Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
كلام الشنقيطي على آية: (يوم نقول لجهنم)
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية الكريمة: ((يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)).
قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير نافع وشعبة عن عاصم، ((يَوْمَ نَقُولُ)) بالنون الدالة على العظمة، وقرأ نافع وشعبة: ((يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ)) وعلى قراءتهما فالفاعل ضمير يعود إلى الله.
واعلم أن الاستفهام في قوله: ((هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)) فيه للعلماء قولان معروفان: الأول: أن الاستفهام إنكاري، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام:٤٧]، أي: ما يهلك إلا القوم الظالمون، وعلى هذا فمعنى: (هل من مزيد) أي: لا محل للزيادة لشدة امتلاء النار، واستدل بعضهم لهذا الوجه بآيات من كتاب الله، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣].
وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩].
وقال تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٤ - ٨٥].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٧].
فإقسام الله تعالى في هذه الآيات المدلول عليه بلام التوطئة فيه دليل على أنها لا بد أن تمتلئ، ما دام الله قد أقسم ليملأنها، فلا بد أنها سوف تمتلئ بالفعل، ولذلك قالوا: إن معنى: هل من مزيد؟ أي: لا مزيد؛ لأنها قد امتلأت وليس هناك محل للمزيد.
وأما القول الآخر: فهو أن المراد بالاستفهام في قول النار: ((هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)) زدني، وأنها تطلب الزيادة، وأنها لا تزال كذلك حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، أي: كفاني قد امتلأت، وهذا الأخير هو الأصح.
والعلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى يرجح هذا القول الأخير؛ لما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ : (أن جهنم لا تزال تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط، قط) والتصريح بقولها: (قط، قط) أي: كفاني قد امتلأت، وأما قولها قبل ذلك: هل من مزيد؟ فلطلب الزيادة، يعني: قبل أن نصل إلى الغاية.
وهذا الحديث الصحيح من أحاديث الصفات، فينبغي أن نسلك فيه مسلك السلف الصالح رحمهم الله تعالى في مثل هذه النصوص، من أنها تمر كما جاءت بلا كيف، فيثبت الوصف، لكن نفوض علم الكيفية إلى الله ، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
واعلم أن قول النار في هذه الآية: ((هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)) قول حقيقي ينطقها الله به.
وزعم بعض أهل العلم أنه كقول الشاعر: امتلأ الحوض فقال قطني مهلاً رويداً قد ملأت بطني فبعض العلماء استند إلى هذا البيت من الشعر كشاهد على أن قول النار: هل من مزيد؟ يفهم من حالها وليس نطقاً حقيقياً تنطق به النار.
وهذا خلاف التحقيق كما أشرنا، فالراجح أن قولها: هل من مزيد؟ على الحقيقة.
стр. 2312
تفسير قوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد)
قال الله ﵎: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق:٣١].
قوله تعالى: (غير بعيد) فيه معنى التوكيد، كما قال الله ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ [التكوير:١٣]، وقال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء:٩٠] أي: قربت وأدنيت.
((لِلْمُتَّقِينَ)) أي: للذين اتقوا ربهم فخافوا عقوبته بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
((غَيْرَ بَعِيد)) أي: مكاناً غير بعيد، فهو صفة للظرف قام مقامه، أو حال من الجنة، أي: أن الجنة تكون غير بعيدة، والتذكير في هذه الحالة لأنه صفة لمذكر.
أي: في غير القرآن يقال: غير بعيدة، أي: حال من الحنة في كونها غير بعيدة، لكن ذكر لأنه صفة لمذكر فقال: ((وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ)) أي: شيئاً غير بعيد.
أو تؤول الجنة على أنها بستان غير بعيد، أو لكونها على زنة المصدر الذي من شأنه أن يستوي فيه المذكر والمؤنث، فعومل معاملته وأجري مجراه، وعلى كل الأحوال فقوله: ((غَيْرَ بَعِيد)) للتأكيد، ودفع التجوز، فلا يقال: إن كلمة: ((أُزْلِفَتِ)) تغني عن التعبير بغير بعيد.
стр. 2313
تفسير قوله تعالى: (هذا ما توعدون ولدينا مزيد)
قال تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٢ - ٣٥].
((هَذَا)) أي: الثواب، أو هذا الإزلاف والتقريب.
((مَا تُوعَدُونَ)) أيها المتقون.
((لِكُلِّ أَوَّابٍ)) أي: راجع عن معصية الله إلى طاعته تائب من ذنوبه.
((حَفِيظٍ)) أي: حافظ لفرائض الله وما ائتمنه الله عليه.
وإعراب ((لِكُلِّ)) بدل من ((لِلْمُتَّقِينَ)) بإعادة حرف الجر، والمعنى: وأزلفت الجنة للمتقين لكل أواب حفيظ.
((مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)) أي: خاف الله في سره.
((وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ)) أي: جاء ربه بقلب تائب من ذنوبه راجع مما يكرهه الله تعالى إلى ما يرضيه.
((ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ)) أي: يقال لهم: ادخلوا هذه الجنة بأمان من الهم والحزن والخوف.
((ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ)).
قوله تعالى: ((لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا)) أي: مما تشتهيه نفوسهم وتلذه عيونهم.
((وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ)) أي: مما لا يخطر على بالهم، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت.
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: ((لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد)): قال بعض العلماء: المزيد النظر إلى وجه الله الكريم، ويستأنس لذلك بقوله ﵎: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، لأن الحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله .
стр. 2314
تفسير قوله تعالى: (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشاً)
قال ﵎: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [ق:٣٦].
((وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ)) أي: قبل هؤلاء المشركين من قريش.
((مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا)) أي: قوة كعاد وفرعون وثمود.
((فنقبوا في البلاد)) أي: فضربوا فيها وساروا وطافوا أقاصيها، قال امرؤ القيس: لقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب أي: أكثرت الطواف والمشي في نواحي الأرض حتى شق علي ذلك، وصرت أرى الرجوع إلى أهلي من غير ظفر ولا فائدة غنيمة.
هنا احتمالان في قوله تعالى: ((فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ)) الاحتمال الأول: أن تكون واو الجماعة عائدة إلى (قرن) أي: هؤلاء القرون الماضية نقبوا في البلاد وضربوا فيها وطافوا أقاصيها.
وعليه فمعنى ((هل من محيص)) أي: هل كان نفوذهم في البلاد مانعاً عنهم الهلاك الذي وعدوا به لتكذيبهم الحق.
والاحتمال الثاني: أن الواو عائدة إلى مشركي مكة، أي: قبل مشركي مكة، أي: أن مشركي مكة ساروا في أسفارهم في بلاد هؤلاء القرون الذين أهلكهم الله ، فهل رأوا لهم محيصاً حتى يتوقعوا مثله لأنفسهم؟! قال ابن جرير: وقرأت القراء قوله: ((فنقبوا)) بالتشديد وفتح القاف على وجه الخبر عنهم، وذكر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ ذلك (فنقِبوا) بكسر القاف، على وجه التهديد والوعيد، أي: طوفوا في البلاد، وترددوا فيها، فإنكم لن تفوتونا بأنفسكم.
стр. 2315
تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].
((إن في ذلك)) أي: في إهلاك القرون التي أهلكت من قبل قريش.
((لذكرى لمن كان له قلب)) أي: لتذكرة يتذكر بها من كان له عقل من هذه الأمة، فينتهي عن الفعل الذي كانوا يفعلونه من كفرهم بربهم؛ خوفاً من أن يحل به مثل الذي حل بهم من العذاب.
((أو ألقى السمع)) أي: أصغى لإخبارنا إياه عن هذه القرون التي أهلكناها.
((وهو شهيد)) أي: حاضر القلب، متفهم لما يخبر به عنهم غير غافل ولا ساه.
هذا على أن (شهيد) من الشهود وهو الحضور، والمراد به المتفطن؛ لأن غير المتفطن كالغائب، فيمكن أن يسمع الكلام لكنه ساه لاه غافل عن معانيه، فاشترط أمرين: أن يلقي السمع وهو حاضر الذهن متفهم متفكر.
وقيل: (أو شهيد) من الشهادة، والمراد شاهد بصدقه، أي مصدق له.
وقيل: (شهيد) كناية عن المؤمن؛ لأن الذي ينتفع به المؤمن المصدق له.
أما قوله: ((أو ألقى)) قيل: إن (أو) هنا لتحصيل المتذكر المشتق الذي يحصل منه التذكرة والانتفاع بالموعظة، والمتذكر نوعان: إما تال، وإما سامع، قمن كان له قلب هو التالي، ومن ألقى السمع وهو شهيد هو السامع.
أو إلى فقيه ومتعلم، فقوله: ((لمن كان له قلب)) هو الفقيه، ((أو ألقى السمع وهو شهيد)) هو المتعلم، أو غلى عالم كامل الاستعداد لا يحتاج لغير التأمل فيما عنده، وقاصر محتاج للتعلم، فيتذكر إذا أقبل بكليته وأزال الموانع بأسرها.
وفي تنكير القلب وإبهامه تفخيم وإشعار بأن كل من له قلب لا يتفكر ولا يتدبر كمن لا قلب له.
стр. 2316
كلام ابن القيم على آية: (إن في ذلك لذكرى)
وفصل الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (الفوائد) تفصيلاً رائعاً في قوله : ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)) يقول رحمه الله تعالى: فتأمل ما تحت هذه الألفاظ من كنوز العلم، وكيف تفتح ذراعاتها للعبد أبواب العلم والهدى، وكيف ينغلق باب العلم عنه من إهمالها وعدم مراعاتها، فإنه سبحانه أمر عباده أن يتدبروا آياته المتلوة المسموعة والمرئية المشهودة، بما تكون تذكرة لمن كان له قلب، فإن من عدم القلب الواعي عن الله لم ينتفع بكل آية تمر عليه، ولو مرت كل آية.
ومرور الآيات عليه كطلوع الشمس والقمر والنجوم ومرورها على من لا بصر له، فإذا كان له قلب كان بمنزلة البصير إذا مرت به المرئيات فإنه يراها.
فآيات الله إما آيات تنزيلية وإما آيات تكوينية، أما الآيات التنزيلية فهي آيات القرآن الكريم الوحي الذي أوحاه الله إلى نبيه ﷺ ، وأمرنا بتدبره، وأما الآيات التكوينية فهي الأدلة التي بثها الله في السماوات وفي الأرض وفي المخلوقات لتدل الخلق على ربهم، كما قال الشاعر: تأمل صنوف الكائنات فإنها من الملأ الأعلى إليك رسائل وقد خط فيها لو تأملت خطها ألا كل شيء ما خلا الله باطل.
فنحن أمرنا بتدبر هذين النوعين من الآيات، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: (لقد أنزل علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]) إلى آخر السورة، فهنا جمع بين النوعين من الآيات؛ لأنها آيات قرآنية نحن مطالبون بالتفكر فيها، وأما الجانب التطبيقي فهو أن نتفكر بالفعل فيما يمر علينا من آيات الله التي بثها، لنراها ونتوصل من خلالها إلى عظمة الله وكماله وجلاله وتوحيده.
وقال ﵎: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ١٨] إلى آخر الآيات، بل في القرآن ما يدل على أن التفكر في هذه المخلوقات واجب وفريضة محكمة قال : ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق:٥]، هذه صيغة أمر، والأمر ظاهره الوجوب، أي: يجب على كل إنسان أن يتأمل في خلقه: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٥ - ٦] إلى آخر الآيات.
