Полный текст (3 275 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
تفسير قوله تعالى: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك إنك إذاً لمن الظالمين)
ولما ذكر تعالى أن أهل الكتاب يعلمون أن هذه القبلة حق أعلم أن صفتهم لا تتغير في الاستمرار على المعاندة، وأن الاستكبار عن الانقياد للحق صفة راسخة ثابتة فيهم لا تتبدل ولا تتغير، فأقسم الله ﵎ بعد هذه الآيات مباشرة فقال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْض﴾ [البقرة:١٤٥] (ولئن) هذه لام القسم ((أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ)) يعني على صدقك في أمر القبلة، ((مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)) أي: لا يتبعون قبلتك، ولا يوافقونك أبداً في اتباعها عناداً واستكباراً، ((وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ)) فاستقبال القبلة من الأمارات والعلامات المميزة للمسلم، كما قال النبي ﷺ : (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا؛ فهو المسلم) ((وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ)) وفي هذا قطع لطمعه في إسلامهم، وطمعهم في عودته إليها، فلن يعود أبداً إلى استقبال بيت المقدس.
﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ أي: أن اليهود لن يتبعوا قبلة النصارى ولا العكس.
((وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ)) يعني التي يدعونك إليها ((مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)) يعني من الوحي ((إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ)) يعني: إن اتبعتهم فرضاً فإنك من الظالمين.
يقول تعالى: ((وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ)) أي: من اليهود والنصارى (بكل آية) أي: برهان قاطع على أن التوجه إلى الكعبة هو الحق، (ما تبعوا قبلتك) أي: التي حولت إليها؛ لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة بل قد قامت عليهم الحجة، ولو كانوا تركوا اتباعك والانقياد للإسلام عن شبهة عندهم، ثم أتيت لهم بالحجج التي تزيل هذه الشبهة فقد يتبعونك، والذي ينحرف عن الحق يكون لأحد سببين: إما بسبب الجهل، أو الهوى والعناد والاستكبار والجحود، فأما الجاهل فإنه يعالج بالعلم وإقامة الحجة، وأما مرض الهوى ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة:٤١]، وهنا يبين الله ﵎ أن مخالفة أهل الكتاب للنبي ﷺ ليست ناشئة عن شبهة عندهم، وإلا لكان يمكن أن تعالج بإقامة الحجة، لكن هي ناشئة عن عناد وجحود وتكبر عن الحق، وبالتالي لن تنفع معهم الحجج ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما﴾ يعني مهما تأت بآية ((ما تبعوا قبلتك)) أي: لن ينقادوا إليك؛ لأنهم امتنعوا عن اتباعك لا عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة، وإنما عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق، ((وما أنت بتابع قبلتهم)) وهذا حسم لأطماعهم في العود إليها، أو للمقابلة يعني: ما هم بتاركي باطلهم وما أنت بتارك حقك، ((وما بعضهم بتابع قبلة بعض)) يعني فلا اتفاق بين فريقيهم مع كون الكل من بني إسرائيل.
قال الزمخشري: أخبر تعالى عن تصلب كل حزب فيما هو فيه وثباته عليه، فالمحق منهم -المسلمون- لا يتخلى عن مذهبه لتمسكه بالبرهان، والمبطل لا يقلع عن باطله لشدة شكيمته في عناده، وفيه إراحة للنبي ﷺ من التطلع إلى هدي بعضهم، يعني: تيئيس له وقطع لطمعه في إيمانهم.
قال الراغب: إن قيل: كيف أعلن بأنهم لا يتبعون قبلته وقد آمن منهم فريق؟ -فالمعلوم أن من أهل الكتاب فريقاً قد آمنوا وأسلموا، فكيف نفهم معنى قوله ﵎: (ما تبعوا قبلتك)؟ - قيل: إن هذا حكم على الكل دون الأبعاض، فهذا الحكم يعم الأغلب، فإذا شذ البعض فإنه لا ينافي هذا الحكم الكلي، بدلالة أنك لو قلت: ما آمنوا، وقد آمن بعضهم، لم يكن منافياً، وقيل: عني به أقوام مخصوصون.
أيضاً في قوله ﵎: (وما أنت بتابع قبلتهم) إشارة إلى أن من عرف الله حق معرفته فمن المحال أن يرتد، ولذا قيل: ما رجع من رجع إلا من الطريق، ومعنى ذلك: أن الإنسان الذي يرتد وينتكس لم يصل إلى الله ، ولم يصل إلى المعرفة بالله، أما الذي يصل حق الوصول فإنه لا يترك أبداً دين الله ومحبته؛ ولذلك فالذي يرجع إنما يرجع من أثناء الطريق قبل أن يصل؛ لأنه بعد أن يصل لا يمكن أبداً بعد أن يتمكن من معرفة الله وحبه أن يؤثر عليه غيره؛ ولذلك قالوا: ما رجع من رجع إلا من الطريق، أي ما أخل بالإيمان إلا من لم يصل إليه حق الوصول.
وفي هذه الآية الكريمة أيضاً تنويه بفضل العلم، حيث سمى أمر النبوات والدلائل والمعجزات باسم العلم؛ فلذلك ننبه على أن العلم أعظم المخلوقات شرفاً ومرتبة، وذلك إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فأطلق لفظة العلم على الوحي والنبوة والدلائل والمعجزات، فدل على أن العلم أشرف المخلوقات لأنه ينتظم في معنى هذه الأمور الشريفة.
ودلت الآية على أن توجه الوعيد إلى العلماء أشد من توجهه على غيرهم؛ لقوله تعالى: (من بعد ما جاءك من العلم).
стр. 212
تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم)
قال : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] أي: يعرفون محمداً ﷺ (كما يعرفون أبناءهم) أي: بنعته في كتبهم، قال عبد الله بن سلام: لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني، ومعرفتي لمحمد ﷺ أشد، يعني من شدة انطباق الصفات الموجودة في التوراة وفي الكتب السابقة في شأن الرسول ﵊، فهو يعرفه أشد من معرفته ابنه مع أن ابنه رآه بنفسه، وهذا وصف عن غيب لم يره، لكنه لما رآه صارت معرفته بالرسول ﷺ أشد من معرفته بابنه؛ ولذلك أسلم عبد الله بن سلام رضي الله ﵎ عنه وكان من خيرة الصحابة ﵃ أجمعين.
ومن هذه البشارات قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧] حتى صفات الرسول ﵊ الجسدية وجدت في التوراة، ومن أبرزها ختم النبوة أو خاتم النبوة، وإلى اليوم فإن الإشارة إلى ختم النبوة وإلى العلامة التي بين كتفيه موجودة في التوراة وفي كتبهم، فهو لا يلتبس عليهم، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فلا تلتبس أشخاص أبنائهم بغيرهم، فشبه المعرفة العقلية الحاصلة بمطالعة الكتب السماوية بالمعرفة الحسية؛ لأن كلاً منهما يقيني لا اشتباه فيه، وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال لـ عبد الله بن سلام ﵁: أتعرف محمداًَ كما تعرف ولدك؟ قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمه، فقبل عمر رأسه.
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ [البقرة:١٤٦] وإن من أهل الكتاب مع ذلك التحقق ومع ذلك الإيقان بصفته، (ليكتمون الحق) أي يخفونه ولا يعلنونه، (وهم يعلمون) أي: وهم يعلمون الحق، ويعلمون عاقبة ترك الحق، ولم يقل ﵎ مثلاً: وإن فريقاً منهم ليكتمونه وهم يعلمون؛ لأن في إظهار كلمة الحق وتفضيلها على الضمير إشارة إلى طبيعة هذا النبي، ولكنهم ينكرونه ويجحدونه (وهم يعلمون) وفي هذا إشارة إلى فظاعة ذنبهم، لأن المرتكب ذنباً عن جهل ليس كمن يرتكبه عن علم؛ ولذلك قال تعالى: (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) الحق من ربك: يعني الحق كائن من ربك، (فلا تكونن من الممترين) أي: الشاكين في هذا الأمر، فلا تكونن من هذا النوع، وهذا أبلغ من قوله: الحق من ربك فلا تمتر، ولكن قال: (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) يعني الشاكين، يقول الراغب: وليس هذا نهياً عن الشك؛ لأن الشك لا يكون بقصد من الشاك، بل قوله تعالى: (فلا تكونن من الممترين) حث على اكتساب المعارف المزيلة للشك واستعمالها، وعلى ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦].
стр. 213
تفسير قوله تعالى: (ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً)
قال ﵎: ((ولكل وجهة هو موليها)) ولكل من الأمم (وجهة) أي: قبلة (هو موليها) يعني: موليها وجهه في صلاته، وفي قراءة: (ولكل وجهة هو مولاها) أي مأمور بالتوجه إليها، (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] أي: بادروا إلى الطاعات وخذوا بها، ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ [البقرة:١٤٨] أي: يجمعكم يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٤٨].
стр. 214
تفسير قوله تعالى: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام)
ثم إنه تعالى أكد حكم التحويل وبين عدم تفاوت أمر الاستقبال في حالتي السفر والحضر، فقال ﵎: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٤٩] وهنا إنشاء حكم جديد بخلاف الآيات المشابهة لذلك عما قريب، (ومن حيث خرجت) أي: لسفر (فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون) أو (عما يعملون) بالياء وبالتاء، فكرره لبيان أن حكم السفر وغيره سواء، فالمسافرون وغيرهم يستوون في اشتراط استقبال القبلة ما أمكن ذلك، فقوله هنا: (ومن حيث خرجت) أي: ومن أي بلد خرجت للسفر، لأنه في الآية السابقة يقول تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) ثم قال (وحيث ما كنتم) أي: في حالة الإقامة، أما هنا قال: (ومن حيث خرجت) والخروج يكون في السفر، (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام).
ولما عظم أمر القبلة وذكر انتفاء أقوال السفهاء وتنوع ضربهم وجدالهم كان الحال مقتضياً لما فيه تأكيد لأمرها وتعظيمٌ لشأنها، وتوهيةٌ لشبههم؛ فلذلك كرر الله ﵎ أيضاً الإشارة أو التنبيه إلى أمر استقبال القبلة فقال للمرة الثالثة: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٠] يقول السيوطي رحمه الله تعالى: كرره للتأكيد، (لئلا يكون للناس) أي: اليهود أو المشركين، (عليكم حجة) أي: مجادلة في التولي إلى غيره، وتنتفي مجادلتهم لكم، من قول اليهود: يجحد ديننا ويتبع قبلتنا، وقول المشركين: يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته، فهذا معنى قوله تعالى: (لئلا يكون للناس عليكم حجة) فإذا قلنا إن الناس المقصود بهم هنا اليهود لعنهم الله، فتكون الحجة هي: أن يكون لهم ما يحاجونكم ويجادلونكم به، وهو قول اليهود: يجحد ديننا ويتبع قبلتنا، أي: كيف تجحد ديننا ولا تكون مثلنا على اليهودية أو النصرانية، ثم تستقبل قبلتنا؟ فيكون في تحويل القبلة إلى البيت الحرام إبطال لهذه الحجة، فهو يخالف دينهم ويخالف قبلتهم.
وإذا قلنا: المقصود بالناس هم المشركون، فإن المشركين قالوا: يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته! فكان في تحويل القبلة إدحاض لهذه الشبهة.
(لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم) يعني بالعناد، فإنهم يقولون: ما تحول إليها إلا ميلاً إلى دين آبائه، والاستثناء هنا متصل، والمعنى: لا يكون لأحد عليكم كلام إلا كلام هؤلاء، (فلا تخشوهم) يعني: لا تخافوا جدالهم في التولي إليها، (واخشوني) أي: بامتثال أمري، (ولأتم نعمتي عليكم) وهذا العطف هنا هو على قوله: (لئلا يكون) يعني إنما عليكم أن تمتثلوا هذا الحكم وتنصاعوا إليه، أولاً: لئلا يكون للناس عليكم حجة، وثانياً: لأتم نعمتي عليكم، يعني بالهداية إلى معالم دينكم.
قال العلماء في قوله: (ولأتم نعمتي عليكم) إن في هذا الجزء من الآية بشارة للنبي ﷺ والمؤمنين بفتح مكة وكافة جزيرة العرب والأرض، (ولعلكم تهتدون) يعني: إلى الحق.
стр. 215
تفسير قوله تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم)
قال ﵎: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥١ - ١٥٢] في الآية السابقة في قصة إبراهيم ﵇ قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩] فهنا الزاي والكاف قريبة من ختام الآية: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٩] ففيها الزاي والكاف، ففي آخر دعاء إبراهيم ﵇ أن يزكيهم، وفي آخر الآية العزيز الحكيم، والتزكية بالزاي والكاف قرينة للعزيز الحكيم، أما هنا فقال: (يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون).
قوله تعالى: (كما أرسلنا) هذا متعلق بأتم أي: (ولأتم نعمتي عليكم) كما أرسلنا، يعني: أتمها أتماماً كإتمامها بإرسالنا فيكم رسولاً منكم محمداً ﷺ ، (يتلو عليكم آياتنا) أي: القرآن، (ويزكيكم) أي: يطهركم من الشرك (ويعلمكم الكتاب) وهو القرآن الكريم (والحكمة) وهي ما فيه من الأحكام، وقد ذكرنا من قبل أن أي آية يأتي فيها ذكر الكتاب مقروناً بالحكمة في سياق الامتنان على هذه الأمة المحمدية فلا بد من تفسير الحكمة بأنها.
سنة النبي ﵌، وهذا باتفاق من السلف، (ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون).
(فاذكروني أذكركم) يعني: اذكروني بالصلاة والتسبيح وغيره (أذكركم) يعني: أجازيكم، وفي الحديث القدسي عن النبي ﷺ عن الله تعالى قال: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه) متفق عليه.
