم أشبه منهم بآبائهم، ولكل زمان دولة ورجال.
فالسكينة فعِيْلة من السكون، وهو طمأنينة القلب واستقراره، وأصلها في القلب، ويظهر أثرها على الجوارح، وهي عامة وخاصة، فسكينة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أخص مراتبها وأعلى أقسامها يعني: أعلى درجات السكينة حازها الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
يقول: فالسكينة حصلت لإبراهيم الخليل وقد ألقي في المنجنيق مسافراً إلى الله لما أضرم له أعداء الله من النار، فلله تلك السكنية التي كانت في قلبه حين ذلك السفر! وتعبير السفر هنا هو تعبير مجازي؛ لأن السفر معروف معناه في اللغة، وهنا إبراهيم ﵇ ما أدخلوه من الباب، لا، بل بنوا له بنياناً مغلقاً عالياً، وأضرموا فيه النيران، ثم وضعوه على المنجنيق -وهو شيء مثل المدفع-، ثم رموه في الهواء حتى يسقط في هذه النار، بحيث لا يستطيع الفرار من مثل هذا البناء المحكم فإبراهيم ﵇ في أشد لحظات الابتلاء وهو في هذه المرحلة العصيبة التي قطعها من ساعة انطلاقه بالمنجنيق إلى أن دخل في هذه النيران يطلق عليه الإمام ابن القيم اسم المسافر، أي: السفر من المنجنيق إلى النار، فإبراهيم ﵇ في هذه اللحظات كان في أعلى درجات السكينة والطمأنينة والوقار والثقة بالله ، فما كان له من قول إلا أن قال: حسبي الله ونعم الوكيل! حسبي الله ونعم الوكيل! ففوض أمره إلى الله، وتوكل على الله، وتحمل في سبيل الله هذا العمل وهذا العذاب، وقد صح في الحديث أن هذه الكلمة (حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها المؤمنون حين قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
ويروى في بعض الآثار عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧] أن إبراهيم ﵇ في تلك اللحظة وهو في هذا السفر الذي استغرق ثواني معدودات عرض له جبريل ﵇ فقال: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا -يعني: لأنك مخلوق-، وإنما حاجتي إلى الله ، ولذلك قال: حسبي الله -يعني وحده- ونعم الوكيل.
والتوكل لا يكون إلا على الله وحده، فإن بعض الناس يخطئون حيث يظنون في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] أن معناها: حسبك وكافيك الله والمؤمنون معه يكفونك، لا، هذا التفسير غير مقبول على الإطلاق، وإنما: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّه) الله كافيك وكافي المؤمنين، فهو حسبك وحسب المؤمنين أيضاً، وليس المعنى: حسبك الله والمؤمنون أيضاً حسبك؛ لأن الحسب -الذي هو بمعنى التوكل والتفويض إلى الله- عبادة كالسجود والركوع، ولا يجوز أن تقول لشخص: توكلت على الله ثم عليك، حتى لو قلت (ثم)؛ لأنها بالضبط كأنك تقول: سجدت لله ثم لك! فالتوكل لا يكون إلا على الله وحده ، فتقول: توكلت على الله وحده، أما توكلت على الله ثم عليك حتى لو استعملت (ثم) فليس هذا موضعها؛ لأن التوكل عبادة مثل السجود والركوع، والتعبد إنما يكون لوجه الله .
الشاهد: أن إبراهيم ﵇ أنزل الله في قلبه في هذا الوقت العصيب أعلى درجات السكنية، يقول: فالسكينة التي حصلت لإبراهيم الخليل وقد ألقي في المنجنيق مسافراً إلى ما أضرم له أعداء الله من النار فلله تلك السكينة التي كانت في قلبه حين ذلك السفر! وكذلك السكينة التي حصلت لموسى وقد أدركه فرعون وجنوده من ورائهم، والبحر أمامهم، وقد ناداه بنو إسرائيل: يا موسى! أين تذهب بنا؟ هذا البحر أمامنا، وهذا فرعون خلفنا! قال الله: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، فأجاب موسى بكل ثقة وبكل طمأنينة ووقار وسكينة: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]؛ لأنه واثق بوعد الله أن يجعل له مخرجاً، وأن ينصره ويمكنه وينجيه من فرعون وجنوده، فتأملوا هذا الموقف! فرعون بجنوده وعساكره يطاردهم، ثم هم يجرون حتى انتهى بهم الأمر عند البحر: فـ ((قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)) وإن هنا للتوكيد، وأيضاً التوكيد باللام: ((إِنَّا لَمُدْرَكُونَ))، والجواب من موسى ﵇: ((قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ))، فهذا بلا شك غاية الطمأنينة والوقار.
والثقة بالله .
وكذلك السكينة التي حصلت له وقت تكريم الله له نداء ونجاءً، كلاماً سمعه حقيقة بأذنه، وكذلك السكينة التي حصلت له وقد رأى العصا ثعباناً مبيناً.
وكذلك السكينة التي نزلت عليه وقد رأى حبال القوم وعصيهم كأنها تسعى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾ [طه:٦٧]، وهذا الخوف ليس بخوف مذموم، فهو الخوف الجبلي الموجود في البشر، كما يخاف الإنسان من الأسد إذا رآه أو من النار أن تحرقه، وغير ذلك من الخوف الفطري الجبلي الذي لا يخلو منه بشر، وقيل: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:٦٧] خاف أن يفتن الناس قبل أن يلقي هو عصاه، وقيل: ألقى: ((فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى)) خاف حين أبطأ عليه الوحي كإبطاء العصا أن يفترق الناس قبل المعجزة.
وكذلك السكينة التي حصلت لسيدنا محمد ﵌ وقد أشرف عليه وعلى صاحبه عدوهما وهما في الغار، فلو نظر أحدهم إلى تحت قدميه لرآهما! وللمناسبة فإن قصة العنكبوت والحمامة والبيض ونحو هذا الكلام لم يثبت وهذا يصدم عواطف كثير من الناس، ويعز عليهم جداً أن يعرفوا أن هذه القصة غير صحيحة وضعيفة السند، ولكن لا شك أن عدم وجودها هو أقوى لوجود هذه السكينة؛ لأن عدم وجود هذه الأشياء يكون أدعى أنهم دخلوا يستخفون، ولكن مع ذلك صدقهم الله ، وبعض الناس تصطدم عواطفهم إذا علموا بذلك، لكن نقول: ليس بأمانيكم ولا أماني الوضاعين، وإنما الحكم هنا لأهل الحديث وعلماء الحديث.
يقول: كما قال ﵎: ((إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)) قال بعض السلف: هذه الآية فيها عتاب لكل الأمة إلا أبي بكر ﵁: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٤٠] قال: (يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما): ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة:٤٠] إلى آخر الآية.
وكذلك السكينة التي نزلت عليه في مواقفه العظيمة، وأعداء الله قد أحاطوا به كيوم بدر ويوم حنين ويوم الخندق وغيره، فهذه السكينة أمر فوق عقول البشر، وهي من أعظم معجزاته ﷺ عند أرباب البصائر، فإن الكذاب ولاسيما الذي يكذب على الله أقلق ما يكون وأخوف ما يكون وأشده اضطراباً في مثل هذه المواقف، فلو لم يكن للرسل صلوات الله وسلامه عليهم من الآيات إلا هذه وحدها لكفتهم.
فالرسل لهم أعلى مراتب السكينة وأخصها على الإطلاق، وهي مرتبة سكينة الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، أما الخاصة التي هي دونها فهي تكون لأتباع الرسل بحسب متابعتهم، وهي سفينة الإيمان، فهي
стр. 2054
معنى قوله تعالى: (ولله جنود السماوات والأرض)
قوله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الفتح:٤] يقول شيخ المفسرين ﵀: يقول تعالى ذكره: ((وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) أنصار ينتقم بهم ممن يشاء من أعدائه.
وجنود السماوات والأرض موضوع مستقل لوحده، ولا نريد أن نخرج مع كل كلمة عن سياق التفسير، ولكن جنود الله كثيرة في السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] وهي لا تعد ولا تحصى، ولا ينبغي أن نحصر جنود الله فقط في الملائكة، فالملائكة أحد جنود الله ، فبجانب الملائكة المؤمنون من البشر كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٣] فجنود الله تتنوع مثل الرياح الأمطار الأمواج كل هذه الأشياء هي جنود من جند الله ، تستجيب لأمره، وينزل الله بها بأسه على من يشاء، أو ينصر ويؤيد بها من يشاء، ويرزق بها من يشاء، كلها جنود مسخرة لأمر الله.
ومن أعاجيب جنود الله ما نسمع عنه في هذا الزمان من الأمراض التي تنشأ بسبب الفيروسات، وهي أدق بكثير جداً جداً من البكتيريا التي يمكن أن ترى بالميكروسكوب، لكن الفيروس لا يرى إلا بالميكروسكوبات الألكترونية، التي تكبره ملايين المرات حتى يمكن رؤيته! وهذا عالم بحد ذاته مستقل، وله أخباره العجيبة، فهذه إشارة عابرة نستدل بها على أن جنود الله كثيرون جداً، يعملون بأمر الله وينفذونه.
يقول: ((وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا))، أي: أن الله تعالى لم يزل عالماً بما هو كائن قبل كونه، وما خلقه عاملوه، حكيماً في تدبيره.
وقال ابن عباس: ((وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) يريد الملائكة والجن والشياطين والإنس.
وقال الشوكاني: يعني: الملائكة والإنس والجن والشياطين، يدبر أمرهم كيف يشاء، ويسلط بعضهم على بعض، ويحوك بعضهم ببعض، ((وكان الله عليماً)) كثير العلم ((حكيماً)) في أفعله وأقواله.
وقال القاسمي: أي: أنصار ينتقم بهم ممن يشاء من أعدائه.
