Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
معنى المعرّة
قوله تعالى: ((فتصيبكم منهم معرة بغير علم)) أي: معرة إثم وغرامة من عره إذا عراه ما يكرهه، ((فتصيبكم منهم معرة بغير علم)) يعني: تطئوهم غير عالمين بهم، والمعنى: ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً مؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم، فيصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة؛ لما كف أيديكم عنهم، ولأذن لكم في دخول مكة مقاتلين لهم.
((لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً)) يعني: لو تميز الكفار عن المؤمنين الذين بين أظهرهم لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً يعني: لسلطناكم عليهم فقتلتموهم قتلاً ذريعاً، وعن جنيد بن سبع قال: قاتلت رسول الله ﷺ أول النهار كافراً، وقاتلت معه آخر النهار مسلماً، وفينا نزلت: ((ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات)) قال: كنا تسعة نفر: سبعة رجال، وامرأتين.
((لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)) يعني: بقتل المؤمنين إياهم.
وفسر ابن إسحاق المعرة: بالدية، فتصيبكم منهم معرة يعني: دية، ذهاباً إلى أن دار الحرب لا تمنع من الدية، وهو مذهب الشافعي، وذهب غيرهما إلى أنها تمنع من الدية، وقال ابن جرير: المعرة: هي كفارة قتل الخطأ، وذلك عتق رقبة مؤمنة لمن أطاق ذلك، ومن لم يطق فصيام شهرين، قال ابن جرير: وإنما اخترت هذا القول دون الذي قاله ابن إسحاق لأن الله إنما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها ولم يكن قاتله علم إيمانه الكفارة دون الدية؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، ولم يوجب على قاتله خطأً ديته؛ فلذلك قلنا: معنى المعرة في هذا الموضع: الكفارة.
((لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ)): كأنه قال: لكن كفها عنكم ولم يأذن لكم في مقاتلتهم ليدخلكم في رحمته الكاملة بحفظكم من المعرة.
وهناك تفسير آخر لقوله: ((ليدخل الله في رحمته من يشاء))، وهو: أن هذه الآية فيمن رغب في الإسلام من المشركين، وعليه اقتصر شيخ المفسرين ابن جرير أي: ليدخل الله في الإسلام من أهل مكة من يشاء قبل أن تدخلوها.
((لو تزيلوا)) أي: لو تميز مشركو مكة من الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات الذين لم تعلموهم منهم ((لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً)) من قتل أو أسر أو نوع آخر من العذاب الآجل.
قال الكياالهراسي: في الآية دليل على أنه لا يجوز حرق سفينة الكفار إذا كان فيها أسرى بعض المسلمين، وكذلك رمي الحصون إذا كانوا بها، والكفار تترسوا بهم، وهذا مذهب من يرى أن الترس لا يقتلون، يعني: لو أن الكفار أسروا من المسلمين وتترسوا بهم بما يسمى الآن بالدرع البشري، أخذوا بعض الأسرى من المسلمين ووضعوهم كدرع بشري بحيث إذا ضربهم المسلمون يصيبون المسلمين، وهذا بحث يستحق التفصيل، ولكن نقول باختصار: لا يجوز ذلك إلا إذا كان لمصلحة ضرورية كلية قطعية، وبين ذلك الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية، وفصل الكلام فيما يتعلق بمسألة التترس بالمسلمين.
стр. 2137
تفسير قوله تعالى: (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية)
قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح:٢٦].
((إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية)) وذلك حين جعل سهيل بن عمرو في قلبه الحمية التي جعلته يمتنع من أن يكتب في كتاب المقاضاة الذي بين رسول الله ﷺ والمشركين: بسم الله الرحمن الرحيم، فحمية الجاهلية منعته أن يقر باسم الرحمن ، وأن يكتب فيه أيضاً محمد رسول الله ﷺ ، وامتنع هو وقومه من دخول رسول الله ﷺ مكة عامه ذلك، والحمية هي: الأنفة والاستكبار.
((إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين)): هذا عطف على منوي، يعني: ((إذ جعل الذي كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية)) فهم المسلمون أن يأبوا ذلك ويقاتلوا، فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، فقوله: ((فأنزل الله سكينته)) عطف على شيء مفهوم وإن لم يكن مذكوراً في الآية، لكن نزول السكينة كان لكف المؤمنين عن أن يقاتلوهم لما منعوهم بسبب حمية الجاهلية، وحينما أصروا على أن يكتب: باسمك اللهم، وأن يكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بدلاً من محمد رسول الله ﷺ ، فالمسلمون هموا أن يأبوا الانقياد لهذه الحمية الجاهلية، وأن يقاتلوا على ذلك ((فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين)) يعني: الوقار والتثبت حتى صالحوهم على أن يعودوا من قابل، وعلى ما تقدم ذكره.
((فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى)) أي: اختارها لهم، فالإلزام مجاز عما ذكر من اختيارها لهم، وأمرهم بها، وهي كلمة التوحيد، ((وكانوا أحق بها)) يعني: متصفين بمزيد استحقاق لها، وكانوا أحق بها من الكفار.
وقوله: ((وأهلها)) يعني: كانوا مستأهلين لها، ((وكان الله بكل شيء عليماً)) يعلم حق كل شيء فيسوقه إلى مستحقه.
стр. 2138
تفسير قوله تعالى: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق)
قال ﵎: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:٢٧].
قال شيخ المفسرين ابن جرير ﵀: أي: لقد صدق الله رسوله محمداً ﷺ رؤياه التي أراها إياه أنه يدخل هو وأصحابه بيت الله الحرام آمنين، لا يخافون أهل الشرك، مقصراً بعضهم رأسه ومحلقاً بعضهم.
ثم روى عن مجاهد أنه قال: أري بالحديبية أنه يدخل مكة وأصحابه محلقين يعني: الرسول ﵇ أري هذه الرؤيا وهو في الحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه محلقين، ورؤيا الأنبياء حق، فقال أصحابه حين نحر بالحديبية: أين رؤيا محمد ﵌؟! وعن ابن زيد: قال لهم النبي ﷺ : (إني قد رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رءوسكم ومقصرين) ولم يقل: ذلك العام، فلما نزل بالحديبية طعن المنافقون في ذلك فقالوا: أين رؤياك؟! فهذه الرواية تذكر أن المنافقين هم الذين قالوا: أين رؤياك؟ فقال الله تعالى: ((لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ)) يعني: كأن الله يرد على هؤلاء الذين قالوا: أين رؤياك؟ بهذه الآية: ((لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق)) يعني: إني لم أر أنكم تدخلونها هذا العام، فهو رأى في المنام أنه وأصحابه يدخلون مكة بالصفة المذكورة في الآية، ولكن لم ينص على السنة التي يدخلون فيها مكة، ولم يقل: إنه يدخلها هذا العام أو في هذه الغزوة غزوة الحديبية.
((لقد صدق الله رسوله الرؤيا)) الرؤيا: منصوب بنزع الخافض، أي: صدقه في رؤياه، أي: حقق صدقها عنده كما هو عادة الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولم يجعلها أضغاث أحلام.
стр. 2139
الاستثناء بقول: إن شاء الله
قوله تعالى: ((لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق)) هذا حال من الرؤيا، أي: متلبسة بالحق، ليست من قبيل أضغاث الأحلام، ((لتدخلن)) هذا جواب قسم محذوف، يعني: والله لتدخلن ((المسجد الحرام إن شاء الله آمنين))، إن شاء الله تعليق واستثناء بالمشيئة؛ لتعليم العباد أنهم إذا أرادوا أن يتكلموا عن شيء مما يقع في المستقبل فمن الأدب أنهم يستثنون، فيقول أحدهم: إن شاء الله، كما قال الله ﵎ لنبيه ﷺ : ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، وسبب نزولها الأسئلة المعروفة التي وجهت للنبي ﵊ عن الروح والفتية وذي القرنين.
وفي حديث يأجوج ومأجوج: (إن يأجوج ومأجوج يحفرون كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً، فيعيده الله أشد ما كان، حتى إذا بلغوا مدتهم، وأراد الله تعالى أن يبعثهم على الناس؛ حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال: ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله، فاستثنوا فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه؛ فيحفرونه ويخرجون على الناس).
ويقول الله تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم:١٧ - ١٨] حلفوا أنهم يصرمون الثمر مصبحين ولا يستثنون أي: ولم يقولوا: إن شاء الله، فعوقبوا بما عوقبوا به.
وفي حديث سليمان ﵇ أنه قال: (لأطوفن الليلة على مائة امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله فلم يقل -يعني: أنه نسي أن يقول: إن شاء الله- فلم تحمل منهن إلا امرأة جاءت بشق رجل، والذي نفس محمد بيده! لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون).
стр. 2140
خطأ بعض الناس في الاستثناء
بعض الناس يسيء استعمال أدب الاستثناء أو يخطئ فيه، مثلاً يسأل عن شيء هو حقيقة مثل: ما اسمك؟ فيقول: إن شاء الله أخوك فلان! وهذا ليس موضعه.
وبعض الناس يستعملونها كشماعة يعلقون عليها التعريض والمراوغة في الكلام، والمعنى الصحيح للاستثناء هو تعليق الأمور المستقبلة بمشيئة الله ، كما قال : ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، فبعض الناس يستعملونها في المراوغة والتعريض واللف والدوران في الكلام كالثعالب، ويعلق ذلك بكلمة: إن شاء الله، وما ينوي بها إلا خداع من يكلمه.
ينبغي استعمال الاستثناء في الموضع اللائق به، فإذا قيل مثلاً: أين ذهبت بالأمس؟ لا تقل: إن شاء الله ذهبت إلى المكان الفلاني، فهذا فعل ماض وقع، فليس للاستثناء هنا موضع، والله جل وعلا ذكر الاستثناء هنا: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح:٢٧]، مع أنه تعالى قال: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح:٢٧]، تأكيداً لما وعدهم النبي ﷺ ، ومع ذلك قال: (إن شاء الله)، فهذا تعليم من الله ، فإنه أوحى إلى النبي ﷺ بذلك وأخبر أنه صدقه في هذه الرؤيا، وأقسم أنهم لابد داخلون في المستقبل؛ ومع ذلك يقول الله تعالى: (إن شاء الله)، وإذا كان الله قال ذلك فنحن أولى أن نتعلم هذا الأدب، وأن نعلق العمل بالمشيئة.