فمن عدم القلب الواعي عن الله فإنه ستمر به ألفاظ القرآن دون أن يتدبر فيها ودون أن يتأمل فيها، فهو لم ينتفع بالآيات التي تمر عليه؛ لأنه عطل قلبه وصار كشخص لا قلب له، فتمر عليه آيات القرآن أو الآيات الآفاقية، أو الآيات التي في أنفسنا؛ لكنه غافل لاه عن التفكر فيها.
ثم يقول: ولكن صاحب القلب لا ينتفع بقلبه إلا بأمرين: أحدهما: أن يحضره ويشهد بما يلقى إليه، فإن كان غائباً عنه مسافراً في الأماني والشهوات والخيالات لا ينتفع به، فإذا أحضره وأشهده لم ينتفع إلا بأن يلقي سمعه ويفضي بكليته إلى ما يوعظ به ويرشد إليه.
إذاً هنا ثلاثة أمور: أحدها: سلامة القلب وصحته وقبوله.
الثاني: إحضاره وجمعه ومنعه من الشرود والتفرق.
الثالث: إلقاء السمع وإصغاؤه والإقبال على الذكر.
فذكر الله تعالى الأمور الثلاثة في هذه الآية: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)) فقوله: ((لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ)) أي: كان له قلب سليم وقابل للحق.
((وَهُوَ شَهِيدٌ)) أي: أنه يحضر قلبه ويجمعه ويمنعه من الشرود والتفرق والتشتت، ثم يصغي بسمعه ويقبل على الذكر.
قال ابن عطية: القلب هنا عبارة عن العقل إذ هو محله، والمعنى: لمن كان له قلب واع ينتفع به.
وقال الشبلي: قلب حاضر مع الله لا يغفل عنه طرفة عين.
وقوله: ((أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)) معناه: صرف سمعه إلى هذه الأنباء الواعظة وأثبتها في سمعه، فذلك إلقاء له عليها، ومنه قوله ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩]، أي: أثبتها عليك.
((وَهُوَ شَهِيدٌ)) قال بعض المتأولين: معناه: وهو شاهد مقبل على الأمر غير معرض عنه ولا يفكر في غير ما يسمع.
وقال قتادة: هي إشارة إلى أهل الكتاب.
فكأنه قال: إن هذه العبر تذكرة لمن سمعها من أهل الكتاب، فيشهد بصحتها لعلمه بها من التوراة وسائر كتب بني إسرائيل فهو منالشهادة، كما قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف:١٠].
وقال الزجاج: معنى: ((لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ)) أي: من صرف قلبه إلى التفهم، ألا ترى أن قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة:١٨] أنهم لم يستمعوا استماع مستفهم مسترشد، فجعلوا بمنزلة من لم يسمع.
كما قال الشاعر: أصم عما شاءه سميعه ومعنى: ((أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ)) أي: استمع ولم يشغل قلبه بغير ما يستمع، والعرب تقول: ألق إلي سمعك أي: استمع لي.
стр. 2317
حال الناس مع آيات الله ومع الرياضة والفن
للأسف الشديد تجد الذين يمكثون أمام مباراة كرة القدم، أو التمثيلية لو صاح طفل أو حرك رجليه أو سعل أو كح أو تكلم بكلام، تراهم يسكتونه ويصمتونه وينكرون عليه، بحيث لا تفوت عليهم كلمة واحدة من المتكلم أو اللاعب، لكن لو أننا ونحن نتلو القرآن كنا بهذا الحضور وهذا الحرص على إلقاء السمع لكل كلمة تقال، لتغير حالنا تماماً مع كتاب الله ومع آيات الله، فنتذكر هذا الكلام المؤلم، ونتذكر كذلك كلمة موجعة قالها بعض السلف ﵀: رضينا من أحدكم أن يحافظ على دينه كما يحافظ على نعله، ولا حول ولا قوة إلا بالله! الذي يكون له نعل غالي الثمن يحتاط لهذا النعل، وإذا وضعه في مكان جعل يحرسه من أن يضيع أو يسرق، أما الدين فإنه يفرط في دينه ولا يبالي، وينتهك حرمات الله ولا يبالي! فمما يؤسف له أننا نحتاج في هذا الزمان إلى تذكير بهذه المذكرات الموجعة المؤلمة التي تقرب المعنى إلى الأذهان، فقد ولع الناس بالتمثيليات وبمباراة كرة القدم وغير ذلك، انظر كيف يكون سلوكهم أثناء الاجتماع للتمثيلية أو الفلم أو المباريات، خاصة في اللحظات الحاسمة التي سيحرز فيها الهدف أو يفعل فيها كذا وكذا؟! استحضر كيف يكون خشوعهم وإنصاتهم! بل أحيانا ولا حول ولا قوة إلا بالله يرفعون أيديهم إلى السماء وتهتف الجماهير: يا رب! يا رب! كأنما يدعون بفتح بيت المقدس أو باستعادة فلسطين؟! ففي ساحات اللعب واللهو يستغيثون بالله ، والمسلمون كما ترون مشردون في آفاق الأرض يعانون الويلات ويعذبون في الشيشان وغيرها، ونحن نهتم بهذه الأشياء ونقول: يا رب! يا رب! وبعضهم يصاب بالسكتة والآخر يطلق زوجته كل هذا بسبب هذه الأشياء، فالشاهد أننا نقرب المثل فقط، انظروا كيف نحن مع هذه المواقف وحالنا حينما نتلو كتاب الله ﵎.
لنتأمل هذه الآية: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ)) ليس المقصود أن يكون له مجرد قلب؛ لأنه ما من إنسان إلا وله قلب، لكن المقصود أن يكون له قلب يفهم به ويعي به ويعقل به؛ لأن القلب هو محل الوعي والفهم ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩] فلما عطلوا حواسهم عن الانتفاع بها فيما خلقت لأجله صاروا كالأنعام، صم بكم عمي فهم لا يعقلون.
فهل حالنا مع القرآن ومع كلام الله يستوي مع حالنا أثناء المباريات وهذه التفاهات؟! إذاً الحال يغني عن المقال.
((أو ألقى السمع)) أي: ألقى بكل حاسة السمع، فكأنه حملها وألقاها على هذا الشيء فقط، كي يستمع إليه ولا يشتغل قلبه بغير ما يستمع له.
стр. 2318
حال الناس مع الخشوع في الصلاة
وكذلك يكثر السؤال عن الخشوع في الصلاة؟ فنقول لمن يسأل: هل رأيت عند إحراز هذه الانتصارات والبطولات الوهمية كيف يخشع الناس؟ وكيف تكون أنت -إن كنت ممن ابتلي بمتابعة هذه الأشياء- في أشد الحرص على المتابعة والتركيز والانتباه وحضور القلب والحذر؟! هكذا فكن في الصلاة.
لو أن الإنسان ركز في الصلاة بنفس التركيز الذي يقوم به وقت اللعب لفوت على الشيطان الوساوس، لذلك لما جاء رجل إلى بعض السلف وقال له: أنا كلما أريد أن أسلم من الصلاة لا أستطيع أبداً أن أنطق بالسلام عليكم ورحمة الله، قال له: قلها كما تقولها الآن! فيركز الإنسان حتى ينجو من هذه الوساوس.
стр. 2319
تفسير: (وهو شهيد) وذكر الخلاف فيه
قوله: ((وهو شهيد)) أي: شهيد قلبه حينما يسمع بأذنه، وقلبه حاضر حتى يعي ما يسمعه.
وجاء في التفسير أن المقصود بقوله: ((وهو شهيد)) أهل الكتاب الذين عندهم صفة النبي ﷺ ، وهذا هو الذي حكاه ابن عطية عن قتادة.
وذكر أن شهيداً بمعنى شاهد، أي: مخبر.
وقال صاحب الكشاف: ((لمن كان له قلب)) أي: قلب واع؛ لأن من لا يعي قلبه فكأنه لا قلب له، وإلقاء السمع الإصغاء.
((وهو شهيد)) أي: حاضر بفطنته؛ لأن من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب، أو هو مؤمن شاهد على صحته وأنه وحي من الله، وهو بعض الشهداء، كما في قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣].
اختلف في الشهيد على أربعة أقوال: أحدها: أنه من المشاهدة وهي الحضور.
وهذا أصح الأقوال، ولا يليق بالآية غيره، وذلك كما في الحديث: (اللهم! اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا) فـ (شاهدنا) معناها: حاضرنا.
والثاني: أنه شهيد من الشهادة.
وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه شاهد على صحة ما معه من الإيقان.
والثاني: أنه شاهد من الشهداء على الناس يوم القيامة.
والثالث: أنها شهادة من الله عنده على صحة نبوة رسول الله ﷺ بما علمه من الكتب المنزلة.
والصواب القول الأول بأنه من المشاهدة، فإن قوله: ((وهو شهيد)) جملة حالية، والواو فيها واو الحال، أي: ألقى السمع في هذه الحال.
وهذا يقتضي أن يكون حال إلقائه السمع شهيداً، فإذاً لابد أن تكون الشهادة بمعنى المشاهدة والحضور.
ولو كان المراد به الشهادة في الآخرة أو في الدنيا لما كان لتقييدها بإلقاء السمع معنى إذ يصير معنى الآية: إن في ذلك لآية لمن كان له قلب أو ألقى السمع حال كونه شاهداً بما معه في التوراة، أو حال كونه شاهداً يوم القيامة.
ولا ريب أن هذا ليس هو المراد بالآية.
وأيضاً فالآية عامة في كل من له قلب أو ألقى السمع، فكيف يدعى تخصيصها بمؤمني أهل الكتاب؟ وأيضاً فالسورة مكية، والخطاب فيها لا يجوز أن يختص بأهل الكتاب، ولاسيما مثل هذا الخطاب الذي علق فيه حصول مضمون الآية ومقصودها بالقلب الواعي وإلقاء السمع.
стр. 2320
أنواع المنتفعين بالآيات من الناس حال دعوتهم إليها
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: المنتفع بالآيات من الناس نوعان: أحدهما: ذو القلب الواعي الذكي الذي يكتفي بهدايته بأدنى تنبيه، ولا يحتاج إلى أن يستجلب قلبه ويحضره ويجمعه من مواضع شتاته، بل قلبه واع ذكي قابل للهدى غير معرض عنه، فهذا لا يحتاج إلا إلى وصول الهدى إليه؛ لكمال استعداده وصحة فطرته، فإذا جاءه الهدى سارع قلبه إلى قبوله كأنه كان مكتوباً فيه، فهو قد أدركه مجملاً ثم جاء الهدى بتفصيل ما شهد قلبه بصحته.
وهذه حال أكمل الخلق استجابة لدعوة الرسل، فأول ما يصل الحق ينقاد إليه، كما هي حال الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه.
وكحال مؤمني قوم نوح ﵇؛ لأنَّه في سورة هود قال المشركون لنوح ﵇: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود:٢٧]، فكانوا يذمون المؤمنين المستضعفين الذين اتبعوا نوحاً ﵇، فذموهم لأنه استجابوا أول ما دعاهم نوح ﵇، فذموهم بقولهم: ((وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ)) [هود:٢٧]، فما أن سمعوا كلامك حتى انقادوا لك.
