Полный текст (3 275 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
تفسير قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله)
قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٩٣]، ما إعراب كلمة (فتنة).
(كان) هنا ليست ناسخة، بل هي تامة، والتقدير: وقاتلوهم حتى لا توجد فتنة، فكان هنا تامة مثل كان الله ولم يكن شيء معه، فالله: لفظ الجلالة هنا فاعل، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، ذُو: فاعل.
((حَتَّى لا تَكُونَ)) أي: حتى لا توجد، ((فِتْنَةٌ)) أي: شرك.
ثم قال تعالى: ((وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)) يعني: وحده لا يعبد إلا هو، ((فَإِنِ انتَهَوْا)) يعني: عن الشرك، فلا تعتدوا عليهم، دل على هذا التفسير قوله تعالى: ((فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)) يعني: فلا تعتدوا عليهم بقتل أو غيره، ومن انتهى وتوقف فليس بظالم، فلا عدوان عليه.
стр. 247
تفسير قوله تعالى: (الشهر الحرام بالشهر الحرام)
قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٤]، المقصود بالشهر الحرام: الشهر المحرم، فكما قاتلوكم فيه فاقتلوهم في مثله، وهذا رد لاستعظام المسلمين ذلك؛ لأن المسلمين استعظموا أن يقاتلوا المشركين في الشهر الحرام، فبين الله أنه إذا كان قتالكم إياهم على سبيل المقابلة بالمثل، فلا حرج عليكم في ذلك.
﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة:١٩٤] الحرمات: جمع حرمة، وهو ما يجب احترامه.
((قِصَاصٌ)) أي: يقتص بمثلها إذا انتهكت.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤] أي: بقتال في الحرم أو في الإحرام أو في الشهر الحرام، ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤] هذا من باب المقابلة فقط، ولكن هو في الحقيقة لا يسمى عدواناً بل هذا من العدل، فمن اعتدى عليك فقابلته بالمثل لا يسمى عدواناً، ولكن أطلق الله عليه عدواناً من باب المقابلة فقط؛ لاجتماعهما في نص واحدٍ كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، فهل السيئة الثانية التي تقابل أنت بها الأولى تعتبر سيئة؟ لا، بل هذا من العدل، وهي حسنة، وهذا من باب المشاكلة اللفظية لوجودهما في نص واحد، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، فأطلق على الفعل الأول لفظ العقوبة من باب المشاكلة أو المقابلة.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٩٤] يعني: في الانتصار وترك الاعتداء.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٩٤] أي: بالعون والنصر.
стр. 248
تفسير قوله تعالى: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)
قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٩٥] أي: في طاعته كالجهاد أو في غيره، ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة:١٩٥] أي: بأنفسكم، عبر عن الأنفس بالأيدي، وهذه الباء يقول عنها النحاة: إنها زائدة، أي: لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بترك الجهاد؛ لأن هذا يقوي العدو عليكم.
﴿وَأَحْسِنُوا﴾ [البقرة:١٩٥] أي: بالنفقة وغيرها، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] أي: يثيبهم على هذه النفقة.
стр. 249
زيادة تفسير لقوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم)
قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٩٠]، هذا تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، يعني: كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم.
((وَلا تَعْتَدُوا)) يعني بابتداء القتال، أو (لا تعتدوا) بتعدي حدود الله، وتجاوز الآداب الشرعية في القتال، كقتل النساء أو الصبية أو الرهبان المتعبدين من أصحاب الصوامع، والذين بينكم وبينهم عهد، أو التمثيل بالجثث أو المفاجئة بالقتال من غير دعوة، فكل هذا داخل في العدوان.
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: المتجاوزين حكمه في هذا.
((وَاقْتُلُوهُمْ)) يعني: هؤلاء الذي يقاتلونكم اقتلوهم، ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ يعني: المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان أشد عليه من القتل، ففتنتهم إياكم في الحرم عن دينكم بالتعذيب والإخراج من الوطن أشد قبحاً من القتل فيه، إذ لا بلاء على الإنسان أشد من إيذائه في اعتقاده الذي تمكن من عقله ونفسه، ورآه سعادة له في عاقبة أمره.
فالجملة دفع لما قد يقع من استعظام قتلهم في الحرم، وإعلام بأن القصاص منهم بالقتل دون جرمهم بفتنة المؤمنين؛ لأن الفتنة أشد من القتل.
وقوله: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾؛ لأن حرمته لذاته، وحرمة سائر الحرم من أجله، وهذا بمثابة الاستثناء من قوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يعني اقتلوهم حيث ثقفتموهم إلا في المسجد الحرام فلا تبدءوهم بقتال في الحرم، إلا إذا قاتلوكم فيه، فهذا استثناء من عموم قوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، يعني: اقتلوهم في أي مكان من الأرض وجدتموهم فيه إلا في المسجد الحرام، فلا تبدءوا بقتالهم حتى يبدءوا هم بقاتلكم فيه؛ مراعاة لحرمة الحرم.
((فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ)) يعني: في الحرم، فلا تفكروا في الفرار من الحرم، ولكن اثبتوا في الحرم، وقاتلوهم فيه؛ إذ لا حرمة لهم حينئذ عند المسجد الحرام.
﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾، لا يجعل لهم حرمة كما لم يراعوا حرمة الله في آياته، فدلت الآية على الأمر بقتال المشركين في الحرم إذا بدءوا بالقتال فيه؛ دفعاً لصولتهم، كما بايع النبي ﷺ أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال، لما تألب عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٢٤]، وقال ﷺ لـ خالد ومن معه يوم الفتح: (إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصداً حتى توافوني على الصفا)، فما عرض لهم أحد إلا أناموه، وأصيب من المشركين اثنا عشر رجلاً كما في السيرة، والله أحل لنبيه مكة ساعة من النهار كما جاء في الحديث: (وإن الله قد أحلها لي ساعة من النهار، وإن حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس) أي: أباح الله له مكة ساعة من النهار عند فتحها، وبعد ذلك عادة حرمتها، وحتى أنه يحرم حمل السلاح بمكة بعد ذلك إلى الأبد.
((فَإِنِ انتَهَوْا)) أي: عن القتال، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، قال القاسمي: فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم تخلقاً بصفتي الحق ﵎: المغفرة والرحمة، وقال بعضهم: (فإن انتهوا) أي: عن الشرك والقتال، (فإن الله غفور) لما سلف من طغيانهم، (رحيم) بقبول توبتهم وإيمانهم.
((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ)) أي: حتى لا توجد في الحرم فتنة، ((وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ))، وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله).
((فَإِنِ انتَهَوْا)) يعني: عن قتالكم في الحرم ((فَلا عُدْوَانَ)) أي: لا سبيل لكم بالقتل ((إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)) الذين يبتدئون بالقتال.
قيل لـ ابن عمر: أنت صاحب النبي ﷺ فما يمنعك أن تخرج معنا في هذا القتال؟ -أي: القتال في الفتنة- فقال: يمنعني أن الله حرم ذلك، قالوا: فإن الله قال: ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ))! فقال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله، رواه البخاري، ثم ساق رواية أخرى فيها: قال ابن عمر ﵄: (على عهد رسول الله ﷺ وكان الإسلام قليلاً وكان الرجل يفتن في دينه، إما قتلوه وإما يعذبونه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة).
стр. 250
زيادة تفسير لقوله تعالى: (الشهر الحرام بالشهر الحرام)
قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ يعني: مراعاة حرمة الشهر واجبة مع من راعى حرمة الشهر، وأما من هتكها اقتص منه، فهتك حرمته بهتكه لحرمته، فيقاتلون عند المسجد الحرام إذا قاتلوا فيه، فإن البادئ أظلم.
وقوله: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ القصاص بمعنى المساواة والعدل، فمعنى: (والحرمات قصاص) يعني: متساوية، فلا يفضل شهر حرام على آخر بحيث يمتنع هتك حرمته لهتكهم حرمة ما دونهم، على أنا لا نهتك حرمة الشهر الحرام والمسجد الحرام والحرم، بل نهتك حرمة من هتك حرمة أحدهما؛ لأن هؤلاء المشركين قاتلونا في المسجد الحرام أو قاتلونا في الشهر الحرام فقاتلناهم، فهل معنى ذلك أننا نهتك حرمة الحرم؟! لا، نحن لا نهتك حرمة الحرم، ولا حرمة الشهر، وإنما نهتك حرمة من لم يراع حرمة الحرم ولا حرمة الشهر.
والحرمات: جمع حرمة، وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك، والقصاص المساواة، ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ أي: والحرمات ذوات قصاص.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، هذا أمر بالعدل حتى مع المشركين، يعني: عاقب بقدر الظلم الذي وقع بك، ولا تتجاوزه وإلا كنت ظالماً؛ ولذلك قال: ((فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ))، وذلك لأن الحرمات قصاص كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، وقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠].
((وَاتَّقُوا اللَّهَ)) أي: في هتك حرمة الشهر والمسجد والحرم بدون هتكهم له، واتقوا الله أيضاً بألا تزيدوا في الاعتداء.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: بالمعونة والنصر والحفظ والتأييد.
стр. 251
زيادة تفسير لقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة)
قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٩٥] أمر بالإنفاق في سائر وجوه القربات والطاعات، ومن أهمها صرف الأموال في قتال الأعداء، وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم، ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)) أي: إلى ما يقود ويؤدي إلى الهلاك، للتعرض لما تستوخم عاقبته جهلاً به.
يقول الراغب الأصفهاني: وللآية تأويلان بنظرين: أحدهما: أنه نهي عن الإسراف في الإنفاق وعن التهور في الإقدام، هذا هو التفسير الأول: ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)) يعني: لا تسرفوا في النفقة، أنفقوا ولكن لا تسرفوا في النفقة، ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)) يعني: لا تتهوروا في الإقدام على مقاتلة الأعداء.
الثاني: أنه نهي عن البخل بالمال، وعن القعود في الجهاد.
إذاً: التفسير الأول: فيه النهي عن الإفراط في القتال وعن التهور في الإقدام.
التفسير الثاني: فيه النهي عن البخل بالمال، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة لأنكم إن امتنعتم عن النفقة في سبيل الله سيضعف جيش المسلمين، وبالتالي تهلكون جميعاً الفقير والغني.
قال بعض المفسرين: ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)) نهي عن البخل بالمال، ونهي عن القعود عن الجهاد، فإذا نكل الناس عن الجهاد فهذا إلقاء بالأيدي إلى التهلكة؛ لأن المشركين يعلون على المسلمين، فهو نهي عن البخل والإحجام عن الجهاد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان:٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء:٢٩]، ولما كان أمر الإنفاق أخص بالأنصار الذين كانوا أهل الأموال لتجرد المهاجرين عنها اشتهر في هذه الآية استدلال العلماء بهذا الحديث الصحيح الذي رواه جمع من العلماء منهم أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن أسلم أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم، فأرسلوا إلينا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيه! فصاح الناس: سبحان الله!! يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه فقال: يا أيها الناس! إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار -ولم يذكر المهاجرين لأنهم تركوا الأموال والتجارة والبيوت وكل متاع الدنيا؛ ابتغاء رضوان الله ، ونصرة لرسوله ﵊، فلما أتوا المدينة كانوا فقراء، والذين كان لهم أموال هم الذين كانوا يستوطنون المدينة من الأنصار- لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سراً -يعني: ما جهروا بهذا في المدينة، وإنما كان يستخفون به-: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها -أي: نجلس ونستثمر الأموال وننميها-؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية على نبيه ﷺ يرد علينا ما قلنا.
مع أن الرسول ما سمع منهم ذلك، لكن الله أنزل هذه الآية يرد عليهم هذا الذي قالوه خفية عن رسول الله ﷺ ، يقول أبو أيوب: فكانت التهلكة الإقامة على الأموال، وإصلاحها وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم، رضي الله تعالى عنه.
يقول القاسمي: إنكار أبي أيوب ﵁ إما لكونه لا يقول بعموم اللفظ، بل بخصوص السبب، وإما لرد زعم أنها نزلت في القتال، يعني: في حمل الواحد على جماعة العدو كما تأولوها، وهذا هو الظاهر.
والأقرب -والله تعالى أعلم- في تفسير هذه الآية: ليس المقصود عدم الإسراف في النفقة؛ لأنه كما لا خير في السرف، فلا سرف في الخير، فلو أن إنساناً تصدق بماله في سبيل الله ابتغاء وجه الله فإنه لا يذم، أو أنفق المال في وجوه الخير كقرى الأضياف وإكرامهم، والنفقة على اليتامى والفقراء والمساكين أو في الجهاد في سبيل الله، فهذا لا يذم، فكما أنه لا خير في الإسراف؛ كذلك لا إسراف في الخير.
إذاً: معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أي: بترك النفقة؛ لأنكم إذا تركتم النفقة يضعف جيش المسلمين ويتقوى الأعداء فيهلكوكم ويستأصلوكم، أو: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) أي: بترك الجهاد، خلاف ما يفهم بعض الناس في هذا الزمان، كلما عملت أي شيء من أعمال الدين تجد من ينكر عليك ويقول: ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ))! فيقولون: لمن ينصح الناس: (لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، ويقولون للذي يصلي في المساجد: (لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)!! إذاً: من يقوم بالدين؟! ترك هذه الأعمال هو عين إلقاء الأيدي إلى التهلكة، فتضييع الواجبات الشرعية هو عين إلقاء الأيدي إلى التهلكة.
هذا الرجل الذي حمل على صف الروم لا شك أنه سيكسر هؤلاء الرومان، لما يرون من شجاعة المسلمين، وبيعهم للدنيا، وكيف يخرج الواحد منهم وحده ولا يخاف منهم، ويطعن في كل هؤلاء، ويقابل كل هذا الصف، فيكفي الانكسار والهزيمة النفسية التي تحصل لأعداء الدين، فإنهم يقولون: هذا رجل واحد، فكيف بهذا الجيش العظيم من المسلمين؟! حينئذٍ تنكسر قلوبهم ويذلون، ويخافون ويرهبون من المسلمين، فهذا الرجل أدخل الرهبة والرعب في قلوب الكافرين حينما يرون هذا الاستبسال من جنود المسلمين، فهذا لا يسمى إلقاءً بالأيدي إلى التهلكة؛ لأن الذي يدخل في صفوف الكفار ويقاتلهم غير منتحر، ولهذا نظائر كثيرة في التاريخ الإسلامي، كحادثة حديقة الموت المشهورة لما حملوا البراء على ترس ورموه داخل الحصن، مع تكدس الجيوش الكافرة فيه، فقاتلهم حتى تمكن من فتح الباب ودخل المسلمون.