أيضاً قال: (إن شاء الله) للإشعار بأن بعضهم لا يدخل، ربما بعضهم يكون قد مات حينما يأتي موعد تحقيق هذا الوعد، أو يتخلف لعذر من الأعذار أو غير ذلك، فليس كل المؤمنين الحاضرين في الحديبية سوف يدخلون.
إذاً: إما إنها لتعليم العباد، أو للإشعار بأن بعضهم لا يدخل، فهو في معنى: لتدخلنه من شاء الله دخوله منكم، أو أنه حكاية لما قاله له الملك الذي أراه الرؤيا في المنام، فقال له نفس العبارة: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) أو حكاية لما قاله النبي ﷺ لأصحابه؛ لأنهم لما يكونوا قد دخلوا بعد، فلما حكى لهم الرؤيا قال لهم: إن شاء الله.
стр. 2141
معنى قوله تعالى: (محلقين رءوسكم ومقصرين)
قوله تعالى: (محلقين): حال مقدرة؛ لأن الدخول في حال الإحرام لا في حال الحلق والتقصير، يعني: هل يحلقون ويقصرون وقت دخولهم مكة أم يدخلون محرمين؟ يدخلون محرمين، (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين) فمحلقين حال مقدرة؛ لأن الدخول في حال الإحرام لا في حال الحلق والتقصير، وفي الكلام نسبة ما للجزء إلى الكل: (محلقين رءوسكم ومقصرين) يعني: محلقاً بعضكم ومقصراً بعضكم، والقرينة عليه: أن الحلق والتقصير لا يجتمعان، فالمحرم إما أن يحلق وإما أن يقصر، ولا يجتمعان؛ فلذلك لابد من نسبة كل منهما لبعض منهم، فالبعض يحلق والبعض يقصر، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (رحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟! قال: رحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟! قال: رحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟! قال ﵌: والمقصرين!).
стр. 2142
معاني المسجد الحرام
المسجد الحرام يطلق في القرآن الكريم ويراد به أربعة معان: الأول: الكعبة المشرفة كما قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٩] يعني: جهة الكعبة المشرفة، وقال ﵎: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة:٩٧].
الثاني: يطلق المسجد الحرام على المسجد كله، يقول ﷺ : (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)، ويقول ﵊: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى).
الثالث: يطلق المسجد الحرام على مكة المكرمة كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١]، وكان الإسراء من بيت أم هانئ من مكة وليس من المسجد نفسه.
الرابع: يطلق المسجد الحرام على الحرم كله، يعني: مكة وما حولها من الحرم؛ لأن حدود الحرم أوسع من حدود مدينة مكة، وحدود الحرم تبدأ من العلامات المنصوبة التي تفصل بين الحل والحرم، فالمسجد الحرام قد يطلق على الحرم كله، يعني: مكة وما حولها من حدود الحرم، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨] والمراد منعهم من دخول الحرم نفسه.
стр. 2143
الحلق أفضل من التقصير في النسك
أخر النبي ﵊ الدعاء للمقصرين، وكرر الدعاء ثلاثاً للمحلقين، وهذا يدل على أن التقصير مفضول لكنه يجزئ بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، قال الله ﵎: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧] فهذا يدل على أنه يجزئ التحلل بمجرد التقصير.
وقد روى الشيخان وغيرهما التقصير عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فمن الخطأ أن بعض الإخوة ينظر بنظرة الازدراء أو الاحتقار لمن يحج أو يعتمر ثم يقصر شعر رأسه، مع أن هذا ليس منكراً، نعم بلا شك أن الحلق أفضل، ولكن التقصير يجزئ، وبعض الناس لسبب أو لآخر لا يحلق عند التحلل، فلا ينبغي أبداً لمن يحلق أن ينظر إلى أخيه الذي يقصر على أنه مقصر، مقصر شعره ومقصر في طاعة الله ، فلا ينظر إليه نظرة ازدراء.
وأيضاً بعض الأخوات تزدري من تلبس جلباباً أو حجاباً يستوفي شروط الحجاب الشرعي لكنه بغير اللون الأسود، ومن قال: إننا نتعبد بالألوان؟ والتعبد بالألوان شيء من بدع الأخوات، وقد يقلن: هذه التزامها فيه ضعف؛ لأنها تلبس حجاباً بغير اللون الأسود! هذا من تنطع بعض الأخوات، وهذا من عندهن وليس من الشرع.
стр. 2144
ليس على النساء حلق
قولنا: الحلق أفضل من التقصير، هذا خاص بالرجال، أما النساء فليس عليهن حلق، وإنما عليهن التقصير فقط؛ لقول النبي ﵌: (ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير)، يعني تجمع شعرها كله ثم تقص منه قدر الأنملة.
стр. 2145
حكم حلق الشعر في غير النسك
ما حكم حلق شعر الرأس في غير النسك؟ حلق الرأس في الحج والعمرة مما أمر به الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحلق الرأس لحاجة مثل التداوي جائز، فيجوز أن يحلق الإنسان رأسه للتداوي من بعض الأمراض الجلدية أو من بعض الحشرات كالقمل مثلاً، وهذه الأشياء قد تعالج بأن يزيل شعر رأسه تماماً، فهذا جائز للحاجة.
أما حلق شعر الرأس على وجه التعبد والتدين والزهد فهذا بدعة لم يأمر الله به ولا رسوله ﷺ .
إذً: يحلق الإنسان رأسه في الحج والعمرة، وهذا مما أمر به الله ورسوله ﵊، ويحلق رأسه للحاجة كالتداوي، وهذا جائز، أما أن يحلق رأسه في غير النسك لغير حاجة، يعني: من غير حج ولا عمرة ولا مرض فهذا فيه قولان: الأول: أنه مكروه، وهو مذهب مالك وغيره؛ لأنه شعار أهل البدعة من الخوارج الذين كانوا يحلقون رءوسهم.
الثاني: أنه مباح، وهو المعروف عن أصحاب أبي حنيفة والشافعي، فله أن يحلقه بلا تعبد في الحج والعمرة، ولا لحاجة كمرض، فلا بأس أن يحلق، لكن لو نوى به التعبد فهذا بدعة لم يأمر الله بها ولا رسوله ﷺ ، وليست واجبة ولا مستحبة عند أحد من الفقهاء؛ لأن التعبد بحلق الرأس من سيما الخوارج، وهذه علامة من خصائص الخوارج كما في الحديث: (سيماهم التحليق).
стр. 2146
معنى قوله تعالى: (لا تخافون)
يقول القاسمي ﵀ ﵎: قوله تعالى: ﴿آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧] لا تخافون: هذه حال مؤكدة لقوله: آمنين، أي: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين لا تخافون، فهذه حال مؤكدة لقوله تعالى: (آمنين)، أو مؤكدة لأن اسم الفاعل للحال والمضارع للاستقبال، آمنين يعني: في الحال، لا تخافون يعني: في المستقبل، فيكون قد أثبت لهم الأمن حال الدخول، ونفى عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد، لا يخافون من أحد.
стр. 2147
خبر عمرة القضاء
قال الحافظ ابن كثير ﵀: وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، فإن النبي ﷺ لما رجع من الحديبية في ذي القعدة رجع إلى المدينة، فأقام بها ذا الحجة والمحرم، وخرج في صفر إلى خيبر ففتحها الله عليه بعضها عنوة وبعضها صلحاً، وهي إقليم عظيم كثير النخل والزروع، فاستخدم من فيها من اليهود عليها على الشطر، وقسمها بين أهل الحديبية وحدهم، ولم يشهدها أحد غيرهم، إلا الذين قدموا من الحبشة جعفر بن أبي طالب وأصحابه وأبو موسى الأشعري وأصحابه ﵃، ولم يغب منهم أحد.
قال ابن زيد: إلا أبا دجانة سماك بن خرشة كما هو مقرر في موضعه، ثم رجع إلى المدينة فلما كان في ذي القعدة من سنة سبع خرج ﷺ إلى مكة معتمراً هو وأهل الحديبية، فأحرم من ذي الحليفة وساق معه الهدي، قيل: كان ستين بدنة، فلبى وسار وأصحابه يلبون، فلما كان قريباً من مر الظهران بعث محمد بن مسلمة بالخيل والسلاح أمامه، فلما رآه المشركون رعبوا رعباً شديداً، وظنوا أن رسول الله ﷺ يغزوهم، وأنه قد نكث العهد الذي بينهم وبينه من وضع القتال عشر سنين، فذهبوا فأخبروا أهل مكة، فلما جاء رسول الله ﷺ فنزل بمر الظهران حيث ينظر إلى أنصاب الحرم -وهي العلامات التي توضع تحدد حدود للحرم- بعث السلاح من القسي والنبل والرماح إلى بطن يأجج، وسار إلى مكة بالسيوف مغمدة في قربها كما شارطهم عليه، فلما كان في أثناء الطريق بعثت قريش مكرز بن حفص فقال: يا محمد! ما عرفناك تنقض العهد، فقال ﷺ : (وما ذاك؟!) قال: دخلت علينا بالسلاح والقسي والرماح، فقال ﷺ : (لم يكن ذلك، وقد بعثنا به إلى يأجج) فقال: بهذا عرفناك بالبر والوفاء، وخرج رءوس الكفار من مكة -أي: من شدة الحقد والغيظ خرجوا من مكة- لئلا ينظروا إلى رسول الله ﷺ وإلى أصحابه ﵃ غيظاً وحنقاً.