فهم يذمونهم؛ لأنهم لم يتمهلوا، ولم يتريثوا ويفلسفوا الأمور ويقلبوها على وجوه شتى.
وهذا مما لا يذم به، بل هذا مما يمدح به الإنسان، أنه إذا وضح الحق ينقاد إليه بلا تأجيل ولا تكييف، فهذا حال أكمل المؤمنين من أتباع الأنبياء الذين يستجيبون فوراً لدعوة الرسل، كما هو حال الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه، فقد أسلم بمجرد أن أخبره النبي ﵌ بنبوته، فهذا هو النوع الأول.
فالنوع الأول قلبه متوائم مع الفطرة، فهو في غاية السلامة، فلا يحتاج إلا أن يصل إليه الهدى فقط، فإذا بلغه الحق انقاد إليه في الحال، وهذا حال كثير من الناس، ورأينا وسمعنا أن كثيراً من الكفار أسلم كذلك؛ لأن قلبه في غاية السلامة، وكأن الحق منقوش في قلبه، ويجيء الهدى فيسلط النور على هذا القلب.
وأذكر قصة أحد الإخوة الأفاضل من أمريكا يدعى إدريس دارمر، وهو من أنشط الإخوة في الدعوة في تلك البلاد.
وقصة إسلامه في غاية العجب، فقد جال كل أنواع الظلام من الأديان، كان أولاً شيوعياً ملحداً، ثم انتقل إلى النصرانية، ثم رفض النصرانية وانتقل إلى الأديان الشرقية كالبوذية ودرسها، وحاول أن يبحث عن الهدى فيها فلم يجد شيئاً، إلى أن زار يوماً جاراً له مسلماً في البيت فسأله: ما هذا الكتاب؟ قال: هذا القرآن، فأخذ ترجمة القرآن وفتح الصفحة الأولى على فاتحة الكتاب، فبمجرد أن فتح الصفحة وجد نوراً يخرج الكتاب، ثم قرأ الفاتحة فقال: هذا هو الذي أبحث عنه! وهذا وقد قرأ معاني الفاتحة، فكيف لو قرأها بالعربية؟ وقد أسلم في الحال، وهو الآن من أكبر الدعاة، وله مؤلفات جيدة وخدمة كبيرة جداً للدعوة في كثير من البلاد.
فما كان بينه وبين الحق غير أن يطلع على الحق، ولذلك ينبغي أن لا نعامل الناس معاملة واحدة، فلا نزعجهم بالكلام على نقض التكليف وتحطيم العقائد الفاسدة؛ إذ بعض الناس هو في عافية من هذا البلاء، ليس عنده شبهات ولا عنده ما يعارض به الحق، فما أن يبلغه الحق حتى ينقاد إليه، هذا هو الذي قال الله فيه: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ)).
النوع الثاني: من ليس له هذا الاستعداد والقبول، فإذا ورد عليه الهدى أصغى إليه بسمعه وأحضر قلبه، وجمع فكرته عليه، وعلم صحته وحسنه بنظره واستدلاله، وهذه طريقة أكثر المستجيبين، ولهم نوع ضرب الأمثال وإقامة الحجج، وذكر المعارضات والأجوبة عنها.
والإسلام واسع لكلا الفريقين، فنحن عندنا من الأدلة والحجج ما يدحض الشبهات ويقيم الأدلة على أنه دين الحق، فلهذا النوع الثاني تضرب الأمثال، ولهؤلاء تقام الحجج وتذكر المعارضات والأجوبة عنها.
والأولون هم الذين يدعون بالحكمة، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥].
والنوع الثاني يدعون بالموعظة الحسنة، فهؤلاء المستجيبون.
стр. 2321
المعارضين للحق المدعوين إليه
وأما المعارضون المدعوون للحق فنوعان: نوع يدعون بالمجادلة بالتي هي أحسن، فإن استجابوا وإلا فالمجالدة بالحجة والبيان، فإن لم فبالسيف والسنان.
ومن تأمل دعوة القرآن وجدها شاملة لهؤلاء الأقسام متناولة لها، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، أي: ((لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ))، ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، أي: ((أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ))، ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، وهذه طريقة دعوة المعارضين للحق.
والصنفان الأولان مستجيبان للحق.
فهؤلاء المدعوون بالكلام، وهم ثلاثة أقسام: بالحكمة لمن كان له قلب.
والموعظة الحسنة لمن ألقى السمع وهو شهيد.
أو المعارض للحق الذي يجادل بالتي هي أحسن.
وأما أهل الجلاد فهم الذين أمر الله بقتالهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
وأما من فسر الآية بأن المراد بمن كان له قلب هو المستغني بفطرته عن علم المنطق، وهو المؤيد بقوة قدسية ينال بها الحد الألطف بسرعة إلى آخر هذا الكلام.
فقد فسر بعض الناس: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ))، فقالوا: هي القياس البرهاني.
((وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)) [النحل:١٢٥]، القياس الخطابي ((وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) هو القياس الجدلي.
يقول ابن القيم: فهذا ليس من تفاسير الصحابة ولا التابعين ولا أحد من أئمة التفسير، بل ولا من تفاسير المسلمين، وهو تحريف لكلام الله تعالى وحمل له على اصطلاح المنطقية المبخوسة الحظ من العقل والإيمان، وهذا من جنس تفاسير القرامطة والباطنية وغلاة الإسماعيلية بما يفسرونه من القرآن وينزلونه على مذاهبهم الباطلة، والقرآن بريء من ذلك كله، منزه عن هذه الأباطيل والهذيانات.
стр. 2322
أنواع القلوب مع آيات الله تعالى
ثم يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: والناس ثلاثة: رجل قلبه ميت، فذلك الذي لا قلب له، فهذا ليست هذه الآية ذكرى في حقه؛ لأن الآية في حق من كان له قلب حي واع، فالذي قلبه ميت لا يدخل في الآية.
الرجل الثاني: رجل له قلب حي مستعد؛ لكنه غير مستمع للآيات المتلوة التي يخبر بها الله عن الآيات المشهودة، إما لعدم ورودها، أو لوصولها إليه ولكن قلبه مشغول عنها بغيرها، فهو غائب القلب ليس حاضراً، فهذا أيضاً لا تحصل له الذكرى مع استعداده ووجود قلبه.
وهذا حال كثير من الكفار.
والثالث: رجل حي القلب مستعد، تليت عليه الآيات فأصغى بسمعه وأحضر قلبه ولم يشغله بغير فهم ما يسمع، فهو شاهد القلب ممكن السمع، فهذا القسم هو الذي ينتفع بالآيات المتلوة والمشهودة.
فالأول الذي هو صاحب القلب الميت بمنزلة الأعمى الذي لا يذكر.
والثاني له قلب حي مستعد لكنه غير مستمع للآيات لسبب أو لآخر، فهو بمنزلة البصير الطامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه، فكلاهما لا يرى.
أما الثالث: فرجل حي القلب مستعد، أصغى بسمعه وأحضر قلبه ولم يشغل قلبه إلا بفهم ما يسمعه، فهذا بمنزلة البصير الذي قد حدق إلى جهة المنظور وأتبعه بصره، وقابله على توسط من البعد والقرب، فهذا هو الذي يرى، فسبحان من جعل كلامه شفاءً لما في الصدور.
فإن قيل: فما موضع (أو) من هذا اللفظ بناءً على هذا التفسير، أي: في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾؟ قيل: فيها سر لطيف.
ولسنا نقول: إنها بمعنى الواو كما يقوله ظاهرية النحاة: (وألقى السمع).
يقول: فاعلم أن الرجل قد يكون له قلب وقاد مليء باستخراج العبر واستنباط الحكم، فهذا قلبه يوقعه على التذكر والاعتبار، فإذا سمع الآيات كانت له نوراً على نور، نور الفطرة مع نور الوحي.
وهذا كما يقولون في الهندسة: تمام الانطباق.
فما في الأمر إلا أنه ينتظر الحق أن يأتي -وهو نور الوحي- على نور الفطرة الذي في قلبه، فيتطابقان تمام الانطباق، ويمتزجان تمام الامتزاج، ويلتقيان أتم التقاء، وهي حالة سليم الفطرة حي القلب.
وهؤلاء أكمل خلق الله وأعظمهم إيماناً وبصيرة، حتى كأن الذي أخبرهم به الرسول ﷺ مشاهد لهم، وهذا يحصل في الحقيقة لمن عوفي ولم يبتل بالفلسفة والجدل والتنطع والحذلقة، وعوفي من شبهات أعداء الدعوة وأعداء الدين.
فكثير جداً من الشباب غير ملتزم، فعندما تصله دعوة الحق ينقاد، وعندما يتعود الإنسان على ترك الجدل، تجده ينقاد إلى الحق؛ لأنه الحق ودين الفطرة، فتجد امرأة في غاية التبرج لم تكن قد وصلها الحق ولا الحجة، فبمجرد أن تسمع الأدلة نفاجأ بأنها يمكن أن تنقلب فتعتزل التبرج إلى الاحتجاب الكامل، أي: وهذا يوجد وإن كان قليلاً.
وحين نجد الكثير من الفتيات يقلن: لنقتنع أولاً! فهؤلاء قد يكن من النوع الثاني إذا استجبن بعد مجادلة ومناظرة وإقامة للحجة.
فإذاً: الشخص الذي له قلب وقاد مليء باستخراج العبر واستنباط الحكم، فهذا قلبه يوقعه على التفكر والاعتبار، فالقلب أصلاً فيه نور الفطرة سليم، وهذا دين الفطرة، فإذا سمع الآيات كانت له نوراً على نور، كما قلنا من قبل في تفسير سورة النور: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥] يعني: نور الفطرة مع نور الوحي.
وهؤلاء أكمل خلق الله وأعظمهم إيماناً وبصيرة، حتى كأن الذي أخبرهم به الرسول ﷺ مشاهد لهم، ولكن لم يشعروا بتفصيله وأنواعه، حتى قيل: إن مثل حال الصديق مع النبي ﷺ كمثل رجلين دخلا داراً، فرأى أحدهما تفاصيل ما فيها وجزئياته، والآخر وقعت يده على ما في الدار ولم ير تفاصيله ولا جزئياته، لكن علم أن فيها أموراً عظيمة لم يدرك بصره تفاصيلها، ثم خرجا فسأله عما رأى في الدار، فجعل كلما أخبره بشيء صدقه؛ لما عنده من شواهده، وهذه أعلى درجات الصديقية، ولا تستبعد أن يمن الله المنان على العباد بمثل هذا الإيمان، فإن فضل الله لا يدخل تحت حصر ولا حساب.
стр. 2323
تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام)
يقول الله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨].
((وما مسنا من لغوب)) أي: من إعياء أو تعب أو نصب.
قال قتادة: أكذب الله اليهود وأهل الفرِى على الله، وذلك أنهم قالوا: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح يوم السابع.
وذلك عندهم يوم السبت، فهم يسمونه يوم الراحة.
وهذا معروف من عقائد اليهود، فالله أكذب اليهود في زعمهم أن الله لما خلق السماوات والأرض في ستة أيام مسه -والعياذ بالله- الإعياء والتعب والنصب، فقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨].
стр. 2324
تفسير قوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون)
((فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)) يعني: على ما يقوله المشركون من إنكار البعث والتوحيد والنبوة.