وقال ابن كثير: ثم ذكر تعالى أنه لو شاء لانتصر من الكافرين، يعني: هذه إشارة إلى نفس الحكمة التي سبق الكلام عنها في سورة القتال في قوله ﵎ ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:٤] يعني: لابد أن نستخضر هذا الأمر: ((وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ)) يعني: هذا الذي يعادي الله ورسوله، ويحارب دين الله من كفار والمنافقين وغيرهم، وهذا الذي يشكوه المؤمنون من الضعف والاستضعاف والإذلال وغير ذلك من هذا العناء، ينبغي أن نستحضر دائماً أن الله قادر على إزالته، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فالله قادر على أنه بكلمة مكونة من حرفين (كن) يصبح جميع من على الأرض على أتقى قلب رجل واحد منهم، وهو قلب محمد ﵌، أليس الله بقادر على ذلك؟ بلى، لو أن الله قال لجميع البشر: كونوا مثل محمد ﵇ لكانوا، أو لو قال لجميع البشر: كونوا مثل إبليس لعنه الله على أفجر قلب رجل واحد منهم؛ لحصل ذلك، ولا يضر الله شيئاً، لكن هذا ينافي حكمة الخلق والابتلاء، فالناس الذين يقهرون المسلمين ويحاربون دين الله لو نزل ملك واحد ينفخ فيهم على شكل صيحة -كما صاح جبريل على قوم لوط- لأبادهم جميعاً من صيحة واحدة، فالله تعالى قادر على ذلك، لكن الله يمهل ولا يهمل؛ لأن هناك أجلاً قد كتبه الله، ولأن الإيمان هنا في هذه الحالة سيكون إيماناً اضطرارياً بالإكراه، ولا إكراه في الدين، فالعبرة بالخضوع والانقياد الناتج عن تفكر وتدبر وإيمان كسبي، أما الاضطرار للإيمان فهذا معناه أنك تتبع ديناً مكرهاً كيوم القيامة؛ بدليل أن جميع الناس يوم القيامة يؤمنون، وجميعهم يكونون على يقين، لكنه يقين غير مكتسب، بسبب أنهم بعثوا ورأوا آيات الله ، قال الله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢] لكنه يقين لا ينفع؛ لأن العبرة باليقين في الدنيا حتى يكون هناك إيمان بالغيب: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، أما أن يصير الغيب عياناً، فنرى الملائكة تنزل على الذين يحاربون الدين، فتقصم ظهورهم، أو تمزقهم إرباً، وكل هذا الله قادر عليه، لكنه ينافي حكمة خلق الدنيا للابتلاء؛ لأنه هذا لو حصل فسينتهي التكليف؛ لأن الناس إذا رأوا هذه الخوارق عياناً فكلهم سوف يؤمنون، وتنتهي الحكمة من خلق الدنيا، فإذاً لابد أن نستحضر هذا قال تعالى: ((ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ)) [محمد:٤] حتى يستمر الابتلاء والامتحان، كذلك أشار تعالى هنا بعدما قال: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾، وبعد قوله: ((هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) يعني: أن الله لو شاء لانتصر من الكافرين؛ لأن لله جنود السماوات والأرض، ولو أرسل عليهم ملكاً واحداً لأباد خضراءهم، ولكنه شرع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال؛ لما في ذلك من الحكمة البالغة، والبراهين الدامغة، ولهذا قال: ((وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)) مع أن له جنود السماوات والأرض، وهو قادر على إهلاك جميع الكافرين في لحظة واحدة، لكنه مع ذلك عليم حكيم لحكمة يعلمها، وهي استمرار الابتلاء في هذه الدار التي هي دار البلاء في الدنيا.
стр. 2055
تفسير قوله تعالى: (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار)
قال ﵎: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٥].
يقول شيخ المفسرين وإمامهم رحمه الله تعالى: يقول تعالى ذكره: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) لتذكر ربك وتحمده على ذلك؛ فيغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وليحمد المؤمنون ربهم، فيذكروه على إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم من الفتح الذي فتحه وقضاه بينهم وبين أعدائهم من المشركين لإظهاره عليهم، فيدخلهم بذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ماكثين فيها إلى غير نهاية، ويكفر عنهم سيئ أعمالهم بالحسنات التي يعملونها؛ شكراً منهم لربهم على ما قضى وأنعم عليهم به.
قوله: ((وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا)) يقول تعالى ذكره: وكان ما وعدهم الله به من هذه العدة -وذلك إدخالهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وتكفيره سيئاتهم بحسنات أعمالهم التي يعملونها عند الله لهم- ((فوزاً عظيماً)) أي: ظفراً منهم بما كانوا يأملوه ويسعون له، ونجاة مما كانوا يحذرونه من عذاب الله.
وهذه الآية نزلت لما تلا عليهم النبي ﵊ قول الله : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١ - ٢] قالوا: هذا لك يا رسول الله فماذا لنا؟ تبييناً من الله لهم ما هو فاعل بهم، فنزل قوله تعالى: ((لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا)) [الفتح:٥].
قوله: ((وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ)) أي: يسترها ولا يظهرها، ولا يعذبهم بها، وقدم الإدخال على التكفير؛ لأن الآية: ((لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ)) ثم قال بعد ذلك: ((وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ))، والأصل أنه يكفر السيئات أولاً ثم بعد ذلك يدخلهم الجنات، لكن هنا ذكر أولاً إدخال الجنات، ثم ذكر بعدها التفكير عن السيئات، فقال: ((وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ)) أي: يسترها ولا يظهرها، ولا يعذبهم بها، وقدم الإدخال على التكفير مع أن الأمر بالعكس، للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى والمقصد الأسمى، فبدأ بذكر الأهم وهو دخول الجنة؛ لأن هذه هي الغاية العظمى.
((وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا)) أي: كان ذلك الوعد بإدخالهم الجنة وتكفير سيئاتهم عند الله وفي حكمه فوزاً عظيماً أي: ظفراً بكل مطلوب، ونجاة من كل غم، وجلباً لكل نفع، ودفعاً لكل ضر.
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: أظهر الأقوال وأصحها في الآية أن اللام في قوله: ((لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ)) متعلقة بقوله: ((هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ)) لماذا؟ ((لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ)) وكذا وكذا ثم قال: ((لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)).
وقال الألوسي في تفسير هذه الآية: ((وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ)) يعني: يغطيها ولا يظهرها، والمراد: يمحوها سبحانه ولا يؤاخذهم بها.
يقول: ويجوز عندي أن يكون التكفير في الجنة، على أن المعنى يدخلهم الجنة، ويغطي سيئاتهم ويسترها عنهم، فلا تمر لهم ببال، ولا يذكرونها أصلاً؛ لئلا يخجلوا فيتكدر صفو عيشهم؛ لأن ذكرها في حال الصفاء جفا، فيسترها عنهم، فلا تمر لهم ببال، ولا يذكرونها أصلاً، فينسيهم سيئاتهم ولا يذكرونها أصلاً؛ لئلا يخجلوا فيتكدر صفو عيشهم في الجنة.
стр. 2056
تفسير قوله تعالى: (ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات)
قال ﵎: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح:٦].
يقول الألوسي: تقديم المنافقين على المشركين؛ لأنهم أكثر ضرراً على المسلمين، فكان في تقديم تعذيبهم تعجيل المسرة؛ لأن المراد إدخال السرور على المؤمنين بما يبشرهم الله به من إدخال الجنات، وتكفير السيئات، والفوز العظيم، ثم يقول: ((وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ)) يعني: تعجيلاً للخبر بالمسرة، وتبشير المؤمنين بأن المنافقين أشد ضرراً وحرباً على الإسلام من المشركين؛ ولذلك فهم في الدرك الأسفل من النار.
يقول شيخ المفسرين: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ((إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ))، وليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار، ويعذب المنافقين والمنافقات لفتح الله لك يا محمد ما فتح لك، من نصرك على مشركي قريش؛ فيكبتوا بذلك؛ ويحزنوا ويخيب رجاؤهم الذي كانوا يرجونه من رؤيتهم في أهل الإيمان بك من الضعف والوهن، والتولي عنك في عاجل الدنيا.
قوله: ((وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ)) يعني: وليعذب كذلك أيضاً المشركين والمشركات.
وقال القرطبي: قوله تعالى: ((وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ)) أي: بإيصال الهموم إليهم بسبب علو كلمة المسلمين، وبأن يسلط النبي ﷺ عليهم قتلاً وأسراً واسترقاقاً.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: ثم لما فرغ مما وعد به صالحي عباده ذكر ما يستحقه غيرهم، فقال: ((وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ)) وهو معطوف على (يدخل) أي: يعذبهم في الدنيا لما يصل إليهم من الهموم والغموم.
وهذا شيء طبيعي جداً أن نتوقعه من أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، أنهم يسوءهم عزة الإسلام، ونصرة المسلمين، فإن الله قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]، وقال: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] إذاً: قوله: ((وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ)) يعذبهم في الدنيا بأن يدخل عليهم الهموم والغموم؛ بسبب ما يشاهدونه من ظهور كلمة الإسلام، وقهر المخالفين له، وبما يصابون من القهر والقتل والأسر، وفي الآخرة بعذاب جهنم، ولذلك قال: ((وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ)).
وفي تقديم المنافقين على المشركين دلالة على أنهم أشد منهم عذاباً، وأحق منهم بما وعدهم الله به: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح:٦].
стр. 2057
معنى ظن السوء في الآية
قوله تعالى: ((الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ)) هذه الصفة للفريقين: للمنافقين والمنافقات، وللمشركين والمشركات، فمن صفات أهل النفاق وأهل الشرك أنهم يظنون بالله ظن السوء، وإذا كانت هذه الصفة من خصائص المنافقين والمشركين فالواجب على أهل الإيمان أن يتنزهوا عن هذا الخلق وعن هذا الوصف.
يقول شيخ المفسرين ﵀: ((الظانين بالله)) أن لن ينصرك وأهل الإيمان بك على أعدائك، ولن يظهر كلمته فيجعلها العليا على كلمة الكافرين بك؛ وذلك كان السوء من ظنونهم التي ذكرها الله في هذا الموضع.
فظن السوء: أن الإسلام يظل دائماً في اندحار، ولن ترتفع كلمة الله على كلمة الكفر، يقول الله ﵎ أيضاً في نفس هذا المعنى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥] في سورة الحج (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ) الضمير هنا يعود إلى الرسول ﷺ ، مع أنه لم يسبق له ذكر في السياق، لكن هذا مفهوم، من كان يظن بالله أنه لن ينصر عبده ونبيه محمداً ﷺ ماذا يعمل؟ يموت نفسه؛ لأنه لن يضر إلا نفسه، فالله معز دينه، وناصر نبيه ﷺ ، فالذي يظن فعلاً هذا الظن السيئ بالله ليس له إلا أن يكيد نفسه، فإن هذا الظن لن يضر الله ورسوله شيئاً، فإن كلمة الله غالبة، فمعنى الآية: من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء، يدله على طريقة من طرق الانتحار، يربط حبلاً في سقف البيت أو الحجرة، ويقف على شيء مرتفع، ويربط الحبل على رقبته، ومن ثم يزيحه برجليه ويخنق نفسه، هذا هو معنى الآية، ((ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ)) هل هذا الكيد يذهب عنه الذي يغيظه من نصرة الله لنبيه ﵇؟! لن يكيد إلا نفسه، فهذا معنى الآية.
وقال ابن كثير في قوله تعالى: ((الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ)) أي: يتهمون الله في حكمه، ويظنون بالرسول ﷺ وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية، ولهذا قال: ((عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)) قوله: ((وَلَعَنَهُمْ)) يعني: أبعدهم من رحمته.
وقال القاسمي: ((الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ)) أي: ظن الأمر السوء، وهو أن لن ينصر الله تعالى رسوله والمؤمنين.
وقال القرطبي: يعني: ظنهم أن النبي ﷺ لا يرجع إلى المدينة، ولا أحد من أصحابه حين خرج إلى الحديبية، وأن المشركين يستأصلونهم كما قال: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح:١٢].
وقال الشوكاني: ثم وصف الفريقين أي: المنافقين والمشركين، فقال: ((الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ)) ومما ظنوه ما حكاه الله عنهم بقوله: ((بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا)).