وأما بقية أهل مكة من الرجال والنساء والولدان فجلسوا في الطرق وعلى البيوت ينظرون إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فدخلها ﵊ وبين يديه أصحابه يلبون، والهدي قد بعثه إلى ذي طوى وهو راكب ناقته القصواء التي كان راكبها يوم الحديبية، وعبد الله بن رواحة الأنصاري ﵁ آخذ بزمام ناقة رسول الله يقودها وهو يقول: باسم الذي لا دين إلا دينه باسم الذي محمد رسوله خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله قد أنزل الرحمن في تنزيله في صحف تتلى على رسوله بأن خير القتل في سبيله يا رب إني مؤمن بقيله وروى الإمام أحمد من طريق أبي الطفيل عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما نزل مر الظهران في عمرته بلغ أصحاب رسول الله ﷺ أن قريشاً تقول: ما يتباعثون من العجف -أي: من الهزال والضعف الذي نزل بهم- فقال أصحابه: لو انتحرنا من ظهرنا، فأكلنا من لحمه، وحسونا من مرقه، فأصبحنا غداً حين ندخل على القوم وبنا جمامة -يعني: نتقوى بها- فقال النبي ﵊: (لا تفعلوا، ولكن اجمعوا لي من أزوادكم)، فجمعوا له وبسطوا الأنطاع، فأكلوا حتى تركوا، وحثا كل واحد منهم في جرابه، ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى دخل المسجد وقعدت قريش نحو الحِجْر، فاضطبع رسول ﷺ بردائه ثم قال: (لا يرى القوم فيكم غميزة)، فاستلم الركن ثم رمل حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الأسود، فقالت قريش: ما يرضون بالمشي، أما إنهم لينقزون نقز الظباء، ففعل ذلك ثلاثة أشواط؛ فكانت سنة، والمقصود بذلك الرمل، وقد كان المشركون جلسوا في الجهة الشمالية التي تقابل الحِجْر يراقبون الصحابة وهم يطوفون، فالصحابة رملوا الثلاثة الأشواط الأولى؛ ليظهروا الجلد والقوة لئلا يشمت بهم الكفار، وقد كان الصحابة متعبين، فكانوا يرملون في الجهات الثلاث، ثم في الجهة الرابعة التي هي الجهة اليمانية، كانوا يستترون بالكعبة، فمن ثم كانوا بين الركنين يمشون ليستريحوا من هذه الهرولة، حتى لا يشمت بهم المشركون، فصارت سنة بعد ذلك، فهذا هو سبب هذه السنة، وهذا مثل سبب مشروعية السعي حينما سعت هاجر.
وروى الإمام أحمد من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: (لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب -أي: أضعفتهم- ولقوا منها سوءاً، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها شراً، وجلس المشركون من الناحية التي تلي الحِجْر، فأطلع الله تعالى نبيه ﷺ على ما قالوا، فأمر رسول الله ﷺ أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة ليرى المشركون جلدهم، قال: فرملوا ثلاثة أشواط، وأمرهم أن يمشوا بين الركنين حيث لا يراهم المشركون).
وفي رواية: (ولم يمنع النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم) يعني: كانوا يمشون في المنطقة اليمانية؛ لأنه لو أمرهم أن يرملوا الأشواط كلها لكان في ذلك مشقة شديدة عليهم، ولم يستطيعوا أن يكملوا، ولم يمنع النبي ﷺ أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم.
стр. 2148
معنى قوله تعالى: (فعلم ما لم تعلموا)
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ أي: من الخيرة والمصلحة في صرفكم عن مكة ودخولكم عليها عامكم ذلك، يعني: علم ما لم تعلموا حينما تم صلح الحديبية، ثم قدر وقضى أن تعودوا، وذلك لما علمه الله من الخير الكثير في صرفكم عن مكة، ودخولكم إليها في عامكم ذلك.
قال ابن جرير: (فعلم ما لم تعلموا) وذلك علمه تعالى ذكره بما في مكة من الرجال والنساء المؤمنين الذين لم يعلمهم المؤمنون، ولو دخلوها في ذلك العام لوطئوهم بالخيل والرجل، فأصابتهم منهم معرة بغير علم، فردهم الله عن مكة من أجل ذلك، وليدخل في رحمته من يشاء ممن يريد أن يهديه.
стр. 2149
معنى قوله تعالى: (فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً)
قوله تعالى: ((فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا)): فجعل من دون ذلك -يعني: قبل دخولكم الذي وعدتم به في رؤيا النبي ﷺ فتحاً قريباً، وهو الصلح الذي جرى بين رسول الله ﷺ وبين مشركي قريش.
أو (فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً) وهو فتح خيبر، (من دون ذلك) يعني: قبل تحقق الرؤيا، ففتح خيبر لتستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود، وإلى الأول ذهب الزهري فقال: يعني صلح الحديبية، وما فتح في الإسلام فتح كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب، أمن الناس بعضهم بعضاً، فالتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد من الناس يعقل شيئاً إلا دخل فيه، فلقد دخل في ذينك السنتين في الإسلام مثل من كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر، ووافقه مجاهد، وقال ابن جرير: والصواب أن يعم فيقال: جعل الله من دون ذلك كليهما -يعني: فتح خيبر وأيضاً صلح الحديبية- ما ترتب عليه من الخيرات العظيمة.
стр. 2150
تفسير قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله)
قال ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨].
(بالهدى) أي: البيان الواضح، (ودين الحق) أي: دين الإسلام، وقال المهايمي: (بالهدى) أي: الدلائل القطعية، (ودين الحق) أي: الاعتقادات الصائبة المطابقة لما هو الواقع أشد مطابقة.
وقال ابن كثير: (بالهدى): بالعلم النافع، (ودين الحق): العمل الصالح، فإن الشريعة تشتمل على شيئين: علم وعمل، فالعلم الشرعي صحيح، والعمل الشرعي مقبول، فإخباراتها حق وإنشاءاتها عدل.
(لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) يعني: ليعليه على الدين كله أي: ليبطل به الملل كلها حتى لا يكون دين سواه، وذلك حين ينزل عيسى بن مريم ﵇ فيقتل الدجال، فحينئذ تبطل الأديان كلها غير دين الله الذي بعث الله به محمداً ﷺ ، ويظهر الإسلام على الأديان كلها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قد أظهره الله تعالى علماً وحجة وبياناً على كل دين، كما أظهره قوة ونصراً وتأييداً، وقد امتلأت الأرض منه ومن أمته في مشارق الأرض ومغاربها، وسلطانهم دائم لا يقدر أحد أن يزيله كما زال ملك اليهود وزال ملك من بعدهم عن خيار الأرض وأوسطها، هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
(وكفى بالله شهيداً) أي: على أن ما وعدهم من إظهار دينه على جميع الأديان أو ما وعدهم من الفتح أو المغانم كائن، قال الحسن: شهد الله على نفسه أنه سيظهر دينك على الدين كله وكفى بالله شهيداً.
قال ابن جرير: وهذا إعلام من الله لنبيه ﷺ ، والذين كرهوا الصلح يوم الحديبية من أصحابه: أن الله فاتح عليهم مكة وغيرها من البلدان مسليهم بذلك عما نالهم من الكآبة والحزن بانصرافهم عن مكة قبل دخولها وقبل طوافهم بالبيت.
стр. 2151
معنى قوله تعالى: (ليظهره على الدين كله)
نقف وقفة مع هذه الآية الكريمة: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨] أكثر المفسرين على أن الهاء في قوله: (ليظهره) راجعة إلى الرسول ﷺ ، أي: ليظهر رسوله ﵊، والأظهر أنه راجع إلى دين الحق، يعني: يظهر دين الحق على الدين كله، أي: أرسل الرسول بالدين الحق ليظهر الدين الحق على كل الأديان، وعلى هذا فيحتمل أن يكون الفاعل للإظهار هو الله : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره يعني: ليظهر الله هذا الدين، أو ليظهر الرسول ﷺ هذا الدين، وجوز غير واحد -وهو الذي استظهره الآلوسي رحمه الله تعالى- أن يكون المعنى: ليظهر الله الإسلام على الدين كله في تسليط المسلمين على جميع أهل الأديان، وقالوا: ما من أهل دين حاربوا المسلمين إلا وقد قهرهم المسلمون، ويكفي في ذلك استمرار ما ذكرنا زماناً معتداً به كما لا يخفى على المطلعين على كتب التاريخ والوقائع، وقيل: إن تمام هذا الإعلاء عند نزول عيسى ﵇ وخروج المهدي حيث لا يبقى حينئذ سوى دين الإسلام.
ووقوع خلاف ذلك بعد لا يضر إلا لنحو ما سمعت، وإما لأن الباقي من الدنيا إذ ذاك كلا شيء.
وفي الجملة فضل تأكيد لما وعد الله تعالى به من الفتح، وتوطيد لنفوس المؤمنين على أنه تعالى سيفتح لهم البلاد، ويتيح لهم من الغلبة على الأقاليم ما يستقلون بالنسبة إليه فتح مكة، فيظهره على الدين كله، فكلمة (كله) بشارة لما هو أعظم وأكبر من فتح مكة؛ لأن مكة مدينة واحدة، لكن الآية فيها إشارة إلى أن البلاد كلها سوف تفتح بالإسلام.
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣]، ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة ذكره في سورة التوبة وسورة الصف، وزاد فيهما أنه فاعل ذلك ولو كان المشركون يكرهونه، فقال في الموضعين: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٩]، وقد كان ﵌ يتهدد أعداءه بالسيف قبل الهجرة، وكان ﷺ يطوف بالبيت، وأشراف قريش قد اجتمعوا بالحجر وقالوا: ما رأينا مثل صبرنا على هذا الرجل، قد سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، فلما مر بهم النبي ﷺ غمزوه ببعض القول، فعرف ذلك في وجهه ﷺ ، وفعلوا به ذلك ثلاث مرات فوقف فقال: (أتسمعون يا معشر قريش؟! أما والذي نفس محمد بيده! لقد جئتكم بالذبح) يعني: بالسيف، فأخذت القوم كلمته حتى ما فيهم رجل إلا كأنما على رأسه طير واقع، وحتى أن أشدهم عليه قبل ذلك ليلقاه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف -يا أبا القاسم- راشداً، فوالله! ما كنت جهولاً.