يقول ابن القيم في تفسير قوله تعالى: ((فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)).
تأمل قوله تعالى عقيب ذلك-يعني: بعدما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ - ((فاصبر فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)) فإن أعداء الرسول ﷺ نسبوه إلى ما لا يليق، وقالوا فيه ما هو منزه عنه، فأمره الله أن يصبر على قولهم، ويكون له أسوة بربه حيث قال أعداؤه فيه ما لا يليق.
فكما كانوا يؤذون النبي ﵊ بكلام مؤذٍ كقولهم: ساحر، شاعر، مجنون إلى آخره، فالله يقول: أما لك فيَّ أسوة؟ فأنا رب السماوات والأرض وخالق الكون، ومع ذلك آذاني هؤلاء الخلق وسبوني ونسبوا إلي ما أنا منزه عنه.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] خلافاً لما يقول أعداء الله اليهود، فاصبر على ما يقولون في حقك كما أصبر أنا على ما يقولون في حقي وأحلم عنهم، كما قال الشاعر: قيل إن الله ذو ولد قيل إن رسول الله قد كهنا لم يسلم الله والرسول معاً من كلام الورى فكيف أنا
стр. 2325
تفسير قوله تعالى: (وسبح بحمد ربك وأدبار السجود)
قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق:٣٩ - ٤٠].
وللعلماء كلام فيه تفصيل في قوله: ((وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ))، فمنهم من يرى أنها تشمل الصلوات الخمس، ومنهم من أدخل فيها النوافل.
ولكن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى يقول في هذه الآية: ((وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)): هذا تفسير ما جاء في الأحاديث (من قال كذا وكذا حين يصبح وحين يمسي) أن المراد به قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وأن محل هذه الأذكار بعد الصبح وبعد العصر بدليل هذه الآية.
يعني أن لفظ (من قال حين يصبح) ولفظ: (من قال حين يمسي) قد تكرر كثيراً في الأحاديث، وكذلك (كان إذا أصبح قال كذا)، (قل إذا أصبحت وإذا أمسيت).
فنفهمها في ضوء هذه الآية ((وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ))، فيكون وقت أذكار الصباح قبل طلوع الشمس، أي: بعد صلاة الفجر، فيبدأ أولاً بالفريضة ثم بعد ذلك يأتي بأذكار الصباح ما بين صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، فهذا هو وقتها.
((وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)) هذا هو المساء، أي: بعد صلاة العصر وقبل غروب الشمس.
وهل معنى ذلك أن الإنسان إذا فاتته أذكار الصباح أو المساء بأن طلعت الشمس أو غربت الشمس يكون قد فاته وقتها فلا يستدركها؟
الجواب
لا.
فهذه قلة فقه، بل إذا فاته ورده -مثلاً- حتى غربت الشمس فلا يترك ذلك، وإنما يقضي هذه الأذكار؛ لأنه ما زال في وقت المساء، فالمساء يكون من بعد العصر وهو العشي وأوقات الأصيل، فإذا فاته شيء فإنه يستدركه في الوقت اللاحق في أي جزء من أجزاء الليل؛ لأن الإنسان إذا فرط في قضاء ما فاته فسوف يتمادى في التفريط إلى أن يفرط في أداء العبادة في وقتها، لكن إذا عود نفسه أنه إذا فاته ورده استدركه لم يفرط فيه، فمن تعود على أنه كلما فاته شيء فإنه يعوضه ويقضيه في الفرصة المتاحة، فهذا أجدر أن يحافظ عليه في وقتها، لكن إذا تهاون في قضاء ما فاته فإنه قد يتمادى في التسويف والتفريط إلى أن يضيع العبادة في وقتها نفسه، فلا يأتي بعد ذلك بأذكار الصباح في وقتها، ولا بعد وقتها.
وقد قال الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢]، أي يخلف أحدهما الآخر، فالليل يخلف النهار والنهار يخلف الليل، فمن فاته عمل الليل فقد جعل الله النهار خلفة له فيعوض ما فاته بالليل، وهكذا.
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)) يعني: أعقاب الصلوات، والمراد بالتسبيح إما ظاهره كقولك: سبحان الله وبحمده.
أو هو الصلاة؛ لأن الصلاة يطلق عليها تسبيح، من إطلاق الجزء على الكل، كما تسمى الصلاة ركوعاً، فأحياناً يطلق الجزء على الكل.
فالصلاة قبل الطلوع: الصبح، وقبل الغروب: الظهر والعصر، ومن الليل: العشاءان المغرب والعشاء، والتهجد أيضاً يدخل في ذلك.
وأدبار السجود: النوافل بعد المكتوبات.
هذا على القول بأن التسبيح مقصود به الصلاة، وأنه من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل.
وقد يطلق التسبيح على النافلة كما في حديث أن النبي ﷺ صلى المغرب والعشاء جمع تأخير في مزدلفة، ولم يسبح بينهما شيئاً.
فقوله: (لم يسبح بينهما) يعني: لم يتنفل.
وكذلك قول ابن عمر: (لو كنت مسبحاً لأتممت)؛ لأنه كان لا يصلي النوافل في السفر، فقيل له في ذلك فقال: (لو كنت مسبحاً -أي: لو كنت متنفلاً- لأتممت الصلاة)، أي: فالأولى أن أُتم الفريضة.
ولاشك أن قوله ذلك يقصد به النوافل ما عدا الوتر وركعتي الفجر.
стр. 2326
تفسير قوله تعالى: (واستمع يوم ينادي المناد من مكان قريب ذلك حشر علينا يسير)
قال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق:٤٤].
أي: استمع لما أخبرك به من أهوال القيامة، يوم ينادي مناديها من مكان يصل نداؤه إلى الكل على سواء.
قال: ((وَاسْتَمِعْ)) ولم يبين ما هو الذي يستمع إليه، ثم بينه بما بعده فقال: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق:٤٢] يعني: استمع للصيحة بالحق.
وفي ورود الأمر مطلقاً ثم تبيينه بما بعده تهويل وتعظيم للمخبر به؛ لما في الإبهام ثم التفسير من التهويل والتفخيم للفعل المحدث عنه.
((يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ)) أي: صيحة البعث من القبور والحشر للجزاء.
((بِالْحَقِّ)) يعني: بالأمر بالإجابة لله إلى موقف الحساب.
((ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ))، أي: من القبور.
((إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ)) أي: في الدنيا بإفاضة نور الحياة أو قطعه.
((وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ)) أي: مصير الجميع يوم القيامة.
((يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا)) فيخرجون منها مسرعين، كما قال الله في تبيين ذلك الموقف: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج:٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١] يعني: يسرعون.
وقال تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر:٧ - ٨] يعني: مسرعين مادي أعناقهم على الأصح.
وقوله تعالى: ((يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا)) قرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وابن عامر: (تشَّقَّق) بإدغام إحدى التاءين في الشين؛ إذ أصلها (تتشقق).
وقرأ الباقون بتخفيف الشين وبحذف إحدى التاءين، (تَشَقَّقُ).
((سِرَاعًا)) جمع سريع، وهو حال من الضمير المجرور في قوله: ((عنهم)) أي: تشقق الأرض عنهم في حال كونهم مسرعين إلى الداعي.
والداعي هو الملك الذي ينفخ في الصور ويدعو الناس إلى الحساب والجزاء.
((ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ)) أي: ((ذلك)) الإخراج لهم في موقف الحساب ((حشر)) أي: جمع لهم في موقف الحساب ((علينا يسير)) سهل بلا كلفة.
стр. 2327
تفسير قوله تعالى: (نحن أعلم بما يقولون)
قال تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥].
((نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ))، يعني: بما يقوله مشركو مكة من فريتهم على الله ورسوله ﷺ ، وإنكارهم قدرته تعالى على البعث، وهو تسلية لرسول الله ﷺ وتهديد لهم.
((وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ)) أي: بمسلط ومسيطر تقهرهم على الإيمان، كما قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٢].
((وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ)) لا تقهرهم على الإيمان.
((فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ)) يعني: بل إنما بعثت مذكراً ومبلغاً فذكر بما أنزل إليك من يخاف الوعيد الذي أوعد به من عصى وطغى فإنه يُنتفع به.
ومن دعاء قتادة رحمه الله تعالى: اللهم! اجعلنا ممن يخاف وعيدك ويرجو موعودك يا بار يا رحيم.
آمين.
стр. 2328
تفسير سورة الذاريات [١ - ٢٣]
стр. 2329
تفسير قوله تعالى: (والذاريات ذرواً)
نشرع في تفسير السورة الحادية والخمسين من القرآن الكريم وهي سورة الذاريات، وسميت بالذاريات؛ لأن الذاريات مصدر الخيرات، وبذلك اقتضت العناية الإلهية.
وهذه السورة مكية وآيها ستون آية.
قال الله : ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات:١] يعني بذلك: الرياح التي تذرو البخارات ذرواً.
((ذرواً)) أي: نوعاً من الذرو يعقبها سحاب.
وقيل: الولود من النساء فإنهن يذرين الأولاد.
يعني: كأنه شبه تتابع الأولاد بما يتطاير من الرياح.
قوله: ((والذاريات)) اسم فاعل من ذرى معتل، بمعنى: فرق وبدد ما رفعه عن مكانه، ويقال أيضاً: أذرى، أما ذرأ المهموزة فبمعنى: أنشأ وأوجد.
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: أكثر أهل العلم على أن المراد بقوله:) ((والذاريات ذرواً)) أي: الرياح، وهو الحق إن شاء الله.
إذاً: الراجح في تفسير الذاريات أنها الرياح، ويدل عليه أن الذرو صفة مشهورة من صفات الرياح، كما قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف:٤٥] أي: ترفعه وتفرقه، فهي تذرو التراب والمطر وغيرهما، ومنه قول ذي الرمة: ومنهل آجن قفر محاضره تذر الرياح على جماته البعرا يقول الشنقيطي: ولا يخفى سقوط قول من قال: إن الذاريات النساء، لكن الراجح أن الذاريات هي الرياح تذرو البخارات ذرواً.
стр. 2330
تفسير قوله تعالى: (فالحاملات وقراً)
قال ﵎: ﴿فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات:٢] أي: يقسم الله أيضاً بالسحب الحاملة للأمطار المنبتة للزروع والأشجار لإفادة الحبوب والثمار، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل: وأسلمت نفسي لمن أسلمت له المزن تحمل عذباً زلالا قوله: (له المزن) أي: السحاب.
(تحمل عذباً زلالا) أي: السحب تحمل هذه الأمطار.
أو ((الحاملات وقراً)) الرياح؛ لأن الرياح حاملات للسحاب، والوقر كالحمل وزناً ومعنى، وقرئ بفتح الواو (وَقراً) على أنه مصدر سمي به المحمول.
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: ((فالحاملات وقراً)) أكثر أهل العلم على أن المراد بالحاملات وقراً السحاب، أي المزن تحمل وقراً ثقيلاً من الماء، ويدل لهذا القول تصريح الله بوصف السحاب بالثقال يقول الله : ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد:١٢] أي: الموقرة المثقلة بالماء الذي تحمله، فالثقال: جمع سحابة ثقيلة، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف:٥٧].