إذاً: الجهاد في سبيل الله ليس إلقاءً بالأيدي إلى التهلكة، الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة هو أن يضيع الجهاد، والنفقة في سبيل الله ليست إلقاءً بالأيدي إلى التهلكة، بل البخل عن النفقة هو الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة.
وقد استشهد بعموم الآية عمرو بن العاص فيما رواه ابن أبي حاتم بسنده أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أخبر أنهم حاصروه، فانطلق رجل من أزد شنوءة فأسرع إلى العدو وحده ليستقبله، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه عمرو فرده، وقال عمرو: قال الله: ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)).
إذاً: هناك مذهبان في تفسير هذه الآية: ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)): التفسير الأول: أنه نهي عن البخل عن النفقة في سبيل الله، ونهي عن ترك الجهاد.
التفسير الآخر: أي: بالإسراف في النفقة في الجهاد، وأيضاً التهور بالإقدام في الجهاد، فمن قال بالعموم ذهب هذا المذهب، ومن قال بالخصوص ذهب إلى ما ذهب إليه أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وعلى أساس الأخذ بالعموم يكون من الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: التهور في الإقدام في الجهاد، قال الحاكم: تدل الآية -على أساس هذا التفسير- على جواز الهزيمة في الجهاد إذا خاف الإنسان على نفسه، وتدل على جواز ترك الأمر بالمعروف إذا خاف على نفسه؛ لأن كل ذلك إلقاء بالنفس إلى التهلكة، وتدل على جواز مصالحة الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين، كما فعله رسول الله ﷺ عام الحديبية، وكما فعله أمير المؤمنين علي ﵇ في صفين، وكما فعله الحسن ﵇ من مصالحة معاوية، وتدل أيضاً على جواز مصالحة الإمام الكفار بشيء من أموال الناس إذا خشي التهلكة، ويؤيده أن النبي ﷺ أراد أن يصالح الأحزاب بثلث ثمار المدينة حتى شاور سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فأشارا بترك ذلك، والرسول ﵊ لا يعزم إلا على ما يجوز.
والتهلكة والهلاك والهلك واحد، فهي مصدر، ولا أعلم في كلام العرب مصدراً على وزن التفعلة إلا التهكلة، وهو من نوادر المصادر، ولا يجرى على مثلها.
قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: أي: يثيبهم عليها، يعني: على النفقة وغيرها.
وهذا تأويل لصفة المحبة، حيث فسر (يحب) بمعنى: يثيب، فهو يؤول صفة المحبة التي وصف الله بها نفسه بالإثابة، وهذا مخالف لمنهج السلف في إمرار آيات الصفات على ما جاءت دون تأويل أو تعطيل أو تشبيه.
стр. 252
تفسير سورة البقرة [١٩٦ - ١٩٩]
стр. 253
تفسير قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله)
قال ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) يعني: أدوهما بحقوقهما، والإتمام هنا بمعنى: الفعل نفسه، أتموا يعني: أدوا.
وتوجد قراءة غريبة وهي: (وأتموا الحج والعمرةُ لله)، فمن قرأها ذهب إلى عدم وجوب العمرة، فقال: إنما الأمر متوجه إلى الحج؛ لكن القراءة المعروفة: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ)) وقد استدل بها بعض العلماء على وجوب الحج والعمرة.
إذاً: (أتموا) من الإتمام، وذلك بتأديتهما تامتين بجميع مناسكهما المشروعة، لوجه الله ﵎، أو يكون المقصود: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)) يعني: أن الإنسان إذا شرع في الحج أو العمرة ولو تطوعاً يجب عليه إتمامه، ولا يقطع الأداء كما قال تبارك تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، فمن شرع في عبادة لزمه إتمامها، إذا كانت عبادة واجبة، أما أعمال التطوع لا يلزمه إتمامها إلا الحج والعمرة لهذه الآية: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ)).
وهذه الآية اختلف العلماء فيها هل هي دليل على فرضية الحج أم لا، فمن قال: إنها دليل على فرضية الحج فإنه يفسر (أتموا) بمعنى: أدوا الحج والعمرة لله، فتكون مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧].
وفريق آخر قالوا: هذه الآية ليست دليلاً على فرضية الحج، فإنها نزلت سنة خمس من الهجرة، والحج فرض بقوله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] وذلك في سنة تسع من الهجرة، وأجاب عن هذه الآية بأنها لا علاقة لها بموضوع الفرضية، وإنما هي توجب إتمامهما بعد الشروع فيهما فقط، ولا علاقة لها بفرضية الحج.
قال الراغب: (أتموا) خطاب لمن خرج حاجاً أو معتمراً، فأمر ألا يصرف وجهه حتى يتمهما، وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى، واحتج به في وجوب إتمام كل عبادة دخل الإنسان فيها متنفلاً، وأنه متى أبطلها وجب قضاؤها، وقيل: إنه خطاب لهم ولمن لم يتلبس بالعبادة، وذكر لفظ الإتمام تنبيه على توفية حقها وإتمام شرائطها كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] وإلى هذا ذهب الشافعي ﵀، واحتج به على وجوب العمرة، وإنما قال في الحج والعمرة: (لله) ولم يقل ذلك في الصلاة والزكاة، من أجل أنهم كانوا يتقربون ببعض أفعال الحج والعمرة إلى أصنامهم، فخصهما بالذكر لله تعالى، حثاً على الإخلاص فيهما.
стр. 254
معنى قوله تعالى: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي)
قوله تعالى: ((فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)) أي: إن حبستم عن إتمام الحج والعمرة فما استيسر من الهدي، وهناك خلاف مشتهر بين العلماء في الإحصار، هل الإحصار يكون بالعدو فقط؟ ذهب بعض العلماء إلى أن الإحصار لا يكون إلا بالعدو، واستدلوا بقوله ﵎ بعد ذلك: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾، فلا يقال لمن مرض: فإذا أمنتم، وإنما يقال ذلك لمن حبسه العدو.
وفريق آخر من العلماء قالوا: إن الإحصار يشمل الإحصار بالعدو، ويشمل الإحصار بالمرض أو بالسلطان الظالم أو بأي سبب من الأسباب التي يحصر بها الإنسان.
وقوله: (فما استيسر) أي: فاذبحوا أو فانحروا الواجب عليكم أو أهدوا ما استيسر من الهدي، والهدْي أو الهديّ جمع هدية، وهو: ما أهدي إلى مكة من النعم لينحر تقرباً إلى الله تعالى.
والهدي يجب على من أحصر ما لم يشترط، فإذا اشترط الإنسان عند الإحرام فلا يجب عليه إذا أحصر أن يذبح هدياً؛ لأنه ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ (دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب فقالت: يا رسول الله! إني أريد الحج، وأنا شاكية -أي: مريضة- فقال: حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني)، فإذا أراد الإنسان أن يحرم بالحج أو العمرة، ويخشى أنه قد يحبسه حابس من سلطان ظالم أو عدو أو مرض أو غير ذلك من الأعراض، ويريد ألا يكون عليه هدي إذا أحصر؛ فيشترط عند الأحرام بأن يقول مثلاً: لبيك اللهم بعمرة، ومحلي من الأرض حيث تحبسني أي: محلي حيث حبستني.
يعني: أنا أحرم لكن بشرط: إن حبست وأحصرت فأنا محل ولست محرماً، وهذا يسمى الاشتراط في الإحرام.
стр. 255
معنى قوله تعالى: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله)
قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ يعني: الموضع الذي يحل فيه نحر الهدي، والمقصود به موضع الإحصار، وهذا أقرب إلى يسر الإسلام من أن يقال: إن المحل هو أن يواعد رجلاً في الحرم ليذبحه له في موعد معين، والنبي ﵌ لما حصره وأصحابه كفار قريش عن الدخول في الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم بالحديبية، ولم يبعثوا بالهدي إلى الحرم.
قوله تعالى: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)) يقول السيوطي: أدوهما بحقوقهما.
وهناك أقوال كثيرة في تفسيرها: القول الأول: (الإتمام) المقصود به: الأمر بالأداء كما قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤] يعني: أداهن، ومنه أيضاً قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧].
القول الثاني في تفسير (وأتموا) يعني: إتمامهما بعد الشروع فيهما، فمن أحرم بنسك وجب عليه المضي فيه، ولا يفسخه.
القول الثالث: إتمامهما: أن تحرم بهما من دويرة أهلك، وهذا قول علي رضي الله تعالى عنه وقال سفيان الثوري: إتمامهما أن تفرد كل واحد منهما بسفره، يعني: اجعل سفرة واحدة للحج، وسفرة واحدة للعمرة، وهذا دليل لمن فضل الإفراد على التمتع والقران، فإنهم استدلوا بهذا التفسير فقالوا: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)) يعني: أن تحرم بهما من دويرة أهلك، يعني: تنشئ سفراً مستقلاً لكل نسك، وقالوا: إن التمتع فيه جمع نسكين في سفر واحد، وذهبوا إلى أنه يجب على المتمتع الذبح ليجبر النقص في عبادته؛ لأنه لم يسافر لكل نسك، بل أدى الحج والعمرة في سفرة واحدة، فإنه يؤدي العمرة في أشهر الحج ثم يبقى في مكة متمتعاً حتى يوم التروية، فيهل بالحج، ففي سفرة واحدة أدى العمرة والحج وتمتع ووفر على نفسه مشقة سفر ثان، قالوا: يجب عليه الدم في حالة التمتع حتى يجبر هذا النقص الذي نشأ عن عدم سفرة أخرى، وموضوع المفاضلة بين أنواع الحج بحث طويل، وليس هو مقصود كلامنا الآن.
القول الرابع في معنى قوله تعالى: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)): قال سفيان الثوري: إتمامهما أن تخرج قاصداً لهما، لا لتجارة ولا لغير ذلك، يعني: أن تجرد النية لإرادة الحج والعمرة، وهذا لا يعني تحريم التجارة في الحج أو زيارة الأقارب أو صلة رحم أو غير ذلك، لكن قال: إتمامهما أن تكون قاصداً الحج أو العمرة فقط.
القول الخامس: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)) يعني: أدوهما كاملتين ظاهراً وباطناً.
يقول السيوطي: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)) أدوهما بحقوقهما، (فإن أحصرتم) أي: منعتم عن إتمامهما بعدو (فما استيسر) يعني: ما تيسر (من الهدي) عليكم، يعني: عليكم أن تذبحوا ما تيسر أو تهدوا ما تيسر، وأقل ما يجزئ شيء شاة.
﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ أي: لا تتحللوا حتى يبلغ الهدي المذكور محله، يعني: حيث يحل ذبحه، وهو مكان الإحصار، بدلالة فعل النبي ﷺ لما أحصر في الحديبية نحر في نفس الموضع، فيذبح المحصر في موضع الإحصار بنية التحلل، ويفرق اللحم على مساكين ذلك الموضع، ثم يحلق، وبه يحصل التحلل.
стр. 256
معنى قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية)
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ أذى كقمل أو صداع أو أي علة مرضية أدت إلى أن يحلق رأسه وهو محرم، ومعروف أن قص الشعر أو حلقه في أثناء الإحرام من محظورات الإحرام، وفي الأثر المعروف عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: من ترك شيئاً من نسكه أو نسيه فليهرق دماً.
﴿فَفِدْيَةٌ﴾ يعني: فعليه فدية؛ لأنه حلق ﴿مِنْ صِيَامٍ﴾ يعني: ثلاثة أيام ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ ثلاثة آصع من غالب قوت البلد على ستة مساكين ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ أي: ذبح شاة، و (أو) للتخيير، فيختار شيء من هذه الثلاث، وألحق به من حلق لغير عذر؛ لأنه أولى بالكفارة، وكذا من استمتع بغير الحلق كالطيب واللبس والدهن لعذر، فمن تعاطى من هذه الأشياء المحظورة في الإحرام فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك.
وقوله تعالى: ((فَمَنْ تَمَتَّعَ)) أي: استمتع ((بِالْعُمْرَةِ)) أي: بسبب فراغه منها تمتع بمحظورات الإحرام، ويكون الإنسان متمتعاً بأن يؤدي عمرة في أشهر الحج، وهي من أول شوال، فمن أدى العمرة يمكث في الحرم ولا يخرج إلى مسافة قصر، واختلف العلماء إذا خرج مسافراً من مكة ثم عاد مُهلاً بالحج، والراجح أنه مفرد لا متمتع؛ لأنه سافر سفرتين للعمرة وللحج، فمن أدى -مثلاً- عمرة في شوال، ثم رجع إلى مصر، ثم أحرم بالحج من مصر وذهب ليؤدي الحج فهل هذا متمتع؟ لا ليس متمتعاً، وبعض العلماء يقولون: إنه لا ينقض تمتعه إلا إذا عاد إلى الميقات الذي أتى منه أو أي ميقات من المواقيت المعروفة أو إذا سافر مسافة قصر، وهذا أقرب الأقوال، وهو مذهب الإمام أحمد، فإذا خرج من مكة دون مسافة السفر وعاد مهلاً بالحج فلا زال متمتعاً.
قال الراغب: لا يجب الدم أو بدله في التمتع إلا بأربعة شرائط: الأول: إيقاع العمرة في أشهر الحج، والتحلل منها في أشهر الحج.
الثاني: أن يتمم بالحج من سنته، يعني: إذا أدى العمرة، ثم بقي في مكة حتى حج السنة القادمة، فهل هذا متمتع؟ لا، فلابد أن يؤدي العمرة في أشهر الحج.
الثالث: ألا يرجع إلى الميقات لإنشاء الحج.