وقال محمد بن كعب: بلغ النبي ﷺ أن أبا جهل يقول: إنكم إن بايعتموه عشتم ملوكاً، فإذا متم بعثتم بعد موتكم، وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن، وإنكم إن خالفتموه كان لكم منه الذبح، ثم بعثتم بعد موتكم، وكانت لكم نار تعذبون فيها، فبلغ النبي ﷺ قوله فقال: (وأنا أقول ذلك: إن لهم مني لذبحاً، وإنه لآخذهم).
فالإخبار بظهور الإسلام وعلوه على العالمين كان في ذلك الوقت مستقبلاً، يعني: حينما نزلت هذه الآية ونحوها من الآيات، وحينما نطق النبي ﷺ بالأحاديث التي سنشير إليها، كان هذا إخباراً عن المستقبل، والمستقبل مجهول للإنسان، فإذا تصوره كان تصوره مجرد توقعات قد تعتمد على مقدمات تؤدي إلى نتائج، ومهما أوتي الإنسان من صدق الحدس وقوة الإدراك، فإنها لا تزيد على كونها مجرد توقعات، وأما في حالة عدم وجود مقدمات، كان توقع حصول النتائج مجرد عبث وتخرص وتوهم، ووقوعه في هذه الحالة هو من قبيل ما يسميه البعض بالمصادفات وعدم وقوعها هو الأصل.
أحد العلماء من باكستان ألف كتاباً جرده لذكر مئات الأخبار عن النبي ﵇ بأمور مستقبلية كلها أو معظمها وقع تماماً كما أخبر النبي ﵊، فإذا ما تحدث إنسان عن المستقبل بتفاصيل مسهبة ولم يخرمها المستقبل حتى ولا في جزء من أجزائها، مع كثرة أعدائه المتربصين الحريصين على الطعن في صدقه، إذاً لابد من استبعاد التوقعات والتكهنات والنبوءات الكاذبة، واستبعاد ما كان مبيتاً، واستبعاد ما تحقق بعضه وكذب بعضه، واستبعاد ما كان عن منام وقع أو كرامة صالح، ولكن صدق الإخبار عن المستقبل المجهول الذي يتحقق تحققاً تاماً فهذا بلا شك نبوة لا شك فيها، وهو الوحي الذي يصل عالم الغيب بعالم السماء، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]؛ فلذلك كان الإخبار بالبشارات التي تتعلق بظهور دين الإسلام في وقت كان المسلمون فيه في أشد مراحل الضعف، وكان النبي ﵇ مع ذلك يجزم ويقطع بالتمكين لهذا الدين؛ دليل من دلائل النبوة.
стр. 2152
علامات صدق النبوة
ما هي العلامات الخمس التي تدل على صدق النبوة؟ لو أن كافراً قال لك: أثبت لي صدق محمد، وما هي الأدلة والصفات الشخصية لصاحب الرسالة؟ فنقول: الثمرات، والمعجزات، والبشارات وهي التي تبشر بظهور النبي في الكتب السابقة، والنبوءات، والصفات الشخصية، فإن للأنبياء صفات لا تشتبه أبداً بصفات غيرهم حتى لو كانوا من الصديقين والشهداء والصالحين، لا يمكن أن تشتبه خصائص النبي بخصائص غيره من البشر، فللأنبياء صفات مميزة؛ لأن الله يصطفيهم من أعلى الدرجات، ومن قمة البشر، سواء في حسبهم ونسبهم أو كمال أجسادهم وقوتهم وجمالهم وأخلاقهم، وغير ذلك من الصفات، فالأنبياء يمثلون قمة متميزة في صفاتهم الشخصية الحسية والنفسية، ولا يشاركهم فيها أحد.
فمن هذه العلامات: الثمرات؛ لأن للأنبياء انطباعات وثمرات في الوجود وفي العالم لا تشتبه بغيرهم ممن يسمونه المصلحين أو الدعاة أو نحو ذلك، فالأنبياء لهم ثمرات يتركونها في واقع البشرية لا تشتبه بثمرات غيرهم، وليس لنبينا ﷺ في هذا كله نظير على الإطلاق، فهو أعظمهم ثمرة وأثراً.
ومنها: النبوءات، وهي نبوءات كثيرة عما يحصل في المستقبل.
ومنها: البشارات، أي: بشارة النبي السابق بالنبي اللاحق، كما يوجد في التوراة والإنجيل من بشارات كثيرة لنبينا محمد ﷺ .
ومنها: المعجزات، وهي الخوارق التي تقترن بادعاء النبوة، وهذه أيضاً من خصائص الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
قال الله ﵎: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، الحق في لغة العرب هو الثابت الذي ليس بزائل ولا مضمحل، أما الباطل فمعناه: الذاهب المضمحل.
والمراد بالحق في قوله تعالى: (وقل جاء الحق) هو ما في هذا القرآن العظيم والسنة النبوية من الدين الإسلامي، والمراد بالباطل الزاهق: الشرك بالله والمعاصي المخالفة لدين الإسلام.
(إن الباطل كان زهوقاً) يقال: زهقت نفسه إذا خرجت وزالت من جسده، (إن الباطل كان زهوقاً) كان هي صيغة للماضي، لكن كان هنا تفيد الاستمرار والثبات، يعني: إن الباطل كان زهوقاً في كل وقت، وقد ذكر الله تعالى أن الحق يزيل الباطل ويذهبه في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ:٤٨ - ٤٩]، وقال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٨]، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (دخل النبي ﷺ مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ((جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا)) [الإسراء:٨١]، ((جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ)) [سبأ:٤٩]) متفق عليه.
стр. 2153
المستقبل لهذا الدين
قال ﵎: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥] هذه الآية من البشارات للتمكين للمسلمين، وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف:١٣٧]، وقال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] (الزبور) هنا: جنس الكتاب، أي: في التوراة والإنجيل وزبور داود وغير ذلك، (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر) يعني: أم الكتاب، فالمقصود: كتبنا في الكتب المنزلة على الأنبياء أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، بعد أن كنا قد كتبنا ذلك في أم الكتاب.
قيل في العباد الصالحين: هم أمة محمد ﷺ ؛ لأن النصارى الذين أسلموا قالوا: ﴿وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة:٨٤] وهم قطعاً أصحاب النبي ﵊.
وقوله : (أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) قيل: هي الجنة كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤]، وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١]، فمعنى الإيراث: الإنعام عليهم بالخلود فيها في أكبر نعيم وسرور، وقال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣].
وقيل: إن الأرض أرض العدو، يورثها الله المؤمنين في الدنيا كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب:٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف:١٣٧]، وقال : ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]، وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم:١٣ - ١٤].
стр. 2154
بشارات نبوية بالتمكين لهذا الدين
روى مسلم بسنده عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى، فقلت: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٩] أن ذلك تاماً قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحاً طيبة تقبض كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم).
وروى مسلم أيضاً بسنده عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي ألا يهلكها بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها -أو قال- بين أقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً) أي: أن ربنا سيحفظهم من أن يسلط عليهم عدواً يستبيح بيضتهم حتى لو اجتمع عليهم كل الناس في الأرض، وهذا الوعد مستمر حتى يبدءوا هم في انتهاك حرمات بعضهم بعضاً، فإذا تقاتل المسلمون، واستباح بعضهم حرمات بعض؛ حينئذ يزول هذا الضمان وهذا الأمان.
والمراد بالكنزين: الذهب والفضة، والمراد كنز كسرى وقيصر ملكي العراق والشام.
وفيه إشارة إلى أن ملك هذه الأمة يكون معظم امتداده في جهتي المشرق والمغرب لقوله: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها) فهذا وعد من الله أن ملك هذه الأمة يبلغ مشارق الأرض ومغاربها، وهذا هو الواقع كما نلاحظ، فإن البلاد الإسلامية الآن ممتدة الأفق في جهة الشرق والغرب، أما في جهة الجنوب والشمال فامتدادها قليل بالنسبة إلى المشرق والمغرب.
وقال ﷺ : (إنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمالها في النار إلا من اتقى الله وأدى الأمانة).
وقال ﵊: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر).
وكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان كافراً منهم الذل والصغار والجزية.
وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: بينما أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، وأتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: (يا عدي بن حاتم! إن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله، -قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيء الذين سعروا البلاد؟ - ولتفتحن كنوز كسرى، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفيه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد، قال عدي: قد رأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى ولئن طالت بكم حياة سترون الثالثة)، قال البيهقي: قد وقع ذلك في زمن عمر بن عبد العزيز.
وعن عمر بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: إنما ولي عمر بن عبد العزيز سنتين ونصفاً، والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يطرح حتى يرجع بذلك، فيتذكر من يضعه فيه، فلا يجده، فيرجع بماله، قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس رحمه الله تعالى.
وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ فقال: (يا عدي! أسلم تسلم، فقلت: إني من أهل دين، قال: أنا أعلم بدينك منك، فقلت: أنت أعلم بديني مني؟! قال: نعم، ألست من الركوسية؟ وأنت تأكل مرباع قومك؟ قال: قلت: بلى، قال: فإن هذا لا يحل لك في دينك، قال: فلم يعد أن قالها فتواضعت لها، قال: أما إني أعلم ما الذي يمنعك عن الإسلام؟ تقول: إنما تبعه ضعفة الناس، ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟ قلت: لم أرها وقد سمعت بها، قال: فوالذي نفسي بيده! ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز، قلت: كسرى بن هرمز؟! قال: نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد، قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده! لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله ﷺ قد قالها).
وروى مسلم عن نافع بن عتبة ﵁ أنه حفظ من رسول الله ﷺ أربع كلمات أعدهن في يدي، قال: (تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله)، فقال نافع: يا جابر! لا نرى الدجال يخرج حتى تفتح الروم.
стр. 2155
حديث: (وعدتم من حيث بدأتم)
روى مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم)، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه.