وقال بعضهم: إن المراد بالحاملات وقراً السفن تحمل الأثقال من الناس وأمتعتهم، ولو قال قائل: إن الحاملات وقراً الرياح أيضاً لكان وجهه ظاهراً؛ لأن الرياح تحمل هذه السحب الثقيلة، ودلالة بعض الآيات عليه واضحة؛ لأن الله صرح بأن الرياح تحمل السحاب الثقال بالماء، وإذا كانت الرياح هي التي تحمل السحاب إلى حيث شاء الله، فنسبة حمل ذلك الوقر إليها أظهر من نسبته إلى السحاب التي هي محمولة للرياح، وذلك بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ [الأعراف:٥٧] يعني: الرياح أقلت سحاباً ثقالاً.
فالإقلال هو الحمل وهو مسند إلى الريح، ودلالة هذا على أن الحاملات وقراً هي الرياح ظاهرة كما ترى، ويصح شمول الآية لجميع ما ذكرنا، أي: أن تشمل الآية السحاب نفسه، وتشمل الرياح التي تحمل هذا السحاب، على أساس أن هذا لفظ مشترك، ولا بأس من حمل المشترك على جميع معانيه.
أما قول بعضهم: بأن الذاريات ذرواً هي النساء؛ لأنهن يذرين الأولاد، وأن الحاملات وقراً أي: حوامل الأجنة من الإناث فهذا قول ظاهر السقوط.
стр. 2331
تفسير قوله تعالى: (فالجاريات يسراً)
قال تعالى: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ [الذاريات:٣] أي: السفن الجارية في البحر جرياً سهلاً، الرياح الجارية في مهابها.
يقول الشنقيطي: أكثر أهل العلم على أن المراد بالجاريات يسراً السفن تجري في البحر جرياً ذا يسر وسهولة، والأظهر أن هذا المصدر المنجر حال كما قدمنا نشره مراراً، أي: ((فالجاريات يسراً)) يعني: في حال كونها ميسراً ومسخراً لها البحر، ويدل لهذا القول كثرة إطلاق وصف الجري في القرآن على السفن، كقول الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾ [الشورى:٣٢] أي: السفن الجواري اللائي يجرين في البحر، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١] أي: السفينة الجارية وهي سفينة نوح، وقال تعالى: ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ [الحج:٦٥]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾ [الجاثية:١٢] وقيل: ((الجاريات)) الرياح أيضاً، وقيل غير ذلك.
وقال بعض المفسرين: إن المقصود بقوله: ((فالجاريات يسرا)) أي: الكواكب التي تجري في منازلها، وكما قلنا: ((يسراً)) إعرابها صفة مصدر محذوف، أي: فالجاريات جرت جرياً ذا يسر.
стр. 2332
تفسير قوله تعالى: (فالمقسمات أمراً)
قال تعالى: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات:٤] أي: الملائكة التي تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرهما، أو ما يعمهم وغيرهم من أسباب القسمة، أو هي الرياح يقسمن الأمطار بتصريف السحاب.
فيمكن أن تكون الأربعة الأشياء المقسم بها هي الرياح، أو أنها أربعة أشياء متباينة تماماً كما بينا، فنلاحظ أن أقوال المفسرين بأنها الرياح قاسم مشترك بين أقوال فريق من العلماء.
يقول الشنقيطي في قوله تعالى: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾: هي الملائكة يرسلها الله في شئون وأمور مختلفة، ولذا عبر عنها بالمقسمات، ويدل لهذا قوله تعالى ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات:٥] في سورة النازعات، ((فالمدبرات أمراً)) فمنهم من يرسل لتسخير المطر والريح، ومنهم من يرسل لكتابة الأعمال، ومنهم من يرسل لقبض الأرواح، ومنهم من يرسل لإهلاك الأمم كما وقع لقوم صالح.
فقوله : ((أمراً)) هذا مفعول به للوصف الذي هو المقسمات، و ((أمراً)) هنا مفرد أريد به الجمع، ((فالمقسمات أمراً)) أي: فالمقسمات أموراً، كما قال الله ﵎: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج:٥]، فهي مفرد لكن المقصود بها الجمع.
أما المقسم عليه بهذه الأقسام فهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات:٥ - ٦]، والذي أوجب هذا القسم شدة إنكار الكفار للبعث والجزاء.
стр. 2333
تفسير القاسمي والرازي للآيات الأربع الأول من سورة الذاريات
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ذكرنا أن هذه الأمور الأربعة يجوز أن تكون أموراً متباينة، كما قلنا مثلاً في الذاريات: هي الرياح، وفي الحاملات: هي السحب، وفي الجاريات: هي السفن أو الكواكب، وفي المقسمات: هي الملائكة، ويجوز أن تكون أمراً له أربعة اعتبارات وهو الرياح، والمأثور عن علي ﵁: (أن الذاريات هي الرياح، والحاملات هي السحاب، والجاريات هي السفن، والمقسمات هي الملائكة) واختار بعضهم في الجاريات أنها الكواكب؛ ليكون ذلك ترقياً من الأدنى إلى الأعلى، بحيث تكون الرياح، ثم فوقها السحاب، ثم فوق السحاب الكواكب أو النجوم، ثم فوق كل ذلك الملائكة.
واستظهر الرازي أن الأقرب أن تكون الصفات الأربع للرياح، واللفظ متسع لكل هذه المعاني.
فإن قيل: إن الصفات الأربع صفات للرياح فإن فائدة الفاء لبيان ترتيب الأمور في الوجود، وإن قيل: إنها أمور أربعة متباينة فالفاء للترتيب الذكري أو حسب الرتبة كما بينا.
стр. 2334
بيان الحكمة من إخراج الآيات المقسم عليها مخرج الأيمان
إن الآيات التي أقسم الله تعالى في هذه السورة بها كلها أخرجها في صورة الأيمان، لكن هي في حقيقتها دلائل جديدة على التوحيد، وعلى قدرة الله التي خلقها، فالقادر على خلق هذه الأشياء قادر على إعادة البشر من جديد.
كما يقول القائل لمن أنعم عليه: وحق نعمك الكثيرة إني لا أزال أشكرك وحق إطعامك إياي وحق إمدادك إياي بالمال وحق كذا وكذا، فيظل يعدد النعم التي صورتها صورة أيمان، لكن في الحقيقة هو يعدد هذه النعم؛ لأنها سبب مفيد لدوام الشكر.
قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ هذا هو المقسم عليه، فإن قيل: إن كانت هي دليلاً بعد دليل على التوحيد، فما الحكمة أن الله أخرجها في صورة الأيمان، في حين كونها بحد ذاتها أدلة على المقسم عليه، يقول: لأن المتكلم إذا شرع في أول كلامه بحلف كأن يقول: والله ثم والله ثم والله لاشك أن هذا يلفت نظر المستمع لخطورة الكلام الذي سوف يقال، والحقائق التي سوف تذكر، فبالتالي يصغي إليه أكثر من غيره، فبدأ بالحلف وأدرج الدليل في صورة اليمين حتى يقبل القوم على سماعه، فأخرج لهم البرهان المبين والتبيان المتين في صورة اليمين.
стр. 2335
تفسير قوله تعالى: (إنما توعدون لصادق)
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ [الذاريات:٥] هذا جواب القسم، و (ما) موصولة أو مصدرية.
والموعود ((إنما توعدون)) هو قيام الساعة وبعث الموتى من قبورهم، ((لصادق)) أي: لصدق، فوضع الاسم مكان المصدر، أو هو من باب قوله تعالى: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة:٢١] أي: عيشة مرضية.
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾: (ما) موصولة.
((إنما توعدون)) أي: إن الذي توعدون لصادق، لكن إذا قلنا: إن (ما) موصولة فلابد من عائد، والعائد هنا محذوف، فنقول: إنما توعدونه لصادق.
إذاً: صلة الموصول العائد هذه الهاء المحذوفة.
((إنما توعدون لصادق)) صادق بمعنى المصدر لصدق، أي: إن الذي توعدونه من الجزاء والحساب لصدق لا كذب فيه.
وقال بعض العلماء: ((إنما توعدون)) (ما) مصدرية، يعني: إن الوعد بالبعث والجزاء والحساب لصادق، وقال بعضهم: إن صيغة اسم الفاعل في ((لصادق)) لم تأت بمعنى المصدر، وإنما بمعنى اسم المفعول.
((إنما توعدون لصادق)) يعني: لمصدوق أو لمصدق، كما قال تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة:٢١] اسم فاعل لكن المقصود به اسم المفعول، يعني: عيشة مرضية.
ما تضمنته هذه الآية الكريمة من صدق ما يوعدونه جاء في آيات كثيرة، كقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام:١٣٤]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة:٢] والآيات في ذلك كثيرة معلومة.
стр. 2336
تفسير قوله تعالى: (وإن الدين لواقع)
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات:٦] أي: وإن الجزاء يوم القيامة واقع لا محالة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور:٢٥]، أي: جزاءهم بالعدل والإنصاف، وكقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ [النجم:٤٠ - ٤١].
وقد نزه الله نفسه عن كونه خلق الخلق لا لبعث وجزاء، وبين أن ذلك ظن الكفار، وهددهم على ذلك الظن السيئ بالويل من النار، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧].
ومعنى قوله: ((باطلاً)) أي: عبثاً لا لبعث ولا لجزاء.
وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥]، الله منزه عن العبث ولا يمكن أن يكون خلقكم سدى بلا حساب ولا جزاء، ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧].
стр. 2337
تفسير قوله تعالى: (والسماء ذات الحبك)
قال ﵎: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات:٧].
يقول القاسمي ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: أي: ذات الطرق المختلفة التي هي دوائر سير الكواكب، فالطرق المختلفة هي مدارات الكواكب التي تسير فيها بنظام.
قوله: ((الحبك)) أصل معناها ما يرى كالطريق في الرمل والماء إذا ضربته الريح، إذا كان هناك ماء ساكن ثم هبت عليه الريح فإنك ترى تموجات صغيرة تتكسر على سطح الماء، هذه الأشياء التي ترسمها الرياح على سطح الماء تسمى الحبك، كذلك الرمال إذا هبت عليها الريح ورسمت فيها التكسرات فهذه أيضاً تسمى الحبك.
وكذلك حبك الشعر أثناء تثنيه وتكسره، والحبك: جمع حباك، كمثال ومثل وكتاب وكتب، أو حبيكة كطريقة وطرق، ويقال: ما أملح حباك، وحباك الحمام: وهو سواد ما فوق جناحيه، وعن الحسن في معنى: ((والسماء ذات الحبك)) قال: حبكت السماء بالنجوم؛ وذلك لأنها تزين السماء كما يزين الثوب الموشى تحبيكه، فالتحبيك بمعنى التزيين.
فشبهت النجوم بطرائق الوشي.
وقال بعض علماء الفلك: الحبك جمع حبيكة بمعنى: محبوكة، أي: مربوطة، ((والسماء ذات الحبك)) أي: ذات المجاميع من الكواكب المربوط بعضها ببعض بحبال من الجاذبية، فإن كل حبيكة هي مجموعة من الكواكب المتجاذبة، فالآية الشريفة نص على تعدد المجاميع وعلى الجاذبية التي يزعم الإفرنج أنهم مكتشفوها، وعليه فهي إحدى معجزات القرآن العلمية، فهي إخبار عن تعدد المجموعات الشمسية، أو تعدد المجرات، وهي بالملايين كما هو معروف، والله تعالى أعلم.