الرابع: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام؛ لأن أهل مكة ليس لهم تمتع، فلو أن رجلاً يعيش في مكة أدى العمرة في أشهر الحج، ثم أهل بالحج في يوم التروية، فهل هو متمتع؟ لا، فأهل مكة ليس لهم تمتع.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾ أي: بسبب فراغه من العمرة بمحظورات الإحرام ﴿إِلَى الْحَجِّ﴾ أي: إلى الإحرام به بأن يكون أحرم بها في أشهره ((فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)) وهو شاة يذبحها بعد الإحرام به، ولا بد أن يذبح في يوم النحر؛ لقوله تعالى: ((حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)) والمحل نوعان: محل زماني، ومحل مكاني.
المحل المكاني: هو الحرم، سواء في منى أو في مكة، فالحرم كله منحر يذبح فيه.
المحل الزماني: هو: يوم النحر، فهذا هو المحل الزماني الذي يحل فيه ذبح الأنعام، أما الذبح قبل ذلك فهذا -والله تعالى أعلم- لا يصح.
стр. 257
معنى قوله تعالى: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام)
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي: من لم يجد الهدي، لفقد الهدي أو فقد ثمنها ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ يعني: عليه صيام ثلاثة أيام في الحج.
واختلفوا في صيام هذه الأيام الثلاثة، فبعضهم قال: في أشهر الحج، وبعضهم قال: بعد الإحرام بالحج، وأقرب الأقوال -والله تعالى أعلم- أنه يكون السادس والسابع والثامن من ذي الحجة، ولا يكون في التاسع (يوم عرفة) حتى لا يضعف عن الدعاء.
وبعض العلماء قالوا: يحرم بالحج، ثم يصوم وهو محرم.
وقام الدليل على جواز صيام أيام التشريق الثلاثة التي هي: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وهي بعد يوم العيد، وصوم أيام التشريق منهي عنه لغير المحرم الذي لم يجد الهدي.
إذاً: يجوز صوم الثلاثة الأيام يوم ستة وسبعة وثمانية من ذي الحجة، ولا يجوز صومها أيام التشريق على أصح قولي الشافعي، قاله السيوطي، وقد تقدم أن هناك دليلاً يدل على جواز صيامها.
﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أي: إلى وطنكم مكة أو غيرها، وقيل: إذا فرغتم من أعمال الحج، وفيه التفات عن الغيبة ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، هذا تأكيد لما قبله.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: الحكم المذكور، وهو الصيام على من تمتع: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعني: بأن لم يكونوا على دون مرحلتين من الحرم عند الشافعي، فإن كان فلا دم عليه ولا صيام وإن تمتع.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما يأمركم به وينهاكم عنه ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
стр. 258
تفسير قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات)
قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] يعني: وقت الحج أشهر معلومات، وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، ومذهب الإمام مالك أن كل ذي الحجة داخل في أشهر الحج؛ لأن أقل الجمع ثلاثة، والآية تقول: ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ)) يعني: ثلاثة وليس اثنين.
ومن العلماء من قال: لا، فالآية (فمن فرض فيهن) تدل أنه يجوز أن ينوي الإنسان فيها بالحج، وهل يجوز أن يحج إنسان في اليوم العاشر من ذي الحجة؟ لا، فاليوم العاشر هو يوم العيد، فأصح المذاهب في هذا هو قول من قال: أشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، وتسع من ذي الحجة؛ لأن اليوم التاسع يجوز بدء الحج منه، فالله يقول: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾، (فيهن): ظرف لفعل الحج، وهذا لا يكون إلا من بداية شوال حتى اليوم التاسع من ذي الحجة.
((فَمَنْ فَرَضَ)) أي: على نفسه، ((فِيهِنَّ الْحَجَّ)) بالإحرام به، ﴿فَلا رَفَثَ﴾ يعني: لا جماع فيه، ﴿وَلا فُسُوقَ﴾ يعني: لا معاصي، ﴿وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ يعني: لا خصام في الحج، وفي هذه القراءة: (فلا رفثَ ولا فسوقَ ولا جدالَ في الحج)، وفي قراءة: (فلا رفثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالٌ في الحج)، والمراد النهي.
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٩٧]، فيجازيكم به.
ونزل في أهل اليمن وكانوا يحجون بلا زاد، فيكونون كلاً على الناس، ويزعمون أنهم متوكلون، ويأكلون من الصدقات ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ يعني: ما يبلغكم لسفركم، ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ قيل: التقوى هنا ما يتقى به سؤال الناس، أي: المال الذي يقيك أن تسأل الناس.
﴿وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ يعني: يا ذوي العقول.
стр. 259
تفسير قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم)
قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا﴾ [البقرة:١٩٨] يعني: في أن تبتغوا، أي: تطلبوا.
﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨] بالتجارة في الحج، نزل رداً لكراهتهم ذلك، فبعض الناس كانوا يتحرجون من التجارة في الحج، فنزلت هذه الآية لإباحة ذلك، ((لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ)) وهذه الصيغة تفيد الإباحة.
﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ أي: دفعتم ﴿مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ بعد الوقوف بها، ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ بعد المبيت بمزدلفة للتلبية والتهليل والدعاء، وقيل: المشعر الحرام هو جبل في آخر المزدلفة يقال له: قزح، وأغلب الناس لا يقفون هذه الوقفة، وهذه غير وقفة عرفات، ووقفة عرفات كل الناس يهتمون بها، أما وقفة المزدلفة فيندر من يهتم بها من الحجاج، وهي وقفة تكون بعد صلاة الفجر، فيصلي الحاج الفجر مبكراً جداً بقدر المستطاع ثم يستقبل القبلة، ويظل واقفاً يدعو حتى إذا أسفر جداً -يعني: ينتشر الضوء وتكاد الشمس أن تطلع- يتجه إلى منى لرمي جمرة العقبة الكبرى، فهذه الوقفة من المواضع المباركة في الحج، ولكن أكثر الناس يغفل عنها، وفي الحديث: (أنه ﷺ وقف في المشعر يذكر الله ويدعو حتى أسفر جداً) رواه مسلم.
﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ لمعالم دينه ومناسك حجه، والكاف هنا للتعليل، يعني: لأنه هداكم، ﴿وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ يعني: من قبل هداه، ﴿لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ يعني: عن هذه الشرائع.
стр. 260
معنى قوله تعالى: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩] ثم أفيضوا يا قريش، وهو عام لجميع من حج ((مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)) يعني: من عرفة، بأن تقفوا بها معهم، وكانوا يقفون بالمزدلفة ترفعاً عن الوقوف معهم، و (ثم) للترتيب في الذكر ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٩٩] يعني: من ذنوبكم ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩] أي: غفور للمؤمنين رحيم بهم.
والإفاضة هنا: ليست من المزدلفة، بل من عرفات مع أن سياق الكلام ظاهره أن الإفاضة من المزدلفة، على أن (ثم) للترتيب، فسياق الآيات: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٨ - ١٩٩].
فالأصل أن المعنى: أفيضوا من مزدلفة، لكن الأقرب أن (أفيضوا) هنا أي: من عرفات، و (ثم) هنا ليست للتراخي، بل هي للتفاوت بين الإفاضة من عرفات والإفاضة من المزدلفة.
فالأمر في قوله: (أفيضوا) إما أنه موجه إلى بعض الناس، أو أنه موجه إلى قريش بالذات؛ لأن قريشاً كانوا يترفعون على الناس ويتكبرون عليهم في الجاهلية، ويقولون: نحن أهل حرم الله، ونحن أولى بالكعبة.
فيترفعون عنهم أن يخرجوا مع الناس إلى عرفات اعتداداً بحرمة الحرم، وكانوا يسمون الحمس.
يقول القاسمي: في الخطاب وجهان: أحدهما: أنه لقريش، وذلك لما كانوا عليه من الترفع على الناس والتعالي عليهم، وتعظمهم أن يساووهم في الموقف، وكانوا يقولون: نحن أهل الله، وقطان حرمه -أي: سكان حرمه- فلا نخرج منه، فيقفون في المزدلفة وسائر الناس بعرفات، وقد روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ أي: من عرفات، يعني: أنتم وسائر الناس سواء.
إذاً: (ثم) هنا ليست لترتيب الأفعال، ولكن للتفاوت بين الإفاضتين.
القول الثاني: أن قوله: ((ثُمَّ أَفِيضُوا)) أمر لجميع الناس أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، والمقصود الناس هنا: إبراهيم ﵇، باعتبار أن إبراهيم ﵇ يمثل المجتمع، وهذا على سبيل المدح لإبراهيم ﵇؛ لأن الواحد قد يسمى باسم الجماعة تنبيهاً على أنه يقوم مقامهم في الحكم، يقول الشاعر: وليس على الله بمستبعد أن يجمع العالم في واحد وقال الله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل:١٢٠] فأطلق على إبراهيم أمة؛ ولذلك قالوا: إن الناس هنا: ((مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)) إبراهيم ﵇، يعني: من حيث أفاض إبراهيم ﵇.
فإن قيل: (ثم) تستلزم تراخي الشيء عن نفسه سواء عطف على مجموع الشرط والجزاء أو الجزاء فقط.
ف
الجواب
أن كلمة (ثم) ليست للتراخي، بل لذكر التفاوت بين الإفاضتين، أي: الإفاضة من عرفات والإفاضة من مزدلفة، واختلاف الحكم بينهما، فأحدهما صواب والأخرى خطأ، فالإفاضة من عرفات صواب، والإفاضة من مزدلفة خطأ على النحو الذي كانت تفعله قريش.
قال: التفتازاني: لما كان المقصود من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ المعنى التعريضي كان المعنى لا تفيضوا من مزدلفة؛ ولكن أفيضوا من عرفة من حيث أفاض الناس، والمقصود من كلمة (ثم): التفاوت بين الإفاضتين في الرتبة بأن إحداهما صواب والأخرى خطأ.
﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ يعني: عما سلف من المعاصي ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وكثيراً ما يأمر الله في نهاية العبادات بالاستغفار وبذكره، كما كان النبي ﷺ إذا فرغ من الصلاة استغفر ربه ثلاثاً.
стр. 261
تفسير سورة البقرة [٢٠٣ - ٢١٧]
стр. 262
تفسير قوله تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات)
стр. 263
معنى التشريق
التشريق في اللغة: هو تقديد اللحم، فاللحم يقطع قطعاً صغيرة ويجفف في الشمس، فهذا اللحم يسمى القديد، وتقديد اللحم اسمه عند العرب: التشريق، ومنه قيل: أيام التشريق، فبعض الحجاج يأتون باللحم -لحوم الهدي- فيقطعونها قطعاً صغيرة وينشرونها من أجل أن تجف حتى يأخذوها معهم إذا رجعوا من الحج ويأكلوها، فهذا هو التشريق.
وأيام التشريق ثلاثة أيام بعد يوم النحر، ويوم التروية هو يوم الثامن من ذي الحجة؛ لأنهم كانوا يحملون الماء في القرب حتى يرويهم، يليه يوم التاسع الذي هو يوم عرفة، ويلي يوم عرفة يوم العاشر وهو يوم النحر، أما اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر فهذه أيام التشريق.
واليوم الأول من أيام التشريق يسمى: يوم القر -من القرار-، واليوم الثاني يسمى: يوم النفر الأول؛ لأنه يجوز لمن أراد أن يتعجل أن ينفر من منى ثاني يوم، بشرط ألا تغرب عليه الشمس وهو في منى، واليوم الثالث من أيام التشريق يسمى: يوم النفر الثاني.
إذاً: التشريق هو تقديد اللحم، ومنه سميت أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر؛ لأن لحوم الأضاحي تشرّق فيها أو لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس.
стр. 264
معنى قوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه)
قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣].
قوله: (من تعجل) أي: بالنفر من منى بعد رمي الجمار في يومين من هذه الأيام الثلاثة فلم يمكث حتى يرمي في اليوم الثالث، واكتفى برمي الجمار في يومين من هذه الأيام فلا يأثم بهذا التعجيل.
فيرمي كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة، كل جمرة يرميها بسبع حصيات، ثم من رمى اليوم الثاني، وأراد أن يدع البيتوتة الليلة الثالثة ورمي يومها فهذا سائغ له، بشرط ألا تغرب عليه الشمس وهو في منى، أي: إذا رمى الجمرات ونوى أن يتعجل لكنه قبل أن يخرج من منى ويغادرها غربت الشمس عليه، فيجب عليه في هذه الحالة أن يبيت، فمن أراد التعجل يجب عليه أن يخرج من منى قبل غروب الشمس.
(ومن تأخر) يعني: من أخر الرمي أو بقي في منى حتى رمى في اليوم الثالث (فلا إثم عليه)، أي: في تأخره، والسُّنة هي التأخر؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يتعجل في يومين، بل تأخر حتى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة.
ولا يقال هذا اللفظ -أي: (فلا إثم عليه) - في حق من أتى بتمام العمل، والأصل أن كلمة (فلا إثم عليه) تقال في حق المقصر، ولا تقال أصلاً في حق من كمّل العمل وأتى بكماله، فقوله: (ومن تأخر فلا إثم عليه) هي مجرد مشاكلة للفظ الأول في قوله: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه)، وإلا فإن الذي يأتي بالعبادة على أكمل وجوهها لا يقال في حقه: (فلا إثم عليه)، ولكن هذا من باب المشاكلة، ولها نظائر في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، هل السيئة التي تعاقب أنت فيها بالمثل تسمى سيئة؟ لا، فمثلاً: القصاص أو العقوبة بالمثل هي عدل، وسميت سيئة فقط لمجرد المشاكلة؛ لاشتمالهما في لفظ واحد مشاكلة للفظ الثاني.
كذلك أيضاً قوله ﵎: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، (عوقبتم به) هذه يراد بها الإيذاء الذي بدئ به، فهل هذا الابتداء للإيذاء يسمى عقوبة؟ كلا! لا يسمى عقوبة، لكن هذا من باب المشاكلة.
كذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، هل مقابلة المعتدي بمثل عدوانه يسمى عدواناً؟ في الحقيقة ليس عدواناً، لكنه عدل، لكن تسميته بالاعتداء من باب المشاكلة اللفظية، ونحن نعلم أن جزاء السيئة والعدوان ليس بسيئة ولا عدوان، فإذا حمل على موافقة اللفظ ما لا يصح في المعنى فلأن يحمل على موافقة اللفظ ما يصح في المعنى أولى؛ لأن المقصود نفي الاسم عنه، يعني: أنه من حيث المعنى صحيح، فمن تأخر فلا إثم عليه.