(واشكروا لي) أي: نعمتي بالطاعة (ولا تكفرون) يعني: بالمعصية.
(كما أرسلنا فيكم) يعني: أيها العرب (رسولاً منكم) المراد به أيضاً من العرب، وفي إرساله فيهم ومنهم نعمة عظيمة عليهم لما لهم فيه من الشرف، ولأن المشهور من حال العرب: الأنفة الشديدة من الانقياد إلى الغير، فهم لا ينقادون لغيرهم من الأمم، فبعث الله تعالى من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب.
(يتلو عليكم آياتنا) أي: يقرأ عليكم القرآن الذي هو من أعظم النعم؛ لأنه معجزة باقية، ولأنه يتلى فتؤدى به العبادات ويستفاد منه جميع العلوم ومجامع الأخلاق الحميدة، فتحصل من تلاوته كل خيرات الدنيا والآخرة.
(ويزكيكم) أي: يطهركم من الشرك والأفعال الجاهلية وسفاسف الأخلاق (ويعلمكم الكتاب) يعني: القرآن، وهذا ليس بتكرار؛ لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم، ففي صدر الآية (يتلو عليكم آياتنا) فهذا مجرد تلاوة الآيات، أما هنا (يعلمكم الكتاب والحكمة) وهي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها؛ ولذلك قال الشافعي ﵁: الحكمة هي سنة الرسول ﷺ .
(ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) إشارة إلى أنه تعالى أرسل رسوله على حين فترة من الرسل، وجهالة من الأمم، والخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم، فبعث الله تعالى النبي بالحق حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم، فصاروا أعمق الناس علماً، وأبرهم قلوباً، وأقلهم تكلفاً، وأصدقهم لهجة، وذلك من أعظم أنواع النعم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٤]، وفي هذا ذم لمن لم يعرف قدر هذه النعم، ذم للذين لا يشكرون الله على نعمة الإسلام ونعمة القرآن والوحي الذي علمنا الله به ما لم نكن نعلم، وهذا كقول الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم:٢٨] قال ابن عباس: يعني: كفراً بنعمة الله بمحمد ﷺ ، فأعظم نعمة امتن الله بها على البشرية هي بعثة محمد ﵌ سيد الأولين والآخرين، فهم بدلوا نعمة الله كفراً، أنعم الله عليهم بالرسول فكفروا به وكذبوه وجحدوه وحاربوه، (وأحلوا قومهم دار البوار)، ومن أجل ذلك ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة، ومقابلتها بذكره وشكره، فبعدما قال تعالى: (كما أرسلنا) الآية قال: (فاذكروني) يعني: كما أنعمت عليكم بهذه النعمة فاشكروها لي، فهناك ربط بين أول هذه الآية وبين الآية التالية، (فاذكروني أذكركم واشكروا لي) أي: هذه النعمة ولا تكفروا بها، (فاذكروني أذكركم) أي: اذكروني -أيها المؤمنون- بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه، أذكركم برحمتي إياكم ومغفرتي لكم، وقد كان بعضهم يتأول ذلك: أنه من الذكر بالثناء والمدح، وقال القاشاني: اذكروني بالإجابة والطاعة: أذكركم بالمجيب والثواب، وهذا هو معنى ما قبله، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] إذا ذكرتموني بإجابتي وبطاعتي وبعبادتي أذكركم بالمزيد من النعم وبتواليها عليكم، (واشكروا لي) يعني: فيما أنعمت عليكم من الإسلام والهداية للدين الذي شرعته لكم، (ولا تكفرون) يعني: لا تجحدوا إحساني إليكم فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم.
وقال السمرقندي: النعمة في الحقيقة هي العلم، وما سواه فهو تحول من راحة إلى راحة وليس بنعمة، فالعلم لا يمل منه صاحبه، بل يطلب منه الزيادة، فأمر الله تعالى بشكر هذه النعمة وهي نعمة بعثه رسولاً يعلمهم الكتاب والحكمة، ولما كان للعرب ولع بالذكر لآبائهم ووقائعهم جعل الله تعالى ذكره لهم عوض ما كانوا يذكرون، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرً﴾ [البقرة:٢٠٠] فالانشغال بذكر الله بدل القعود فيما كانوا عليه في الجاهلية، فإنهم كانوا إذا انقضت المناسك يتفاخرون بالآباء والأجداد وبالعظام البالية الجاهلية، فالله تعالى يقول لهم: (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً) أي: دعوكم من موضوع الافتخار بالآباء، وانشغلوا بذكر الله ، فالله هنا لما علم أن من طباع العرب: ولعهم وشغفهم بذكر آبائهم ووقائع آبائهم جعل تعالى ذكره لهم عوض ما كانوا يذكرون، كما جعل كتابه عوضاً عن أشعارهم، فالقرآن عوض عن الشعر الذي كانوا يتناشدونه، وذكرهم الله وذكر الله إياهم عوض عن التفاخر الذي كانوا يتفاخرون به بآبائهم، فهز عزائمهم بذلك بما يسره به من ذكره لهم، روى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول الله : أنا مع عبدي حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلي شبراً اقتربت إليه ذراعاً، وإن اقترب إلي ذراعاً اقتربت إليه باعاً، فإن أتاني يمشي أتيته هرولة) أخرجه البخاري.
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أنهما شهدا على النبي ﷺ أنه قال: (لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده) والأحاديث في فضل الذكر متواترة، ويكفي فيه هذه الآية الكريمة: (فاذكروني أذكركم) جزاء أن تذكروا الله أن يذكركم الله، ولذلك بكى أبي بن كعب لما علم أن الله تكلم باسمه، قال: (أذكرني باسمي؟ قال: نعم، فبكى أبي رضي الله تعالى عنه) وهذا بلا شك شرف عظيم أن يذكرك الله، فاذكر الله يذكرك الله.
أما قوله: (واشكروا لي ولا تكفرون) ففيه أمر بشكره على نعمه وعدم جحدها، فالكفر هنا كفر النعمة لا الشرك به، والكفر يطلق إما على الستر والتغطية، تقول: كفر البذر يعني: غطاه (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] والتكفير للبذرة يعني دفنها في الأرض وكذلك الكفر هنا المقصود به: لا تكفروا نعمتي، وليس المقصود به هنا: كفر التكذيب، وقد وعد الله تعالى على شكره بمزيد الخير فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] قال ابن عطية: اشكروا لي واشكروني بمعنى واحد، واشكروا لي أفصح وأبلغ من الشكر.
فيمكن أن تقول: أشكرك، أو تقول: أشكر لك، وأشكر لك أفصح وأبلغ، قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤] والذي أتى في القرآن أن الشكر يتعدى باللام، فيكون أبلغ وأفصح.
стр. 216
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين)
أرشد الله تعالى المؤمنين إثر الأمر بالشكر إلى الاستعانة بالصبر والصلاة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] لأن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر الله عليها، أو أن يكون في نقمة فيصبر عليها، كما جاء في حديث صحيح مرفوع: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذاك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).
وذكر تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل المصائب في سبيل الله الصبر والصلاة، كما تقدم في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥]، وفي الحديث: (أن رسول الله ﷺ كان إذا حزبه أمر صلى)، أي: كان إذا اشتد به الأمر أو نزل به الكرب يفزع إلى الصلاة.
ثم إن الصبر ثلاثة أنواع: صبر على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات، وصبر على المصائب والكربات.
وذلك أن الصبر معناه حبس النفس، وبهذا المعنى فهو إما صبر على ترك المحارم والمآثم، وإما صبر على فعل الطاعات، وإما صبر على المصائب والكربات، والثاني أكثر ثواباً لأنه المقصود، أما الصبر الثالث -وهو الصبر على المصائب والنوائب- فهو واجب كالاستغفار من المعايب، فإنك تستغفر من المعايب والذنوب لأنك الذي تسببت فيها، أما الصبر على المصائب فإنه لا اختيار لك فيها، بل يقدرها الله عليك؛ ولذلك فإننا نحتج بالقدر في المصائب، ولا نحتج به في المعايب، فلا يجوز لإنسان أن يرتكب معصية ثم يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل! بل الواجب في المعاصي أن تظل إلى أن تلقى الله وأنت تستغفر وتندم وتتوب، حتى تعلم حالك عند الله، أما المصائب فهي التي تقول فيها: إنا لله وإنا إليه راجعون، وتصبر وتحتسب.
وقوله: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ خص الصلاة ههنا بالذكر لتكررها وعظمها.
(إن الله مع الصابرين) يعني بالمعونة.
وهذه الآية من الآيات التي فيها ذكر معية الله لبعض خلقه: (إن الله مع الصابرين) وهذه هي المعية الخاصة؛ لأن من آيات القرآن ما تذكر فيها المعية مع الخلق كافة، ومنها ما يخصص الله بها بعض عباده، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: لفظ المعية في كتاب الله جاء عاماً كما في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، وفي قوله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] فهذه معية عامة بمعنى أن الله مع خلقه أجمعين، وهذه المعية ليست معية للذات -أي: ليس معناها أن ذات الله تختلط بذوات خلقه، معاذ الله- لكن هي معية للصفات، فهو سبحانه مع العباد بالعلم والمراقبة والشهادة والخبرة بأحوالهم.
وجاء أيضاً لفظ المعية خاصاً كما في قوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، وقوله: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] فهذه المعية المذكورة في هذه الآية لا تشمل فرعون وجنده وسحرته فهي معية خاصة.
كذلك قوله تعالى حاكياً عن النبي ﷺ : (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠].
فلو كان المراد: معنا بذاته، لكان التعميم يناقض التخصيص -يعني: لو أن معية الله هي بذاته لكان التعميم في بعض الآيات يناقض التخصيص في البعض الآخر؛ لأنه سيكون مع الجميع بذاته، تعالى الله عن ذلك- لكنه قد عرف أن قوله (لا تحزن إن الله معنا) أراد به تخصيص نفسه وأبا بكر دون عدوهم من الكفار.
كذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] خصهم بذلك دون الظالمين والفجار.
وأيضاً فلفظ المعية ليست في لغة العرب ولا في شيء من القرآن أنه يراد به اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى، فعندما تقول: سرت مع القمر، ليس معناه أن تختلط ذاتك بذات القمر، بل القمر في السماء وأنت في الأرض، وكذلك حينما ترسل ابنك أو أخاك إلى أطراف الأرض وتقول له: إنني معك، فلا تعني بذلك أن ذاتك مع ذاته، كما في قوله ﵎: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] فليس فيها اختلاط الذوات.
وكذلك قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١٤٦]، وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]، وقوله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ [الأنفال:٧٥] ومثل هذا كثير، فامتنع أن يكون قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:٤] دالاً على أن ذاته مختلطة بذوات الخلق.
وبين شيخ الإسلام أن لفظ المعية في اللغة وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة فهو إذا كان مع العباد لم يناف ذلك علوه على عرشه، ويكون حكم معيته لكل موقف بحسبه، فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان، ويخص بعضهم بالإعانة والنصرة والتأييد، وهي المعية الخاصة لأولياء الله من الأنبياء والمرسلين والصالحين، أما المعية العامة فهي لكل الخلق، فهو معهم بالسلطان أي: بالعلم بالقدرة وغير ذلك، لكن في الحالتين ليست تقتضي اختلاط الذوات، بل هو على العرش عليم بما يفعله خلقه ﵎.
стр. 217
تفسير قوله تعالى: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون)
قال : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٥٤] (ولا تقولوا) هذا عطف على قوله من قبل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣] (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات) يعني: لا تقولوا: هم أموات مثل غيرهم من الأموات, بل موتهم ذو صفة خاصة، فهم ليسوا كغيرهم من الأموات، وهذا هو المقصود من النهي هنا.
(بل أحياء) يعني: بل هم أحياء، وأرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت كما جاء في صحيح مسلم.
(بل أحياء ولكن لا تشعرون) أي: لا تعلمون ما هم فيه.
ففي هذه الآية ينهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يقولوا للشهداء: هم أموات، بمعنى الذين تلفت نفوسهم وعدموا الحياة، وتصرمت عنهم اللذات، وأصبحوا كالجمادات كما يتبادر من معنى الميت؛ ولذلك الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: (لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات) يعني: لا تقولوا: هم أموات مثل غيرهم من الأموات، (بل أحياء) يعني بل هم أحياء.
ويقول القاسمي: ينهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يقولوا للشهداء: أموات، بمعنى لا تسووهم بالأموات، لا تظنوا أنهم أموات كالأموات الذين تلفت نفوسهم وعدموا الحياة، وتصرمت عنهم اللذات، وأضحوا كالجمادات، كما يتبادر من معنى الميت، ويأمرهم سبحانه بأن يقولوا لهم: (بل أحياء) بل قولوا: هم أحياء؛ لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، كما قال تعالى في آل عمران: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١].
فقوله في هذه الآية الكريمة في آل عمران: (بل أحياء عند ربهم) هذا تفسير لهذه الآية: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٥٤]، (بل أحياء) نفهمها من قوله: (أحياء عند ربهم).
стр. 218
تفسير سورة البقرة [١٧٨ - ١٨٨]
стр. 219
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى)
قال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]، (كتب) أي: فرض (عليكم القصاص) القصاص مأخوذ من التتبع، اقتص الأثر يعني: تتبعه، أو من القطع؛ لأن الذي يقتص من الجاني يقطع منه مثلما قطع من المجني عليه، أو من المساواة والمعادلة، فأصل معنى القصاص العدل والتساوي والمساواة.
