Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
مراجعة عمر للنبي ﷺ وأبي بكر
قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (فأتيت نبي الله ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى) وزاد الواقدي من حديث أبي سعيد قال عمر: (لقد دخلني أمر عظيم، وراجعت النبي ﷺ مراجعة ما راجعته مثلها قط)، وفي حديث سهل بن حنيف فقال عمر: (ألسنا على الحق وهم على الباطل؟! أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟! فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا؟! فقال: (يا ابن الخطاب! إني رسول الله ولن يضيعني الله)، فرجع عمر متغيظاً فلم يصبر حتى جاء أبا بكر، وظل يردد نفس العبارات لـ أبي بكر، والعجيب أن أبا بكر رد بنفس الأجوبة مع أنه لم يكن حاضراً الموقف! وهذا التوافق في هذه الردود من أمارات شدة المحبة.
قوله: (فرجع متغيظاً فلم يصبر حتى جاء أبا بكر) وفي رواية أخرى: فقال عمر: (اتهموا الرأي على الدين) يعني: يحذر المسلمين من أن يقابلوا أمر الله وأمر رسوله ﵊ وخبر الله وخبر رسوله بالتكذيب، فيجب على المسلم أن يسلم لأمر الله ورسوله ﵇، ولا يكون له الخيرة في أمره إذا قضى الله ورسوله أمراً، فيقول للصحابة: خذوا درساً وعبرة من موقفي هذا! وفي رواية ابن إسحاق: كان الصحابة لا يشكون في الفتح؛ لرؤيا رآها رسول الله ﷺ كما في آخر سورة الفتح: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ [الفتح:٢٧]، فلما رأوا الصلح دخلهم من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون، وعند الواقدي: أن النبي ﷺ كان رأى في منامه قبل أن يعتمر أنه دخل هو وأصحابه البيت، فلما رأوا أن ذلك في السنة المقبلة شق عليهم ذلك.
ويستفاد من هذا الفصل جواز البحث في العلم حتى يظهر المعنى، فيجوز للإنسان أن يسأل ويناقش إلى أن يتضح له المعنى؛ بدلالة هذا الحوار بين النبي ﵇ وبين عمر، وبين عمر وأبي بكر رضي الله تعالى عنهما وعن الصحابة أجمعين.
ويستفاد منه: أن الكلام يحمل على عمومه وإطلاقه حتى تظهر إرادة التخصيص والتقييد.
وهذا مأخوذ من قوله: (أأخبرتك أنك آتيه العام) يعني: أأخبرتك أنك تأتيه هذا العام؟ لكن هذا وعد، وهل هو موعد في وقت معين؟ لا، يعني: أنا أخبرتك أنك سوف تأتي البيت وتطوف به، لكن هل ذكرت لك الوقت الذي سوف تدخله؟ قال: لا، قال: (فإنك آتيه ومطوف به)، فهذا دليل على أن الكلام يحمل على عمومه وإطلاقه حتى تظهر إرادة التخصيص والتقييد، وإذا لم يرد مخصص ولا مقيد فالكلام على عمومه.
وفيه: أن من حلف على فعل شيء ولم يذكر مدة معينة لم يحنث حتى تنقضي أيام حياته.
стр. 2102
ثبات أبي بكر وموقفه الراسخ في صلح الحديبية
قوله: (فأتيت أبا بكر): لم يذكر عمر أنه راجع أحداً في ذلك بعد رسول الله ﷺ غير أبي بكر الصديق ﵁؛ وذلك لجلالة قدره، وسعة علمه عنده، ومثل هذه المواقف تثبت فعلاً أن أبا بكر هو الرجل الثاني في الإسلام بعد النبي ﵌، فتجد في سيرة أبي بكر العقل والثبات مع ما لـ عمر ﵁ من الفضائل، لكن عمر بعد أبي بكر في الترتيب.
ومن ذلك أيضاً موقف عمر عند وفاة النبي ﷺ ، حين تقارن بين موقف أبي بكر وموقف عمر رضي الله تعالى عنهما، وموقفهما عند قتال أهل الردة؛ هذه المواقف بلا شك تبين فضيلة أبي بكر رضي الله تعالى عنه على عمر.
وجواب أبي بكر لـ عمر بنظير ما أجابه النبي ﷺ سواء، دلالة على أنه كان أكمل الصحابة وأعرفهم بأحوال رسول الله ﷺ ، وأعلمهم بأمور الدين، وأشدهم موافقة لأمر الله تعالى.
ومواقف أبي بكر في هذا كثيرة جداً منها: أن الرسول ﵊ قبيل وفاته صعد المنبر وقال: (إن عبداً قد خيره الله بين زهرة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله)، فبكى أبو بكر في الحال، فتعجب الصحابة لبكائه! فالرسول ﵊ يقول: (هناك عبد خيره الله بين زهرة الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله) فلماذا يبكي أبو بكر؟!
الجواب
لأن أبا بكر كان أفهم الصحابة وأعلمهم، وأحبهم لرسول الله ﵌ وأكملهم، ففهم أبو بكر من ذلك أن هذا العبد هو الرسول ﵇، وأنه على وشك أن يفارقهم، وأن الرسول كان ينعي نفسه إلى الصحابة رضي عنهم، لكن لم يفقه هذا إلا أبو بكر؛ لأنه أعرف الناس بحال النبي ﵌، وأعلمهم بأمور الدين، وأشدهم موافقة لأمر الله تعالى.
والمسلمون استنكروا الصلح المذكور، وقاموا على رأي عمر في ذلك، وسيأتي في حادثة الحلق وفي بقية القصة أن عامة المسلمين كانوا على موقف عمر فقد كانوا مبهوتين ومذهولين من هذا الموقف، واختص أبو بكر رضي الله تعالى عنه بهذا الموقف الثابت الحكيم الرائع، واستنكر المسلمون الصلح المذكور وكانوا على رأي عمر في ذلك.
وظهر من هذا الفصل أن الصديق ﵁ لم يكن في ذلك موافقاً له بل كان قلبه على قلب رسول الله ﵌ سواءً، والدليل في هذا التطابق في العبارات، والردود التي وجهها النبي ﵇ لـ عمر حين راجعه هي نفسها سواءً بسواء الردود التي ذكرها أبو بكر معه ويعني أبو بكر لم يكن حاضراً ذلك، وهذا يذكرنا بحادثة ابن الدغنة الذي وصف أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بنظير ما وصفت به خديجة ﵂ رسول الله ﵌، وأن تمام الموافقة من علامة المحبة، فالمحبة هي التوافق في كل شيء، فتجد المتحابين بينهما التوافق الغريب والعجيب، فـ خديجة لما وصفت الرسول ﵇ قالت: (والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق) وكذلك ابن الدغنة لما أراد أبو بكر أن يخرج من مكة أبى ذلك وقال له: إنك يا أبا بكر لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل إلى آخره، نفس العبارات التي قالتها خديجة رضي الله تعالى عنها، فاتفقت الصفات المتناسبة تماماً، وهكذا شأن المحبين التوافق في الصفات! يقول: (فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر! أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟! قال: أيها الرجل! إنه لرسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق) والغرز للإبل بمنزلة الركب للفرس، والمراد به التمسك بأمره وترك المخالفة له كالذي يمسك بركب الفارس لا يفارقه.
قال عمر (أليس كان يحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أأخبرك أنك تأتيه العام؟ قال: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به).
قال الزهري: قال عمر: (فعملت لذلك أعمالاً) يعني: من الذهاب والمجيء والسؤال والجواب، وفي قول في تفسير (فعملت لذلك أعمالاً): أنه كان في حالة اضطراب شديد بسبب مراجعته في هذا الموقف، ولم يكن ذلك شكاً من عمر، بل حثاً على إذلال الكفار، لما عرف من قوته في نصرة الدين.
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بعدما حكى هذا القول عن بعض القراء: وتفسير الأعمال بما ذكر مردود -يعني التفسير بالذهاب والمجيء والسؤال والجواب إلى آخره- يقول: بل المراد به: الأعمال الصالحة ليكفر عنه ما مضى من التوقف في الامتثال ابتداءً.
وقد ورد عن عمر التصريح بمراده بقوله: (أعمالاً)، ففي رواية ابن إسحاق: وكان عمر يقول: (ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ) يعني امتثالاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].
وعند الواقدي من حديث ابن عباس قال عمر: (لقد أعتقت بسبب ذلك رقاباً وصمت دهراً).
إذاً: المقصود من قول عمر رضي الله تعالى عنه: (فعملت لذلك أعمالاً) لا يمكن أن يكون المراد بالأعمال أنه استمر يذهب ويجيء ويسأل ويحاور على سبيل الشك، وإنما على سبيل طلب الحكمة في هذا الأمر، ورفع الالتباس، وهذا القول مردود بدليل أن عمر صرح بمراده بهذه الأعمال، وهو أيضاً لم يذهب ولم يراجع إلا أبا بكر بعد الرسول ﵇؛ لأنه يعلم أن أبا أبكر أعقل الناس وأعلمهم وأفقههم، ولم يرجع بعد ذلك إلى أن يسأل أيضاً، فلم يتردد على أحدٍ من الصحابة بعد أبي بكر، والله تعالى أعلم.
والراجح أن نقاش عمر رضي الله تعالى عنه لا يمكن أن يكون شكاً في النبوة؛ لأن رواية ابن إسحاق فيها: أن أبا بكر لما قال له: (الزم غرزه، فإنه رسول الله) قال عمر: (وأنا أشهد أنه رسول الله)، وأيضاً الرسول ﵊ قال: (إني رسول الله ولست أعصيه)، إيماءً إلى أن هذا الفعل إنما فعله عن وحي يوحى.
يقول الحافظ: والذي يظهر أنه توقف ليقف على الحكمة في القصة، وتنكشف عنه الشبهة، ونظيره في قصته في الصلاة على عبد الله بن أبي وإن كان في الأولى لم يطابق اجتهاده الحكم، بخلاف الثانية، فلعل عمر طمع في أن يوافقه الوحي كما وافقه في أكثر من مناسبة، وإنما عمل الأعمال المذكورة لهذه، وإلا فجميع ما صدر منه كان معذوراً فيه، بل هو مأجور؛ لأنه ﵁ مجتهد فيه.
стр. 2103
أمر النبي ﷺ أصحابه بالنحر والحلق في الحديبية
يقول: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: (قوموا فانحروا ثم احلقوا)، قال: فوالله! ما قام منهم رجل.
كانوا في حالة من الغم والاكتئاب والحزن؛ بسبب ما شعروا أن الصلح هضم للمسلمين وإجحاف بهم.
قال: (قوموا فانحروا ثم احلقوا)، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: (يا نبي الله! أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً).
قوله: فلما فرغ من قضية الكتاب، وزاد ابن إسحاق: فلما فرغ الكتاب أشهد على الصلح رجالاً من المسلمين ورجالاً من المشركين، ومنهم: أبو بكر وعمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن سهيل بن عمرو ﵃ ومكرز بن حفص وهو مشرك.
قوله: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: (قوموا فانحروا ثم احلقوا)، وهم في حالة إحرام، وقد أحصروا عن البيت، وحال العدو بينهم وبين البيت، ومن أحكام الإحصار التحلل، فكان يجب أن يتحللوا ويحلقوا، فهم تباطئوا لشدة الغم والحزن من هذا الموقف، كيف بعد هذه المدة من الحرمان من البيت والكعبة أن يحال بينهم وبين الطواف؟! وقد كان عندهم أمل عظيم، وهم مستعدون أن يقاتلوا في سبيل أن يصلوا إلى الكعبة ويعتمروا فيها، فهذا كان سبب الصدمة الشديدة التي عانوا منها، فقال لهم النبي ﵊ بعدما فرغ من العقد والكتاب: (قوموا فانحروا ثم احلقوا)، وفي رواية أبي الأسود عن عروة: فلما فرغوا من القضية أمر رسول الله ﷺ بالهدي فساقه المسلمون يعني: إلى جهة الحرم، وكان يمكن أن يرسلوا الهدي إلى الحرم ويواعدوا شخصاً يأخذه وينحره في وقت معين.
يقول: فلما فرغوا من القضية أمر رسول الله ﷺ بالهدي فساقه المسلمون -يعني إلى جهة الحرم- حتى قام إليه المشركون من قريش فحبسوه، قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح:٢٥]، فمنعوا هذا الهدي أن يبلغ محله وهو داخل الحرم، فالمشركون منعوه من ذلك؛ فأمر رسول الله ﷺ الصحابة بالنحر في نفس المكان الذي هم فيه؛ حتى يتحللوا من الإحرام.
قوله: (فوالله ما قام منهم رجل) قيل: كأنهم توقفوا عن الامتثال لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للندب، أو تباطئوا رجاء نزول الوحي لإبطال الصلح المذكور، أو تخصيصه بالإذن بدخولهم مكة ذلك العام لإتمام نسكهم، وسوغ لهم ذلك؛ لأنه كان زمان وقوع النسخ، ويحتمل أن يكونوا ألهتهم صورة الحال فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذل عند أنفسهم، مع ظهور قوتهم واقتدارهم في اعتقادهم على بلوغ غرضهم وقضاء نسكهم بالقهر والغلبة.
يعني: كانوا في حالة من الاندهاش والاستغراق في التفكير فيما ألم بهم، خاصة أنهم قادرون على أن يقاتلوا المشركين، وأن يصلوا إلى الكعبة بعد هذا الحرمان لسنوت طويلة، وحيل بينهم وبين العمرة أو الحج، فلذلك كانوا في غاية الغم والحزن والشعور بالذل، مع ظهور قوتهم واعتقادهم أنهم قادرون على أن يغلبوهم ويقهروهم، ويدخلوا إلى البيت الحرام أو أخروا الامتثال لاعتقادهم أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور، ويحتمل مجموع هذه الأمور كما سيأتي من كلام أم سلمة، وليس فيه حجة لمن أثبت أن الأمر للفور، ولا لمن نفاه، ولا لمن قال: إن الأمر للوجوب لا للندب؛ لما يتطرق القصة من الاحتمال، والدليل إذا قارنه الاحتمال سقط به الاستدلال.
فالنبي ﷺ بعدما قال لهم ذلك ثلاث مرات ولم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، وفي رواية ابن إسحاق فقال لها: (ألا ترين إلى الناس! إني آمرهم بالأمر فلا يفعلونه!)، وفي رواية: (فاشتد ذلك عليه، فدخل على أم سلمة فقال: هلك المسلمون! أمرتهم أن يحلقوا وينحروا فلم يفعلوا!)، قال: فجلى الله عنهم يومئذ بـ أم سلمة: انكشف العذاب عنهم والإهلاك برأي أم سلمة الرأي الصائب والحكيم هو الذي رفع عنهم هذا الحرج، وهذا الضيق والهلاك الذي أوشك أن ينزل بهم.
قال: فجلى الله عنهم يومئذ بـ أم سلمة ﵂، فلما شكا إلى أم سلمة ما وجده من الناس، قالت أم سلمة: (يا نبي الله! أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم) زاد ابن إسحاق: قالت أم سلمة: (يا رسول الله! لا تكلمهم؛ فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح، ورجوعهم بغير فتح) يعني: هم في حالة إحباط شديد مستغرقين ومدهوشين مما يحصل، فـ أم سلمة التمست العذر للصحابة رضي الله تعالى عنهم، قالت: (يا رسول الله! لا تكلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح) ويحتمل أنها فهمت عن الصحابة أنه احتمل عندهم أن يكون النبي ﷺ أمرهم بالتحلل أخذاً بالرخصة في حقهم، ويحتمل أنها فهمت أن الصحابة فهموا أن الرسول ﵇ لما بقي على حالة الإحرام وهم محرمون أيضاً، فلما أمرهم أن يحلوا هم، رأوا أن الرسول ﵇ لم يتحلل، وهم سوف يتحللون، ولذلك جاءت نصيحتها صائبة تماماً حتى تذهب هذا الوهم، فلما حل من إحرامه كأنه قال: حتى أنا سأتحلل وسيجري عليكم ما سيجري علي، فربما كانوا فهموا قبل نصيحة أم سلمة ﵂ أنهم هم الذين سيتحللون أما الرسول فسيبقى على إحرامه.
يقول الحافظ: ويحتمل أنها فهمت عن الصحابة أنه احتمل عندهم أن يكون النبي ﷺ أمرهم بالتحلل أخذاً بالرخصة في حقهم، وأنه هو سيستمر على الإحرام أخذاً بالعزيمة في حق نفسه، فأشارت عليه أن يتحلل لينتفي عنهم هذا الاحتمال، وعرف النبي ﷺ صواب ما أشارت به ففعله، فلما رأى الصحابة ذلك بادروا إلى فعل ما أمرهم به إذ لم يبق بعد ذلك غاية تنتظر.
وفيه فضل المشورة، فإن الرسول ﷺ شاور أم سلمة، وأن الفعل إذا انضم إلى القول كان أبلغ من القول المجرد، وليس فيه أن الفعل مطلقاً أبلغ من القول، لكن الفعل إذا انضم إلى القول يكون أقوى من القول المجرد.
وفيه جواز مشاورة المرأة الفاضلة، خلافاً لأحاديث كثيرة موضوعة في هذا الأمر، مثل حديث: (شاوروهن وخالفوهن، فإن في مخالفتهن البركة)، ولا شك أن بعضهن كذلك، ولكن قد تكون المرأة عاقلة كـ أم سلمة، وممكن أن المرأة تتفوق على مئات من الرجال: فلو كان النساء كمن ذكرن لفضلت النساء على الرجال فما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال عموماً هذا موقف عظيم رواه البخاري، فالرسول ﵇ أخذ بمشورة أم سلمة، ومن سيرتها يعلم أنها امرأة عاقلة وحكيمة، وآتاها الله رجاحة العقل، ونحن نعرف أن كثيراً من النساء تقاس بمئات من الرجال؛ لرجاحة عقولهن وقوة رأيهن، لكن إن كن بخلاف ذلك فينبغي الحذر.
وفيه فضل المشورة، وأن الفعل إذا انضم إلى القول كان أبلغ من القول المجرد، وفيه جواز مشاورة المرأة الفاضلة وفضل أم سلمة ورجاحة عقلها حتى قال إمام الحرمين: لا نعلم امرأة أشارت برأي فأصابت إلا أم سلمة! وهذه مبالغة من إمام الحرمين، وإلا فنحن نستطيع أن نأتي بأدلة من القرآن والسنة والسيرة والتاريخ بخلاف ذلك، فمن ذلك: بلقيس كانت امرأة عاقلة في غاية الرجاحة، وانتهى بها عقلها إلى أن أسلمت مع سليمان لله رب العالمين.
كذلك ابنة شعيب في قصة موسى ما كان أعقلها في قولها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، فهذه من المشورة الصائبة، وأي شرف أعظم من أن يصاهر الرجل نبي الله وكليمه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؟! كذلك امرأة فرعون لما قالت له: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [القصص:٩].
وقد قال ﷺ : (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد).
أيضاً في العصر المتأخر من النساء اللاتي رجح عقلهن زوجة الإمام محمد بن سعود أمير الدرعية واسمها موضي بنت وهطان، فعندما أوى شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى إلى الأمير محمد بن سعود في الدرعية يستنصره ويطلبه بأن يساند هذه الدعوة بقوته وبأسه؛ كانت امرأته عاقلة جداً، ومن نوادر النساء، فقد انفردت بزوجها وشجعته، وكان من إخوته من هم تلامذة لشيخ الإسلام، فأتى أخواه وكلما زوجته أن الأمير محمد بن سعود لو أيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب سيكون ذلك فتحاً كبيراً، ونصراً عظيماً للإسلام، فرغبت هي زوجها وشجعته على أن يؤوي شيخ الإسلام ﵀ ويحميه، وبسبب ذلك وقعت هذه الحركة التجديدية التي لم يأت مثلها حتى اليوم وإلى أن يشاء الله .
ونظير هذا ما وقع لهم في غزوة الفتح من أمر
стр. 2104
دخول الناس في الإسلام بعد صلح الحديبية
في رواية الزهري: ثم انصرف رسول الله ﷺ قافلاً حتى إذا كان بين مكة والمدينة، نزلت سورة الفتح، قال الزهري: فما فتح في الإسلام قبله كان أعظم من فتح الحديبية، إنما كان القتال حيث التقى الناس، ولما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس؛ كلم بعضهم بعضاً، والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً في تلك المدة إلا دخل فيه.
فهذا هو معنى كون صلح الحديبية فتحاً حقاً وصدقاً؛ لأن السيوف توقفت، وبالتالي بدأ إعمال العقول، وبدأ التفكير، وانطفأت حمية الجاهلية، يقول الإمام الزهري: فما في الإسلام فتح قبله كان أعظم من فتح الحديبية، إنما كان القتال حيث التقى الناس، ولما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وأمن الناس، كلم بعضهم بعضاً، والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً في تلك المدة إلا دخل فيه.
يعني: ما وجهت الدعوة في خلال تلك الفترة لأحد عنده شيء من العقل حتى لو كان عقله ضعيفاً، لكن عنده شيء من العقل إلا استجاب، فما بالك بمن عنده عقل وافر؟! يقول: لم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً في تلك المدة إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر.
يعني: تضاعف عدد المسلمين في خلال سنتين، فصلح الحديبية كان سنة من الهجرة، فهو يقصد بتينك السنتين: مدة الصلح، فقد كانت سنتين فقط؛ لأن المشركين نقضوه بعد مرور سنتين، وهم اتفقوا على مدة عشر سنين، لكن حصل أنهم نقضوا العهد، فبالتالي حصل فتح مكة بعد سنتين في سنة ٨ من الهجرة، فالإشارة إلى أن الواقع أن هذا الصلح استمر سنتين فقط؛ لأن المشركين نقضوا العهد وغدروا برسول الله ﷺ وبأحلافه، هذا هو المقصود.