стр. 2058
كلام ابن القيم في بيان أن الظن السيء من أخلاق المنافقين والمشركين
قوله ﵎: ((الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ)) هذا مما يبين لنا أن هذا الظن السيئ بالله من أخلاق المنافقين والمشركين، وقد وضح الإمام ابن القيم ﵀ ﵎ في أثناء كلامه في كتابه الرائع: (زاد المعاد) هذا المعنى حينما كان يذكر الحكم والغايات المحمودة التي كانت في غزوة أحد، فيقول: وأنهم -أي: بعض المنافقين- يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، ولم يهمهم أمر دين الله، ولا نبيه، ولا أصحابه، فهؤلاء أهمتهم أنفسهم لا أمر الدين، ولا أمر النبي ﵇، ولا أمر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كان من شأنهم أنهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأنه يصيبهم القتل، فهذا هو معنى ((يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ))، وقد فسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره، ولا حكمة له فيه، ففسر بإنكار الحكمة والقدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله ويظهره على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون به في سورة الفتح، حيث يقول: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح:٦]، وإنما كان هذا ظن السوء وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل وظنهم غير الحق، ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [آل عمران:١٥٤] يعني: غير ظن الحق ظن الجاهلية؛ لأنهم ظنوا غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وذاته المبرأة من كل عيب وسوء؛ لأن هذا سوء الظن بالله، كأن يظن أحد أن الإسلام يظل دائماً في اندحار، وأن المسلمين سيستأصلون تماماً ويقضى على دينهم ودعوتهم، فهذا سوء ظن بالله ، وفيه نسبة ما لا يليق بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، بخلاف ما يليق بحكمه، وتفرده بالربوبية والإلهية، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه، ولكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم، ولجنده بأنهم هم الغالبون، فمن ظن أنه لا ينصر رسوله، ولا يتم أمره، ولا يؤيده ويؤيد حزبه، ويعليهم ويظفرهم بأعدائه، ويظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد والباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالاً لا يقوم بعده أبداً؛ فقد ظن بالله ظن السوء! تأملوا الكلام هنا على من يظن هذا الظن، ظن أن الإسلام يقضى عليه تماماً إلى الأبد، ولا ترتفع له كلمة؛ هذا من ظن السوء بالله، وهو الظن اللائق بالمنافقين والمشركين وأعداء الدين، أما المؤمنون فلا يمكن أن ينسبوا إلى الله ما لا يليق به، لكن لا يعكر على هذا أن الأيام دول كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، يوم لك ويوم عليك، الصراع بين الحق والباطل من سنن الله في هذه الدنيا، أما أن يظن أن الباطل يتمكن ويقهر الإسلام إلى الأبد، بحيث يضمحل الإسلام، ويقضى على الدعوة تماماً؛ فهذا سوء ظن بالله ، ونسبة ما لا يليق به إليه.
يقول: وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد والباطل على الحق إدالة مستقرة، يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالاً لا يقوم بعده أبداً؛ فقد ظن بالله ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله، وصفاته ونعوته، فإن حمده وعزته وحكمته وإلهيته تأبى ذلك، وتأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة مستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به، فمن ظن به ذلك فما عرفه، ولا عرف أسماءه، ولا عرف صفاته وكماله.
وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره، فما عرفه ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته.
وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدر من ذلك وغيره لحكمة بالغة، وغاية محمودة يستحق الحمد عليها، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن الحكمة لإفضائها إلى ما يحب وإن كانت مكروهة له، فما قدرها سدى، ولا أنشأها عبثاً، ولا خلقها باطلاً ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧].
وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص به، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله، وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته، فمن قنط من رحمته، وأيس من روحه، فقد ظن به ظن السوء.
فهذه بعض من صور الظن السيئ بالله ، والقنوط واليأس من روح الله كما سنبين ذلك تفصيلاً.
يقول: فمن قنط من رحمته، وأيس من روحه، فقد ظن به ظن السوء، ومن جوز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم، ويسوي بينهم وبين أعدائه؛ فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن به أن يترك خلقه سدىً معطلين عن الأمر والنهي، ولا يرسل إليهم رسله، ولا ينزل عليهم كتبه، بل يتركهم هملاً كالأنعام فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن أنه لن يجمع عبده بعد موته للثواب والعقاب، في دار يجازي فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويتبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، ويظهر للعالمين كلهم صدقه وصدق رسله، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين، من لم يعتقد بذلك كله فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصاً لوجهه الكريم على امتثال أمره، ويبطله عليه بلا سبب من العبد، وأنه يعاقبه بما لا صنع له فيه، ولا اختيار له ولا قدرة ولا إرادة في حصوله، بل يعاقبه على فعله هو سبحانه به، أو ظن به أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءه ورسله، ويجريها على أيديهم يضلون بها عباده، وأنه يحصل منه كل شيء حتى تعذيب من أفنى عمره في طاعته، فيخلده في الجحيم أسفل السافلين، وينعم من استنفذ عمره في عداوته وعداوة رسله ودينه، فيرفعه إلى أعلى عليين، وكلا الأمرين عنده في الحكم سواء، ولا يعرف امتناع أحدهما ووقوع الآخر إلا بخبر صادق، وإلا فالعقل لا يقدر قبح أحدهما وحسن الآخر؛ فقد ظن به ظن السوء.
وهذا رد على الأشاعرة وغيرهم في موضوع التحسين والتقبيح العقلي.
قال: ومن ظن به أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وتشبيه وتمثيل، وترك الحق لم يخبر به، وإنما رمز إليه رموزاً بعيدة، وأشار إليه إشارات خفية لم يصرح بها، وصرح دائماً بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه، وتأويله على غير مراده، ويتطلبون له وجوه الاحتمالات المستكرهة، والتأويلات التي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم لا على كتابه، بل أراد منهم ألا يحملوا كلامه على ما يعرفون من خطابهم ولغتهم، مع قدرته على أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به، ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، فلم يفعل، بل سلك بهم خلاف طريق الهدى والبيان؛ فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن أنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبر به هو وسلفه فقد ظن بقدرته العجز.
وإن قال: إنه قادر ولم يبين، وعدل عن البيان والتصريح بالحق إلى ما يوهم ما يوقع في الباطل المحال، والاعتقاد الفاسد؛ فقد ظن بحكمه ورحمته ظن السوء، وظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق بطريقة دون الله ورسوله، وأن الهدى والحق في كلامهم وعباراتهم، وأما كلام الله فإنما يقصد من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال -هذا كله رد على من يلحدون في الأسماء والصفات- وأما كلام الله فإنما يؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال، وظاهر كلام المتهوكين والحيارى هو الهدى والحق، فهذا من أسوأ الظن بالله.
فكل هؤلاء من الظانين بالله ظن السوء، ومن الظانين به غير الحق ظن الجاهلية.
ومن ظن به أن يكون في ملكه ما لا يشاء ولا يقدر على إيجاده وتكوينه؛ فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن به أنه كان معطلاً من الأزل إلى الأبد عن أن يفعل، ولا يوصف حينئذ بالقدرة على الفعل، ثم صار قادراً عليه بعد أن لم يكن قادراً؛ فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن به أنه لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم الموجودات ولا عدد السماوات والأرض ولا النجوم، ولا بني آدم وحركاتهم وأفعالهم، ولا يعلم شيئاً من الموجودات في الأعيان؛ فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن أنه لا سمع له ولا بصر، ولا علم له ولا إرادة، ولا كلام يقوم به، وأنه لم يكلم أحداً من الخلق ولا يتكلم أبداً، ولا قال ولا يقول، ولا له أمر ولا نهي يقوم به، فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن به أنه ليس فوق سماواته على عرشه، بائناً من خلقه، وأن نسبة ذاته تعالى إلى عرشه كنسبتها إلى أسفل السافلين، وإلى الأمكنة التي يرغب عن ذكرها، وأنه أسفل كما أنه أعلى، ومن قال: سبحان ربي الأسفل كمن قال: سبحان ربي الأعلى؛ فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه.
ومن ظن به أنه يحب الكفر والفسوق والعصيان، ويحب الفساد كما يحب الإيمان والبر والطاعة والإصلاح؛ فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن به أنه لا يحب ولا يرضى، ولا يغضب ولا يسخط، ولا يوالي ولا يعادي، ولا يقرب من أحد من خلقه، ولا يقرب منه أحد، وأن ذوات الشياطين في القرب من ذاته كذوات الملائكة والمقربين وأوليائه المصلحين؛ فقد ظن به ظن السوء.
الإمام ابن القيم استعرض كل الفرق المنحرفة في باب العقائد في هذا الفصل الرائع من كتابه المبارك: (زاد المعاد)، ونكتفي بهذا الاقتباس من الكتاب، ونختم بقوله: فليعتن اللبيب الناصح نفسه بهذا الموضع، وليتب إلى الله، ويستغفره في كل وقت من ظنه بربه ظن السوء، وليظن السوء بنفسه التي هي مادة كل سوء، ومنبع كل شر، المركبة على الجهل والظلم، فهي أولى بسوء الظن من أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، وأرحم الراحمين، الغني الحميد الذي له الغنى التام، والحمد التام، والحكمة التامة، المنزه عن كل
стр. 2059
حاجة المؤمن إلى الأمل وانتظار الفرج
نريد أن نلفت النظر إلى حاجتنا الماسة -خاصة في الظروف التي يعيشها المسلمون في هذه الأيام- إلى الأمل، وانتظار الفرج من الله ، وأن يتعلق الإنسان بالرجاء؛ لأن مقتضى الإيمان حسن الظن بالله، وتنزيه الله عن سوء الظن به ، كما يقول الشاعر: أعلل النفس بالآمال أرشدها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل وبدلاً من أن نقول: قال الشاعر، نقول: قال رسول الله ﷺ : (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا) فنحن أمرنا بالتبشير، وأن نوقظ في قلوب الناس الأمل وحسن الظن بالله ، وانتظار الخير والتفاؤل بالمستقبل.
وفي الحديث الذي رواه الترمذي -وهو حديث حسن- يقول ﵊: (أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا) (أنا أول الناس خروجاً) يعني: من القبور (إذا بعثوا).
(وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مذكرهم إذا أيسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر) ﵌.
وهذه من خصائص رسولنا ﵇: (وأنا مبشرهم إذا أيسوا)، فهو فعلاً مبشر الأمة إذا أيسوا، سواء في الدنيا أو في الآخرة، ولذلك قال ﵊: (بشروا ولا تنفروا)، فكان من سنة النبي ﵌ دائماً بعث الأمل في النفوس؛ لأن هذا أقوى سلاح تهزم به عدوك حتى لو كنت في أقصى درجات الاستضعاف، ولن نذهب بعيداً، لكننا سنأتي بالدليل من سيرة النبي ﷺ لنهتدي بهدي من هديه في هذه المحنة.
يقول خباب بن الأَرَت رضي الله تعالى عنه: (أتينا رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقال ﵊: لقد كان من قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض، ثم يوضع فيها، ثم يوضع المنشار على رأسه فيشق نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، لا يصده ذلك عن دينه، والذي نفسي بيده! ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) وفي حديث آخر لـ خباب قال: (شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء فلم يفتنا) وهذا الحديث له تفسيران: التفسير الأول: (شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء) يعني: صلاة الظهر في الحر الشديد (فلم يفتنا) يعني: لم يجز شكوانا، ولم يأذن لنا في أن نؤخر صلاة الظهر إلى أن تبرد الأرض ويتكون الظل، وهذا كان أولاً، ثم نسخ بعد ذلك بجواز الإبراد في صلاة الظهر وتأخيرها إلى أن يكون ظل، فهذا الحديث منسوخ على هذا التفسير.
