Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
تفسير ابن كثير للآية بأن المراد بها قرب الملائكة
أما ابن كثير فتأول الآية على غير ما تقدم، لكن هذا ليس من التأويل المذموم، فقال ابن كثير في قوله: ((وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ)): يعني: ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه.
يعني: إذا كان قرباً حسياً فهو قرب الملائكة.
ثم يقول ابن كثير: ومن تأوله على العلم فإنما فر لئلا يلزم حلول أو اتحاد، وهما منفيان بالإجماع؛ تعالى الله وتقدس عن ذلك علواً كبيراً، ولكن اللفظ لا يقتضيه، فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبل الوريد، وإنما قال: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ) كما قال تعالى في المحتضر: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] يعني: ملائكته.
إذاً قوله: (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون) بمعنى: الملائكة بدليل الآيات الكثيرة كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾ [الأنفال:٥٠] إلى آخره.
ثم قال: وكما قال ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] فالملائكة نزلت بالذكر -وهو القرآن- بإذن الله ، وكذلك الملائكة أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه بإقدار الله جل وعلا لهم على ذلك، فللملك لمة من الإنسان كما أن للشيطان لمة، وكذلك الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق:١٧].
إذاً: الذي شجع ابن كثير على أنه يفسرها بهذا المعنى قوله: (وَنَحْنُ) وقوله في الآية التي بعدها: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق:١٧]، بسبب قربهما المشار إليه في الآية السابقة، وعزز مذهبه بآية الواقعة وآية الحجر.
والوجه الأول الذي ذهب إليه القاسمي أدق وأقرب يعني أنه تمثيل للقرب المعنوي بالصورة الحسية المشاهدة، وفيه من سعة العلم مع التعريف بجلالة المقام الرباني ما لا يخفى.
وليس تأويل من تأول بالعلم للفرار من الحلول والاتحاد فقط، بل له ولما تقدم أولاً، كما أن إيثار (نحن) على (أنا) لا يحسم ما نفاه؛ لأن احتمال إرادة التعظيم بـ (نَحْنُ) أمر شائع.
نعم اللفظ الكريم يحتمل ما ذكره، بأن يكون ورد ذلك تعظيماً للملك، لأنه بأمره تعالى وبإذنه، ولكن لا ضرورة تدعو إليه مع ما عرف من أن الأصل الحقيقة.
стр. 2277
كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في صفة القرب لله تعالى
ثم يقول القاسمي رحمه الله تعالى: رأيت ابن كثير مسبوقاً بما ذكره شيخه الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وابن كثير من أوفى تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية، فكان يحبه حباً شديداً، حتى إنه أوصى أن يدفن معه بعد موته ﵀ وقد تم له ذلك.
فسبق شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "شرح حديث النزول".
يقول شيخ الإسلام: ليس في القرآن وصف الرب تعالى بالقرب من كل شيء أصلاًً، بل قربه الذي في القرآن خاص لا عام كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] فهو سبحانه قريب ممن دعاه، وكذلك ما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ (أنهم كانوا مع النبي ﷺ في سفر، فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير، فقال ﷺ : أيها الناس! اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، وإنما تدعون سميعاً قريباً، إن الذين تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته).
فقال: (إن الذين تدعونه أقرب إلى أحدكم) ولم يقل: إنه قريب إلى كل موجود.
يعني: هو أقرب إلى أحدكم إذا دعاه وإذا ذكره، ولم يقل: إن الله قريب إلى كل موجود.
وكذلك قول صالح ﵇: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود:٦١].
ومعلوم أن قوله: ((قَرِيبٌ مُجِيبٌ))، مقرون بالتوبة والاستغفار، أراد بـ ((قَرِيبٌ مُجِيبٌ)) لاستغفار المستغفرين التائبين إليه، كما أنه رحيم ودود.
وقد قرن القريب بالمجيب، ومعلوم أنه لا يقال: مجيب لكل موجود وإنما الإجابة لمن سأله ودعاه، فكذلك قربه .
فالقرب يأتي في القرآن خاص، لكن العلم عام.
وأسماء الله المطلقة كاسمه السميع والبصير والغفور والشكور والمجيب والقريب لا يجب أن تتعلق بكل موجود، بل يتعلق كل اسم بما يناسبه، واسمه العليم لما كان كل شيء يصلح أن يكون معلوماً تعلق بكل شيء، لكن اسم القريب إنما يتعلق تعلقاً خاصاً.
وأما قوله تعالى: ((وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)) فالمراد به قربه إليه بالملائكة.
هذا هو المعروف عن المفسرين المتقدمين من السلف، قالوا: ملك الموت أدنى إليه من أهله، ولكن لا ترون الملائكة.
وقد قال طائفة: ((وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ)) بالعلم، وقال بعضهم بالعلم والقدرة والرؤية، وهذه الأقوال ضعيفة، فإنه ليس في الكتاب والسنة وصفه بقرب عام من كل موجود، حتى يحتاجوا أن يقولوا بالعلم والقدرة.
هكذا شيخ الإسلام يرد على من قال: ((وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)) يعني أقرب إليه بالعلم، فيقول: العلم عام وشامل، ولكن القرب خاص، وليس في القرآن أن الله قريب من كل موجود، كما يفهم ذلك في العلم؛ لأن الله بكل شيء عليم.
يقول: ولكن بعض الناس لما ظنوا أنه يوصف بالقرب من كل شيء، تأولوا ذلك بأنه عالم بكل شيء قادر على كل شيء، وكأنهم ظنوا أن لفظ القرب مثل لفظ المعية، وقد ثبت عن السلف أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]: أي: هو معكم بعلمه مع علوه على عرشه.
وذكر ابن عبد البر وغيره أن هذا إجماع من الصحابة والتابعين لم يخالفهم فيه أحد.
ثم قال: ولم يأت في لفظ القرب مثل ذلك، أنه قال: هو فوق عرشه وهو قريب من كل شيء، وإنما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] يعني: قربه ممن يدعوه ويسأله.
وقد روى ابن أبي حاتم بسنده: (أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟! فسكت النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]) ولا يقال في هذا قريب بعلمه وقدرته؛ فإنه عالم بكل شيء قادر على كل شيء.
أي: فهم لم يشكوا في ذلك ولم يسألوا عنه، وإنما سألوا عن قربه إلى من يدعوه ويناجيه، فأخبر أنه قريب مجيب.
قال: وطائفة من أهل السنة تفسر القرب في الآية والحديث بالعلم، فإنه إذا كان يعلم ويسمع دعاء الداعي حصل المقصود، وهذا هو الذي جعلهم يقولون: إن القرب بمعنى العلم والقدرة، فإن هذا قد قاله بعض السلف وكثير من الخلف، ولكن لم يقل أحد منهم: أن ذات الله هي قريبة من كل موجود، وهذا المعنى يقر به جميع المسلمين، من يقول إنه فوق العرش، ومن يقول إنه ليس فوق العرش.
أما أصحاب المواويل وهذه الأشياء فإنهم يقولون كلاماً فظيعاً، وهو فساد في العقيدة، والناس تردده دون أن تعي، يقولون في بعض الأناشيد: موجود في كل وجود.
إذاً: هذه عقيدة باطلة؛ لأن اعتقاد أن الله موجود في كل وجود بذاته حلول والعياذ بالله وكفر، وإنما العموم هنا لعلمه وسمعه وبصره.
ثم قال شيخ الإسلام: وهؤلاء كلهم مقصودهم أنه ليس المراد أن ذات البارئ جل وعلا قريبة من وريد العبد ولما ظنوا أن المراد قربه وحده دون الملائكة، فسروا ذلك بالعلم والقدرة كما في لفظ المعية.
أي: لما فهموا أن القرب مثل العلم، فسروا القرب بأنه مثل المعية، ولا حاجة إلى هذا، فإن المراد بقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ [الواقعة:٨٥] يعني: بملائكتنا في الآيتين، وهذا بخلاف المعية، فإنه لم يقل: ونحن معه، بل جعل نفسه هو الذي مع العباد، وأخبر أنه يجزيهم يوم القيامة بما عملوا، وهو نفسه الذي خلق السماوات والأرض، وهو نفسه الذي استوى على العرش، فلا يُجْعلَ لفظ مثل لفظ، مع تفريق القرآن بينهم، لأن هناك فرقاً بين القرب وبين العلم والمعية.
قال: ثم قال تعالى: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)) لا يجوز أن يراد به مجرد العلم؛ فإن من كان بالشيء أعلم من غيره لا يقال: إنه أقرب إليه من غيره لمجرد علمه به ولا بمجرد قدرته عليه، ثم إنه عالم بما يسر من القول وما يجهر به وعالم بأعماله، فلا معنى لتخصيصه حبل الوريد.
أي: لو كان قرب العلم فلا معنى لتخصيص حبل الوريد؛ لأن الله عالم بكل شيء، ولأن العلم عام لكن القرب خاص فلا يصح تفسير القرب بالعلم؛ لأنه لا فرق بين حبل الوريد وغيره في العلم، لكن قربه هنا قربه بالملائكة كما ذكرنا.
قال: فإن حبل الوريد قريب إلى القلب وليس قريباً إلى قوله الظاهر، فهو يعلم ظاهر الإنسان وباطنه، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧].
ومما يدل على أن القرب ليس المراد به العلم سياق الآية؛ فإنه قال: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ)) وأخبر أنه يعلم وسواس نفسه، ثم قال: ((وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)) فأثبت العلم وأثبت القرب، فيفهم من هذا أنهما شيئان مختلفان فلا تجعل أحدهما هو الآخر.
أي: فهنا لا يصح تفسير قربه بالعلم؛ لأنه قرن بينهما في الآية فقال: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ)) ثم قال: ((وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)) فأثبت العلم وأثبت القرب وجعلهما شيئين، فلا يجعل أحدهما هو الآخر.
قال: وقيد القرب ((وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)) ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾.
وأما من ظن أن المراد بذلك قرب ذات الرب من حبل الوريد، وأن ذاته أقرب إلى الميت من أهله، فهذا في غاية الضعف، وذلك أن الذين يقولون: إنه في كل مكان وإنه قريب من كل شيء بذاته لا يخصون بذلك شيئاً دون شيء.
أي: وحتى على مذهب هؤلاء لا يصح هذا التفسير، هذا هو المقصود من كلام شيخ الإسلام.
ولذلك أهل السنة يقولون لهؤلاء: إذا كان الله في كل مكان، فهل الله في أماكن النجاسات ونحوها؟! لكي يلزموهم أن هذا مذهب باطل، وأن الله منزه عن أن يتواجد في كل مكان.
стр. 2278
تفسير سورة (ق) [١٦ - ١٩]
стр. 2279
تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦].
стр. 2280
مرجع الضمير في قوله: (ونحن أقرب إليه)
قوله: ((ونحن أقرب)) المقصود به الملائكة، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] فسياق الآيتين يدل على أن المراد الملائكة، أي: لا تبصرون الملائكة، فمعنى قوله: ((وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ)) أي: بملائكتنا، بدليل سياق الآية: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق:١٧] كيف يكون هذا القرب؟ إذ يتلقى المتلقيان، فيربط بين هذا القرب وبين الملائكة بقيد الزمان، فهو زمان تلقي المتلقيان، وهما الملكان الحافظان اللذان يكتبان كما قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، ومعلوم أنه لو كان قرب ذات لم يخص ذلك بهذا الحال، ولم يكن لذكر الرقيب والعتيد معنى مناسب.
ومثل هذا قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٥] فإن هذا يقال لمن كان يجوز أن يبصر في بعض الأحوال، لكن نحن لا نبصره، والرب تعالى في هذه الحال لا يراه الملائكة ولا البشر.
وأيضاً فإنه قال: ((ونحن أقرب إليه منكم)) فأخبر عمن هو أقرب إلى المحتضر من الناس الذين عنده في هذه الحالة، الرب إذا قيل: إنه في مكان، أو قيل: إنه قريب من كل موجود، فكان ذلك لا يختص بهذا الزمان والمكان، فلا يكون أقرب إلى شيء من شيء، ولا يجوز أن يراد قرب الرب الخاص كما في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] فإن هذا إنما هو قربه ممن دعاه أو عبده، وهذا المحتضر قد يكون كافراً وفاجراً أو مؤمناً ومقرباً؛ ولهذا قال تعالى: (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون) أي: إلى كل ميت مطلقاً، وقد يكون الميت مسلماً من السابقين أو من المقربين أو مؤمناً عادياً، وقد يكون كافراً أو فاجراً، فالقرب هنا للجميع بدليل الآيات التي بعد ذلك: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة:٨٨] * ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ [الواقعة:٨٨ - ٩٢] إلى آخر الآيات.