يقول هنا: ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر.
يعني: من صناديد قريش.
ومما ظهر من مصلحة الصلح المذكور غير ما ذكره الزهري أنه كان مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي دخل الناس عقبه في دين الله أفواجاً، وكانت الهدنة مفتاحاً لذلك، ولما كانت قصة الحديبية مقدمة للفتح سميت فتحاً -كما سيأتي في المغازي-؛ فإن الفتح في اللغة فتح المغلق، والصلح كان مغلقاً حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صد المسلمين عن البيت، يعني: هذا الصلح كان في الظاهر شراً لكنه في الحقيقة كان خيراً عند النظر للعاقبة.
قال: وكان في الصورة الظاهرة ضيماً للمسلمين، وفي الصورة الباطنة عزاً لهم، فإن الناس لأجل الأمن الذي وقع بينهم اختلط بعضهم ببعض من غير نكير، وأسمع المسلمون المشركين القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وكانوا قبل ذلك لا يتكلمون عندهم بذلك إلا خفية، وظهر من كان يخفي إسلامه، فذل المشركون من حيث أرادوا العزة، وأقهروا من حيث أرادوا الغلبة!
стр. 2105
هجرة النسوة المؤمنات حال الصلح
يقول: ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠]، فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية.
стр. 2106
هروب أبي بصير من مكة إلى المدينة
قال: ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير -رجل من قريش- وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين -وهو غير أبي جندل، هرب من مكة إلى المدينة- فأتوا النبي ﵇ فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فمن بنود المعاهدة: أن من أتاك من عندنا ولو كان على دينك فلابد أن ترده إلينا، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، يعني: سلمه لهما النبي ﷺ ، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة.
قوله: (ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة فجاءه أبو بصير وهو رجل من قريش) عتبة بن أسيد بن جارية حليف بني زهرة.
فمعنى قوله: (رجل من قريش) يعني: من الحرم؛ لأن بني زهرة من قريش.
(فأرسلوا في طلبه رجلين) وفي بعض الروايات: فقدما بعد أبي بصير بثلاثة أيام، فقالا للنبي ﵊: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، وفي رواية ابن إسحاق: فقال رسول الله ﷺ : (يا أبا بصير! إن هؤلاء القوم صالحونا على ما علمت، وإنا لا نغدر، فالحق بقومك فقال: أتردني إلى المشركين يفتنونني عن ديني ويعذبونني؟! قال: اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك فرجاً ومخرجاً).
وفي رواية أبي مليح: (فقال له عمر -وهذه قصة عمر مرة أخرى-: أنت رجل وهو رجل ومعك السيف) وهذا أوضح في التعريض لقتله، واستدل بعض الشافعية بهذه القصة على جواز دفع المطلوب لمن ليس من عشيرته إذا كان لا يخشى عليه منهم؛ لكونه ﷺ دفع أبا بصير للعامري ورفيقه، ولم يكونا من عشيرته ولا من رهطه، لكنه أمن عليه منهما؛ لعلمه بأنه كان أقوى منهما، ولهذا آل الأمر إلى أنه قتل أحدهما وأراد قتل الآخر.
وفيما استدل به لذلك نظر؛ لأن العامري ورفيقه كانا رسولين من قريش، ولو كان فيهما ريبة لما أرسلهما من هو من عشيرته.
وأيضاً وقع في رواية أبي مليح: جاء أبو بصير مسلماً وجاء وليه خلفه فقال: يا محمد! رده علي، فرده.
المهم أنه دفعه لهذين الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله! إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به، ثم جربت به، ثم جربت به! فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: (لقد رأى هذا ذعراً)، فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: (يا نبي الله! قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم) يعني: أوفى الله ذمتك فأنت لم تغدر فقد سلمتني لهم، لكن هأنذا الآن عائد إليك مرة ثانية، فقال النبي ﷺ : (ويل أمه مسعر حرب! لو كان له أحد)، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر.
قوله: (فنزلوا يأكلون من تمر لهم) وفي رواية الواقدي: (فلما كانوا بذي الحليفة دخل أبو بصير المسجد فصلى ركعتين وجلس يتغدى ودعاهما فقدم سفرة لهما فأكلوا جميعاً).
قوله: (فقال أبو بصير لأحد الرجلين) وقوله: (فاستله الآخر) يعني: صاحب السيف أخرجه من غمده، قوله: (فأمكنه منه) أي: بيده، قوله: (فضربه حتى برد) أي: حتى خمدت حواسه، وهذا كناية عن الموت؛ لأن الذي يموت يبرد جسمه، لأن الميت تسكن حركته، وأصل البرد السكون، وفي رواية ابن إسحاق (فعلاه حتى قتله).
قوله: (وفر الآخر) وفي رواية أخرى: (وخرج المولى يشتد) أي: هرب.
قول النبي ﷺ لما رآه: (لقد رأى هذا ذعراً) أي: خوفاً، وفي رواية: (فزعاً)، فقال: قتل والله صاحبي، وفي رواية أخرى: (قتل صاحبكم صاحبي وإني لمقتول) يعني: إن لم تردوه عني، وعند الواقدي: (وقد أفلت منه ولم أكد).
وفي رواية: فرده رسول الله ﷺ إليهما فأوثقاه حتى إذا كان ببعض الطريق ناما، فتناول السيف بفيه فأمره على الوثاق فقطعه، وضرب أحدهما بالسيف، وطلب الآخر فهرب، والأول أصح، يعني: الرواية التي ذكرناها آنفاً هي الأصح.
وعند ابن عائذ في المغازي: وهرب الآخر وأتبعه أبو بصير، فبالتالي هو يجري وأبو بصير وراءه حتى وصل إلى المدينة، حتى دفع إلى رسول الله ﷺ في أصحابه وهو عاض على أسفل ثوبه، وقد بدا طرف عورته، والحصى يطير من تحت قدميه من شدة عدوه وأبو بصير يتبعه.
فجاء أبو بصير فقال: (يا نبي الله! قد والله أوفى الله ذمتك) يعني: ليس عليك منهم عقاب فيما صنعته أنا، وفي رواية: فقال أبو بصير: (يا رسول الله! عرفت أني إن قدمت إليهم فتنوني عن ديني؛ ففعلت ما فعل، وليس بيني وبينهم عهد ولا عقد).
وفيه أن للمسلم الذي يجيء من دار الحرب في زمن الهدنة قتل من جاء في طلب رده إذا شرط لهم ذلك؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر على أبي بصير قتله العامري، ولا أمر فيه بقود ولا دية.
وكما قلنا: يسع الفرد ما لا يسع الجماعة، يعني: حينما يكون التفسير للمجموع لا شك أن المعادلة تختلف، وتحتاج إلى موازنات واعتبارات بخلاف ما لو كان الشخص مسئولاً عن نفسه، وبخلاف ما لو كان هو يتصدر باسمه نفسه وحده، ففي هذه الحالة يسع الفرد ما لا يسع الجماعة، وهذه الحادثة دليل واضح على هذه القاعدة المهمة.
فقال النبي ﷺ : (ويل أمه مسعر حرب! لو كان له أحد)، (ويل أمه)، هذه كلمة ذم تقولها العرب في المدح، ولا يقصدون معنى ما فيها من الذم، يعني: ظاهرها هي فيها ذم (ويل أمه) ولكن أحياناً يستعملونها في المدح؛ لأن الويل هو الهلاك، فهو كقولهم: لأمه الويل.
قال بديع الزمان في رسالة له: والعرب تطلق (تربت يمينه) في الأمر إذا أهم، ويقولون: (ويل أمه) ولا يقصدون الذم، والويل: يطلق على العذاب والحرب والزجر، وفي حديث أن الرسول قال للأعرابي: (ويلك)، وأصل قولهم: (ويل فلان) يعني: وي لفلان، فكثر الاستعمال فألحقوا بها اللام فصارت ويل، وهي أصلاً: وي لفلان، فلما كثر استعمالها ألحقوا اللام بالياء فصارت (ويل)، وقيل: إن (وي) كلمة تعجب، وهي من أسماء الأفعال، واللام بعدها مكسورة، ويجوز ضمها اتباعاً للهمزة وحذفت الهمزة تخفيفاً، والله تعالى أعلم.
قول النبي ﷺ : (ويل أمه مِسعر حرب)، قال الخطابي: يصفه بالإقدام في الحرب والتسعير لنارها.
(ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد) يعني: لو كان له أحد ينصره ويعاضده ويناصره، والمراد: هذا الرجل لو انضم إليه رجل مثله فسيشعلونها ناراً وحرباً، وفي رواية الأوزاعي: (لو كان له رجال)، فلقنها أبو بصير أي: التقط هذه الكلمة، (فانطلق وهرب)، ففيه إشارة إليه بالفرار لئلا يرده إلى المشركين، فهذه إشارة إليه بأنك إن بقيت هنا سنسلمك، وإن كنت تستطيع أن تفر ففر، وأيضاً لو انضممت لأحد سيكون ما يكون، فكأنه أشار عليه بالفرار دون أن يصرح بذلك، لئلا يرده إلى المشركين، ورمز إلى من بلغه ذلك من المسلمين أن يلحقوا به، فإن المسلمين على هذه الظروف سيأتون من مكة إلى المدينة، فلذلك عليهم أن يتجمعوا مع بعض، ولن نكون مسئولين عنهم، قال جمهور العلماء من الشافعية وغيرهم: يجوز التعريض بذلك لا التصريح، كما في هذه القصة، والله أعلم.
فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر، أي: ساحل البحر، وعين ابن إسحاق المكان الذي نزل فيه فقال: وكان طريق أهل مكة إذا قصدوا الشام وهو يحاذي المدينة إلى جهة الساحل وهو قريب من بلاد بني سليم، قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بـ أبي بصير وكان مأسوراً في مكة، فلما هرب أبو بصير استطاع أن يهرب أيضاً، فلحق بـ أبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بـ أبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم: يعني عملوا جميعاً حرب عصابات، كلما تأتي قافلة من قريش ذاهبة إلى الشام بالتجارة يقطعون عليها الطريق، ويأخذون ما معهم، ويقتلون المشركين.
فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه سلم تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن، أي: من يأتيك إلى المدينة يكون آمناً، ولا ترده إلينا، فتراجعوا عن هذا الشرط! فأرسل النبي ﷺ إليهم وأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٢٤]، حتى بلغ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح:٢٦]) وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت.
(فأرسل النبي ﷺ إليهم) يعني: أرسل إلى هذه العصابة من الصحابة، وفي بعض الروايات: (فبعث إليهم فقدموا عليه) وعند الزهري: فكتب رسول الله ﷺ إلى أبي بصير فقدم كتابه وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله ﷺ في يده، فدفنه أبو جندل مكانه إلى أن قال: وقدم أبو جندل ومن معه إلى المدينة فلم يزل بها إلى أن خرج إلى الش
стр. 2107
من فوائد الحديث التي ذكرها الحافظ ابن حجر
شرح الإمام البخاري بعض الألفاظ الغريبة في الحديث، فقال: قال أبو عبد الله: معرة العر: الجرب.
تزيلوا: تميزوا.
وحميت القوم: منعتهم حماية، وأحميت الحمى: جعلته حمى لا يدخل.
وأحميت الرجل إذا أغضبته.
وهذا سوف يأتي إن شاء الله تفسيره في نهاية الكلام على سورة الفتح.
ثم قال الحافظ خاتماً فوائد هذا الحديث -دون ما تقدم أثناء شرح الحديث-: أن ذا الحليفة ميقات أهل المدينة للحاج والمعتمر.
وأن تقليد الهدي وسوقه سنة للحاج والمعتمر فرضاً كان أو سنة.
وأن الإشعار سنة لا مثلة، والإشعار: هو جرح جانب السنام الأيمن، فهذا ليس من المثلة وإنما هو سنة.
وأن الحلق أفضل من التقصير، وأنه نسك في حق المعتمر محصوراً كان أو غير محصور.
وأن المحصر ينحر هديه حيث أحصر، ولو لم يصل إلى الحرم، ويقاتل من صده عن البيت، وأن الأولى في حقه ترك المقاتلة إذا وجد إلى المسالمة طريقاً.
وفي هذا الحديث أشياء تتعلق بالجهاد منها: جواز سبي ذراري الكفار إذا انفردوا عن المقاتلة ولو كان قبل القتال.
وفيه: الاستتار عن طلائع المشركين ومفاجأتهم بالجيش لطلب غرتهم، وجواز التنكب عن الطريق السهل إلى الطريق الوعر لدفع المفسدة وتحصيل المصلحة، واستحباب تقديم الطلائع والعيون بين يدي الجيوش، والأخذ بالحزم في أمر العدو لئلا ينالوا غرة المسلمين، وجواز الخداع في الحرب، والتعريض بذلك من النبي ﷺ ، وإن كان من خصائصه أنه منهي عن خائنة الأعين.
وفيه: فضل الاستشارة من استقراء الرأي واستطابة قلوب الأتباع، وجواز بعض المسامحة في أمر الدين، واحتمال الضيم فيه ما لم يكن قادحاً في أصله، إذا تعين ذلك طريقاً للسلامة في الحال، والصلاح في المآل، سواء كان ذلك في حال ضعف المسلمين أو قوتهم.
وأن التابع لا يليق به الاعتراض على المتبوع بمجرد ما يظهر في الحال، بل عليه التسليم؛ لأن المتبوع أعرف بمآل الأمور غالباً بكثرة التجربة ولاسيما مع من هو مؤيد بالوحي.
وفيه: جواز الاعتماد على خبر الكافر إذا قامت القرينة على صدقه، قاله الخطابي مستدلاً بأن الخزاعي الذي بعثه النبي ﷺ عيناً له ليأتيه بخبر قريش كان حينئذ كافراً، قال: وإنما اختاره لذلك مع كفره ليكون أمكن له في الدخول فيهم، والاختلاط بهم، والاطلاع على أسرارهم، قال: ويستفاد من ذلك جواز قبول قول الطبيب الكافر.
يعني: إذا علم منه الصدق في النصيحة.
قلت: ويحتمل أن يكون الخزاعي المذكور كان قد أسلم ولم يشتهر إسلامه، وحينئذ فليس ما قاله دليلاً على ما ادعاه، والله أعلم بالصواب.
стр. 2108
تفسير سورة الفتح [١١ - ١٦]
стр. 2109
تفسير قوله تعالى: (سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا)
قال الله ﵎: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح:١١]: قال الألوسي: قال مجاهد وغيره: المخلفون من الأعراب: هم جهينة ومزينة وغفار وأشجع والديل وأسلم، والمقصود: أن هذه القبائل استنفرها رسول الله ﷺ حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً لتخرج معه؛ لأنه توقع أن تعرض له قريش بحرب أو أن يصدوه عن المسجد الحرام، وأحرم هو ﷺ وساق معه الهدي؛ ليعلن للمشركين أنه لا يريد حرباً، ورأى أولئك الأعراب المخلفون أنه ﷺ يستقبل عدداً عظيماً من: قريش، وثقيف، وكنانة، والقبائل المجاورة لمكة وهم: الأحابيش، ولم يكن الإيمان تمكن في قلوب هؤلاء الأعراب؛ فقعدوا عن النبي ﷺ وتخلفوا، وقالوا: نذهب إلى قوم قد غزوهم في عقر دارهم بالمدينة، وقتلوا أصحابه فنقاتلهم! إذا كان هؤلاء قد غزوه في عقر داره -يقصدون بذلك غزوة أحد وقد كانت في السنة الثالثة من الهجرة والحديبية كانت بعد ذلك بثلاث سنين في السنة السادسة من الهجرة- فلن يرجع محمد ﷺ ولا أصحابه من هذه السفرة، سيذهبون إلى مكة وسوف يستأصلهم المشركون استئصالاً بحيث لا يبقى منهم أحد، فهذا هو ظن السوء الذي ظنوه كما بين الله ﵎، ففضحهم الله تعالى في هذه الآية: (سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا)، وأعلم رسول الله ﷺ بقولهم واعتذارهم قبل أن يصل إليهم، يعني: قبل أن يعود إليهم ويقابلهم أوحى الله إليه بما قالوه وبما سوف يقولونه؛ ولذلك جاءت الآية: (سيقول) في المستقبل (سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا) فلما وصلوا إليه كان الأمر كذلك، ووقع فعلاً ما أخبر به الله .
والمخلفون: جمع مخلف، وهو: المتروك في المكان خلف الخارجين من البلد، مأخوذ من الخلف وضده: المقدم، فالمقدم يكون من الأمام، والمخلف: الذي يترك في المكان خلف الخارجين من البلد.
والأعراب هم: سكان البادية من العرب لا واحد له، أي: سيقول لك المتروكون الغير خارجين معك معتذرين إليك: شغلتنا -عن الذهاب معك- أموالنا وأهلونا، إذ لم يكن لنا من يقوم بحفظ الأموال والأهل ويحميها عن الضياع، ولعل ذكر الأهل بعد الأموال هو من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى؛ لأنه لا شك أن حفظ الأهل عند ذوي الغيرة أهم من حفظ الأموال، فهذا ترقي من الأدنى إلى الأعلى: (شغلتنا أموالنا وأهلونا).
(فاستغفر لنا) يعني: استغفر لنا الله تعالى ليغفر لنا تخلفنا عنك، حيث لم يكن لنا بد في طاعتك، وإنما كان ذلك الداعي وهو أننا خفنا على أموالنا وأهلينا.
يقول الله : (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم) وهذا هو النفاق المحض: أن يتغاير اللسان والقلب، فكلامهم خارج من طرف لسانهم، غير مطابق لما في القلوب والجنان، وهذا الكذب والإفك المشار إليه في قوله تعالى: (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم) فهذا الكذب راجع لما تضمنه الكلام من الخبر عن تخلفهم أنه لضرورة، فهذا كان كذباً منهم أنهم تخلفوا لأجل ضرورة داعية إلى التخلف، وهي القيام بمصالحهم التي لابد منها، وعدم وجود من يقوم بها لو ذهبوا مع النبي ﷺ حين استنفرهم.
كذلك (فاستغفر لنا) يتضمن اعترافهم بأنهم مذنبون، وأن دعاءه لهم يفيدهم فائدة لازمة لهم، والكذب هو أن حالهم لا يطابق الواقع بحسب الاعتقاد.
قال ابن كثير: (فاستغفر لنا) ذلك قول منهم لا على سبيل الاعتقاد، يعني: ليس على سبيل أنهم فعلاً راغبون في استغفار النبي ﵊ لهم، حتى يعود عليهم بالعفو والمغفرة من الله ، وإنما هو تقية ومصانعة، فهم في الحقيقة لا يقولون ذلك على سبيل الاعتقاد.
قال القاسمي: قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١١] تكذيب لهم في اعتذارهم، وأن الذي خلفهم ليس الذي يقولون.
إذاً: هذا الاعتذار الذي يدعونه هم كاذبون فيه، والذي خلفهم ليس هو قولهم: (شغلتنا أموالنا وأهلونا)، وإنما الذي خلفهم هو الشك في الله والنفاق.
كذلك أيضاً طلبهم الاستغفار: (فاستغفر لنا) ليس صادراً عن حقيقة؛ لأنه صادر بألسنتهم بغير توبة منهم ولا ندم على ما سلف منهم من معصية التخلف، وفيه إيذان بأن اللسان لا عبرة به ما لم يكن مترجماً عن الاعتقاد الحق.
قال تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: أي: لا يقدر أحد أن يرد ما أراده الله فيكم تعالى وتقدس، وهو العليم بسرائركم وضمائركم وإن صانعتمونا وتابعتمونا، ولهذا قال: (بل كان الله بما تعملون خبيراً).
قال القاسمي: أي: لا أحد يمنعه تعالى من ذلك؛ لأنه لا يغالبه غالب؛ إشارة إلى عدم فائدة استغفاره لهم، مع بقائهم على كذبهم ونفاقهم؛ ولذا هددهم بقوله: (بل كان الله بما تعملون خبيراً) أي: فيجازيكم عليه.
قوله تعالى: (قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً) قيل: ضراً يعني: أمراً يضركم كهزيمة أو غير ذلك، أو أراد بكم نفعاً أي: نصراً وغنيمة، وهذا رد عليهم حين ظنوا أن التخلف عن الرسول ﷺ يدفع عنهم الضر، ويعجل لهم النفع.
((قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)) يقول الألوسي: وحاصل معنى الآية: قل لهم: لا أحد يدفع ضره ولا نفعه تعالى، فليس الشغل بالأهل والمال عذراً، فلا ذاك ينفع الضر إن أراد الله ، ولا مواجهة العدو تمنع النفع إن أراد بكم نفعاً.
يعني: هذا الجواب جامع؛ لأن الله يقول لهم: (قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً) يعني: إذا بقيتم في أموالكم وأهليكم خشية ضياعها، فهل هذا التخلف يجلب لكم نفعاً؟ كلا، بل لو أراد الله أن ينزل بكم الضر وبأهليكم وبأموالكم وأنتم في وسطهم لما رد قضاء الله راد.
كذلك أنتم تظنون أن الخروج مع النبي ﵊ يضركم بهزيمة أو بقتل أو بنحو ذلك، فلو شاء الله أن يقدر نصراً وغنيمة فلا راد لقضائه، مع أنكم تحسبون أنه خروج إلى هلكة، فهذا هو المعنى: فلا أحد يدفع ضر الله ولا نفعه، فليس الشغل بالأهل والمال عذراً، فلا ذاك يدفع الضر إن أراده الله ، ولا موافقة العدو تمنع النفع إن أراد بكم نفعاً، وهذا كلام جامع في الجواب، وفيه تعريض بغيرهم من المبطلين.