التفسير الثاني: (شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء) يعني: تعذيب المشركين إيانا بحر الرمضاء، (فلم يشكنا) يعني: لم يجز شكوانا، ولم يدع لنا، وإنما فعل كما بينته الرواية الأخرى: عزاهم وواساهم بأن هذه سنة الله في الذين خلوا من قبل، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، فهذه سنة الله في الابتلاء، ولابد أنها ماضية، قبل أن يمكن الله هذا الدين لابد أن يدفع لهذا التمكين هذا الثمن، ولذلك قال: (لقد كان من قبلكم) لأنهم يقولون: (ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا؟) لا نجد في الحديث دعاء ولا استنصاراً، وإنما هو تعزية وتسلية بسنة الله التي لا تتبدل من ابتلاء المؤمنين، (لقد كان من قبلكم يؤتى بالرجل) إلى آخر الحديث، ثم قال مذكراً إياهم في أحلك اللحظات -وهذا هو الشاهد من كلامنا: أن المؤمن حتى في أشد اللحظات لا يسيء الظن بالله، بل لابد أن يؤمل رحمة الله : (والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر) وهذا قاله وهم في أشد حالات الاستضعاف، (حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله) وهذا هو الخوف الواجب من الله ، (والذئب على غنمه) وهذا هو الخوف الفطري فقط، لكن لن يخاف من أي شيء سوف يلاقيه، وهذا بشارة تمكين المسلمين، وقد حصل هذا، بل أضعاف هذا كما هو معلوم.
إذاً: في لحظات الشدة والمعاناة ينبغي أن يتسلح المسلمون والمؤمنون بالأمل في الله ، فالمستقبل للإسلام، وليس هذا كذباً على الناس، وإنما هو تذكير لهم لما بشرهم به الصادق المصدوق الذي وصف نفسه بقوله: (وأنا مذكرهم إذا أيسوا) يعني: هو الذي يزيل ظلمة اليأس والقنوط بالبشارة والإخبار بأن المستقبل لهذا الدين.
فالأمل والتفاؤل وانتظار الفرج من الله من خصائص المؤمنين، بخلاف الكافرين كما ذكرنا، وقد روى الترمذي بسند فيه موسى بن محمد وهو منكر الحديث، لكن إذا صح الحديث فإنه يفيدنا الاستشهاد به في هذا الموضع، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: (إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في أجله، فإن ذلك لا يرد شيئاً، ويطيب نفسه) (إذا دخلتم على المريض) يعني: لعيادته (فنفسوا له في أجله) يعني: أذهبوا حزنه فيما يتعلق بأجله، يعني: قد يكون المريض مشرفاً مشفقاً أن يموت، ففي هذه الحال الرسول ﵊ يذكر أن من آداب عيادة المريض -إذا صح الحديث- تشجيع العليل بلطيف المقال، وحسن الحال، فأنت قل له: لا بأس طهور إن شاء الله، أو تدعو له بطول العمر أو البركة في العمر، وأن الله سيشفيه ويعافيه، أو تقول له: لا تخف سوف يشفيك الله إلى آخره، فتنفس له في أجله يعني: أنك تمنيه وتعطيه الأمل أنه سوف يحيا ويعيش، ولا يجزع من الموت، إلا إذا كان المرض فعلاً خطيراً، وهو على وشك الموت بالفعل، فمن الغش والخيانة أن تخبئ عنه أنه على وشك الموت، كما يذهب بعض الناس إلى إخفاء حقيقة المرض عن المريض، وإخباره به فيه مصلحة له في أن يعرف أنه مقبل على الموت، فلو أن عنده أمانات للناس يردها أو وصية يوصي بها ويستعد بالتوبة وغير ذلك من الخيرات الكثيرة، والشاهد إذا صح الحديث: (ونفسوا له في أجله) إما بهذا المعنى تعطيه أملاً في أنه سوف يشفى ويعافى، أو نفسوا له يعني: وسعوا له في أجله، فيتنفس عنه الكرب؛ لأن التنفيس هو التفريج.
فالمقصود: أننا نذكر له كلاماً نبعث له فيه الأمل في طول عمره.
يقول: (فنفسوا له في أجله، فإن ذلك لا يرد شيئاً) (فإن ذلك) يعني: ذلك التنفيس كلمة طيبة، ولن ترد شيئاً من قدر الله، إن قدر الله أنه يموت فسوف يموت، سواء بهذا المرض أو بغيره، فهذا التنفيس لن يضر شيئاً من الموت المقدر، ولن يطول عمره، ولكنه يطيب نفسه، ويفرج عنه، وينعشه، ويبعث فيه الأمل، (فإن ذلك لا يرد شيئاً ويطيب نفسه).
فلذلك نجد الأطباء يلجئون لشيء من هذا مع المرضى، لكن أحياناً بطريقة فيها كذب، فبعض الأمراض المستعصية جداً ممكن الدكتور يقول للمريض: هذا دواء يجرب في هذا الوقت فيعالج هذه الحالة، ويكون الدكاترة ما اكتشفوا الدواء بالفعل؛ لأن كل داء له دواء، وهذا من أعظم آداب الإسلام، ومهما حاول الطب لم يستطع أن يصل إلى هذه القمة التي عبر عنها الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى: (ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء) فما نقول أبداً كما يقول الأطباء الغربيون مثلاً: السرطان ليس له دواء، السكر ليس له دواء يستأصله، لكن نقول: له دواء لكننا لم نكتشفه ولا نعرفه، فيوجد له دواء؛ لأن الصادق المصدوق أخبر أن الله الذي ينزل الداء ينزل معه الدواء: (علمه من علمه، وجهله من جهله، إلا داء واحداً هو الهرم) أي: الشيخوخة والموت.
والرسول ﵊ كان يراعي هذا الأدب، وتأملوا الحديث الآخر حينما كان ﵊ يعود مريضاً ماذا كان يقول: (اللهم أذهب الباس، رب الناس) تأملوا كم مرة تكررت مادة (شفا) ومشتقاتها في هذا الدعاء، فهذا فيه بعث التفاؤل في طول الأجل، وأنه سوف يشفى، فالأمل مهم جداً أن يتسلح به الإنسان، والدعاء هو: (أذهب الباس، رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً) يعني: الشفاء من المرض الذي لا يكون بعده نكسة؛ لأن كثيراً من الأمراض حتى لو شفي الإنسان بعدما يتعاطى الدواء فممكن من بعد أن الإنسان تحصل له نكسة ويرجع المرض من جديد، لكن انظر إلى حرص الرسول ﵊ على أن يدعو له بالشفاء، (لا يغادر سقماً) بحيث لا يعود له المرض أبداً، ولا يحصل له نكسة وانتكاس، فنحن نريد أن نقتبس من هذه الآداب النبوية أن الأمة أيضاً إذا مرضت ننفس لها في الأجل، لا أقول: نكذب كما يكذب بعض الأطباء يريد أن يحسن الحالة النفسية للمريض؛ لأن لها تأثيراً كبيراً على الحالة العضوية، فلا نريد أن نسلك هذا المسلك، لكننا سوف نأتي بكلام من لا ينطق عن الهوى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، فقد بشرنا النبي ﷺ بأن النصر والتمكين والمستقبل لهذا الدين، فينبغي أن نلتزم قول النبي ﵇ ففي الحديث: (خير الهدي هدي محمد) ﷺ ، فمن هديه وصفاته ما ذكره في هذا الحديث: (وأنا مبشرهم إذا أيسوا) فعلينا أن نبشر الناس إذا أيسوا وإذا ادلهمت الخطوب.
وهذا من باب الأمل، وقد فتح الله باب الأمل لأكفر الخلق إجراماً وهم المنافقون، دعاهم الله سبحانه إلى التوبة، ودعا أهل الكتاب من النصارى الذين سبوه وشتموه إلى التوبة فقال: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة:٧٤]، ودعا الكافرين وفتح لهم باب الأمل في الجنة فقال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، ودعا العصاة المسرفين على أنفسهم بالمعاصي فقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَ
стр. 2060
تفسير سورة الفتح [٨]
стр. 2061
تفسير قوله تعالى: (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً)
قال الله تبارك تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح:٨].
قوله: ((إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا)) الشهادة: قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر، ومن غايات بعثة النبي ﷺ أن يكون شاهداً، وقد جاءت آيات كثيرة تبين بعض ما يتعلق بمنصب الشهادة سواء كان في الدنيا أم في الآخرة، منها: قول الله ﵎: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] فهذه الآية الكريمة من سورة النساء تبين أن كل أمة يأتي شاهد ليشهد عليها، ألا وهو رسولها، روى البخاري عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: (قال لي رسول الله ﷺ : اقرأ علي؟ -يعني: قرآناً- قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: إني أحب أن أسمعه من غيري.
يقول: فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قال: حسبك، فإذا عيناه تذرفان ﷺ ، وهذا الحديث أخرجه أيضاً مسلم وليس فيه قوله: (حسبك)، وفيه أنه قال: (فرفعت رأسي أو غمزني رجل إلى جانبي فرفعت رأسي، فرأيت دموعه ﷺ تسيل) وبكاء النبي ﷺ إنما كان لتعظيم ما تضمنته هذه الآية الكريمة من هول المطلع وشدة الأمر، إذ يؤتى بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب، ويؤتى بالنبي ﷺ يوم القيامة شهيداً: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ فهذا تعظيم لهذا الموقف العظيم المهول، مع أن النبي ﵊ سوف يكون في منصب الشاهد، فإذا كان الشاهد يشفق من هول هذا المطلع، وفظاعة وعظم هذا الموقف، فكيف بالمشهود عليه؟ وإذا كان الشاهد نفسه يبكي تعظيماً لهذا الموقف فلا شك أن غيره أولى أن يتفتت كبده.
وقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ﴾ يعني: كفار قريش وغيرهم من الكفار، وإنما خصهم بالذكر؛ لأن العذاب أشد عليهم من غيرهم؛ لأن هؤلاء رأوا المعجزات، ومع ذلك عاندوا، والمعنى: فكيف يكون حال هؤلاء الكفار يوم القيامة (إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا)؟! أمعذبون أم منعمون؟ وهذا الاستفهام للتوبيخ، وقيل: الإشارة إلى جميع أمته: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ) يعني: على جميع أمة النبي ﵌، سواء أمة الدعوة أو أمة الإجابة.
(شَهِيدًا) قال الألوسي: يعني: شهيداً تشهد على صدقهم؛ لعلمك بما أرسلوه، واستجماع شرعك مجامع ما فرعوا وأصلوا: ((وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا))؛ لأن بعض الأدلة تدل أيضاً على أن النبي ﵊ سوف يكون شاهداً على الأنبياء أنهم بلغوا أممهم حين تنكر الأمم الكافرة ذلك، فيشهد النبي ﷺ بأن قومهم قد أبلغوهم.
ومن الآيات التي لها تعلق بالشهداء قوله ﵎: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [الزمر:٧١ - ٧٠] واختلف العلماء في المراد بهؤلاء الشهداء: ((وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ)) فقال بعض العلماء: هم الحفظة من الملائكة الذين كانوا يحصون أعمال الناس في الدنيا، واستدل من قال هذا بقول الله ﵎: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:٢١] أي: شهيد من الملائكة، والجمع شهداء، فقوله: ((وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ)) يعني: الملائكة الذين كانوا يحصون أعمالهم.
وقال بعض العلماء: الشهداء أمة محمد ﷺ ، يشهدون على الأمم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].
وقيل الشهداء: الذين قتلوا في سبيل الله .