وقيل: رفع الإثم عن المتعجل والمتأخر على وجه الإباحة، أي: المقصود: فلا إثم في الحالتين، بمعنى: إباحة التعجل وإباحة التأخر.
وقيل: رفع الإثم أنه حق ظهورهما بإقامتهما الحج، فعجل أو تأخر، (فلا إثم عليه) يعني: ستغفر له ذنوبه، أو ستحط عنه آثامه بسبب أنه أدى الحج بشرطه.
(فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) بمعنى: أن الله سيغفر له ذنوبه وآثامه.
كذلك: (ومن تأخر فلا إثم عليه) أيضاً له نفس هذا الثواب، وعلى ذلك دل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، والشرط في ذلك هو التقوى، لذلك قال: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣]، فما دام الأول اتقى الله، والثاني اتقى الله، فحج ولم يرفث ولم يفسق كان جزاءه رفع الآثام عنه وتطهيره منها.
(لمن اتقى) أي: أن الذي ذكر من التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر أو من الأحكام إنما هو لمن اتقى؛ لأنه هو الذي ينتفع بهذا الحج، فالذي ينتفع بالحج هو الذي يتقي الله ﵎، كما في قوله ﵎: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٨]، وكذلك قوله تعالى: (هدى للمتقين)، فكذلك هنا قوله: (فلا إثم عليه) إنما يكون هذا (لمن اتقى).
(واتقوا الله) أي: في جميع أموركم.
(واعلموا أنكم إليه تحشرون) أي: للجزاء على أعمالكم، وهذا تأكيد للأمر بالتقوى، وحث على التشديد في أمرها؛ لأن من تصور أنه لابد له من حشر ومحاسبة ومساءلة، وأن بعد الموت لا دار إلا الجنة أو النار صار ذلك من أقوى الدواعي له إلى تقوى الله .
والحشر: اسم لما يقع من أحداث ابتداء من خروج الموتى من الأجداث -من القبور- للبعث والنشور إلى انتهاء موقف الحساب ودخول الناس الجنة أو النار، هذا هو ما يطلق عليه اسم: الحشر.
يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (واذكروا الله): بالتكبير عند رمي الجمرات.
(في أيام معدودات): وهي أيام التشريق الثلاثة.
(فمن تعجل) أي: استعجل بالنفر من منى.
(في يومين) أي: في ثاني أيام التشريق بعد رمي الجمار، و (تعجل) أي: بأن يرمي الجمار ثم ينفر.
(فلا إثم عليه): لا إثم عليه في التعجيل.
(ومن تأخر) أي: بها حتى بات ليلة الثالث ورمى جماره، (فلا إثم عليه) يعني: بذلك.
والمقصود: أنهم مخيرون في ذلك، ونفي الإثم في قوله: (فلا إثم عليه لمن اتقى) أي: اتقى الله في حجه.
(واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون) يعني: في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم.
стр. 265
تفسير قوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه)
стр. 266
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا والله لا يحب الفساد)
يقول تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٥].
قوله تعالى: (يعجبك قوله في الحياة الدنيا) أي: يعظم في نفسك حلاوة حديثه وفصاحته في أمر الحياة الدنيا التي هي مبلغ علمه.
(ويشهد الله على ما في قلبه) أي: يحلف بالله على الإيمان به، يقول: الله يشهد أن في قلبي الإيمان بالنبي ﷺ ، الله يشهد أنني صادق في ذلك، الله يشهد أنني مؤمن بالقرآن! فهو يحلف بالله على الإيمان به والمحبة له، وأن الذي في قلبه موافق للسانه؛ لئلا يُتفرس فيه الكفر والعداوة.
أو أن معنى: (ويشهد الله على ما في قلبه) أي: يظهر لك الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق، وهذا معنى دقيق ينبغي التنبه له.
فحظك أنت منه الكلام المعذور والإقرار بالإيمان والتصديق، فهو يخبئ في قلبه ما الله مطلع عليه، وحظ الله منه أنه مطلع على ما في قلبه، فيجعل الله يرى في قلبه النفاق، وحظك أنت التصديق باللسان! يقول القاسمي رحمه الله تعالى: (ويشهد الله على ما في قلبه) أي: يحلف بالله على الإيمان به والمحبة له، وأن الذي في قلبه موافق للسانه؛ لئلا يُتفرس فيهم الكفر والعداوة.
أو معناه: يظهر لك الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق، على نحو ما وصف به أهل النفاق، كما وصف الله أهل النفاق بقوله حاكياً عنهم حين قالوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:١]، كقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٨].
وقوله : ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤] أي: شديد الخصومة والجدل بالباطل.
ثم يقول تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥].
(وإذا تولى) أي: إذا انصرف عمن خدعه بكلامه، سواء الرسول ﵇ أو غيره، وانصرف من أمام هذا الذي قال له هذا الكلام المعقول، وأشهده على ما في قلبه من الإيمان والتصديق كاذباً.
(سعى) أي: مشى.
(سعى في الأرض ليفسد فيها): ليدخل الشُّبه في قلوب المسلمين، وباستخراج الحيل في تقوية الكفر، وهذا المعنى يسمى: فساداً، وهو إثارة الشبهات والتشويش على الناس بإيمانهم.
كذلك أيضاً: استخراج الحيل والأساليب التي بها يقوي الكفار على المسلمين فهذا فساد، كقول الله حاكياً عن الملأ من قوم فرعون قولهم: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٢٧] أي: يردوا قومك عن دينهم ويفسدوا عليهم عقيدتهم.
إذا حصل هذا التشويش والتشكيك بإثارة الشبهات في الدين وفي العقيدة وفي غير ذلك من أمور الدين، فيحصل بذلك أن الناس ينقسمون ويختلفون، وبالتالي تتفرق كلمتهم، ويؤدي إلى أن يتبرأ بعضهم من بعض، فتنقطع الأرحام، وتسفك الدماء، وبيان هذا كثير في القرآن المجيد.
(ويهلك الحرث) أي: الزرع، (والنسل) أي: النواسل الناتجة.
قال بعض المحققين: إن إهلاك الحرث والنسل كناية عن الإيذاء الشديد، والتعبير به عن ذلك صار من قبيل المثل.
أي: إذا أردت أن تعبر عن شخص تمادى في الإفساد فإنك تذكر أن هذا قد أدى إلى إهلاك الحرث والنسل.
(والله لا يحب الفساد) أي: لا يرضى فعله.
فكل فساد يبغضه الله ولا يرضى عنه، ولذلك نقول: إنه لا ينبغي أن يسمح بوجود الفساد حتى في الكفار، وبعض الناس يقول: عندي جهاز خبيث مثلاً كالدش أو هذه الأجهزة المعروفة بالفجور، فهل أعطيها لرجل نصراني؛ لأني أريد أن أتوب، فلو أعطيتها لمسلم فسيفسد أهله وأولاده؟! ف
الجواب
إن الله لا يحب الفساد سواء أتى من مسلم أو أتى من كافر، وتقليل الفساد ما أمكن هو أمر يحبه الله ، سواء كان المفسد مسلماً أو كافراً.
وأنت تلاحظ في أوائل الآيات في سورة البقرة حينما حكى الله صفات هؤلاء المنافقين، بدأ أولاً بنهيهم عن الفساد، ثم ثنى بأمرهم بالإيمان، فدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة على التفصيل الذي نذكره في مناسبات أخرى، فالله قبل أن يأمرهم بالإيمان قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١١ - ١٢]، ثم قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة:١٣].
إذاً: (والله لا يحب الفساد) عامة، فكل فساد لا يحبه الله ، سواء كان الذي قام به مسلماً أم مشركاً.
стр. 267
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم)
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦].
(إذا قيل له) أي: تذكيراً وموعظة له، (اتق الله) يعني: في النفاق، واحذر سوء عاقبته، أو (إذا قيل له اتق الله) أي: في هذا الإفساد الذي تفسده في الأرض، وهذا الإهلاك، وهذا الجدال بالباطل.
(أخذته العزة بالإثم) أي: حملته الأنفة وحمية الجاهلية على الفعل بالإثم وهو: التكبر.
فيقول مثلاً: نحن في حضارة منذ سبعة آلاف سنة، ولا يمكن أن يعقب طارئ يغيرنا عن عقيدتنا! فقوله ﵎: (أخذته العزة) أي: يتكبر عن الانقياد للحق، تحمله الأنفة وحمية الجاهلية، يحمى ويحمر أنفه، أي: بحمية الجاهلية على الفعل بالإثم، وتدفعه هذه الحمية إلى إثم التكبر وعدم الانقياد للحق.
أو المعنى، (أخذته العزة بالإثم) أي: أخذته الحمية للإثم الذي في قلبه فمنعته عن قبول الناصح.
(فحسبه جهنم) أي: فتكفيه جهنم إذا صار إليها واستقر فيها جزاءً وفاقاً.
(ولبئس المهاد) أي: الفراش الذي يستقر عليه بدل فراش عزته، والمهاد والمهد معروف، وكل شيء وطيء يطلق عليه: ممهد، كطريق ممهد، والمهاد يجعل تارة جمعاً وتارة يجعل الآلة، (مهاد) جمع مهد، أو (مهاد) الآلة التي هي الفراش.
وجعل جهنم مهاد الظالم كما جعل العذاب مبشراً به في قوله ﵎: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران:٢١]، فكلمة التبشير أو البشارة أو البشرى مأخوذ من البشرة؛ لأن الإنسان إذا سمع الخبر الحسن الطيب يظهر على بشرته السرور والانشراح، فلذلك سميت البشرى لأثرها على البشرة وعلى الجلد والملامح.
كذلك في هذه الآية فإن الله يتهكم بهم ويقول: (فبشرهم) وهم إذا سمعوا كلمة تبشرهم ينشرحون، فإذا صدموا بكلمة: (بعذاب أليم) يكون أمعن وأوغل في معاقبتهم وتوبيخهم والتنكيل بهم.
فكذلك هنا قال ﵎: (ولبئس المهاد)، والمهاد: هو المكان الذي ينام عليه الإنسان أو يستريح أو يفترشه، فمهادهم هو جهنم، فهذا من نفس الباب.
وقال الحاكم عبارة ينبغي حفظها والاهتمام بها جداً وهي قوله: هذه الآية تدل على أن من أكبر الذنوب عند الله أن يقال للعبد: اتق الله فيقول: عليك نفسك.
وهذا حال أغلب الناس، وبعضهم إذا قلت له: اتق الله، يقول لك: أنا أتقي الله أحسن منك! أو يقول: عليك بنفسك، أو: هذا لا يخصك.
إلى غير ذلك من العبارات الغليظة.
فمن صور أخذ العزة بالإثم عند المنصوح أنه إذا قيل له: اتق الله، يقول: عليك نفسك.
فالإنسان إذا قيل له: اتق الله.
عليه أن يحمر وجهه ويصفر وتنتابه الرعدة والخوف والوجل والخشية من هذا التحذير، لا أن يتكبر على من يقول له: اتق الله، فقد قيلت لأشرف خلق الله وهو رسول الله ﷺ ، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١]، بل جعلها الله وصية لجميع الأمم الأولين والآخرين، ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] أي: اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية من الأعمال الصالحة.
قال الزمخشري: ومنه: رد قول الواعظ.
فهو يدخل في هذا الإثم العظيم.
وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحج:٧٢].
ولما أتم تعالى الإخبار عن هذا الفريق من الناس الضال أتبعه بقسيمه المهتدي، ليبعث العباد على تجنب صفات الفريق الأول والتخلق بنعوت الثاني، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧].
يقول السيوطي رحمه الله تعالى في الآية السابقة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة:٢٠٤] أي: ولا يعجبك في الآخرة لمخالفته لاعتقاده.
إذا تكلم في الدنيا فيحسن الكلام ويعجبك كلامه جداً في الدنيا، كما يتكلم كثير من الناس في السياسة في الرياضة في الفن في أسماء الممثلين أو أسماء اللاعبين، تجده موسوعة في هذه الأمور الدنيوية، وإذا سمعت له في الآلات والأجهزة وكافة عروض الدنيا فتسمع منه ما يعجبك فقط في الدنيا ولو كانت حراماً، بخلاف الآخرة، فإذا أتى أمر الآخرة فكالأنعام بل هم أضل سبيلاً، لا يفقهون شيئاً ولا يعرفون شيئاً من أمور الآخرة مع أنها خير وأبقى، وهذا هو مفهوم هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة:٢٠٤]، إذا تكلم في الآخرة لا يعجبك، إما لأنه معرض عن الآخرة، وإما لفساد اعتقاده في الآخرة، كأن يكون عابداً للمسيح، أو يكون عابداً للأوثان أو غير ذلك من العقائد الفاسدة في الآخرة.
(وهو ألد الخصام) أي: شديد الخصومة لك ولأتباعك بعداوته لك، وهو الأخنس بن شريق كان منافقاً حلو الكلام للنبي ﷺ ، يحلف أنه مؤمن به ومحب له، فيدنو من مجلسه، فأكذبه الله في ذلك، ومر بزرع وحمر -أي: حمير لبعض المسلمين- فأحرقه وعقرها ليلاً، كما قال تعالى: (وإذا تولى) أي: إذا انصرف عنك، (سعى) أي: مشى، (في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل) وهذا من جملة الفساد.
(والله لا يحب الفساد) أي: لا يرضى به.
(وإذا قيل له اتق الله) أي: في فعله.
(أخذته العزة) أي: حملته الأنفة والحمية على العمل بالإثم الذي أمر باتقائه.
(فحسبه جهنم) أي: كافيه جهنم.
(ولبئس المهاد) أي: لبئس الفراش هي.
стр. 268
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله)
يقول تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧].
قوله: (يشري) أي: يبيع نفسه بأن يبذلها في طاعة الله .
(ابتغاء مرضاة الله) أي: طلب رضا الله .
(والله رءوف بالعباد) حيث أرشدهم لما فيه رضاه، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة مع كفرهم به وتقصيرهم في أمره، وهذا يتعلق برحمة العباد في الدنيا وهي عامة للمؤمن والكافر.