قال الرسول ﵇ هذا الحديث أمام أبي هريرة، (منعت العراق درهما وقفيزها) القفيز: مكيال معروف لأهل العراق، (ومنعت الشام مديها ودينارها) المدي: مكيال معروف لأهل الشام، (ومنعت مصر إردبها ودينارها) الإردب: مكيال معروف لأهل مصر.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: وفي معنى قوله: منعت العراق وغيرها قولان مشهوران: أحدهما: لإسلامهم، أي: أن هؤلاء يسلمون فتسقط عنهم الجزية، وهذا قد وجد، بعدما كانوا يرسلون الجزية ثم أسلموا فامتنع مجيء هذه الأشياء.
القول الثاني -وهو الأشهر-: أن العجم والروم يستولون على البلاد في آخر الزمان، فيمنعون حصول ذلك للمسلمين، يعني بعدما كانت هذه البلاد تجبى منها الجزية والخراج إلى دار الخلافة، سوف تعود هذه البلاد إلى الوضع الذي تمنع فيه أداء الجزية والخراج، وهذا هو الواقع الآن، وفي ضمن هذا الحديث أن هذه البلاد سوف تفتح حتى تبذل الجزية والخراج.
وروى مسلم عن جابر: (يوشك ألا يجيء إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذلك)، وذكر منع الروم لذلك في الشام، وهذا قد وجد في زماننا في العراق، وقيل: لأنهم يرتدون في آخر الزمان فيمنعون ما لزمهم من الزكاة وغيرها، وقيل: معناه أن الكفار الذين عليهم الجزية تقوى شوكتهم في آخر الزمان فيمتنعون مما كانوا يؤدونه.
وقوله: (وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم) هذه أشارة إلى عودة غربة الإسلام كما قال النبي ﵊: (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ)، فهذا معنى (وعدتم من حيث بدأتم)، وفيه الإخبار بغربة الإسلام من جديد.
стр. 2156
فتح القسطنطينية ورومية
عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وسئل: أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أو رومية؟ -رومية هي روما عاصمة إيطاليا- فدعا عبد الله بصندوق له حلق فأخرج منه كتاباً، فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ : أي المدينتين تفتح أولاً قسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﷺ : (مدينة هرقل تفتح أولاً)، يعني: قسطنطينية، وقد تحقق الفتح الأول على يد محمد الفاتح العثماني بعد أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي ﷺ ، وسيتحقق الفتح الثاني بإذن الله تعالى ولا بد، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص:٨٨].
فنحن ليس بيننا خلاف بأن هذا سوف يقع، لكن المشكلة أننا لا نفكر بهذه الأمور دائماً، ونظن أن السنن تحابينا، فيوجد ربط غير طبيعي عند بعض الناس، يقول بعضهم مثلاً: لعل أمريكا تنهار الأرض بهم، وكذا وكذا، وعند ذلك ينتصر المسلمون! يعني ننتظر مجرد انهيارهم، لا، هذا لا يكفي حتى يظهر المسلمون، لابد للمسلمين أيضاً أن يشتغلوا بالبناء، وأن يأخذوا بأسباب القوة، أما أن نبقى نقول: إن أمريكا سيحدث فيها كذا وكذا، وإنها سوف تنهار، وبعضهم يتوقع خراب العالم، وأنه ستحصل حرب نووية تدمر البشرية! لماذا نحن المسلمين نكون هكذا؟! لابد من المواجهة، والعمل بالأسباب الحقيقية التي ينبغي على المسلمين أن يأخذوا بها، فالسنن لا تحابي أحداً، الكافر إذا أراد أن يزرع الأرض، فحرثها ونقاها وسقاها بالماء ووضع فيها البذور السليمة وتعاهدها إلى أن نبتت؛ هل الأرض تقول له: أنت كافر، ولن أنبت لك؟! لا، وهل المؤمن ستقول له الأرض: لأنك مؤمن سوف أكرمك وأوتيك الثمار بدون أسباب؟ لا، هذا خلاف سنة النبي ﷺ ، فالربط بين انهيار الغرب وبين تحقق وعود المسلمين خطأ، فلابد من الأخذ بالأسباب كالآخرين.
стр. 2157
من دلائل النبوة
روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه وهي من خالاته من الرضاعة، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت ﵁، فدخل عليها رسول الله ﷺ فأطعمته، فنام رسول الله ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: ما يضحكك يا رسول الله؟! قال: (ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرة) فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: ما يضحكك يا رسول الله؟! قال: (ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله) كما قال في المرة الأولى، قالت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم قال: (أنت من الأولين)، ثم غزا معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما قبرص في سنة ثمان وعشرين هجرية، ومعه من كبار الصحابة أبو ذر وأبو الدرداء وعبادة بن الصامت، وكانت مع عبادة زوجه أم حرام بنت ملحان.
وأخرج مسلم عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً)، وهذه بشارة بفتح مصر، والمقصود بالرحم أنهم أخوال إبراهيم ﵇ ابن رسول الله ﷺ ، فالأقباط أخواله؛ لأن مارية القبطية أمه، فالمقصود أرض مصر، والآثار في الأسفار عن مدح مصر كثيرة.
وقال ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] الأميون هم: العرب كلهم، ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة:٣] يعني: وبعث في آخرين من الأميين أو يعلمهم ويعلم آخرين من المؤمنين لما يحلقوا بهم، أي: لم يكونوا في زمنهم وسيجيئون بعدهم، قال ابن عمر وسعيد بن جبير: هم العجم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: كنا جلوساً عند النبي ﷺ إذ نزلت عليه سورة الجمعة، فلما قرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة:٣] قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟! فلم يراجعه النبي ﷺ حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثاً، قال: وفينا سلمان الفارسي، فوضع النبي ﷺ يده على سلمان ثم قال: (لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء).
وفي رواية: (لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس -أو قال- من أبناء فارس حتى يتناوله) وهذا لفظ مسلم.
وليس المقصود بهذا الرافضة الخبثاء الضالون، إنما المقصود بفارس علماء المسلمين من أهل السنة الذين دخلوا في الإسلام وكانوا من أهل فارس.
وأخرج مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (والله! ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون).
وهذه إشارة إلى موعود الله الذي وعد به في كتابه وعلى لسان رسوله ﵌ من التمكين لهذا الدين.
стр. 2158
تفسير قوله تعالى: (محمد رسول الله)
قال الله ﵎ في الآية الأخيرة من سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩].
(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) ﵊، (وَالَّذِينَ مَعَهُ) أي: أصحابه ﵃، (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) أي: لهم شدة وغلظة على الكفار المحاربين لهم الصادين عن سبيل الله وعندهم تراحم فيما بينهم كقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]، وجوز في قوله : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ): أن يكون مبتدأً وخبراً، يعني: إن هذه شهادة من الله بأن محمداً هو رسول الله ﵊، وأن يكون (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) صفة أو عطف بيان أو بدلاً، (وَالَّذِينَ مَعَهُ) عطف عليه، وخبرهما: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) وهذا تكليف، ولو لم يذكر الله قوله تعالى: (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) ربما توهم متوهم أنهم باعتيادهم الشدة على الكفار قد صار ذلك لهم سجية في كل حال، وعلى كل أحد، وأن هذه الصفة صارت ذاتية لهم في كل حال، ومع كل أحد، فلما قال تعالى: (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) اندفع ذلك التوهم، فعندهم تكريم واحترام للمؤمنين، ولما قال في الآية الأخرى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤] ربما توهم أن مفهوم القيد غير معتبر، ومفهوم القيد هو (على المؤمنين) فربما توهم أنهم موصوفون بالذلة دائماً لكل أحد، وأن الذل صفة لازمة لهم على كل حال لكل الناس، فدفع الله هذا الوهم بقوله تعالى: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤].
((أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)) فهو كقوله: حليم إذا ما الحلم زين أهله على أنه عند العدو مهيب قال المهايمي: تفيد الآية أن دين الحق قد ظهر في أصحابه صلوات الله عليه، إذ اعتدلت قوتهم الغضبية بتبعية اعتدال الفكرة، إذ هم أشداء على الكفار لرسوخهم في صحة الاعتقاد، بحيث يغارون على من لم يصح اعتقاده.
(رحماء بينهم): لعدم ميلهم إلى الشهوات، هذا باعتبار الأخلاق، فهم من حيث أخلاقهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣]، وأما باعتبار الأعمال فأنت: ((تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا)).
قال ابن كثير: وصفهم بكثرة العمل: (ركعاً سجداً) ووصفهم بكثرة الصلاة التي هي خير الأعمال، ووصفهم بالإخلاص فيها لله ، فالآية تمدح ظاهرهم وتمدح باطنهم، تمدح ظاهرهم لقوله: (تراهم ركعاً سجداً)، وتمدح باطنهم؛ لأنهم ما يريدون من العبادة إلا وجه الله : (يبتغون فضلاً من الله ورضواناً)، فوصفهم بالإخلاص لله ، والاحتساب عند الله تعالى، فلهم جزيل الثواب، وهو الجنة المشتملة على فضل الله ، وعلى سعة الرزق عليهم، ورضاه تعالى عنهم، وهو أكبر كما قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢].
стр. 2159
معنى قوله تعالى: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود)
قوله تعالى: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ): هذا مبتدأ وخبر يعني: علامتهم كائنة فيهم رضي الله تعالى عنهم، (مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) هذا بيان للسيما كأنه قيل: سيماهم التي هي أثر السجود أو حال من المستكن في وجوههم، كأن المقصود هي من أثر السجود.
قال ابن عباس: سيماهم في وجوههم يعني: السمت الحسن، وقال مجاهد وغير واحد: يعني الخشوع والتواضع، وقال منصور لـ مجاهد: ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه، يعني العلامة التي تكون في الوجه فقال مجاهد: ربما كان بين عيني من هو أقسى قلباً من فرعون، يعني: ربما كان هذا الأثر الذي يكون في الوجه علامة الصلاة بين عيني من هو أقسى قلباً من فرعون.
وقال بعض السلف: من كثرت صلاته بالليل، حسن وجهه بالنهار، وقد رفعه شريك والصحيح أنه موقوف، وتوجد قصة فيها سبب الوهم الذي حصل في رواية هذا الحديث.
وقال بعضهم: إن للحسنة نوراً في القلب، وضياءً في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الناس.
وقال أمير المؤمنين عثمان ﵁: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه.