ومعلوم أن المكذب لا يخصه الله بالقرب دون من حوله، وقد يكون حوله قوم مؤمنون، وإنما المقصود قرب الملائكة الذين يحضرون عند المؤمن والكافر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ [النساء:٩٧].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال:٥٠].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣].
وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١].
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة:١١].
ومما يدل على هذا أنه ذكره بصيغة الجمع فقال: ((ونحن أقرب إليه من حبل الوريد))، وهذا كقوله تعالى: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص:٣]، وقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) [يوسف:٣].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٧ - ١٩].
فإن مثل هذا اللفظ إذا ذكره الله تعالى في كتابه دل على أن المراد هو الله سبحانه مع الملائكة، فإن صيغة (نحن) تطلق على المتبوع المطاع المعظم الذي له جنود يتبعون أمره، وليس لأحد جند يطيعونه كطاعة الملائكة ربهم.
فهو سبحانه خالقهم وربهم العالم بما توسوس به كل نفس.
قال الله: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)) يعني: الملائكة تكون قريبة، فكان لفظ (نحن) هو المناسب هنا.
стр. 2281
معنى قوله: (ونعلم ما توسوس به نفسه)
قوله: ((وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ)) هو مثل: ((وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ)) فإنه سبحانه يعلم ذلك.
والدليل على أن الملائكة يعلمون ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا هم العبد بحسنة) والهم نية من القلب، يعني: إذا حدث نفسه بفعل الخير (إذا هم العبد بحسنة كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات، وإذا هم بسيئة فعملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإن تركها لله كتبت له حسنة) فالملك يعلم ما يهم به العبد من حسنة وسيئة، وليس ذلك من علم الغيب الذي اختص الله به.
وقوله: ((وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)) يقتضي أنه سبحانه وجنده الموكلين بذلك يعلمون ما توسوس به نفس العبد كما قال: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠] أي: يكتبون السر والنجوى، والسر هو ما في نفس الإنسان مما لا ينطق به، فالله يعلم ما في نفس الإنسان ومن يشاء من ملائكته الذين يكتبون كما قال هنا: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢] وأخبر أن جنده يكتبون بأمره، وفصل في تلك الآية بين السماع والكتابة؛ لأنه يسمع بنفسه، وأما كتابة الأعمال فتكون بأمره، فقال: ((أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ)).
وقوله تعالى: ((ونحن أقرب إليه)) مثل قوله: ((نكتب ما قدموا وآثارهم)) هل الله هو الذي يكتب؟ الملائكة هي التي تكتب، لكنها تكتب بأمر الله؛ فلذلك نسب الله الكتابة إلى نفسه .
أما قوله: ((ولقد خلقنا الإنسان)) فهي خاصة بالله الذي خلق الخلق، وقوله: (ونعلم ما توسوس به نفسه) يشمل الملائكة فهي تعلم ما توسوس به نفس الإنسان، للأدلة التي ذكرنا.
إذاً: قوله تعالى: ((ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)) أي: الملائكة أقرب إليه من حبل الوريد، وإن كان الظاهر أن الله هو القريب؛ لكن المراد الملائكة، بدليل هذه الآية الواضحة في سورة يس: ((إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم)) يعني: وتكتب ملائكتنا؛ لأن الملائكة هي التي تكتب كما في الأدلة المعروفة، فلما كانت ملائكته قريبين إلى العبد بأمره، كاتبين عمله بأمره، فإن ذلك قربه من كل أحد بواسطة الملائكة، وتكليم الله لعبده يكون بواسطة الرسل، ونستطيع أن نقول: إن الله كلم محمداً وعيسى ونوحاً وإبراهيم وسليمان وداود، لكن عن طريق الملك، قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى:٥١] إذاً: الله يكلم الأنبياء بالوحي؛ بغض النظر عن خصيصة موسى ﵇ حيث كلمه بدون واسطة الملك، فنوح ﵇ -مثلاً- كلمه الله بالوحي، فقوله: (يكلمه الله) أي: عن طريق جبريل ملك الوحي، فهذه صورة من صور تكليم الله للرسل.
стр. 2282
تفسير قوله تعالى: (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد)
قال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق:١٧].
هذا توضيح وبيان لكون المراد من قوله تعالى: ((ونحن أقرب إليه)) أي: أقرب بملائكتنا، وذلك؛ لأنه قال بعده مباشرة ((إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ)) أي: ونحن أقرب إلى الإنسان من وريد حلقه حين يتلقى الملكان الحفيظان ما يلفظ به.
فقوله تعالى: ((إذ يتلقى)) ظرف لقوله: ((ونحن أقرب إليه)).
وفيه إيذان بأنه غني عن استحفاظ الملكين، فإنه أعلم منهما، ومطلع على ما يخفى عليهما، لكن الله -لحكمة- جعل الملكين يكتبان ويدونان على الإنسان أعماله، والحكمة هي إلزام الحجة، ففي الآخرة سوف تكون هذه وثيقة مسجلاً عليها أعمال الإنسان التي كتبها الملكان.
ثم فيها ما يرغبه ويرهبه في الدنيا؛ لأن الإنسان إذا استحضر أن لديه ملكين عن اليمين وعن الشمال يكتبان أعماله؛ فإن ذلك يكون أدعى إلى أن يرغب في فعل الخير، وأن يرهب من فعل الشر.
стр. 2283
التنبيه على ما في تفسير القاسمي من النقل عن القاشاني
هذه الآية والتي بعدها تثبت وجود هذين الملكين اللذين يسجلان أعمال الإنسان، إلا أنه من المؤسف جداً كثرة النقول في تفسير القاسمي عن القاشاني فيما يسمى بالتفسير الإشاري الذي هو مليء بالتأويلات البعيدة المخالفة لمنهج السلف، والإنسان من شدة تعجبه يشك ويقول: هل دس أحد في تفسير القاسمي هذه الأشياء التي يكثر فيها النقل المخالف للمنهج السلفي؟ ففي الأجزاء الأخيرة من تفسير القاسمي نلاحظ كثرة النقل عن القاشاني أمثال هذه التأويلات التي تستفز كل معتز بمنهج السلف في التعامل مع النصوص الشرعية.
فقد نقل عن القاشاني كلاماً غريباً وهو قوله: والمتلقي القاعد عن اليمين هو القوة العاقلة العملية المتمثلة بصور الأعمال الخيرية، والمتلقي عن الشمال القوة المتخيلة التي تتمثل بصور الأعمال البشرية والبهيمية والسبعية إلى آخر هذا الكلام العجيب! ففيه تأويل الملك بأنه القوة الحاثة على الخير، والشيطان بالقوة الحاثة على الشر، ثم بين القاسمي أن الغزالي سبقه إلى هذا المعنى، وعبر عنه بالسبب، وقال: إنه يسمى ملكاً، فيقول الغزالي في الإحياء في شرح عجائب القلوب: وكذلك لأنوار القلب وظلمته سببان مختلفان، فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكاً، وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطاناً، إلى آخره.
وهذا كالمستجير من الرمضاء بالنار! حيث استدل بكلام الغزالي، ونحن نعلم كيف كثر اضطرابه، والغزالي مصدر غير مأمون في تلقي أمور العقيدة على الإطلاق، وهو ﵀ وإن كان قد وفق في الإخلاص والصدق؛ لكن لم يكن له حظ وافر من الصفة الأخرى المهمة وهي الصواب، فالإخلاص لا شأن لنا به، وعلامات الإخلاص والصدق لا شك أنها بادية في سيرة الغزالي رحمه الله تعالى، لكن هل أصاب؟ قال الله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] أي: أخلصه وأصوبه، فالإخلاص شرط، لكن بقي شرط آخر وهو المتابعة وموافقة المنهج الصحيح، فـ الغزالي أضاع معظم عمره في التجول باحثاً عن الحق بين الإسماعيلية والباطنية والفلاسفة والصوفية وكذا وكذا، وقد كان الحق أقرب إليه من حبل الوريد، عند أهل الحديث، فـ الغزالي مصدر غير مأمون للتعلم والتلقي؛ لأن الغزالي صاحب مدرسة منحرفة مخالفة تماماً لمنهج السلف.
وهذا كلام قد يصدم بعض الناس، لكن هي نصيحة لا بد منها، فحينما نأخذ كتب الغزالي نشعر أننا نمشي على أرض مزروعة بالأشواك، فلا بد من الحذر الشديد، كيف وقد شحن كتابه المسمى بالإحياء بالكذب على رسول الله ﵇، ونقول كما قال ابن الجوزي: لا نقول إنه افتراها لكنه ارتضاها! يعني: هو ما وضع هذه الأحاديث الموضوعة، لكنه قرأها وأثبتها في كتابه دون تمحيص، ودون تحر وتحقيق، فالكتاب من أكثر الكتب المشحونة بالأحاديث الموضوعة والمكذوبة على رسول الله ﵌.
فما قيمة الاستدلال بكلام الغزالي، وأنه يقول: إن الخاطرة والفكرة التي تدعونا إلى الخير تسمى ملكاً، والفكرة التي تدعونا إلى الشر تسمى شيطاناً؟! هذا مصادم تماماً لنصوص الوحيين في حقيقة الملكين اللذين يكتبان أعمال الإنسان، وحقيقة الشيطان.
العجيب أنه في نهاية كلام القاشاني وكلام الغزالي رحمه الله تعالى نجد القاسمي يعلق قائلاً: والبحث كله غرر تنبغي مراجعته! فهذا نفس غريب جداً بالنسبة لتفسير القاسمي، والقاسمي إمام سلفي محقق، فلا ندري ما مصدر أو ما سبب الميل في هذه الأجزاء الأخيرة لحكاية هذه التأويلات بدون إبطالها، فالاعتقاد الصحيح أن المتلقيين عن اليمين وعن الشمال ملكان حقيقيان، وليسا عبارة عن القوة الخيرية التي تحثنا على الخير أو تؤزنا إلى الشر.
стр. 2284
تفسير الشنقيطي لهذه الآية
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((إذ يلتقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد))، قوله: (إذ) منصوب بقوله: (أقرب) أي: نحن أقرب إليه من حبل الوريد في الوقت الذي يتلقى فيه الملكان جميع ما يصدر منه، والمراد أن الله الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، هو أقرب إليه من حبل الوريد في وقت كتابة الحفظة أعماله، فهو غني عن كتب الأعمال؛ لأنه أقرب إليه من حبل الوريد، والله غني عن أن يدون الملكان هذه الأشياء؛ لأن الله عالم بما كان، وبما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، لا يغيب عنه شيء.
أي: فالمعنى أن الله لا حاجة له لكتب الأعمال؛ لأنه عالم بها لا يخفى عليه منها شيء، وإنما أمر بكتابة الحفظة للأعمال لحكم أخرى، فالحكمة من كتابة الأعمال مع أن الله غني عن أن تكتب الملائكة هذه الأعمال: هي إقامة الحجة على العبد يوم القيامة كما أوضحه الله بقوله: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤] اقرأ بنفسك كتابك حتى تقوم عليه الحجة، ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤].
ومفعول التلقي في الفعل (يتلقى) والوصف (المتلقيان) محذوف، والتقدير: يتلقيان جميع ما يصدر عن الإنسان، فيكتبانه عليه.
стр. 2285
تفسير الزمخشري لهذه الآية
قال الزمخشري: والتلقي: التلقن بالحفظ والكتبة؛ لأن الملك يتلقى عمل الإنسان عند صدوره منه فيكتبه عليه، والمتلقيان هما الملكان اللذان يكتبان أعمال الإنسان، وقد دلت الآية الكريمة على أن مقعد أحدهما عن يمينه ومقعد الآخر عن شماله.
(والقعيد) قال بعضهم: معناه القاعد.
والأظهر أن معناه المقاعد -يعني المجالس- وقد يكثر في العربية إطلاق الفعيل وإرادة المفاعل كالجليس بمعنى المجالس، والأكيل بمعنى المؤاكل، والنديم بمعنى المنادم.
وقال بعضهم: القعيد هنا هو الملازم، وكل ملازم دائماً أو غالباً يقال له قعيد، ومنه قول متمم بن نويرة التميمي: (قعيدك ألا تسمعيني ملامة)، قعيدك.
يعني: الذي يلازمك.
والمعنى في قوله: ((إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد)) عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فهما ملكان، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه.
وهذا واضح، فهو ليس قعيداً واحداً عن اليمين وعن الشمال، وإنما هذا أسلوب من أساليب اللغة العربية: ((عن اليمين وعن الشمال قعيد)) فهما ملكان، لكن حذف الأول لدلالة الثاني عليه، فلم يقل: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، وإنما قال: ((عن اليمين وعن الشمال قعيد)) فحذف الأول لأن الثاني يدل على وجوده، وهو أسلوب عربي معروف.