يقول الشنقيطي في قوله تعالى: ((والسماء ذات الحبك)): فيه للعلماء أقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضاً، فذهب بعض أهل العلم إلى أن الحبك جمع حبيكة أو حباك، وعليه فمعنى ((ذات الحبك)) أي: ذات الطرائق، كما يطفو على سطح الماء الساكن أو الرمل من الطرائق إذا ضربته الريح فهذا هو الحبك، قالوا: ولبعد السماء لا ترى طرائقها المعبر عنها بالحبك، ومن هذا المعنى قول زهير وهو يصف غديراً: مكلل بأصول النجم تنسجه ريح خريق لضاحي مائه حبك فقوله: (مكلل بأصول النجم) المقصود بالنجم هنا النبات الذي ليس له ساق، ينبت حول الماء كالإكليل، قال : ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن:٦] والشجر هو ما له سوق.
(تنسجه) أي: تأتي ريح شديدة فتنسج هذه الطرق.
(لضاحي مائه) أي: ما ضحى للشمس من الماء وبرز.
(حبك) أي: هذه الطرائق التي تأتي على الماء فتحدث فيه هذه الطرائق والتكسرات في الماء.
وقال بعض أهل العلم: ((ذات الحبك)) أي: ذات الخلق الحسن المحكم، وهذا الوجه يدل عليه قول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك:٣ - ٤].
إذاً: الحبك على هذا القول مصدر؛ لأن كل عمل أتقنه عامله وأحسن صنعه تقول فيه العرب: حبكه يحبكه حبكاً، حبكاً بالفتح على القياس، (والحبك) بضمتين بمعناه.
وقال بعض العلماء: ((والسماء ذات الحبك)) أي: ذات الزينة، فهذه الآية تكون كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك:٥] وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ [ق:٦]، وقال بعضهم: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات:٧] أي: ذات الشدة، يدل لهذا قول الله : ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ:١٢]، والعرب تسمي شدة الخلق حبكاً، ومنه: قيل للفرس الشديد الخلق: محبوك، ومنه: قول امرؤ القيس: قد غدا يحملني في أنفه لاحق الإطلين محبوك ممر قوله: (محبوك ممر) يعني: فرس شديد، والآية تشمل الجميع، وكل الأقوال في هذه الآية التي ذكرناها حق، سواء قلنا: إن ((ذات الحبك)) يعني: ذات الطرائق، أو ((ذات الحبك)) أي: ذات الخلق الحسن المحكم، يقول: هذه قصة محبوكة حسنة محكمة، أو ((ذات الحبك)) أي: ذات الزينة، أو ((ذات الحبك)) أي: ذات الشدة، فهذه الأقوال لا تتعارض وكلها حق.
والمقسم عليه في هذه الآية هو قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات:٨ - ٩].
стр. 2338
تفسير قوله تعالى: (إنكم لفي قول مختلف)
قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات:٨].
قوله: (إنكم) الخطاب هنا للكفار، أي: إنكم أيها الكفار في شأن النبي محمد ﷺ وفي شأن القرآن لفي قول مختلف؛ لأن بعضهم يقول: هو سحر، وبعضهم يقول: كهانة، وبعضهم يقول: أساطير الأولين.
أما قول من قال في قوله: ((لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ)) أي: أن بعضهم مصدق وبعضهم مكذب خلاف التحقيق، ولا يصح تفسير هذه الآية بهذا المعنى؛ لأن الاختلاف هنا اختلاف بين المكذبين دون المصدقين، ولذلك صدرنا التفسير بقولنا: إنكم أيها الكفار لفي قول مختلف.
فهذه الآية في حق الكفار؛ لأنهم كما وصفهم الله في آية آخرى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:٥] وقوله: ((فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ)) أي: مختلط.
وقال بعضهم: مختلف، والمعنى واحد.
стр. 2339
تفسير قوله تعالى: (يؤفك عنه من أفك)
قال تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات:٩].
أي: يصرف من صرف عن الحق الصريح الصرف التام، إذ لا صرف أشد منه.
وقد ذكر القاضي في مناسبة المقسم به للمقسم عليه قال: هو تشبيه أقوالهم في اختلافها وتنافي أغراضها بالطرائق للسماوات في تباعدها واختلاف غاياتها، فكل كوكب يمشي في اتجاه، كما يقول الشاعر: سارت مشرقة وسرت مغرباً شتان بين مشرق ومغرب فكذلك طرائق السماوات مختلفة ومتباينة، فناسب قوله تعالى: ((والسماء ذات الحبك)) أي: ذات الطرائق.
((إنكم لفي قول مختلف)) فهذا نوع من التجانس أو التناسب بين المقسم به والمقسم عليه؛ لأن في ذلك تشبيه أقوالهم باختلافها وتنافي أغراضها بالطرائق في السماوات في تباعدها واختلاف غاياتها.
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ * ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾: وأظهر الأقوال فيه عندي ولا ينبغي العدول عنه في نظري: أن لفظ (عن) في الآية سببية، يعني: يؤفك بسببه من أفك، وهناك شاهد من القرآن، يقول : ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود:٥٣] أي: بسبب قولك.
قوله: ((يؤفك عنه)) الهاء تعود إلى القول المختلف، أي: يصرف عن الإيمان بالله ورسوله بسبب ذلك القول المختلف.
((من أفك)) أي: من سبقت له الشقاوة في الأزل فحرم الهدى وأفك عنه؛ لأن هذا القول المختلف يكذب بعضه بعضاً ويناقضه، والتناقض في القول واختلافه من أوضح الأدلة على بطلان هذه الأقوال، كما يقول الشاعر: حجج تهافت كالزجاج تخالها حقاً وكل كاسر مكسور وبعضهم قال قولاً غريباً في قوله تعالى: ((يؤفك عنه)) حيث قال: يصرف عن هذا القول المختلف الباطل، ((من أفك)) أي: من صرف عن الباطل إلى الحق، وهذا قول لا يخفى بعده وسقوطه؛ لأن هؤلاء يظنون أن الأفك يطلق على الصرف عن الحق إلى الباطل وعن الباطل إلى الحق.
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: ويبعد هذا؛ لأن القرآن لم يرد فيه -الأفك- مراد به إلا الصرف عن الخير إلى الشر دون عكسه.
إذاً: استعمال لفظة (أفك) في القرآن الكريم لم تكن إلا في الصرف عن الخير إلى الشر، ولم تستعمل في القرآن في الصرف عن الشر إلى الخير، وبالتالي هذا قول بعيد جداً.
стр. 2340
تفسير قوله تعالى: (قتل الخراصون)
قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات:١٠]، في هذا إشارة من الله إلى أنهم لم يؤفكوا لاتباعهم الدلائل، بل لأخذهم بالخرص والتخمين، ولا يمكن أن يصرف إنسان عاقل عن الحق إلى الباطل؛ لأن الباطل ليس له أدلة يستند إليها، ولأن كل ما يتعلق بالتوحيد والإيمانيات وهذه الأمور الكلية المهمة الخطيرة قامت عليها أدلة هي أوضح من الشمس، فبالتالي لا يمكن أن ينصرف عنها من يكون عنده برهان ودليل، ولذلك الله لما أوجب على كل مكلف البحث عن الدين الحق أوجب عليه أمرين: الأول: أن يجتهد ويبذل غاية وسعه في البحث عن دين الحق.
الثاني: أن يجتهد في الوصول إلى دين الحق، مثل: القضايا الفقهية فإنه يجوز للعالم أن يجتهد كما قال الرسول ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)، أما في قضايا الإيمان بالله والتوحيد، وأدلة صدق النبوة وصدق الرسالة وصدق القرآن الكريم فلا؛ لأن الأدلة واضحة تماماً لا يصد عنها إلا من أفك وإلا من سبقت له الشقاوة، لكن في الحقيقة لا يمكن أن يكون لمبطل دليل كما قلنا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون:١١٧]، فقوله: ((إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ)) هل لهذا مفهوم؟ بمعنى: أنه لو أتى واحد يعبد غير الله ويزعم أن معه برهاناً على عبادة غير الله، هل هذا يقع؟ لا يمكن أبداً أن مشركاً يكون عنده أدلة أو برهان أو دليل، ولذلك نجد دائماً الباطل في مواجهة الحق لا يمكن أن يسلك المسلك الشريف العلمي النزيه أبداً، فأصحابه يخافون جداً من النقاش الحر، والأدلة العلمية عندهم إنما هي المكر أو المجادلة أو التشنيع على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ووصفهم بأنهم إرهابيون وأصوليون ومتطرفون، إلى آخر هذه الشتائم وهذا التشنيع الذي يراد به الصد عن سبيل الله ﵎، لكن هل يقوون على مواجهة الحق للباطل وكل يدلي بدلوه؟ لا يمكن أن يثبت أبداً أي باطل في مواجهة دين الإسلام، فالواجب على كل عاقل أن يجتهد في البحث عن دين الحق، ثم يجتهد حتى يصل إلى الحق، فلا يقبل مثلاً من إنسان على الإطلاق أن يقول: بحثت وتحريت فوجدت البوذية هي دين الحق، ويقول: هذا هو اجتهادي واعذروني في اجتهادي، ويبنى على ذلك أيضاً فكرة المساواة بين الأديان وأخوة الأديان إلى آخر هذا الضلال المبين، أو واحد يقول: أنا اجتهدت في البحث وتحريت ثم توصلت إلى أن النصرانية هي دين الحق، هذا مستحيل أن يقع؛ لأن على الحق أدلة لا يمكن أن تلتبس على ذي بصر ولا ذي عينين، إلا أنه يمكن أن يصرف بقدرة الله عن الحق، بحيث يرى الحق لكن لا يرزق اتباعه، كحال علماء اليهود الذين عرفوا الحق وعرفوا أن محمداً رسول الله ﵊، لكنهم استكبروا واستنكفوا عن اتباعه، وحسدوا العرب أن يخرج منهم النبي الموعود ﷺ ، فليس نكوصهم لأنه ليس هناك أدلة؛ ولكن لما في نفوسهم من جحود واستكبار وعلو في الأرض، ولذلك تجد عامة من ينتكس والعياذ بالله إلى التنصر أو إلى غير ذلك من أنواع الردة، فليس معنى ذلك: أنه لم يرتد عن الإسلام إلا بعد أن ظهر له دليل وبرهان، لكن الله كتب على هذا الشقاء منذ الأزل؛ أولاً: هذا لا يمكن أن يكون مسلماً حقيقياً إلا أن يشاء الله.
ثانياً: غالباً تكون المغريات بشهوات أو بأموال أو بكذا أو كذا من هذه الأشياء، كما يحصل الآن في الفردوس الثاني الذي يوشك أن نفقده وهو أندونيسيا، فأندونيسيا أكبر دولة إسلامية في العالم كله، ولذلك تتكالب عليها قوى الكفر والإلحاد لتفتيتها بواسطة الذين يخرجون الآن عليها ويريدون الاستقلال، وهم المرتدون الذين أفكوا عن الحق بارتدادهم إلى النصرانية لغرض أو لآخر، وقد اشتدت الحملة منذ سنوات طويلة جداً في أندونيسيا من أجل صرف الناس عن الدين وصرفهم عن الإسلام وتنصيرهم، وقد حكيت لكم من قبل قصة تنم عن مدى تغلغل النشاط التنصيري واستغلال ثالوث الفقر والجهل والمرض، وكيف تخرج الحملات التبشيرية للناس في أندونيسيا، حتى إن أحدهم قام بإغراء هؤلاء الفقراء بالأرز والطعام والأموال، ومن شدة الفقر في أندونيسيا استجابوا لهذا المنصر في الظاهر، وأظهروا التنصر، فهذا القسيس تدرج معهم حتى عمدهم أي: غطسهم في التعميد المعروف، وفرح جداً بما وصل إليه من إنجازات فقال لهم: إن الكنيسة تريد أن تكافئكم على أنكم الآن دخلتم في دين المسيح فتنصرتم، فكل واحد منكم يطلب طلباً وسوف نحققه له؛ مكافأة لكم على استجابتكم، فصاح الجميع بصوت واحد: الحج إلى مكة.