ثم ترقى إلى ما يتضمن تهديداً في قوله: (بل كان الله بما تعملون خبيراً) يعني: بكل ما تعملون خبيراً، فيعلم سبحانه تخلفكم وقصدكم فيه، ويجازيكم على ذلك.
стр. 2110
اللف والنشر الموجود في الآية
هذه الآية الكريمة فيها فن معروف عند علماء البيان يسمى: اللف والنشر، واللف والنشر هو: أن يذكر أشياء إما تفصيلاً: بالنص على كل واحد، أو إجمالاً: بأن يؤتى بلفظ يشتمل على متعدد، ثم يذكر أشياء على عدد ذلك، كل واحد منها يرجع إلى واحد من المتقدم، ويفوض إلى عقل السامع رد كل واحد إلى ما يليق به؛ لأنه يكمل اللف.
اللف والنشر الإجمالي مثاله: قول الله : ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة:١١١]، وقائل ذلك يهود المدينة ونصارى نجران، وهل معنى ذلك أن أهل الكتاب اتفقوا مع بعض وتوحدوا وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً أو نصرانياً؟ لا، لم يتفقوا والدليل على ذلك الآية التي يقول الله تعالى فيها: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣]، ونحن نقول لهم: كلاكما محق، يعني: فهؤلاء صادقون وهؤلاء صادقون، اليهود عندما قالوا: (ليست النصارى على شيء) نقول لهم: أنتم صادقون ونطقتم بالحق، فليست النصارى على شيء، والنصارى لما قالوا: (ليست اليهود على شيء) نقول لهم: صدقتم، فليست اليهود أيضاً على شيء، وكلاكما ليس على شيء.
فهم رأيهم في بعضهم البعض صواب، فقوله: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) فهنا إجمال في اللف في قوله: (وقالوا) والإجمال في حرف الواو، من الذي قال؟ كل فئة، (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) لكن حينما نريد أن نذكر ما لفته الواو ونفرد الكلام ونفصله فنقول: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا اليهود، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا النصارى، وإنما سوغ الإجمال في اللف ظهور العناد بين اليهود والنصارى، فلا يمكن أن يقر أحد الفريقين بدخول الفريق الآخر الجنة، والدليل الآية التي بعدها، وهي قوله : (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) وكما قلنا: كلاهما في قوله هذا محق.
إذاً: الإجمال هنا في الواو جائز وسائغ؛ لأن اللف مأمون، فالإنسان العاقل الذي يعي الكلام عندما يقرأ القرآن الكريم يفهم أن قوله: (وقالوا) مجمل، ويستطيع أن يرد كل قول إلى فريقه، فلا يتصور أن احداً يقرأ الآيات، ويظن أن اليهود والنصارى اتفقوا على هذا القول، لا؛ لأن اليهود قالوا: لا يدخل الجنة إلا من كان يهودياً، والنصارى قالوا: لا يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً، فهذا أنموذج من نماذج الإجمال في اللف.
وقد يكون الإجمال في النشر لا في اللف، كأن يؤتى بمتعدد ثم بلفظ يشتمل على متعدد يصلح لهما، مثل قول الله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧] فهذا نشر، ثم أتى اللف في قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] وهذا على قول أبي عبيدة: إن الخيط الأسود أريد به: الفجر الكاذب لا الليل، أي: حتى يتبين لكم الفجر الصادق من الفجر الكاذب، فالفجر الكاذب هو الخيط الأسود، فتكون (من) فيها لف في كلمة: (من الفجر)، وقوله: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) يعني: الفجر الصادق من الفجر الكاذب، يعني: كلاهما فجر، هذا ما يتعلق بالإجمال.
أما في حالة التفصيل فهو قسمان: أحدهما: أن يكون على ترتيب اللف كقوله : ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص:٧٣] أي: جعل لكم الليل، ثم النهار، ثم قال: (لتسكنوا فيه) وقال: (ولتبتغوا من فضله) فالسكون راجع إلى الليل، والابتغاء راجع إلى النهار، فهنا الإجمال أتى على (جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبتغوا من فضله).
وقال ﵎: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٩]، فاللوم راجع إلى البخل: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) والإحسار راجع إلى الإفراط، ومعنى (محسوراً) أي: منقطعاً لا شيء عندك.
كذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨]، ثم قال: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:٩ - ١١].
فقوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر) راجع إلى قوله: (ألم يجدك يتيماً فآوى).
وقوله: (وأما السائل فلا تنهر) راجع إلى قوله: (ووجدك ضالاً فهدى).
ولعله بادر إلى عقولكم أن السائل المقصود به: الذي يسأل المال، لكن المراد به هنا السائل عن العلم؛ لأنه يقابل قوله تعالى: (ووجدك ضالاً فهدى) ضالاً معناه: غافلاً عما أوحاه الله إليك من الهدى والفرقان، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢]، فإذاً: (ضالاً) يعني: عما أوحى إليك من النور والفرقان والشرائع، وعلى هذا فقوله: (وأما السائل فلا تنهر) قال مجاهد: يعني: السائل عن العلم، فإن للسائل حقاً، والسائل قد يدخل فيه أهل الكتاب الذين يأتون ليجادلوه ﵇ ويسألوه أو الأعراب، أو كما جاء في سورة: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١] في قصة الأعمى.
إذاً: قوله: (ألم يجدك يتيماً فآوى) يرجع إليها قوله: (فأما اليتيم فلا تقهر)، فكما آواك الله فعامل اليتيم بالمثل.
(وأما السائل فلا تنهر) كما أن الله امتن عليك بهذا العلم وهذا النور وهذا الوحي؛ فلا تنهر من أتاك يسألك هذا العلم.
(وأما بنعمة ربك فحدث) هذا راجع إلى قوله: (ووجدك عائلاً فأغنى).
وقد يكون اللف والنشر التفصيلي على عكس التدقيق الذي ذكرناه هنا مع موافقة التركيب: (جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) وكذلك في سورة الضحى، أما عكس الترتيب فكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران:١٠٦]، ثم قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران:١٠٧] فقوله تعالى: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) أتي بعدها بعكس الترتيب لأنه بدأ بعكس الترتيب في الجزء الأول فقال: (فأما الذين اسودت) ثم قال: (وأما الذين ابيضت وجوههم).
وجعل منه جماعة من العلماء قول الله : ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]، فبعض العلماء جعلوا هذا من اللف والنشر التفصيلي مع عكس الترتيب، (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)، فيكون (متى نصر الله) قول الذين آمنوا، و (ألا إن نصر الله قريب) قول الرسول، فيكون التقدير: حتى يقول الذين آمنوا معه: متى نصر الله، ويقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب، فهذا يكون على عكس الترتيب.
على أي الأحوال المقصود من هذه الآية الكريمة: ((قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا)) أي: فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً؟ ومن يحرمكم النفع إن أراد بكم نفعاً؟ ففي هذه الآية الكريمة أمر الله نبيه ﷺ أن يقول للمنافقين الذين تخلفوا عنه واعتذروا بأعذار كاذبة: (فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً) أي: لا أحد يملك دفع الضر الذي أراد الله إنزاله بكم، ولا منع النفع الذي أراد نفعكم به، فلا نافع إلا هو، ولا ضار إلا هو ، ولا يقدر أحد على دفع ضر أراده، ولا منع نفع أراده، وهذا وضحه قوله : ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب:١٧]، وقال في آخر يونس: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧].
стр. 2111
تفسير قوله تعالى: (بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً)
قال ﵎: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح:١٢].
(بل ظننتم) يعني: في الحقيقة ليس الأمر كما زعمتم بأنكم شغلتكم أموالكم وأهلوكم، ولكن الحقيقة أشد من ذلك: (بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً) والظن اسم لما يحصل عن الوهم، ومتى قوي أدى إلى العلم، ومتى ضعف جداً لم يتجاوز حد التوهم، فكلمة الظن تستعمل في أكثر من استعمال، أحياناً تستعمل بمعنى: اليقين، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٤٦] أي: يوقنون، وقال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ [البقرة:٢٤٩] إلى آخر الآية، فهذه بمعنى اليقين.
وقال تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين:٤]؛ لأن المعنى: ألا يكون منهم ظن لذلك؟ تنبيهاً على أن أمارات البعث ظاهرة، وفي هذا ذم لهم.
كذلك قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠] أي: إني أيقنت، وقوله: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف:٥٣] هذا أيضاً يقين، وقال دريد بن الصمة: فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرد يعني: أيقنوا.
وقوله تعالى: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة:٢٨] يعني: أيقن أنه الفراق، أي: فراق الدنيا والأهل والمال والولد، وذلك حين عاين الملائكة.
فراق ليس يشبهه فراق قد انقطع الرجاء عن التلاق إذاً: أصل الظن وقاعدته الشك مع ميل إلى أحد الأمرين، وقد يقع موقع اليقين كما في الآيات التي ذكرناها.
قوله ﵎: ((بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا)) أي: لم يكن تخلفكم تخلف معذور ولا عاقل أو مؤمن كسول كالثلاثة المخلفين في غزوة تبوك، لا، (بل ظننتم) يعني: لم يكن تخلفكم تخلف معذور ولا عاص، وإنما هو تخلف نفاق، وهذا أشد من المعصية إذ اعتقدتم أنهم يقتلون وتستأصل شأفتهم، وتستباح خضراؤهم، ولا يرجع منهم مفلت.
وقال القرطبي: وذلك أنهم قالوا: إن محمداً ﷺ وأصحابه أكلة رأس لا يرجعون.
وقولهم (أكلة رأس) كناية عن القلة، أي: أنهم يكفيهم رأس واحد، لو اجتمعوا ليأكلوا فسيأكلون شاة واحدة، وهذا كناية عن قلة العدد، فهؤلاء خرجوا ليقابلوا الأحابيش في قريش وثقيف وكذا وكذا، فسوف يستأصلونهم ويقضوا عليهم قضاءً، ولا يبقى أحد منهم ليخبر عنهم، وهذا سوء ظن بالله ؛ لأن هذا لا يمكن أن يقع أبداً، ولا يمكن أبداً أن يتصور أن المؤمنين يستأصلون بحيث لا يبقى للإيمان ولا للإسلام أحد، فهذا لا يقع أبداً أبداً، فهذا هو ظن السوء الذي عيرهم الله به، فهم قالوا: إن محمداً وأصحابه أكلة رأس لا يرجعون، يعني: هم قليل يشبعهم رأس واحد.
стр. 2112
أهمية تعلم اللغة العربية
ذهب الألوسي إلى أن الإبهام الذي في قوله تعالى: (بل كان الله بما تعملون خبيراً) أوضح في الآية التي تليها ما هو هذا الذي كانوا يعملونه؟ وما هو الذي كان الله به خبيراً؟ فقال: ((بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا)).
أي: لن يرجع من ذلك السفر.
قوله: (الرسول والمؤمنون إلى أهليهم) أي: لن يرجعوا إلى عشائرهم وأقربائهم أبداً؛ لأنه سيستأصله المشركون بالمرة، أي: أفحسبتم أنكم إن كنتم معهم فسيصيبكم ما يصيبهم؛ فلأجل ذلك تخلفتم لا لما ذكرتم من المعاذير الباطلة.
والأهلون: جمع أهل، وهو ملحق بجمع المذكر السالم؛ لأنه ليس بعلم ولا صفة من صفات من يعقل، والشاهد من الألفية: وارفع بواو وبيا اجرر وانصب سالم جمع عامر ومذنب وشبه ذين وبه عشرونا وبابه ألحق والأهلونا فهو ملحق بجمع المذكر السالم.
وهنا فرصة لأن نتكلم عن أهمية اللغة العربية، فاللغة العربية في خطر شديد، والاهتمام باللغة العربية أمر واجب مقدس؛ لأنه لا إسلام بدون اللغة العربية، ولا عربية بلا إسلام.
فالذي نريد أن نقوله: إن الفهم للغة العربية مهم جداً، إذا قرأ الإنسان في كتب أهل العلم فإذا صار ينصب الفاعل أو يجر المفعول فإنه يفقد الثقة، وأنا عن نفسي الثقة تهتز عندي تماماً، فأقول: لو أن طالب العلم يستطيع أن يضبط الفعل والفاعل والجار والمجرور فسيستطيع أن يضبط الأحكام الشرعية، ويفهم النصوص حق فهمها، خاصة أن الإنسان إذا كان يسيء تطبيق قواعد اللغة العربية، فبالتالي سيسيء فهم الكلام؛ لأن الإعراب له أهمية قصوى في فهم كلام الناس، فقد يقع في ظلم بسبب عدم الفهم، وأنا أذكر لكم مثالاً لهذا الظلم: أحد إخواننا الأفاضل السلفيين ألف كتاباً اسمه: الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة، فهذا الأخ الفاضل لما أتى يتكلم على الجماعات تكلم على الإخوان، وذكر الشيخ سيد قطب رحمه الله تعالى فقال هذه العبارة: وقد تنكر -يعني: صاحب الظلال- لعقيدة أهل السنة عندما فسر قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] فقال: إذاً فقد كان ضائعاً ذلك الجدل الطويل المديد الذي شغل به المعتزلة أنفسهم ومعارضيهم من أهل السنة والمتكلمين حول حقيقة النظر والرؤية في مثل ذلك المقام.
فأنا أسأله الآن -وانتبهوا-: من الذين يذمهم الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى هنا في هذا السياق؟ هل هو يذم المعتزلة فقط أم أنه يذم المعتزلة وأهل السنة أيضاً؟ هو يذم المعتزلة، فهذا خلاصة الكلام، وليست الجناية أنه قد أخطأ في فهم كلام الأستاذ سيد قطب ﵀، الجناية أنك عندما تعرض سياق ظلال القرآن تجد أن السياق ليس فيه نفي للرؤية أبداً، بل إنه يثبت الرؤية، ولكن الإنسان عندما يتعصب يغلط الناس: فرصاص من أحببته ذهب وذهب من لم ترض عنه رصاص فقد يدخل الهوى الإنسان الذي يتعصب في حكمه على الشخص، ويتمنى له الغلط كما يقولون، فهنا انظر هو يقول: فقد كان ضائعاً ذلك الجدل الطويل المديد الذي شغل به المعتزلة أنفسهم ومعارضيهم، فهو هنا يذم المعتزلة فقط، ولا يهاجم أهل السنة، بل يقول: إن المعتزلة فتحوا باباً للجدل شغلوا به أنفسهم عن العلم النافع، وشغلوا أيضاً معارضيهم من أهل السنة الذين اضطروا أن يعارضوهم ويردوا عليهم ويبطلوا مذهبهم.
فهذا الأخ -سامحه الله- يرد على هذه الفقرة ويقول: من هذا القول يتضح أن سيد قطب لا يعتقد في هذه المسألة.
وهذا لحن آخر، يعني: أنت لا تعرف كيف تضبط الفاعل والمفعول وتهاجم الناس على نواياك وفهمك! فأنت لا تهاجم الناس إلا وأنت متقن على الأقل لأساسيات اللغة العربية، فهو يقول: من هذا القول يتضح لنا أن سيد قطب لا يعتقد في هذه المسألة عقيدة أهل السنة فضلاً عن المعتزلة، يعني: فهو في منزلة بين المنزلتين، فهذا سوء فهم منك أنت، فلا شك أن هذا ظلم واضح بين، فلو أنك راجعت الظلال الجزء ٨ صفحة ٣٨٢ لاتضح لك تماماً أنه رحمه الله تعالى يثبت الرؤية، ويعتقد فيها عقيدة السلف الصالح.
فهذا المنتقد بسبب قلة علمه بأولويات قواعد النحو قد وقع في ظلم هذا الرجل، ويريد أن يلتقط منه هذا الكلام الطلبة الصغار فيظللوا غيرهم، ومنهم من يكفر، أو يبدع أو يشتم وغير ذلك من الأشياء التي نراها.
فهذه وقفة عابرة استطرادية لبيان أهمية إتقان اللغة العربية جيداً؛ لأن من لحن في مثل هذه الأمور البسيطة فإنه تفقد الثقة في كلامه؛ لأنه إذا كان لا يعرف بدهيات اللغة العربية وأولويات النحو؛ فلا يجوز له أن يتكلم في الشرع؛ لأنه سوف يفتري على الله الكذب حين يفهم الآيات والأحاديث فهماً معوجاً؛ لأن النحو تفسير في غاية الخطورة على فهم النصوص، وهذا موضوع طويل لا نطيل فيه أكثر من هذا.
стр. 2113
الاستدلال بالآية على إثبات رؤية الله
قوله تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح:١٢] بعض الأذكياء من الناس يقول: إن هذه الآية تعتبر دليلاً لأهل السنة في إثبات الرؤية! فالاستدلال هنا أن كلمة: (لن) تفيد النفي في المستقبل، لكن هل تفيد التأبيد أم لا تفيد التأبيد؟ هذه الآية ظاهره في أن (لن) ليست للتأبيد؛ لأن (لن) لو كانت تفيد التأبيد لما قال: (أبداً)، فلما قال: (أبداً) دل على أن النفي بـ (لن) لا يفيد التأبيد، والشاهد من كلام ابن مالك في هذه المسألة: ومن رأى النفي بلن مؤبداً فقوله اردد وسواه فاعضدا يعني: ارفض هذا المذهب وتمسك بالمذهب الآخر.
يقول تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]: قال (لن تراني) فالمعتزلة يستدلون بهذه الآية على أن (لن) تفيد النفي المؤبد، فيفسرون (لن تراني) يعني: يستحيل أن يراني أحد.
أهل السنة يقولون: لا، هو لم يقل: (لن تراني أبداً)، وإنما قال: (لن تراني) بمعنى: لن تراني في الدنيا، وهذا لا يتنافى مع الأحاديث المتواترة -بل والآيات- التي أثبتت رؤية الله في الآخرة، فالشاهد أن الآية هنا: (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ) ظاهرة بأن (لن) ليست للتأبيد، ومن زعم أنها تفيد التأبيد جعل (أبداً) توكيداً.
والدليل أيضاً على الذي ذكرناه قوله : ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٩٥]، فلو كانت تفيد التأبيد لوحدها لما ذكر معها (أبداً)، هذا مع أنه قال: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] فهذا تمن للموت.
وكذلك لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف:٨٠]، فثبت أن (لن) لا تقتضي النفي المؤبد، فهي تنفي في المستقبل لكن ليس نفياً مؤبداً.
стр. 2114
ظن السوء الذي تمكن في قلوب المنافقين
قوله تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح:١٢] أي: حسن ذلك الظن المفهوم من (ظننتم) في قلوبكم، فلم تسعوا في إزالته؛ فتمكن فيكم فاشتغلتم بشأن أنفسكم غير مبالين بالرسول ﷺ والمؤمنين.
(وزين ذلك في قلوبكم) أي: زين ذلك الظن، فالإشارة هنا إلى غير مذكور، ولكنه مأخوذ من قوله: (بل ظننتم) يعني: وزين ذلك الظن في قلوبكم، فبالتالي لم تسعوا إلى إزالة هذا الظن ولا معالجته، فتمكن من هذه القلوب حتى اشتغلتم بأنفسكم، غير مبالين بما يحصل للنبي ﷺ ولأصحابه رضي الله تعالى عنهم.
قال القاسمي: أي: حسن الشيطان ذلك وصححه، حتى حبب لكم التخلف، (وظننتم ظن السوء) يعني: أن الله لا ينصر رسوله ﵌، (وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا) أي: هلكى، وقيل: لا يصلحون لشيء من الخير، وقال الجوهري: البور: الرجل الفاسد الهالك، وقال عبد الله بن الزبعرى السهمي: يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور وبور: جمع بائر، مثل: حائل وحول، وعائذ وعوذ، وباذل وبذل، وقد بار فلان أي: هلك، وأباره الله أي: أهلكه، وقيل: بوراً أي: أسراباً، أي: وكنتم في علم الله تعالى الأزلي (قوماً بوراً) أي: هالكين؛ لفساد عقيدتكم، وسوء نيتكم، فاستوجبتم سخط الله تعالى وعقابه جل شأنه.
стр. 2115
تفسير قوله تعالى: (ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيراً)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح:١٣] هذا وعيد لهم، وبيان أنهم كفروا بهذا النفاق، قال ابن كثير: (ومن لم يؤمن بالله ورسوله) أي: من لم يخلص العمل في الظاهر والباطن لله فإن الله تعالى سيعذبه في السعير، وإن أظهر للناس خلاف ما هو عليه في نفس الأمر.
(فإنا أعتدنا) أي: هيأنا، (للكافرين سعيراً) ناراً مسعورة موقدة ملتهبة، وكان الظاهر أن يقول: ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا لهم سعيراً، لكن عدل عن الضمير بإظهار الكافرين؛ ليبين أن من لم يجمع بين الإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ فهو كافر، وأنه مستوجب للسعير بكفره، لمكان التعليق بالمشتق، و (سعيراً) للتهويل، لما فيه من الإشارة إلى أنه لا يمكن معرفتها، وعبر عنه بـ (سعيراً)، فالتنكير هنا لتهويل شأنها.
وقيل: لأنها نار مخصوصة، فالتنكير للتنويع.
стр. 2116
تفسير قوله تعالى: (ولله ملك السماوات والأرض)
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفتح:١٤] أي: أن الله غني عن عباده، وإنما ابتلاهم بالتكليف ليثيب من آمن ويعاقب من كفر وعصى.