قال: وأنشد له سيبويه في كتابه قول الأزرق بن طرفة الباهلي: رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئاً ومن أجل الطوي رماني يعني: كنت منه بريئاً ووالدي بريئاً، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه.
ومنه قول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عنـ دك راض والرأي مختلف يعني: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض والرأي مختلف، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه.
ومنه قول ضابي بن الحارث البرجمي فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب هو يمتدح نفسه بالشرف، فيقول: فمن يك أمسى بالمدينة رحله يعني: إذا الضيف حل بمدينتنا فإني وقيار -قيار اسم جمله- نكون غريبين، ويصير الضيف هو صاحب الدار كما يقول الشاعر: يا ضيفنا لو جئتنا لوجدتنا نحن الضيوف وأنت رب المنزل يصح أن نقول: فإني غريب وقيار غريب، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه.
وادعى البعض أن قوله في الآيات: (قعيد) هي التي أخرت.
أي: بعض الناس قالوا: إن قوله تعالى ((إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيد)) [ق:١٧] أصلها: عن اليمين قعيد وعن الشمال، فقالوا: إن (قعيد) راجعة إلى الأولى، أي: عن اليمين قعيد، فأما عن الشمال فهي محذوفة يدل عليها ما قبلها، وهذا القول لا دليل عليه ولا حاجة إليه؛ لأن المحذوف إذا صحت الدلالة عليه بالأخير فلا حاجة إلى أن هذا الأخير أصله هو الأول.
стр. 2286
أمثلة لجهل بعض الناس في توجيه الآيات القرآنية
والشيء بالشيء يذكر: في سورة المائدة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ [المائدة:٦٩] (الصابئون) في سورة المائدة معطوفة على منصوب قبلها، والعجيب أن بعض القساوسة ألف كتاباً يطعن فيه في القرآن الكريم، وكعادتهم يؤتون بالمضحكات المبكيات في نفس الوقت، فيزعمون أن القرآن فيه لحن لغوي، وفيه أخطاء نحوية، وذكر هذه الآية.
وآخر يفسر قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر:٧٥] فيقول: يعني: حفاة لا يلبسون نعالاً في أقدامهم، يظن أن كلمة: (حافين) بمعنى: حفاة، فهذا لجهلهم.
أبو جهل أو أبو لهب وغيرهما من الكفار لو وجد أحدهم في القرآن لحناً لغوياً أكانوا يسكتون عليه والقرآن يتحداهم صباح مساء؟! فهؤلاء المساكين الجهلة يظنون أن قواعد اللغة العربية التي وضعت مؤخراً حاكمةً على القرآن الكريم، فنقول: لم يكن علم القواعد موجوداً من قبل، ولا نحو، ولا صرف، ولا غيرها، وكانت اللغة العربية هي الأصل، ثم بعد ذلك وضعت القواعد متأخرة عنها، فكيف تحكم المتأخر على المتقدم؟! وكيف تأتي أنت يا أجنبي عن العروبة وعن الإسلام ثم تحاول أن تطعن في القرآن بوجود اللحن فيه؟! فمن ضمن المواضع التي أشكلت عليهم هذه اللفظة في سورة المائدة: (والصابئون).
ومما يرد عليهم: أن هذا من أساليب اللغة العربية، إما على الاستئناف كقولك: وكذلك الصابئون، مثل العطف في البيت السابق: فإني وقيار بها لغريب.
فهذا الشعر من كلام العرب فيه هذا الأسلوب من أساليب العرب، لأن الأصل: فإني وقياراً بالنصب.
стр. 2287
تفسير قوله تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)
قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨].
أي: ما ينطق بنطق ولا يتكلم بكلام ((إلا لديه)) أي: إلا والحال أن عنده رقيباً، أي: ملكاً مراقباً لأعماله، حافظاً لها، شاهداً عليها، لا يفوته منها شيء، ((عتيد)) بمعنى حاضر ليس بغائب، يكتب عليه ما يقول من خير وشر.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإنسان عليه حفظة من الملائكة يكتبون أعماله جاء موضحاً في آيات كثيرة من كتاب الله، كقول الله : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢].
فهل يتصور أحد أن المقصود بقوله: ((وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون)) قوة خيرية تحثك على الخير.
كما أوله القاشاني وأمثاله؟! هذا مصادم تماماً لهذه النصوص الصريحة.
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨ - ٢٩].
ولا شك أن في المكتشفات الحديثة الآن كثيراً مما يقرب إلى أذهاننا قضية استنساخ الأعمال، فقد أصبح فهمها أسهل بكثير من ذي قبل، حيث استطاع الإنسان بأجهزة الكمبيوتر وهذه الأقراص المضغوطة أن يسجل كميات ضخمة جداً من الكلمات والحروف والجمل والمقالات، بل وكثير من الكتب في حجم بسيط جداً، فالله قادر على أن يدون جميع أعمال العباد في هذه الصحف التي بيد الملائكة، قال ﵎: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم:٧٩]، وقال تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٩].
وقد ذكر جماعة من أهل العلم أن القعيد الذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات، وأن صاحب الحسنات أمين على صاحب السيئات يعني: أعلى رتبة منه، فإذا عمل العبد حسنة كتبها صاحب اليمين عشراً، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: أمهله، ولا تكتبها عليه لعله يتوب أو يستغفر، وبعضهم يقول: يمهله سبع ساعات، والعلم عند الله .
стр. 2288
تفسير قوله تعالى: (وجاءت سكرة الموت بالحق)
قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].
لما ذكر استبعادهم للبعث أزاح ذلك بتحقيق قدرته وعلمه، وأعلمهم بأنهم يلاقون ذلك عن قريب، ونبه على اقترابه بلفظ الماضي فقال : ((وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ)).
وهذا إخبار بأن هذا سوف يحصل لكل إنسان بعد ما أقام الله الحجة والأدلة فيما مضى من الآيات على أحقيه البعث والنشور والحساب والجزاء، وأعلمهم بأنهم ملاقون ذلك عما قريب، ونبه على اقترابه بلفظ الماضي؛ لأن القرآن الكريم يعبر عن المستقبل بصيغة الماضي أحياناً للدلالة على تحقق وقوعه، فكأنه حصل بالفعل، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦] المقصود: سوف يقول الله لعيسى وسكرة الموت: شدته المحيرة الشاغلة للحواس، المذهلة للعقل، كما قال ﵎: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] فالسكر قد يكون بالخمر، وقد يكون بسبب الشدة التي يقع فيها الإنسان بحيث تحيره وتشغل حواسه وتذهل عقله، وقد قال النبي ﷺ : (لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات)! ((بالحق)) يعني: جاءت سكرة الموت بالموعود الحق، والأمر الحق، وهو الموت، فالباء هنا للملابسة، يعني: جاءت سكرة الموت متلبساً بالحق الذي هو الموت.
أو للتعدية، يعني: وجاءت سكرة الموت بالموعود الحق من أمر الآخرة والثواب والعقاب الذي غفل عنه، والمعنى: أحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر، وهي أحواله الباطنة، وأظهرتها عليه.
قال الشهاب: استعيرت السكرة للشدة، ووجه الشبه بينهما أن كلاً منهما مذهب للعقل، فكما أن الخمر تذهب العقل كذلك الشدة أحياناً تذهب عقل الإنسان، ويجوز أن يشبه الموت بالشراب كما قال الشاعر: الموت كأس وكل الناس شاربه وقوله: ((ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)) أي: تنفر وتهرب، والجملة على تقدير القول، يعني: وجاءت سكرة الموت بالحق فيقال للميت أو المحتضر: ((ذلك ما كنت منه تحيد)) وهذا أمر معروف في القرآن الكريم، فكثيراً ما يحذف لفظ القول ويدل عليه السياق فيكتفى بذلك، والمعنى: أنه يقال له في وقت الموت: ذلك الأمر الذي رأيته هو الذي كنت منه تحيد في حياتك، فلم ينفعك الهرب والفرار.
والإشارة في قوله: ((ذلك ما كنت منه تحيد)) قال بعض العلماء: إنها إشارة إلى الحق وهو الموت.
أي: ذلك هذا هو الموت الذي كنت تفر وتهرب منه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:٢١]، وقوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق:٢٤]، وقوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق:٣١] هذا كله يرجح القول بأن الإشارة بقوله: (ذلك) إلى الحق.
стр. 2289
خلاف العلماء فيما تكتبه الملائكة
توقف الشنقيطي رحمه الله تعالى عند قوله ﵎: ((ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)) فقال ﵀: اعلم أن العلماء اختلفوا في عمل العبد الجائز الذي لا ثواب ولا عقاب عليه، هل تكتبه الحفظة عليه أو لا؟ فالآية تفيد بظاهر عمومها أنه ما من لفظ يتلفظه الإنسان فإنه يترتب عليه ثواب أو عقاب، فهل يكتب عليه الكلام المباح ويدون في صحيفته؟ قال بعضهم: يكتب عليه كل شيء حتى الأنين في المرض، وهذا هو ظاهر قوله: ((ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)) لأن قوله تعالى: (من قول) نكرة في سياق النفي، زيدت قبلها لفظة (من) فهي لفظ صريح في عموم الأعمال، فتدل أن الملائكة تكتب ما يتلفظ به الإنسان حتى الكلام المباح الذي لا ثواب عليه ولا عقاب.
وقال بعض العلماء: إن الملائكة لا تكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب، أما المباح فلا تكتبه، وكلهم مجمعون على أنه لا جزاء إلا فيما فيه ثواب أو عقاب.
فالذين يقولون: لا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب، والذين يقولون: يكتب الجميع؛ متفقون على إسقاط ما لا ثواب فيه ولا عقاب إلا أن بعضهم يقولون: لا يكتب أصلا، وبعضهم يقول: يكتب أولاً ثم يمحى.
وزعم بعضهم أن محو هذا الجزء من الكلام المباح وإثبات ما فيه من ثواب وعقاب هو معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] وهذا قول مرجوح، وقد سبق الكلام فيه في آخر سورة الرعد، لكن المقصود أن كلا الفريقين يثبت أنه لن يحاسب على المباح، ولن يحاسب على الجائز من الكلام، وإنما اختلفوا هل يثبت أم لا يثبت؟ والذين قالوا: يثبت.
يقولون: يثبت ثم يمحى بعد ذلك، والذين قالوا: لا يكتب ما لا جزاء فيه، ولا يترتب عليه ثواب أو عقاب، محتاجون إلى الجواب عن استدلال الفريق الأول بهذه الآية؛ لأن هذه الآية نص صريح في العموم.
فقالوا في
الجواب
إن في الآية نعتاً محذوفاً سوغ حذفه العلم به؛ لأن كل الناس يعلمون أن الجائز لا ثواب فيه ولا عقاب، وتقدير النعت المحذوف: ((ما يلفظ من قول)) مستوجب للجزاء ((إلا لديه رقيب عتيد))، والجزاء قد يكون خيراً أو شراً.
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: وقد قدمنا أن حذف النعت إذا دل عليه دليل أسلوب عربي معروف، وقدمنا أن منه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف:٧٩] أي: كل سفينة صالحة.
لكن لا بد أن يأتي دليل يدل على الحذف، والدليل في هذه الآية قوله: (فأردت أن أعيبها) فهذا يدل على أن السفينة كانت صالحة سليمة، وهو أراد أن يعيبها؛ فهذه القرينة تدل على أن النعت المحذوف هو النعت المتعلق بالسفينة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الإسراء:٥٨] هنا حذف تقديره: (وإن من قريةٍ ظالمةٍ إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة) والدليل على الحذف قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص:٥٩].
ومن شواهد هذا المذهب -وهو جواز الحذف إذا دل دليل عليه- قول المرقش الأكبر: ورب أسيلة الخدين بكر منعمة لها فرع وجيد أي: لها فرع فاحم، أي: شعر أسود، (وجيد) يعني: عنق طويل، قدرنا هذا لأن السياق سياق مدح وغزل، وهو لم يذكر الوصف لكنه يفهم من السياق.
ومنه أيضاً قول عبيد بن الأطرف: من قوله قول، ومن فعله فعل، ومن نائله نائل.
أي: (من قوله قول) فصل، ومن فعله فعل جميل، ومن نائله نائل جزيل.