إذاً: غاية ما يفعله المنصرون وما يستطيعون القيام به أن يستعبدوا الناس بهذه المساعدات المسماة بالإنسانية، كالتمريض، وفتح المدارس الخاصة التي يضعون فيها الراهبات وهكذا، فهم يتخذون وسائل ملتوية، أما أن يقف الباطل في مواجهة الحق ويأتي بأدلة فلا، إنما يعرف الباطل الظلم والخسة والنذالة، ولا يمكن أبداً أن يهزم الإسلام على الإطلاق في أي مناظرة شريفة، يمكن أن ينهزم المسلمون في بعض الأحوال نتيجة ضعف القوى المادية، لكن أن يقف الباطل أمام الإسلام ويثبت في مناظرة علمية هذا مستحيل، والتأريخ ينبئنا بمصداق ذلك.
стр. 2341
تفسير قوله تعالى: (الذين هم في غمرة ساهون هذا الذي كنتم به تستعجلون)
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ * يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات:١١ - ١٤].
قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ أي: في جهل يغمرهم عن وجوب اتباع الدلائل القاطعة وترك الشبهات الواهية.
أو: غافلون عما نزل إليهم بالانهماك في اللذات البدنية واستئثار الحظوظ العاجلة.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي: متى يوم الجزاء، ويوم يدين الله العباد بأعمالهم؟! هذا السؤال منهم كان على سبيل الاستنكار أو الاستحقار أو الاستبعاد، فجاءهم الرد: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ أي: يحرقون، والفتنة هنا بمعنى الإحراق، وهي إحدى إطلاقات الفتنة في القرآن الكريم، يقال: هذا دينار فتين، أي: محروق، وأصل الفتن: إذابة الجوهر الخام كالذهب ليخرج منه ما يخالطه من شوائب كثيرة، قال : ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] أي: أن الشوائب تذهب ويبقى المعدن الخالص.
كما قال بعض السلف في حق الإمام أحمد رحمه الله تعالى: إن أحمد أدخل الكير فخرج ذهباً أحمر رحمه الله تعالى، فأصل (الفتن) إذابة الجوهر ليظهر غشه، ثم استعمل في التعذيب والإحراق ونحوه.
﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يعني: يقدر هنا مقولاً لهم أي: أثناء تعذيبهم، يقال لهم في هذه الحالة: ((ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ)) أي: ذوقوا عذابكم الذي استعجلتموه قبل وقته، كما قال: ((هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ)) أي: هذا ما استعجلتم حصوله في الدنيا، لأنكم كنتم تتحدون الرسول أن يأتيكم بهذا العذاب إن كان من الصادقين، فهذا الذي كنتم به تستعجلون، قال سبحانه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت:٥٣ - ٥٤].
стр. 2342
تفسير قوله تعالى: (إن المتقين في جنات وعيون)
قال ﵎: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الذاريات:١٥] لا يخفى على من عنده علم بأصول الفقه أن هذه الآية الكريمة فيها الدلالة المعروفة عند أهل الأصول بدلالة الإيماء والتنبيه، فقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ يفهم منها بدلالة الإيماء والتنبيه أن سبب دخولهم الجنات وتنعمهم بالجنات أنهم كانوا من المتقين.
إذاً: التقوى وسيلة للحصول على هذا النعيم، كما قال الله : ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم:٦٣]، وقال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل:٣١].
قوله: ((إِنَّ الْمُتَّقِينَ)) أي: الذين اتقوا الله بطاعته واجتناب معاصيه في الدنيا، وبتجنب القول بالخرص والتخمين في الأمور الاعتقادية ((فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ)).
стр. 2343
تفسير قوله تعالى: (آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين)
قال تعالى: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات:١٦] قال ابن جرير: أي عاملين ما أمرهم به ربهم مؤدين فرائضه.
يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: والذي فسر به ابن جرير فيه نظر؛ لأن قوله ﵎: ((آخِذِينَ)) حال من قوله: ((فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ))، فالمتقون في حال كونهم في الجنات والعيون ((آخذين ما آتاهم ربهم)) أي: من النعيم والسرور والغبطة، فالمتقون في حال كونهم في الجنات والعيون آخذين ما آتاهم ربهم من النعيم والسرور والغبطة، ثم أشار إلى سر استحقاقهم لذلك بقوله: ((إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ)) أي: في الدنيا.
((مُحْسِنِينَ)) أي: قد أحسنوا أعمالهم لغلبة محبة الله على قلوبهم، وظهور آثارها في أفعالهم وأقوالهم كما بينه بقوله : ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨].
стр. 2344
تفسير قوله تعالى: (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون)
قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] أي: كانوا يهجعون هجوعاً قليلاً لتتقوى نفوسهم على عبادته تعالى بنشاط.
وروى ابن جرير عن أنس ﵁ في هذه الآية: (أنهم كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء).
وقال: محمد بن علي: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة، أي: حتى يصلوا صلاة العشاء.
وعن مطرف قال: قلَّ ليلة لا تأتي عليهم إلا يصلون فيها لله إما من أولها أو من أوسطها.
وعن الحسن قال: كابدوا قيام الليل فلا ينامون من الليل إلا أقله.
إذاً: قيام الليل فيه نوع من المجاهدة؛ لأن الإنسان في حالة اليقظة بالنهار حتى من الناحية (الفسيولوجية) يفرز هرمونات النشاط، وضوء النهار يمر من عين الإنسان، فيؤثر على غدة معينة فتزيد الإفراز من هرمونات النشاط، أما في حالة الليل فإنه يقل، وبالتالي إذا أراد الإنسان السهر يحتاج إلى مجاهدة ومكابدة ومقاومة للرغبة في النوم.
وقال الضحاك: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ * ﴿كَانُوا قَلِيلًا﴾ ثم ابتدأ فقال: ((مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ)) يعني: المحسنين كانوا قليلاً، فيسكت ثم يبتدئ فيقول: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ * ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ على أساس أن (ما) نافية، بمعنى: لا يهجعون.
يقول ابن كثير: وهذا القول فيه بعد وتعسف.
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: في هذه الجملة الكريمة مبالغات في وصف هؤلاء بقلة النوم وترك الاستراحة؛ وذلك لأنه ذكر القليل ((مِنَ اللَّيْلِ))، والليل هو وقت النوم، والهجوع هو الخفيف من النوم.
حتى أنه لم يقل: ما ينامون، لكن قال: ((ما يهجعون)) فاختار أخف درجة من النوم التي هي الهجوع.
و (ما) زائدة تدل على القلة، وبالجملة ففي الآية استحباب قيام الليل وذم نومه كله، والأحاديث على ذلك كثيرة شهيرة.
стр. 2345
تفسير قوله تعالى: (وبالأسحار هم يستغفرون)
قال تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨].
قال القاضي: أي أنهم مع قلة هجوعهم وكثرة تهجدهم إذا أسحروا أخذوا في الاستغفار، كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم.
ومعناه: أنهم مع قلة هجوعهم، وكثرة تهجدهم، كانوا إذا دخل عليهم وقت السحر أخذوا في الاستغفار، كأنهم قضوا ما مضى من الليل في الجرائم والكبائر، وفي الحقيقة هم مجتهدون في العبادة.
يقول الرازي: في الآية إشارة إلى أنهم كانوا يتهجدون ويجتهدون، ثم يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك وأخلص منه فيستغفرون من التقصير، وهذه سيرة الكريم، فهو يأتي بأبلغ وجوه الكرم ويستقله ويعتذر من التقصير، واللئيم يأتي بالقليل ويستكثره ويمن به.
فكان حال السلف أنهم كانوا مع إحسانهم خائفين، أما نحن فمع إساءتنا آمنون كأن معنا صكوك غفران من الله فيها الضمان بدخول الجنة.
ثم يقول: وفيه وجه آخر ألطف منه، وهو أنه تعالى لما بين أنهم يهجعون قليلاً، والهجوع مقتضى الطبع، قال: ((يَسْتَغْفِرُونَ)) أي: يستغفرون من ذلك القدر القليل من النوم.
وفيه لطيفة أخرى يبينها في جواب
السؤال
وهو أنه سبحانه مدحهم بقلة الهجوع ولم يمدحهم بكثرة السهر، يعني: لم يقل الله : كانوا كثيراً من الليل ما يسهرون، وإنما قال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ فما الحكمة من ذلك مع أن السهر هو الكلفة والاجتهاد لا الهجوع؟ نقول: إشارة إلى أن نومهم عبادة؛ لأنهم كانوا ينامون أخف درجات النوم الذي هو الهجوع من أجل أن ينشطوا للقيام.
ويتقووا بذلك على طاعة الله ، فالنوم الذي هو مباح في أصله صار عبادة في حقهم مع أنهم نائمون، وهذا المعنى لن نستفيده إذا كانت الآية مثلاً: كانوا كثيراً من الليل ما يسهرون.
قوله: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ الاستغفار يحتمل طلب المغفرة بالذكر، كقولهم: ربنا اغفر لنا، وطلب المغفرة بالفعل في بالأسحار وهو الصلاة، والأول أظهر، والثاني عند المفسرين أشهر؛ لأن الصلاة تسمى تسبيحاً، فكذلك أيضاً قد تسمى ركوعاً، فيطلق الجزء مراداً به الكل، فكذلك الاستغفار؛ لأنه جزء من الصلاة فأطلق على الصلاة كلها، فقوله: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ معناه: يصلون صلاة تتضمن الاستغفار، وهذا مما يؤيد القول الثاني، ومما يؤيده أيضاً: الإشارة إلى الزكاة في الآية التي بعدها مباشرة، وهي قوله تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٨ - ١٩]، والزكاة قرينة الصلاة في كثير من الآيات، فكذلك يفهم أن هناك قرناً بين إيتاء للزكاة وإقامة الصلاة.
وسر التعبير عن الصلاة بالاستغفار الإشارة إلى أن ركنها المهم في التهجد هو الاستغفار كما في حديث التنزل الإلهي: (من يستغفرني فأغفر له؟)، وفي قصة يوسف ﵇ ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف:٩٧ - ٩٨] قال بعض المفسرين: إنه عنى بذلك أنه سوف يؤخر لهم الدعاء إلى السحر، حيث يستجاب الدعاء.
وقد ذكر في أذكار الصلاة الاستغفار في مواضع منها كالركوع: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي)، والسجود كذلك وبين السجدتين (رب اغفر لي، رب اغفر لي)، وآخر الصلاة كما أخرجه الشيخان وأهل السنن، وكان النبي ﷺ يطيل الركوع والسجود والتهجد لذلك.