((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ)) أي: فرض عليكم المماثلة، ((فِي الْقَتْلَى)) يعني: المساواة في القتلى، والمراد في وصف القتلى، يعني: من حيث الحرية والإسلام وغير ذلك.
إذاً: القصاص في القتلى بمعنى المماثلة، والسؤال الذي نريد أن نطرحه الآن: ما وجوه العدل والمساواة عند القصاص؟ في الوصف وفي الفعل، في الوصف يعني: لا يقتل الحر بالعبد، بل كما قال الله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة:١٧٨]، وكذا المماثلة في الإسلام، فلا يقتل مسلم بكافر.
وتجب المماثلة بالفعل بأن يقتل القاتل بمثل ما قتل، فيقتص منه بنفس الطريقة التي قتل بها ذلك المقتول.
(والأنثى بالأنثى) وكذلك جاءت السنة بأن الذكر يقتل بها، فقد (أمر النبي ﷺ برض -أي: بدق- رأس يهودي بين حجرين لرضه رأس جارية) رواه الشيخان.
كذلك تعتبر المماثلة في الدين، فلا يقتل مسلم ولو عبداً بكافر، ولو حراً؛ لماذا؟ لأن للإسلام التميز، والإسلام كمال، والكفر نقص، فلا يسوى بينهما، فلا يقتل المسلم ولو عبداً بكافر ولو كان حراً، لقول النبي ﷺ : (لا يقتل مسلم بكافر) رواه البخاري.
стр. 220
خلاف الفقهاء في القصاص
هناك خلاف بين العلماء في هذه الآية، وفي ذلك أحكام مفصلة جداً، لكن نقول على وجه الاختصار: قوله تعالى: ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)) أي: المعادلة والمساواة بينهم، ((الْحُرُّ بِالْحُرِّ))، لكن الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ذهب إلى أن الكلام فيما يتعلق بالقصاص انتهى عند قوله ﵎: ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)) يعني: العدل مطلق هنا في القتلى، فالحر يقتل بالعبد، والمسلم يقتل بالكافر.
وقوله بعد ذلك: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ليس شرحاً لما تقدم، ولا ربط بين قوله: (كتب عليكم القصاص) وبين ما أتى بعدها، وعلى هذا الأساس فالإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى يجوز قتل المسلم بالكافر؛ أخذاً بعموم قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥].
أما جمهور العلماء فذهبوا إلى قوله ﵎: ((الْحُرُّ بِالْحُرِّ))، وقال الإمام أبو حنيفة: إن العلة في وجود كلمة: (الحر بالحر والعبد بالعبد) ليس المقصود بها المساواة، فيجوز أن يقتل الحر بالعبد أو المسلم بالكافر، لكن المقصود بها الرد على ما كان سائداً عند بعض القبائل العربية، فقد كان عندهم أن القبيلة إذا كانت في عز ومنعة وفرسان وقوة، فقتل منهم عبد؛ فيأنفون أن يقتل به عبد مثله، لكن يقولون: لا يقتل العبد منا بعبد ونحن أشهر القبائل، وأرفع القبائل، وأعزها وأمنعها، ولابد أن يقتل به حر، وإذا قتلت منهم امرأة فيقولون: لا نقبل قتل امرأة في مقابلها، لكن لابد أن يقتل بها رجل، وإذا قتل منهم وضيع يقولون: لا نقبل في مقابلته إلا شريف، وهكذا.
فلهذا أبو حنيفة يذهب إلى أن قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ إشارة إلى إسقاط هذا المعنى الذي كان سائداً في بعض القبائل العربية.
أما جمهور العلماء فقالوا: لا يقتل الحر بالعبد؛ لأن العبودية أثر من آثار الكفر، والعبد قد يكون مسلماً، لكن أصل سبب الاسترقاق هو الكفر، فالذي جلب له الرق هو الكفر، فوجود هذا الأثر منقصة فيه، فبالتالي لا يستوي مع الحر، والحر لا يقتل إلا بالحر، ولا يقتل الحر بالعبد، والأنثى بالأنثى، وبينت السنة أن الذكر يقتل بالأنثى؛ لأنه تعتبر المماثلة في الدين، ولابد أن يكون هناك اتفاق ومعادلة وتساوي في الدين، فلا يقتل المسلم بالكافر؛ لقول النبي ﷺ : (ألا لا يقتل مسلم بكافر) رواه البخاري.
стр. 221
معنى قوله: (فمن عفي له من أخيه شيء)
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ يعني: من القاتلين، ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ يعني: من دم أخيه المقتول، وهذا اللفظ: (مِنْ أَخِيهِ) دليل على أن القاتل لا يكفر كفراً أكبر، ولا يكفر كل من فعل فعلاً سماه رسول الله ﷺ كفراً، فقد قال ﵊: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)، وقال أيضاً: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، ولا شك أن الذنب الذي يسمى كفراً يكون أخطر وأعظم من الذنب الذي لا يسمى كفراً، فهو كفر عملي لا يخرج من الملة إلا باستحلاله.
ومما يستدل به على أن هذا الكفر كفر غير مخرج من الملة قوله ﵎ في سورة الحجرات: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩]، فأثبت الإيمان مع وجود القتال، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، ثم قال بعد ذلك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]، كذلك صدر الآيات هنا بقوله: (يا أيها الذين آمنوا) فالخطاب للمؤمنين مع وقوع التقاتل بينهم، ثم قال أيضاً: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ) مع وجود القتل لكنه سماه أخاً، فهذا يدل على بقاء أخوة الإيمان مع حصول هذه الكبيرة.
(فَمَنْ عُفِيَ لَهُ) يعني: من القاتلين، (مِنْ أَخِيهِ) أي: من دم أخيه المقتول، (شَيْءٌ) يعني: بأن ترك القصاص منه، وتنكير (شيء) يفيد سقوط القصاص بالعفو من بعض الورثة، يعني: إذا عفا بعض الورثة وبعضهم لم يعفو يسقط القصاص.
كذلك إذا عفي عن بعض القصاص يسقط كل القصاص، فقوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه، وبالعفو من بعض الورثة.
وفي ذكر (أخيه) تعطف داع إلى العفو، وهذا من رحمة الله ، فإنه ذكر وصف الإخوة كي يعطف قلب الذي سيقتص على قلب أخيه الجاني لعله يعفو عنه أو يرأف به، وفيه إيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان.
إذاً: فائدة التعبير بأخيه تعطف داع إلى العفو، وإيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان.
стр. 222
معنى قوله: (فاتباع بالمعروف)
قوله تعالى: (فمن عفي) (من) مبتدأ شرطية أو موصولة، والخبر (فاتباع بالمعروف) يعني: فعلى العافي اتباع القاتل المعفو عنه بالمعروف، يعني: إذا قبل منه الدية فليطالبه بالدية بلا عنف، وترتيب الاتباع على العفو يفيد أن الواجب أحدهما، وهو أحد قولي الشافعي.
والقول الثاني: أن الواجب القصاص، والدية بدل عنه، فله ألا يقتص على أن يأخذ الدية، فلو عفا ولم يسمها فلا شيء له، ورجح.
وقوله: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يعني: وعلى القاتل (أداء) أي: للدية، (إليه) أي: إلى العافي الذي هو الوارث، (بإحسان) يعني: بلا مطل ولا بخس، يعني: يؤدي الدية إلى العافي -وهو الوارث- بإحسان بدون أن يماطله ولا يضاره ولا ينقص من حقه.
﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: ذلك الحكم المذكور من جواز القصاص والعفو عنه على الدية (تخفيف) أي: تسهيل (من ربكم) يعني: عليكم.
﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي: بكم، حيث وسع في ذلك، ولم يحتم واحداً منهما، كما حتم على اليهود القصاص وعلى النصارى الدية.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: ظلم القاتل بأن قتله، (بعد ذلك) أي: بعد العفو، فبعد أن يعفو لا يجوز أن يقتل القاتل، فإن هذا من الظلم، (فمن اعتدى) يعني: ظلم القاتل بأن قتله، (بعد ذلك) يعني: بعدما عفا، فلابد أن يلتزم بالعفو.
﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل.
стр. 223
تفسير قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة)
قال ﵎: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩] أي: بقاء عظيم، بخلاف تنكير كلمة حياة في قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦]، فالمقصود بذلك حتى لو كانت أخس حياة، وهذا من صفة اليهود لعنهم الله، (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) أي حياة حتى لو كانت حياة ذليلة فهم حريصون عليها، أما قوله هنا: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) يعني: بقاء عظيم.
﴿يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩] يعني: يا ذوي العقول؛ لأن القاتل إذا علم أنه يقتل ارتدع، فأحيا نفسه وأحيا من أراد قتله، فشرع القصاص ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) أي: تتقون القتل لمخافة القود؛ لأن هذا فيه زجر لكم من تجاسر بعضكم على إراقة دم بعض.
(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي: تتقون أن تقتلوا إذا قتلتم، أو يقتص منكم إذا اعتديتم على أرواح غيركم.
стр. 224
كلام نفيس للقاسمي في هذه الآية
هنا كلام من أنفس ما يقرؤه الإنسان في إعجاز القرآن الكريم، ذكره القاسمي ﵀ ﵎ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، والإنسان إذا لم يرتبط بالنور الذي آتاه الله لأهل العلم ربما لا يستطيع أن يتدبر ويتمعن في القرآن، وهذا أنموذج من نماذج التدبر في القرآن الكريم وهو من أروع ما يكون، والإنسان مع قلة علمه، وضعف وعيه في لغة العرب ولغة القرآن الكريم يعجب حينما يسمع العلماء يقولون: هذا الكلام لا يقوى على الإتيان به بشر، وهذا في القرآن كله لكن هناك مواضع إنما تظهر عند التأمل والتدبر من أولي العلم الراسخين في العلم، مثل قوله تعالى في سورة يوسف ﵇: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف:٨٠]، فالعلماء يتكلمون عن قمة البلاغة في هذه الآية، وهذا الأسلوب ولم يعرفه العرب على الإطلاق، لم يرتق له أي مخلوق من العرب قبل القرآن الكريم.
والآن سنذكر نموذجاً عملياً ونرى فعلاً أن هذا القرآن مستحيل أن يكون كلام البشر أبداً، ولا يقوى بشر على ذلك، يقول القاسمي: كلام في غاية الفصاحة والبلاغة لما فيه من الغرابة، ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ))، كيف يكون القصاص الذي هو قتل القاتل حياة؟ حيث جعل الشيء محل ضده، فإن القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكاناً ومرساً للحياة، وعرّف القصاص ونكّر الحياة، (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)، وهذا يدل على أن في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه حتى كاد يفني بكر بن وائل؟! كان يقتل بالمقتول غير قاتله كما يحصل الآن في الصعيد للأسف الشديد من عادة الثأر، يقتل القاتل فيقتلون رجلاً من العائلة يكون موازياً للمقتول في الوجاهة الاجتماعية أو غير ذلك من الأمور.
فهذا من آثار الجاهلية والعياذ بالله، فيجب أن يقتل القاتل، وليس بهذه الطريقة الفوضوية الجاهلية التي نراها في الصعيد.
يقول: وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة، ويقع بينهم التناحر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أي حياة! وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل؛ لأن القاتل يمتنع من القتل، فإذا أراد أن يقتل، عرف أنه يقتل، فيرتدع وينزجر.
((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) يعني: أن تقتلوا، فإذا انكف القاتل عن القتل ماذا يحصل؟ يحيا هو ويحيا الذين كان يريد أن يقتلهم، فهي حياة له ولهؤلاء؛ لأنه إذا هم بالقتل فعلم أنه يقتص منه ارتدع فسلم صاحبه من القتل وسلم هو من القود، والقود هو القصاص؛ سمي بذلك لأن القاتل كان يقاد بحبل إلى أن يقتص منه، فالقصاص سبب حياة نفسين.
стр. 225
بلاغة قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة)
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع المعاني بالغة إلى أعلى الدرجات؛ لأن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثيرة.
فقد حاول العرب الفصحاء البلغاء أن يعبروا عن هذا المعنى بكثير من الألفاظ، وعددوها حتى تنوعت وتكاثرت، ومع ذلك لا يقوى واحد منها أبداً أن يوازى بكلام الله .
مثل قولهم: قتل البعض إحياء للجميع.
وقولهم: أكثروا القتل ليقل القتل.
يقول القاسمي سننتقي أجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب ونقارنها بقوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) فانتقى القاسمي أروع ما عند العرب في هذا الباب, وأبلغ وأفصح ما أثر عنهم في التعبير عن هذه المعاني.
يقول: وأجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم: القتل أنفى للقتل، وقد كانوا قبل نزول القرآن متفقين على استجادة معنى كلمتهم، واستجادة لفظها، ومعلوم لكل ذي لب أن بينها وبين ما في القرآن كما بين الله والمخلوقين، الفرق بين قوله تعالى: ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)) وبين قول العرب: القتل أنفى للقتل كما بين كلام الله وبين كلام المخلوق، والفرق بينهما كالفرق بين الله وبين خلقه، وأنى لها الوصول إلى رشاقة القرآن وعذوبته؟! قال في الإتقان: وقد فضلت هذه الجملة على أبلغ ما كان عند العرب في هذا المعنى، وهو قولهم: القتل أنفى للقتل، وإنما كان هذا أفضل ما كان عند العرب من البلاغة لقلة الألفاظ مع سعة المعاني، فهذه أقل الألفاظ التي أثرت عن العرب: القتل أنفى للقتل، وقد فضلت هذه الآية بعشرين وجهاً أو أكثر على قولهم: القتل أنفى للقتل.