تنبيه مهم: قال بعض العلماء: كان مقتضى المقابلة للفريق الأول أن يوصف هذا الفريق بالعمل الصالح، مع عدم الدعوى والتبجح بالقول، أو مع مطابقة قوله لعمله، وموافقة لسانه لما في جنانه.
فالآية: (ومن الناس من يشري نفسه) تتضمن عكس الصفات السابقة كلها، وإن لم تنص عليها صراحة، فإن من يبيع نفسه لله، ويجود بها، فهذا يدل على أقصى غاية الجود، فالجود بالنفس يدل على أقصى وأعلى درجات الإيمان واليقين التي تستلزم ما عداها وما دونها من صفات الإيمان، فإن من يبيع نفسه لله لا يريد ثمناً لها غير مرضاته، فلا يتحرى إلا العمل الصالح وقول الحق والإخلاص في القلب، فلا يتكلم بلسانين، ولا يقابل الناس بوجهين، ولا يؤثر على ما عند الله عرض الحياة الدنيا، وهذا هو المؤمن الذي يعتز بالقرآن وبإيمانه.
فهذه تتضمن الصفات المقابلة لصفات الفريق الأول، إلى أن يأتي في الدلالة على اتصاف المؤمن بهذه الصفات قوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله)، إذ بلغ اجتهاده في إرضاء الله إلى حد أنه حمل روحه على كفيه وجاد بها إرضاء لله، فهل مثل هذا يكون ذا وجهين؟! وهل مثل هذا يتكلم بلسانين؟! وهل مثل هذا يرتضي عرض الدنيا بدلاً عن الآخرة؟! إذاً: هذا الوصف يتضمن كل الصفات المقابلة لصفات الفريق الأول.
وقد أخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: أقبل صهيب مهاجراً إلى النبي ﷺ ، فتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وأخرج ما في كنانته - أي: أخرج السهام من الكنانة- ثم قال: يا معشر قريش! لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً، وايم الله! لا تصلون إلي حتى أرمي كل سهم معي في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم -ثم بعد هذا الإرهاب لهم يقول-: وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة وخليتم سبيلي؟ قالوا: نعم.
فالباطل أمام المال يسيل لعابه، نسوا أنهم خرجوا يطاردون هذا المهاجر إلى الله وإلى رسوله، فبعدما أرهبهم بهذه الطريقة أغراهم بالمال فخضعوا أمام المال وسال لعابهم، فنسوا ما عندهم من العقائد الباطلة التي خرجوا يقاتلونه من أجلها، فلما قال لهم: وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة وخليتم سبيلي؟ قالوا: نعم، فلما قدم على النبي ﷺ المدينة قال: (ربح البيع أبا يحيى! ربح البيع أبا يحيى!) ونزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧].
وهناك قول لبعض العلماء وهو: أن هذه الآية نزلت في قصة قريش، فإذا صحت فلا يعني ذلك أنها بالفعل نزلت في هذا الحديث بالذات، وإنما يعني أنها تصدق على هذه الواقعة، فإن من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في وجودها، فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع في أسباب النزول التي يدخلها قدر من الاجتهاد، لكن لا يعول في أسباب النزول إلا على ما صح منه، وارتفع عن درجة الضعف.
يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه) أي: يبيع نفسه.
والبيع قد يطلق على الشراء، والشراء يطلق على البيع، ومن ذلك قوله ﵊: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، (البيعان) يعني: البائع والمشتري، فهو يطلق على البائع والمشتري.
(ومن الناس من يشري) أي: يبيع نفسه ويبذلها في طاعة الله.
(ابتغاء) أي: طلب.
(مرضاة الله) أي: رضاه، وهو صهيب لما آذاه المشركون هاجر إلى المدينة وترك لهم ماله.
(والله رءوف بالعباد): حيث أرشدهم لما فيه رضاه.
стр. 269
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة)
يقول ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨].
(السلم): بكسر السين وفتحها -إما السِّلم أو السَّلم- وكلاهما قراءة متواترة في السبع، والمقصود به الإسلام.
قال امرؤ القيس بن عابس: فلست مبدلاً بالله رباً ولا مستبدلاً بالسلم دينا يعني: بالإسلام، ومنه قول أخي كندة: دعوت عشيرتي للسلم لما رأيتهم تولوا مدبرينا يعني: للإسلام.
قال الرازي: أصل هذه الكلمة من الانقياد، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١] أي: انقدت وخضعت، والإسلام إنما سمي إسلاماً لهذا المعنى؛ لأن معنى الإسلام يعني: الخضوع والانقياد لأمر الله ﵎.
وغلب اسم السَّلم على الصلح وترك الحرب، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال:٦١]، وهذا -أيضاً- راجع إلى هذا المعنى؛ لأن المتخاصمين إذا رضوا بالصلح فكل طرف ينقاد للطرف الثاني ولا ينازعه، فهي من نفس هذا المعنى.
ومعنى الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] أي: ادخلوا في الاستسلام والطاعة، أي: استسلموا لله وأطيعوه، ولا تخرجوا عن شيء من شرائعه كافة.
فهذا أمر بالالتزام بكل أحكام الإسلام، وكل شريعة نزل بها القرآن أو جاء بها المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ يجب عليكم أن تطيعوها وتنقادوا لها، وتستسلموا لحكم الله ورسوله ﷺ دون أن تقولوا: هذا ظاهر وهذا باطن، وهذا قشر وهذا لب، وهذه أمور مهمة وهذه سفاسف، كما يقول بعض الجهلة، فإنه لا يجوز أبداً أن يطلق هذا على شيء تناوله النبي ﷺ بأمر أو بنهي ودخل من العادة إلى العبادة بهذا الأمر أو النهي، لا يمكن أن يكون هذا من السفاسف، والسفاسف هي أمور الدنيا، أما شيء من أمور الدين فلا يجوز أبداً أن يطلق عليه سفاسف، صحيح هناك أصول وهناك فروع، وهناك مهم وهناك ما هو أهم منه، لكن لا يوصف أبداً أي حكم شرعي ثابت بالقرآن أو بالسنة بأنه سفاسف كما يقول بعض الجهلة من أفراخ هذا الزمان، ويحتجون بقول النبي ﷺ : (إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها)، وسفاسف الأمور: هي أمور الدنيا لحقارتها، أما أمور الدين فكلها معالي.
نعم؛ هناك مراتب وهناك أصول وهناك فروع، وهناك ما هو أهم، وهناك ما هو مهم، فيراعى فعلاً مراتب الأعمال بالذات عند تناقضها أو اصطدامها، ويرجح الأهم، لكن لا يوصف شيء من أمر الدين أبداً بأنه قشور، وأننا ينبغي أن نهتم باللب؛ لأن الذي تراه أنت لباً يراه غيرك قشراً، فتصبح الأمور فوضى، فهذه الآية من أعظم ما يستدل به على إبطال هذه البدعة والضلالة، وهي تقسيم الدين إلى قشور ولباب، أو إلى مظاهر وجواهر.
ثم يتبع ذلك التقسيم المناداة بإهمال هذه القشور، والتمسك باللباب والروح! فبعضهم يقول لك: كن مع روح النص! فكأنه يقول: علينا أن نستمسك بروح النصوص لا بحرفيتها! وهم يريدون أن يهلكوا روح النصوص لا أن يتبعوا أرواح النصوص.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] أي: التزموا بجميع شرائع الإسلام، وأنت -أيها المسلم- ادفع بهذه الآية في نحر كل من يعاندك أو يعارضك، إذا نصحته بقول الله أو بقول رسول الله ﷺ ورددت على قوله بأن هذه سفاسف أو أنها أمور تافهة، أو أنها قشور، فقل له: يقول الله : (ادخلوا في السلم كافة) يعني: التزموا بكل وجميع شرائع الإسلام دون استثناء.
﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة:٢٠٨] أي: طرقه التي يأمركم بها.
وقد جاء التعبير بخطوات الشيطان؛ لأن الشيطان خبير في استدراج الإنسان إلى المحرمات، فلا يأمره مباشرة أن يرتكب الفاحشة، لكن يسهل الأمر، يسهل له النظر في البداية، وربما زين له هذا بقوله: تأمل في خلق الله وإبداع الله في خلقه، كما يزيغ بذلك بعض زنادقة العصر فيقول: إن غض البصر لابد أن نفهمه فهماً عصرياً، أنت تنظر للمحرمات مثلاً من النساء المتبرجات أو غير ذلك وقلبك سليم، بنية التأمل في إبداع خلق الله وغير ذلك من الكلام! فهذا من خطوات الشيطان حيث يستدرج الإنسان خطوة خطوة.
كذلك أيضاً: الفسق والفجور يسمونه فناً، وأن الموضوع بعيد جداً عن هذا التفكير الحيواني الذي تتهموننا به يا معشر المتدينين!! وهم أشد الناس فساداً وغرقاً فيما حرم الله .
إذاً: الشيطان يضل الإنسان عن طريق خطوات يتم فيها استدراج الإنسان خطوة خطوة، فلو أتى بك من أعلى السلم وقال لك: ارمِ نفسك! فستقول: لا، سأهلك! لكنه يأخذك خطوة خطوة، درجة درجة، وهذه حيلته: نظرة فابتسامة فكلام فسلام فموعد فلقاء! والله أعلم ما يكون من البلاء بعد ذلك! فهذه حكمة من الله أنه يقول: (خطوات الشيطان)، عندما يستدرجك إلى الحرام.
وضمّ الطاء من (خُطُوات) وإسكانها لغة، أي: في اللغة يمكن أن تكون: (خُطُوات) أو (خُطْوات)، وقد قرئ بهما في القراءات السبع.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨] أي: ظاهر العداوة أو مظهر لها.
كما أخبرناكم عن قصته مع أبيكم آدم ﵇ وغيره مما شواهده ظاهرة.
يقول السيوطي رحمه الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)) (السلم) بفتح السين وكسرها يعني: الإسلام.
(كافة) حال من السلم أي: في جميع شرائعه.
(ولا تتبعوا خطوات) أي: طرق (الشيطان) أي: تزيينه بالتفريق بين أمور الدين.
(إنه لكم عدو مبين) أي: بيّن العداوة.
стр. 270
تفسير قوله تعالى: (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات)
يقول تعالى: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٠٩].
(إن زللتم) يعني: عن الدخول في السلم.
(من بعد ما جاءتكم البينات) أي: الآيات الظاهرة على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق (فاعلموا أن الله عزيز حكيم).
يقول السيوطي: (فإن زللتم) أي: مِلْتم عن الدخول في جميعه.
(من بعد ما جاءتكم البينات) أي: الحجج الظاهرة على أنه حق.
(فاعلموا أن الله عزيز) لا يعجزه شيء عن انتقامه منكم.
(حكيم) أي: في صنعه.
стр. 271
تفسير قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله)
يقول ﵎: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠].
(هل ينظرون) يعني: هل ينتظرون، وكلمة: (نظر) تماماً ككلمة: (انتظر) يقال: نظرت وانتظرت إذا ارتقبت حضوره، وهذا استفهام إنكاري في معنى النفي، (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) يعني: لا ينتظرون بما يفعلون من العناد والمخالفة بعد طول الحلم عنهم (إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام).
ظلل: جمع ظلة، كقُلل جمع قلة، أي: في ظلة داخل ظلة، وهي ما يستر من الشمس، كما يقال: الشمسية لكل ما يسترك من الشمس، فهي عبارة عن طبقات بعضها داخل بعض، فهي في غاية الإظلام والهول والمهابة؛ لما لها من الكثافة التي تحجب على الرائي ما فيها، وتجعله لا يرى ما فيها من شدة كثافتها.
﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] عطف على لفظ الجلالة أي: ويأتي جند الله من الملائكة الذي لا يعلم كثرتهم إلا هو، وهذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة أبي جعفر بالخفض يعني: (والملائكة) فهو عطف على ظلل أو الغمام.
(وقضي الأمر) أي: أتم أمر إهلاكهم وفرغ منه.
قال الراغب: نبه به على أنه لا يمكن في الآخرة تلاقي ما فرط منهم في الدنيا.
(وإلى الله ترجع الأمور) أي: فمن كانوا نافذي الملك والتصرف في الدنيا فإن ملكهم وتصرفهم مسترد منهم يوم القيامة، وراجع إليه تعالى؛ لأن الله مالك يوم الدين، يقول يوم القيامة: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦]، فلا يجيبه أحد ، فيجيب نفسه قائلاً: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]، فكذلك هؤلاء الذين كانوا نافذي الملك، وكان لهم قدرة على التصرف والرياسة والملك والحكم والتحكم في الناس؛ فكل هذا راجع إلى الله تعالى يوم القيامة.
(وإلى الله ترجع الأمور) يقال: رجع الأمر إلى الأمير، أي: استرد ما كان فوضه إليهم، فلو أن ملكاً مثلاً خرج من بلاده واستناب مثلاً ولي العهد، فبعد أن يقضي الزيارة ويرجع يقال: رجع الأمر إلى الأمير أو رجع الأمر إلى الملك، بمعنى أنه أخذ ما كان قد وكله فيه، أو فوضه فيه، فبنفس هذا المعنى يكون قوله: (وإلى الله ترجع الأمور) ولله المثل الأعلى سبحانه.
وقيل: (الأمور) هي الأرواح والأنفس دون الأجسام، وهذا تفسير آخر، وسماها أموراً من حيث أنها إبداعات مشار إليها بقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فكأن معنى (الأمور) على التفسير الثاني: الأرواح كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف:٢٩].
وقد قرئ في السبع: (تُرجعُ الأمور) بمعنى: تُرد، وبفتحها: (تَرجِعُ الأمور) بمعنى: تصير، كقوله تعالى: ﴿أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٣]، والمعنى في القراءتين متقارب؛ لأنها ترجع إليه تعالى، وهو سبحانه يرجعها إلى نفسه بإفناء الدنيا وإقامة القيامة.
стр. 272
بيان خطأ السيوطي في تفسير قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله)
يقول السيوطي رحمه الله تعالى في قوله : (هل ينظرون) أي: ما ينتظر التاركون الدخول فيه، (إلا أن يأتيهم الله) يعني: إلا أن يأتيهم أمر الله، كقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل:٣٣] أي: عذابه.
اهـ.