والأقرب -والله تعالى أعلم- أن الشهداء: هم الرسل من البشر ((وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ)) يعني: بالنبيين والمرسلين الذين أرسلوا إلى الأمم؛ فالمعلوم أنه لا يقضى بين الأمة حتى يأتي رسولها، كما قال ﵎ في سورة يونس: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس:٤٧]، فلا يقضى بين الأمة حتى يجاء برسولها، وكما قال تعالى أيضاً: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦].
فأيضاً يشير إلى نفس هذا المعنى قول الله : ((فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ))، وهو رسولها الذي أرسل إليها، فإذاً: شهيد كل أمة هو رسولها.
وقوله: ((فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ)) هذا يبين أن الشهيد يكون من نفس هذه الأمة، وهو ليس من الملائكة، فهذا القول يترجح على قول من قال: إن الشهداء في قوله: ((وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ)) هم الملائكة، بدليل قوله: ((وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ))، والآية الأخرى بينت أنه لا يكون قضاء حتى يجاء بالنبي شاهداً على أمته.
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [النحل:٨٩] ولا شك أن الرسل من أنفس أممهم، كما قال في نبينا ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة:١٢٨] ﷺ ، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٤].
стр. 2062
أمة النبي ﷺ شاهدة على كل الأمم
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الأحزاب:٤٥]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: خياراً عدولاً، وسطاً: خياراً عدولاً، ويدل بأن الوسط الخيار العدول قوله ﵎: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وذلك معروف في كلام العرب، ومنه قول زهير: وهم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم أي: خيار عدول.
وقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ لم يبين هل هذه الشهادة تكون عليهم في الدنيا أم في الآخرة؟! لكنه بين في موضع آخر أن هذه شهادة على الأمة تكون في الآخرة في قوله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤١ - ٤٢].
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا): وكما أن الكعبة وسط الأرض، كذلك جعلناكم أمة وسطاً، والقرطبي رحمه الله تعالى أطلق هذه الكلمة أن الكعبة وسط الأرض، وربما لم يخطر بباله ما تنتهي إليه البحوث العلمية مؤخراً من أن مكة بالفعل هي مركز اليابسة وهي أم القرى فعلاً، فمركز اليابسة على سطح الأرض هو مكة المكرمة، فكما أن الكعبة وسط الأرض، كذلك جعلناكم أمة وسطاً أي: جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم، وسطاً في الرتبة ففوقكم الأنبياء، وتحتكم الأمم الأخرى، والوسط: العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها.
روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : (في قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)) [البقرة:١٤٣] قال: عدلاً) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقال ﵎: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم:٢٨] أي: أعدلهم وخيرهم.
وقال زهير: وهم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم وقال آخر: أنتم أوسط حي علموا بصغير الأمر أو إحدى الكبر وقال آخر: لا تذهبن بالأمور فرطاً لا تسألن إن سألت شططا وكن من الناس جميعاً وسطاً ووسط الوادي خير موضع فيه، وأكثره كلأً وماء، ولما كان الوسط مجانباً للغلو والتقصير كان محموداً أي: هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم، فالنصارى غلو في حق المسيح ﵇، حتى عبدوه من دون الله، واليهود جفوا في حق الأنبياء وقصروا حتى شتموا الأنبياء وسبوهم ونسبوا إليهم أقبح الكبائر، وأخس الخصال، كما في كتبهم التي افتروا فيها الكذب على الله ، وجاء في بعض الآثار: (خير الأمور أوسطها).
(لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) يعني: في المحشر تكونون شهداء للأنبياء على أممهم، كما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يدعى نوح ﵇ يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك، فيقال له: هل بلغت؟! فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير)؛ لأن الكفار يوم القيامة يحاولون أي حيلة لعل وعسى أو ليت بتعبير أدق، فيلجئون إلى الكذب حتى إنهم يلجئون إلى اليمين المغلظة، قال تعالى حاكياً عنهم: ((وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)) يقولون: الملائكة ظلمتنا، الملائكة تفتري علينا وتدعي علينا أننا كنا نشرك بالله، ويظنون أن هذا اليمين تنفعهم وقد عاينوا يوم القيامة، فلذلك يتذرعون بأي حيلة كالحلف باليمين الغموس الكاذبة: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]، كذلك الأمم حينما يسأل الله نوحاً: (هل بلغت؟ -يعني: قومك- فيقول: نعم، فيقال لأمة نوح: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير؟ فيقول: من يشهد لك؟) يخاطب الله نوحاً ﵇ يقول: (من يشهد لك؟ فيقول نوح ﵇: محمد ﷺ وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليهم شهيداً) فذلك قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] وعند ابن المبارك نفس هذا الحديث بزيادة: (فتقول تلك الأمم كيف يشهد علينا من لم يدركنا؟!) يعني: كيف يقبل الله شهادة محمد ﷺ وأمته وهم لم يعاينوا نوحاً حينما بعث إلى قومه؟! (فيقول لهم الرب : كيف تشهدون على من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولاً، وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، وقصصت علينا أنهم قد بلغوا، فشهدنا بما عهدت إلينا) أي: لأن القرآن الذي أنزلته إلينا، وهو كلامك الصدق والحق؛ هو الذي أخبرنا أن نوحاً أبلغ أمته الرسالة: (فيقول الرب : صدقوا).
стр. 2063
أمة محمد ﷺ وسط بين الإفراط والتفريط
قوله : ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)) الوسط: العدول، ((لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)) هكذا أثنى الله على هذه الأمة بالخيرية والوسطية وبالعدالة، فمن مفاخر الإسلام ومحاسنه هذا التوسط في كل باب من الأبواب، فهناك طرفان: طرف قابل للغلو، وطرف آخر قابل للتقصير والجفاء والتفريط، فهذه الأمة في كل الأمور هي أوسط الأمم وخيارها وأعدلها؛ فلذلك يقول شاعر: كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها الأحداث حتى أصبحت طرفا دائماً في أي شيء يوجد وسط وطرفان، طرف لأقصى اليمين، وطرف لأقصى الشمال فمن حاد عن هذه الوسطية التي هي شريعة الإسلام وأحكام الإسلام إلى أقصى اليمين أو أقصى اليسار فهذا هو الذي أخذ بأطراف الأمور، فهذا هو الذي يطلق عليه المتطرف، فالمتطرف هو الذي يأخذ بأطراف الأمور إما بالغلو وإما بالجفاء، إما بالإفراط وإما بالتفريط، فهذا هو المتطرف، فكل من انحرف عن هدي الإسلام فهو متطرف، وكل من تمسك بهدي النبي ﷺ -الذي هديه خير الهدي- فهو الوسط والعدل، وهو الخيِّر بشهادة القرآن الكريم وبشهادة سنة النبي ﵌.
فمن اللعب بالألفاظ إطلاق كلمة المتطرف أو المتزمت أو غير ذلك من الألقاب التي يطلقونها بألسنتهم وأقلامهم على أهل الحق والإسلام، وأهل السنة والجماعة، وهذا تجن على الحقائق؛ لأن الخلاف بيننا وبينهم في تحديد الوسط، فممكن يأتي شخص ويعتبر أحد الطرفين هو الوسط، فإذا اعتبر ما هو عليه وسطاً فبلا شك بالنسبة إليه سيكون هو الوسط أو العدل، فالمتطرف: هو الذي يأخذ بأطراف الأمور، فكل من حاد عن هدي النبي ﷺ فهو المتطرف بشهادة القرآن؛ لأن القرآن يصف الأمة بهذه الصفة، فنحن الذين في الوسط، وكل من يخالفنا فهو المتطرف سواء كان على مستوى الأديان أو على مستوى الفرق داخل دائرة الإسلام، سواء أهل الشهوات أو أهل الشبهات، فبالنسبة لمن عدا أهل الإسلام فكل من ليس مسلماً فهو متطرف، وهم الآن يحاولون غسل أدمغة بعض الناس، يقولون: قام مجموعة من اليهود المتطرفين بفعل كذا وكذا، أو يقول لك: الأحزاب الدينية المتطرفة عند عصابة اليهود، لا، هذا تلفيق وجهل فاحش؛ لأنه لا يوجد شيء اسمه وسط والثاني متطرف، كل يهودي متطرف، وكل نصراني متطرف، وكل وثني بوذي مثلاً أو مجوسي متطرف، وهكذا كل من ليس مسلماً فهو خارج عن دائرة الاعتدال أصلاً، فهذا أحق الناس بوصف التطرف، فكل من يخرج من ملة ودائرة الإسلام فهو متطرف، وداخل دائرة الإسلام كل فرقة متطرفة ما عدا أهل السنة والجماعة، الذين هم على ما كان عليه النبي محمد ﷺ .
جميع الفرق إما في غلو وإما في جفاء، أخذوا بالأطراف، فالخوارج -مثلاً- على أحد الطرفين من الغلو والجور والإفراط، فيكفرون أهل المعاصي، ويعتقدون بخلودهم في النار، وعلى الجهة المقابلة المرجئة، يقولون: الإيمان هو المعرفة ولا يزيد ولا ينقص ولا نفاق ولا يضر مع الإيمان شيء.
كذلك في مسألة القدر القدرية والجبرية على طرفي نقيض، وهكذا في عامة مسائل الدين مثل مسألة الموقف من الصحابة، نجد المبطلة الذين يعبدون الصحابة، ونجد الطرف الآخر الشيعة الذين يسبونهم وهكذا، فكل باب من الأبواب هو قابل للغلو والجفاء، أو الإفراط والتفريط، ما عدا أهل السنة والجماعة، فهم أهل الاعتدال والتوسط والاتزان والخيرية.
ونخلص من ذلك أن أولى الناس بوصف التطرف هو الكافر، فأي كافر متطرف، ولا يوجد شيء اسمه: يهودي معتدل، ويهودي متطرف، ماذا يعني يهودي معتدل؟ كيف نقول: يهودي معتدل وهو يؤمن بأن محمداً ﵇ افترى على الله الكذب، وأنه ادعى أن الله أوحى إليه؟ هل هذا ممكن أن يكون معتدلاً؟! هذا لا يمكن أن يوصف بالاعتدال، فكل كافر متطرف وخارج عن دائرة الإسلام والنجاة.
كذلك كل مسلم مبتدع متطرف؛ لأنه خارج عن دائرة أهل السنة والجماعة.
إذاً: كل من ليس مسلماً من أهل السنة والجماعة فهو متطرف، وما عدا ذلك فهو تلاعب بالألفاظ، فالمتبرجة هي المتطرفة؛ لأنها حادت عن هدي النبي ﷺ الذي أمر المرأة بالحجاب، فهي انحرفت وخرقت أمر النبي ﵊، وخالفت هدي بناته ونسائه والمؤمنات، فلذلك هي متطرفة لأنها متبرجة، وليس التي تستر نفسها تسمى متطرفة.
الذي يصافح النساء الأجنبيات هو المتطرف؛ لأن هدي محمد ﵇ خير الهدي، فهذي حيدة وانحراف عن هدية، ومخالفة لأمره.