فهذا كله من الشواهد التي تدل على أنه يجوز حذف النعت إذا دل عليه دليل، والله في أكثر من موضع في القرآن الكريم يصف القرآن بأنه عربي، فما ثبت في اللغة عند العرب الأصليين وقت ظهور الإسلام أو قبله لا حرج من الاستشهاد به.
стр. 2290
تفسير سورة (ق) [٢٠ - ٢٩]
стр. 2291
الحث على فعل الخير في رمضان
قال الله ﵎: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩] وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] فأمر الله بالتذكير أمراً مشروطاً فقال: ((إن نفعت الذكرى)) ثم بين في الآيات الأخرى من هم الذين ينتفعون بالذكرى، فقال ((وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)) فما أكثر معلومات الإنسان عن أمر معين، لكن يحتاج إلى من يذكره لاسيما في المناسبات التي نحتاج فيها إلى أن نتعاون على البر والتقوى، ومنها أن يذكر بعضنا بعضاً بهذه المناسبة العظيمة التي نحن مقبلون عليها، وهي استقبال شهر رمضان المعظم.
اقتضت حكمة الله أن يجعل هذه الدنيا مزرعةً للآخرة، وأن يجعلها ميداناً للتنافس، وكان من فضل الله ﵎ أنه يجزي على القليل كثيراً، ويضاعف الحسنات، فمن ثم جعل لعباده مواسم تعظم فيها هذه المضاعفة، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرب فيها إلى مولاه بما أمكنه من وظائف الطاعات، عسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات.
قال الحسن رحمه الله تعالى في قول الله : ((وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢]: جعل الليل يخلف النهار، فمن فاته عمل صالح في الليل استطاع أن يستدركه في النهار، ومن فاته شيء في النهار استطاع أن يستدركه بالليل.
يقول الحسن: من عجز بالليل كان له من النهار مستعتب، ومن عجز بالنهار كان له من الليل مستعتب.
ولا شك أن أعظم هذه المواسم المباركة وأجلها شهر رمضان الذي أنزل الله فيه القرآن، وقد كان من دعاء النبي ﵌: (وأسألك العزيمة على الرشد)، فالعزيمة من أقوى مراتب الإرادات التي يجزم الإنسان عندها ويصمم على أن يمضي العمل.
فمن العزيمة على الرشد أن ينوي الإنسان اغتنام هذه المناسبات المباركة، وخاصةً مناسبة شهر رمضان المعظم، فنحن محتاجون في هذه الأيام إلى العزيمة على الرشد، فندعو الله أن يرزقنا العزيمة على الرشد، أعني النية الصادقة والهمة العالية في أن نغتنم هذا الشهر الكريم؛ ليغفر الله لنا، ونرجو من الله أن نبقى أحياء إلى أن يأتي رمضان، فمن يدري منا لعله يكون آخر رمضان في حياته، ومن يدري لعله لا يستقبل رمضان!
стр. 2292
تفسير قوله تعالى: (ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد)
قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق:٢٠].
كم عدد النفخات في الصور؟ الراجح أنها نفختان كما في سورة الزمر: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر:٦٨].
والله تعالى أعلم.
قوله: ((ونفخ في الصور)) هذه هي نفخة البعث والنشور، بدليل قوله: ((ذلك يوم الوعيد)) أي: ذلك النفخ يوم الوعيد، أي: وقت تحقق الوعيد بشهود ما قدم من الأعمال وما أخر.
стр. 2293
تفسير قوله تعالى: (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد)
قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:٢١].
قال ابن جرير: أي: سائق يسوقها إلى الله، وشاهد يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير أو شر.
وظاهر الآية أنهما اثنان: واحد يسوقه إلى المصير المحتوم، والآخر يشهد عليه بعمله، وقد اختلف العلماء: فقيل: هما ملكان، ملك سائق، وملك شهيد.
وقيل: بل هو ملك واحد لكنه متصف بصفتين، فهو سائق، وهو أيضاً شهيد على عمل الإنسان.
وقيل: ((وجاءت كل نفس معها سائق)) أي: ملك، و ((شهيد)): هو الإنسان نفسه يشهد على نفسه.
وقيل: سائق من أعمالها إلى مكان ندائها، وشهيد من أجزائها.
стр. 2294
تفسير قوله تعالى: (لقد كنت في غفلة من هذا)
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢].
هذا أيضاً فيه حذف، والتقدير: (لقد كنت في غفلة من هذا -أي: الموت- فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد).
من المخاطب في هذه الآية؟ في المخاطب في هذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنه النبي ﵌، أي: لقد كنت يا محمد- ﷺ في غفلة من هذا، فهذه جملة معترضة أتي بها خلال أمر النبأ الأخروي؛ تنويهاً بمنة الإعلام والتعريف به، فهنا اعتراض، فإن سياق الكلام في وصف أحوال الآخرة، حيث يقول تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢١] ثم يذكر تعالى جملة اعتراضية هنا: لقد كنت -يا محمد- في غفلة من هذا؛ لبيان منة الله على نبيه محمد ﷺ حيث أعلمه بهذه الأمور الغيبية عن طريق الوحي، وعرفه بها.
وليس هذا فحسب، بل إن بصره بها بصر شديد النفاذ يدركها في غاية الوضوح وغاية القوة، بل إن الله أوقفه على غوامض هذا الخبر وهذه الوقائع التي ستحصل في الآخرة، وقد كان ذهنه خالياً من علمها، بل كان أمياً لم يتعلم، ووصفه بالغفلة في سياق الامتنان، بمعنى خلو ذهنه عن هذا العلم الذي امتن عليه به، فهو يعلم ما لا يعلمون، والمعنى: لقد كنت في غفلة من هذا القرآن قبل أن يوحى إليك، فكشفنا غطاءك بإنزاله، فبصرك حديد حيث تعلم ما لا يعلمون.
وهذا كقول الله ﵎: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف:٣] أي: كنت غافلاً عن هذا الخبر.
ومثله أيضاً قوله ﵎: ((مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ))، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧] أي: كنت عارياً عن الوحي وعن العلم الذي أوحاه الله إليك، فهداك لهذا الوحي، وليس ((ضالاً)) كما يوصف غير النبي ﷺ ، فقوله: ((ووجدك ضالاً فهدى)) يفسره قول الله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢] إذاً: القول الأول: إن المخاطب في هذه الآية هو النبي ﷺ ، لكن الجملة معترضة في خلال أمر النبأ الأخروي تنويهاً بمنة الله عليه بإعلامه بذلك وتعريفه به، وبيان شدة نفوذ بصره به، ووقوفه على غامضه.
وقوله: ((فبصرك اليوم حديد)) معروف عندنا استعمال: البصر ستة على ستة في أنه حاد، فكلمة ليس المقصود بها حديد المعدن المعروف، بل من حدة النظر وقوته وشدته.
وعلى القول بأن الرسول ﵇ هو المخاطب بالآية لا نحتاج إلى أن نقدر جملة: (يقال له)، حتى يكون التقدير: ((وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد)) يقال له: ((لقد كنت في غفلة من هذا))؛ لأن هذا السياق لا يكون يوم القيامة.
فالله يخاطب الرسول هنا كما في سورة الحجر: في سياق قصة قوم لوط، حيث قطع السياق وقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢]، فكذلك السياق هنا في ذكر أحوال الآخرة، ثم خاطب الله نبيه بقوله: ((لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ))، ثم رجع السياق من جديد للآخرة: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق:٢٣].
القول الثاني: أن المخاطب به الكافر، وأن الكلام على تقدير القول، أي: (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد) يقال للكافر حينئذ: (لقد كنت في غفلة من هذا) الذي عاينته اليوم من الأهوال (فكشفنا عنك غطاءك) بأن جلينا لك ذلك وأظهرناه لعينيك حتى رأيته وعاينته فزالت الغفلة عنها.
ومثل هذا قول الله ﵎: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا) [مريم:٣٨] وهذا أسلوب تعجب، بمعنى: ما أسمعهم وما أبصرهم! ففيها الإشارة إلى شدة السمع والبصر عندهم، وأنهم يدركون بسمعهم وأبصارهم حقائق اليوم الآخر.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢].
القول الثالث: أن المقصود هو الإنسان مطلقاً، أي: ((لقد كنت)) أيها الإنسان ((في غفلة من هذا)).
ويؤيده قول الله ﵎: (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد) فهذا العموم في قوله: (كل نفس) يؤيد القول بأن المخاطب هنا كل إنسان، والمقصود كشف الغطاء عن البر والفاجر، فكل يرى ما يصير إليه.
ولا شك أن الحجب سوف تنكشف يوم القيامة، ويرى الإنسان ما كان ينكره من قبل، أو ما كان يؤمن به بظاهر الغيب، فالغيب يصبح شهادة، فيرى الملائكة، ويرى النار، ويرى الجنة، ويرى الصراط، والموازين، ويرى كل الأشياء التي كانت في الدنيا خبراً، وكان يوقن بها عن طريق الإيمان بالغيب، أو كان يكذب بها لأنه لا يراها كما هو حال الملحدين الكافرين.
رجح شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري ﵀ القول الثالث، وهو أن المراد بالخطاب هنا الإنسان مطلقاً.
قال الزمخشري: جعلت الغفلة كأنها غطاء غطي به جسده كله.
أي فكلمة (في غفلة) تفيد كأن شيئاً شمله وهو غارق فيه أو كأن شيئاً يحيط به تماماً.
قال: جعلت الغفلة كأنها غطاء غطي به جسده كله، أو كأنها غشاوة غطى بها عينيه فهو لا يبصر شيئاً، فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت عنه الغفلة وغطاؤها، فيبصر ما لم يبصره من الحق.
стр. 2295
تفسير قوله تعالى: (وقال قرينه هذا ما لدي عتيد)
قال تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق:٢٣].
((وقال قرينه)) أي: قرين هذا الإنسان الذي جيء به يوم القيامة معه سائق وشهيد.
(هذا ما لدي عتيد) أي: حاضر غير غائب.
ويفهم من السياق أن الإنسان يكون مع سائق وشهيد وقرين، وهذا القرين هو إما الملك الموكل في الدنيا بكتابة أعماله، وهو الرقيب المتقدم ذكره، أو هو الشيطان الذي قيض له مقارناً له يغويه.
والأظهر -كما اعتمده الزمخشري - أن القرين هنا هو المذكور في قوله ﵎: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦] ويشهد لهذا قول الله ﵎: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ [ق:٢٧].
ونلاحظ أن الواو موجودة في الآية التي فيها ذكر القرين أولاً، وفي الثانية ليس فيها واو: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق:٢٣ - ٢٦] ((قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ)) فالأقرب والأظهر أن القرين هو الشيطان الذي يغويه.
وقد ثبت في الحديث: (ما من إنسان إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة) (هذا ما لدي عتيد) أي: هذا شيء حاضر لدي معد محفوظ، والإشارة على الأول لما في صحفه، وعلى الثاني للشخص نفسه.
أي: لو قلنا إن القرين هو الملك الذي كان موكلاً بحفظ الأعمال، وهو الرقيب المتقدم فتكون الإشارة إلى صحف الأعمال، أي: يقول قرينه: إن الأعمال مسجلة وموثقة ومحفوظة عندي، ولو قلنا إن قرينه هو الشيطان الذي وكل به ليغويه، فالإشارة للشخص نفسه، أي: هذا المجرم موجود الآن لدي عتيد، بمعنى: حاضر لجهنم، قد هيأته لها بإغوائي.
стр. 2296
تفسير قوله تعالى: (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد)
قال تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق:٢٤].
يوجد اختلاف بين العلماء في المراد بقوله تعالى: ((أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ)): قيل: إن الخطاب هنا من الله للسائق والشهيد، وهما ملكان، أي: أيها الملكان السائق والشهيد ((أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ)).
وقيل: الخطاب من الله لملكين من خزنة النار.
وقيل: الخطاب لملك واحد، وتثنية الفاعل منزل منزلة تكرير الفعل، فالأصل: ألق ألق، فحذف الفعل الثاني وأبقي ضميره مع الفعل الأول، فصارت (ألقيا) أي: فبقي الضمير للدلالة على ما ذكر.
أو أن الألف بدل من نون التأكيد المخففة كما في قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق:١٥]، وقوله: ﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢] وهذه النون تبدل ألفاً في الوقف، فأجري الوصل مجراه.
وقال ابن جرير (أخرج الأمر للقرين وهو بلفظ واحد مخرج خطاب الاثنين، وفي ذلك وجهان من التأويل: أحدهما: أن يكون القرين بمعنى الاثنين كالرسول والاسم الذي يكون بلفظ الواحد في الواحد والتثنية والجمع، فرد قوله: (ألقيا) إلى المعنى.