وفي مثل هذه المواضع في التفسير لا يجوز الاعتماد على كلام الجلالين، أي: في مواضع التأويل المخالف لمنهج السلف، وهذا من المواضع التي خالف فيها السيوطي منهج السلف، ولابد من الاعتماد في مثل هذه المواضع على منهج السلف، فلا نقول مثلاً: (والله يحب المتقين) أي: يثيبهم! أو ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]، أي: يثيبهم! بل هذه صفة من صفات الله لا يجوز تأويلها وتعطيلها.
كذلك قوله هنا: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة:٢١٠] هذه الآية لها أسباب تدل على أن هذا الوعيد أخروي، ولذلك قال ابن كثير في معنى هذه الآية: يقول تعالى مهدداً للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] يعني: يوم القيامة؛ لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
ولهذا قال تعالى: (وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور) كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢١ - ٢٣]، وقال : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]، فوصف الله نفسه بالإتيان في ظلل من الغمام كوصفه بالمجيء في آيات أخر، ونحوهما مما وصف به نفسه في كتابه أو صح عن رسوله ﷺ .
والقول في الصفات كالقول في الذات، والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فمن قال: كيف يجيء الله ؟ فيقال له: كيف ذاته؟ فسيقول: لا أعلم كيفية ذاته، فيقال له: وكذلك لا نعلم كيفية صفاته؛ فالكلام على الصفات فرع عن الكلام في الذات، فلأنك تثبت ذاتاً لا كذوات المخلوقين، كذلك تثبت صفات لا كصفات المخلوقين، فالسلف يقولون: نحن نجري هذه الصفات على ظاهرها، ويعنون أن ظاهرها هو ما يليق بالله ، والظاهر لائق بالله ، يعني: إذا سمعت صفة من صفات الله كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، أو: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ [المائدة:٦٤] أو غير ذلك من الصفات، مثل: أن الله يحب أو يفرح أو يعجب، أو غير ذلك من الصفات، فظاهرها هو كما يليق به ، وليس ظاهرها مشابهة المخلوقين، فمن قال كما قال السلف: ظاهرها على ما يليق بالله، فبالتالي لن يحتاج لها إلى تأويل ولا إلى تعطيل، ولا إلى غير ذلك من المسالك الضالة.
ومن العلماء من فهم أن ظاهرها هو مشابهة المخلوقين، فاحتاج إلى أن ينفي الصفة ليحترز من ذلك فقال: الظاهر غير مراد، ومعنى القول بأن الظاهر غير مراد، أي: إذا قال: (استوى على العرش) يكون ظاهر الكلام غير مقصود؛ لأن ظاهره يقتضي التشبيه، وهو مشابهة المخلوقين كما يزعمون.
وهذا المسلك يترتب عليه كثير من المخاطر، وأول شيء أنه لما سمع صفات الله لم يقل: هي كما يليق بالله ، وإنما قال: كالمخلوقين، فانصرف ذهنه إلى التشبيه، فأراد الهروب من هذا التشبيه فوقع في حفرة أخرى وهي حفرة التعطيل، فعطل الصفة وأنكرها، فبالتالي يكون قد حرف الكلام؛ لأنه نفى عن الله ما وصف به نفسه.
أما منهج السلف ففيه السلامة من هذا؛ لأنك لا تقع في التشبيه، بل أنت تقول: ظاهرها هو كما يليق بالله ، وتؤكد ذلك بقولك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فكما أننا لا نعلم كيفية ذات الله، كذلك لا نعلم كيفية صفاته، وقد مر الكلام في هذا مرات كثيرة.
ومجيء الملائكة في ظلل من الغمام أمر مألوف، فقد جاء في الصحيح عن البراء ﵁ قال: (كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بخطمين، فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: تلك السكينة تنزلت للقرآن).
وعن أسيد بن حضير قال: (بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس -يعني: هاجت وتحركت ومالت- فسكت عن القراءة فسكنت، فقرأ فجالت، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريباً منها، فأشفق أن تصيبه، فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى لا يراها حتى اختفت، فلما أصبح حدث النبي ﷺ ، فقال ﵊: اقرأ يا ابن حضير -المقصود: يا ليتك لم تتوقف عن القراءة- قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريباً، فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها، قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم).
يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (هل ينظرون) يعني: ما ينتظر التاركون الدخول فيه (إلا أن يأتيهم الله): أمره، كقوله: (أو يأتي أمر ربك) أي: عذابه.
واللفظ أنه يأتي الله، فكيف يصح هذا التأويل وفيه نفي لصفة الإتيان؟! أما المنهج السلفي فسيثبت ما وصف الله به نفسه كما يليق به سبحانه.
(في ظلل): جمع ظلة (من الغمام) أي: السحاب (والملائكة وقضي الأمر) يعني: تم أمر هلاكهم (وإلى الله تُرجَع الأمور) وفي قراءة أخرى: (تَرجِع الأمور) يعني: سيجازي كلاً بعمله في الآخرة.
стр. 273
تفسير قوله تعالى: (سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة)
يقول تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة:٢١١] أي: (سل) يا محمد! (بني إسرائيل)، وهذا تبكيت لهم وإلزام لهم بالحجة، (كم آتيناهم) (كم) استفهامية، وهي معلَّقة بـ (سل) عن المفعول الثاني، فـ (كم) ثاني مفعولي لـ (آتينا)، ومميزها قوله: (من آية بينة) أي: ظاهرة كفلق البحر، وإنزال المن والسلوى؛ فبدلوها كفراً.
ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١١] أي: يبدل ما أنعم الله به عليه من الآيات؛ لأنها سبب الهداية (من بعد ما جاءته) أي: يبدلها كفراً بدل أن يتعظ بها ويستدل بها على الإيمان والتوحيد والرسالة.
(من بعد ما جاءته): كفراً.
(فإن الله شديد العقاب) ولذلك قال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم:٢٨].
يقول البقاعي: لما كان بنو إسرائيل أعلم الناس بظهور مجد الله في الغمام، لما رأى أسلافهم منه عند خروجهم من مصر، وفي جبل الطور، وقبة الزمان، وما في ذلك على ما نقل إليهم من وفور الهيئة وتعاظم الجلال؛ قال تعالى جواباً لمن قال: كيف يكون هذا؟ وهو إشارة إلى إتيان الله والملائكة في ظلل من الغمام، فجاء الجواب مباشرة: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة:٢١١]، فإن بني إسرائيل عندهم علم من هذا، وهذا موجود ومكتوب في كتبهم، وهو مجيء الله في ظلل من الغمام والملائكة.
стр. 274
تفسير قوله تعالى: (زين للذين كفروا الحياة الدنيا)
قال : ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة:٢١٢]، الذين كفروا: سواء من أهل مكة أو غيرها (الحياة الدنيا) أي: لزخارفها الظاهرة بالتمويه، فأحبوها لهذه الزينة الظاهرة.
(ويسخرون من الذين آمنوا) أي: وهم يسخرون من الذين آمنوا لفقرهم كـ بلال وعمار وصهيب، فيستهزئون بهم ويتعالون عليهم بالمال.
يقول الحرابي: ففي ضمنه إشعار بأن استحسان بهجة الدنيا كفر بالله، واستحباب زينة الدنيا نوع من أنواع الكفر؛ لقوله قبل ذلك قال: (ومن يبدل نعمة الله) يعني: كفراً (من بعد ما جاءته)، ثم قال هنا: (زين للذين كفروا) فالافتتان بزينة الدنيا من خصال الكفار، حيث أن نظر العقل والإيمان يبصر غايتها، ويشهد جيفتها، فلا يغتر بزينتها، وهي آفة الخلق في انقطاعهم عن الحق.
(ويسخرون من الذين آمنوا) يهزءون منهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٠]، إلى آخر الآيات.
ثم يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:٢١٢] (الذين اتقوا): وهم المؤمنون، وإنما ذكروا بعنوان التقوى؛ لحضهم عليها، وإيذاناً بترقب الحكم عليه، فلم يقل: والذين آمنوا، لكن قال: (الذين اتقوا) حتى يلفت نظر المؤمنين إلى أنهم إنما نالوا ذلك بصفة التقوى.
(والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة) يقول: (والذين اتقوا) الشرك، وهم هؤلاء الفقراء.
(فوقهم يوم القيامة) أي: أنهم في عليين وهؤلاء في أسفل سافلين، أو: لأنهم يتطاولون عليهم في الآخرة فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود:٣٨]، وقال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٢ - ٢٣]، فالمهم أن المؤمنين يضحكون أخيراً، ولذلك قال بعض العلماء: يحتمل قوله تعالى: ﴿فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:٢١٢] وجهين: الأول: أن حال المؤمنين في الآخرة أعلى من حال الكفار في الدنيا.
الثاني: أن المؤمنين في الآخرة هم في الغرفات، والكفار في الدرك الأسفل من النار.
ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة:٢١٢]، والمقصود: رزقاً واسعاً رغداً لا فناء له ولا انقطاع كقوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر:٤٠]، فإن كل ما دخل تحت الحساب والحق والتقدير فهو مُتناهٍ، وما لا يكون متناهياً كان لا محالة خارجاً عن الحساب، فهو ثواب إلى ما لا نهاية؛ لأنه إذا دخل في الحساب صار محصوراً معدوداً، أما إذا كان بغير حساب فلا نهاية له ولا حصر.
стр. 275
تفسير قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة)
يقول تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة:٢١٣] قال السيوطي: أي: على الإيمان، فاختلفوا بأن ثبت بعضهم على الإيمان وكفر البعض الآخر، وكلمة: (فاختلفوا) ليست من كيس السيوطي، بل هي من فقهه، حيث إنه قدر الكلام: (كان الناس أمة واحدة) فاختلفوا (فبعث الله النبيين)؛ لأنه لو لم نقدر كلمة (فاختلفوا) قبل بعثة الأنبياء فكأن الآية تعني أن الأنبياء بعثوا كي يفرقوا الناس بعد أن كانوا متوحدين! وهذا مستحيل.
إذاً: معنى الآية: (كان الناس أمة واحدة) فاختلفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة:٢١٣].
والدليل على صحة تقدير هذه الكلمة موجود في الآية نفسها، في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ [البقرة:٢١٣] إلى آخر الآية.
(فبعث الله النبيين) يعني: إليهم.
(مبشرين) يعني: من آمن بالجنة.
(ومنذرين) يعني: من كفر بالنار.
(وأنزل معهم الكتاب): (الكتاب) هنا اسم جنس بمعنى: الكتب.
(بالحق) يعني: أنزله بالحق.
(ليحكم بين الناس) يعني: يحكم به بين الناس فيما اختلفوا فيه، أي: من الدين.
(وما اختلف فيه) أي: في الدين.
(إلا الذين أوتوه) يعني: الكتاب، فآمن بعض وكفر بعض.
(من بعد ما جاءتهم البينات) يعني: الحجج الظاهرة على التوحيد.
(بغياً) من الكافرين (بينهم).
(فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق) (من) هنا للبيان وليست للتبعيض؛ لأن كل ما أنزل في الكتاب هو حق.
(بإذنه) أي: بإرادته.
(والله يهدي من يشاء) أي: هدايته.
(إلى صراط مستقيم) وهو طريق الحق.
стр. 276
تفسير قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة)
يقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١٤].
أنزلت هذه الآيات لما أصاب المسلمين الجهد والمشقة يوم الأحزاب، حيث أصاب النبي ﷺ وأصحابه بلاء شديد بعد حصار المدينة، فقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ [البقرة:٢١٤] يعني: بل حسبتم.
﴿أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا﴾ [البقرة:٢١٤] و (لما) تنفي إلى وقت التكلم، أي: ولما ﴿يَأْتِكُمْ مَثَلُ﴾ [البقرة:٢١٤] أي: شبه ما أتى الذين خلوا من قبلكم من المؤمنين والمحسنين، فتصبروا كما صبروا.
وكأن سائلاً يقول: ما مثل الذين خلوا من قبلهم؟ ما الذي حصل لهم؟ فأتى
الجواب
﴿ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ﴾ [البقرة:٢١٤] أي: شدة الفقر.
﴿وَالضَّرَّاءُ﴾ [البقرة:٢١٤] أي: المرض.
﴿وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة:٢١٤] أي: أزعجوا بأنواع البلاء.
﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة:٢١٤]، بالنصب أو الرفع (حتى يقولَ) أو (حتى يقولُ).
﴿الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة:٢١٤]، استبطاءً للنصر؛ لتناهي الشدة عليهم.
﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤] أي: متى يأتي نصر الله الذي وعدَنَاه؟ فأجيبوا من قبل الله: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] أي: قريب إتيانه.
стр. 277
تفسير قوله تعالى: (يسألونك ماذا ينفقون)
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢١٥] أي: الذي ينفقونه، والسائل هو: عمرو بن الجموح وكان شيخاً ذا مال، فسأل النبي ﷺ عما ينفق وعلى من ينفق.
(قل) يعني: قل لهم: ﴿مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة:٢١٥]، بيان شامل للقليل والكثير، وفيه بيان الشيء المنفق، الذي هو أحد شِقّي السؤال، وأجاب عن المصرف الذي هو الشق الآخر بقوله: ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة:٢١٥]، وكلمة: (من خير) تطلق على المال ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة:٢١٥] أي: هؤلاء أولى بهذا الجانب.
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة:٢١٥] يعني: إنفاق أو غيره.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٥]، فيجازي عليه.
стр. 278
تفسير قوله تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم)
قال : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة:٢١٦] يعني: فرض عليكم القتال للكفار.
﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] يعني: مكروه لكم طبعاً لمشقته.
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]، لميل النفس إلى الشهوات الموجبة لهلاكها ونفورها عن التكليفات الموجبة لسعادتها، فلعل لكم في القتال -وإن كرهتموه- خيراً؛ لأن فيه إما الظفر والغنيمة أو الشهادة والأجر، وفي تركه -وإن أحببتموه- شراً؛ لأن فيه الذل والفقر وحرمان الأجر.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ [البقرة:٢١٦] يعني: ما هو خير لكم.
﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦] يعني: ذلك، فبادروا إلى ما يأمركم به.