وهكذا كل مخالف للشريعة فهو الأحق بوصف التطرف، وليس أهل الحق أهل السنة والجماعة، وأسلوب التلاعب بالألفاظ، وإلباس المعاني الصحيحة ثياباً منفرة من الألفاظ المبتدعة؛ أسلوب قديم قدم تاريخ البشرية، وإلى الآن أهل الباطل يحاولون أن يأتوا بالباطل، ويلبسونه ثياباً زاهية جميلة، ويأتون بالحق، ويحاولون أن يكسونه بالألفاظ المنفرة التي تنفر من هذا الحق، كما أشار إلى هذا التلاعب بالألفاظ أحد الشعراء بقوله: تقول هذا مجاج النحل تمدحه وإن تُعب قلت ذا قيء الزنابيرِ مدحاً وذماً وما فارقت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير فنفس العسل الشهي ممكن أن ينفر الناس منه فيقال: هذا القيء الذي تتقيؤه الزنابير! ويأتي آخر فيقول: لا، هذا جنى النحل الشهي الذي فيه دواء للناس وشفاء، والحقيقة واحدة، لكن يمكن أن ينفر عنها باستعمال هذه الألفاظ، وبلا شك أن أعداء الإسلام وأعداء الله وأعداء رسوله ﷺ الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بمصطلحاتهم المنفرة هذه، وقد نجحوا إلى حد كبير في إقامة الحواجز النفسية، وصد كثير من الناس عن دين الله وعن سبيل الله بسبب هذا الأسلوب الرخيص، وهذه الخصومة التي لا تعرف رائحة الشرف، فقد دأبوا على طعن المسلمين، والتنفير من الدين والمتدينين بوصف التطرف، وما فطن القوم أنهم إنما يريدون أن ينتهوا بهم إلى أن الإسلام نفسه هو التطرف كما صرحوا بذلك في آخر المراحل بعدما فات الأوان، وانطبع في قلوب الناس أن الإسلام هو التطرف، وأن الإسلام هو دين الإرهاب وفيه بذور الإرهاب إلى آخر هذه الأراجيف.
стр. 2064
ثناء هذه الأمة على الميت
قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب ثناء الناس على الميت.
حدثنا آدم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: (مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي ﷺ : وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شراً -يعني: الصحابة- فقال ﷺ : وجبت.
فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض).
قال الحافظ: المراد بالوجوب الثبوت، (وجبت) يعني: ثبتت، إذ هو في صحة الوقوع كالشيء الواجب، والأصل أنه لا يجب على الله شيء، يعني: لا يفهمن أحد من قول الرسول ﷺ : (وجبت) أنكم أنتم أوجبتم على الله هذا، فهذا لا يليق ولا يكون أبداً.
ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسع فلا يجب على الله شيء، وإنما معنى (وجبت) أي: ثبتت له الجنة، فالأصل أنه لا يجب على الله شيء بل الثواب فضله، والعقاب عدله، لا يسأل عما يفعل.
وقال أيضاً في قوله ﷺ : (أنتم شهداء الله في الأرض) أي: المخاطبون بذلك من الصحابة ومن كان على صفتهم من الإيمان، وحكي أن ذلك مخصوص بالصحابة ﵃؛ لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة، بخلاف من بعدهم، والصواب أن ذلك خاص بالثقات والمتقين، فالعبرة بشهادة الثقات والمتقين سواء من الصحابة أو من أتى بعدهم ممن يتحلى بهذه الصفات.
ولـ أبي داود في هذه القصة: (إن بعضكم على بعض لشهيد) قال النووي: والظاهر أن الذي أثنوا عليه شراً كان من المنافقين؛ لما رواه أحمد من حديث أبي قتادة بإسناد صحيح أنه ﷺ : (لم يصل على الذي أثنوا عليه شراً، وصلى على الآخر) وقال ﷺ : (أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة، فقلنا: وثلاثة قال: وثلاثة.
قلنا: واثنان، قال: واثنان، ثم لم نسأله عن الواحد).
يقول الداودي: والمعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق، يعني: المعتبر شهادة أهل العلم والفضل والصدق لا الفسقة؛ لأنهم قد يثنون على من يكون مثلهم، ومن كان بينه وبين الميت عداوة؛ فإنه يثني عليه شراً، وشهادة العدو لا تقبل.
وفي هذا الحديث فضيلة هذه الأمة، وإعمال الحكم بالظاهر.
وبعض الناس يتصور أنك لو جازفت بمدح الميت بأشياء لم تكن فيه فإن هذا ينفعه! ويستدلون بهذه الأحاديث، لا، العبرة بأن يكون الثناء على الميت موافقاً لما كان عليه في الواقع، وعلى الأقل في الظاهر، لا بشيء يجازف به الناس في مدح الميت كذباً وزوراً.
وعن أنس مرفوعاً: (ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيراً، إلا قال الله تعالى: قد قبلت قولكم وغفرت له ما لا تعلمون).
ومن الآيات التي لها تعلق بمنصب الشهادة على الناس قول الله ﵎: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ﴾ [النحل:٨٩] فبين أنه يوم القيامة يبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم، يشهد عليهم بما أجابوا به رسولهم، وأنه يأتي بنبينا ﷺ شاهداً علينا، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦].
стр. 2065
هل النبي ﷺ شهيد على أمته بعد موته ؟!
النبي ﷺ يكون شاهداً على أمته يوم القيامة، وهل النبي ﷺ الآن حي في قبره أم لا؟ هذه قضية مختلفة تماماً عن هذه، وقد روي حديث نصه: (حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، فإن وجدت خيراً حمدت الله، وإن وجدت غير ذلك استغفرت لكم) وهذا الحديث يقول فيه الشيخ حامد الفقي رحمه الله تعالى: هذا حديث باطل سنداً ومتناً؛ إذ لم يروه إلا الديلمي عن أنس وابن سعد في الطبقات مرسلاً عن بكر بن عبد الله.
وروى البزار عن عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعاً: (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام) قال: وقال رسول الله ﷺ : (حياتي خير لكم، تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم) فهذا أيضاً ضعيف، وأما قول النبي ﷺ : (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام)، فهو صحيح، ولكن الكلام في تضعيف قوله: حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم، والمحدثون لهم كثير من الكلام في تضعيف هذا الحديث وإثبات بطلانه، فإن الهيثمي قال في المجمع: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، وهذا خطأ منه رحمه الله تعالى، فالحديث ضعيف بجميع طرقه.
وعن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه -كما في صحيح البخاري - عن النبي ﷺ قال في آخر حديث: (فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب -وفي بعض الروايات: مثل الربابة- فقيل لي: ذاك منزلك، قلت: فدعاني أدخل منزلي، فقالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملته أتيت منزلك).
وهذا الحديث مما يبين بطلان الحديث السابق؛ لأن النبي صلى ﵇ إذا استكمل عمره فإنه ينتقل إلى منزله الذي أريه في هذا الحديث.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]، وقال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥]، فالنبي ﵌ يحيا الآن حياة برزخية، ينعم فيها أيما نعيم، وقد أدى الأمانة، وبلغ الرسالة حق التبليغ، وجاهد بنفسه وماله حتى ترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، والنبي ﷺ لو أنه يطلع على ما عليه الأمة الآن من الإذلال والبدع والضلالات والشركيات والإعراض عن شرع الله ، وتحليل الحرام، وتحريم الحلال، لا شك أنه لو اطلع على ذلك لتنغص وتألم أشد التنغيص والألم، ولغلب عليه بمقتضى هذا الخبر الضعيف الحزن والأسف؛ نظراً لكثرة المعاصي والشرور، وقلة الطاعات والخيرات في أمته ﷺ ، خاصة في زمننا هذا، فلا شك أن هذا يتنافى مع وجوده في هذا النعيم؛ لأن الحزن والحسرة والنصب يتنافى مع النعيم والثواب.
والصحابة ﵃ قد حزنوا حزناً شديداً لوفاة النبي ﵌، حتى أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وقف الموقف الذي تعرفونه، فكيف يكون موته خيراً لهم؟ ولو كان مماته خيراً لهم لما حزنوا على ذلك، فكيف يكون موته خيراً لهم وقد كان في حياته ﷺ ينزل عليه الوحي، ويحسم أمرهم، ويقطع الله به أسباب الخلاف.
أيضاً قال الله ﵎: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]، فهذه الآية تدل على أن المغفرة منوطة بالإيمان والعمل الصالح، فكيف يستغفر النبي ﷺ لهؤلاء الذين حادوا الله ورسوله، وانحرفوا عن هديه، والله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]، وقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة:١١٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩] يعني: في الدنيا، وإن كان يعلم أنه هو نفسه ﵊ في الجنة?! وقال ﷺ لابنته ولذوي رحمه: (اعملوا فلن أغني عنكم من الله شيئاً)، والحديث السابق من شأنه أن يقوي ويدعم روح التواكل والتواني عند الغافلين المفرطين، الذين يحسبون أنهم قد ضمنوا شفاعة النبي ﵌، حتى إن أشد الناس انغماساً في البدع والضلالات يستعملون عبارة شائعة خاصة عند الصوفية الذين يقولون: (يا بختنا بالنبي) ويقولون: نحن نغبط أنفسنا على أننا منتمون إلى محمد ﷺ ، فهم مغترون؛ لأنهم على بدع وضلالات وانحراف عن هدي النبي ﵌، فأمثال هؤلاء المبتدعة أو المنحرفين إذا أتوا يوم القيامة بأوزارهم يقولون: يا رسول الله! اشفع لنا.
فيقول لهم جميعاً: (قد بلغت لا أملك لكم من الله شيئاً)، وهذا لا يتعارض مع ما ذكرناه بالنسبة للشفاعة؛ لأن الشفاعة لا تكون إلا لمن ارتضاه الله، ولا تكون أيضاً إلا بإذن من الله ، فالأمر في الحقيقة كله لله.
ومن أقوى الوجوه الذي يبطل بها هذا الحديث ما رواه الشيخان بسنديهما أن رسول ﷺ قال: (أنا فرطكم على الحوض) يعني: أنا الذي أتقدمكم وأسبقكم إلى الحوض، قال: (أنا فرطكم على الحوض، ليرفعن إلي رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم)، أي: من الحوض؛ لأن الرسول ﵊ يتصدر الحوض ويسقي ويعطي المسلمين المتبعين له، يقول: (أنا فرطكم على الحوض، ليرفعن إلي رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني) (اختلجوا دوني) يعني: أبعدوا عن النبي ﷺ : (فأقول: أي رب! أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك!) لا شك أن هذا نص واضح جداً يبطل الحديث الأول؛ لأنه إذا صح قوله: (تعرض علي أعمالكم، فإن وجدت خيراً حمدت الله، وإن وجدت) إلى آخره؛ فإنه يكون كان عالماً بما حصل من بعده، لكن هذا الحديث المتفق عليه دليل واضح وصريح بأنه لا يدري ما أحدثوا بعده، ففيه: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).
وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدثني محمد بن بشار قال: حدثنا غندر قال: حدثنا شعبة عن المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: (قام فينا النبي ﷺ يخطب فقال: إنكم محشورون حفاة عراة غرلاً (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم الخليل، وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب! أصيحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٧ - ١١٨] قال: فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم).
وهذا الحديث واضح الدلالة جداً على هذه المسألة؛ لأن فيه: (وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب! أصيحابي -يعني: يقول ذلك على حسب علمه بهم- فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) فيستشهد النبي ﷺ هنا بقول المسيح ﵇: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة:١١٧] أي: حاضراً معهم ومشاهداً لأفعالهم ما دمت فيهم، فقوله: (مَا دُمْتُ فِيهِمْ) (ما) معناها وقت دوامه فيهم، ((وكنت عليهم شهيداً)) وقت دوامي وبقائي فيهم ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ فخصص الرقابة والشهادة بعد وفاته لله ((وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) (فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقباهم).