والثاني: أن يكون كما كان بعض أهل العربية يقول، وهو أن العرب تأمر الواحد والجماعة بما تأمر به الاثنين.
يعني أن العرب أحياناً يخاطبون الواحد والجماعة بخطاب الاثنين، فتقول للرجل: ويلك أرحلاها وازجراها، أي: الناقة مثلاً، ومعنى أرحلاها: أي: ضع عليها الرحل، قال الشاعر: فقلت لصاحبي لا تحبسان بنزع أصوله واجتز شيحا هو يخاطب واحداً لكن بخطاب المثنى.
وقال أبو ثروان: فإن تزجراني يا بن عفان أنزجر وإن تدعاني أحمِ عرضاً ممنعّا وهذا رابع أبيات ثلاثة أولها: تقول ابنة العوفي ليلى ألا ترى إلى ابن كراع لا يزال مفزعا ثم قال بعد ذلك: فإن تزجراني يا بن عفان فواضح أن الخطاب هنا لواحد لكن خوطب بخطاب المثنى.
ولماذا يخاطب العرب أحياناً الواحد والجمع بخطاب المثنى؟ سبب ذلك أن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه اثنان، وكذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، فبدلاً مما يخاطب ثلاثة يخاطب واحداً ويشرك الاثنين الآخرين في الخطاب؛ لأن الغالب أن الاثنين بجانب هذا المخاطب، ألا ترى الشعراء أكثر شيء قيلاً: يا صاحبيّ، يا خليليّ.
وخطاب المثنى والمقصود به الواحد كثير في الشعر، مثل قول امرئ القيس: قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل (قفا) مثنى وهو يخاطب واحداً، وكذلك قوله: خليليّ مرا بي على أم جندب نقضِّ لبانات الفؤاد المعذب فقال: (مرا بي) والخطاب لواحد، فهذا كثير نلاحظه في الشعر.
((كل كفار)) الكَفَّار: كل جاحد وحدانية الله تعالى، وما جاء به رسوله ﵌، والعنيد المعاند للحق وسبيل الهدى، لا يسمع دليلاً في مقابلة كفره.
стр. 2297
تفسير قوله تعالى: (مناع للخير معتد مريب)
قال تعالى: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق:٢٥ - ٢٦].
ثم أضاف الإنسان إلى الكفر المبالغ فيه وإلى العناد والجحود ذنباً ثالثاً وهو أنه ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾.
(مناع للخير) يعني: للخير الكلي الجامع الذي هو دين الإسلام، فهو يبخل على نفسه بالدخول في الخير العميم الذي هو الإسلام.
وأحياناً يطلق الخير في القرآن الكريم على المال، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨]، وليس المراد حب الإنسان الأعمال الصالحة، فإن السياق يبين أن المقصود حب المال: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٦ - ٨].
والإنسان في القرآن الكريم عموماً يأتي في سياق الذم، والناس الآن يستعملون لفظة الإنسانية بمعنى الرأفة والرحمة والرفق بالناس، لكن هذا الاستعمال غير معروف في القرآن الكريم، فالإنسان في القرآن يقصد به الآدمي ناقص الهداية الربانية، فهو يرجع لأصله وطبعه الأصلي الذي هو البخل والسحت والظلم والجهل، وسائر صفاته التي ذكرت في القرآن ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١] ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:٦] ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢].
فلفظة الإنسان في القرآن الكريم هي في سياق الذم لهذا المخلوق الآدمي قبل أن يتحلى بالوحي، وقبل أن يهتدي بنور القرآن والسنة، فإذا انخلع عن التأديب الرباني والتهذيب المحمدي، فهو الإنسان الكنود الظلوم الجحود العنيد الكفار وهكذا.
فالسياق في هذه الآيات ذم: ((إن الإنسان لربه لكنود.
وإنه على ذلك لشهيد.
وإنه لحب الخير لشديد)) وهو يؤيد أن الخير المقصود به هنا المال، فمن صفات الإنسان شدة الحرص على المال، فهو جموع منوع.
وشاهد آخر يدل على أن الخير يراد به المال، قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة:١٨٠] أي مالاً.
إذاً: قوله تعالى في هذه الآية في صفات الكافر: ((مناع للخير)) معناه: مناع للمال، أي: لا ينفق المال في أوجه الخيرات.
والخير إما كلي أو جزئي، فالخير الكلي هو الإيمان فمعنى ((مناع للخير)) على هذا أنه يستنكف عن أن يدخل في الإسلام، ولا يحسن إلى نفسه بأن ينقذها من النار، ويدخلها في أمة سيد الأنام ﷺ .
أو أنه مناع للخير الجزئي، وهو المال، وهذا قول ثان.
وقال شيخ المفسرين ابن جرير رحمه الله تعالى: إن الخير هنا كل حق وجب لله أو لآدمي في ماله؛ لأنه لم يخصص منه شيء، فدل على أنه كل خير يمكن منعه طالبه.
فالأقوال ثلاثة.
وقوله: ((معتد)) أي: متجاوز للحد في الاعتداء على الناس بلسانه بالبذاء والفحش في المنطق، وبيده بالسطوة والبطش ظلماً، قال قتادة: معتد في منطقه وسيرته وأمره.
وقوله: ((مريب)) أي: شاك في الحق، أو موقع صاحبه في الريب مع كثرة الدلائل على الوحدانية وعلى قضايا الإيمان.
وأدلة التوحيد مبثوثة في الآفاق وفي أنفسنا.
﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي: عبد معه معبوداً آخر من خلقه ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ أي: في عذاب جهنم.
ولا شك أن هذه الصفات هي ثمرات الكفر بالله .
стр. 2298
وقفة مع الجهاد الشيشاني ضد الروس
وأنا أتلو عليكم هذه الصفات من صفات الكفار تلح علي نفسي أن أقف وقفة مع ملاحدة الروس لعنهم الله وأذلهم، فالإنسان قد يحدث نفسه حينما يعايش محنة المسلمين، وقد يسأل نفسه سؤالاً ويود أن يعرف جوابه مباشرةً: فهؤلاء الملاحدة الروس يعيثون الآن فساداً بهذا العدوان الظالم على إخواننا المسلمين في الشيشان، ويسمون المجاهدين عصابات وهم أصحاب البلد، وقد ارتبطوا بدولة لها رئيس اسمه أصلان مسخادوف، فكيف يكونون عصابات؟ نعم.
فهم بحمد لله قد أدبوا ثاني أكبر قوة في العالم، ومرغوا كرامتها في الوحل، وفي كل مدة يصرح بعض القادة بأن الانتصار بعد شهر، أو بعد شهرين، ومنذ أربعة أشهر أو أكثر وهم يجزمون بالنصر، والسؤال الذي يلح علي هو أنهم في هذه الشدة الفريدة خسروا نائب القائد الأعلى لهم في الشيشان، فقد قتل ولله الحمد، وأحد الإخوة الشيشان كان في حديث صحفي مع مراسل في مصر، فقال: نحن لا نجزع حتى لو أخذ الروس الشيشان، فنحن حددنا خيارات فإما النصر وإما الشهادة، وهي نصر، فكل مسلم يدعو الله أن يرزقه الشهادة في سبيل الله؛ لأنه على يقين أن هذه هي بداية السعادة الأبدية، وأضمن شيء لغفران الذنوب ونيل الدرجات العليا في الجنة، فالمسلم يتمنى أن يقتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا, وهذا الجندي الروسي أو القائد الروسي في سبيل ماذا يقاتل؟ وعند الشدة إلى من يلجأ؟ الروس بدءوا يتهمون جورجيا بأنها تؤوي هؤلاء الشيشان المقاتلين، وجورجيا وضحت وقالت: الحقيقة أن الجنود والضباط الروس يبيعون أسلحتهم للمجاهدين الشيشان! ويحملونها في السيارات، وينقلونها إلى داخل الشيشان، وهم يعلمون أن المجاهدين يقاتلون بها جيشهم، لأنهم لا إيمان عندهم! تخيل إنسان لا يؤمن بالغيب كيف يكون؟ وكالات الأنباء التي هي منحازة ضد الإسلام، ولا أقول: محايدة، بل هي لا تملك نفسها، ومع هذا تثني على صمود الإخوة الشيشان أمام الروس، والروس أنفسهم يقولون: نحن لا نقاتل بشراً، بل نقاتل جناً أو شياطين، ويقولون: إن نسبة الخطأ في إصابة الهدف عند المقاتلين الشيشان واحد بالمائة، ولو تسمعونهم في الأخبار يضجون ويصرخون لكون القناصة المسلمين لا يسمحون لأي روسي يمشي من غير أن يوقعوه في الأرض، ولذلك فإنهم بفعلتهم قد دخلوا في الفخ؛ لأن الإخوة الشيشان قالوا: ليس الروس هم الذين دخلوا قروزني، بل نحن سمحنا لبعض قواتهم أن تدخل العاصمة لنجعلها مقبرةً لهم، ووكالات الأنباء نفسها تقول: إن الحرب السابقة في الشيشان منذ عدة سنوات حولت قروزني إلى مقبرة للجنود الروس.
فالشاهد هو الفارق بين أخلاق الإيمان وأخلاق الكفر، وبين ثبات المؤمنين وتزعزع الكافرين، وهم يسمونهم عصابات تحقيراً لهم، وازدراء لهم، وروسيا تدعي أن الشيشان جزء من الجمهورية الروسية، فهل توجد دولة في العالم تفعل في مواطنيها ما تفعله روسيا الآن في الإخوة الشيشان وفي المدنيين؟ ينبغي ألا نكف عن الدعاء لهم، وهذا هو الشيء الوحيد الذي نستطيع أن نقدمه لإخواننا، فاجتهدوا في الدعاء لإخواننا أن ينصرهم الله ، ويجعلهم مسماراً آخر في نعش إمبراطورية الشرق من الروس الملحدين.
تأمل في صفات الملاحدة وانظر إلى صفات المؤمن، قال خالد بن الوليد للكفار: أتيتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة! بل أشد، فالمسلم عندما يقاتل يضحي بكل شيء؛ لأنه يضمن الجنة بإذن الله، كما قال النبي ﵇ (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج بسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه).
والإنسان لابد أنه ميت، فلتكن هذه الموتة الشريفة التي ينتقل بعدها مباشرة إلى الجنة.
المسلم على يقين بأن الشهيد لا يجد من ألم الإصابة إلا كما يجد الإنسان ألم القرصة.
فهذا هو أثر العقيدة، أعني أن هؤلاء الذين يسمونهم عصابات تحقيراً لهم قد أذلوا كبرياءهم، ومرغوا كرامة دولة الكفر والإلحاد في الوحل، والأخبار تأتي بين وقت وآخر بنصر الله ، قال بعض المجاهدين الشيشان: تأتي أحياناً طلقات من جهة من جهاتنا إلى الروس، وليس أحد منا يضرب بالنار! وكأنها ملائكة تقاتل معهم، والله تعالى أعلم، فهذه ثمرات الإيمان بالله واليوم الآخر.
وفي الجهة الأخرى هذه ثمرات الإلحاد، فهم أنفسهم يبيعون الأسلحة للشيشان! فماذا قال الروس في تبرير بعض انتصارات الإخوة الشيشان؟ قالوا: الحقيقة أن بعض القوات الروسية أخذت رشوة من القوات الشيشانية، وهذا مثل أصحاب كرة القدم إذا انهزم فريق، حيث يقولون: إن الحكم أخذ رشوة من الفريق المنتصر.
فلعل الله أن يبشرنا قريباً بنصر إخواننا، واندحار هؤلاء الملاحدة، وأن تكون الشيشان مقبرة لكل المجرمين ما بين قتيل وأسير، وأن يرفع الله كلمته، ويعز أهل الإسلام وأهل التوحيد.
стр. 2299
تفسير قوله تعالى: (قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد)
يقول الله تعالى: ﴿قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق:٢٨].
أي: لا فائدة في اختصامكم ولا ثمرة ترجى من ورائه؛ لأنكم الآن في دار الجزاء، ولستم في دار العمل.
((وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ)) في الدنيا ((بِالْوَعِيدِ)) لمن كفر بي وعصاني وخالف أمري ونهيي في كتبي وعلى السنة رسلي.
فقوله تعالى: ((لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ)) ليس المراد به الانتهاء والتوقف عن الخصام؛ لكن المقصود أن يعلموا أنه لا فائدة من الاختصام؛ لأنه لن يعود عليكم الخصام والجدال وتبرؤ بعضكم من بعض واتهام بعضكم بعضاً بفائدة، وكذلك الاستماع لهذا الخصام لن يفيد بشيء، كأنه قال: لا اختصام مسموع عندي، وقد سبق وصح تقديم الوعيد حيث أمكن انتفاعكم به، لسلامة الآلات من السمع والبصر والعقل، وأنتم الذين عطلتم هذه الآلات عن أن تعمل فيما خلقت من أجله، فلم تنتفعوا بكل هذا ولم ترفعوا بذلك أساً، فحق عليكم القول بالعذاب.