(وكان الله غفوراً رحيماً) وفي تقديم المغفرة والتذييل لكونه تعالى غفوراً في صيغة المبالغة، وضم رحيماً إليه الدال على المبالغة أيضاً دون التذييل بما يفيد كونه سبحانه معذباً، مما يدل على سبق الرحمة للعذاب والغضب.
كذلك قوله تعالى: (ولله ملك السموات والأرض) بدأ بالمغفرة؛ لأن المغفرة أحب إلى الله : (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء).
ولم يقل: وكان الله عزيزاً حكيماً أو: من الكافرين منتقماً وإنما ختم بقوله: (وكان الله غفوراً رحيماً) إيماءً إلى ما ثبت في الحديث من أن رحمة الله تسبق غضبه .
وفي الحديث: (كتب ربكم على نفسه بيده قبل أن يخلق الخلق: رحمتي سبقت غضبي).
قال الألوسي: والآية على ما قال أبو حيان: لترجية أولئك المنافقين بعض الترجية إذا آمنوا حقيقة.
يعني: هذا يفتح لهم باب الرجاء؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفتح:١٣ - ١٤]، فهذا فتح لباب الرجاء ليصححوا إيمانهم حتى يغفر الله لهم.
وقيل: بل الآية لحسم أطماعهم الفارغة في استغفاره ﵌ لهم.
стр. 2117
تفسير قوله تعالى: (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها)
قال ﵎: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الفتح:١٥].
يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: يقول تعالى مخبراً عن الأعراب الذين تخلفوا عن النبي ﷺ في غزوة الحديبية إذ ذهب النبي ﷺ وأصحابه إلى خيبر ليفتحوها -لأن فتح خيبر كان بعد صلح الحديبية مباشرة- أنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها): فهذه المرة لأنها مغانم، وسوف ينالون حظاً من الدنيا؛ كانوا حريصين على الخروج مع النبي ﵌، في حين أنهم رغبوا بأنفسهم عنه وعن أصحابه حينما كانت هناك معركة فيها إزهاق للنفس، وحين ظنوا بالله ظن السوء أن الرسول ﵇ والصحابة لن يعودوا أبداً، بل ستستأصلهم قريش والأحابيش.
فقوله: (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها) أي: إذا انطلقتم إلى أماكن المغانم، وهي خيبر، ومثاله في سورة النساء قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣] جاء في تفسيرها: (لا تقربوا الصلاة) يعني: المساجد، والمراد: لا تقربوا أماكن الصلاة التي هي المساجد، والدليل من الآية: (إلا عابري سبيل) وهذا لا يمكن أن يكون داخل الصلاة، وإنما عابر السبيل يعبر المكان الذي هو المسجد، فكذلك هنا: (إذا انطلقتم إلى مغانم) إلى أماكن المغانم.
يقول ابن كثير: يقول تعالى مخبراً عن الأعراب الذين تخلفوا عن النبي ﷺ في غزوة الحديبية، إذ ذهب النبي ﷺ وأصحابه إلى خيبر يفتحونها، أنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم ومصابرتهم، فأمر الله رسوله ﷺ ألا يأذن لهم في ذلك، معاقبة لهم من جنس ذنبهم، فإن الله تعالى وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم، لأن الله كافأ الصحابة في غزوة الحديبية بمغانم خيبر يحوزونها وحدهم؛ لصمودهم مع النبي ﷺ ، لا يشركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غير ما وعد الله شرعاً وقدراً، ولهذا قال: ((يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ))، هل كلام الله يبدل؟ لا يمكن أن يبدل كلام الله الشرعي والقدري، ومغانم خيبر كتب الله في القدر السابق أنها من حق الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فلا يقع غير ما قدر الله كوناً ولا قدراً.
وبعض المفسرين قال: المقصود بقوله ﵎: (يريدون أن يبدلوا كلام الله) أنه قوله: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [التوبة:٨٣]، فيفسرون هذه بتلك، يعني: يريدون أن يبدلوا كلام الله الذي قاله في هذه الآية، ولكن هذا فيه نظر؛ فإن سورة الفتح نزلت في غزوة الحديبية سنة ٦ من الهجرة، وغزة تبوك كانت في سنة ٩ في شهر رجب، فكيف تفسر هذه الآية بآية التوبة! يقول القرطبي: قوله تعالى: (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها) يعني: مغانم خيبر؛ لأن الله وعد أهل الحديبية بفتح خيبر، وأنها لهم خاصة من غاب منهم ومن حضر، ولم يغب منهم عنها غير جابر بن عبد الله، فقسم له رسول الله ﷺ كسهم من حضر؛ لأن الله قال: إن أهل الحديبية هم الذين يستحقون غنائم خيبر ولا يشركهم فيها أحد، حتى لو كان هناك رجل من أهل الحديبية لم يحضر فتح خيبر فإنه يضرب له سهم كما فعل النبي ﷺ مع جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه.
(سيقول المخلفون) اللام هنا عهدية يعني: المخلفين الذين تعهدونهم، وسياق الكلام فيهم (إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا) أي: دعونا نتبعكم فنقاتل معكم، (يريدون أن يبدلوا كلام الله) يعني: بعدما ظهر كذبهم في الاعتذار وطلب الاستغفار (يريدون أن يبدلوا كلام الله)، قال القرطبي: يعني: يغيروا.
وقوله في هذه الآية: (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ) المقصود أنها ظرف لما قبلها أي: أنهم سيقولون وقت خروجهم: إذا انطلقتم إلى مواطن الغنائم.
يقول الألوسي: والمراد بالمغانم مغانم خيبر كما عليه عامة المفسرين، ولم نقف على خلاف في ذلك، وأزيد بأن السين تدل على القرب.
يعني: لا يعرف خلاف في تفسير المغانم هنا بأنها مغانم خيبر، ومما يؤيد هذا المذهب التعبير بالسين: (سيقول المخلفون) فالسين تدل على القرب، وخيبر أقرب المغانم التي انطلقوا إليها من الحديبية، فإرادتها كالمتعينة، وقد جاء في الأخبار الصحيحة أن الله تعالى وعد أهل الحديبية أن يعوضهم عن مغانم مكة خيبر، إذا أطاعوا النبي ﵊ ورجعوا موادعين، ففي هذه الحالة سيعوضهم الله مغانم خيبر، وخص سبحانه ذلك بهم.
فمعنى الآية: سيقولون عند انطلاقكم إلى مغانم خيبر لتأخذوها حسبما وعدكم الله تعالى إياها وخصكم بها، طمعاً في عرض الدنيا، وبما أنهم يرون ضعف العدو هذه المرة، فاليهود في حالة ضعف في خيبر، ويتحققون النصرة لأن المسلمين أقوياء، قالوا: (ذرونا نتبعكم) أي: إلى خيبر، ونشهد معكم قتال أهلها، يريدون أن يبدلوا كلام الله بأن يشاركوا في الغنائم التي خصها سبحانه بأهل الحديبية، ويريدون الشركة التي لا تحصل لهم دون نصرة الدين وإعلاء كلمة الله تعالى.
(قل لن تتبعونا) قال القاسمي: أي: إلى خيبر إذا أردنا السير إليهم، فهذا نفي في معنى النهي، (قل لن تتبعونا) أي: لا تتبعونا، قال الشهاب: فالخبر مجاز عن النهي الإنشائي وهو أبلغ.
وقال الألوسي: (قل) إقناطاً لهم يعني: تيئيساً لهم، (لن تتبعونا) أي: لا تتبعونا، فإنه نفي في معنى النهي للمبالغة، والمراد نهيهم عن الاتباع فيما أرادوا الاتباع فيه في قولهم: (ذرونا نتبعكم) وهو الانطلاق إلى خيبر كما نقل عن محيي السنة عليه الرحمة.
من هو هذا الملقب بمحيي السنة؟ الذي اختص بهذا اللقب هو الإمام البغوي، فالإمام البغوي هو محيي السنة رحمه الله تعالى.
وقيل: المراد (قل لن تتبعونا) يعني: لا تتبعونا ما دمتم مرضى القلوب، (كذلكم قال الله من قبل) قال ابن جرير أي: من قبل مرجعنا إليكم إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية معنا، كذلك حكم الله من قبل أن نعود من الحديبية إلى المدينة، وقبل أن نقابلكم وتعتذروا؛ قد حكم الله وقال: إن غنيمة خيبر فقط لمن شهد الحديبية مع النبي ﷺ ، فليس لكم أن تتبعونا إلى خيبر؛ لأن غنيمتها لغيركم.
وقال ابن كثير في تفسير قوله: (كذلكم قال الله من قبل) أي: وعد الله أهل الحديبية قبل سؤالكم الخروج معهم.
(فسيقولون بل تحسدوننا) قال القاسمي: أي: أنتم تحسدوننا أن نصيب معكم مغنماً إن نحن شهدنا معكم، فلذلك تمنعوننا من الخروج معكم، قال الشهاب: وهو إضراب عن كون الحكم لله، يعني: إضراب عن قول المسلمين لهم: ((كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ))، فكأنهم يقولون: ربنا لم يقل هذا، لكن هذا ناتج من أنكم تحسدوننا، وتريدون أن تستأثروا بالغنائم، فالإضراب هنا عن كون هذا حكم الله، أي: فإنما ذلك من عند أنفسكم حسداً (فسيقولون بل تحسدوننا)
و
الجواب
بل كانوا لا يفقهون عن الله تعالى ما لهم وعليهم من أمر الدين، (بل كانوا لا يفقهون إلا قليلاً) أي: إلا فهماً قليلاً وهو ما كان في أمور الدنيا، كقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧]، والعلم في الحياة الدنيا دون الآخرة ليس بعلم في الحقيقة؛ لأن الآية في سورة الروم تقول: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٦] فأبدل من قوله: (لا يعلمون) قوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧]؛ لأن هذا الظاهر لما كان لا يفيدهم في الإيمان واليقين شيئاً فكأنه لا علم لهم، ولا يساوي هذا العلم شيئاً، وكما قال النبي ﵊: (إن الله يبغض كل جعظري جواظ، صخاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة).
(بل كانوا لا يفقهون إلا قليلاً) أي: بأمور الدنيا، كما فسرها قوله: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، وقال ابن كثير: (فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا) أي: أن نشرككم في المغانم، (بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا) ليس الأمر كما زعموا ولكن لا سهم لهم.
فقوله: (بل كانوا لا يفقهون إلا قليلاً) رد لقولهم الباطل في المؤمنين، فهذا دفاع عن المؤمنين باتهامهم إياهم أنهم يمنعونهم من أجل الحسد، ووصف لهم بما هو أعظم من الحسد وأطم، وهو الجهل المفرط، وسوء الفهم في أمور الدين، وفيه إشارة إلى ردهم حكم الله تعالى، وإثباتهم الحسد لأولئك السادة بسبب الجهل وقلة التفكر، وهذا أقوى دليل على أنهم لا يفقهون، ولو كانوا يفقهون شيئاً نافعاً لفهموا أن الجزاء من جنس العمل، وأن حالهم بعكس حال الصحابة، الصحابة كانوا كما وصفوا يكثرون عند الفزع، ويقلون عند الطمع،
стр. 2118
تفسير قوله تعالى: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد)
قال ﵎: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:١٦].
: انظر إلى التشنيع عليهم بذكر هذه الوصمة التي وصموا بها وهي: (المخلفين)، فهي كلمة في غاية الإيجاع والإيلام لمن كان عنده إحساس، وإذا راجعنا حديث الثلاثة المخلفين لرأينا كيف كانوا يتألمون حينما رجع أحدهم إلى المدينة ووجد نفسه لا يرى إلا معذوراً، يرى النساء والصبيان والشيوخ الطاعنين في السن، أو يرى منافقاً انغمس في النفاق، فكان هذا سبب عذابه النفسي الشديد بسبب التخلف عن النبي ﵊.
(قل للمخلفين) ذكرهم بهذا اللفظ مبالغة في الذم، وإشعاراً بشناعة التخلف، (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) فيما بعد ستأتيكم فرصة جديدة إن أردتم أن تفتحوا صفحة جديدة، فإننا سوف نتيح لكم فرصة غير هذه الفرصة.
وقد اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين سيدعون إليهم وهم أولوا بأس شديد على أقوال: أحدها: أنهم هوازن، وهذه غزاها النبي ﵌.
وقيل: ثقيف وهذه أيضاً غزاها ﵊.
وقيل: بنو حنيفة وهم أهل اليمامة الذين تابعوا مسيلمة الكذاب، وقد غزاهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه.
وقيل: إنهم أهل فارس.
وقال كعب الأحبار: هم الروم الذين خرج إليهم الرسول ﷺ عام تبوك، وإليهم بعث سرية مؤتة.
وقيل: هم فارس والروم، وهؤلاء غزاهم عمر رضي الله تعالى عنه.
وقال مجاهد: هم أهل الأوثان.
وعن مجاهد: هم رجال أولوا بأس شديد ولم يعين فرقة، وهذا اختيار ابن جرير.
وعن الزهري في قوله: (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) قال: لم يأت أولئك بعد، لكن ظاهر الآية يرد هذا؛ لأن الآية تخاطب نفس المخلفين أنهم سيدعون إلى أناس أولي بأس شديد، فبعيد جداً أن نقول: إن هذا يكون في آخر الزمان أو أنهم قوم لم يأتوا بعد.
قال القاسمي رحمه الله تعالى: ومثار الخلاف هو عموم ظاهر الآية، وشمول مصداقها لكل الغزوات المذكورة، ولو عد من الأوجه كفار مكة لم يبعد، بل عندي هو الأقرب؛ لأن السين للاستقبال القريب، فإن هذه السورة نزلت عدة بفتح مكة، مذ صرفه ﷺ من الحديبية، وعلى إثرها كانت غزوة الفتح الأعظم التي لم يتخلف عنها من القبائل الشهيرة أحد، إذ دعاهم النبي ﷺ إلى قتال قريش أو ليسلموا، فكان ما كان من إسلامهم طوعاً أو كرهاً، والله تعالى أعلم.
فـ القاسمي يميل إلى أن هؤلاء هم مشركو مكة.
(ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) قال الألوسي: ذوي نجدة وشدة قوية في الحرب، وهم على ما أخرج ابن المنذر والطبراني عن الزهري: هم بنو حنيفة: مسيلمة وقومه من أهل اليمامة، وعليه جماعة.
وفي رواية عنه زيادة: هم أهل الردة.
لماذا مسيلمة بالذات ألصق الله به لقب الكذاب وكلهم كذابون؟ لأن هذا الخبيث شارك الله في اسم يختص به، وسمى نفسه: رحمان اليمامة، وهذا الجرم لم يفعله أحد غيره، حيث سمى نفسه باسم يختص به الله ، ولا يجوز إطلاقه على غير الله أبداً بحال من الأحوال؛ فعوقب بأن ألصق الله اسمه بلقب الكذاب، مع أن كل المتنبئين كذابون.
عن رافع بن خديج قال: إنا كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم أريدوا بها، والآية هي: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون).
قال الألوسي: وأشهر الأقوال في تعيين هؤلاء القوم أنهم بنو حنيفة.
стр. 2119
خلاف العلماء في معنى قوله: (أولي بأس شديد)
(قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد): اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين سيدعون إليهم، هم أولوا بأس شديد على أقوال أحدها: أنهم هوازن، وهذه غزاها النبي ﵌.
وقيل: ثقيف وأيضاً غزاها ﵊، وقيل: بنو حنيفة وهم أهل اليمامة الذين تابعوا مسيلمة الكذاب من الذي غزاهم؟ أبو بكر رضي الله تعالى عنه.
القول الرابع: إنهم أهل فارس، وقال كعب الأحبار: هم الروم الذين خرج إليهم الرسول ﷺ عام تبوك وإليهم بعث سرية مؤتة.
وقيل: هم فارس والروم، وهؤلاء غزاهم عمر رضي الله تعالى عنه، وقال مجاهد: هم أهل الأوثان، وعن مجاهد: هم رجال أولوا بأس شديد ولم يعين فرقة، وهذا اختيار ابن جرير، وعن الزهري في قوله: (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) قال: لم يأت أولئك بعد، لكن ظاهر الآية يرد هذا، لأن الآية تخاطب نفس المخلفين ستدعون إلى أناس يكونون في آخر الزمان قل للمخلفين من الأعراب اللذين كانوا موجودين، (ستدعون) أنتم إلى قوم أولي بأس شديد، فبعيد جداً أن نقول: إن هذا يكون في آخر الزمان أو أنهم قوم لم يأتوا بعد.
قال القاسمي رحمه الله تعالى: ومثار الخلاف هو عموم ظاهر الآية، وشمول مصداقها لكل الغزوات المذكورة، ولو عد من الأوجه كفار مكة لم يبعد، بل عندي هو الأقرب؛ لأن السين للاستقبال القريب، فإن هذه السورة نزلت عدة بفتح مكة، مذ صرفه ﷺ من الحديبية، وعلى إثرها كانت غزوة الفتح الأعظم التي لم يتخلف عنها من القبائل الشهيرة أحد، إذ دعاهم النبي ﷺ إلى قتال قريش أو ليسلموا، فكان ما كان من إسلامهم طوعاً أو كرهاً والله تعالى أعلم.
فـ القاسمي يميل إلى أن هؤلاء هم مشركو مكة.
(ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) قال الألوسي: ذوي نجدة وشدة قوية في الحرب، وهم على ما أخرج ابن المنذر والطبراني عن الزهري: هم بنو حنيفة: مسيلمة وقومه من أهل اليمامة وعليه جماعة.
وفي رواية عنه زيادة: هم أهل الردة.
لماذا مسيلمة بالذات ألصق الله به لقب الكذاب؟ أليسوا كلهم كذابون؟ لأنه هذا الخبيث شارك الله في اسم يختص به وسمى نفسه: رحمان اليمامة، وهذا الجرم لم يفعله أحد غيره، أن يسمي نفسه باسم يختص به الله ، ولا يجوز إطلاقه على غير الله أبداً بحال من الأحوال؛ فعوقب بأن ألصق اسمه بلقب الكذاب، وإن كان كل المتنبئين كذابون.
عن رافع بن خديج قال: (إنا كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم أريدوا بها) والآية هي: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون).
قال الألوسي: وأشهر الأقوال في تعيين هؤلاء القوم أنهم بنو حنيفة.
стр. 2120
استدلال العلماء بهذه الآية على الرد على الرافضة
هذه الآية يرد بها على الرافضة الشيعة في قضية معينة مهمة، فعلى أن هؤلاء القوم بنو حنفية، فإن هذه الآية تدل على صحة خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه؛ لقوله تعالى: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون) أي: في المستقبل (إلى قوم أولي بأس شديد): وهم بنو حنيفة (تقاتلونهم أو يسلمون) أي: تقاتلونهم أو يسلمون، وهل يمكن أن يكون هؤلاء هم الروم أو الفرس؟ هذا التخيير هل يمكن أن يحمل على الروم أو الفرس؟ قوله: (تقاتلونهم أو يسلمون) هذا حكم من لا يقبل منهم الجزية، أما أهل الكتاب فتؤخذ منهم الجزية، فإذاً هذه عارضة، وقوله ﵎: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾ [الفتح:١٦] يعني: الإمام الذي يدعوكم إلى قتال هؤلاء القوم الذين هم بنو حنيفة.
﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:١٦] فهذه الآية تحرض على طاعة الخليفة الذي يأمرهم بقتال هؤلاء القوم، وتبين أن خلافته عند الله خلافة صحيحة، وبهذه الآية يرد على الرافضة -قبحهم الله- في طعنهم في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه؛ فإن قتال المرتدين من بني حنيفة وغيرهم كان تحت راية أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ولو كان قتال أبي بكر لهم غير شرعي لكان ما يترتب عليه باطل، وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه تسرى بامرأة من سبي بني حنيفة في هذا القتال، وولدت له محمد بن الحنفية، وهو محمد بن علي بن أبي طالب لكن اشتهرت نسبته إلى أمه، فكون علي أمير المؤمنين نفسه يستفيد من نتائج قتال بني حنيفة ويعتبره شرعياً، ويبني عليه أن هذا السبي وقع صحيحاً، ويتسرى بهذه المرأة الحنفية؛ فهو دليل آخر يبطل ضلال الشيعة وعدوانهم على أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
(تقاتلونهم أو يسلمون) وفي بعض القراءات: تقاتلونهم أو يسلموا، يعني: (أو) ستكون في هذه القراءة بمعنى: حتى يسلموا، قال القرطبي رحمه الله تعالى: تقاتلونهم أو يسلمون هذا حكم من لا تؤخذ منهم الجزية وهو معطوف على تقاتلونهم أي: يكون أحد الأمرين: إما المقاتلة، وإما الإسلام، لا ثالث لهما.
وفي حرف أبي أو يسلموا بمعنى: حتى يسلموا، كما تقول: كل أو تشبع، يعني: كل حتى تشبع، وقال امرؤ القيس: فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكاً أو نموت فنعذر قال الزجاج: قوله تعالى: (أو يسلمون) لأن المعنى: أو هم يسلمون من غير قتال، وهذا في قتال المشركين لا في أهل الكتاب.
قال الإمام القرطبي ﵀ ﵎: في هذه الآيات دليل على صحة إمامة أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، وهي كآية سورة النور: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥]، فالخطاب كان للمؤمنين الحاضرين في زمن النبي ﵊ وقت النبوة، ولم يقع هذا الاستخلاف إلا في زمن الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم.