قوله ﷺ : (فيؤخذ بهم ذات الشمال) يعني: إلى جهة النار.
وفي البخاري: (فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم -يعني: تعالوا- فقلت: إلى أين؟! قال: إلى النار).
وفي حديث سهل: (ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم يوم القيامة).
قوله ﷺ : (فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب! أصيحابي) بالتصغير هذا خبر مبتدأ محذوف تقديره: أي: هؤلاء أصيحابي.
ولـ أحمد والطبراني من حديث أبي بكرة مرفوعاً: (ليردن علي الحوض رجال ممن صحبني ورآني) وهذا سنده حسن كما قال الحافظ.
وقال الحافظ أيضاً: قال الفربري: ذكر عن أبي عبد الله البخاري عن قبيصة قال: هم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر.
فالمقصودون بهذا الحديث هم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقاتلهم أبو بكر فقتلوا أو ماتوا على الكفر، قال الخطابي رحمه الله تعالى: لم يرتد من الصحابة أحد، يعني: الذين ارتدوا ليسوا من أصحاب النبي ﷺ ، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين؛ وذلك لا يوجب قدحاً في الصحابة المشهورين، ويدل عليه قوله ﵊: (أصيحابي) بالتصغير؛ لأن التصغير هنا يد
стр. 2066
التحذير من الغلو في شخص رسول الله ﷺ
لقد حذر النبي ﷺ من الغلو فيه تحذيراً شديداً، وكثير من الناس الذين يسلمون برسالته مع بشريته، تبقى عندهم نقطة ضعف يريدون دائماً أن يرفعوا صفة البشرية عنه، فيقولون: هو خلق من نور، إلى آخره.
ويقولون: أنتم تقولون: حدثنا فلان عن فلان عن فلان.
فأين فلان؟ قلتم: مات، فكلامكم كله ميت عن ميت، أما كلامنا نحن فنأخذه مباشرة عن الحي الذي لا يموت! فعندهم الكثير من الضلالات والانحرافات لأنهم يزدرون العلماء.
الله قال لنبيه ﷺ : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] يعني: الموت، فلم يجعل الله لعمل المؤمن أجلاً دون الموت، أما هم فقد خالفوا الآية وجعلوا لها أجلاً وهو الوصول إلى بعض هذه المقامات! وهم يزعمون أنهم بغلوهم في الرسول ﷺ وبمدحه أنه أول خلق الله، وأنه نور عرش الله! وأنه كذا وكذا من هذه الفضائل المزعومة التي يخترعونها؛ أنهم بذلك يرفعون قدر النبي ﷺ ! من أراد أن يمدح رسول الله ﷺ فليمدحه بما مدحه به ربه، فالرسول ﵊ هو الذي علمنا بقوله: (من تواضع لله رفعه الله) فإذا أردت أن تمدح رسول الله ﷺ فامدحه في دعوته واجتهاده إلى أقصى مدى في العبودية لله ، التي معناها: غاية الحب مع غاية الذل والانقياد والقبول، فيمدح الرسول ﵇ بالعبودية لله ، ولا يصح أن ننفي عنه صفة العبودية، ونرفعه إلى رتبة الألوهية كي نمدحه أو نشرفه، فالذي يشرفه هو أن تمدحه بالعبودية، ولأن الرسول ﵊ يقول: (من تواضع لله رفعه الله) هذا منطوق الحديث، ومفهوم الحديث دلت عليه آية في سورة الأعراف: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [الأعراف:١٣] اهبط لأنك تكبرت، فالذي يتكبر يضعه ويذله الله، ويهينه الله، أما الذي يتواضع فإن الله يرفعه، فإذا كان الرسول ﵊ قد رفع على جميع العالمين فما رفع إلا لأنه بلغ أعلى مقامات الذل والحب لله ، ولذلك نجد أن الله يمدحه بالعبودية في أشرف المقامات: ففي مقام الدعوة يقول: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، وفي مقام الإسراء يقول سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء:١] إلى آخره، وفي مقام التحدي يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣].
إذاً: عبودية الرسول ﵊ شرف ورفعة له، فسبب هذا المقام العظيم الذي تبوءه عند الله أنه وصل إلى مقام لا يبلغه غيره في الخضوع والتذلل والانقياد لشرع الله .
وما هذا الذي يمارسه الصوفية وأشياعهم من الغلو في شخص رسول الله ﵇ والمبالغة في تصور محاسنه: يا أحمر الخدين! يا أكحل العينين! إلا حيدة ومحاولة للتعويض عن التقصير في الانقياد والاتباع، والحب الحقيقي لرسول الله ﷺ ، فإن الله لما رأى الناس كلهم يدعون محبة رسوله ﷺ امتحنهم امتحاناً فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]؛ لأنه ليس الشأن في أن تحب أنت الله ؛ لأنه شيء لازم أن تحب الله لاتصافه بصفات الكمال والجمال والجلال، ولما أسدى إليك من النعم، فبالضرورة أنك تحبه، لكن الشأن في أن يحبك الله ويكافئك على اتباع رسوله، فهذا هو الشأن، وهذا هو الشيء العظيم أن يحبك الله، لكن هناك علامة على هذه المحبة قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فالاتباع هو علامة المحبة الحقيقية، وليس بالتغزل في صورة النبي ﵇ كما يفعل هؤلاء الناس، ليس الموضوع مجرد عاطفة غير رشيدة، وإنما بالاتزان والوسطية والاعتدال، لذلك قال ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) فحينما تصف الرسول ﷺ بالعبودية ليس هذا انتقاصاً لرسول الله ﵊، وإنما أشرف ما يمدح به رسول الله ﵊ أن تصفه بالعبودية لله، لا تشرك به مع الله، وكما نجد للأسف اليمين المصرية الشائعة في كل البلاد المصرية (والنبي)! فكلمة (والنبي) هذه قد نهانا عنها النبي ﵊ فقال: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، وقال: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، أما أنك تحلف بالنبي، وبعض الناس يبلغ في الغلو أنه إذا أراد أن يقوم يقول: يا رسول الله! يطلب المدد من الرسول ﵇! هل يفرح بك رسول الله إذا علم أنك تستغيث به من دون الله، وتطلب منه المدد دون الله ؟! فبعضهم يقوم وجسمه ضعيف مثلاً أو ثقيل فيقول: يا رسول الله! ويظن أنه هكذا يعظم الرسول ﵊! الرسول ﷺ يبرأ من هذا الفعل؛ لأن هذا شرك، فلا يطلب الإنسان المدد من غير الله ، كذلك الحلف شرك كأن يقول: ورسول الله كذا وكذا ويظن أنه معظم لرسول الله، كل هذه السلوكيات انحراف عن هدي الرسول ﵊، فرسول الله ﵊ لما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت.
غضب، هذا ليس احتراماً للرسول، بل هذا خدش للرسالة التي جاء بها في التوحيد، لما قال رجل: ما شاء الله وشئت، قال: (أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده)، والأحاديث في ذلك كثيرة، والرسول ﷺ كان دائماً يرد الناس إلى الصواب، فيجب مدحه بالعبودية لله، ومن أراد أن يعبر عن حب النبي ﵇ فليتبعه في قوله ﵊: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله).
وجعل النبي ﷺ من الغلو في الدين أن يختار الحاج إذا أراد رمي الجمرات الحصيات الكبيرة، وأمر أن تكون الحصى مثل حصى الخذف يعني: ما بين حبة الحمص وحبة الفول، فعن ابن عباس ﵄ قال: (قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة: هات! القط لي -يعني الجمرات- قال: فلقطت له نحو حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده قال: مثل هؤلاء! (ثلاث مرات) وإياكم والغلو في الدين! فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين) وهذا الذي حذرنا إياه النبي ﷺ نحن نشاهده الآن في منى، فبعض الناس يأتي بالأحذية ويضرب بها الشيطان! ونرى الحجارة الكبيرة وغيرها من الأشياء ملقاة في الجمرات، وتسمع الشتائم التي تلقى، فتأتي المرأة وتشتم الشيطان وتقول له: أنت الذي تحرض علي زوجي، وأنت الذي تفعل كذا وكأنها ترى الشيطان، ونفس هؤلاء الناس هم الذين يرجعون إلى التلفاز والفيديو، وقد تعود النساء متبرجات كما كن في سيرتهن الأولى ولم يغير الحج من أخلاقهن شيئاً! والرسول ﵊ جعل رمي الجمار مسألة رمزية، الغرض منها نبذ الشيطان ومحاربته، وليست حقيقة يراد بها قتله وإماتته، فعلى المسلم تحقيق الأمر، ومنابذة الشيطان عدو الإنسان اللدود بالعداء ليس غير.
стр. 2067
صاحب البردة وغلوه في رسول الله ﷺ
الغلو في الدين والغلو في النبي ﷺ أمر وقع المسلمون فيه مع الأسف، واتبعوا سنن أهل الكتاب، فقال قائلهم: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم هذا كلام البوصيري في قصيدته المشهورة المشحونة ببعض الشركيات الشنيعة، فهو يقول: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم فهل يرضى الرسول ﵊ أن يأتي رجل من أمته ويقول له: مالي من ألوذ به سواك؟! هل أنت تقرأ: قل أعوذ برسول الله! من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، أم تتعوذ بالله وحده؟! فهذا يتعوذ بالرسول ﵊ ويقول: لا يوجد أحد غيره أعوذ به.
فالرسول عليه الصلاة السلام لا يرضى بأقل من هذا، فكيف بهذا الضلال المبين؟! ويقول أيضاً: وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم يعني: لولا الرسول ﵊ لم تخلق الدنيا، فكأن الآية عندهم: وما خلقت الجن والإنس إلا من أجل محمد ﵊! ما هذا الغلو؟! ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أيضاً يقول البوصيري: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم يعني: من جود الرسول ﵊ الدنيا وضرتها التي هي الآخرة، فهما من كرمه وجوده! وعلم اللوح والقلم من علومه! وأيضاً يقول البوصيري معتمداً على فهم مغلوط لهذا الحديث: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله): دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم ففهم أن الحديث ينهى عن أن نقول: محمد ابن الله أو ثالث ثلاثة، فيقول: دع هذه، وقل بعد ذلك ما شئت، وامدحه بأي شيء، ففهم الحديث فهماً عجيباً جداً، فكان المفهوم عنده: اطروني بما شئتم ما عدا قولكم: محمد ثالث ثلاثة أو محمد ابن الله ونحو ذلك، وهذا الشاعر يعظمه كثير من المسلمين، وقصيدة البردة للأسف الشديد أعرف من يحفظها ولا يحفظ شيئاً من القرآن، وهذه لها وضع مميز عند الصوفية، وكأنها شيء من الوحي، فهم يحفظونها ويهتمون بها اهتماماً شديداً جداً، ويتبركون بها، وينشدونها في الموالد وبعض مجالس الوعظ والعلم، ويعدون ذلك قربة إلى الله ، ودليلاً على محبتهم النبي ﷺ .
فهذا الشاعر قد ظن النهي الوارد في الحديث منصباً على الادعاء بأن محمداً ﷺ ابن الله، فنهى عن هذه المقولة، ودعا إلى قول أي شيء آخر مهما كان، ولا شك أن هذا غلط بالغ، وضلال مبين؛ ذلك لأن الإطراء المنهي عنه في الحديث له معنيان اثنان: الأول: (لا تطروني) هذا نهي عن مطلق المدح، يعني: لا تمدحوني أبداً؛ لأنكم لن تقووا على مدحي بأعظم مما مدحني به الله ، من أني رسول الله، وأني على خلق عظيم وغير ذلك مما امتدحه الله به.