وعن ابن عباس في هذه الآية الكريمة قال: إنهم اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم، ورد عليهم قولهم، فقوله: ((قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ)) أي: هذا عذر غير مقبول.
((وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ)) أقمت عليكم الحجة في الدنيا.
стр. 2300
تفسير قوله تعالى: (ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد)
يقول تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩].
تلاحظون دقة كلام المفسرين، فهم لما فسروا ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قالوا: لا اختصام مسموع عندي.
وقالوا: إنه ليس المقصود النهي عن هذا الخصام والجدال والمحاورة التي تحصل بين السادة والأتباع، أو بين الأقوياء والمستضعفين، لا، بل المقصود أن اختصامكم هذا لا فائدة فيه، لأن غاية ما تؤملونه أن يحصل تغيير في مصيركم، وفي الحكم الذي صدر عليكم من دخول النار، وهذا الحكم لا يمكن أن يبدل، وقد قامت عليكم الحجة في دار العمل، وأنتم الآن في دار الجزاء فلا سبيل على الإطلاق لتبديل ما قضى الله به عليكم؛ لأنه ثبت وصح تقديم الوعيد وكنتم تستطيعون في وقت العمل وفي دار العمل أن تنتفعوا، أما الآن فهي دار الجزاء، ((مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ)) أي: ماذا تؤملون وما هي الثمرة التي ترجونها من وراء الخصام؟ هل تظنون أنكم بهذا الخصام واتهام بعضكم بعض وتبرؤ بعضكم من بعض أن هذا سينفعكم، أو يعفيكم من العذاب؟ لا ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩].
قال ابن جرير: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا وهو قوله: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣] ولا قضائي الذي قضيته فيهم فيها.
﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: فلا أعذب أحداً بذنب غيره، ولكن بذنبه بعد قيام الحجة عليه، وهذه كما قال الله ﵎: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٦ - ٣٩]، فيلزم من هذا ما يعتقده بعض الكفار النصارى من أن البشرية كلها ملطخة بوزر آدم في نظرهم، ولأجل ذلك حصل موضوع الصلب والفداء والتعميد والتوثيق، من أجل أن يزال عن الطفل البريء هذا الوزر الذي ورثه من آدم.
فاليوم الذي ولد فيه الطفل هو أسود يوم في حياته؛ لأنه خرج إلى هذه الحياة وهو مسئول عن خطيئة آدم بزعمهم، وهذا شيء ترفضه الفطرة السليمة، لكن انظر إلى دين الفطرة فالإنسان يعمل بعض الأعمال الصالحة فيكون قد رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وهو أسعد يوم عنده؛ لأنه إنسان بريء على الفطرة، طاهر ما تلوث بخطيئة، ولا كتبت عليه خطيئة، فلذلك جاء في الحديث: (من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، أما عند النصارى فأول ما ينتقل الطفل إلى الحياة الدنيا فإنه يتحمل خطيئة آدم.
ملايين البشر يولدون ملوثين بما يسمونه خطيئة آدم، مع أن الله تعالى قد غفر لآدم خطيئته قبل إهباطه إلى الأرض، قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٣٧].
فهذا من نسبة الظلم إلى الله ، وهذا مما يتنزه عنه الله ، كيف يعاقب ابن بخطيئة أبيه؟ هذا ينافي بداهة العقول.
﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ يقول القاسمي: ظاهر الآيات أن هذا التقاول على حقيقته إذ لا مانع منها، وذهب بعض المفسرين إلى أنها مجاز.
أنا أعجب كيف أن القاسمي مع أنه إمام جليل من أئمة السلفية الحقة ينقل مثل هذا الكلام ثم لا يهدمه هدماً، يقول: قال القاشاني: هذه المقاولات كلها معنوية مثلت على سبيل التخييل والتصوير، لاستحكام المعنى في القلب عند ارتسام مثاله في الخيال، فادعاء الكافر الإطغاء على الشيطان وإنكار الشيطان إياه عبارة عن التنازع والتجاذب الواقع بين قوتيه الوهمية والعقلية والغضبية والشهوية، ولهذا قال: ((لا تَخْتَصِمُوا)) إلى آخره.
هذا كلام كان يجب طرحه ولا تجوز حكايته؛ لأنه انحراف في تأويل القرآن الكريم، وإفساد لمعاني القرآن، ما الذي يمنع إرادة الحقيقة؟ ثم هذا فتح لباب التأويلات الباطنية، وإبطال لمعاني القرآن الكريم، فما كان ينبغي للقاسمي عفا الله عنه ورحمه الله أن يحكي مثل هذا الكلام إلا بنية إبطاله والرد عليه.
стр. 2301
نكتة حذف الواو من قوله: (قال قرينه ربنا ما أطغيته)
إن قلت: لم طرحت الواو من جملة: ((َقَالَ قَرِينُهُ ربنا ما أطغيته))؟ وذكرت في الأولى.
قلت: لأنها استؤنفت كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول كما رأيت في حكاية التقاول بين موسى وفرعون.
المقصود أن الجواب على هذه النقطة في التقاول كأن تقول مثلاً: قلت له كذا فقال لي كذا، فقلت له كذا، قال: كذا وكذا، فالواو غير موجودة؛ لأن في داخل السياق وفي أثنائه عملية محاورة، فلما قال: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق:٢٣] وتبعه بقوله: ((قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ)) وتلاه بقوله: ((لا تَخْتَصِمُوا)) علم أن ثم مقالة من الكافر، لكنها طرحت للدلالة عليها من السياق، كأنه لما قال القرين: ((هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ)) قال الكافر: رب هو أطغاني، فلما قال الكافر ذلك، ((قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ)) فلما حكى قول القرين والكافر قال الله : ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق:٢٨].
وذكر الواو في الجملة الأولى ((وقال قرينه هذا ما لدي عتيد)) لأنها أول التقاول، ولابد من عطفها للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في حصول مجيء كل نفس مع الملكين: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:٢١].
стр. 2302
الرد على المرجئة بآية: (ما يبدل القول لدي)
ودل قوله ﵎: ((مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ)) على أنه لا خلف في إيعاد الله تعالى، كما لا إخلاف في ميعاد الله.
وهذا رد على المرجئة حيث قالوا: ما ورد في القرآن من الوعيد فهو تخويف، ولا يحقق الله شيئاً منه، وقالوا: الكريم إذا وعد أنجز ووفى، وإذا أوعد أخلف وعفا.
وهذا الكلام ليس على إطلاقه، فلا خلف في إيعاد الله تعالى، أي: أن الوعيد لا يخلفه الله في حق الكفار، فإذا توعد الكافر أنه سيدخله جهنم فحتماً سوف يدخل جهنم، ولا يجوز أن يتخلف هذا الوعيد؛ بدليل قول الله ﵎: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق:١٤] وقد قلنا: إن هذه فاء السببية، أي: أن التكذيب هو علة حصول الوعيد، فكل من كذب الرسل فلابد أن يدخل النار.
وقال ﵎: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ [ص:١٤]، وقال ﵎ هنا: ((مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ)) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ِ) [النساء:٤٨].
فالوعيد الذي لا يمتنع إخلافه هو في حق عصاة المسلمين الذين يموتون على كبائر الذنوب ولم يتوبوا منها، لكن وعيد الكفار لا يمكن أن يتخلف، بل كل من مات على الكفر لا بد أن يتحقق فيه الوعيد ولا يخلف.
فلو صح ما ذكرته المرجئة من جواز إخلاف الوعيد في حق الكفار للزم تبديل قوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ والله مقدس عن ذلك ومنزه .
وكلام المرجئة كلام باطل، وهو يفتح باب المعاصي للناس على مصراعيه، تعلقاً بنصوص الرجاء، وزعماً أن نصوص الوعيد في حق المسلمين العصاة إنما هي مجرد تخويف ومجرد ترهيب فقط، ولكنهم في الحقيقة لن يعذبوا، هذا مخالف قطعاً للأدلة من القرآن ومن السنة، فنحن نقول: إنه تحت المشيئة، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، وهذه من كمال عدل الله ، إلا أن الموحد ينجو من الخلود في جهنم؛ لكنه لا ينجو من دخولها.
стр. 2303
معنى المبالغة في قوله: (بظلام) ونفي الظلم عن الله
أخيراً: ذكروا في قوله: ((وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)) سر المبالغة في كلمة: ((بظلام)) فقالوا: إن المراد بالمبالغة نفي الظلم من أصله.
وهنا إشكال: بعض الناس قد يسأل سؤالاً ويقول: لفظة (ظلام) صيغة مبالغة، ومعلوم أن نفي المبالغة لا يستلزم نفي الفعل من أصله، فعندما تقول: فلان ليس ضراباً لنساء أو لأولاده، فهذا لا يستلزم نفي الضرب من أصله، لكن يستلزم نفي الضرب الكثير، أي: قد يحصل الضرب منه لكنه قليل! لكن عندما تقول: فلان ليس ضارباً لأولاده؛ فهذه الصيغة تستلزم نفي الفعل من أصله.
وفي الحديث: (المؤمن ليس بلعان) أي: لا يكثر اللعن، لكن قد يقع منه اللعن في مواضعه السائغة شرعاً، لكن لا يغلب عليه، قولك مثلاً: زيد ليس بقتال للرجال، فهذا لا ينفي إلا المبالغة في القتل، فهو ربما قتل بعض الرجال.
فقبل أن نناقش هذا السؤال أو هذه الشبهة التي تشكل على بعض الناس فيقولون: الله نفى المبالغة في الظلم فهل يستلزم ذلك أن يصدر منه ظلم قليل؟ قبل الإجابة لابد أن نقول: إن القاعدة الراسخة والأساسية في تفسير هذه الآية: ((وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)) أن المراد بها نفي الظلم من أصله.
أما الجواب عن الإشكال في صيغة المبالغة فمن وجوه: أولاً: أن نفي صيغة المبالغة في الآية المذكورة قد بينت آيات كثيرة أن المراد به نفي الظلم من أصله، والقرآن يفسر بعضه بعضاً، فنفي صفة المبالغة يمكن أن يدل على نفي الصفة من أصلها إذا قامت أدلة منفصلة على أن هذا ذلك المراد، ففي هذه الحالة لا يكون هناك إشكال، فيتحتم تأويل قوله: ((وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)) بأن المعنى: وما أنا بذي ظلم للعبيد.
ومن الأدلة على ذلك قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء:٤٠] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس:٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء:٤٧] إلى غير ذلك من الآيات.
وقال النبي ﵊ كما في الحديث القدسي: (إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا).
الوجه الثاني: أن الله نفى ظلمه للعبيد، والعبيد في غاية الكثرة، وذلك يستلزم كثرة الظلم المنفي عنهم.
أي: فالظلم منفي عن كثير من الناس، فيستلزم ذلك كثرة الظلم المنفي عن هؤلاء العباد.
فناسب ذلك الإتيان بصيغة المبالغة، للدلالة على كثرة الظلم المنفي التابعة لكثرة العبيد المنفي عنهم الظلم، إذ لو وقع على كل عبد ظلم ولو قليلاً كان مجموع ذلك الظلم في غاية الكثرة كما ترى، وبذلك تعلم اتجاه الإتيان بصيغة المبالغة، وأن المراد بذلك نفي أصل الظلم عن كل عبد من أولئك العبيد الذين هم في غاية الكثرة، عن أن يظلم أحداً شيئاً.
الوجه الثالث: أن عذابه ﵎ بالغ الغاية من العظم والشدة، بحيث لولا استحقاق المعذبين لذلك العذاب بكفرهم ومعاصيهم لكان معذبهم به ظلاماً بليغ الظلم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، لكن ليس فيه ظلم على الإطلاق بل هو عدل؛ لأنهم استحقوا ذلك بكفرهم.
الوجه الرابع: ذكره بعض علماء العربية وبعض المفسرين: وهو أن المراد بالنفي في قوله تعالى: ((وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)) نفي نسبة الظلم إليه سبحانه، وأنها تعني: وما أنا بذي ظلم للعبيد، أي: فلا ينسب إلي ظلم على الإطلاق؛ لأن صيغة (فعَّال) تستعمل مراداً بها النسبة فتغني عن ياء النسبة كما أشار إليه في الخلاصة بقوله: ومع فاعل وفعَّال فَعِل في نسب أغنى عن الياء فقبل بمعنى: أن هذه الصيغ الثلاث المذكورة في البيت وهي: (فاعل كظالم، وفعَّال كظلَّام، وفَعِل كفَرِح) كل منها قد تستعمل مراداً بها النسبة، فيستغنى بها عن ياء النسبة.