وأيضاً: تأملوا قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، فهذا كله مدح لمن يقاتل المرتدين، وأول من قاتل المرتدين أبو بكر رضي الله تعالى عنه والصحابة.
يقول القرطبي: في هذه الآية دليل على صحة إمامة أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم؛ لأن أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة، وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم، وأما قول عكرمة وقتادة: إن ذلك في هوازن وغطفان يوم حنين فلا؛ لأنه يمتنع أن يكون الداعي لهم الرسول ﷺ ؛ لأنه قال: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا﴾ [التوبة:٨٣]، فدل على أن المراد بالداعي غير النبي ﷺ ، ومعلوم أنه لم يدع هؤلاء القوم بعد النبي ﷺ إلا أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم، فيبعد أن نقول: هم غطفان وهوازن يوم حنين؛ لأن هؤلاء المخلفين حرموا من شرف مصاحبة النبي ﵇ في القتال طول حياتهم، لكن فتحت لهم فرصة بعد ذلك مع أبي بكر وعمر، فهذا مما يرجح القول بأن الذي سيدعوهم إلى القتال ليس هو النبي ﷺ ، بدليل أنه قال: ((فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا))، وهذه نكرة في سياق النفي تفيد العموم، وهذا يدل على أن المراد بالداعي غير النبي ﷺ ، ومعلوم أنه لم يدع هؤلاء القوم للقتال بعد النبي ﵇ إلا أبو بكر وعمر ﵄.
قال الزمخشري: فإن صح ذلك عن قتادة فالمعنى لن تخرجوا معي أبداً ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب والاضطراب في الدين، أو على قول مجاهد: كان الموعد أنهم لا يتبعون رسول الله ﷺ إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم، يعني: قوله (لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً) في تفسير مجاهد يعني: إلا متطوعين ولا يكون لكم نصيب في الغنيمة.
إذاً: هذه الآية من الآيات التي يستفاد منها في الرد على الشيعة قبحهم الله ! ومما يؤسف له أننا نسمع كلاماً بين الوقت والآخر موجعاً وأليماً، حينما نرى أناساً ليسوا من العوام لكنهم من الخواص، ومع ذلك ما زالوا حتى الآن يمجدون الشيعة، وأعرف بعض الصحفيين المشهورين جداً في إحدى جرائد المعارضة ما زال بين وقت وآخر يمدح الشيعة والحكومة الإسلامية في إيران، مع أنه نفسه يقر أن الشيعة فيهم كذا وكذا وكذا؛ لأنه ذهب إلى هناك ورأى بعدهم عن الإسلام وإلحادهم في دين الله ، فيكفي جهلاً أننا حتى الآن لا نعرف عدونا الحقيقي، ولا نعرف أن هؤلاء الشيعة من أخطر الناس على الإسلام والمسلمين، حتى الآن ما اكتشفتم ذلك؟! قد صدرت مئات الكتب تفضح الشيعة، وتبين خبثهم وعداءهم للدين وللإسلام، وأنهم عقبة أمام الإسلام ودعوة الإسلام، وأنهم منحرفون عن الدين، ليسوا على ديننا، هم على دين آخر، فالشيعة منحرفون انحرافاً كاملاً عن الدين، وليسوا كما يقول الخداعون المضللون الذين يخدعون الشباب فيقولون: إن مذهب هؤلاء مثل المذهب الحنبلي والشافعي والمالكي، هم أبعد من المعتزلة والأشاعرة وغيرهما من الفرق الضالة، فالذي يقول: هم مثل أي مالكي أو حنبلي أو حنفي، فقد كذب على الله في هذا الكلام، ولا يعفيهم من هذا الافتراء إلا أن يكونوا جهلة غارقين في الجهل، فحينئذ نرجو لهم العفو والمغفرة إن كان أحدهم جاهلاً، أما أن يكون عالماً ويقول هذا الكلام فهذا في الحقيقة عدوان على أنصع وأهم وأخطر حقائق الإسلام.
فالشيعة يطعنون في القرآن، والشيعة يكفرون الصحابة إلا ثلاثة، كل الصحابة عندهم مرتدون! وموقفهم من الشيخين معروف، فدينهم كله قائم على اللعن والسباب والشتم، وبعض الناس من شدة الاستغراق العاطفي والحماس الوجداني -عندهم حاجة يسمونها في علم النفس الإنكار- غير مصدق؛ لأن عنده نوعاً من الهروب من مواجهة الوضع، كما تأتي لرجل وتقول له مثلاً: أبوك مات، فيقول لك: أنت كذاب، لا يتحمل الخبر لقوة الصدمة، فيقابل الخبر بالإنكار كنوع من الحيل الدفاعية، ويخفف على نفسه بهذا قبل أن يفيق، ويتعامل مع الواقع، لكن نحن طولنا جداً في موضوع الإنكار، مثل المريض عندما يأتي إلى الدكتور فيقول له: يا عم! أنت عندك أعراض مرض السكر، اذهب اعمل تحليلاً، فهو لا يعمل التحليل ويتمادى ويتأخر فيه، لأنه يخاف أن يكون عنده سكر! فكذلك بعض الناس يخاف أن يبحث المسألة فيجد أن الشيعة -لأنه أصبح متعلقاً بهم- مجرمون ملحدون منحرفون عن الدين، فهو لا يحب أن يتعب نفسه ويبحث.
الثورة الخمينية كانت سنة ١٣٧٩ تقريباً، وإلى الآن إلى عام (١٤٢٠) مازلنا في حالة الإنكار، ولا نريد أن نعرف حقيقة القوم، وأنهم ضالون منحرفون عن الدين مع أن العلماء مازالوا يحذرون منهم، والواقع قد كشفهم وكشف عداءهم للإسلام وطعنهم في الدين، فهذا شيء غريب جداً! فبعض الناس يفتتن بأشياء تلمع، فهم يحبون أن يفتخروا بـ الخميني في موقفه من سلمان رشدي، فنقول لهم: وموقفه من أبي بكر وعمر وعائشة والمهاجرين والأنصار؟! وما موقفه من القرآن الكريم؟! وهو يرى أن دعاء الحجر أو الشجر عملاً باطلاً لكن لا يحرم! هل هذا الخميني ليس بمشرك وهو يجيز أن تسأل أو تدعو وتعلق قلبك بحجر أو شجر؟! أين موقفك من الخميني وهو يقول: إن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا -الاثني عشر- مقام معلوم، ومنزلة سامية، لا يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل؟! هذا في كتابه: الحكومة الإسلامية، وبعض الإخوة السذج عندما كنا نقول لهم هذا الكلام يقول: الطبعة هذه مزورة، يعني: طبعة كتاب الحكومة الإسلامية مزورة، يقول هذا الكلام ويستميت في الدفاع عن الخميني! فالشاهد أننا ما زلنا في حالة إنكار للواقع، ونحاول أن نهرب من موا
стр. 2121
موقف الشيعة من أبي بكر وعمر
ما هو موقف الشيعة من الشيخين رضي الله تعالى عنهما؟ هم يصنعون من العجينة شكل إنسان، ويملئون جوفه دبساً أو عسلاً، فيكون مثل (المشبك)، يملئونه عسلاً وسمناً ويسمونه: تمثال عمر، ثم يمثلون حادثة قتل عمر رضي الله تعالى عنه، ويرمون ما فيه من عسل، ويزعمون أنه دم عمر رضي الله تعالى عنه، ويتشاءمون من يوم الإثنين؛ لأن يوم الإثنين يذكرهم بقوله تعالى: ((ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ))، وكل منقبة للصحابة حولوها إلى مثلبة، فمثلاً هذه الآية: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] هي من أعظم مناقب أبي بكر، ومن أعظم ما يمدح به أبو بكر أن رسول الله ﷺ اصطفاه للصحبة في هذه الرحلة المباركة رحلة الهجرة، لكن الشيعة يفسرونها على غير تفسيرها أذلهم الله وأخزاهم! يقولون: الرسول ﷺ خاف أن أبا بكر لو تركه في مكة فسيدل عليه قريشاً، فكان أحسن إجراء وقائي أن يأخذه معه! ويعتقدون أن أبا بكر لقي كاهناً في الجاهلية فقال له: إنه سيبعث نبي ويخرج عليكم، ويمكن أن تقرب منه وتظهر الإيمان حتى تكون خليفة له، فكل المواقف كانت تمثيلاً من أبي بكر لأجل أن يمسك الزعامة السياسية، وكل مناقبه يفسرونها على أنها نفاق من أبي بكر والعياذ بالله، وكذلك عمر، وعندهم دعاء يسمونه دعاء صمني قريش، وقع عليه الخميني، وفيه: اللهم العن -أستغفر الله- صنمي قريش أبا بكر وعمر، وابنتيهما حفصة وعائشة، ومن والاهما، ومن أحبهما، ومن ترضى عنهما إلى آخره! ونحن في نظر الشيعة كفار، وهؤلاء الذين ما زالوا ينكرون الحقيقة لا يريدون أن يكتشفوا الحقيقة إلى الآن؛ لكيلا يصبح الأمر صحيحاً، نحن في نظرهم كفار؛ لأننا لا نؤمن بالأئمة الاثني عشر، والإيمان بهم قطب رحى الدين عندهم! وحزب الله في لبنان شيعي.
والشيعة لهم مواقف جيدة عديدة مع أنهم ضلال تصدر منهم مثل هذه المواقف، فهذا خاتمي قبل شهر تقريباً كان المفروض أن يذهب زيارة إلى فرنسا في أمر مهم، وكانت المشكلة أنه أثناء مناقشة بروتوكول الزيارة قال: في حفلة الاستقبال ممنوع أن يوضع خمراً في هذه الحفلة أبداً، وقال: نحن في تقاليدنا وعاداتنا لا ينبغي أن نشرب الخمر، وهو حرام، وغير هذه الزيارة بسبب هذا الرفض، وكان الأولى أن يقف هذا الموقف من ينتمون لأهل السنة والجماعة فالله المستعان.
أيضاً في الآية السابقة: ((إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)) يفسرون الآية بأن أبا بكر كان في شدة الجزع والخوف، فيصفونه بالجبن والخذلان، مع أنه ما جزع إلا على الرسول ﵊، وكل خوفه كان على الرسول ﵊، ولكن هكذا يصفه هؤلاء الشيعة، فهم لا يرون إلا ما تراه قلوبهم المنكوسة.
ويا ويل الذي اسمه عمر! وهذه حقيقة، لو أن أحداً اسمه عمر وتعامل مع الشيعة؛ فإنه يضطهد اضطهاداً كبيراً، ونقول: اسألوا عن أخبار وأحوال أهل السنة في إيران، وماذا يفعل بهم، أهل السنة في إيران يضطهدون أشد من اضطهاد الفلسطينيين على يد اليهود! أهل السنة في إيران يضطهدون اضطهاداً شديداً، يكفي أن طهران حتى الآن ممنوع أن يقام فيها مسجد واحد لأهل السنة، رغم أن السنيين فيهم أكثر من ثلث السكان، لكن في طهران يمنعون حتى من إقامة مسجد واحد، ومع ذلك توجد فيها عدة كنائس ومعابد لليهود، ومعابد للأرثوذكس، ولعبدة الأوثان، لكن أن يوجد مسجد في طهران لأهل السنة فهنا ممنوع.
ويصفى زعماء أهل السنة تصفية شديدة، كل وقت يقتل رجل من زعماء السنة، وممنوع إقامة مدارس لهم، وهذه قصة مأساة ما أحد يكاد يحس بها، فكم يحصل لإخواننا الآن في إيران من اضطهاد لأنهم أهل السنة، وما أكثر العذاب الذي يتعرضون له، ونحن ما زلنا نهتف بـ الخميني وثورته التي تسمى بالإسلامية، وهي أحلام يقظة ولا حقيقة لها.
وذكرنا أنهم يتشاءمون من يوم الإثنين؛ لأنه يذكرهم بالآية: ((ثَانِيَ اثْنَيْنِ))، ويتشاءمون من العدد أربعة؛ لئلا يذهب الوهم إلى عدد الخلفاء الأربعة الراشدين، ويفضلون لعن عمر وسائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم على ذكر الله وسائر العبادات! وفي كتبهم أن لعن الشيخين في كل صباح ومساء موجب لسبعين حسنة، ولهم كتاب اسمه: مفتاح الجنان، مثل: دلائل الخيرات عند الصوفية، فيه ذكر درجات كثيرة لمن لعنهما، وعندهم دعاء يسمونه: دعاء صنمي قريش، يريدون بهما أبا بكر وعمر، وينسبون زوراً إلى أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه أنه قال في هذا الدعاء: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، والعن صنمي قريش، وجبتيهما، وطاغوتيهما إلى آخره.
ويقولون: إن أبا بكر وعمر وعثمان منافقون.
ويقولون: إن الآيات المشعرة بمدح الصحابة من المهاجرين والأنصار وأم المؤمنين عائشة ﵂ كل هذه الآيات متشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله، جميع الآيات التي فيها مدح للمهاجرين والصحابة وعائشة وأبي بكر وعمر عندهم آيات متشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله.
ويقول شيخ مشايخهم: محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد: إن أهل السنة شر من اليهود والنصارى، وأهل السنة عندهم أنجس من اليهود والنصارى، حتى لو أصاب أبدانهم شيء منهم غسلوه، مع أن المتلطخ بالغائط والعذرة عندهم ليس بنجس، لكن لو أصاب بدنه شيء من أهل السنة يغسله.
وعندهم أن الابتداء بلعن أبي بكر وعمر بدل التسمية في كل أمر ذي بال أحب وأولى.
ويقولون: كل طعام لعن عليه الشيخان سبعين مرة كان فيه زيادة البركة.
ويقولون: إن الله أمر الكرام الكاتبين يوم قتل عمر أن يرفعوا الأقلام ثلاثة أيام عن جميع الخلائق، حتى المشرك وشارب الخمر وكذا وكذا، هؤلاء كلهم لهم ثلاثة أيام مكافأة للبشرية أنه تم قتل عمر، فرفعت الأقلام ثلاثة أيام، فلا تكتب الملائكة ذنباً على أحد.
والقمي منهم ابتدع: عيد بابا شجاع الدين في تسعة ربيع الأول، وعندهم أن بابا شجاع الدين كنية أبي لؤلؤة المجوسي قاتل أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه.
ويقولون: إنما أخذ النبي ﵊ أبا بكر معه حين هاجر من مكة لئلا يعلم كفار قريش بخروجه وطريق ذهابه.
فهذه وقفة عارضة فيما يتعلق بمواقفهم، والذي قادني إليها أن هذه الآية مما يؤكد صحة خلافة أبي بكر وعمر؛ لأن الله مدح هؤلاء ووعدهم الأجر الحسن إذا أطاعوا الخليفة الذي يأمرهم بقتال بني حنيفة، فقال تعالى: ((قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا)) الذي يأمركم.
((يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)) لتضاعف جرمكم، لكن إن تتولوا: ((كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ)) يعني: زمن الحديبية ((يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)) يعني: لتضاعف جرمكم، وهذا التعليل يحتمل أن يكون في الدنيا، ويحتمل أن يكون في الآخرة.
стр. 2122
تفسير سورة الفتح [١٧ - ٢٥]
стр. 2123
تفسير قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج)
قال الله ﵎: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:١٦] قول الله في هذا الوعيد: ((وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)) هذا وعيد لمن يتولى عن الجهاد، وخص الله من هذا الوعيد واستثنى أصحاب الأعذار وإن حدثت أعذارهم بعد التخلف الأول، فقال : ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:١٧].
بعد أن ساق الله الوعيد في حق المخلفين ذكر الأعذار التي يعذر بها العبد عن الخروج إلى الجهاد.
يقول ابن كثير: ثم ذكر تعالى الأعذار في ترك الجهاد، فمنها: لازم -عذر لازم- كالعمى والعرج المستمر، وعارض -يعني: من الأعذار ما يكون عارضاً يطرأ ثم يزول- كالمرض الذي يطرأ أياماً ثم يزول، فهو في حال مرضه ملحق بذوي الأعذار اللازمة حتى يبرأ.
ثم قال تعالى مرغباً في الجهاد وطاعة الله ورسوله ﷺ : ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ)) أي: ينكل عن الجهاد ويقبل على المعاش: ((يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا)) في الدنيا بالمذلة، وفي الآخرة بالنار.
قال الرازي: اعلم أن طاعة كل واحد منهما طاعة للآخر، طاعة الله هي طاعة للرسول ﵊، وطاعة الرسول هي طاعة الله كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، فجمع بينهما هنا بياناً لطاعة الله ﵎: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ))، فإن الله لو قال: ومن يطع الله يدخله جنات لكان لبعض الناس أن يقول: نحن لا نرى الله، ولا نسمع كلامه، فمن أين نعلم أمره حتى نطيعه؟ فقال: طاعته في طاعة رسوله، وكلامه يسمع من رسوله ﷺ .
ثم قال: ((وَمَنْ يَتَوَلَّ)) أي: بقلبه.
ثم لما بين حال المكلفين بعد قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح:١٠] عاد إلى بيان حالهم وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨].
قال القرطبي رحمه الله تعالى: قال ابن عباس: (لما نزلت: ((وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)) قال أهل الزمانة -يعني: الأمراض المزمنة المستمرة-: كيف بنا يا رسول الله؟ فنزلت: ((لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ))) أي: لا إثم عليهم في التخلف عن الجهاد؛ لعماهم وزمانتهم وضعفهم.
وقال مقاتل: هم أهل الزمانة الذين تخلفوا عن الحديبية وقد عذرهم، يعني: من شاء أن يسير منهم معكم إلى خيبر فليفعل، هؤلاء يمكن أن يسيروا معكم إلى خيبر بخلاف المخلفين.
وقال أبو حيان: هؤلاء من ذوي العاهات في التخلف عن الغزو، ومع ارتفاع الحرج فدائم لهم الغزو، يعني: هم معذورون عند الله، ومع ذلك يجوز أن يخرجوا في الغزو وأجرهم فيه مضاعف، والأعرج أحرى بالصبر وألا يفر؛ لأن الذي يستطيع الجري قد يفر بسهولة؛ لأنه يستطيع الجري، أما الأعرج فإنه أحرى أن يصبر ويثبت لعرجه.
وقد غزا ابن أم مكتوم ﵁ وكان أعمى في القادسية، وكان ﵁ يمسك الراية، فلو حضر المسلمون فالغرض متوجه بحسب الوسع في الغزو.
ثم يقول الله ﵎: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) يعني: فيما ذكر من الأوامر والنواهي ((يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ)) أي: عن الطاعة ((يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا)) لا يغادر قدره.
والمعني بالوعد والوعيد هنا أعم من المعني بهما فيما سبق، كما ينبئ عن ذلك التعبير بـ (من) هنا، وبضمير الخطاب هناك في الآية الأخرى: ((وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)).
فهذه الآية مخاطب بها طائفة معينة، فالصيغة عامة قال تعالى: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا)).
стр. 2124
تفسير قوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك ويهديكم صراطاً مستقيماً)
لما ذكر الله حال من تخلف عن السفر مع رسول الله ﷺ ذكر حال المؤمنين الخلص الذين سافروا معه ﷺ ، فقال : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨].
قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: يخبر تعالى بفضله ورحمته برضاه عن المؤمنين، إذ يبايعون الرسول ﷺ تلك المبايعة التي بيضت وجوههم، واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة.
وهذه البيعة يقال لها: بيعة الرضوان؛ سميت بيعة الرضوان لرضا الله عن المؤمنين فيها، ويقال لها أحياناً: بيعة أهل الشجرة.
قال: وكان سبب هذه البيعة أن رسول الله ﷺ لما دار الكلام بينه وبين المشركين يوم الحديبية في شأن مجيئه، وأنه لم يجئ لقتال أحد، وإنما جاء زائراً هذا البيت معظماً له، فبعث رسول الله ﷺ عثمان بن عفان ﵁ إلى مكة في ذلك، فجاء خبر غير صادق أن عثمان قتل، فجمع رسول الله ﷺ من معه من المؤمنين وكانوا نحواً من ألف وخمسمائة فبايعوه تحت شجرة على قتال المشركين.
وعثمان كان رسولاً مبعوثاً من قبل الرسول ﵊ ليخبر قريشاً أنه ما جاء لقتال، وإنما جاء معظماً البيت ومريداً للعمرة، فلما بلغه نبأ مقتل عثمان جمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وهم نحو ألف وخمسمائة تحت شجرة فبايعوه على قتال المشركين، وألا يفروا حتى يموتوا.
فأخبر الله تعالى أنه رضي عن المؤمنين في تلك الحال التي هي من أكبر الطاعات وأجل القربات، قال تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)) يعني: من الإيمان ((فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ)) شكراً لهم على ما في قلوبهم، وزادهم هدى، وعلم ما في قلوبهم من الجزع من تلك الشروط التي شرطها المشركون على رسوله، فأنزل عليهم السكينة تثبتهم وتطمئن بها قلوبهم.
((وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)) يعني: كافأهم الله بأن أثابهم فتحاً قريباً، وهو فتح خيبر، لم يحضره سوى أهل الحديبية، فاختصوا بخيبر وغنائمها جزاء لهم وشكراً على ما فعلوه من طاعة الله تعالى والالتزام بمرضاته.
قوله: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:١٩] أي: له العزة والقدرة التي قهر بها الأشياء، فلو شاء لانتصر من الكفار في كل وقعة تكون بينهم وبين المؤمنين، ولكنه حكيم يبتلي بعضهم ببعض، ويمتحن المؤمن بالكافر.
قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح:٢٠] هذا يشمل كل غنيمة غنمها المسلمون إلى يوم القيامة.