الاحتمال الثاني: النهي عن مجاوزة الحق في المدح، والمراد المدح بالصور الموجودة الآن، فهي صناعة لم تكن معروفة عند السلف؛ لأن السلف ﵏ كانوا مشغولين بالاجتهاد في اتباع رسول الله ﵇، وإحياء سنته، وتجديد دينه، ولم يشتغلوا كما اشتغل هؤلاء بهذه المدائح.
إذاً: يمكن أن يكون المراد من الحديث النهي عن مدحه ﷺ مطلقاً من باب سد الذريعة، واكتفاء باصطفاء الله تعالى له نبياً ورسولاً وحبيباً وخليلاً، وبما أثنى عليه في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] إذ ماذا يمكن للبشر أن يقولوا فيه بعد قول الله ﵎ هذا؟! وما قيمة أي كلام يقولونه أمام شهادة الله تعالى هذه؟! وإن أعظم مدح له ﷺ أن نقول فيه ما قال ربنا : إنه عبد له ورسول، فهذه أكبر تزكية له ﷺ .
والصوفية يغضبون جداً إلا لم تقل: (سيدنا رسول الله)، ويعتقدون أنك مقصر، والمفروض عندهم أن تقول: سيدنا محمد! فنقول: هل قول القائل: (سيدنا محمد) مثل قوله: (محمد رسول الله أو نبي الله؟ فـ (سيد) تطلق على أناس من البشر، لكن رسول الله لا تطلق إلا على من اصطفاه الله لذلك؛ لكن بعضهم يتشبث بها، ويرى أن من تعظيم رسول الله ﷺ أن يقولها حتى داخل الصلاة، ونسمع بعض العوام في الصلاة يقول: اللهم صل على سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم إلى آخره، فنقول لهذا: هل ينفع أن تقرأ القرآن وتقول مثلاً: (وآمنوا بما نزل على سيدنا محمد)؟ الله يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران:١٤٤]، فهل يجعلها: (وما سيدنا محمد إلا رسول)؟ بلا شك الرسول ﷺ له هذه السيادة على البشر أجمعين؛ لأنه قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) لا شك في ذلك، فنحن لا نتشدد كثيراً في ذلك، لكن الأذكار المأثورة ينبغي أن نحافظ عليها، ولكنهم يعتبرون التنازل عن هذا تنازل عن تشريف كبير جداً للرسول ﵊، وإنما التشريف للرسول ﵊ أن تمدحه بالرسالة فتقول: (رسول الله) ﵊، و (نبي الله)، فأعظم مدح للرسول ﵇ أن نقول فيه ما قال ربنا : إنه عبد له ورسول، هذه أكبر تزكية له ﷺ ، وليس فيها إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير، وقد وصفه الله وهو في أعلى درجات وأرفع تكريم من الله تعالى له بصفة العبودية، فقال في المعراج والإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] وأيضاً قال ذلك في مقام التحدي ومقام الدعوة كما سبق ذكره.
ويمكن أن يكون المراد من الحديث: (لا تطروني) أي: لا تبالغوا في مدحي، وعلى هذا يفتح الباب في مدح الرسول ﵌، لكن لا تبالغوا في مدحي فتصفوني بأكثر مما أستحقه من بعض خصائص الله ﵎، والأقرب -والله تعالى أعلم- هو المعنى الأول، وهو أن هذا نهي عن مطلق المدح الخارج عما مدحه الله ، بدليل تمام الحديث: (إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)، يعني: اكتفوا بما وصفني به الله من جعلي عبداً له ورسولاً ﵌، والإمام الترمذي ذكر هذا الحديث تحت ترجمة باب: تواضع النبي ﷺ ، فحمل الحديث على النهي عن المدح المطلق، وهذا هو الذي ينسجم مع معنى التواضع، وعن أنس قال: (جاء إلى النبي ﷺ رجل فقال: يا خير البرية! فقال ﵊: ذاك إبراهيم) رواه مسلم، وهذا من تواضعه ﷺ كما في الحديث الآخر: (لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)؛ لأنه بلا شك حتى في هذه الجزئيات قد قطع الوحي، وبين أن الرسول ﷺ أفضل الأنبياء على الإطلاق، وأنه خير الأنبياء وسيد ولد آدم أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 2068
تفسير سورة الفتح [٨ - ١٠]
стр. 2069
تفسير قوله تعالى: (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله)
قال الله ﵎: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح:٨].
قوله ﵎: ((إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)) التبشير: هو الإخبار بما يظهر أثره على البشرة، والبشرة هي ظاهر الجلد؛ لأنها تتغير بأول خبر يرد عليها، والغالب أنه يستعمل في السرور مقيداً للخير المبشر به، وغير مقيد أيضاً، ولا يستعمل في الغم والشر إلا مقيداً منصوصاً على الشر المبشر به، ففي الخير إما أن يأتي مقيداً وإما أن يأتي بدون قيد، لكن التبشير بالغم والشر لا يأتي إلا مقيداً بالشر المنصوص عليه، كما قال : ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران:٢١] َ.
يقال: بشرته، وبشرته بشارة، وبشر يبشر إذا فرح.
والبَشارة بفتح الباء، والبُشرى: ما يعطاه المبشر، وتباشير الشيء أوله، قال ﵎: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧]، والبشارة هي: الخبر بما يسر، وقد تطلق العرب البشارة على الإخبار بما يسوء كما ذكرنا قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان:٧]، ومنه قول الشاعر: وبشرتني يا سعد أن أحبتي جفوني وقالوا الود موعده الحشر وقال الآخر: يبشرني الغراب ببين أهلي فقلت له ثكلتك من بشير إذاً: البِشارة، أو البَشارة قد تطلق على الإخبار بما يسوء، وهذا الأسلوب من أساليب اللغة العربية.
قوله: ((وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)) الإنذار: هو الإبلاغ والإعلان، ولا يكاد يستعمل إلا في تخويف يتسع زمانه للاحتراز والاحتياط عن هذا الشيء الذي يأتيك الإنذار به، فإن لم يتسع زمنه للاحتراز كان إشعاراً ولم يكن إنذاراً، قال الشاعر: أنذرت عمراً وهو في مهل قبل الصباح فقد عصى أمر ويقال: تناذر بنو فلان هذا الأمر، إذا خوف بعضهم بعضاً.
قال الله ﵎: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، يعني: بعد هذا الإنذار، ولم يبين هنا هذه الحجة التي كادت تكون للناس عليه، وبين هذه الحجة في قوله في سورة طه: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه:١٣٤]، وقال أيضاً في سورة القصص: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:٤٧]، وقال : ﴿لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:٢].
فالمقصود: أن من وظائف النبي ﵌ الإنذار، وقوله في هذه الآية: ((لِتُنذِرَ بِهِ))، هذا الفعل يتعدى إلى مفعولين اثنين، وإن كان المفعولان لم يذكرا، والتقدير: لتنذر به الكافرين عذاباً أليماً.
وهذا الإنذار بينه الله في قوله : ﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧]، وقال أيضاً: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس:٦]، وهذا بيان للمفعول الأول المحذوف.
أما المفعول الثاني فبينه قوله تعالى: ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف:٢] وقوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل:١٤] وقوله: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ:٤٠]، ونحوها من الآيات.
وقد جمع الله تعالى في هذه الآية الكريمة بين الإنذار والذكرى فقال: ﴿لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:٢] فيفهم من هذا أن الإنذار هنا للكفار: ((لِتُنذِرَ بِهِ)) يعني: الكفار، فالإنذار للكفار، والذكرى للمؤمنين، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧]، وهنا في آية الفتح قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح:٨]، وقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]، فهذا أيضاً يشير إلى قوله: ﴿لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:٢].
وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥]؛ لكن جاءت آيات فيها قصر الإنذار على المؤمنين والكافرين، وهذا لا يتنافى مع ما ذكرناه، يعني: إن كانت الآيات السابقة استعملت لفظ الذكرى أو التذكير في حق المؤمنين والإنذار للكافرين؛ لكن لا ينافي أن يكون الإنذار للكفار والذكرى للمؤمنين أنه قصر الإنذار على المؤمنين دون غيرهم، في آيات أخرى كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس:١١]؛ لأنه لما كان الانتفاع بالإنذار مقصوراً عليهم صار الإنذار كأنه مقصور عليهم؛ لأن ما لا نفع فيه كالعدم، يعني: الكافر إذا أنذر ولم ينتفع بالإنذار فكأنه لم ينذر.
إذاً: خلاصة الكلام أن الإنذار يطلق في القرآن على إطلاقين: الأول: إنذار عام لجميع الناس، كما في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢]، وقال : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، للعالمين مؤمنين وكافرين، فهذا الإنذار العام هو الذي قصر على المؤمنين قصراً إضافياً في قوله: ((إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ))؛ لأن المؤمنين هم المنتفعون بهذا الإنذار دون غيرهم.
الثاني: إنذار خاص بالكافرين؛ لأنهم هم الواقعون فيما أنذروا به من النكال والعذاب، وهو الذي يذكر في القرآن مبيناً أنه خاص بالكفار دون المؤمنين، كقوله تعالى: ((لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا))، وقال في آية الأعراف: ﴿لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:٢]، والإنذار في لغة العرب: الإعلام المقترن بتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً.
стр. 2070
تفسير قوله تعالى: (لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه)
قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح:٩]، بعض القراء قرأ: (ليؤمنوا بالله ورسوله ويعزروه ويوقره ويسبحوه بكرة وأصيلاً).
قال الألوسي رحمه الله تعالى: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)، الخطاب للنبي ﷺ وأمته، كقوله سبحانه: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١]، كذلك هذه الآية الخطاب بدأ بالنبي ﵊ في قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) فالخطاب للنبي ﵊، ثم دخل فيه المؤمنون بقوله: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) إلى آخره، تماماً كقوله : ((يا أيها النَّبِيُّ))، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١]، فهذا من باب التغليب، غلب فيه المخاطب على الغيب، ونظيره قوله : ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان:٢١]، ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان:٢٢]، وقال : ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس:٢٢].
إذاً: الخطاب للنبي ﷺ : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، والمعنى: له وللمؤمنين، قال القرطبي: وإذا أراد الله بالخطاب المؤمنين لاطفه بقوله: ((يا أيها النَّبِيُّ))، فإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعاً له، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، فاللفظ والمعنى هنا يقصد به النبي وحده، فلذلك ينص على لفظ الرسول ﵊، أما إذا أراد الخطاب بالمؤمنين قال: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إلى آخره.
إذاً: النبي ﵊ مخاطب بلا شك بالإيمان بالرسالة كقوله تعالى: ((إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ)) يعني: يا أيها النبي! أو يا أيها الرسول! ((شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)) (لِتُؤْمِنُوا) أي: أنت -أيها النبي- مكلف بهذا الإيمان، وكذلك المؤمنون مكلفون به، فهو مخاطب بالإيمان بالرسالة كالأمة.
وقيل: الخطاب في (أَرْسَلْنَاكَ) للنبي ﵊، وفي (لِتُؤْمِنُوا) لأمته ﵌.
следующие страницы →