ومثاله في (فاعل) قول الحطيئة في هجوه الزبرقان بن بدر التميمي: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فالمراد بقوله: فإنك أنت الطاعم الكاسي النسبة، أي: فإنك أنت ذو طعام وذو كسوة.
وقول الآخر، وهو من شواهد سيبويه: وغررتني وزعمت أنـ ـك لابن في الصيف تامر يظهر أن شخصاً غر آخر استضافه وأوهمه أنه في الصيف سيكون عنده تمر ولبن، فلما ذهب معه لم ير شيئاً.
غررتني: أي: خدعتني.
لابن أي: ذو لبن، تامر أي: ذو تمر.
ومنه أيضاً قول النابغة الذبياني: كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب ناصب، أي: ذو نصب.
ومثاله في (فعَّال) قول امرئ القيس: وليس بذي رمح فيطعنني به وليس بذي سيف وليس بنبال فصيغة نبال نابت عن النسبة أي: ليس بذي نبل، ويدل عليه قوله قبله: ليس بذي رمح، وليس بذي سيف.
وقال الأشموني: بعد الاستشهاد بالبيت المذكور: قال ابن مالك: وعلى هذا حمل المحققون قوله تعالى: ((وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ)) أي: بذي ظلم.
ومثاله في (فَعِل) قول الراجز وهو من شواهد سيبويه: لست بليلي ولكني نهر لا أدلج الليل ولكن أبتكر (ولكني نهر) أي: ولكني نهاري، ينسب إلى النهار، فنابت صيغة (فَعِل) عن النسبة، فكذلك قوله تعالى: ((وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)) أي: ليس بذي ظلم.
إذاً على مقتضى اللغة العربية سهل جداً أن نفهم قوله تعالى: ((وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)) أي: وما أنا بذي ظلم، ففهم منه أن المقصود من صيغة المبالغة نفي الظلم من أصله.
стр. 2304
تفسير سورة (ق) [٣٠ - ٤٥]
стр. 2305
دار العمل تذكر بدار الجزاء
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب! أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير) متفق عليه.
وفي رواية لـ مسلم: (قالت النار: ربي أكل بعضي بعضاً، فائذن لي أتنفس، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نفس جهنم، وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم) لا شك أن هذا الحديث من أقوى الأدلة على أن النار والجنة مخلوقتان الآن موجودتان، وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه المسألة.
الأمر الآخر: أن هذا الكلام من النار ظاهره الحقيقة، فهو كلام حقيقي سوف نبينه عما قريب إن شاء الله تعالى.
أما العبرة من هذا الحديث: فلا شك أن الله خلق لعباده داراً يجزيهم فيها بأعمالهم مع البقاء فيها من غير موت، وخلق داراً معجلة للأعمال، فدار الجزاء دار مؤجلة وهي دار الجنة أو النار، ويؤتى بالموت فيذبح بين الجنة والنار فيقال: (يا أهل الجنة! خلود ولا موت، ويا أهل النار! خلود ولا موت، فيزداد أهل الجنة سروراً وفرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار هماً وحزناً على حزنهم).
أما دار العمل ففيها موت وحياة، وابتلى الله العباد في هذه الدار بما أمرهم به ونهاهم عنه، وكلفهم فيها الإيمان بالغيب، ومنه الإيمان بالجزاء وبالدارين المخلوقتين للجزاء، وأنزل بذلك الكتب، وأرسل به الرسل، وأقام الأدلة الواضحة على الغيب الذي أمر بالإيمان به.
وإحدى الدارين المخلوقتين للجزاء دار نعيم محض لا يشوبه ألم، والأخرى دار عذاب محض لا يشوبه راحة.
стр. 2306
نار الدنيا تذكر بنار الآخرة
هذه الدنيا الفانية ممزوجة بالنعيم والألم، وذلك كي يكون ما فيها من النعيم مذكراً بنعيم الجنة، وما فيها من الألم مذكراً بألم النار، ولذلك قال في حكمة خلق النار: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة:٧١ - ٧٣].
فجعل الغاية الأولى والعظمى من خلق النار في الدنيا: أن تكون تذكرة بنار الآخرة، مع الفضل والتفاوت الذي بينهما.
والغاية الثانية أنها متاع للمقوين، سواء للاستدفاء أو للاستضاءة أو لإنضاج الطعام أو غير ذلك من وجوه التمتع بالنار في الدنيا.
стр. 2307
نعيم الدنيا يذكر بنعيم الجنة
فجعل الله في هذه الدار أشياء كثيرة تذكر بدار الغيب المؤجلة الباقية، منها أمور تتعلق بالزمان أو بالمكان، أما الأماكن فخلق الله في بعض البلدان من المطاعم والمشارب والملابس وغير ذلك من نعيم الدنيا ما يذكر بنعيم الجنة، وأما الأزمان فكزمن الربيع الذي يذكر طيبه ورونقه بنعيم الجنة وطيبها، فيقول ابن سمعون في وصف الربيع: أرضه حرير، وأنفاسه عبير، وأوقاته كلها وعظ وتذكير وكان بعض السلف يخرج في أيام الرياحين والفواكه في الربيع إلى السوق فيقف وينظر ويعتبر ويسأل الله الجنة.
ومر سعيد بن جبير بشباب من أبناء الملوك في مجالسهم في زينتهم، فسلم عليهم؛ فلما بعد عنهم بكى واشتد بكاؤه وقال: ذكرني هؤلاء بشباب أهل الجنة.
وتزوج صلة بن أشيم بـ معاذة العدوية وكان من كبار الصالحين فأدخله ابن أخيه الحمام، ثم أدخله على زوجته في بيت مطيب فقاما يصليان إلى الصباح، فسأل ابن أخيه عن حاله فقال: أدخلتني بالأمس بيتاً أذكرتني به النار -يعني: الحمام- حيث الماء والبخار، وأدخلتني الليلة بيتاً أذكرتني به الجنة، فلم يزل فكري في الجنة والنار إلى الصباح! ودعا عبد الواحد بن زيد إخوانه إلى طعام صنعه لهم، فقام على رءوسهم عتبة الغلام يخدمهم وهو قائم وهم يأكلون، فجعلت عيناه تهملان! فسأله عبد الواحد عن سبب بكائه؟ فقال: ذكرت موائد أهل الجنة إذا أكلوا وقام الولدان على رءوسهم.
الدنيا مرآة ننظر بها إلى الآخرة لا لننظر إليها ونتوقف عندها، فالمرآة آلة لا يُنظر إليها نفسها، ولكن ينظر المرء إلى ما يرى من خلال هذه المرآة.
فهذا هو الوضع الملائم لحكمة خلقنا في الدنيا من نعيم أو من عذاب، أن تكون تذكرة لنا بدار الآخرة، يقول الشاعر: كفى حزناً أن لا أعاين بقعة من الأرض إلا ازددت شوقاً إليكمُ وأني متى ما طاب لي خصب عيشة تذكرت أياماً مضت لي لديكمُ
стр. 2308
وجه تذكير نار الدنيا بنار جهنم
وليس الآن وقت التفكر في زمان الربيع، فنرجئه إلى أن يأتي زمان الربيع إن شاء الله، لكن ننتقل انتقالة سريعة إلى نوع آخر من وجوه الاعتبار: فالله جعل من مخلوقاته ما يذكر بالنار التي أعدها لمن عصاه، وما فيها من الآلام والعقوبات، هناك أماكن وأزمان وأجسام تذكر بالنار، أما الأماكن التي تذكر بالنار، فكثير من البلدان الشيديدة الحر أو البرد، فبردها يذكر بزمهرير جهنم، وحرها يذكر بحر جهنم، فإن جهنم والعياذ بالله حافلة بكل أنواع الآلام، مما لم يخطر على قلب بشر، وليس في الدنيا من آلامها سوى الأسماء، حتى نار الدنيا إنما هي جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم والعياذ بالله، فبعض المناطق الاستوائية المعروفة بشدة الحرارة، يجد الناس فيها من الحر الشديد ما ينبغي أن يكون تذكرة لهم بنار جهنم.
أهل النار كما يعذبون بشدة الحرارة كذلك يعذبون بشدة البرودة، فالزمهرير هو تعذيب بالبرد الشديد الذي يؤلم غاية الألم.
كذلك هناك بعض البقاع تذكر بالنار كالحمام، والحمام في مصطلح السلف غير ما هو في مصطلحنا الآن، فقد كانت هناك حمامات عامة تسخن فيها المياه؛ لأنه لم يكن عندهم وسائل لتسخين المياه في البيوت، فكانوا يسخنون في الحمام ليتنظف الناس ويغتسلون.
قال أبو هريرة: نعم البيت الحمام؛ يدخله المؤمن فيزيل به الدرن ويستعيذ بالله فيه من النار! يعني: أن من فوائده أن من دخله تذكر عذاب النار.
وكان السلف يذكرون النار بدخول الحمام، فيحدث لهم ذلك عبادة كما تقدم خبر صلة بن أشيم.
ودخل ابن وهب الحمام فسمع تالياً يتلو: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر:٤٧] فغشي عليه.
وكان بعض السلف إذا أصابه كرب الحمام يقول: يا بر يا رحيم! مُنَّ علينا وقنا عذاب السموم.
وصب بعض الصالحين على رأسه ماءً من الحمام فوجده شديد الحر فبكى وقال: ذكرت قوله تعالى: (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج:١٩].
فكل ما في الدنيا يدل على صانعه ويذكر به ويدل على صفاته، فما فيها من نعيم وراحة يدل على كرم خالقه وفضله وإحسانه وجوده ولطفه، وما فيها من نقمة وشدة وعذاب يدل على شدة بأسه وبطشه وقهره وانتقامه، ولا شك أن اختلاف أحوال الدنيا من حر وبرد وليل ونهار، هي أمارات على انقضائها وزوالها.
أما الأزمان التي تذكر بالنار فلا شك أن وقت شدة الحر أو البرد يذكران بما في جهنم من الحر والزمهرير، قد بين الحديث الصحيح الذي ذكرناه أن ذلك من تنفس النار: (اشتكت النار إلى الله فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً فأذن لها بنفسين: نفس في الصيف ونفس في الشتاء، فأشد ما تجدون من الحر فهو نفس من أنفاس جهنم، وأشد ما تجدون من البرد فهو نفس من أنفاس جهنم).
стр. 2309
تفسير قوله تعالى: (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد)
قال الله ﵎ ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠].
(يوم) فيه قولان: القول الأول: أنه منصوب بظلام، أي: وما أنا بظلام للعبيد يوم نقول لجهنم إلخ.
الثاني: أنه منصوب بمضمر تقديره: اذكر يوم نقول لجهنم، أو: أنذر يوم نقول لجهنم.
((وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ))، قال ابن جرير: فيه لأهل التأويل قولان: الأول: أن معناه: ما من مزيد.
فعن مجاهد قال: وعدها الله ليملأنها فقال: هلا وفيتك؟ قالت: وهل من مسلك؟ وذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣].
أي: فوعدها الله ليملأنها؛ فقال بعدما ألقي فيها أهلها: هلا وفيتك؟ فتقول: وهل من مسلك؟ أي: قد امتلأت بالفعل.
فالاستفهام إنكاري على هذا ومعناه النفي، وتؤيده بآية: ((لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)) والقرآن يفسر بعضه بعضاً.
القول الثاني: أن المعنى: زدني زدني، وعلى هذا يكون الاستفهام تقريرياً، دلالة على سعتها بحيث يدخلها من يدخلها وفيها فراغ وخلو، فكأنها تطلب الزيادة.
والفريق الذي يذهب إلى المذهب الثاني ورد عليه اعتراض من أصحاب القول الأول وهو أن هذا التفسير يتعارض مع قوله تعالى: ((لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)).
فأجاب الفريق الثاني بأن المقصود أن الامتلاء قد يراد به أنه لا يخلو طبقة منها عمن يسكنها، وإن كان فيها فراغ كثير، كما تقول: إن البلدة ممتلئة بأهلها ليس فيها دار خالية، مع ما بينها من الأبنية والأغطية، أو أن هذا باعتبار الحالين، فالفراغ في أول دخول أهلها فيها، ثم يساق إليها الشياطين ونحوهم فتمتلئ.