والمعنى وعدكم الله -أيها المؤمنون- مغانم كثيرة تأخذونها، فيدخل في هذه الغنيمة كل غنيمة غنمها المؤمنون من تلك اللحظة في فتح خيبر إلى أن يشاء الله ، فهذا داخل في هذا الوعد.
قوله: ((فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ)) الإشارة إلى مغانم خيبر، فكأن الله يريد أن يقول للصحابة: لا تحسبوها وحدها، بل ثم شيء كثير من الغنائم سيتبعها، والدليل على ذلك قوله: ((فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ)) فحين تقول: عجلت لك هذا فمعناه: إلى أن يأتي المؤجل بعد، فهذا التعبير يتضمن بشرى بمغانم أخرى ستأتي فيما بعد.
((وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ)) يعني: واحمدوا الله إذ كف أيدي الناس القادرين على قتالكم الحريصين عليه، فهي نعمة وتخفيف عنكم.
((وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ)) يعني: ولتكون هذه الغنيمة آية للمؤمنين يستدلون بها على خبر الله الصادق، ووعده الحق، وثوابه للمؤمنين، وأن الذي قدرها سيقدر غيرها.
((وَيَهْدِيَكُمْ)) بما يقيض لكم من الأسباب ((صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا)) من العلم والإيمان والعمل.
((وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا)) أي: وعدكم الله أيضاً غنيمة أخرى لم تقدروا عليها وقت هذا الخطاب.
((قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا)) أي: هو قادر عليها، وهي تحت تدبيره وملكه وقد وعدكموها فلابد من وقوع ما وعد به لكمال اقتدار الله تعالى، ولهذا قال: ((وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا)).
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)) أي: من الصدق والوفاء والسمع والطاعة.
((وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)) وهو ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:١٩].
стр. 2125
خفاء الشجرة التي بايع تحتها الصحابة والحكمة من ذلك
عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: (بينما نحن قائلون -والقيلولة: هي الاستراحة وسط النهار- إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : أيها الناس! البيعة البيعة، نزل روح القدس، قال: فثرنا إلى رسول الله ﷺ وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه، فذلك قول الله تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)) فبايع لـ عثمان بإحدى يديه على الأخرى -لأن عثمان جاء الخبر أنه قتل فبايع نيابة عن عثمان بإحدى يديه على الأخرى-، فقال الناس: هنيئاً لـ ابن عفان يطوف بالبيت ونحن هاهنا.
فقال رسول الله ﷺ : لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف).
قال القاسمي: وقد أجمع الرواة في الصحاح على أن الشجرة لم تعلم بعد، ففي الصحيحين من حديث أبي عوانة عن طارق عن سعيد بن المسيب قال: كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فانطلقنا من قابل حاجين، فخفي علينا مكانها، وإن كان بينت لكم فأنتم أعلم.
وفيهما أيضاً عن سفيان أنه قال: إنهم اختلفوا في موضعها.
وروى ابن جرير عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: كان جدي يقال له: حزن، وكان ممن بايع تحت الشجرة، قال: فأتيناها من قابل فعميت علينا.
يعني: لم يستطيعوا أن يهتدوا لمكانها.
ثم قال ابن جرير: وزعموا أن عمر بن الخطاب ﵁ مر بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة، فقال: أين كانت؟ فجعل بعضهم يقول: هنا، وبعضهم يقول: هاهنا، فلما كثر اختلافهم قال: سيروا؛ هذا التكلف.
أي: هذا مما لا يعنيكم ولا يفيدكم، فذهبت الشجرة وكانت سمرة إما ذهب بها سيل وإما شيء سوى ذلك.
انتهى كلام ابن جرير.
وقال الحافظ في الفتح: روى ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر بلغه أن قوماً يأتون الشجرة فيصلون عندها فتوعدهم، ثم أمر بقطعها فقطعت، وهذا صححه الحافظ ابن حجر عن نافع أن عمر بلغه أن قوماً يأتون الشجرة فيصلون عندها؛ فتوعدهم، ثم أمر بقطعها فقطعت، ولا ينافي ما تقدم لاحتمال أن هؤلاء علموا مكانها أو توهموها فاتخذوها مسجداً ومكاناً مقدساً فقطعها عمر عندئذ؛ صوناً لعقيدتهم من الشرك؛ لأن دوام العبادة حولها يفضي إلى عبادتها بعد، كما أفضى نصب الأوثان إلى عبادتها، وكان أول أمرها لتعظيم مسمياتها وإجلال أمثال أصحابها.
وقال في الفتح أيضاً في شرح حديث ابن عمر: وقوله: رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله.
يعني: اختلف الصحابة اختلافاً شديداً في مكان الشجرة، فيقول: كانت رحمة من الله أنها عميت، وما كاد اثنان من الصحابة يتفقان على مكانها.
يقول: وقد وافق المسيب بن حزن والد سعيد ما قاله ابن عمر من خفاء الشجرة، والحكمة في ذلك ألا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها، حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر، كما نراه الآن مشاهداً في ما هو دونها.
وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: كانت رحمة من الله.
أي: كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله ﵎، فإذا كان هذا فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم في هذه الشجرة التي ذكرت في القرآن: ((إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ))، ومع ذلك الصحابة سدوا ذرائع الافتتان، فأولى ثم أولى ما يفترى ويزعم الآن من وجود آثار للرسول ﵊، وأنه موجود فيما يسمونه كذباً وزوراً وافتراء على الله الحرم الأحمدي، وحرم إبراهيم الدسوقي وأحمد البدوي، يزعمون أنه موجود في أحد الأماكن هناك! وهذا من الكذب على الله أن يدعى أي مكان في الأرض سوى مكة والمدينة حرماً، لا يوجد إلا حرمان فقط، حتى المسجد الأقصى لا يسمى حرماً، وسبق أن درسنا في دروس الفقه ما معنى كلمة (حرم)، فليست كلمة تطلق هكذا بالطريقة التي نستعملها الآن: الحرم الجامعي، وحرم السكة الحديد، وحرم كذا فهذا لا يجوز، فضلاً عن الحرم الإبراهيمي والحرم الدسوقي إلى آخره، وهذه الأماكن توجد في بعضها أثر يزعمون أنه أثره ﷺ ، أو أن قدمه مطبوع على حجر، وهذا كله كذب وزور، وحتى جدلاً لو كان ذلك لكان أولى أن يفعل به ما فعل مع هذه الشجرة، فيطمس حتى لا يحصل به هذا الافتتان، حيث يتمسحون بها ويفعلون هذه الأشياء.
فهذا يشير إلى قاعدة مهمة جداً في حماية جناب التوحيد، وهي قاعدة: سد ذرائع الشرك والفتنة، وهي من القواعد المهمة جداً، والتي يؤسس عليها المنهج السلفي، فالمنهج السلفي له أصول، والأصول يرجع إليها لبناء قواعد هذا المنهج: القرآن، السنة، إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومنها أيضاً: قاعدة سد الذرائع، فهي من أصول المنهج السلفي التي امتاز بها هذا المنهج، وقد ناقشنا من قبل بالتفصيل عند مدارسة كتاب: دعوة التوحيد للدكتور محمد خليل هراس رحمه الله تعالى فصلاً مهماً جداً، وكنا أوصينا الإخوة بحفظه ومذاكرته جيداً، وعنوانه: احتياطات الشريعة لحماية توحيد الألوهية، ومع أن الفصل في صفحات قليلة جداً لكنه في غاية الأهمية.
ومن الاحتياطات التي اتخذتها الشريعة لحماية توحيد الألوهية حتى لا يشرك الناس بالله: ١ - تحريم التصوير والتماثيل؛ لأنها تكون ذريعة للافتتان بأصحابها.
٢ - النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة.
٣ - تحريم الذبح في مكان كان فيه عيد من أعياد الجاهلية أو كان فيه صنم يذبح له.
٥ - تحريم بناء المساجد على القبور.
٦ - تحريم الغلو في الصالحين؛ لأنه يفضي إلى الشرك، وحتى الغلو في مقام النبي ﵌.
هذا كان فصلاً في غاية الأهمية، وما زلنا نوصي الإخوة بهذا الكتاب، كتاب: دعوة التوحيد للدكتور محمد خليل هراس رحمه الله تعالى، فمن هذه الاحتياطات هذا المسلك الذي فعله الصحابة مع هذه الشجرة، وقد صح عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: يوشك أن تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية.
لأن من لم يعرف الجاهلية يسهل عليه أن يتورط في شيء من أفعال الجاهلية؛ لأنه لا يعرف أفعال الجاهلية، لكن من رأى ضلال الجاهلية ونور الإسلام أمكنه أن يميز بينهما، فمن ثم كثير من الناس يزعمون أنهم على الإسلام الصحيح أو على الفهم الصحيح للإسلام، بينما هم واقعون في بعض الشركيات كدعاء الموتى من دون الله، والاستغاثة بهم، والطواف بقبورهم وغير ذلك من هذه الشركيات؛ لأنهم ما عرفوا الجاهلية، ولو عرفوا الجاهلية لأدركوا أن هذه من خصال أهل الجاهلية، ومن أفعال أهل الجاهلية، ولذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى له رسالة مهمة جداً في هذا الباب، اسمها: (مسائل الجاهلية) فهذا كتاب ينبغي أن يكون مشهوراً، عدد فيه خصائص الجاهلية التي أتى رسول الله ﷺ ليطهر المسلمين منها، وقد شرح هذا الكتاب العلامة محمود شكري الألوسي رحمه الله تعالى.
ونحن معشر المصريين عموماً نميل جداً إلى الغلو في هذه الأشياء، فالخبر يخرج شبراً ويعود ذراعاً، ونضع عليه التوابل والبهارات حتى نثير إعجاب الناس بما ننقله من حكايات، وأي موضوع يتداول فغالباً إذا تتبعت سلسلة الخبر تنتهي بك إلى مجاهيل أو إلى مجروحين أو إلى آخره، فنحن نعاني من آفة النقل.
وما آفة الأخبار إلا رواتها فما بالك بمجتمع العوام الذين لا يعرفون شيئاً عن وجوب التحري؟! فالأمية عندهم هي التي تدفعهم إلى المغالاة والغلو وزيادة الثقة، وهذه الأخبار غالباً مفتراة، ونحن نعرف طبيعة بني جلدتنا، عندنا ميل إلى الغلو في هذه الأشياء، وربما يكون هذا الغلو بسبب ما يحصل من الإيحاء النفسي أن توجد حالة نفسية تعالج بالإيحاء، فينبغي أن نحترم عقولنا، ونحن لا نقول: إن هذا غير ممكن في حكم العقل، يعني: خرق العادة شيء ممكن خاصة لأولياء الله الصالحين، فلذلك نحن نقول: خرق العادة في حد ذاته لا ينبغي أن يفتننا أبداً، ولا يهزنا ولا يؤثر فينا إلا بشروط، وأوضح دليل حتى نسكت الجميع قضية المسيح الدجال؛ لأن كثيراً من الناس لاسيما النصارى الشيطان يلبس عليهم جداً في هذا الباب، تكلمهم في التوحيد والدخول في الإسلام، فيقول لك: عندي دليل على أن ديني دين صحيح، فهذه المعجزات التي حصلت لي أو التي رأيتها بعيني تدل على ذلك، فالشيطان يلبس عليهم بهذه الأشياء، وخرق العادة لا يدل على أن الذي جرى على يديه خرق العادة هو رجل صالح أبداً، بدليل الدجال الأعور الذي يأتي بأشياء تدهش العقول حتى يفتن الناس به ويعبدونه من دون الله، فـ المسيح الدجال كل اليهود والنصارى يتهيئون لاستقباله، فالنصارى يزعمون عودة المسيح للمرة الثانية على أنه -والعياذ بالله- إله، واليهود يزعمون أن المسيح الذي بشروا به لم يأت، والذي أتى كان هو المسيح الدجال.
فالشاهد من هذا: أن المسيح الدجال الذي سوف يدعي الألوهية هو نفسه سيأتي بخوارق، ومع ذلك هو الدجال، فمجرد خرق العادة لا يكفي، وإنما ينبغي أن ننظر في الخارقة نفسها هل هي موافقة للشرع أم مخالفة؟ ننظر في سلوك الشخص صاحب خرق العادة هل هو متبع للسنة موحد مسلم ومتبع للسنة والجماعة أم هو من أهل البدع والضلالة؛ لأن الشيطان يمكن أن يعينه على إنجاز هذه الخوارق بقدرة الله وحكمه الكوني القدري؛ فتنة واختباراً وابتلاء للناس كما سيحصل مع الدجال، فالخو
стр. 2126
ضوابط التداوي بالقرآن الكريم
القرآن وقاية وعلاج وشفاء لما في الصدور، ولا حرج على الإطلاق في التداوي به، بل الرسول ﵊ كان يرقي نفسه يومياً قبل أن ينام بالمعوذات كما هو معلوم وثابت في السنة.
فنحن لا نناقش أبداً أن القرآن شفاء وعلاج، ولكن في نفس الوقت نقول: ليس هناك أي تصادم على الإطلاق بأن تأخذ بكل ما يتاح لك من الأسباب لجلب النفع أو دفع الضر، مادامت الأسباب شرعية، وأعظم هذه الأسباب هو الدعاء والرقية والثقة بالله ، والتداوي بزمزم، والتداوي بالدعاء لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب التي خلق الله لمدافعة هذه الأمراض، وكما خلق الله العطش خلق لنا الماء الذي ندفع به العطش.
وقال النبي ﵊: (تداووا عباد الله، فإن الله ما أنزل داء إلا أنزل له دواء) فلا يوجد مرض في الدنيا ليس له علاج إلا مرض واحد، وهو الهرم والشيخوخة فقط، وما عدا ذلك من كل الأمراض التي في العالم لها علاج، حتى الذي يقول الأطباء: ليس له علاج، نحن نقول: لا، تأدبوا مع الله ومع رسول الله، وهذبوا ألفاظكم، لا يوجد مرض ليس له علاج إلا الشيخوخة، وإنما نقول: لا نعلم علاجه، أو لم يكتشف علاجه.
إذاً: ما يسره الله من أسباب العلاج والتداوي ينبغي أن نأخذ به؛ لأن الصحة رأس مال الإنسان، يقول الرسول ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) فالصحة نعمة، وإذا حافظنا عليها فهي رأس مالنا في هذه الدنيا حتى نستطيع عبادة ربنا وأداء واجباتنا.
وينبغي أن نتأكد: هل هذه المرأة المشهورة بالمعالجة تعالج فقط بآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي ﵊؟ وهل تدعو دعاء ليس فيه شرك، وليس فيه أي مخالفة شرعية؟ هل تستعمل لغة أجنبية أو شيئاً غير مفهوم؟ فإذا حصل شيء من ذلك فهذا بلا شك يكون علامة خطيرة على أنها ربما تستعين بالشياطين فيعينونها على ذلك.
أنا لا أقطع بهذا، لكن أقول: ينبغي التثبت من كل هذا، هل هي ملتزمة بالشرع مؤمنة موحدة؟ هل هي تعالج بالقرآن فقط أم أنها تستعمل ألفاظاً غير عربية وغير مفهومة؟ فإن كان كذلك فيمكن أن يكون فيها شرك بالله ، فينهى عنها في مثل هذه الحالة.
سنفترض أحسن الاحتمالات، لنفترض أنه ثبت لدينا أن هذه المرأة صحيحة العقيدة مستقيمة السيرة، مقيمة للصلاة، تقية صالحة، ثم إنها تعالج بالقرآن الكريم، وليس فيها أي شيء من أفعال السحرة أو تصرفات السحرة أو المنجمين والعرافين والكهنة إلى آخره، وأنها أيضاً تعمل عمليات بالطريقة الغامضة التي لا نعرف كنهها إلى الآن إلى آخره، يعني: كل شيء منها لا يخالف الشريعة، ولكن يخشى من افتتان الناس بها، فيعتقدون أنها هي التي تشفي، وليس الشفاء من الله ، وهذا شرك صراح لو وصل الأمر إلى خشية افتتان الناس، والظاهر أمامنا الآن أنه توجد فتنة بها بلا شك.
فالذي نريد أن نقوله: لو افترضنا سلامتها من كل هذه الأشياء، وخشي منها على عقيدة العوام؛ فينبغي أن يؤخذ على يديها ويحال بينها وبين الناس، وفي أنموذج الشجرة التي ذكرت في القرآن دليل لنا على ذلك.
وإذا أدخلت بيتها، وحجرت عن الاختلاط بالناس، فما يضرها؟ لكن ما هو ردة فعل الجماهير لو أنه حيل بينهم وبين هذه المرأة؟! الغضب الشديد، والمظاهرات، أليست هذه علامة خطر؟! فهذه علامة خطيرة تدل على شدة تعلق قلوبهم بهذه المرأة، ولو أنها ماتت هذه المرأة أو حبست أو حجر عليها حتى لا تفسد عقائد الناس؛ فردة فعل الناس تعطينا مؤشر لمدى خطورة التمادي في هذا الأمر، ومدى خطورته على عقيدة الناس؛ لأنهم سيجزعون، بل قد جزعوا بالفعل، فقد: أتوا في الجريدة بصورة الناس فيها جلوس ينتظرون متى تطلع، ويدعونها، ويدعون على من قبضوا عليها إلى آخره، وهي خرجت كما هو معلوم، لكن الشاهد: أن هذا الجزع في حد ذاته مؤشر دقيق يقيس لنا مدى خطورته على افتتان الناس بها، فالمسلك الشرعي في مثل هذه الأشياء هو إزالتها، كما فعل من قبل حيث كان هناك شجرة قبل عدة سنوات في إحدى المحافظات، كل ورقة كان عليها اسم نبي من أنبياء الله ، مكتوب عليها ذلك بقدرة الله! ثم ذهبوا ونزعوها، وأياً كانت نية الذين أخفوا هذه الشجرة فإنهم قد صادفوا مقصد الشرع؛ لأن شجرة مثل هذه الشجرة ماذا سيفعل بها المصريون؟! المصريون عندهم قابلية للغلو في هذه الأشياء، فلو أن الشجرة هذه بقيت فإنها كانت ستعبد من دون الله ولا حول قوة إلا بالله! ونحن نرى عبادة غير الله عند قبر البدوي والدسوقي، وكلها قبور وهمية، وتكلمنا من قبل عن موضوع المزارات كقبر السيدة زينب، وليس هناك قبر السيدة زينب، وكذلك قبر أبي الدرداء، وأبو الدرداء لم يدفن في الإسكندرية، كذلك جابر بن عبد الله الأنصاري لم يدفن في مصر، فأغلبها قبور وهمية، ومع ذلك يفعل بها ما يفعل مع الله من الاستغاثة والذبح والنذر والطواف بها والتمسح إلى آخر هذه الشركيات.
فالشاهد من هذا كله: أن مسلك دفن هذه الشجرة أو إخفائها كان مسلكاً صحيحاً، وتخيلوا لو بقيت هذه الشجرة إلى اليوم ماذا كان سيفعل بها؟! كذلك بالنسبة لهذه المرأة -والله تعالى أعلم- إذا ثبت أن بقاءها بهذه الصورة فيه إخلال بعقيدة الناس، وخدش لعقيدة التوحيد؛ ولذا الناس سيتصورون أن المرأة هذه لو ماتت أو حجزت دونهم انسد أمامهم باب الشفاء، وهذا مؤشر يوحي أنهم لا يلجئون إلى الله، وإنما تعلقت قلوبهم بها، وقد صح في الحديث: (إن الله هو الطبيب إنما أنت رفيق) قالها لمن يعالج بالطب، فالله في الحقيقة هو الطبيب المعالج ، وهو الشافي، وفي الحديث: (اللهم اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً) فالله هو الذي يكتب الشفاء، ونحن نأخذ بالأسباب الطبيعية في التداوي، والذهاب إلى أهل الاختصاص، وأهل الذكر في علم الطب، أما أن نتجافى مع الطب، ونهجر الأسباب التي أمر الشرع بها من أسباب التداوي، فكما يقول علماؤنا عند دراسة قضية القضاء والقدر: يجب أن نأخذ بالأسباب ولا نتعلق بها، وهذا هو التوكل على الله ، فتعطيل الأسباب قدح في الشريعة، والتوكل على الأسباب قدح في التوحيد.
فالذي نشعر به ونخشاه أن هناك قدحاً في توحيد هؤلاء العوام الذين يتهافتون بهذه الصورة الغريبة على هذه المرأة المعالجة، فأنا أقول: حتى لو فرض أن أحسن أحوالها أن كل الشروط موجودة ومتوافرة فيها، ولكن يخشى منها على عقيدة الناس؛ فسداً للذريعة ينبغي أن تحجب عن الناس، ويحال بينها وبين الناس، ولا يساء إليها ولا تظلم، لكن تحجب، وأسوتنا في ذلك سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه، لما كان خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه يمن الله عليه بالنصر بعد النصر مع أنه كان يقابل جيوشاً جرارة رضي الله تعالى عنه، وكان الناس يتسابقون في الخروج إلى الجيش الذي فيه خالد من شدة انبهارهم بالإنجازات العظيمة التي أنجزها سيف الله المسلول على المشركين خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فعزل عمر خالداً وهو في قمة انتصاراته، وفي أوج مجده، بمجرد أن ولي عمر رضي الله تعالى عنه الخلافة عزله، فمن أوائل ما فعل عمر في خلافته أن عزل خالد بن الوليد، وبين أنه ما عزله لعلة فيه، بل عزله لأنه رأى الناس تعلقت قلوبهم بـ خالد، وكأن خالداً هو الذي يأتي بالنصر، ولاشك أنه يحتمل أن أحداً من الناس في عهد عمر رضي الله تعالى عنه ربما يعتقد أن خالداً هو الذي يأتي بالنصر، وقس هذا الاحتمال بالنسبة للاحتمالات التي يقولها الناس الآن عن هذه المرأة: هي التي تأتي بالشفاء، كم بين أمة وأمة! كم بين جيل وجيل من البعد في فهم الإسلام وحقائق التوحيد! فإذا خشي على الصحابة وعلى المسلمين في ذلك الصدر الأول الذين كانوا خير أمة أخرجت للناس أن يقول بعضهم: إن النصر يأتي من خالد فكيف بحال أبناء هذا الزمان؟! لاشك أن الاحتمال أقرب وأقوى، والله تعالى أعلم.