وقد أشار ابن الأثير إلى إنكار هذا التفضيل، وقال: لا تشبيه بين كلام الخالق وكلام المخلوق، وهذا كلام صحيح، كيف يقارن كلام الخالق بكلام المخلوق، حتى يقال: إنه أفضل من عشرين وجهاً؟! فلا وجه للمقارنة، ولكن العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم من ذلك، وإن كان يخفى عليهم أضعاف أضعاف ما ذكروه مما لا يعلمه إلا الله من الحكم، لكن من باب تدبر القرآن نتأمل في هذه الوجوه وننظر.
يقول: الأول: أن ما يناظره من كلامهم -وهو القصاص حياة- أقل حروفاً، فإن حروفه عشرة، وحروف القتل أنفى للقتل أربعة عشر، فهذا أول الوجوه من حيث الوجازة.
الثاني: أن نفي القتل لا يستلزم الحياة، فحينما نقول: القتل أنفى للقتل، فنفي القتل لا يستلزم الحياة، لكن حينما يقول الله ﵎: ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ))، فالقصاص حياة، فهنا نص على ثبوت الحياة، في حين أن عبارة العرب إنما تنفي القتل فقط لكنها لا تنص على ثبوت الحياة، والحياة هي الغرض المطلوب من القصاص.
الثالث: أن تنكير حياة يفيد التعظيم، فيدل على أن في القصاص حياة متفاضلة كقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦]، ذكرنا أنها حياة حتى ولو خفيفة، ويمكن أن يقال: القصاص حياة يعني: طويلة، ولا كذلك المثل، فإن اللام فيه للجنس؛ ولذا فسروا الحياة فيه بالبقاء.
فإذاً: حياة تنكيرها يصير تعظيماً، فيدل على أن في القصاص حياة متفاضلة، ولا كذلك المثل.
الرابع: أن الآية فيه مطردة بخلاف المثل، ففي كل قصاص حياة في كل الأحوال، أما القتل فلا يشترط أن كل قتل يكون أنفى للقتل، بل قد يكون أدعى له، وهو القتل ظلماً، بل إنما ينفيه قتل خاص، وهو القصاص، فلو قتل رجل آخر ظلماً فهل هذا القتل ينفي القتل أم أنه يكون مدعاة لمزيد من القتل؟ يكون مدعاة لحصول مزيد من القتل.
فإذاً: كلامهم ليس على إطلاقه، وليس مطرداً؛ لأنه ليس كل أنواع القتل تكون أنفى للقتل بل بعضها قد تكون مجلبة للقتل، بخلاف القصاص الذي هو نوع مخصوص من القتل، فلذلك نراعي هنا الفرق بين كلمة القصاص وبين كلمة القتل.
الخامس: أن الآية خالية من تكرار لفظ القتل الواقع في المثل، والخالي من التكرار أفضل من المشتمل عليه وإن لم يكن مخلاً بالفصاحة، فقولهم: القتل أنفى للقتل، تكررت فيه كلمة القتل، وهذا لا يخل بالفصاحة، لكن بلا شك أن الخالي من التكرار أفضل من الذي يشتمل على التكرار.
الوجه السادس: أن الآية مستغنية عن تقدير محذوف (القصاص حياة)، بخلاف قولهم ففيه حذف، فتقديره: القتل أنفى للقتل من عدم القتل، فإن (أنفى) أفعل تفضيل لابد أن يقدر له محذوف.
أيضاً: حذف قصاصاً مع القتل الأول، وظلماً مع القتل الثاني، ففي المثل حذف كثير، فإن الذي يقصده العرب هو: القتل قصاصاً أنفى للقتل ظلماً من عدم القتل، وحتى تفهم النص العربي لا بد أن تقدر كل هذا، أما الآية فهي مستغنية عن تقدير محذوف.
السابع: أن في الآية طباقاً؛ لأن القصاص عكس الحياة، بخلاف المثل، فإن العرب قالوا: القتل أنفى للقتل، فهنا تشابه واضح، بخلاف الطباق بين القصاص والحياة، وهذا من أنواع البديع.
الثامن: أن الآية اشتملت على فن بديع، وهو جعل أحد الضدين الذي هو الفناء والموت محلاً ومكاناً لضده الذي هو الحياة، وهذا من أروع ما يكون؛ لأن أحد الضدين الذي هو الفناء والموت جعله محلاً ومكاناً لضد الموت وهو الحياة، واستقرار الحياة في الموت مبالغة عظيمة، نقله في الكشاف، وعبر عنه صاحب الإيضاح بأنه جعل القصاص كالمنبع للحياة، ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)) كأن القصاص هو الذي تنبع منه الحياة، فهو بلا شك أروع ما يكون من البلاغة ومن البديع، فجعل القصاص كالمنبع للحياة والمعدن لها بإدخال كلمة في: ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ)).
التاسع: أن في المثل توالي أسباب كثيرة خفية وهو السكون بعد الحركة وذلك مستكره، فإن اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكن اللسان من النطق به، وظهرت بذلك فصاحته، فالكلام الذي تكون حركاته سهلة ومتتالية غير الكلام الذي يكون فيه بين وقت وآخر السكون، كما في الآية: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) لكن في المثل: القتل أنفى للقتل.
يقول: فإن اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكن اللسان من النطق به، وظهرت بذلك فصاحته، بخلاف ما إذا تعقب كل حركة سكون، فالحركات تنقطع.
يقول: نظيره إذا تحركت الدابة أدنى حركة فحبست ثم تحركت فحبست لا تطيق إطلاقها، ولا تتمكن من حركتها على ما تختاره فهي كالمقيدة.
إذاً: هذا الفرق أيضاً من حيث اللغة، فالقتل أنفى للقتل غير (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ).
العاشر: أن المثل كالمتناقض من حيث الظاهر؛ لأن الشيء لا ينفي نفسه، فقولهم: القتل أنفى للقتل، هل الشيء ينفي نفسه؟! الشيء لا ينفي نفسه، فهذا فيه تناقض من حيث الظاهر.
الحادي عشر: سلامة الآية من تكرير القاف، وبعدها عن غنة النون.
стр. 226
تفسير قوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت)
قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٨٠].
قوله تعالى: (كتب عليكم) يعني: فرض عليكم.
(إذا حضر أحدكم الموت) المقصود: إذا حضر أحدكم الموت يعني: أسباب الموت وأمارات الموت ومقدماته، وليس الموت الحقيقي؛ لأنه إذا حضر أحدنا الموت الذي تنزع فيه الروح لن يجد وقتاً للوصية، لكن المقصود هنا: أسباب الموت ومقدماته.
(إن ترك خيراً الوصية) إن ترك خيراً أي: مالاً، وهذه أحد المواضع التي سمى فيها القرآن الكريم المال خيراً، ونظيرها قوله ﵎: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨]، (حب الخير) المقصود به المال، كذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة:٢٧٢]، المقصود به المال، وكذلك قول موسى ﵇ كما حكاه الله ﵎: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤] فالمقصود بالخير المال.
وقوله: ((إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ)) إشارة إلى إن المال الذي تحصل الوصية به ما كان مجموعاً من وجه حلال محمود، فهذا هو الذي يسمى خيراً، فإن المال لا يقال له خير إلا إذا كان كثيراً ومن مكان طيب، فالمال الذي يكون خيراً ويوصف بكلمة خير لابد أن يكون كثيراً ووفيراً وليس مالاً قليلاً، ومن مكان طيب، أي: من مصدر حلال، فهذا هو الذي يوصف بالخير، لكن مال قليل من مصدر حلال أو مال كثير من مصدر غير طيب لا يسمى خيراً.
فقوله تعالى هنا: ((إِنْ تَرَكَ خَيْرًا)) فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا أتته علامات الموت أو أمارات الموت وليس عنده مال كثير، وورثته فقراء، فهذا لا يدخل في الأمر بالوصية هنا، إنما الوصية لمن ترك مالاً وفيراً.
((إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ)) (خيراً) يعني: مالاً، (الوصية) وهو مرفوع بِكُتِب، وتقدير الكلام: كتب عليكم الوصية إذا حضر أحدكم الموت، يعني: وقت حضور الموت، (إن ترك خيراً الوصية) يعني: فليوص.
((لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ)) يعني: بالعدل، ولا يكون عدلاً إلا إذا لم يزد عن الثلث، ولم يفضل الغني.
وهذا الجزء من سورة البقرة حافل بالأحكام الشرعية الكثيرة جداً، فنحن نكتفي بهذه الإشارات العابرة ونرجو أن تفصل في أوقات أخرى.
الوصية تكون -كما ذكرنا- لمن ترك مالاً كثيراً وورثته أغنياء، فيوصي بالثلث ولا يزيد على الثلث، واستحب بعض العلماء أن يقلل عن الثلث كما نصح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وأيضاً لا يفضل الغني في إعطاء الوصية.
(حقاً على المتقين) مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله.
(على المتقين) يعني: على المتقين الله، الذين يتقون الله.
وقوله: ((كُتِبَ عَلَيْكُمْ)) يعني: فرض، وهذا الحكم منسوخ، وهذا الموضع أوضح نموذج يدل على جواز نسخ القرآن بالسنة، فإن هذه الآية منسوخة بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) والوارث هو الذي أنزل الله فريضته في القرآن الكريم كما في سورة النساء، فقد أعطى الله كل ذي حق حقه، فما دام الشخص يرث فليس له نصيب في الوصية، وهذا البلاء الآن منتشر للأسف بسبب جهل الناس، تجد الرجل يوصي لأولاده الذكور دون الإناث، ولا ينبغي أن يوصي للورثة ولو للذكور والإناث، والعطاء في حال الحياة هبة، أما أن يقول: إذا مت فأعطوا فلاناً كذا من أولاده فهذه وصية، والوصية لا تجوز للوارث؛ لأن الله قد أعطى هذا الوارث حقه بآيات الفرائض المعروفة في سورة النساء.
إذاً: الوصية تكون لغير الوارثين، فيعطي -مثلاً- الأقارب الذين لا يرثون مثل أولاد ابنه المتوفى أو غيرهم من أقربائه، ويجوز أن يوصي إلى جهة من جهات الخير مثل ملاجئ أيتام مستشفيات وغير ذلك من الأعمال الخيرية.
ووجوب الوصية منسوخ بآيات الميراث، وبحديث: (لا وصية لوارث) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
стр. 227
تفسير قوله تعالى: (فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه)
قال تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة:١٨١] يعني: من بدل الإيصاء من شاهد أو وصي.
(بعد ما سمعه) يعني: بعد ما علمه.
﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾ [البقرة:١٨١] أي: إثم الإيصاء المبدل.
﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة:١٨١]، السياق كان يقتضي أن يقال: فإنما إثمه عليهم، أي: على الذين سبق ذكرهم في قوله: ((فَمَنْ بَدَّلَهُ))، لكنه أقام الظاهر مقام المضمر إشارة إلى جريمتهم بالتبديل، وأنها التي تستوجب عقوبتهم كما سيأتي.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ [البقرة:١٨١] لقول الموصي.
﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٨١] بفعل الوصي فمجاز عليه، ويترتب على أن الله سميع عليم أنه سيجازيه.
﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ [البقرة:١٨٢] أحياناً يطلق الخوف على العلم، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء:٣] أي: إن علمتم، كذلك هنا: (فمن خاف) يعني: توقع أو علم، تقول مثلاً: أخاف أن تمطر السماء، يعني: أتوقع وأظن أن تمطر، فالتوقع والظن الغالب الجاري مجرى العلم يطلق عليه الخوف.
(فمن خاف من مُوْصٍ) أو (من مُوَصٍّ) قراءتان.
(جنفاً) يعني: ميلاً عن الحق خطأً، فالجنف هو الميل عن الحق عن طريق الخطأ لا العمد.
(أو إثماً) بأن تعمد ذلك بالزيادة على الثلث أو تخصيص غني مثلاً.
(فأصلح بينهم) يعني: أصلح بين الوصي والموصى له بالأمر بالعدل، وهذا الإصلاح يترتب عليه تبديل الوصية؛ لأن الوصي مال عن الحق خطأ أو أَثِم بتعمد الجور والظلم في الوصية.
(فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم) بين الوصي والموصى له عن طريق إقامة العدل بينهم.
﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٨٢] أي: لا يأثم بهذا التبديل، بل هذا من فروض الكفاية، فيجب على المسلمين أن يتصدوا لمن يوصي وصية جائرة بأن يصلح بينهم بإقامة العدل وهو شرع الله .
(فأصلح بينهم فلا إثم عليه) أي: في ذلك التبديل لماذا؟ لأنه بدل الباطل بالحق الذي يوافق شرع الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٨٢].
стр. 228
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام إن كنتم تعلمون)
قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] (كتب) يعني: فرض عليكم الصيام.
(كما كتب) كما فرض على الذين من قبلكم، يعني: لستم وحدكم من الأمم في هذه الفريضة.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] أي: المعاصي؛ لأن الصيام يكسر الشهوة الباعثة إلى المعاصي.
قال تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] نصب بالصيام أو يقدر: صوموا أياماً معدودات.
(معدودات) أي: قلائل أو مؤقتة بعدد معلوم وهي رمضان كما سيأتي، وقلله تسهيلاً على المكلفين، يعني: في كل السنة تصوم شهراً واحداً، لذلك قال: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)، رحمة وتسهيلاً على المكلفين وتخفيفاً.
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤] يعني: حين شهود شهر رمضان.
﴿مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة:١٨٤] أي: مسافراً سفر القصر، وأجهده الصوم في الحالين المرض أو السفر فأفطر ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] (عدة) يعني: فعليه عدة ما أفطر، يعني: نفس العدد الذي أفطره يقضيه.
(من أيام أخر) يعني: يصوم هذا بدله.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٤] يعني: وعلى الذين لا يطيقونه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه (مرض مزمن).
﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] يعني: فدية هي طعام مسكين، يعني: قدر ما يأكله المسكين في اليوم، وفي قراءة بإضافة (فدية) وهي للبيان.
وقيل: (لا) غير مقدرة في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٤]، فنحن قلنا: التقدير: وعلى الذين لا يطيقونه لكبر أو مرض مزمن فدية طعام مسكين، وقيل: (لا) غير مقدرة، وكانوا مخيرين في صدر الإسلام بين الصوم والفدية، ثم نسخ التخيير بتعيين الصوم بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، قال ابن عباس: إلا الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفاً على الولد فإنها باقية بلا نسخ في حقهما.
﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة:١٨٤] يعني: بالزيادة على القدر المذكور في الفدية، بدل أن يخرج مداً أخرج صاعاً.
(فهو خير له) أي: التطوع خير له وأفضل.
﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤] (أن تصوموا) مبتدأ مصدر مؤول من أن والفعل، وخبره (خير لكم)، والتقدير: وصيامكم خير لكم من الإفطار والفدية.
﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤] أنه خير لكم فصوموا تلك الأيام.
стр. 229
تفسير قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن)
قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] يعني: من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر منه.
﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾، هدى حال، أي: هادياً من الضلالة.
﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ أي: آيات واضحات.
﴿مِنَ الْهُدَى﴾ مما يهدي إلى الحق من الأحكام.
﴿وَالْفُرْقَانِ﴾ يعني: ومن الفرقان الذي يفرق به بين الحق والباطل.
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ﴾ يعني: من حضر ولم يكن مسافراً، ﴿الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ تقدم تفسيره في الآية السابقة، فلماذا كرر؟ كرر لئلا يتوهم نسخه بتعميم (فمن شهد)؛ لأنه قد يتوهم أن قوله ﵎: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ يعني: كلكم يجب أن تصوموا حتى لو كنتم مرضى أو مسافرين، فكرر الله هذه الرخصة للمريض وللمسافر لأنه قد يتوهم أن هذه الآية تنسخ ما قبلها في قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة:١٨٤]، فكررها حتى يدفع هذا التوهم.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ولذا أباح لكم الفطر في المرض والسفر، ولكون ذلك في معنى العلة أيضاً للأمر بالصوم فقد عطف عليه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ (ولتُكْمِلوا) بالتخفيف، وبالتشديد: (ولتُكَمِّلوا) في القراءة الأخرى: أي: عدة صوم رمضان.
﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ يعني: عند إكمال هذه العدة.
﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أي: ما أرشدكم لمعالم دينه.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون الله على ذلك.
стр. 230
تفسير قوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب)
سأل جماعة النبي ﷺ : (أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزل: ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)) [البقرة:١٨٦]) يعني: قريب منهم بعلمي.
ويلاحظ أن هذه الآية امتازت عن غيرها من آيات السؤال كقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ [النساء:١٧٦]، يسألونك عن كذا، قل كذا، لكن في هذا الموضع بالذات لم يأت بصيغة يسألونك عن الله فقل إني قريب، لماذا؟ فالله هو الذي يبادر ويخبر العباد بهذه الحقيقة، فمن رحمته بهم يفتح لهم هذا الباب من الخير الذي هو باب الدعاء.
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ أي: قريب منهم، ويفسر القرب بالعلم بالسمع بالبصر بالإحاطة، وليس المقصود القرب بالذات، فإن الله بائن من خلقه لا يمتزج بهم، تعالى الله عن ذلك.
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ يعني: أجيبه ما سأل.
﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ يعني: يجيبوا لي دعائي لهم بالطاعة.
﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ يعني: يدوموا على الإيمان ويثبتوا عليه.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ أي: يهتدون.
стр. 231
تفسير قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم)
قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] (الرفث) بمعنى: الإفضاء، والإفضاء يعدى بإلى، أما الرفث فيعدى بالباء، يقال: رفث بالمرأة، لكن لأن الرفث هنا بمعنى الإفضاء عداه بإلى فقال: (الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) يعني: بالجماع.
والرفث أصله قول الفحش، قال الله: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، وكنى به هنا عن الجماع، وسنة الله التكنية عما يستقبح ذكره صريحاً كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف:١٨٩]، وكقوله ﵎: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣].
((أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ))، نزل نسخاً لما كان في صدر الإسلام من تحريمه، وتحريم الأكل والشرب بعد العشاء أو إذا نام قبل ذلك، فقد كان الإنسان إذا تعشى يحرم عليه بعد ذلك المفطرات بقية الليل، أو إذا نام قبل أن يتعشى فلا يحل له أن يأتي شيئاً من المفطرات أيضاً في الليل، كما حصل لـ قيس بن صرمة فغشي عليه نصف النهار من الجوع إذ تأخرت امرأته في تحصيل الطعام وغابت عنه ساعات، فلما رجعت وهو نائم قالت له: خيبة لك! فصام اليوم الثاني ولم يكن قد أفطر في اليوم السابق ولا تسحر، فغشي عليه في نصف النهار، رواه البخاري.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ هذا كناية عن تعانقهما أو احتياج كل منهما إلى صاحبه، يقول الراغب: جعل اللباس كناية عن الزوج لكونه ستراً لنفسه ولزوجه أن يظهر منهما سوء.
فالمفروض أن الزوج يستر امرأته وهي أيضاً تستره، فكل منهما لباس بمعنى أنه يستر الآخر كما أن الملابس تستر البدن، فكل منهما ينبغي أن يكون ستراً للآخر، فلا يكشف عيبه، ولا يفشي سره، ولا يظهر أي عيب فيه، كما أن اللباس ستر يمنع أن يبدو منه السوءة، وعلى ذلك كني عن المرأة بالإزار، فوصفت بأنها إزار الرجل لأنها تستره.
وأيضاً سمي النكاح حصناً لكونه حصناً لذويه من تعاطي القبيح، والمحصن أحياناً يأتي بمعنى المتزوج.
إذاً: المعنى: (هن لباس لكم) يعني: أنتم تسترونهن وهن يسترنكم، وهذا ألطف من قول بعضهم: شبه كل واحد من الزوجين لاشتماله على صاحبه في الضم باللباس المشتمل على لابسه.
قال الزمخشري: فإن قلت: ما موقع قوله: ((هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ))؟ قلت: هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، يعني: أشار بهذا التعبير إلى الحكمة من أن الله أحل لهم الرفث إلى النساء في ليالي رمضان بعد أن كان قد حرم عليهم؛ لأنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن، وصعب عليكم اجتنابهن؛ فلذلك رخص لكم في مباشرتهن، ولذلك قال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾، اختيان النفس هو نزوعها إلى رغبتها، ومنه قولهم: خانته رجلاه، إذا لم يقدر على المشي.
أي: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم لو لم يحل لكم ذلك، علم الله أنه إذا لم يبح لكم هذا فإنكم كنتم سوف تختانون أنفسكم، فأحله رحمة بكم ولطفاً.
وفي الاختيان وجه آخر وهو أنه عنى به مخالفة الحق بنقض العهد، أي: كنتم تظلمونها بتعريضها للعقاب لو لم يحل ذلك لكم، قالوا: والاختيان أبلغ من الخيانة، ففيه زيادة وشدة.
﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: تخونون أنفسكم بالجماع ليلة الصيام، وقد وقع ذلك لـ عمر وغيره كما رواه أحمد وابن أبي حاتم بسند حسن وغيرهم، واعتذروا إلى النبي ﷺ .
وإذا صح هذا فعلى العين والرأس، وإن لم يصح فيكون المعنى: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم لو لم يبح لكم ذلك، لشدة ومشقة ذلك عليكم.
﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قبل توبتكم.
﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ يعني: إذ أحل لكم إتيانهن.
﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ أي: جامعوهن.
﴿وَابْتَغُوا﴾ هذا الأمر على الإباحة ليس على الإيجاب؛ لأنه سبقه حظر، ومعنى (وَابْتَغُوا) أي: اطلبوا.
стр. 232
معنى قوله تعالى: (وابتغوا ما كتب الله لكم)
قوله تعالى: ﴿وَابتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: ما أباحه لكم من الجماع أو ما قدره لكم من الولد.
قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، تأكيد لما قبله، أي: ابتغوا هذه الرخصة التي أحلها لكم، و (كتب) هنا بمعنى: جعل، كقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢] يعني: جعل في قلوبهم الإيمان، وقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٥٣] يعني: فاجعلنا مع الشاهدين، وقوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦] يعني: سأجعلها.
وقد تكون بمعنى: قضى، (ابتغوا ما كتب الله لكم) يعني: ما قضى كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١] يعني: إلا ما قضاه لنا، وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١] يعني قضى، وقوله: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] يعني: قضي.
قال الراغب: في الآية إشارة في تحري النكاح إلى لطيفة وهي: أن الله تعالى جعل لنا شهوة النكاح لبقاء نوع الإنسان إلى غاية، كما جعل لنا شهوة الطعام لبقاء أشخاصنا إلى غاية، فحق الإنسان أن يتحرى بالنكاح ما جعل الله له على حسب ما يقتضيه العقل والديانة، فمتى تحرى به حظ النفس وحصن النفس على الوجه المشروع فقد ابتغى ما كتب الله له، وإلى هذا أشار من قال: على الولد، ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني: الذرية والأولاد.
وقال هنا: ((وَابْتَغُوا)) أي: اطلبوا.
((مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)) أي: أباحه من الجماع أو قدره من الولد.
стр. 233
معنى قوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر)
قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ أي: الليل كله، وهذا الأمر على الإباحة، والمعنى: وكلوا واشربوا الليل كله، فهو مباح لكم.
﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ أي: يظهر.
﴿لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ يعني: من الفجر الصادق، أي: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر الصادق من الخيط الأسود من الليل، فقوله: (من الفجر) متعلق بالخيط الأبيض، وحذف (من الليل) المتعلق بالخيط الأسود.
شبه ما يبدو من البياض وما يمتد معه من الغبش بخيطين أبيض وأسود في الامتداد.
﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ أي: ثم أتموا الصيام من الفجر إلى الليل، ولابد من تقدير كلمة (من الفجر) إلى الليل، وما الدليل على تقدير (من الفجر)؟ الدليل ما قبلها: (حتى يتبين لكم)، وقوله: (إلى الليل) يعني: إلى دخول الليل بغروب الشمس.
﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ أي: نساؤكم.
﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ المقصود هنا الوطء، (وأنتم عاكفون) يعني: مقيمون بنية الاعتكاف ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾، وهذا نهي لمن كان يخرج وهو معتكف فيجامع امرأته ويعود، وهذا لا يحل في الاعتكاف لا في الليل ولا في النهار.
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ تلك الأحكام المذكورة حدود الله حدها لعباده ليقفوا عندها.
﴿فَلا تَقْرَبُوهَا﴾، هذا أبلغ من (لا تعتدوها) في هذا الموضع؛ لأنه إذا نهى عن الاقتراب فمن باب أولى أن ينهى عن التعدي.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ﴾ يعني: بين لكم ما ذكر.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يعني: يتقون محارمه.
стр. 234
تفسير قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)
قال : ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] أي: لا يأكل بعضكم مال بعض.
((بِالْبَاطِلِ)) أي: بالحرام شرعاً كالسرقة والغصب.
﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ أي: ولا تدلوا، فهنا (تدلوا) معطوفة على ما قبلها، فالمقصود: ولا تأكلوا ولا تدلوا، أي: لا تلقوا بها إلى الحكام، لا تلقوا بها أي: بحكومتها، وذلك: بإقامة الدعوى بها باطلاً، أو بالأموال رشوة.
﴿لِتَأْكُلُوا﴾ يعني: بهذا التحاكم.
﴿فَرِيقًا﴾ أي: طائفة.
﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ﴾ أي: متلبسين بالإثم.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أنكم مبطلون في هذا.
ونزيد هذا المعنى إيضاحاً: يقول ﵎: ((وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)) قال ابن جرير: يعني تعالى ذكره بذلك: ولا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، فجعل بذلك آكل مال أخيه بالباطل كالآكل مال نفسه بالباطل.
وهذا إشارة إلى حرمة مال المسلمين.
وقوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ) جعل مال الإخوة كأنه مالك أنت؛ فلذلك يجب الاجتهاد في حفظ أموال المسلمين كما تحفظ مالك، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١] أي: إخوانكم، وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩] يعني: لا يلمز بعضكم بعضاً، ولا يقتل بعضكم بعضاً؛ لأنه تعالى جعل المؤمنين إخوة، والعرب تكني عن نفسها بأخواتها، وعن أخواتها بأنفسها؛ لأن أخا الرجل عندها كنفسه، فتأويل الكلام: ولا يأكل بعضكم أموال بعض فيما بينكم بالباطل، وأكله بالباطل أكله من غير الوجه الذي أباحه الله لآكليه، فالفارق بين الحق والباطل في المال بين الذي يحل لك والذي لا يحل لك هو حكم الشرع، ليس الهوى وليس الاتفاق؛ لأن الناس قد يتراضون على أكل الأموال بالباطل، مثل بعض العقود المحرمة، كالذي يتعامل بالربا في عقد ربوي بالتراضي، ويقول: نحن متفقون.
فنقول: التراضي أحد شروط صحة البيع، لكن هناك شروط أخرى، وأهمها وأعظمها: أن توافق الشرع.
أيضاً: المال الذي يعطى لفرقة الموسيقى التي يأتون بها في الأفراح هو من أكل الأموال بالباطل، ويحرم على الرجل أن يدفع لهؤلاء مالاً، ويحرم على هؤلاء أن يأخذوا هذا المال؛ لأن الذي يحل ويحرم هو الله، والله حرم ذلك.