وروى الطبراني مرفوعاً: (ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله تعالى رداءها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر)، وإسناده واهٍ؛ لأن فيه العذراني وهو متروك.
وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائناً ما كان).
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً: (إن الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة) رواه أبو داود.
التأويل الثاني في الآية: أن فيهم آثار ترى في الوجه من ثرى الأرض، أو ندى الصخور، وروي ذلك عن ابن الزبير وعكرمة، وقد كان ذلك في العهد النبوي حيث لا فراش للمسجد إلا ترابه وحصباءه، (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) يعني: تراب كان يعلق بالجبهة، وهذا كان موجوداً في زمن النبي ﵊؛ لأن المسجد كان يفرش بتراب وحصباء؛ فلذلك كان يعلق التراب في جباههم، أما الآن فالمساجد تفرش بالفرش، فالسيما هي علامة السجود المعروفة أو أنها التراب الذي كان يعلق في جباههم أو أنها السمت الحسن والخشوع، وهذا هو الأقرب، والله تعالى أعلم.
стр. 2160
شدة الصحابة على الكافرين ورحمتهم بالمؤمنين
قوله : (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار) قوله هنا: (والذين معه) يعني: جميعهم، فجميعهم (أشداء على الكفار رحماء بينهم)؛ لأن وصف الشدة والرحمة وجد في جميعهم، أما في المؤمنين فكما في قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]، وأما في حق النبي ﵊ فكما في قوله: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣]، في حين قال عنه في حق المؤمنين: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ﵌.
ومن الطرق التي تستطيع أن تميز بها مذهب مؤلف كتاب، وأردت أن تعرف هل هو شيعي أو غير شيعي، فانظر في المقدمة، هل ترضى عن الصحابة أم لا، تجد الشيعة لا يترضون عنهم، وبعضهم لا يعمل مقدمة، بل يدخل في موضوعه مباشرة تجنباً لذكر الصحابة حتى لا يترضى عنهم، وإما أن يترضى على آل البيت فقط، وأهل السنة في مقدمة الكتب يقولون: ورضي الله عن أصحابه أجمعين، لماذا؟ حتى لا يظن أحد أنه ترضى عن بعض أصحابه، فنجد علماء السنة في المقدمات يقولون: ورضي الله عن أصحابه أجمعين، ومنهم من يزيد ويقول: ورضي الله عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والمهاجرين والأنصار، فهذا كله من أجل ما زرعه الشيعة -قبحهم الله- من الأحقاد والسباب للصحابة ﵃ أجمعين.
روي عن الحسن أنه قد بلغ من شدتهم على الكفار أنهم كانوا يتحرجون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقة، والمصافحة لم يختلف فيها الفقهاء، لكن المعانقة تشرع عند القفول من السفر، قال بعض المفسرين: وينبغي التأسي بهم رضي الله تعالى عنهم في التشدد على أعداء الله، والرحمة على المؤمنين.
وعن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: (من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا).
وقال ﷺ : (لا تنزع الرحمة إلا من شقي).
ولا بأس بالبر والإحسان إلى عدو الدين إذا تضمن ذلك مصلحة شرعية، كما أفاد ذلك ابن حجر في فتاويه الحديثية فلتراجع.
стр. 2161
معنى قوله تعالى: (ذلك مثلهم في التوراة)
قوله ﵎: (ذلك مثلهم في التوراة) أي: ذلك الوصف مثلهم -رضي الله تعالى عنهم- في التوراة، أي: صفتهم العجيبة فيها، ومعنى ذلك أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم مدحوا قبل أن يخلقوا، وذلك في الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل، فهذه الآية تشير إلى نصين في التوراة والإنجيل كلاهما في مدح صحابة النبي ﵌، فكيف يمدحهم الله قبل أن يخلقوا ثم يكون فيهم ما افتراه الأفاكون الضالون الرافضة -لعنهم الله- من أن الصحابة ارتدوا جميعاً ما عدا ثلاثة.
والذي يقول هذا كفر بقوله تعالى للصحابة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وكفر بقوله ﵎: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، فمن ﵁ لا يسخط عليه أبداً.
(ذلك) أي: الوصف (مثلهم في التوراة) أي: صفتهم العجيبة فيها، فالصحابة موصوفون في التوراة بأنهم (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ).
стр. 2162
معنى قوله تعالى: (ومثلهم في الإنجيل كزرع)
قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أي: فراخه أو سنبله أو نباته ﴿فَآزَرَهُ﴾ يعني: قواه، ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ يعني: غلظ الزرع واشتد، فالسين للمبالغة في الغلظ أو صار من الدقة إلى الغلظ ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ أي: استقام على قصبه، والسوق جمع ساق ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ أي: هذا الزرع الذي استغلظ فاستوى على سوقه في تمامه وحسن نباته وبلوغه وانتهائه يعجب الذين زرعوه ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ تعليل لما دل عليه تشبيههم بالزرع نمائهم وترقيهم في الزيادة والقوة، كأنه قيل: إنما قواهم وكثرهم ليغيظ بهم الكفار، ومن ثم ذهب الإمام مالك إلى تكفير الرافضة.
يقول الزمخشري: هذا مثل ضربه الله لبدأ أمر الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوي واستحكم؛ لأن النبي ﷺ قام وحده ثم قواه الله بمن آمن معه، كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها حتى يعجب الزراع.
وهذا هو ما قاله البغوي أي: أن الزرع محمد ﵊، وأما الشطء الذي زاد عن هذا الزرع فهم أصحابه والمؤمنون، فجعل التمثيل للنبي ﷺ وأمته، وأما القاضي فجعله مثالاً للصحابة فقط، فـ الزمخشري والبغوي قالا: إن الزرع نفسه هو مثال للنبي ﵊، أما الشط فهم أصحابه والمؤمنون الذي قووا دينه وجاهدوا في سبيله، فهذا تمثيل للنبي وأمته، وأما القاضي فجعله مثالاً للصحابة فقط، وعبارته: وهو مثل ضربه الله تعالى للصحابة، كانوا قلة، في بدء الإسلام، ثم كثروا واستحكموا، فترقى أمرهم بحيث أعجب الناس.
ولكل وجهة.
стр. 2163
هل يكفر الرافضة لغيظهم على الصحابة ؟
قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: من هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمة الله عليه في رواية عنه تكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي الله تعالى عنهم، قال: لأنهم يغيظونهم -إذا رأوا الصحابة يغتاظون، وتغلي عروقهم من الحقد على الصحابة -ومن غاظه الصحابة فهو كافر لهذه الآية، ووافقه طائفة من العلماء على ذلك.
انتهى كلام ابن كثير.
يقول الإمام العلامة القاسمي: ولا يخفاك أن هذا خلاف ما اتفق عليه المحققون من أهل السنة والجماعة من أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة كما بسط في كتب العقائد، وأوضحه النووي في مقدمة مسلم، وقبله الإمام الغزالي في كتاب فيصل التفرقة، وقد كان من جملة البلاء في القرون الوسطى التسرع من الفقهاء في التكفير والزندقة، وكم أريقت دماء في سبيل التعصب لذلك كما يمر كثير منه بقارئ التاريخ.
على أن كلمة الأصوليين اتفقت على أن المجتهد كيفما اجتهد كان مأجوراً غير مأزور، ناهيك بمسألة عدالتهم المتعددة أقوالها، حتى في أصغر كتاب في الأصول كمثل جامع الجوامع، نعم إن التطرف والغلو في المباحث ليس من شأن الحكماء المنصفين، وإذا اشتد البياض صار برصاً.
على أي الأحوال فمسألة تكفير الرافضة فيها تفصيل، والشيعة كلمة لها عدة معان على درجات أو دركات، فالشيعة بالمعنى الصحيح هم أهل السنة الذين تشيعوا لأهل البيت، فنحن نحبهم وننزلهم منزلهم اللائق بهم، فالشيعة بمعنى الأنصار كما قال الله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات:٨٣]، فنحن الشيعة أنصار أهل البيت، ونحن نحبهم دون أن نعبدهم مع الله أو نغلو فيهم، فالشيعة في الحقيقة هم أهل السنة؛ لأنهم هم الذين يتشيعون لأهل البيت بحق وبعدل وبإنصاف، لكن بعد ذلك يطلق لفظ الشيعة على الاعتقاد في تفضيل علي على من سبقه من الخلفاء، واعتقاد أنه أحق بالإمامة من أبي بكر وعمر، فهذا تشيع.
وهناك تشيع الزيدية وهي درجة أخف، وهناك تشيع الرافضة الإمامية الجعفرية الاثني عشرية، وهم من أهل الضلال، وهناك تشيع السبئية الذين زعموا أن علياً إله، وعبدوه من دون الله.
فالشيعة لا يصح لإنسان أن يصدر حكماً عاماً على كل شيعي، حتى رافضة إيران اليوم لا يصلح التعميم في الحكم عليهم؛ لأن المسألة تحتاج إلى تفصيل، وأن تسأل الشيعي: ماذا يعتقد؟ فالبدعة قد تكون مكفرة وقد تكون غير مكفرة، مكفرة مثل أن يعتقد أن القرآن الموجود قرآن ناقص، وأن القرآن الحقيقي هو ثلاثة أضعاف هذا القرآن، وأنه مخبوء مع إمامهم المهدي المزعوم، وغير ذلك من الخرافات، فهذا طعن في القرآن الكريم، وهو كفر، هكذا نفصل، ولا ينبغي التعميم، والعوام ليسوا كالخواص، فالعامي الجاهل الذي نشأ على الرفض، وظن أن هذا هو الإسلام، ليس كالخواص.
ولا شك أنه حتى مع تكفيرهم لن يكونوا كالكفار الأصليين؛ لأن من اعتقد أن محمداً رسول الله، وأنه صادق ومرسل من عند الله؛ لا يستوي مع من لم يعتقد ذلك، فالمسألة فيها تفصيل، ولابد من معرفة ضوابط التبديع أو التفسيق أو التكفير، وهذا قد فصلناه في محاضرة بعنوان (ضوابط التبديع).