стр. 2127
الرضا التام من الله عن أهل الشجرة
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)) قال ابن جرير: عوضهم في العاجل مما رجوا الظفر به من غنائم أهل مكة بقتالهم أهلها فتحاً قريباً، وذلك فيما قيل: فتح خيبر.
((وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا)) هي مغانم خيبر، وكانت أرضاً ذات عقار وأموال، فقسمها رسول الله ﷺ على أهل بيعة الرضوان خاصة.
وقيل: مغانم فارس والروم.
قوله : ((إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)) (تحت الشجرة) متعلق بـ (يبايعونك) أو متعلق بمحذوف حال من مفعوله.
وفي التقييد بذلك إشارة إلى مزيد وقع تلك المبايعة، وأنها لم تكن عن خوف منه ﷺ ؛ ولذا استوجبت رضا الله تعالى الذي لا يعادله شيء، ويستتبع ما لا يكاد يقدر على ذلك، ويكفي فيما ترتب على ذلك من بركات هذه المبايعة ما أخرجه أحمد عن جابر ومسلم عن أم بشر عن النبي ﷺ قال: (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة).
وقد قال ﷺ ذلك عند حفصة فقالت: (بلى يا رسول الله! فانتهرها.
فقالت: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] فقال ﵊: قد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٧٢]).
وفي بعض الروايات الأخرى: (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة إلا تحلة القسم)، وهو القسم الذي أقسمه الله تعالى في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١]، تحلة القسم فقط لكنهم يجدونها برداً وسلاماً؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٧٢].
وصح برواية الشيخين وغيرهما في أولئك المؤمنين من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال لهم: (أنتم خير أهل الأرض)، فينبغي لكل من يدعي الإسلام حبهم وتعظيمهم والرضا عنهم، وإن كان غير ذلك لا يضرهم بعد رضا الله تعالى عنهم، وهذا أمر في غاية الأهمية، فهذه الآية من الآيات التي تخزي الشيعة الرافضة قبحهم الله؛ لما في قلوبهم من بغض وسخط على أصحاب رسول الله ﷺ بمن فيهم أهل هذه الشجرة، فالله يقول: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ))، ويقول ﵊: (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة، ثم هؤلاء الحمقى الحاقدون يلعنون الصحابة، ويسبونهم ويكفرونهم، ويتبرءون منهم! ولو سخط على الصحابة جميع من في الأرض هل هذا يضر الصحابة؟! لا، فقد أخبر الله أنه رضي عنهم، وعثمان منهم، بل كانت يد رسول الله ﷺ له ﵁ -كما قال أنس - خيراً من أيديهم لأنفسهم.
قوله: ((فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)) أي: من الصدق والإخلاص في مبايعتهم.
وقيل: من الإيمان وصحته، وحب الدين والحرص عليه.
وقيل: من الهم والأنفة من لين الجانب للمشركين وصلحهم.
وقال مقاتل: فعلم الله ما في قلوبهم من كراهة البيعة على أن يقاتلوا معه ﷺ على الموت، فأنزل السكينة عليهم حتى بايعوا.
وتفسر السكينة بتذليل قلوبهم ورفع كراهة البيعة عنها.
وهذا كلام مرفوض؛ لأنه فسر الآية بأنه علم في قلوبهم أنهم كانوا يكرهون البيعة خشية القتال.
((فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ)) يعني: جعلهم يقبلون.
يقول الألوسي رحمه الله تعالى: ولعمري أن الرجل لم يعرف للصحابة رضي الله تعالى عنهم حقهم، وحمل كلام الله تعالى على خلاف ظاهره.
قوله: ((وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)) قيل: هو فتح خيبر، وكان عقب انصرافهم من الحديبية، وقال الحسن: فتح هجر، والمراد هجر البحرين، وكان فتحاً في زمانه ﷺ بدليل كتابه إلى عمرو بن حزم في الصدقات والديات.
وفي صحيح البخاري: (أنه ﷺ صالح أهل البحرين وأخذ الجزية من مجوس هجر) وقيل: هو فتح مكة.
والقرب أمر نسبي، وقرأ الحسن وغيره: (وأتاهم) أي: أعطاهم.
قوله تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:١٩] هي: مغانم خيبر كما قال غير واحد، وقسمها ﵊ فأعطى للفارس سهمين -وكانوا ثلاثمائة فارس- وللراجل سهماً.
وفي قراءة: (تَأْخُذُونَهَا) بالتاء الفوقية، والالتفات إلى الخطاب لتشريفهم في الامتنان.
((وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا)) غالباً (حكيماً) مراعياً لمقتضى الحكمة في أحكامه تعالى وقضاياه جل شأنه.
((وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ)) وهي ما يفيء الله على المؤمنين إلى يوم القيامة ((فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ)) يعني: مغانم خيبر ((وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ)) يعني: أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان حين جاءوا لنصرتهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب فنكصوا، وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح.
(ولتكون) هذه الكفة (آية للمؤمنين) وعبرة يعرفون بها أنهم من الله تعالى بمكان، وأنه تعالى ضامن نصرهم والفتح عليهم.
قال أبو حيان الأندلسي ﵀: وقيل: رأى رسول الله ﷺ فتح مكة في منامه، ورؤيا الأنبياء حق، فتأخر ذلك إلى السنة القابلة، فجعل الله فتح خيبر علامة وعنواناً لفتح مكة، فيكون الضمير في قوله: ((وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ)) علامة للمؤمنين وهي فتح خيبر، فيكون قوله: (ولتكون) عائدة على قوله: ((فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ)) وهي مغانم خيبر.
ويستأنس لهذا بما سبق أن تكلمنا عنه مراراً من أن شأن الله أن يقدم بين يدي الأمور العظيمة مقدمات تكون كالمدخل إليها، المنبئة لها وعليها، وهي التي تسمى الإرهاصات، كما قدم بين يدي قصة المسيح وخلقه من غير أب قصة زكريا، حيث رزقه الولد وهو كبير لا يولد لمثله، قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران:٣٨].
وكما قدم بين يدي نسخ القبلة قصة البيت وبنائه وتعظيمه، والتنويه به، وذكر بانيه وتعظيمه ومدحه، ووطأ قبل ذلك كله بذكر النسخ وحكمته المقتضية له، وقدرته الشاملة له.
وكما قدم بين يدي مبعث رسول الله ﷺ قصة الفيل وبشارات الكهان به وغير ذلك.
وكذلك الرؤيا الصالحة لرسول الله ﷺ كانت مقدمة بين يدي الوحي في اليقظة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وكذلك الهجرة كانت مقدمة بين الأمر بالجهاد، وكذلك كان صلح الحديبية مقدمة وتوطئة لهذا الفتح المبين، وأمن الناس به، وكلم بعضهم بعضاً، وتناظروا في الإسلام، وتمكن من اختفى من المسلمين بمكة من إظهار دينه والدعوة إليه والمناظرة عليه، ودخل بسببه بشر كثير في الإسلام.
إذاً: هذه إشارة على جعل فتح خيبر علامة وعنواناً لما هو أعظم وهو فتح مكة، وهذا الذي وقع بالفعل.
стр. 2128
أقوال العلماء في المغانم الموعود بها في قوله: (وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها)
في المغانم الموعود بها أقوال أصحها: أن الله وعد بمغانم كثيرة من غير تعيين، وكل ما غنموه كان منها، والله كان عالماً بها، وهذا كما يقول ابن مالك: تقول لمن يخدمك: لك مني على ما فعلته الجزاء إن شاء الله، ولا يريد شيئاً بعينه، ثم كل ما يأتي به ويؤتيه يكون داخلاً تحت ذلك الوعد، ولله المثل الأعلى.
قوله تعالى: ((وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ)) لإتمام المنة كأنه قال: رزقتكم غنيمة باردة من غير مس حر القتال، ولو تعبتم فيه لقلتم: هذا جزاء تعبنا، لكن الله كف أيدي الناس عنكم بدون تسبب منكم.
((وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ)) يعني: لينفعكم الله بها وليجعلها لمن بعدكم آية تدلهم على أن ما وعدهم الله يصل إليهم كما وصل إليكم، يعني: الذين يأتون بعد الصحابة إلى أن يشاء الله فإنها تكون آية لهم، حيث إن الله وعد المؤمنين الغنيمة وقد حصلوها، ووعد من يأتي بعد من المسلمين غنائم أخرى سوف يأخذونها، فيستدلون بما رأوا من إعطاء الله الصحابة رضي الله تعالى عنهم الغنيمة المعجلة على أن وعد الله آت، وهي نفس الغنيمة الموعودة بها.
ويحتمل أن يكون معنى قوله تعالى: أو: ((وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ)) يعني: تنفعكم في الظاهر، ويزداد يقينكم إن رأيتم صدق الرسول ﷺ .
قوله: ((مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ)) ذكر الجلبي أنه إن كان نزولها بعد فتح خيبر كما هو الظاهر، فلا تكون السورة بتمامها نازلة في مرجع النبي ﷺ من الحديبية.
إذاً: هذا الجزء من السورة نزل بعد فتح خيبر، وكل السورة نزلت مرجع النبي ﵊ من صلح الحديبية قبل خيبر، فعبر بالماضي لتحقق الوقوع، كما قال الله ﵎: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦] فهل هذا قد حصل بالفعل؟ لا، لكن يعبر عما يحصل في المستقبل بالماضي لإفادة تحقق وقوعه، فكأنه وقع بالفعل وصار ماضياً يخبر عنه بصيغة الماضي، فهذه من أساليب اللغة العربية، لكن هنا قوله: ((فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ))، هي في خيبر، فهذا من باب الإخبار عن الغيب.
((فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ)) (هذه) إشارة لتنزيل المغانم منزلة الحاضرة المشاهدة، والتعبير بالمضي للتحقق.
стр. 2129
تفسير قوله تعالى: (وأخرى لم تقدروا عليها)
قال تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الفتح:٢١] كأن الله قال: وعدكم الله مغانم تأخذونها ومغانم لا تأخذونها، ولا تقدرون عليها، وإنما يأخذها من يجيء بعدكم من المؤمنين، فمفهومهم الآية أنه ستكون مغانم أخرى لا يأخذها الصحابة، وإنما هي مدخرة لمن يأتي بعدهم من المؤمنين، ولا يقدرون هم عليها، بل يأخذها من يجيء بعدهم من المؤمنين.
وقد فسر الفراء قوله تعالى: ((وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا)) تفسيراً جميلاً حيث قال: ((قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا)) أي: حفظها الله للمؤمنين، لا يجري عليها هلاك إلى أن يأخذها المسلمون، كإحاطة الحراس بالقبائل، والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ((وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا)) يعني: الله ادخرها للمؤمنين وحفظها لهم فلا تهلك، ويحفظها إلى أن يغزو المسلمون تلك البلاد، ويأخذوا ما كتب لهم من هذه الغنائم، فهذا مما قيل في تفسيرها.
وقيل في قوله تعالى: (وأخرى لم تقدروا عليها): الواو هي واو رب، كقول الشاعر: وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله.
وهذه الواو كثيرة في الشعر، والتقدير: ورب ليل، كذلك هنا بعض المفسرين قال: هذه الواو واو رب، يعني: (ورب أخرى لم تقدروا عليها)، أي: كم من غنيمة أخرى مما لم تأخذوها! ولأنكم غير قادرين عليه ((قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا))، فالله يدخرها الآن للأجيال القادمة من المسلمين سوف يفوزون بها.
قال ابن كثير: أي: وغنيمة أخرى وفتح آخر معيناً لم تكونوا تقدرون عليها قد يسرها الله عليكم وأحاط بها لكم، فإنه تعالى يرزق عباده المتقين من حيث لا يحتسبون.
قيل: قوله: ((وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا)) يعني: خيبر، ونحن قلنا: إن قوله: ((فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ)) هي صلح الحديبية إذاً: يكون قوله هنا: ((وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا)) فتح خيبر، وقيل: هي مكة، واختاره ابن جرير، وقيل: هي فارس والروم، وقال مجاهد: هي كل فتح وغنيمة إلى يوم القيامة، وكذا عن ابن عباس قال: هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم.
стр. 2130
تفسير قوله تعالى: (ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار)
قال الله ﵎: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح:٢٢ - ٢٣].
يقول ابن كثير: يقول تعالى مبشراً لعباده المؤمنين بأنه لو ناجزهم المشركون لنصر الله رسوله وعباده المؤمنين عليهم، ولانهزم جيش الكفار فاراً مدبراً لا يجدون ولياً ولا نصيراً؛ لأنهم محاربون لله ولرسوله ﷺ ، ولحزبه المؤمنين.
ثم قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح:٢٣] أي: هذه سنة الله وعادته في خلقه، ما تقابل الكفر والإيمان في موطن فيصل إلا نصر الله الإيمان على الكفر، ورفع الحق، ووضع الباطل كما فعل تعالى يوم بدر بأوليائه المؤمنين، نصرهم على أعدائه من المشركين مع قلة عدد المسلمين وعددهم، وكثرة المشركين وعددهم.
وسنة الله هي الطريقة والسيرة، كما يقول الشاعر: فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها فأول راض سنة من يسيرها ((ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا)) دفع الضر عن الشخص إما أن يكون بولي ينفع بالنصح، أو بنصير يدفع بالعنف، إما بولي أو بالنصير، وليس للذين كفروا شيء من ذلك، لا ولي ولا نصير، لا ولي يدفع بالنصح، ولا نصير يدفع بالعنف، والتنكير للتعميم، أي: لا يجدون فرداً ما من الأولياء.
وقوله : ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الفتح:٢٢] في قوله تعالى: (ثم) لطيفة، وهي: أن من يولي دبره يطلب الخلاص من القتل بالالتحاق بما ينجيه، فيقول تعالى: وليس إذا ولوا الأدبار يتخلصون، بل بعد التولي الهلاك لاحق بهم.
стр. 2131
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي كف أيديهم عنكم)
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الفتح:٢٤].
قيل: أراد بكف اليد أنه شرط الكتاب: أن من جاءنا منهم فهو مردود عليهم، فخرج أقوام من مكة مسلمون وخافوا أن يردهم الرسول ﵌ إلى المشركين، فلحقوا بالساحل ومنهم أبو بصير، وجعلوا يغيرون على الكفار ويأخذون عيرهم، حتى جاء كبار قريش إلى النبي ﷺ فقالوا: اضممهم إليك حتى نأمن، ففعل.
فهذا معنى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ يعني: عن طريق صلح الحديبية، فقد كان أحد الشروط أن من أتى الرسول ﷺ مسلماً يرده إلى الكفار، فقدر الله أن تحصل قصة أبي بصير المعروفة، حيث شكل حرب عصابات على ساحل البحر، فكانوا يتعرضون لكل قافلة تأتي من قريش؛ حتى صرخ المشركون وفزعوا إلى النبي ﵊، يطلبون التراجع عن هذا الشرط، فهذا كحكم كوني قدري هو كف من الله.
﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾.
وقوله: (ببطن مكة) فيه قولان: أحدهما: يريد به الله مكة نفسها.
القول الثاني: إنها الحديبية؛ لأن بعض مكة مضاف إلى الحرم، وحتى لو لم يسلم هذا فالقرب التام كاف؛ لأن الحديبية قريبة جداً من مكة، ويكون إطلاق بطن مكة عليها مبالغة، ((وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ)) يعني: بالحديبية.
قوله: ((مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ)) يعني: بفتح مكة، وتكون هذه نزلت بعد فتح مكة، وفيها دليل على أن مكة فتحت صلحاً؛ لقول الله : ((وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ)) يقول القرطبي: والصحيح أن هذه الآية نزلت في الحديبية قبل فتح مكة، حسب ما قدمناه عن أهل التأويل من الصحابة والتابعين، وروى الترمذي بسنده عن ثابت عن أنس: (أن ثمانين هبطوا على رسول الله ﷺ وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الصبح، وهم يريدون أن يقتلوه، فأخذوا أخذاً، فأعتقهم رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ((وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ))).
وأما فتح مكة فالأدلة تدل على أن مكة فتحت عنوة وليس صلحاً.
((وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ)) يعني: إشارة إلى أمر كان هناك يقتضي عدم الكف، ومع ذلك وجد كف الأيدي، ذلك الأمر هو دخول المسلمين ببطن مكة، فإن ذلك يقتضي أن يصبر المكفوف على القتال لكون العدو داخل دارهم طالبين ثأرهم، وذلك مما يوجب اجتهاد البليد في الذب عن الحريم.
يعني: كنتم في بطن مكة في عقر دار المشركين، فلاشك أن الخوف يكون أكثر؛ لأنهم أقوى وأكثر عدداً وعدة، ثم إن بطن مكة فيها حريمهم ونساؤهم وأولادهم، فتكون الحمية في الدفع والقتال أشد، والحرص على الفتك بالمسلمين أشد، ومع ذلك فإن الكف وجد بمشيئة الله ؛ لذلك نسبه إلى فعله فقال: ((وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ)) يعني: مع أنكم كنتم في بطن مكة، على أرضهم، وبين بنيهم ونسائهم، وكل هذه دوافع إلى شدة الحمية في قتال المسلمين، ومع ذلك امتن الله عليهم بأن كف أيديهم عنكم.
стр. 2132
تفسير قوله تعالى: (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام)
قال ﵎: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح:٢٥].
(هم الذين كفروا) إشارة إلى أن الكف لم يكن لأمر فيهم؛ لأنهم كفروا وصدوا وأحصروا، وكل ذلك يقتضي قتالهم، فلا يقع لأحد أن الفريقين اتفقوا ولم يبق بينهما خلاف، واصطلحوا ولم يبق بينهما نزاع، بل الخلاف باق، والنزاع مستمر؛ لأنهم هم الذين كفروا وصدوكم وصدوا الهدى أيضاً، وازدادوا كفراً وعداوة.
والخطاب للرجال المؤمنين، والنساء المؤمنات، فمن الذي كف أيديهم عنكم؟ الله ، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الفتح:٢٤] يعني: كان الله يرى فيه المصلحة، وإن كنتم لا ترون ذلك.
ثم بين هذه المصلحة فقال: إن الكفار ما زالوا كفاراً بل زادوا كفراً؛ لأنهم كفروا وصدوا عن سبيل الله، وأحصروكم عن دخول المسجد الحرام، فهذه إشارة إلى أن من الحكم العظيمة في أن كف الله أيديهم عنكم وأيديكم عنهم حماية للمؤمنين المستضعفين الذين كانوا يخفون إسلامهم بمكة؛ لأنكم إذا دخلتم وقاتلتموهم، ولا تعرفون إخوانكم الذين يخفون إسلامهم؛ كنتم سوف تقتلونهم، فهذه إشارة إلى أن الله كف أيديهم ليس لأنهم يستحقون النجاة والسلامة من القتل، كما قال الشاعر: داريت أهلك في هواك وهم عدا ولأجل عين ألف عين تكرم فبين الله أن هناك كفاراً لم يكف الله أيدي المؤمنين عنهم وأيديهم عن المؤمنين؛ إكراماً لهم؛ لأنهم حتى مع وقوع الصلح والهدنة ما زالوا متصفين بصفة الكفر، وما زالوا يصدون الناس عن دين الله، فالاختلاف باق، والنزاع قائم، وهم ما زالوا كفاراً، بل لا كفار غيرهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:٢٥] فكان هذا إحدى الحكم من هذا الكف؛ لأنه لو قدر أن يكون قتال كان سيؤدي إلى هلاك المؤمنين المقيمين داخل مكة، الذين يخفون إسلامهم وإيمانهم؛ لأن الصحابة كانوا سيقتلونهم دون أن يعرفوهم؛ ولذلك قال تعالى: ((وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ)) فهذا كله كان إكراماً لهؤلاء المؤمنين.
((وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ)) أي: أنتم لا تعرفونهم، فهم مستخفون في مكة لا يظهرون إسلامهم، ففي الظاهر أنهم مع المشركين، فلو حصل قتال سيخرجهم المشركون معهم ويجبرونهم على القتال، وبالتالي المسلمون سوف يقتلون إخوانهم دون أن يعرفوا أنهم مسلمون.
((وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا)) لو انفصل معسكر المؤمنين في مكة والمؤمنات عن الكفار حينئذٍ لنزل العذاب على الكفار.
((لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا))، لكن كانت هذه هي الحكمة من أن كف الله أيدي الفريقين، كان الكف محافظة على من في مكة من المسلمين ليخرجوا منها، ويدخلوها على وجه لا يكون فيه إيذاء من فيها من المؤمنين والمؤمنات.
قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ الهدي: ما يهديه الحاج أو المعتمر إلى مكة من النعم من غير سبب موجب، والمراد بالموجب هنا: ما وجب على الحاج أو المعتمر بسبب ترك واجب أو فعل محظور في الإحرام أو الإحصار أو التمتع.
((وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ)) قال ابن جرير: أي: محل نحره، وذلك داخل الحرم، وهو الموضع الذي إذا صار إليه حل نحره، وكان رسول الله ﷺ ساق معه حين خرج إلى مكة في سفرته تلك سبعين بدنة.
وفي الآية دليل على أن محل ذبح الهدي هو الحرم، وقد قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦] إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦].
ما هو محل الهدي للمحصر؟ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: المحل اسم للزمان الذي يحصل فيه التحلل، أما أبو حنيفة فهو يقول: المحل: هو اسم للمكان الذي يحصل فيه التحلل، ويظهر منشأ الخلاف بين الشافعية وأبي حنيفة: أن الشافعي يرى أن المحل اسم الزمان الذي يحصل فيه التحلل، وأبا حنيفة: يرى أنه اسم للمكان الذي يحصل فيه التحلل.
فجمهور العلماء الإمام الشافعي ومالك وأحمد قالوا: إن محل الهدي للمحصر هو موضع الحصر حلاً كان أو حرماً، سواء كان داخل الحرم أو في الحل خارج الحرم.
وقال أبو حنيفة: لا ينحره إلا في الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣]، وقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، وكلام أبي حنيفة أدلته قوية، فبماذا يجيب عنه الجمهور؟ أبو حنيفة يقول: لا ينحر الشخص الذي أحصر الهدي إلا داخل الحرم حتى لو أحصر؛ لأن الله قال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ إشارة إلى أنه لابد أن يكون في الحرم، وقال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وهذا كلام جيد، فبم يرد عليه الجمهور؟ الرد الأساسي هو: أن هذا في الشخص الآمن الذي يمكنه الوصول إلى البيت، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] لكن شخص أحصر ومعه الهدي، والعدو هو الذي منعه، فكيف سينحره في الحرم وهو محصر؟! فالآية في الآمن الذي سيكون محل هدية البيت العتيق أو في الحرم؛ ولذلك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إذا كان يستطيع البعث به إلى الحرم وجب عليه أن يبعثه إلى الحرم، وإن لم يستطع ذلك ينحره في محل الإحصار.
إذاً: الشافعي يرى أن المحل اسم للزمان الذي يحصل فيه التحلل، وعلى هذا حمل قوله تعالى: ((وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ))، وأبو حنيفة يرى أنه اسم للمكان كما بينا.
стр. 2133
التعجل في ذبح الهدي قبل وقته بسبب الجهل
هنا موضوع مهم: وهو أن بعض الحجاج -نتيجة قلة العلم، وعدم التحقيق في المسائل، ووجود من يفتي بغير علم- يكونون جائعين ويريدون أن يأكلوا من لحم الهدي، فيقولون: بدل ما ننتظر ثم نشرع في مناسك الحج ثم نذبح، فنحن نتعجل الآن فنذبح الهدي! فيجيز لهم بعض الجهلة الذبح قبل يوم النحر، والراجح أن المتمتع والقارن لا يجوز لهما الذبح قبل يوم النحر، وهذا هو قول الجمهور خلافاً للشافعية، فإنهم يجيزون الذبح قبل يوم النحر.
والأدلة على أنه لا يجوز أبداً أن يذبح المتمتع أو القارن قبل يوم النحر كثيرة منها: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦] وقد ثبت أن الحلق لا يجوز قبل يوم النحر، فدل على أن الهدي لم يبلغ محله إلا يوم النحر.
ثانياً: فعل النبي ﷺ وأصحابه؛ لأنهم لم يذبحوا قبل يوم النحر قارنهم ومتمتعهم جميعاً، وعليه جرى عمل الخلفاء الراشدين، والمهاجرين والأنصار، وعامة المسلمين، ولم يثبت عنهم خلاف ذلك ألبتة.
ثالثاً: فعل النبي ﷺ إذا كان بياناً لنص فهو محمول على الوجوب، فالفعل المبين يكون واجباً، وقد قال ﷺ : (لتأخذوا عني مناسككم) يعني: الله قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧] ولم يخصص، ثم أتى النبي ﵊ وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) كما قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فيجب الاقتداء به في هذا الفعل في نوعه وزمانه ومكانه، ما لم يكن هناك قول من الرسول ﷺ أعم من الفعل، فحينئذ فهذا أمر آخر، لكن إذا كان فعل الرسول ﵊ أتى بياناً لنص فهو محمول على الوجوب، فمادام الفعل المبين واجب، فما يبين مناسك الحج واجبة، فالفعل الذي يبين هذه المناسك يكون أيضاً واجباً، فيجب أن نقتدي بفعل النبي ﵊ في نوعه وزمانه ومكانه، إلا إذا أتى قول من النبي ﵊ أعم من الفعل، فمثلاً النبي ﷺ وقف على جبل الرحمة عند الصخرات، وقال: (وقفت ههنا وعرفة كلها موقف)، فلو أنه لم يقل ذلك لكان فعله بياناً للواجب الذي هو الوقوف، بل هو ركن الحج الأعظم، ولو لم يقل ذلك لوقعت المشقة العظيمة على الأمة! لكنه قال: (وقفت هنا) يعني: هذا فعل مني وبيان للوقوف بعرفة أنه يكون هنا، ثم قال: (وعرفة كلها موقف) وهذا بيان عام بالقول أعم من الفعل، ففي هذه الحالة لا يكون الوقوف في هذا المكان بالذات واجباً، وإنما يجزئ أن يقف الحاج في أي مكان في عرفة.
ومثله أيضاً قوله: (مزدلفة كلها موقف) مع أنه وقف عند المشعر الحرام، ثم بين أن مزدلفة كلها موقف توسعة على الأمة.
كذلك قول النبي ﵇: (نحرت ههنا، ومنى كلها منحر، وكل فجاج مكة وطرقها منحر) أو كما قال ﵊، فلو لم يقل ذلك لوجب أن ننحر في نفس المكان الذي نحر فيه؛ لأن فعله أتى بياناً لعبادة واجبة في الحج وهي النحر.
فينبغي أن نقتدي به في الفعل، وإذا كان بياناً لنص فهو محمول على الوجوب إذا كان الفعل المبين واجباً، فالمبين تابع للمبين في حكمه، فيجب الاقتداء به في الفعل في نوعه وزمانه ومكانه، إلا إذا أتى قول أعم من الفعل فحينئذ لا يكون ذلك واجباً، كما في قوله: (نحرت ههنا ومنى كلها منحر)، ففي هذه الحالة لا نتقيد بالمكان الذي نحر فيه، فلا يختص حينئذ الحكم بنفس محل موقفه أو نحره، والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١].
رابعاً: قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨]، ثم قال بعد ذلك: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] ومن التفث: الحلق والتقصير؛ لأن التفث هو: الوسخ والقذر، فإزالة التفث بقص الأظفار والتنظف والحلق والتقصير، وفي الصحيح عن النبي ﵊: (أنه حلق قبل أن ينحر وأمر بذلك).
إذاً: وقت الذبح مخصص بأيام معلومات دون غيرها؛ لأن الله قال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨]، فوقت الذبح مطلق لكنه مخصص بأيام معلومات دون غيرها، وذلك أنهم يتقربون إلى الله بدماء الأنعام في خصوص تلك الأيام المعلومات، وهذا أظهر في الهدايا لا الضحايا التي لا تحتاج أن يؤذن فيها للمضحين؛ ليأتوا رجالاً وركباناً ويذبحوا ضحاياهم، فيقول : ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩].
ولما سئل النبي ﷺ : لماذا لم يتحلل من عمرته؟! قال: (إني لبدت رأسي) يعني: ألصق شعر رأسه بعضه ببعض بمادة صمغية مثل العسل بحيث لا ينتتف أثناء الإحرام.
(إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر) متفق عليه من حديث حفصة، فلو جاز النحر قبل ذلك لأحل بعمرة ونحر، مع أنه تمنى أن يعتمر ويحل منها، ثم يحرم بالحج كما أمر أصحابه بذلك.
إذاً: فعل النبي ﵊ كالتفسير لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]، وخلاصة الكلام: لا يجوز ولا يجزئ أن ينحر الإنسان أو يذبح قبل يوم النحر كما يفعله بعض الناس في الأيام التي هي قبل اليوم العاشر من ذي الحجة، تلبية لنداء بطونهم!
стр. 2134
تفسير سورة الفتح [٢٥ - ٢٩]
стр. 2135
تفسير قوله تعالى: (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام)
قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:٢٥].
قوله تعالى: ((هم الذين كفروا)) إشارة إلى أن كف الله الأيدي عنهم لم يكن لأمر فيهم؛ لأنهم كفروا وصدوا المسلمين عن المسجد الحرام، وهذا يقتضي قتالهم، فلا يقع ظن لأحد أن الفريقين اتفقوا ولم يبق بينهم اختلاف أو اصطلحوا ولم يبق بينهم نزاع، فالاختلاف باق مع كف أيدي الفريقين بعضهم عن بعض، فهم ما زالوا كافرين، فالاختلاف باق، والنزاع مستمر؛ لأنهم هم الذين كفروا وصدوكم ومنعوا الهدي فازدادوا كفراً وعداوة، والسبب والعلة في الكف ليس لأنهم زال عنهم وصف الكفر، ولكن لعلة أخرى وهي: ((ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات)) هذه كانت حكمة الكف، كف الله الفريقين عن القتال؛ كي لا يقتل المؤمنون الذين يخفون إيمانهم بمكة إذا أخرجوا معهم مضطرين، فهذه هي العلة، وليست العلة زوال وصف الكفر عنهم، بل الاختلاف بينكم وبينهم باق، وهم يستحقون أن يقاتلوا وأن يؤدبوا، ولكن سبب الكف هو ما ذكره الله في قوله ﵎: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
قوله تعالى: ((ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات)) أي: موجودون بمكة مع الكفار، ((لم تعلموهم)) يعني: لم تعلموهم بصفة الإيمان وهم بمكة، حبسهم المشركون بها عنكم، فلا يستطيعون من أجل ذلك الخروج إليكم.
((أن تطئوهم)) أي: أن تقتلوهم مع الكفار، لو أن الله قدر لكم أن تقتلوهم في تلك الغزوة -غزوة الحديبية- وتفتحوا مكة؛ لقتل المؤمنون المذكورون.
قال بعض المفسرين: ((أن تطئوهم)) يجوز أن تكون بدلاً من رجال ونساء غير معلومين، ويجوز أن يكون بدل المفعول ((لم تعلموهم))، فالتقدير على الأول: ولولا وطء رجال ونساء غير معلومين، وتقدير الثاني: لم تعلموا وطأهم، والخبر محذوف تقديره: ولولا رجال ونساء موجودون أو بالحضرة.
стр. 2136
معنى المعرّة
قوله تعالى: ((فتصيبكم منهم معرة بغير علم)) أي: معرة إثم وغرامة من عره إذا عراه ما يكرهه، ((فتصيبكم منهم معرة بغير علم)) يعني: تطئوهم غير عالمين بهم، والمعنى: ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً مؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم، فيصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة؛ لما كف أيديكم عنهم، ولأذن لكم في دخول مكة مقاتلين لهم.
((لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً)) يعني: لو تميز الكفار عن المؤمنين الذين بين أظهرهم لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً يعني: لسلطناكم عليهم فقتلتموهم قتلاً ذريعاً، وعن جنيد بن سبع قال: قاتلت رسول الله ﷺ أول النهار كافراً، وقاتلت معه آخر النهار مسلماً، وفينا نزلت: ((ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات)) قال: كنا تسعة نفر: سبعة رجال، وامرأتين.
((لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)) يعني: بقتل المؤمنين إياهم.
وفسر ابن إسحاق المعرة: بالدية، فتصيبكم منهم معرة يعني: دية، ذهاباً إلى أن دار الحرب لا تمنع من الدية، وهو مذهب الشافعي، وذهب غيرهما إلى أنها تمنع من الدية، وقال ابن جرير: المعرة: هي كفارة قتل الخطأ، وذلك عتق رقبة مؤمنة لمن أطاق ذلك، ومن لم يطق فصيام شهرين، قال ابن جرير: وإنما اخترت هذا القول دون الذي قاله ابن إسحاق لأن الله إنما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها ولم يكن قاتله علم إيمانه الكفارة دون الدية؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، ولم يوجب على قاتله خطأً ديته؛ فلذلك قلنا: معنى المعرة في هذا الموضع: الكفارة.
((لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ)): كأنه قال: لكن كفها عنكم ولم يأذن لكم في مقاتلتهم ليدخلكم في رحمته الكاملة بحفظكم من المعرة.
وهناك تفسير آخر لقوله: ((ليدخل الله في رحمته من يشاء))، وهو: أن هذه الآية فيمن رغب في الإسلام من المشركين، وعليه اقتصر شيخ المفسرين ابن جرير أي: ليدخل الله في الإسلام من أهل مكة من يشاء قبل أن تدخلوها.
((لو تزيلوا)) أي: لو تميز مشركو مكة من الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات الذين لم تعلموهم منهم ((لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً)) من قتل أو أسر أو نوع آخر من العذاب الآجل.
قال الكياالهراسي: في الآية دليل على أنه لا يجوز حرق سفينة الكفار إذا كان فيها أسرى بعض المسلمين، وكذلك رمي الحصون إذا كانوا بها، والكفار تترسوا بهم، وهذا مذهب من يرى أن الترس لا يقتلون، يعني: لو أن الكفار أسروا من المسلمين وتترسوا بهم بما يسمى الآن بالدرع البشري، أخذوا بعض الأسرى من المسلمين ووضعوهم كدرع بشري بحيث إذا ضربهم المسلمون يصيبون المسلمين، وهذا بحث يستحق التفصيل، ولكن نقول باختصار: لا يجوز ذلك إلا إذا كان لمصلحة ضرورية كلية قطعية، وبين ذلك الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية، وفصل الكلام فيما يتعلق بمسألة التترس بالمسلمين.
стр. 2137
تفسير قوله تعالى: (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية)
قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح:٢٦].
((إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية)) وذلك حين جعل سهيل بن عمرو في قلبه الحمية التي جعلته يمتنع من أن يكتب في كتاب المقاضاة الذي بين رسول الله ﷺ والمشركين: بسم الله الرحمن الرحيم، فحمية الجاهلية منعته أن يقر باسم الرحمن ، وأن يكتب فيه أيضاً محمد رسول الله ﷺ ، وامتنع هو وقومه من دخول رسول الله ﷺ مكة عامه ذلك، والحمية هي: الأنفة والاستكبار.
((إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين)): هذا عطف على منوي، يعني: ((إذ جعل الذي كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية)) فهم المسلمون أن يأبوا ذلك ويقاتلوا، فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، فقوله: ((فأنزل الله سكينته)) عطف على شيء مفهوم وإن لم يكن مذكوراً في الآية، لكن نزول السكينة كان لكف المؤمنين عن أن يقاتلوهم لما منعوهم بسبب حمية الجاهلية، وحينما أصروا على أن يكتب: باسمك اللهم، وأن يكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بدلاً من محمد رسول الله ﷺ ، فالمسلمون هموا أن يأبوا الانقياد لهذه الحمية الجاهلية، وأن يقاتلوا على ذلك ((فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين)) يعني: الوقار والتثبت حتى صالحوهم على أن يعودوا من قابل، وعلى ما تقدم ذكره.
((فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى)) أي: اختارها لهم، فالإلزام مجاز عما ذكر من اختيارها لهم، وأمرهم بها، وهي كلمة التوحيد، ((وكانوا أحق بها)) يعني: متصفين بمزيد استحقاق لها، وكانوا أحق بها من الكفار.
وقوله: ((وأهلها)) يعني: كانوا مستأهلين لها، ((وكان الله بكل شيء عليماً)) يعلم حق كل شيء فيسوقه إلى مستحقه.
стр. 2138
تفسير قوله تعالى: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق)
قال ﵎: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:٢٧].
قال شيخ المفسرين ابن جرير ﵀: أي: لقد صدق الله رسوله محمداً ﷺ رؤياه التي أراها إياه أنه يدخل هو وأصحابه بيت الله الحرام آمنين، لا يخافون أهل الشرك، مقصراً بعضهم رأسه ومحلقاً بعضهم.
ثم روى عن مجاهد أنه قال: أري بالحديبية أنه يدخل مكة وأصحابه محلقين يعني: الرسول ﵇ أري هذه الرؤيا وهو في الحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه محلقين، ورؤيا الأنبياء حق، فقال أصحابه حين نحر بالحديبية: أين رؤيا محمد ﵌؟! وعن ابن زيد: قال لهم النبي ﷺ : (إني قد رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رءوسكم ومقصرين) ولم يقل: ذلك العام، فلما نزل بالحديبية طعن المنافقون في ذلك فقالوا: أين رؤياك؟! فهذه الرواية تذكر أن المنافقين هم الذين قالوا: أين رؤياك؟ فقال الله تعالى: ((لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ)) يعني: كأن الله يرد على هؤلاء الذين قالوا: أين رؤياك؟ بهذه الآية: ((لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق)) يعني: إني لم أر أنكم تدخلونها هذا العام، فهو رأى في المنام أنه وأصحابه يدخلون مكة بالصفة المذكورة في الآية، ولكن لم ينص على السنة التي يدخلون فيها مكة، ولم يقل: إنه يدخلها هذا العام أو في هذه الغزوة غزوة الحديبية.
((لقد صدق الله رسوله الرؤيا)) الرؤيا: منصوب بنزع الخافض، أي: صدقه في رؤياه، أي: حقق صدقها عنده كما هو عادة الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولم يجعلها أضغاث أحلام.
стр. 2139
الاستثناء بقول: إن شاء الله
قوله تعالى: ((لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق)) هذا حال من الرؤيا، أي: متلبسة بالحق، ليست من قبيل أضغاث الأحلام، ((لتدخلن)) هذا جواب قسم محذوف، يعني: والله لتدخلن ((المسجد الحرام إن شاء الله آمنين))، إن شاء الله تعليق واستثناء بالمشيئة؛ لتعليم العباد أنهم إذا أرادوا أن يتكلموا عن شيء مما يقع في المستقبل فمن الأدب أنهم يستثنون، فيقول أحدهم: إن شاء الله، كما قال الله ﵎ لنبيه ﷺ : ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، وسبب نزولها الأسئلة المعروفة التي وجهت للنبي ﵊ عن الروح والفتية وذي القرنين.
وفي حديث يأجوج ومأجوج: (إن يأجوج ومأجوج يحفرون كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً، فيعيده الله أشد ما كان، حتى إذا بلغوا مدتهم، وأراد الله تعالى أن يبعثهم على الناس؛ حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال: ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله، فاستثنوا فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه؛ فيحفرونه ويخرجون على الناس).
ويقول الله تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم:١٧ - ١٨] حلفوا أنهم يصرمون الثمر مصبحين ولا يستثنون أي: ولم يقولوا: إن شاء الله، فعوقبوا بما عوقبوا به.
وفي حديث سليمان ﵇ أنه قال: (لأطوفن الليلة على مائة امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله فلم يقل -يعني: أنه نسي أن يقول: إن شاء الله- فلم تحمل منهن إلا امرأة جاءت بشق رجل، والذي نفس محمد بيده! لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون).
стр. 2140
خطأ بعض الناس في الاستثناء
بعض الناس يسيء استعمال أدب الاستثناء أو يخطئ فيه، مثلاً يسأل عن شيء هو حقيقة مثل: ما اسمك؟ فيقول: إن شاء الله أخوك فلان! وهذا ليس موضعه.
وبعض الناس يستعملونها كشماعة يعلقون عليها التعريض والمراوغة في الكلام، والمعنى الصحيح للاستثناء هو تعليق الأمور المستقبلة بمشيئة الله ، كما قال : ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، فبعض الناس يستعملونها في المراوغة والتعريض واللف والدوران في الكلام كالثعالب، ويعلق ذلك بكلمة: إن شاء الله، وما ينوي بها إلا خداع من يكلمه.
ينبغي استعمال الاستثناء في الموضع اللائق به، فإذا قيل مثلاً: أين ذهبت بالأمس؟ لا تقل: إن شاء الله ذهبت إلى المكان الفلاني، فهذا فعل ماض وقع، فليس للاستثناء هنا موضع، والله جل وعلا ذكر الاستثناء هنا: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح:٢٧]، مع أنه تعالى قال: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح:٢٧]، تأكيداً لما وعدهم النبي ﷺ ، ومع ذلك قال: (إن شاء الله)، فهذا تعليم من الله ، فإنه أوحى إلى النبي ﷺ بذلك وأخبر أنه صدقه في هذه الرؤيا، وأقسم أنهم لابد داخلون في المستقبل؛ ومع ذلك يقول الله تعالى: (إن شاء الله)، وإذا كان الله قال ذلك فنحن أولى أن نتعلم هذا الأدب، وأن نعلق العمل بالمشيئة.
أيضاً قال: (إن شاء الله) للإشعار بأن بعضهم لا يدخل، ربما بعضهم يكون قد مات حينما يأتي موعد تحقيق هذا الوعد، أو يتخلف لعذر من الأعذار أو غير ذلك، فليس كل المؤمنين الحاضرين في الحديبية سوف يدخلون.
إذاً: إما إنها لتعليم العباد، أو للإشعار بأن بعضهم لا يدخل، فهو في معنى: لتدخلنه من شاء الله دخوله منكم، أو أنه حكاية لما قاله له الملك الذي أراه الرؤيا في المنام، فقال له نفس العبارة: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) أو حكاية لما قاله النبي ﷺ لأصحابه؛ لأنهم لما يكونوا قد دخلوا بعد، فلما حكى لهم الرؤيا قال لهم: إن شاء الله.
следующие страницы →