стр. 2346
تفسير قوله تعالى: (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم)
قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٩] أي: أن المحروم هو الفقير المتعفف، لكن من شدة تعففه يحسبه الجاهل غنياً كما قال الله : ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة:٢٧٣] فيحرم الصدقة.
قال قتادة: هذان فقيرا أهل الإسلام: سائل يسأل بكفه، وفقير متعفف، ولكليهما عليك حق يا ابن آدم.
وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: (ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه).
وروى الإمام أحمد عن الحسين بن علي ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (للسائل حق وإن جاء على فرس) ورواه أبو داود، ثم أسنده من وجه آخر عن علي ﵁.
ويدخل في المحروم كل من لا مال له، ومن هلك ماله بآفة، ومن حرم الرزق واحتاج، إلا أن أهم أفراده المتعفف، ولذا عوَّل عليه الأكثر، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾: سوى الزكاة، يصلون بها رحماً، أو يقرون بها ضيفاً، أو يحملون بها كلاً.
стр. 2347
تفسير قوله تعالى: (وفي الأرض آيات للموقنين)
ثم أشار تعالى إلى أنه لا حاجة إلى الخرص والتخمين في باب الاعتقادات، بل لابد من الدلائل الواضحات الكثيرة فقال: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات:٢٠] أي: وفي الأرض عبر وعظات لأهل اليقين الذين يقودهم النظر إلى ما تطمئن به النفس وينثلج له الصدر، فيرون فيها مما ذرأ من صنوف النباتات والحيوانات والوهاد والجبال والقفار والأنهار والبحار، ويرون آيات عظاماً وشواهد ناطقة بقدرة الصانع ووحدانيته ﷻ .
стр. 2348
تفسير قوله تعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون)
قال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١].
في الحقيقة الآيات الأولى من سورة الذاريات إلى قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] تشتمل على آيات الله في الخلق وفي الوجود وفي أنفسنا، ويكفي أن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى شرح هذه الآيات القلائل في كتابه (التبيان في أقسام القرآن) في أكثر من مائة صفحة، شرحها مع كثير من التأمل قدر ما توافر له آنذاك من العلوم البشرية ما يعين الإنسان على التأمل في خلق الله ، والتوصل فعلاً إلى توحيد الله بالأدلة والبراهين المبثوثة في كل ما حولنا، ولذلك نحن نقول: إن التفكر ليس أمراً مستحباً فحسب، ولكنه فريضة على كل مسلم، قال سبحانه: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق:٥] هذا فعل أمر، والأمر ظاهره الوجوب، فيجب أن يتأمل الإنسان في مثل هذه الآيات، وقال النبي ﷺ : (لقد أنزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]).
فالتفكر وظيفة في غاية الأهمية بالنسبة للمؤمن لكي يزداد إيماناً ويقيناً.
ولو وقفنا فقط -وبالذات في ضوء المكتشفات الحديثة والعلوم الحديثة كعلم الطب وعلم التشريح وغيرهما- مع قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ لطال بنا الكلام جداً، لكن ننصح الإخوة بمطالعة كلام الإمام ابن القيم في كتابه (التبيان في أقسام القرآن) على هذه الجملة من الآيات طلباً للاختصار.
قوله: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أي: في حال اهتدائها وتنقلها من حال إلى حال، واختلاف ألسنتها وألوانها، وما جبلت عليه من القوى والإرادات، وما بينها من التفاوت في العقول والأفهام، وما في تراكيب أعضائها من الحكم في وضع كل عضو منها في المحل المفتقر إليه، إلى غير ذلك مما لا يحصيه قلم كاتب ولا لسان بليغ.
يعني: خلق الله إيانا في أحسن تقويم، وجعل كل عضو في أفضل مكان له، فلم يجعل الأذنين في مؤخرة الرأس مثلاً أو في الرجلين، ولم يجعل الفم أعلى الجبهة، أو الأنف في الخلف، بل تجد كل شيء وضع في موضعه، فالقواطع في مقدمة الفم، والأنياب تمزق الطعام على الجانبين، ثم الأضراس للطحن، فلو أن الأضراس هي التي كانت في مقدمة الفم لاختل هذا النظام، ومع ذلك يأتي السفهاء والملاحدة ويقولون: إن الأمر صدفة، قاتلهم الله أنى يؤفكون.
إذاً: الله أمرنا بالتفكر والتدبر في المخلوقات، لو أنك درست علم التشريح أو علم وظائف الأعضاء، أو علم الأمراض أو غير ذلك من فروع العلوم كلها، مثل: علوم النباتات، أو علوم الهندسة النووية، أو العلوم الجينية، أو الهندسة الوراثية، إذا درست هذه بنية التأمل والتفكر في خلق الله كما أمرنا هنا وفي كثير جداً من الآيات فإنك تكون في عبادة.
هذا العلم ما خلقه الله إلا ليدلنا عليه وعلى توحيده، وهذه العلوم لا تجافي علم الدين، بل الآيات كما قلنا مراراً نوعان: آيات تنزيلية، وآيات تكوينية، فالآيات التنزيلية هي آيات القرآن الكريم وآيات الوحي، وأما الآيات التكوينية فهي صفحة هذه المخلوقات التي تكشف عن صانعها وخالقها وهو الله ، كما قال الشاعر: فيا لك من آيات حق لو اهتدى بهن مريد الحق كن هواديا ولكن على تلك القلوب أكنة فليست وإن أصغت تجيب المناديا والكلام في هذا يطول.
وأنشد الحافظ ابن أبي الدنيا في كتابه (التفكر والاعتبار) لشيخه أبي جعفر القرشي قوله: وإذا نظرت تريد معتبراً فانظر إليك ففيك معتبر أنت الذي تمسي وتصبح في الـ دنيا وكل أموره عبر أنت المصرف كان في صغر ثم استقل بشخصك الكبر أنت الذي تنعاه خلقته ينعاه منه الشعر والبشر أنت الذي تعطى وتسلب لا ينجيه من أن يسلب الحذر أنت الذي لا شيء منه له وأحق منه بما له القدر
стр. 2349
تفسير قوله تعالى: (وفي السماء رزقكم وما توعدون إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون)
قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣] قوله: ((وفي السماء رزقكم وما توعدون) أي: في السماء المزن وهو السحاب، وعلى هذا فالمراد بالرزق هنا المطر؛ لأن المطر هو سبب الأقوات.
قوله: ((وَمَا تُوعَدُونَ)) أي: من العذاب السماوي؛ لأن مؤاخذات المكذبين الأولين كانت من جهتها، والخطاب لمشركي مكة.
((فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)) أي: الذي خلقهما للاستدلال بهما على حقيقة ما أخبر ((إِنَّهُ لَحَقٌّ)).
((مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ)) أي: مثل نطقكم، والضمير في قوله: (إِنَّهُ) عائد لما ذكر من أمر الآيات والرزق.
أو عائد على النبي ﷺ ، أو عائد على ما توعدون وهو أقرب مذكور، ويؤيد الأخير ذكر مصائر ووعيد المكذبين من قوم لوط وفرعون وعاد وثمود وقوم نوح وغيرهم، وبدأ منها بنبأ قوم لوط؛ لأن قراهم واقعة في ممر كفار قريش إلى فلسطين للاتجار، ومن ثم قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات:٢٤] إلى آخر الآيات.
стр. 2350
أقوال العلماء في كون الرزق من السماء وحقيقته
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في المراد بكون رزق الناس في السماء: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾، فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن المراد بذلك: أن جميع أرزاقهم منشؤها من المطر، والذي أنزل من السماء؛ لأنه يكثر في القرآن إطلاق اسم الرزق على المطر، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر:١٣] أي: ينزل لكم من السماء الماء الذي يكون بسببه نماء الرزق.
وقال تعالى: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الجاثية:٥] أي: من مطر.
وإنزاله تعالى الرزق من السماء بإنزال المطر من أعظم آياته الدالة على عظمته وأنه المعبود وحده، ومن أعظم نعمه على خلقه في الدنيا، ولذلك كثر الامتنان به في القرآن على الخلق.
وقال بعض أهل العلم: معنى قوله تعالى: ((وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ)) أن أرزاقكم مقدرة مكتوبة، والله جل وعلا يدبر أمر الأرض من السماء، فهو سبحانه يدبر أمركم ويكتب أرزاقكم وأجلكم في السماء، كما قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥].
والمراد بقوله: ((وما توعدون)) كما قال بعض أهل العلم: الجنة؛ لأن الجنة فوق السماوات، فإطلاق كونها في السماء إطلاق عربي صحيح؛ لأن العرب تطلق السماء على كل ما علاك، فسقف المسجد، وسقف البيت يسمى سماء، وشاهد ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥] أي: من كان يظن أن الله لا ينصر نبيه محمداً ﵇ ويجعل له العاقبة، فليربط الحبل إلى سقف الحجرة، ثم يفصل نفسه عن الأرض بالوقوف على الكرسي والحبل في عنقه، وبالتالي يشنق نفسه بهذه الطريقة.
فالشاهد هنا: أن ((فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ)) يعني: أن كل ما علاك يطلق عليه سماء؛ ولذلك قال الشاعر: وقد يسمى سماء كل مرتفع وإنما الفضل حيث الشمس والقمر ولما حكى النابغة الجعدي شعره المشهور، قال فيه: (بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال له ﷺ : إلى أين المظهر يا أبا ليلى؟ قال: إلى الجنة، قال: أجل إن شاء الله).
وقال بعض أهل العلم: ((وَمَا تُوعَدُونَ)) أي: ما توعدون من الخير والشر كله مقدر في السماء، وهذا المعنى فيما يوعدون به أنسب للمعنى الثاني في الرزق، وهو أن أرزاقكم مقدرة مكتوبة والله يدبر أمر الأرض من السماء.
وقد وردت قصص تدل على أنه هو الذي يتبادر إلى ذهن السامع، ومن ذلك ما ذكره غير واحد عن سفيان الثوري أنه قال: قرأ واصل الأحدب هذه الآية: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾، فقال: أنا أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض، فدخل خربة فمكث ثلاثاً لا يصيب شيئاً فلما كان اليوم الثالث إذا هو بدوخلة من رطب، وكان له أخ أحسن منه رأياً، فدخل معه فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق بينهما الموت.
وعن الأصمعي قال أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود له، فقال: ممن الرجل؟ قلت: من بني أصمع.
قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن.
قال: اتل علي.
قال: فقرأت عليه من أول سورة الذاريات حتى بلغت قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ فقال الأعرابي: حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى، فلما حججت مع الرشيد فصرت أطوف، فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رفيع، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم علي وقال: اتل علي سورة الذاريات، فلما بلغت الآية صاح، وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، ثم قال: وهل غير هذا؟ فقرأت: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾، فصاح وقال: يا سبحان الله! من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف، لم يصدقوه في قوله حتى ألجئوه إلى اليمين، قال ذلك ثلاث مرات، وخرجت معها نفسه.
فهذه النقول وهذه القصص تدل على أنهم فهموا من قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ أن الأرزاق يكتبها الله ويقدرها، وكذلك ما توعدون من خير أو شر إنما هو أمر مقدر في السماء، وقد قال النبي ﵌: (لو أن ابن آدم يهرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت).
следующие страницы →