стр. 2164
معنى قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً)
قوله ﵎: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: صدقوا الله ورسوله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ أي: عفواً عما مضى من ذنوبهم وسيئ أعمالهم ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩] أي: ثواباً جزيلاً وهو الجنة، و (منهم) هنا بيانية وليست تبعيضية، (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم) هذه بيان لجميع الصحابة، وليست لبعض منهم، والله تعالى أعلم.
стр. 2165
تفسير سورة الحجرات [١ - ٥]
стр. 2166
المناسبة بين سورة الحجرات وما قبلها من السور
نشرع في تفسير سورة الحجرات: لما نوه الله في سورة القتال بذكر النبي ﵌، وصرح في ابتدائها باسمه الشريف، وسمى السورة به، وملأ سورة الفتح بتعظيمه ﷺ ، وختمها باسمه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩]، ﵊، ومدح أتباعه لأجله، افتتح هذه السورة باشتراط الأدب معه في القول والفعل؛ للعد من حزبه، والفوز بقربه، ومدار ذلك على معاني الأخلاق.
وهذه السورة تسمى سورة الآداب، وتسمى سورة الحجرات.
يقول المهايمي: سميت بها لدلالة آيتها على سلب إنسانية من لا يعظم رسول الله ﷺ غاية التعظيم، ولا يحترمه غاية الاحترام، وهو من أعظم مقاصد القرآن.
فمن لم يعظم الرسول ﵊ أقصى التعظيم، ويحترمه غاية الاحترام، فإنه لا يستحق أن يعد من بني البشر أو أن ينسب إلى الإنسان العاقل كما سيأتي ذلك إن شاء الله ﵎.
стр. 2167
إثبات مدنية سورة الحجرات وطريقة معرفة المكي والمدني
وهذه السورة سورة مدنية بإجماع المفسرين، وآيها ثماني عشرة، وقيل: هي مدنية إلا آية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣]، ولعل من استثنى هذه الآية استند إلى قول عبد الله بن مسعود: ما كان فيه ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) فإنه نزل بالمدينة، وما كان فيه ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ)) فإنه نزل بمكة.
وفي الحقيقة هذا ليس بمطرد.
يعني: أن عبد الله بن مسعود إن كان صح هذا عنه فلابد أنه كان يستثني؛ لأن هذه القاعدة ليست مطردة، لكن حقيقة الأمر أن السور المكية يغلب عليها النداء بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) كما في سورة يونس: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس:٢٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس:٥٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس:١٠٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس:١٠٨]، هذا في يونس، وفي سورة لقمان: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان:٣٣].
كذلك السور المدنية يغلب عليها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، لأن غالب الخطاب كان موجهاً إلى المؤمنين بالفعل في مجتمع المدينة، فيغلب على السور المدنية الخطاب: بـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) كما في سورة البقرة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة:١٠٤]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣]، وسورة البقرة مدنية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة:١٧٨]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة:٢٦٧]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٨].
إذاً: الغالب أن السور المكية يغلب فيها النداء: بـ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، والسور المدنية يغلب فيها النداء بـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) لكن لا توجد آية مكية فيها صيغة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) لكن يوجد سور مدنية وفيها: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، كآيات سورة الحجرات هذه في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى)) وفي سورة البقرة وهي سورة مدنية قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١]، وفيها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة:١٦٨].
وفي سورة النساء قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء:١٧٠] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء:١٧٤].
كذلك سورة الحج سورة مدنية وفيها قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ [الحج:٥].
وما ذهب إليه البعض من استثناء هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] إلى آخره اعتماد على النداء: بـ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) في أن هذه الآية بالذات في السورة تعتبر مكية، فهذا قول غير صحيح.
стр. 2168
حث سورة الحجرات على التأدب في الخطاب
انفردت هذه السورة بآداب جليلة أدب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به نبيه ﵌ من التوقير والتبجيل، قال بعض العلماء: كانت العرب في جفاء وسوء أدب عند خطابهم للنبي ﷺ ، فالسورة فيها الأمر بمكارم الأخلاق، ورعاية الآداب.
ولما كان إيمانهم إيماناً علياً عظيماً طولبوا بآداب تتناسب مع هذا الإيمان العالي، وإن اغتفر بعضه لغيرهم ممن ليس في درجتهم، يعني: قد يتسامح في ترك بعض هذه الآداب ممن هو دونهم في المرتبة والإيمان؛ لأنه ليس في درجة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، فكأنه قد قيل لهم: لا تغفلوا ما منح لكم في التوراة والإنجيل كما في الآيات الأخيرة في سورة الفتح، وبداية هذه السور متناسقة مع خاتمة الفتح ففيها بيان أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قد مدحهم الله في كتابه، ونصت الكتب السابقة على الفضل والثناء؛ وبسبب استماعهم للنبي ﷺ ؛ وبسبب معيتهم له ﵊ كما في قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح:٢٩]، فهذا ثناء الله عليهم قبل أن يخلقوا في التوراة، كذلك قال تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح:٢٩] إلى آخر السورة الكريمة، فكأن الله يقول لهم: لا تغفلوا ما منح لكم في التوراة والإنجيل، فإنه درجة لم ينلها غيركم من الأمم، فقابلوا هذا التشريف وهذا التعظيم بتنزيه أعمالكم عن أن يتوهم في ظواهرها أنها صدرت عن عدم اكتراث في الخطاب، أو سوء خطب في الجواب، وصادقوا بين ظواهركم وبواطنكم، وليكن علنكم منبئاً بسليم سرائركم.
стр. 2169
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)
يقول الله ﵎: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١].
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ))، يقول ابن عباس ﵄: أي: لا تقولوا خلاف السنة.
стр. 2170
تفسير ابن جرير لآية: (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)
وقال ابن جرير: أي: يا أيها الذين أقروا بوحدانية الله ونبوة نبيه ﷺ ! لا تعجلوا بقضاء أمر في حروبكم أو دينكم قبل أن يقضي الله لكم فيه ورسوله ﷺ ، فتقضوا بخلاف أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، محكي عن العرب فلان يقدم بين يدي الإمام بمعنى: يعجل الأمر والنهي دونه.
و (تقدموا) إما متعد حذف مفعوله لأنه أريد به العموم، أي: ليعم كل ما يصح تقديمه فيذهب الوهم فيه كل مذهب، والمعنى: لا تقدموا قولاً ولا فعلاً بين يدي الله ورسوله.
أو أنه فعل متعد لكن نزل منزلة اللازم لعدم القصد إلى المفعول، كما تقول: فلان يعطي ويمنع، فأنت تريد أن تصفه بأنه يعطي ويمنع فقط، ولا تريد أن تعين ما تنتقد يعطي وما يمنع.
وفي هذه الجملة تجوزان: أحدهما: في قوله: ((بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)) فإن حقيقته ما بين العضوين (اليدين) فتجوز بهما عن الجهتين المقابلتين لليمين والشمال، بإطلاق اليدين على ما يجاورهما ويحاذيهما، ولذلك لما بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن قال له: (بم تحكم؟ قال: بكتاب الله تعالى، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ﷺ وهذا رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة، وقال ابن كثير إنه جيد.
لكنه في الحقيقة حديث منكر، فهو ضعيف ولا يصح عن النبي ﵊ كما حقق ذلك كثير من الأئمة، لكن الشاهد هنا بفرض صحته أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله ﷺ .
وقال الإمام ابن جرير رحمه الله تعالى: (لا تُقَدِّمُوا) بضم التاء هذه قراءة الأمصار، وهي القراءة التي لا أستجيز القراءة بخلافها، لإجماع الحجة من القراء عليها، وقد حكي عن العرب: قدمت في كذا وتقدمت في كذا.
стр. 2171
تفسير القرطبي لآية: (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)
يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية أيضاً: قوله تعالى: ((لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ))، أصل في ترك الاعتراض على أقوال النبي ﷺ ، فلا يجوز لإنسان أن يعترض أو يضع رأيه في طريق السنة أبداً، كما قال سفيان: دعوا السنة تمضي لا تعرضوا لها بالرأي.
فهذه الآية أصل أصيل في ترك التعرض لأقوال النبي ﵌، وإيجاب اتباعه والاقتداء به، وكذلك قال النبي ﷺ في مرضه: (مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت عائشة ﵂ لـ حفصة: قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف -يعني: سريع البكاء والحزن لرقة قلبه- وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس، فقال ﷺ : إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس).
الخطاب هنا (إنكن) في صيغة جمع، لكن المراد به عائشة فقط، قال القرطبي رحمه الله تعالى: والمقصود من قوله: (إنكن لأنتن صواحب يوسف)، أي: مثلهن في إظهار خلاف ما في الباطن، فإن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن الصديق لكونه لا يسمع المؤمنين القراءة من بكائه؛ لكن مرادها أمر زائد على ذلك في الحقيقة، وهو ألا يتشاءم الناس به، ولذا قالت: (خشيت لو أن أبا بكر خلف الرسول ﵇ في الإمامة فإنه سوف يتشاءم الناس أنه أول رجل حل محل الرسول ﵇ في الصلاة) فأرادت أن تصرف عنه هذه الإمامة.
وهذا مثل زليخا امرأة العزيز استدعت النسوة، وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة قال تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٣٠] * ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا) [يوسف:٣١] ففي الظاهر أنها دعتهن لأجل الإكرام والضيافة، لكن غرضها في الحقيقة خلاف ما أظهرته، وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف ﵇، ويعذرنها في محبته، فهذا هو وجه الشبه في إظهار خلاف ما يبطن، فعبر بالجمع في قوله: (إنكن) والمراد: عائشة فقط، كذلك أيضاً: (صواحب يوسف) جمع لكن المقصود به زليخا امرأة العزيز.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١].
قوله: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ))، أي: في التقديم أو في مخالفة الحكم، والأمر بالتقوى على أثر ما تقدم بمنزلة قولك للمقارف بعض الرذائل: لا تفعل هذا وتحفظ مما يلصق العار بك، فتنهاه أولاً عن عين ما قارفه، ثم تعم وتأمره بما لو امتثل أمرك فيه لم يرتكب تلك الفعلة، وكل ما يكون في طريقها ويتعلق بسببها.
((إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) أي: فحقيق أن يتقى ويراقب.
стр. 2172
لا دليل لأهل الظاهر في نفي القياس بالآية
وفي الإكليل: قال الكيا الهراسي: قيل نزلت في قوم ذبحوا قبل النبي ﷺ ، فأمرهم أن يعيدوا الذبح.
وعموم الآية يدل على النهي عن التعجيل في الأمر والنهي دونه، ويحتج بهذه الآية في اتباع الشرع في كل شيء، وربما احتج بها نفاة القياس، وهو باطل منهم.
يعني: هذه الآية يحتج بها الظاهرية الذين ينكرون القياس كأصل من أصول الشريعة؛ لأن الله قال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ))، ولم يترك دليلاً آخر خلاف الكتاب والسنة، فهذا باطل من هؤلاء القوم، فإن القياس قامت دلالته، فليس في فعله تقديم بين يدي الكتاب والسنة؛ إذ قد قامت دلالة الكتاب والسنة على وجوب القول بالقياس في فروع الشرع، فليس هذا تقدماً بين يديه ﵌.
стр. 2173
تفسير الشنقيطي لآية: (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)
يقول العلامة الشنقيطي ﵀ ﵎ في تفسير هذه الآية الكريمة: قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ((لا تُقَدِّمُوا)) فيه لعلماء التفسير ثلاثة أوجه: الوجه الأول منها وهو أصحها: أنه مضارع (قدم) اللازمة بمعنى: (تقدم) كما تقول: وجه وتوجه، وبين وتبين، ومنه مقدمة الجيش وهي خلاف ساقته، ومقدمة الكتاب، و (مقدمة) اسم فاعل قدم بمعنى: تقدم، والعرب تقول: لا تقدم بين يدي الأبي، يعني: لا تعجل بالأمر والنهي دونه، ويدل على هذا الوجه قراءة يعقوب من الثلاثة الذين هم تمام العشرة: (لا تَقَدَّموا) وأصلها لا تتقدموا بحذف إحدى التاءين، هذا هو أصح الوجوه.
الوجه الثاني: أنه مضارع (قدم) المتعدي، والمفعول محذوف لإرادة التعميم، أي: لا تقدموا قولاً ولا فعلاً بين يدي الله ورسوله، بل أمسكوا عن ذلك حتى تصدروا فيه عن أمر الله ورسوله.
الوجه الثالث: أنه مضارع (قدم) المتعدية، ولكنها أجريت مجرى اللازم، وقطع النظر عن وقوعه على مفعولها؛ لأن المراد هو أصل الفعل دون وقوعه على مفعوله كقولهم: فلان يعطي ويمنع، ونظير ذلك في القرآن الكريم قوله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [غافر:٦٨]، (يحيي) فعل فهو متعد، يحيى الموتى أو يحيى البشر وهكذا، لكن لما كان المقصود في هذه الآية إثبات اختصاص الله بالإحياء والإماتة، ولا يراد في ذلك وقوعهما على مفعول، فيقطع النظر عن المفعول.
وكذلك قول الله : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، (يعلم) فعل متعد، أي: يعلم الفقه ويعلم التفسير ويعلم الطب، لكن لما أريد مجرد وصف القوم بالعلم، وأنهم لا يستوون مع غير المتصفين بالعلم أجري الفعل المتعدي مجرى اللازم، كذلك (لا تُقَدِّمُوا) يعني: لا تكونوا من المتصفين بالتقديم بقطع النظر عن وقوعه على مفعوله.
стр. 2174
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)
قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢].
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)) أي: إذا نطق ونطقتم فلتكن أصواتكم قاصرة عن الحد الذي يبلغه صوته؛ ليكون عالياً على كلامكم، لا أن تغمروا صوته بلغطكم، وتبلغوا أصواتكم إلى أسماع الحاضرين قبل صوته، فإن ذلك من سوء الأدب بمكان النبي ﷺ .
فهذا نهي عن أن تكون نبرة صوت أحد المؤمنين أعلى من صوت النبي ﵌.
وقد قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩]، فتهذيب الأصوات وغضها من الآداب التي تكاد تكون مهجورة، فقد ذم الشرع رفع الصوت بغير عذر شرعي، كما قال النبي ﷺ : (إن الله يبغض كل جعظري جواظ، صخاب في الأسواق، جيفة بالليل حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة)، فقوله ﵊: (صخاب في الأسواق) بالسين وبالصاد؟ من الصخب والجلد كالباعة الذين يرفعون الأصوات في الأسواق، فرفع الأصوات بهذه الطريقة المنكرة مما تنفر عنه الشريعة، فضلاً عن أن بعض الناس يقف يعلن عن بعض الكتب، ويرفعون الأصوات على أبواب المساجد، فهذا أيضاً مناف للآداب الشرعية.
стр. 2175
إهمال الناس لأدب خفض الصوت في المساجد
وقول الله على لسان لقمان: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩]، فيه تنفير شديد لرفع الصوت وأن هذا من شأن الحمير، وأنا سمعت من سنوات بعيدة أن أحد علماء الموسيقى في لبنان أسلم بسبب هذه الآية، قال: لأن هذه الآية لا يمكن أن ينطق بها إلا خالق الأصوات، فقوله: إن أشد الأصوات نشازاً هو النهيق الذي يصدر من الحمير، هذه حقيقة علمية في غاية الدقة، فأسلم بسبب هذه الآية! وكان من صفة النبي ﷺ في التوراة كما ثبت في بعض الآثار: (محمد عبدي ورسولي، سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق).
أيضاً: مما يناسب هذا مراعاة موضوع الآداب في السوق وفي المسجد، فهذا الأدب يكاد يكون مهجوراً، فلابد من مراعاة الأدب في المسجد بخفض الصوت فيه، فبعد الصلاة يحصل لغط وتشويش، وربما بعض الناس يريد أن يصلي أو يقرأ فيجد الأصوات مرتفعة وكأنه في ناد، ولا أحد يبالي بأدب المسجد.
فالمسجد له احترامه وأدبه، ولا بد من غض الصوت في المسجد احتراماً أو مراعاة لحرمة بيت الله ، فضلاً عما يحصل من بعض الناس من السلوك فتجده يرفع صوته ويتملكه الغضب، ويصرخ في المسجد بطريقة لا تليق أبداً مع آداب المسجد.
كذلك من الأشياء التي ينبغي الالتفات إليها ضبط السماعات، فأحياناً يكون القائمون على هذا الأمر غير متخصصين ولا يعرفون ضبط السماعات، فيكون الصوت مرتفعاً جداً، وأنا أحياناً أتواجد في بعض المساجد فأضطر أن أضع أصبعي في أذني؛ لأن هذا خطر على أعصاب الأذن، فالصوت العالي يؤثر على حاسة السمع، فلا ينبغي أن نهمل هذا الأمر؛ لأن هذا من أذية المسلمين وأحياناً يكون الإهمال في ضبط السماعات بحيث تصدر أثناء الصلاة صفارات تشوش على الناس الصلاة.
إذاً: هذا أيضاً مما يدخل في الأدب في التعامل مع الناس والأدب مع المساجد، فليبلغ السامع الغائب في أي مسجد، فالمكبرات تؤدي خدمة جليلة في توصيل الخطب خاصة عند ازدحام الناس في صلاة الجمعة أو العيدين، لكن أن تكون السماعات مرتفعة الصوت بهذه الطريقة فهذا يشبه ما يفعله الجهلة الذين يريدون أن يعملوا أفراحاً بأصوات مؤذية، فيؤذون الجيران، فضلاً عن أنها معاص كالأغاني وغيرها، ويسهرون حتى الفجر، ويتعبون جيرانهم، ولا يستطيع أحد أن ينام، ولا يستطيعون أن يفرحوا إلا بهذه الطريقة الفوضوية والغوغائية، كيف يكون هذا فرحاً؟ إن كان لا بد من فساد فاحصره في دارك.
كذلك الذي يتصدق على جيرانه بمزامير الشيطان، ويرفع الصوت فيسمعهم، وبعض الناس يحاول أن يواجه هذا بأن يرفع صوت القرآن، ويذهب الآخر فيرفع الأغاني أكثر، فتحدث عملية عناد بطريقة غير مرضية، فمن الذي أجاز رفع الصوت في القرآن بهذه الطريقة التي تحصل في المساجد؟ سواء كان في المقرئ الذي يأتون به يوم الجمعة أو بعد صلاة العصر، وهذه بدعة، فإذا أراد أحد أن يصلي السنة أو أن يقرأ سورة الكهف لم يستطع.
من قال: لا تقرأ القرآن؟ اقرأ القرآن فهو أفضل ذكر، لكن كل شخص يقرأ وحده دون أن يشوش على الآخرين فالتشويش على جميع المصلين بهذه الطريقة إهدار لحقهم في أن يصلوا صلاة خاشعة، فإذا أراد أحد أن يتنفل إلى أن يخرج الإمام يوم الجمعة فدعه يتنفل، لماذا تشوش عليه بالصوت العالي بالقرآن؟ فالرسول ﷺ لما رأى الناس يجهر بعضهم على بعض أمرهم أن يخفضوا أصواتهم، فقال: (ألا كلكم مناج ربه، فلا يجهر أحدكم بصوته على أخيه)، أو كما قال النبي ﵌.
يذهب الشخص إلى بعض المساجد فيندم أنه لم يحضر معه سدادات الأذن، لأن الصوت يكون مؤذياً إلى أقصى مدى، في حين يمكن أن تسمع الخطبة وتفهمها جداً عندما يكون الصوت هادئاً، وليس فيه هذه النبرة.
فالشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، وعندنا عناء كثير بسبب هذا الأمر، وبسبب عدم الوعي بآداب الإسلام؛ ولذلك نقول دائماً: نحن لسنا متخلفين عن الكفار في اهتمامهم بحقوق الآخرين، لكننا متخلفون عن الإسلام الذي علم الدنيا كلها هذه الآداب قبل قرون عديدة ومديدة، فهذه الآداب هي في الحقيقة نابعة من ديننا ومن سنة نبينا ﵌.
следующие страницы →