стр. 279
وقفة عند قوله تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم)
قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] هذا في قتال المتعرضين لقتال المسلمين، كما قال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة:١٩٠].
والمراد بقتالهم: جهادهم بما يبيدهم أو يقهرهم ويخذلهم ويضعف قوتهم.
قال بعض الحكماء: سيف الجهاد والقتال هو آية العز -أي: علامة العز-، وبه مُصّرت الأمصار، ومُدّنت المدن، وانتشرت المبادئ والمذاهب، وحفظت الشرائع والقوانين، وبه حمي الإسلام من أن تعبث به أيدي العابثين في الغابر، وهو الذي يحميه من طمع الطامعين في الحاضر، وبه امتدت سيطرة الإسلام إلى ما وراء جبال الأورال شمالاً، وخط الاستواء جنوباً، وجدران الصين شرقاً، وجبال البرانس غرباً، فيجب على المسلمين ألا يتملصوا من قول بعض الأوروبيين: إن الدين الإسلامي قد انتشر بالسيف، فإن هذا القول لا يضر جوهر الدين شيئاً، فإن المنصفين منهم يعلمون أنه قام بالدعوة والإقناع، وأن السيف لم يجرد إلا لحماية الدعوة، وإنما التملص منه يضر المسلمين.
أي: التبرؤ من الجهاد، فبعضهم يجعل الإسلام كأنه وضع داخل قفص الاتهام، وكأنه هو المحامي الذي يدافع ويبرر جريمة الجهاد، ويقولون: لا، كل الغزوات كانت دفاعاً ورداً للعدوان، ولم يكن هناك مبادأة، وغير ذلك من هذا الكلام الاستسلامي الانهزامي! وأخطر ما في التملص من هذا الكلام هو أنهم يضرون المسلمين؛ لأن هذا سيقعدهم عن نصرة الدين بالسيف، ويقودهم إلى التخاذل والتواكل، ويحملهم على الاعتقاد بترك الوسائل، فيخلدون إلى الضعف كما هي حالتهم اليوم، وتقتلعهم الأمم القوية التي جعلت شعار تمدنها: السيف أو الكوخ، ولعلكم سمعتم كلمة كلينتون أو قرأتموها في الأيام الأخيرة حينما قال: إننا اتفقنا -هو وميتران - على ألا تقوم قائمة لإسلام قوي، وسنستعين على ذلك بالدول الإسلامية ذات الموارد الفقيرة! يقول هذا العالم: فيجب على المسلمين أن يدرسوا آيات الجهاد صباح مساء، ويطيلوا النظر في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] لعلهم يتحفزون إلى مجاراة الأمم القوية.
﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] المقصود هنا: الكراهة الجِبِلّية الطبعية، وهي أن الإنسان يكره أن يُقتل أو يموت، لكن شرعاً: المؤمن يحب الجهاد، فلا تناقض.
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ [البقرة:٢١٦] كالجهاد في سبيل الله.
﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] كما ذكرنا.
﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦]، بعض العلماء قال: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦] المقصود صنف معين من الأعراب وغيرهم، فهم الذين يصدق عليهم أنهم لا يعلمون، وأما المؤمنون الراسخون فقد أعلمهم الله من عنده ما علموا أن القتال خير لهم، وأن التخلف شر لهم، حتى إن علمهم ذلك ظهر على ألسنتهم بما يسيل الدموع وينير القلوب من شدة علمهم بهذه الحقيقة، فحين شاورهم النبي ﷺ بالتوجه إلى غزوة بدر، قام أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال وأحسن، ثم قام عمر ﵁ فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو ﵁ فقال: (يا رسول الله! امض بما أمرك الله فنحن معك، والله! لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ((اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)) [المائدة:٢٤]، ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق! لو سرت إلى برك الغماد -وهو مكان وراء مكة بخمس ليالي مما يلي البحر- لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله ﷺ خيراً ودعا له) ثم قام سعد بن معاذ فقال: (امض -يا رسول الله- لما أردت ونحن معك، فوالذي بعثك بالحق! لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً).
فقوله: (ما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً) يدل على أن الصحابة من الراسخين في الإيمان، وهم برآء من هذه الكراهة، بل تضلعوا من علم الوحي حتى أيقنوا بمحبة هذا الجهاد، ولم يكرهوه.
ثم قال سعد: (إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، فلعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله).
ونحن إذا توسعنا في هذا الكلام سنجد نماذج عظيمة جداً من السلف رضي الله تعالى عنهم في الجهاد؛ لأنه لا يمكن أن هؤلاء يكرهون الجهاد في سبيل الله أبداً، بل كما قال خالد بن الوليد لبعض قواد الكفار: جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة! وكما في قصة عبد الله بن حذافة رضي الله تعالى عنه لما أسر مع مجموعة من المسلمين، وأغراه ملك الروم أن يتنصّر ويخلي سبيله فأبى، فأتى بأسير ووضع في إناء زيت يفور ويغلي ثم أخرج وهو عظام تلوح.
فعرض عليه الدخول في النصرانية فأبى، فعُلق عبد الله بن حذافة ﵁ وأمر الملك أن يرمى بالسهام قريباً من يديه ورجليه ورأسه؛ إخافة له وإرهاباً فأبى، ولما وضعوا في هذا الإناء الذي يغلي أحد الأسرى وأخرج فإذا هو عظام تلوح بكى في هذه اللحظة، فطمع الملك في تنصّره لما رآه يبكي، فعرض عليه النصرانية فقام فأبى، فقالوا: إذاً ما يبكيك؟! قال: حينما رأيت هذا الأسير الذي قد فعل به كذا، تذكرت أن لي نفساً واحدة، وكنت أود أن لي سبعين نفساً تعذب كلها في الله كما عذبت هذه النفس! فبكى لأن له نفساً واحدة فقط ستعذب هذا العذاب في سبيل الله.
هل يمكن أن هذا يكره الجهاد في سبيل الله؟!! إذاً: هناك نماذج في الحقيقة تطول جداً من سير السلف تثبت أنهم ما كرهوا القتال في سبيل الله.
فهذان تفسيران للآية: الأول: إما أن يكون ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] يعني: كراهة طبعية كقول عائشة: كلنا يكره الموت.
الثاني: أن قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦] أي: في طبقة معينة من الناس كالأعراب وغيرهم، أما الذين رسخ إيمانهم وتعلموا من النبي ﷺ ومن الوحي فهم لا يكرهون الجهاد، بل بعضهم كان يبكي لما اعتذر لهم النبي ﷺ عن حملهم معه للجهاد كما قال الله: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢].
стр. 280
تفسير قوله تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه)
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧].
اختلف المفسرون في هؤلاء الذين سألوا النبي ﷺ ، فقيل: هم أهل الشرك أفضوا إلى تعيير المسلمين لما تجاوزوه من القتل في الشهر الحرام، وقيل: هم أهل الإسلام.
(يسألونك) فإما أن الواو تعود إلى أناس من المسلمين سألوا النبي ﷺ عن حكم القتال في الشهر الحرام، وإما أنها تعود إلى المشركين؛ لأن المشركين كانوا يعيرون المسلمين ويقولون لهم: ما حكم القتال في الشهر الحرام في شرعتكم وفي دينكم وقد تجاوزتم هذا الحكم بإجراء القتال في الشهر الحرام؟ والمقصود بالشهر الحرام: شهر رجب، وكان شهر رجب يدعى عند العرب: الشهر الأصم؛ لأنه لم يكن يسمع فيه للسلاح قعقعة تعظيماً لهذا الشهر، وكانوا يعظمونه أكثر من بقية الأشهر الحرم، فكانوا يسمونه الشهر الأصم؛ لأنه لا يسمع فيه قعقعة السلاح ولا قتال.
وقد أخرج الطبراني في الكبير والبيهقي في سننه وابن جرير وابن أبي حاتم عن جندب بن عبد الله أن رسول الله ﷺ بعث رهطاً واستأمر عليهم أبا عبيدة، فلما انطلق ليتوجه طاعة لأمر الرسول ﵇ ولشدة خوفه وحبه للرسول ﵇ فلم يملك نفسه أن بكى صبابة وشوقاً إلى الرسول ﵇ وحزناً على فراقه، فبعث مكانه عبد الله بن جحش واستبقى أبا عبيدة رضي الله تعالى عنه، وهذا كان قبل غزوة بدر الكبرى، وسمي عبد الله بن جحش في هذه الغزوة: أمير المؤمنين؛ لكونه أميراً على جماعة من المؤمنين، وهذا يرويه ابن مسعود، فلقي الصحابة ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب، وكانوا يظنون أنه ليس من الشهر الحرام، وكان ذلك اليوم يحتمل أن يكون آخر يوم من جماد الآخرة أو أول رجب، وهم لم يقطعوا بذلك، وظنوا أنه من جماد الآخرة، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام.
فأنزل الله هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢١٧]، فبعض الناس قالوا: هؤلاء الصحابة الذين قتلوا في الشهر الحرام إن كانوا قد فعلوا ما عليهم بسبب جواز وإباحة القتال في هذه الظروف التي كانوا فيها، فهم على أقل تقدير ليس لهم أجر لفعلهم هذا، فأنزل الله تعالى الآية التي تليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٨]، لإثبات أن لهم أجراً في هذا.
وأخرج ابن مندة في الصحابة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان أصحاب النبي ﷺ يظنون تلك الليلة من جمادى وكانت أول رجب.
وفي رواية ابن أبي حاتم وصححها الشيخ أحمد شاكر ﵀: بعث النبي ﷺ عبد الله بن جحش الأسدي في جيش على رأس سبعة عشر شهراً من الهجرة في اثني عشر رجلاً من المهاجرين، كل اثنين يعتقبان على بعير، فوصلوا إلى بطن نخلة يرصدون عيراً لقريش، وبعث معه كتاباً وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فلما سار يومين فتح الكتاب فوجد فيه: (إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل بنخلة -موضع بين مكة والطائف- ارصد بها عيراً لقريش، وتعلم لنا من أخبارهم)، فقال: سمعاً وطاعة، وأخبر أصحابه بذلك، ولم يستكرههم بل خيرهم من شاء أن يستمر معه فليستمر، ومن شاء أن يعود فليعد، قال: فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، أما أنا فناهض، فنهضوا كلهم، فلما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة فيها عمرو بن الحضرمي وعثمان ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة، فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب، ولئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام! فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم وأجمعوا على مقاتلتهم، فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، وأسروا عثمان والحكم، وأفلت نوفل فأعجزهم، ثم أقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله ﷺ وقد عزلوا من ذلك الخمس، وهو أول خمس كان في الإسلام، وأول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين في الإسلام، فأنكر رسول الله ﷺ ما فعلوه، واشتد تعييب قريش وإنكارهم ذلك، وزعموا أنهم قد وجدوا مقالاً، فقالوا: قد أحلّ محمد الشهر الحرام، ويروى أن اليهود أيضاً دخلوا في هذه المعمعة ولم يفوتوا الفرصة، بل ضلوا يخوضون في التشنيع على المسلمين، واستعملوا بعض العبارات كنوع من التفاؤل بإثارة الحرب على رسول الله ﷺ ، فقالوا: عمرو أي: عُمرت الحرب، الحضرمي: حضرت الحرب، قتله واقد: وقدت الحرب، فجعل الله عليهم ذلك وبهم، ولما كثر الكلام في هذه الحادثة، وأكثر الناس في ذلك القيل والقال أنزل الله ﵎ هذه الآية الكريمة.
قوله تعالى: (قتال فيه) هذا بدل من الشهر وهو بدل اشتمال: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) فهو بدل اشتمال من الشهر؛ لأن السؤال اشتمل على الشهر وعلى القتال، وسؤالهم إنما كان عن الشهر؛ لأجل القتال فيه، فأبدل (قتال) من (الشهر) كما أنشد سيبويه: فما كان قيس ملكه ملك واحد ولكنه بنيان قوم تهدّما قوله: ملكه ملك واحد بدل اشتمال.
تقول مثلاً: أعجبني زيد علمه، فـ (علمه) بدل اشتمال؛ لأن زيداً يشتمل على العلم ويشتمل على غيره، فأبدل منه هذا، كذلك تقول مثلاً: نفعني زيد كلامه، فـ (كلامه) بدل اشتمال من زيد، ومثله قولك: سُرق زيد ماله، أو: سلب زيد ثوبه، وهكذا.
فقوله: (قتالٍ فيه) بدل من الشهر؛ لأن القتال يقع في الشهر.
стр. 281
تفسير سورة البقرة [٢٢٩ - ٢٤٢]
стр. 282
تفسير قوله تعالى: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)
قال تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩].
قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَخَافَا) يعني: إلا أن يخاف الزوجان.
(أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) يعني: ألا يأتيا بما حده لهما من الحقوق.
وفي قراءة (إلا أن يُخافا) بالبناء للمفعول، أي: يخافا من قبل ولاة الأمور.
فـ (أن لا يقيما) بدل الاشتمال من الضمير فيه، وقرئ شذوذاً بالفوقانية في الفعلين، أي: (إلا أن تخافا أن لا تقيما) وهذه قراءة شاذة.
قوله تعالى: ((فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)) هذه الآية دليل على جواز الخلع، والخلع هو: أن تختلع المرأة من زوجها، وهذا جائز إذا كان بعذر وبسبب، أما المرأة التي تطلب من زوجها الخلع من غير ما سبب فقد ورد فيها وعيد شديد، فقد قال ﷺ : (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة).
وقال النبي ﷺ : (المختلعات أو المنتزعات هن المنافقات)، فلا يجوز للمرأة أن تطلب من زوجها الطلاق بين الحين والآخر لأتفه الأسباب أو بدون سبب أو بسبب اختلاف، لكن إن كان هناك سبب وجيه وبأس وعذر فلها أن تطلب الطلاق ولا حرج عليها، أما أن تطلبه لغير ذلك فقد ثبت في ذلك هذا الوعيد الشديد.
يقول تعالى: ((فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)) لا جناح على الرجل ولا على المرأة فيما افتدت به نفسها من المال ليطلقها، فلا حرج على الزوج في أخذه، فهذا معنى (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) أي: ليس على الزوج حرج في أن يأخذ هذا المال الذي تفتدي نفسها به، وليس هناك حرج -أيضاً- على الزوجة أن تبذل هذا المال لتفتدي نفسها به.