стр. 2310
حقيقة إدراك الجنة والنار وتكلمهما
قال الناصر في الانتصار: إنا نعتقد أن سؤال جهنم وجوابها حقيقة، وأن الله تعالى يخلق فيها الإدراك، وكيف نؤول وقد وردت الأخبار وتظاهرت على ذلك منها هذه الآية: ((يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)).
ومنها: لجاج الجنة والنار واختصامهما كما في الحديث.
ومنها: اشتكاؤها إلى ربها فأذن لها بنفسين.
وهذه النصوص يجب حملها على حقائقها؛ لأنا متعبدون باعتقاد الظاهر ما لم يمنع مانع، ولا مانع هاهنا، فإن القدرة صالحة والظواهر قاضية بوقوع ما جوزه العقل، وقد وقع مثل هذا قطعاً في الدنيا، كتسليم الشجر، وتسبيح الحصى في كف النبي ﷺ وفي يد أصحابه، ولو فتح باب المجاز والعدول عن الظاهر في تفاصيل المقالة لاتسع الخرق، وضل كثير من الخلق عن الحق.
فنذكر هنا بما كنا قد ناقشناه من الأدلة عند الكلام على عبودية الكائنات: فمن الأدلة التي تؤيد ما ذكرناه، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين! وقالت الجنة: لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وغبرتهم! فقال الله للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها) متفق عليه.
ولا شك أن هذا الحديث فيه بيان أن الجنة والنار يعرفان ربهما، وأن في الجنة والنار إدراكاً وتمييزاً بحيث يتحاجان ويكلمان ربهما .
وأيضاً في الحديث الذي ذكرناه (اشتكت النار إلى ربها وقالت: رب أكل بعضي بعضاً) فيه أن النار لها لسان بل لها أذنان وعينان كما في هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ يقول النبي ﷺ : (يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق فيقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين) فهذا واضح في ذلك.
وبين الله أن للنار إدراكاً، وأنها تتغيظ حنقاً على الكافرين، يقول تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان:١٢] فقوله: ((إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ))، يدل على حدة بصر النار.
ويقول ﵎: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك:٧ - ٨].
وكذلك الجنة فيها إدراك، يقول النبي ﵌: (إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة: لـ علي وعمار وسلمان) رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
أيضاً نار الدنيا لها إدراك، وهي مطيعة لأمر الله تعالى، ولا أدل على ذلك من قول الله ﵎: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ﴾ [الأنبياء:٨٦ - ٨٧] فخاطب الله النار، فهذا دليل على أنها تدرك وتفهم الخطاب.
كذلك كانت عادة الأنبياء في الغنائم أن يجمعوها فتجيء نار من السماء فتأكلها، فيكون ذلك علامة على قبولها وعدم الغلول، فعن أبي هريرة ﵁ الله قال: قال ﷺ : (غزا نبي من الأنبياء) إلى أن قال في الحديث: (حتى فتح الله عليه، قال: فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار تأكله، فأبت أن تطعمه، فقال: فيكم غلول، فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه، فلصقت يد رجل فقال: فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك فبايعته قال: فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة فقال: فيكم الغلول! فأخرجوا له رأس بقرة من ذهب، قال: فوضعوه في المال وهو في الصعيد فأقبلت النار فأكلته) وهذا رواه مسلم فهذا أيضاً يدل على أنها تدرك، وأنها تعرف أن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.
فهذه النصوص جزء من كثير من الأدلة التي تؤيد المذهب الحق، وأمثال هذه النصوص ينبغي حملها على حقيقتها، وعدم الاعوجاج إلى القول بالمجاز.
стр. 2311
كلام الشنقيطي على آية: (يوم نقول لجهنم)
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية الكريمة: ((يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)).
قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير نافع وشعبة عن عاصم، ((يَوْمَ نَقُولُ)) بالنون الدالة على العظمة، وقرأ نافع وشعبة: ((يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ)) وعلى قراءتهما فالفاعل ضمير يعود إلى الله.
واعلم أن الاستفهام في قوله: ((هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)) فيه للعلماء قولان معروفان: الأول: أن الاستفهام إنكاري، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام:٤٧]، أي: ما يهلك إلا القوم الظالمون، وعلى هذا فمعنى: (هل من مزيد) أي: لا محل للزيادة لشدة امتلاء النار، واستدل بعضهم لهذا الوجه بآيات من كتاب الله، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣].
وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩].
وقال تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٤ - ٨٥].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٧].
فإقسام الله تعالى في هذه الآيات المدلول عليه بلام التوطئة فيه دليل على أنها لا بد أن تمتلئ، ما دام الله قد أقسم ليملأنها، فلا بد أنها سوف تمتلئ بالفعل، ولذلك قالوا: إن معنى: هل من مزيد؟ أي: لا مزيد؛ لأنها قد امتلأت وليس هناك محل للمزيد.
وأما القول الآخر: فهو أن المراد بالاستفهام في قول النار: ((هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)) زدني، وأنها تطلب الزيادة، وأنها لا تزال كذلك حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، أي: كفاني قد امتلأت، وهذا الأخير هو الأصح.
والعلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى يرجح هذا القول الأخير؛ لما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ : (أن جهنم لا تزال تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط، قط) والتصريح بقولها: (قط، قط) أي: كفاني قد امتلأت، وأما قولها قبل ذلك: هل من مزيد؟ فلطلب الزيادة، يعني: قبل أن نصل إلى الغاية.
وهذا الحديث الصحيح من أحاديث الصفات، فينبغي أن نسلك فيه مسلك السلف الصالح رحمهم الله تعالى في مثل هذه النصوص، من أنها تمر كما جاءت بلا كيف، فيثبت الوصف، لكن نفوض علم الكيفية إلى الله ، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
واعلم أن قول النار في هذه الآية: ((هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)) قول حقيقي ينطقها الله به.
وزعم بعض أهل العلم أنه كقول الشاعر: امتلأ الحوض فقال قطني مهلاً رويداً قد ملأت بطني فبعض العلماء استند إلى هذا البيت من الشعر كشاهد على أن قول النار: هل من مزيد؟ يفهم من حالها وليس نطقاً حقيقياً تنطق به النار.
وهذا خلاف التحقيق كما أشرنا، فالراجح أن قولها: هل من مزيد؟ على الحقيقة.
стр. 2312
تفسير قوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد)
قال الله ﵎: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق:٣١].
قوله تعالى: (غير بعيد) فيه معنى التوكيد، كما قال الله ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ [التكوير:١٣]، وقال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء:٩٠] أي: قربت وأدنيت.
((لِلْمُتَّقِينَ)) أي: للذين اتقوا ربهم فخافوا عقوبته بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
((غَيْرَ بَعِيد)) أي: مكاناً غير بعيد، فهو صفة للظرف قام مقامه، أو حال من الجنة، أي: أن الجنة تكون غير بعيدة، والتذكير في هذه الحالة لأنه صفة لمذكر.
أي: في غير القرآن يقال: غير بعيدة، أي: حال من الحنة في كونها غير بعيدة، لكن ذكر لأنه صفة لمذكر فقال: ((وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ)) أي: شيئاً غير بعيد.
أو تؤول الجنة على أنها بستان غير بعيد، أو لكونها على زنة المصدر الذي من شأنه أن يستوي فيه المذكر والمؤنث، فعومل معاملته وأجري مجراه، وعلى كل الأحوال فقوله: ((غَيْرَ بَعِيد)) للتأكيد، ودفع التجوز، فلا يقال: إن كلمة: ((أُزْلِفَتِ)) تغني عن التعبير بغير بعيد.
стр. 2313
تفسير قوله تعالى: (هذا ما توعدون ولدينا مزيد)
قال تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٢ - ٣٥].
((هَذَا)) أي: الثواب، أو هذا الإزلاف والتقريب.
((مَا تُوعَدُونَ)) أيها المتقون.
((لِكُلِّ أَوَّابٍ)) أي: راجع عن معصية الله إلى طاعته تائب من ذنوبه.
((حَفِيظٍ)) أي: حافظ لفرائض الله وما ائتمنه الله عليه.
وإعراب ((لِكُلِّ)) بدل من ((لِلْمُتَّقِينَ)) بإعادة حرف الجر، والمعنى: وأزلفت الجنة للمتقين لكل أواب حفيظ.
((مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)) أي: خاف الله في سره.
((وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ)) أي: جاء ربه بقلب تائب من ذنوبه راجع مما يكرهه الله تعالى إلى ما يرضيه.
((ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ)) أي: يقال لهم: ادخلوا هذه الجنة بأمان من الهم والحزن والخوف.
((ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ)).
قوله تعالى: ((لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا)) أي: مما تشتهيه نفوسهم وتلذه عيونهم.
((وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ)) أي: مما لا يخطر على بالهم، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت.
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: ((لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد)): قال بعض العلماء: المزيد النظر إلى وجه الله الكريم، ويستأنس لذلك بقوله ﵎: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، لأن الحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله .
стр. 2314
تفسير قوله تعالى: (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشاً)
قال ﵎: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [ق:٣٦].
((وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ)) أي: قبل هؤلاء المشركين من قريش.
((مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا)) أي: قوة كعاد وفرعون وثمود.
((فنقبوا في البلاد)) أي: فضربوا فيها وساروا وطافوا أقاصيها، قال امرؤ القيس: لقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب أي: أكثرت الطواف والمشي في نواحي الأرض حتى شق علي ذلك، وصرت أرى الرجوع إلى أهلي من غير ظفر ولا فائدة غنيمة.
هنا احتمالان في قوله تعالى: ((فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ)) الاحتمال الأول: أن تكون واو الجماعة عائدة إلى (قرن) أي: هؤلاء القرون الماضية نقبوا في البلاد وضربوا فيها وطافوا أقاصيها.
وعليه فمعنى ((هل من محيص)) أي: هل كان نفوذهم في البلاد مانعاً عنهم الهلاك الذي وعدوا به لتكذيبهم الحق.
والاحتمال الثاني: أن الواو عائدة إلى مشركي مكة، أي: قبل مشركي مكة، أي: أن مشركي مكة ساروا في أسفارهم في بلاد هؤلاء القرون الذين أهلكهم الله ، فهل رأوا لهم محيصاً حتى يتوقعوا مثله لأنفسهم؟! قال ابن جرير: وقرأت القراء قوله: ((فنقبوا)) بالتشديد وفتح القاف على وجه الخبر عنهم، وذكر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ ذلك (فنقِبوا) بكسر القاف، على وجه التهديد والوعيد، أي: طوفوا في البلاد، وترددوا فيها، فإنكم لن تفوتونا بأنفسكم.
стр. 2315
تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].
((إن في ذلك)) أي: في إهلاك القرون التي أهلكت من قبل قريش.
((لذكرى لمن كان له قلب)) أي: لتذكرة يتذكر بها من كان له عقل من هذه الأمة، فينتهي عن الفعل الذي كانوا يفعلونه من كفرهم بربهم؛ خوفاً من أن يحل به مثل الذي حل بهم من العذاب.
((أو ألقى السمع)) أي: أصغى لإخبارنا إياه عن هذه القرون التي أهلكناها.
((وهو شهيد)) أي: حاضر القلب، متفهم لما يخبر به عنهم غير غافل ولا ساه.
هذا على أن (شهيد) من الشهود وهو الحضور، والمراد به المتفطن؛ لأن غير المتفطن كالغائب، فيمكن أن يسمع الكلام لكنه ساه لاه غافل عن معانيه، فاشترط أمرين: أن يلقي السمع وهو حاضر الذهن متفهم متفكر.
وقيل: (أو شهيد) من الشهادة، والمراد شاهد بصدقه، أي مصدق له.
وقيل: (شهيد) كناية عن المؤمن؛ لأن الذي ينتفع به المؤمن المصدق له.
أما قوله: ((أو ألقى)) قيل: إن (أو) هنا لتحصيل المتذكر المشتق الذي يحصل منه التذكرة والانتفاع بالموعظة، والمتذكر نوعان: إما تال، وإما سامع، قمن كان له قلب هو التالي، ومن ألقى السمع وهو شهيد هو السامع.
أو إلى فقيه ومتعلم، فقوله: ((لمن كان له قلب)) هو الفقيه، ((أو ألقى السمع وهو شهيد)) هو المتعلم، أو غلى عالم كامل الاستعداد لا يحتاج لغير التأمل فيما عنده، وقاصر محتاج للتعلم، فيتذكر إذا أقبل بكليته وأزال الموانع بأسرها.
وفي تنكير القلب وإبهامه تفخيم وإشعار بأن كل من له قلب لا يتفكر ولا يتدبر كمن لا قلب له.
следующие страницы →