وهكذا أي نوع من العقود المحرمة مثل: ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن الذي يدفع للسحرة والعرافين، والرشوة؛ كل هذا من أكل أموال الناس بالباطل، فكل مال يعطى للرجل وهو غير حلال له شرعاً فهذا من أكل الأموال بالباطل.
وقوله: ((بَيْنَكُمْ)) إما أنها ظرف (لتأكلوا) يعني: لا تتناولوها فيما بينكم بالأكل، أو أنه حال من الأموال، أي: لا تأكلوها كائنة بينكم ودائرة بينكم، (بالباطل) يعني: متلبسين بالباطل.
стр. 235
تفصيل معنى قوله تعالى: (وتدلوا بها إلى الحكام)
قوله: ((وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ)) المقصود أنكم تترافعون إلى الحكام، وتدعون دعاوى كاذبة في حق بعضكم حتى تأكلوا الأموال بالباطل.
وقوله: (وتدلوا) مجزوم عطفاً على النهي، يعني: ولا تدلوا، وفي قراءة أبي (ولا تدلوا) بإثبات لا الناهية، والإدلاء مأخوذ من الدلو، وهو إرسال الدلو في البئر للاستقاء، ثم استعير لكل إلقاء قول أو فعل يتوصل به إلى شيء، فكل من ألقى شيئاً ليتوصل به إلى شيء يقال: قد أدلى، ومنه يقال للمحتج الذي يحتج ويقيم الحجة: أدلى فلان بحجته، كأنه يرسل الحجة حتى يصل إلى مراده، كإدلاء المستقي الدلو ليصل إلى مطلوبه من الماء، وفلان يدلي إلى الميت بقرابة أو رحم إذا كان منتسباً إليه؛ فيطلب الميراث بتلك النسبة، يدلي إليه بقرابة، فكأنه اتخذ من هذه القرابة سبباً يوصله إلى حقه من الميراث.
والباء في قوله: (وتدلوا بها) صلة الإدلاء، والمعنى: لا تلقوا أمرها والحكومة بها إلى الحكام، أو لا تلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة ليعينوكم على اقتطاع أموال الناس، (وقد لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش -وهو الواسطة الذي يمشي بينهما-) رواه أهل السنن، وذلك لأن ولي الأمر إذا أكل هذا السحت -وهي: الرشوة، وتسمى أحياناً بالهدية، والإكرامية، والقهوة- احتاج أن يسمع الكذب من شهادة الزور وغيرها مما فيه إعانة على الإثم والعدوان.
وولي الأمر إنما جعل ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، هذا مقصود الولاية، وإذا كان الوالي يمكن من المنكر بمال يأخذه كان قد أتى بضد المقصود، مثل من نصبته ليعينك على عدوك فأعان عدوك عليك، وبمنزلة من أخذ مالاً ليجاهد به في سبيل الله فقاتل المسلمين، فالحاكم أو القاضي إنما جعل ليقيم العدل بين الناس، وليحمي الناس من ظلم بعضهم لبعض، فإن كان ظالماً فقد أتى بضد المقصود من ولايته، فيكون مثل من نصبته ليعينك على عدوك فأعان عدوك عليك.
((وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ)) (بها) الهاء تعود إلى الحكومة، وكلمة حكومة معناها في مثل هذا السياق وفي كلام السلف ليس المعنى السياسي الذي يتبادر الآن إلى أذهاننا، بل المعنى رفع الدعوة إلى القاضي، هذه تسمى حكومة.
((وَتُدْلُوا بِهَا)) يعني: بهذه الحكومة والدعوة، وترفعونها إلى القضاء.
((إِلَى الْحُكَّامِ)) جمع حاكم، وهو منفذ الحكم بين الناس.
стр. 236
معنى قوله تعالى: (لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم)
قوله تعالى: ((لِتَأْكُلُوا)) يعني: بواسطة حكمهم الفاسد وبالتحاكم إليهم.
((فَرِيقًا)) يعني: طائفة وقطعة.
﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ﴾ (بالإثم) يعني: بأمر يوجب إثماً، كشهادة الزور، واليمين الفاجرة، والحكم الفاسد الناشئ عن رشوة، وهذا لا يفيد الحل.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يعني: وأنتم تعلمون أنكم على الباطل، وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح، وصاحبها أحق بالتوبيخ، فالتقييد بالعلم لزيادة تقبيح حالهم.
فقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ مثل: أكل المال، سرقة الأرض، غصب أي شيء من الحقوق، فيدلي بها إلى الحكام، أي: يرفع الحكومة والدعوة الظالمة الكاذبة إلى القاضي ويعطيه الرشوة.
﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا﴾، قطعة من أموال الناس.
((بِالإِثْمِ)) الإثم إما الرشوة للحاكم الذي يطاوعكم في هذا الظلم، أو لا يكون الحاكم ظالماً لكن أنت تأتي بشاهد زور، أو تحلف يميناً غموساً محرمة، فهذه كلها أنواع من الإثم.
стр. 237
معنى قوله تعالى: (وأنتم تعلمون)
قوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، إشارة إلى قبح حالكم؛ لأنكم لا تفعلون هذا وأنتم جاهلون بهذا، لكن أنت تعلم في قرارة نفسك أن هذا المال ليس من حقك، فأنت تعلم ولست تجهل، فهذا فيه تقبيح وتوبيخ لحالهم، والمقصود إن خفي ظلمكم على الناس، فإنهم لا يعلمون ما في نفوسكم، فأنت تعلم أن هذا حرام عليك.
والناس الآن في أوضاع مؤلمة جداً،، الشيء الحرام عند بعض الناس هو الذي يعجز عنه، لكن ما قدر عليه يكون حلالاً، فالفيصل عنده ليس أن هذا الشيء حقي عند الله أم ليس حقي، لكن الفيصل عنده هل أقدر عليه أم لا أقدر؟ فإذا قدر عليه فهو حلال له، والحرام عنده هو الذي يعجز عنه، هذا حال كثير من الناس إلا من رحم الله ، وللأسف هذا في عامة ما حرم الله، تجد مثلاً الفروج الحرام منها عند بعض الفسقة ما عجز عنه، أما إذا قدر عليه فهو حلال عنده، وهذا بلا شك مصادمة لشرع الله ﵎، وعدم خوف منه ﵎.
هذه الآية المقصود بها أن الحاكم يحكم بما يظهر له، والقاضي بشر يتعامل مع الوثائق بما يظهره الناس من شهادات أو يمين أو غير ذلك، فيمكن أن تعلم أن هذا ليس من حقك، والقاضي حكم لك، فلا تعتقد أن هذا حلال لك، ما دمت تعرف أنه حرام فهو حرام، وحكم الحاكم لا يحله، والحاكم أو القاضي معذور؛ لأنه حكم بما يظهر له بحسب الوثائق، لكن إن كنت تعلم أنه عند الله ليس حلالاً لك فسيبقى حراماً، ولا يحله لك حكم الحاكم، ولذلك قال: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: إن خفي ظلمكم على الناس فإنه لا يخفى عليكم، وهذا تنبيه على أن الاعتبار بما عليه الأمر في نفسه، وما علمتم منه، لا بما يظهر.
قال ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: هذه الآية في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بينة، فيأتي الآخر يريد حقه، فيجحد هذا المال، ويخاصم إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آكل حرام، فإذا حكم له القاضي لا يحل له ذلك.
وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم، وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (ألا إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له) أي: عنده قدرة على الكلام وتأويل الكلام كحال كثير من المحامين الذين لا يخافون الله ، وظيفته محامي، ويعتقد أنه يحل له أن يدافع عن الظالم، يكون الرجل قاتلاً ويدافع عنه، ويحاول أن يبرئه، ويفخر المحامي الظالم بأنه أخرجه من القضية كما تخرج الشعرة من العجين، وقد يكون المجرم تاجر مخدرات يحارب المسلمين أشد من الحرب النووية، ومع ذلك يفخرون بأن المحامي هذا ماهر؛ لأنه تمكن أن يبرئه تماماً من القضية، وهذا بسبب لحن القول، وقدرته على تزيين الكلام وزخرفته وتمويهه لستر هذه الجريمة أو غيرها من الجرائم، فالقاضي يحكم بما يظهر له.
يقول النبي ﵊: (ألا إنما أنا بشر مثلكم -يعني: لا أعلم الغيب- وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له -في بعض الروايات: فأقضي له بنحو مما أسمع-، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار) إذا كنت تعلم أن هذا ليس من حقك، ولكن لأنك فصيح والآخر عيي لا يستطيع الكلام غلبته بالكلام، فأنا أحكم على ما يظهر لمن يأتيني بالبينة، فقد يكون صاحب الحق ليس عنده بينة، وضع أمانته عند خائن، ففي هذه الحالة إذا حكمت بما يظهر فاعلم أن ما تأخذه إنما هو قطعة من النار، فليحملها أو ليذرها حسب خوفه من الله.
فدلت الآية الكريمة وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير حقيقة الشيء في نفس الأمر، فلا يحل في نفس الأمر حراماً ولا يحرم حلالاً، وإنما حكم القاضي يلزم قضاءً لا ديانة في الظاهر فقط، فإن طابق في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجره؛ لأنه اجتهد، وعلى المحتال وزره، ولهذا قال تعالى في آخر الآية: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجونه في كلامكم.
قال قتادة: اعلم -يا ابن آدم- أن قضاء القاضي لا يحل لك حراماً ولا يحق لك باطلاً، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشهود، والقاضي بشر يخطئ ويصيب، واعلموا أن من قضي له بباطل أن خصومته لم تنقض.
يعني: القضاء حسم الخصومة في الدنيا فقط، ولكنها ستحسم يوم القيامة، فليس كل ما تقدر عليه بحكم قاضي أو بسلطة أو بغير ذلك يكون حلالاً لك، إنما الحلال ما أحله الله.
يقول: واعلموا أن من قضي له بباطل أن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة فيقضي على المنكر للحق بأجود مما قضي به للمبطل على المحق في الدنيا.
стр. 238
تفسير سورة البقرة [١٨٩ - ١٩٥]
стр. 239
تفسير قوله تعالى: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج)
قال الله ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:١٨٩]، يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (يسألونك) يعني: يا محمد ﷺ .
(عن الأهلة) جمع هلال، لم تبدو دقيقة ثم تزيد حتى تمتلئ ثم تعود كما بدأت ولا تكون على حالة واحدة كالشمس؟! (قل هي مواقيت) يعني: قل لهم: هي مواقيت، جمع ميقات.
(للناس) يعني: يعلمون بها أوقات زرعهم ومتاجرهم وعدد نسائهم.
العدد جمع عدة، أي: ليحصوا عدة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها، وصيامهم وإفطارهم.
(والحج) الحج يدخل فيما سبق لكن الله أفرد الحج بالذكر لبيان شرفه وفضيلته على ما عداه من الأعمال.
(قل هي مواقيت للناس والحج) عطف على الناس، أي: ليعلم بها وقت الحج، فلو استمرت على حالة واحدة لم يعرف ذلك.
(وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) يعني: في الإحرام، بأن تنقبوا فيها نقباً تدخلون منه وتخرجون، وتتركوا الباب، وهم ناس من الأنصار كانوا يفعلون ذلك ويزعمونه براً.
(ولكن البر) يعني: ولكن ذا البر (من اتقى) يعني: الذي يتقي الله بترك مخالفته.
(وأتوا البيوت من أبوابها) يعني: في الإحرام وغيره، يعني: في حالة الإحرام كغير الإحرام ائتوا البيوت من أبوابها.
(واتقوا الله لعلكم تفلحون) أي: تفوزون.
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله! لم خلقت الأهلة؟ فنزلت هذه الآية.
وروى أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنمة قالا: يا رسول الله! ما بال الهلال يطلع دقيقاً مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان، ولا يكون على حال واحدة؟ يعني: لماذا القمر تعتريه هذه التغييرات زيادة ونقصاناً في حين الشمس تكون ثابتة على حال واحدة؟ فنزلت هذه الآية.
стр. 240
معنى قوله تعالى: (قل هي مواقيت للناس)
قوله تعالى: ((قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ)) يعني: معالم لهم في حل دينهم، فيعتمدون عليها في مواعيد حلول الدين، ولصومهم ولفطرهم وأوقات حجهم، وأجائرهم -يعني الإجارات- وأوقات الحيض، وعدد نسائهم، والشروط التي إلى أجل، فكل هذا مما لا يسهل ضبط أوقاتها إلا عند وقوع الاختلاف في شكل القمر زيادة ونقصاً؛ ولهذا ميزها عن الشمس التي تبقى دائماً على حالة واحدة.
قال بعض المفسرين: ثمرة الآية أن الأحكام الشرعية كالزكاة والعدد للنساء والحمل تتعلق بشهور الأهلة لا بشهور الفرس، أما ما يتعلق بالعقود والأفعال المتعلقة بفعل بني آدم فيتبع فيه العرف من حسابهم بالأهلة أو بشهور الفرس فهذا حكم وذاك حكم آخر.
إذاً: أي فعل علق الله عمله على زمن معين فهذا يجب الالتزام فيه بالأهلة وليس بالتقويم الشمسي، كالزكاة مثلاً، إذا أراد الإنسان أن يبحث هل حال الحول على زكاته أم لا، فلابد أن ينتبه إلى أن المقصود الحول الهجري وليس الحول الميلادي، فلابد من اعتبار حول السنة الهجرية المعروفة.