(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أي: تلك الأحكام المذكورة حدود الله: (فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
стр. 283
تفسير قوله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره)
قوله تعالى: (فإن طلقها) هذا مرتبط بما قبله، حيث قال تعالى: (الطلاق) يعني: التطليق (مرتان)، ثم قال: (فإن طلقها) يعني: إن طلقها الزوج بعد الثنتين (فلا تحل له من بعد) يعني: من بعد الطلقة الثالثة لا تحل له (حتى تنكح زوجاً غيره) أي: حتى تتزوج زوجاً غيره ويطأها، للحديث الذي رواه الشيخان، فلا تحل له بعد الطلقة الثالثة حتى تتزوج زوجاً غيره ويطأها؛ لأن كلمة (تنكح) كما هو معلوم لفظ مشترك بين العقد وبين الوطء، فبالتالي نص هنا في التفسير على الوطء كي لا يظن أنه يكفي مجرد العقد؛ لأن الحديث دل على ذلك، ودلت الشريعة على تحريم نكاح المحلل، فقد لعن النبي ﷺ المحلل والمحلل له، وسماه النبي ﵊ بالتيس المستعار، فمن الحيل المحرمة نكاح التحليل.
فلذلك قال: (حتى تنكح) يعني: تتزوج (زوجاً غيره) ويطأها، ولابد من وطئها؛ لحديث رواه الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله ﷺ فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي -أي: طلقني الطلاق البتة ثلاثاً- فتزوجني عبد الرحمن بن الزَّبير، وما معه إلا مثل هدبة الثوبة -أي: هو عنين- فتبسم النبي ﷺ فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟! لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)، وهذا كناية عن الوطء.
فيجب أن يكون النكاح الثاني مقصوداً لذاته، لا لتحليل المرأة للزوج الأول، فأي نكاح لابد أن يكون الزوج ناوياً فيه التأبيد، لابد أن ينوي التأبيد، وأي عقد زواج يكون مؤقتاً فهو نكاح متعة، وهذا قد نسخ وحرم، فعقد النكاح لمدة معينة لا يجوز عندنا أهل السنة، وإنما يجب أن يكون على التأبيد، والتأبيد أن ينوي أن يعيش معها إلى الأبد ويتزوجها إلى الأبد.
فلذلك ينبغي أن يكون هذا النكاح الثاني مقصوداً لذاته لا لمجرد التحليل، فمن وطأها لابد أن ينوي، لا أن ينوي بالوطء أن يحللها لزوجها، لكن ينوي بالعقد أن يتزوجها إلى الأبد.
يقول: يجب أن يكون النكاح الثاني مقصوداً لذاته لا لتحليل المرأة للزوج الأول، فإن قصد به التحليل كان الطرفان آثمين بالإجماع مع خلاف في صحة العقد؛ لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: (لعن الله المحلل والمحلل له) رواه النسائي والترمذي.
قوله تعالى: (فإن طلقها) الفاعل هنا الزوج الثاني، (فإن طلقها) أي: الزوج الثاني طلقها لأي سبب، فهو نوى التأبيد لكن حصل بينهما نزاع أو أي شيء حتى طلقها لا لقصد التحليل، لكن طلقها لمشاكل عائلية.
(فإن طلقها) أي: الزوج الثاني (فلا جناح عليهما) يعني: الزوجة والزوج الأول (أن يتراجعا) يعني: أن يتراجعا إلى النكاح بعد انقضاء العدة، ولابد من هذا الشرط، لابد أن يكون النكاح بعد انقضاء العدة.
﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣٠] أي: تلك المذكورات حدود الله.
(يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أي: يتدبرون.
стр. 284
تفسير قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة:٢٣١].
قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن انقضاء عدتهن ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾.
وإنما كان معنى (بلغن) قاربن لأنه لو كانت العدة قد انقضت بالفعل فلا يمكنه أن يمسكها، بل تكون قد بانت منه بينونة صغرى، لذلك فسر قوله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن) بأن معناه: قاربن انقضاء عدتهن.
فقوله تعالى: (فأمسكوهن) الإمساك لابد أن يكون في جزء من العدة، وهو الذي يكون عند اقتراب نهاية العدة.
قوله تعالى: (فأمسكوهن بمعروف) أي: أمسكوهن بأن تراجعوهن.
وقوله تعالى: (بمعروف) أي: من غير إضرار.
وقوله تعالى: (أو سرحوهن بمعروف) أي: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن.
وقوله تعالى: (ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا) أي: ولا تمسكوهن بالرجعة.
(ضراراً) مفعول له.
(لتعتدوا) أي: تعتدوا عليهن بالإلجاء إلى الافتداء والتطليق وتطويل العدة، وذلك أن ينوي الرجل بمراجعتها تطويل العدة، فإذا قاربت العدة الانتهاء يراجعها، ويتعسف في استعمال هذا الحق الذي أعطاه الله إياه كي يطيل عليها عدتها، يعني فيراجعها من جديد ثم يطلقها لتطول عليها العدة؛ لأنها إذا طلقت منه ستكون لها الحقوق المادية من المتعة أو المهر، أو مؤخر الصداق، لكن هو يمسكها بنية أن يضايقها ويؤذيها كي تطلب هي الافتداء فتبرئه من حقوقها، فيمسكها بنية الضرار.
ولا شك أن هذه الأشياء متفشية إلى الآن، حتى إن بعض الذين يزعمون أنهم متدينون نجد أن الإنسان منهم إذا غلبه الهوى والظلم والتعسف لا يلتفت إلى هذه الأمور الشرعية، وقد رأينا ذلك في أناس كثيرين.
إلا أن التقي -كما قال بعض السلف- ملجم، فليس كل ما يقدر عليه يفعله، فالتقوى تلجمه وتكبح هواه وبغيه.
وبعض الناس الحلال عنده هو ما قدر عليه، والحرام هو ما عجز عنه، فإن قدر على مال كان عنده حلالاً له، وإن قدر على عرض كان حلالاً له، والحرام هو الذي عجز عنه، وليس الحرام عنده ما حرم الله، وليس الحلال عنده ما أحله الله ! فإذا كنت قادراً على الظلم فتذكر أن الله أقدر عليك منك على المظلوم، حتى ولو كانت المرأة لا يوجد لها من يدافع عنها أو يحميها أو يتولى صيانة حقوقها، وبالتالي يُعدُّ هذا التصرف منه منافياً لما أوصى به النبي ﵌ في قوله: (استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم) يعني: أسيرات عندكم.
وقوله ﵊: (إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة) يعني: أنتم في حرج إذا ضيعتم حق هذين الضعيفين: اليتيم والمرأة.
فالشاهد أن الرجل لا يجوز له أن يمسكها ضراراً.
تجد الرجل يتزوج مثلاً، ثم يطلق مرتين ويبقي الثالثة، ثم يتزوج امرأة أخرى، ويضعها على ذمته دون أن يراجعها، فتصبح معلقة لا هي ذات زوج ولا هي مطلقة، ولا شك أن هذا يتنافى مع الأخلاق الإسلامية، ومثل هذه التصرفات لا يأتي بها من يخاف الله أو يستحيي من الله، فليس كل ما تقدر عليه أو ما يوفره لك القانون أو يحرره لك المحامي يكون حقاً لك، فإذا كنت تتقي الله فينبغي أن تلتزم بشرع الله .
قال تعالى: ((وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ)) أي: بالرجعة (ضِرَارًا) أي لأجل الضرار لتعتدوا عليهن بالإلجاء إلى الافتداء، فيضيق عليها حتى تفتدي نفسها بالمال، أو تتنازل عن حقوقها عنده.
قال تعالى: ((وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا)).
هنا عدة قراءات، فقد قرئ (هُزواً) بالهمزة مع ضم الزاي (هُزُءًا)، وبالهمزة مع سكون الزاي (هُزْءًا)، وفي قراءة بضم الزاي وإبدال الهمزة واواً، وهي رواية حفص عن عاصم أي: مهزوءاً بها.
والمعنى: لا تهزءوا بآيات الله بأن تخالفوها ولا ترفعوا بها رأساً ولا تلقوا لها بالاً.
ثم يقول تعالى: ((وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)) يعني: بالإسلام.
((وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ)) [البقرة:٢٣١] أي: القرآن.
(والحكمة) يعني: ما في القرآن من الأحكام.
وحيث ما وردت الحكمة مقترنة بالكتاب في سياق الامتنان على هذه الأمة المحمدية فالمقصود بها السنة، وهذا لا يتعارض مع تفسير السيوطي للحكمة هنا بما في القرآن من الأحكام، ولكن المعروف أن الحكمة هنا هي السنة كما سبق الاستدلال على ذلك.
((يَعِظُكُمْ بِهِ)) يعني: اذكروا هذه النعمة بأن تشكروها وتعملوا بهذه الأحكام التي أنزلها الله وامتن بها عليكم.
((وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) أي: لا يخفى عليه شيء.
стр. 285
تفسير قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجهلن فلا تعضلوهن)
ثم يقول تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٢] ليس المقصود ببلوغ الأجل هنا مقاربة انقضاء عدتهن، بل المراد بـ (بلغن أجلهن) هنا انقضاء العدة بالفعل، حيث بانت من زوجها بينونة صغرى.
فـ (إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن) أي: انقضت عدتهن (فلا تعضلوهن) الخطاب هنا للأولياء، والعضل: هو مضارة المرأة بأن يمنعها من زوجها.
أي: أن يأتيها زوج كفء فلا يزوجها، فهذا هو العضل، وهو صورة من صور التعسف أو سوء استعمال السلطة التي أعطاها الله الأولياء.
وهذه الآية من أوضح الأدلة على أن الولي هو صاحب الحق في تزويج المرأة، فالنهي عن العضل يثبت أن له سلطة، وأن الولي أبا المرأة -مثلاً- أو وليها الشرعي هو الذي يتولى تزويجها؛ لأنه لو كان الأمر إليها لما احتيج إلى النهي عن العضل، فالنهي عن العضل لأن سلطة التزويج من سلطة الولي فقط، كما قال ﵌: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل)، وقال ﵊: (لا نكاح إلا بولي)، والآيات في هذا كثيرة، منها الآية التي أشرنا إليها سابقاً في قوله ﵎: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة:٢٢١]، و (تُنكِح) فعل مضارع، وماضيه (أنكح).
وأما (ولا تَنكَحوا المشركات) فهو من (نَكَح) بمعنى: تزوج، أي: فلا تتزوجوا المشركات، أما حينما نزوج نحن بناتنا فيقول ﵎: (ولا تُنكحوا) يعني: لا تُزوجوا بناتكم المشركين، فلم يقل: لا يَنكَحن هن المشركين حتى يؤمنوا؛ لأنه لا سلطة للمرأة في التزويج، فالسلطة هي للرجل، ولذلك قال: (ولا تُنكِحوا المشركين) يعني: لا تزوجوهن بناتكم حتى يؤمنوا.
وهذا أيضاً دليل على اشتراط الولي في النكاح.
وقوله ﵎: ((فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن))، والخطاب هنا للأولياء، أي: لا تمنعوهن من أن ينكحن أزواجهن، وليس المراد: أي أزاوج! وإنما أزواجهن المطلقون لهن، وهو الزوج الذي طلقها فيما مضى حتى انقضت عدتها منه وبانت منه بينونة صغرى.
يقول السيوطي: (فلا تعضلوهن) خطاب للأولياء، أي: لا تمنعوهن من أن ينكحن أزواجهن المطلقين لهن؛ لأن سبب نزولها أن أخت معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه طلقها زوجها ولم يراجعها حتى انقضت عدتها، وأخته هذه كان يتقدم إليها كثير من أشراف الناس ووجهائهم، فكان يتأبى عليهم، وفضله هو بتزويجها.
فلما تزوجها طلقها ولم يراجعها حتى انقضت عدتها، فأراد أن يراجعها فمنعه معقل بن يسار وأبى وأخذته الحمية وقال: أكرمتك وزوجتك إياها فطلقتها ثم لم تراجعها حتى انقضت العدة، وبعد ذلك تطلب أن تراجعها! فأصر ألا يعيدها إليه، وهي ترغب أن تعود إلى زوجها، فلما نزلت هذه الآية قال معقل: سمعاً لربي وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك تعظيماً لأمر الله .
وهكذا الإيمان ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١].
ولا شك أن قوله تعالى: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) إنما هو إذا تراضوا بينهم بالمعروف؛ لأن المرأة إذا امتنعت عن العودة إلى زوجها الذي بانت منه بينونة صغرى فلا تلزم بالقبول إذا خطبها بعد ذلك.
وقد رغب الله في إرجاع المرأة إلى زوجها الأول إذا خطبها بعد انقضاء عدتها؛ لما كان بينهما من العلاقة القائمة والمعاشرة الطويلة، فلا يؤمن أن يقع نوع من العلاقة والمواصلة المحرمة بينهما؛ لما كان بينهما سابقاً من الارتباط والعلاقة، فإذا سد الباب الحلال عليهما قد ينفتح باب الريبة في العلاقة بينهما لقوة العلاقة بينهما فيما مضى، ولذلك كان هذا الحكم سداً لهذا الباب من أبواب الفتنة.
قوله تعالى: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) أي: المطلقين لهن.
(إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) (إذا تراضوا) الواو تعود على الأزواج والنساء.
(بينهم بالمعروف) أي: المعروف شرعاً؛ لأن المعروف هو ما عرفه الشرع، والمنكر هو ما أنكره ونهى عنه.
(ذلك) أي: ذلك النهي عن العضل (يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)؛ لأن الذي يؤمن بالله واليوم الآخر ويخشى الله ويتقيه هو الذي ينتفع بهذه الموعظة.
(ذلكم) يعني: ترك العضل (أزكى لكم وأطهر) (أزكى) أي: خير لكم وأطهر لكم ولهن، أي: للأزواج والزوجات، فهو أطهر لما يخشى على الزوجين من الريبة بسبب العلاقة السابقة بينهما.
(والله يعلم) أي: ما فيه من مصلحة.
(وأنتم لا تعلمون) أي: ذلك، فاتبعوا أمره.
следующие страницы →