كذلك عدد النساء لا تحسب إلا بالشهور الهجرية، كذلك أيضاً الحمل، وغير ذلك، فهذه الأحكام التي لها علاقة بالأحكام الشرعية لابد من الالتزام فيها بالشهور الهلالية، أما العقود التي ينشئها الناس فيما بينهم أو غير ذلك من الأعمال التي لم تربط بأفعال شرعية فهذه يرجع فيها إلى العرف بالأهلة أو بغيرها.
وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في آيات كقوله : ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس:٥]، وقال تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:١٢]، آية الليل هي القمر، وآية النهار هي الشمس، ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء:١٢] أي: من غير افتقار إلى مراجعة المنجم وحساب الحاسب رحمة منه تعالى وفضلاً.
وإفراد الحج بالذكر هنا تنويه بشأنه، وتشريف له، وقال القفال: نكتة إفراده -يعني: النكتة في إفراد الحج بالذكر رغم دخوله في عموم ما قبلها- بيان أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرضه، وأنه لا يجوز نقل الحج من تلك الأشهر إلى أشهر غيرها كما كانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية.
والجمهور من القراء على فتح الحاء من كلمة (الحج)، والحسن على كسرها في جميع القرآن، وقال سيبويه: هما مصدران كالرد والذكر، وقيل: بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم.
والأهلة جمع هلال، وجمعه باختلاف زمانه، والمقصود هنا جمع هلال بمعنى أنه يختلف في الزمان من وقت إلى آخر، فالهلال غرة القمر إلى ثلاث ليال أو سبع، غرة القمر من أول ما يبدو الهلال من الليلة الأولى إلى ثلاث أو سبع ليال يسمى هلالاً، ثم يسمى بعد ذلك قمراً، وليلة البدر لأربعة عشرة.
قال أبو العباس: سمي الهلال هلالاً؛ لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه، فالإهلال رفع الصوت بالإخبار عن الهلال، وسمي بدراً لمبادرته الشمس بالطلوع كأنه يعجلها المغيب، وسمي بدراً لتمامه وامتلائه، وكل شيء تم فهو بدر.
стр. 241
سبب نزول هذه الآية
روى أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنمة قالا: يا رسول الله! ما بال الهلال يطلع دقيقاً مثل الخيط؟ يعني: كان يشغل السائلين تفسير هذه الظاهرة وبتعبير معاصر كأنهم كانوا يسألوه عن التفسير العلمي للزيادة والنقصان في الهلال، وكان يمكن أن يقول لهم النبي ﵊: إن هذا ناشئ عن الظل حينما تكون الأرض بين الشمس والقمر، فإذا حجب ظل الأرض القمر لا يظهر منه شيء، ثم إذا انحسر قليلاً يبدو الهلال، وكلما مر الوقت فإنه يزيد حتى يصير بدراً ثم ينعكس كما هو معروف في دورة القمر.
فهذا كأنه سؤال عما لا يغني وعما لا يفيد، فلذلك كان الجواب بما ينفع، فلم يفسر لهم هذا الذي كانوا يسألون عنه، وإنما انتقل إلى ما يفيدهم ويعود عليهم بالنفع تماماً كما أجاب النبي ﷺ الرجل الذي سأله: متى الساعة؟ فقال: (ما أعددت لها؟) فهو انصرف عن جواب سؤاله الذي لا يعنيه إلى ما يعنيه، ليس المهم متى الساعة، الساعة آتية ولو بعد أربعمائة سنة أو خمسمائة سنة أو أكثر أو أقل، وهذا لا يعنيك أنت، أنت لن تخلد شئت أم أبيت، أنت لك ساعتك، وقيامتك أنت يوم تموت، أما عمر الدنيا فهذا لا يعنيك، وهذا مما استأثر الله بعلمه، فانتقل إلى جوابه عما يفيده وما يعنيه، فقال: (ما أعددت لها؟ قال: لا شيء غير أني أحب الله ورسوله، فقال ﷺ : أنت مع من أحببت).
كذلك هذان الصحابيان قالا: يا رسول الله! ما بال الهلال يبدو أو يطلع دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان، ولا يكون على حال واحدة؟ فنزلت هذه الآية: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ))، فهنا أجاب السائل بغير ما كان يطلب، ونزل سؤاله منزلة غيره تنبيهاً للسائل على أن ذلك الغير هو الأولى بحاله، أو هو المهم له، فلما سأله عن السبب الفعلي للتشكلات النورية في الهلال، أجيب بما ترى من السبب الغائي تنبيهاً على أن السؤال عن الغاية والفائدة هو أليق بحالهم؛ لأن درك الأسباب الفاعلية لتلك التشكلات مبني على أمور من علم الهيئة لا عناية للشرع بها، وهذه تترك لأهل الدنيا يتكلمون فيها، كعادة القرآن في أن أمور الدنيا يترك الله الأمر فيها للناس؛ لأن الله أوضع فيهم القوة والقدرة العقلية على استنباط واكتشاف هذه الأشياء، لكن الشرع يخبرنا بالأمور المهمة التي تفيدنا، مثلاً: صراخ المولود الطبيعي حين يولد نجد الأطباء لهم تفسيرات تتواءم مع علمهم وأمور الدنيا، فيقولون مثلاً: من أجل أن يتنفس ويتفتق حلقه وغير ذلك من الأشياء التي هي من فوائد هذا الصراخ، في حين أن الوحي أخبرنا عن سبب آخر لا يتعارض مع هذه الأمور التي يمكن أن يعلمها الناس من أمور الدنيا، فتركها لهم ليكتشفوها، أما الذي لا سبيل إلى دركه فهو ما أخبر به النبي ﷺ في قوله: (ما من مولود يولد إلا ويستهل صارخاً إلا ابن مريم وأمه)؛ وذلك استجابة لدعوة امرأة عمران وهي أم مريم ﵍ حينما قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران:٣٦]، فيثبت النبي ﵊ أن كل مولد يولد يطعنه الشيطان في خاصرته؛ إعلاناً له بالعداوة من أول لحظة، وأنه سيتلقاه بالعداوة كما عادى أبويه من قبل، فهذا إعلان لعداوته له من أول لحظة ينزل فيها إلى الدنيا، فهذا لا يمكن أن يصل إليه العلم البشري، فلذلك تكفل الله بإيحائه إلى نبيه ﵊.
أما تفسيرات الظواهر الموجودة والمبثوثة في الآفاق وفي الكون وفي أنفسنا فتركت لأهل الدنيا يكتشفونها ويتحدثون عنها، أما الشرع فلا يهمه تفسير الهلال لماذا ينقص ويزيد وغير ذلك، فإنما يهمه الحكمة من وراء ذلك والغاية.
فذكر أن الغاية هي أن ذلك مواقيت للناس والحج.
يقول: فلو أجيبوا بأن اختلاف تشكلات الهلال بحسب محاذاته للشمس فإذا حاذاها طرف منه استنار ذلك الطرف، ثم تزداد المحاذاة والاستنارة حتى إذا تمت بالمقابلة امتلأ، ثم تنقص المحاذاة والاستنارة حتى إذا حصل الاجتماع أظلم بالكلية؛ لكان هذا الجواب اشتغالاً بعلم الهيئة الذي لا ينتفع به في الدين ولا يتعلق به صلاح معاشهم ومعادهم، والنبي ﷺ إنما بعث لبيان ما يصلح ديننا ودنيانا.
وقد روي أن النبي ﷺ قال: (من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة عن ابن عباس ﵄.
وقال علي ﵁: من طلب علم النجوم تكهن.
وهو من العلم الذي قال فيه رسول الله ﷺ : (علم لا ينفع وجهل لا يضر) وإن كان لا يصح هذا الحديث.
على أي حال هذا أسلوب من الأساليب الحسنة في الجواب، إشعاراً بأن الأولى السؤال عن الحكمة فيه وليس عن كيفية تشكله، ونظيره عند العرب أن شاعراً أتته امرأته تشكو إليه من كثرة الضيفان وقرى الأضياف، ونحتاج إلى الاستشهاد بهذه الأشعار؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، يقول الشاعر: أتت تشتكي عندي مداولة القرى وقد رأت الضيفان ينحون منزلي فقلت كأني ما سمعت كلامها هم الضيف جدي في قراهم وعجلي فلم يجبها فيما شكت إليه، وانتقل إلى ما يفيد ويجدي.
وكما قال أيضاً ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة:٢١٥]، سألوا عن بيان الشيء الذي يخرجونه، فأجيبوا ببيان المصرف الذي ينفقونه؛ لأن هذا هو الذي يفيدهم، فينزل سؤال السائل منزلة غير سؤاله لتوخي التنبيه له بألطف وجه على موضع سؤال هو أليق بحاله أن يسأل عنه، أو هو أهم له إذا تأمله، وهذا بلا شك: ينشط السامع إلى ما سمعه، وهذا الأسلوب الحكيم لربما طابق المقام فحرك من نشاط السامع ما سلبه حكم الوقوف، وأبرزه في معرض المذكور، وهل ألان شكيمة الحجاج في ذلك الخارجي، وسل سخيمته حتى آثر أن يحسن على أن يسيء، غير أن سحره بهذا الأسلوب؟ إذ توعده الحجاج بالقيد في قوله: لأحملنك على الأدهم، فقال متغاضياً -أي: الرجل قالها بصيغة التغاضي-: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب! فـ الحجاج كان يتهدده أنه يركبه على الفرس الأدهم، ويطاف به في الأسواق، وهذا أسلوب من أساليب المعاقبة من قبل.
فالرجل تغاضى عن ذلك وسحر الحجاج بأسلوبه حينما لجأ إلى هذا الأسلوب الحكيم الذي نتحدث عنه، فلما قال له: لأحملنك على الأدهم، أظهر له أنه فهم غير ما أراد، وهو يعلم حقيقة ذلك، ولكنه تغابى، وكأنه فهم أنه يريد أن يكرمه، وسيحمله على الفرس الأدهم، فقال: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب يعني: مثلك رجل شريف ذو سلطان ولا يليق بك أن تحمل على الأدهم، بل تحملنا على شيء أعظم من ذلك، فقال متغاضياً: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، مبرزاً وعيده في معرض الوعد، مترتباً بأن يريه بألطف وجه أن امرأ مثله في مكمل الإمرة المطاعة خليق بأن يفد لا أن يوفد، وأن يعد لا أن يوعد.
стр. 242
معنى قوله تعالى: (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها)
قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:١٨٩].
الباب: معروف، واستعير لمدخل الأمور المتوصل به إليها، فكل شيء يوصل إلى شيء يسمى باباً، ويقال في العلم: باب كذا.
وقد ذكرنا أن سبب نزول الآية السابقة أنهم سألوا: ما بال الهلال يبدو دقيقاً ثم يكبر ويزيد إلى أن يصير بدراً؟ وكأن هذه الآية أيضاً فيها توبيخ لهم على الاهتمام بمالا يعنيهم في أمر العلم: ((وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)) يعني: انشغلوا بما يفيدكم، وهذا المعنى فصله ووضحه الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى بكلام رائع في مقدمة كتابه الموافقات، وبفصل مستقل، وجعل ذلك مثلاً لسؤالهم النبي ﷺ عما ليس من العلم المختص بالنبوة؛ لأن ذلك عدول عن المنهج؛ وذلك أن العلوم ضربان: ديني ودنيوي يتعلق بأمر المعاش، كمعرفة الصنائع، ومعرفة حركات النجوم، ومعرفة المعادن والنبات وطبائع الحيوانات، وقد جعل لنا سبيلاً إلى معرفته من غير طريق النبي ﷺ ، تصوروا لو أن الصحابة أنفقوا عمرهم مع النبي ﵊ في تفسير كيف تهطل الأمطار، وكيف تدور الأفلاك، وكيف ينشأ عنها الليل والنهار، وكيف كذا وكذا مما يدرس الآن في العلوم الحديثة، فأي خسارة كانت ستعود على المسلمين إذا انشغل المسلمون والصحابة بذلك عما يصلح الدين وما يصلح الآخرة، وعن أركان هذا الدين، وعن تفاصيل العبادات والمعاملات، وتفاصيل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتفاصيل الأخلاق الإسلامية؟! هذه الأمور نعرفها بالخبرة البشرية، وبمرور الوقت تنكشف علوم الدنيا؛ لأنها متعلقة بالمعاش وبالدنيا.
أما الأمور الشرعية -وهو البر- فلا سبيل إلى أخذه إلا من جهة النبي ﷺ ، وهو أحكام التقوى: ((وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا))، فعوتبوا عندما جاءوا يسألون النبي ﷺ عما يمكنهم معرفته من غير جهته، فلو سألوا عالماً من أهل الهيئة فإنه سيشرح لهم موضوع الهلال كيف يزيد وينقص، فلما جاءوا يسألونه عما أمكنهم معرفته من غير جهته بين لهم أنه ليس البر سؤال النبي ﷺ عما ليس مختصاً بعلم نبوته، ولكن البر هو مجرد التقوى؛ وذلك يكون بالعلم والعمل المختص بالدين.
قال أبو مسلم الأصبهاني: المراد بهذه الآية ما كانوا يعملونه من النسيء، فإنهم كانوا يؤخرون الحج عن وقته الذي عينه الله له، فيحرمون الحلال ويحلون الحرام، فذكر إتيان البيوت من ظهورها مثل لمخالفة الواجب في الحج وشهوره.
وقد روى البخاري وغيره عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء رضي الله تعالى عنه يقول: نزلت هذه الآية فينا، كان الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها -يعني: من النافذة أو من فتحة الجدار- قال: فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه، وخالف هذه العادة التي كانت عند الأنصار في الجاهلية، فعيروه فنزلت: ((وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا))، وقول البراء: نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا إلى آخر الأثر؛ هذا بحسب ما ظنه هو، وليس معنى ذلك أنها نزلت فيهم فقط، ولكن نقول: هي تصدق على هذا الحال، لا أن ذلك كان سبب نزولها، فأحياناً يقول العلماء: نزلت هذه الآية في كذا، وليس المقصود أن هذا هو سبب النزول، وإنما المقصود أن هذه الآية تصدق على هذا الحال، وإن لم يكن هو سبب النزول.
((وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)) أي: تحروا لكل عمل إتيان الشيء الديني منه، تنبيهاً على أن ما يطلب من غير وجهه يصعب تناوله.
ثم قال: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ))، حثاً لنا أن نجعل تقوى الله شعارنا في كل ما نتحراه، وبين أن ذلك ذريعة إلى تحصيل الفلاح.
стр. 243
تفسير قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا)
قال ﵎: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة:١٩٠]، لما صد النبي ﷺ عن البيت عام الحديبية، وصالح الكفار على أن يعود العام القادم، ويخلوا له مكة ثلاثة أيام، وتجهز لعمرة القضاء؛ خاف المسلمون ألا تفي قريش بذلك ويقاتلونهم، وكره المسلمون قتالهم في الحرم والإحرام والشهر الحرام؛ فنزلت هذه الآية: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ يعني: لا تتحرجوا عن القتال إذا قاتلكم المشركون أثناء إرادتكم عمرة القضاء، حتى ولو كنتم محرمين، ولو كنتم داخل البلد الحرام، ولو كنتم في الشهر الحرام؛ لأنكم لستم البادئين بهذا العدوان.
((وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) أي: لإعلاء دينه.
((الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ)) أي: من الكفار.
((وَلا تَعْتَدُوا)) أي: لا تعتدوا عليهم بابتداء القتال.
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٩٠] أي: المتجاوزين ما حُد لهم، وهذا منسوخ بآية براءة: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦]، وبقوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١] وقد سبق أن تكلمنا بالتفصيل في معنى النسخ هنا، وأنه ليس المقصود به المعنى الاصطلاحي المتأخر، وهو أن يرد دليل شرعي متراخياً عن دليل شرعي آخر مقتضياً خلاف حكمه، ولكن النسخ هنا رفع الإيهام والإبهام يعني: حسب حال المسلمين من القوة والضعف، فإن كانوا في حال قوة وتمكين فإنهم يبدءون المشركين بالقتال، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥] إلى آخر الآية، وإن كانوا لا يستطيعون إلا الدفاع فيجب عليهم الدفاع، وإن كانوا لا يستطيعون الدفاع فيصبروا ويأخذوا بآيات الإعراض عن المشركين والصفح والصبر على الأذى، وقد سبق أن تكلمنا عن هذا بالتفصيل مراراً.
стр. 244
تفسير قوله تعالى: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم)
قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١] أي: حيث وجدتموهم، ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة:١٩١] أي: من مكة، وقد فعل بهم ذلك النبي ﷺ عام الفتح.
﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:١٩١] (الفتنة) أي الشرك الذي يقع منهم (أشد) أي: أعظم، (من القتل) أي: من قتالهم في الحرم أو في الإحرام الذي استعظمتموه؛ لأنه إن كنتم تخافون أن يقاتلوكم وتنتهكوا بقتالهم حرمة الإحرام والشهر الحرام والبلد الحرام، فما هم عليه من الشرك وهم داخل الحرم الشريف وفي الشهر الحرام أشد من قتلكم إياهم.
﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩١] يعني: في الحرم؛ لأن المسجد الحرام يطلق على عدة إطلاقات: يطلق على الكعبة نفسها كقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة:٩٧]، ويطلق على المسجد، ويطلق على مكة ومنى، قال الله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح:٢٥]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء:١]، ومعلوم أن الإسراء كان من بيت أم هانئ من داخل مكة، فقوله هنا: ((وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)) يعني: في الحرم، وحدود الحرم أوسع من حدود مكة.
﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١] يعني: فإن قاتلوكم فيه، (فاقتلوهم) يعني: فيه، وفي قراءة: بلا ألف في الأفعال الثلاثة، يعني: (ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم فاقتلوهم).
﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:١٩١] يعني: كذلك القتل والإخراج جزاء الكافرين.
стр. 245
تفسير قوله تعالى: (فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم)
قال تعالى: ﴿فَإِنِ انتَهَوْا﴾ [البقرة:١٩٢] أي: عن الكفر وأسلموا، لا بد أن ننتبه لهذا؛ لأن الله قال في آخرها: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٢]، والله سبحانه لا يغفر للمشرك، أو لا يرحم المشرك، فلا بد أن نفسر الانتهاء هنا بمثل قوله ﵎: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، فإن انتهوا عن الكفر وأسلموا: فإن الله غفور لهم، رحيم بهم.
стр. 246
تفسير قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله)
قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٩٣]، ما إعراب كلمة (فتنة).
(كان) هنا ليست ناسخة، بل هي تامة، والتقدير: وقاتلوهم حتى لا توجد فتنة، فكان هنا تامة مثل كان الله ولم يكن شيء معه، فالله: لفظ الجلالة هنا فاعل، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، ذُو: فاعل.
((حَتَّى لا تَكُونَ)) أي: حتى لا توجد، ((فِتْنَةٌ)) أي: شرك.
ثم قال تعالى: ((وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)) يعني: وحده لا يعبد إلا هو، ((فَإِنِ انتَهَوْا)) يعني: عن الشرك، فلا تعتدوا عليهم، دل على هذا التفسير قوله تعالى: ((فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)) يعني: فلا تعتدوا عليهم بقتل أو غيره، ومن انتهى وتوقف فليس بظالم، فلا عدوان عليه.
стр. 247
تفسير قوله تعالى: (الشهر الحرام بالشهر الحرام)
قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٤]، المقصود بالشهر الحرام: الشهر المحرم، فكما قاتلوكم فيه فاقتلوهم في مثله، وهذا رد لاستعظام المسلمين ذلك؛ لأن المسلمين استعظموا أن يقاتلوا المشركين في الشهر الحرام، فبين الله أنه إذا كان قتالكم إياهم على سبيل المقابلة بالمثل، فلا حرج عليكم في ذلك.
﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة:١٩٤] الحرمات: جمع حرمة، وهو ما يجب احترامه.
((قِصَاصٌ)) أي: يقتص بمثلها إذا انتهكت.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤] أي: بقتال في الحرم أو في الإحرام أو في الشهر الحرام، ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤] هذا من باب المقابلة فقط، ولكن هو في الحقيقة لا يسمى عدواناً بل هذا من العدل، فمن اعتدى عليك فقابلته بالمثل لا يسمى عدواناً، ولكن أطلق الله عليه عدواناً من باب المقابلة فقط؛ لاجتماعهما في نص واحدٍ كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، فهل السيئة الثانية التي تقابل أنت بها الأولى تعتبر سيئة؟ لا، بل هذا من العدل، وهي حسنة، وهذا من باب المشاكلة اللفظية لوجودهما في نص واحد، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، فأطلق على الفعل الأول لفظ العقوبة من باب المشاكلة أو المقابلة.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٩٤] يعني: في الانتصار وترك الاعتداء.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٩٤] أي: بالعون والنصر.
стр. 248
تفسير قوله تعالى: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)
قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٩٥] أي: في طاعته كالجهاد أو في غيره، ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة:١٩٥] أي: بأنفسكم، عبر عن الأنفس بالأيدي، وهذه الباء يقول عنها النحاة: إنها زائدة، أي: لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بترك الجهاد؛ لأن هذا يقوي العدو عليكم.
﴿وَأَحْسِنُوا﴾ [البقرة:١٩٥] أي: بالنفقة وغيرها، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] أي: يثيبهم على هذه النفقة.
стр. 249
زيادة تفسير لقوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم)
قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٩٠]، هذا تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، يعني: كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم.
((وَلا تَعْتَدُوا)) يعني بابتداء القتال، أو (لا تعتدوا) بتعدي حدود الله، وتجاوز الآداب الشرعية في القتال، كقتل النساء أو الصبية أو الرهبان المتعبدين من أصحاب الصوامع، والذين بينكم وبينهم عهد، أو التمثيل بالجثث أو المفاجئة بالقتال من غير دعوة، فكل هذا داخل في العدوان.
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: المتجاوزين حكمه في هذا.
((وَاقْتُلُوهُمْ)) يعني: هؤلاء الذي يقاتلونكم اقتلوهم، ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ يعني: المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان أشد عليه من القتل، ففتنتهم إياكم في الحرم عن دينكم بالتعذيب والإخراج من الوطن أشد قبحاً من القتل فيه، إذ لا بلاء على الإنسان أشد من إيذائه في اعتقاده الذي تمكن من عقله ونفسه، ورآه سعادة له في عاقبة أمره.
فالجملة دفع لما قد يقع من استعظام قتلهم في الحرم، وإعلام بأن القصاص منهم بالقتل دون جرمهم بفتنة المؤمنين؛ لأن الفتنة أشد من القتل.
وقوله: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾؛ لأن حرمته لذاته، وحرمة سائر الحرم من أجله، وهذا بمثابة الاستثناء من قوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يعني اقتلوهم حيث ثقفتموهم إلا في المسجد الحرام فلا تبدءوهم بقتال في الحرم، إلا إذا قاتلوكم فيه، فهذا استثناء من عموم قوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، يعني: اقتلوهم في أي مكان من الأرض وجدتموهم فيه إلا في المسجد الحرام، فلا تبدءوا بقتالهم حتى يبدءوا هم بقاتلكم فيه؛ مراعاة لحرمة الحرم.
((فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ)) يعني: في الحرم، فلا تفكروا في الفرار من الحرم، ولكن اثبتوا في الحرم، وقاتلوهم فيه؛ إذ لا حرمة لهم حينئذ عند المسجد الحرام.
﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾، لا يجعل لهم حرمة كما لم يراعوا حرمة الله في آياته، فدلت الآية على الأمر بقتال المشركين في الحرم إذا بدءوا بالقتال فيه؛ دفعاً لصولتهم، كما بايع النبي ﷺ أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال، لما تألب عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٢٤]، وقال ﷺ لـ خالد ومن معه يوم الفتح: (إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصداً حتى توافوني على الصفا)، فما عرض لهم أحد إلا أناموه، وأصيب من المشركين اثنا عشر رجلاً كما في السيرة، والله أحل لنبيه مكة ساعة من النهار كما جاء في الحديث: (وإن الله قد أحلها لي ساعة من النهار، وإن حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس) أي: أباح الله له مكة ساعة من النهار عند فتحها، وبعد ذلك عادة حرمتها، وحتى أنه يحرم حمل السلاح بمكة بعد ذلك إلى الأبد.
((فَإِنِ انتَهَوْا)) أي: عن القتال، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، قال القاسمي: فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم تخلقاً بصفتي الحق ﵎: المغفرة والرحمة، وقال بعضهم: (فإن انتهوا) أي: عن الشرك والقتال، (فإن الله غفور) لما سلف من طغيانهم، (رحيم) بقبول توبتهم وإيمانهم.
((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ)) أي: حتى لا توجد في الحرم فتنة، ((وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ))، وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله).
((فَإِنِ انتَهَوْا)) يعني: عن قتالكم في الحرم ((فَلا عُدْوَانَ)) أي: لا سبيل لكم بالقتل ((إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)) الذين يبتدئون بالقتال.
قيل لـ ابن عمر: أنت صاحب النبي ﷺ فما يمنعك أن تخرج معنا في هذا القتال؟ -أي: القتال في الفتنة- فقال: يمنعني أن الله حرم ذلك، قالوا: فإن الله قال: ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ))! فقال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله، رواه البخاري، ثم ساق رواية أخرى فيها: قال ابن عمر ﵄: (على عهد رسول الله ﷺ وكان الإسلام قليلاً وكان الرجل يفتن في دينه، إما قتلوه وإما يعذبونه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة).
стр. 250
زيادة تفسير لقوله تعالى: (الشهر الحرام بالشهر الحرام)
قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ يعني: مراعاة حرمة الشهر واجبة مع من راعى حرمة الشهر، وأما من هتكها اقتص منه، فهتك حرمته بهتكه لحرمته، فيقاتلون عند المسجد الحرام إذا قاتلوا فيه، فإن البادئ أظلم.
وقوله: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ القصاص بمعنى المساواة والعدل، فمعنى: (والحرمات قصاص) يعني: متساوية، فلا يفضل شهر حرام على آخر بحيث يمتنع هتك حرمته لهتكهم حرمة ما دونهم، على أنا لا نهتك حرمة الشهر الحرام والمسجد الحرام والحرم، بل نهتك حرمة من هتك حرمة أحدهما؛ لأن هؤلاء المشركين قاتلونا في المسجد الحرام أو قاتلونا في الشهر الحرام فقاتلناهم، فهل معنى ذلك أننا نهتك حرمة الحرم؟! لا، نحن لا نهتك حرمة الحرم، ولا حرمة الشهر، وإنما نهتك حرمة من لم يراع حرمة الحرم ولا حرمة الشهر.
والحرمات: جمع حرمة، وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك، والقصاص المساواة، ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ أي: والحرمات ذوات قصاص.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، هذا أمر بالعدل حتى مع المشركين، يعني: عاقب بقدر الظلم الذي وقع بك، ولا تتجاوزه وإلا كنت ظالماً؛ ولذلك قال: ((فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ))، وذلك لأن الحرمات قصاص كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، وقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠].
((وَاتَّقُوا اللَّهَ)) أي: في هتك حرمة الشهر والمسجد والحرم بدون هتكهم له، واتقوا الله أيضاً بألا تزيدوا في الاعتداء.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: بالمعونة والنصر والحفظ والتأييد.
следующие страницы →