Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يحادون الله قوي عزيز)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢٠ - ٢١].
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ يعني: في أهل الذلة؛ لأن الغلبة لله ولرسوله، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
فقوله: (فِي الأَذَلِّينَ) لا يعني فقط الذين فيهم وصف الأذلين، وإنما ينسب إليهم أنهم أعظم الناس ذلاً.
والأذلون: جمع الأذل أي: الذين هم أعظم الناس ذلاً، والذل: هو الصغار والهوان والحقارة.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الذين يحادون الله ورسوله هم أذل خلق الله ذكره تعالى وبينه في غير هذا الموضع، وذلك بذكره أنواع عقوبتهم المفضية إلى الذل والخزي والهوان، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:٦٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة:٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٣ - ٤]، وقال تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ [الأنفال:١٣ - ١٤].
((لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي))، المفعول مقدر، أي: لأغلبن أنا ورسلي حزب الشيطان المحادين.
((إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ))، أي: قوي على إهلاك من حاده ورسله، عزيز فلا يغلب في قضائه ﵎.
وقد دلت هذه الآية الكريمة كما يقول الشنقيطي ﵀ على أن رسل الله غالبون لكل من غالبهم.
وقوله: ((أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ))، تحمل نفس المعنى الوارد في جملة من الأحاديث، كما جاء في قول النبي ﷺ : (وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري).
стр. 2697
تفسير قوله تعالى: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي)
قال تعالى: ((كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي))، فالرسل غالبون لكل من غالبهم، والغلبة نوعان: غلبة بالحجة والبيان وهي ثابتة لجميع الرسل، وغلبة بالسيف والسنان، وهي ثابتة لمن أمر بالقتال منهم دون من لم يؤمر بها.
وقد دلت هذه الآية الكريمة وأمثالها كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، على أنه لم يقتل نبي في جهاد قط على الإطلاق؛ لأن المقتول ليس بغالب، فالقتل في جانب والغلبة في جانب آخر، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء:٧٤]، هي واحدة من الاثنتين فقط: إما أن يقتل وإما أن يغلب، فدل على أن القتل غلبة.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، وقد نفى الله عن الشخص المنصور أن يكون مغلوباً نفياً باتاً في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠]، وبهذا تعلم أن الرسل الذين جاء في القرآن أنهم قتلوا كقوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧] وقوله تعالى: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٨٣] لم يقتلوا في جهاد، وإنما قتلوا صبراً كما حصل لزكريا وغيره من الأنبياء الذين قتلتهم بنو إسرائيل.
وقد بين العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى هذا المعنى بصورة مفصلة في أثناء تفسير سورة آل عمران عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران:١٤٦].
يقول: هذه الآية الكريمة على قراءة من قرأ (قُتل) للمفعول: ((وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ))، لا تدل على أن النبي قد يقتل، لكن على قراءة أخرى يحتمل ذلك، فالآية: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران:١٤٦].
فعلى قراءة من قرأ: (قتل معه) بالبناء للمفعول يحتمل أن نائب الفاعل يكون لفظة: (ربيون)، يعني: قتل ربيون معه، وعليه فليس في (قتل) ضمير أصلاً؛ لأن نائب الفاعل اسم ظاهر.
وهناك احتمال آخر: أن يكون نائب الفاعل ضميراً عائداً إلى النبي ﷺ : (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتل)، وفي هذه الحالة تعرب جملة: ((مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)) بأن (ربيون) مبتدأ مؤخر مرفوع بالواو، و (معه): شبه جملة في محل رفع خبر مقدم.
أما بالنسبة للفعل: (قتل)، فنائب الفاعل ضمير مستتر تقديره (هو) يعود إلى النبي.
يقول: ويحتمل أن يكون نائب الفاعل ضميراً عائداً إلى النبي، وعليه فمعه خبر مقدم، و (ربيون): مبتدأ مؤخر سوغ الابتداء به اعتماده على الظرف قبله ووصله بما بعده، والجملة حالية والرابط الضمير، وسوغ إتيان الحال من النكرة التي هي نبي وصفه بالقتل ظلماً، وهذا هو أجود الأعاريب المذكورة في الآية على هذا القول.
يقول: وبهذين الاحتمالين في نائب الفاعل المذكور يظهر أن في الآية إجمالاً، والآيات القرآنية مبينة أن النبي المقاتل غير مغلوب بل هو غالب، كما صرح تعالى بذلك في قوله: ((كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي))، وقال قبل ذلك: ((أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ))، ثم قال: ((إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)).
وأغلب معاني الغلبة في القرآن: الغلبة بالسيف والسنان، كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال:٦٥]، وقال تعالى بعدها: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٦]، وقال تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:١ - ٤]، وهذه الغلبة بالسيف والسنان في القتال، وقال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] أي: بالسيف والسنان، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران:١٢]، إلى غير ذلك من الآيات.
يقول: وبين تعالى: أن المقتول ليس بغالب بل هو قسم مقابل للغالب بقوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء:٧٤]، فاتضح من هذه الآيات أن القتل ليس واقعاً على النبي المقاتل؛ لأن الله كتب وقضى له في أجله أنه غالب، وصرح بأن المقتول غير غالب.
وقد حقق العلماء أن غلبة الأنبياء على قسمين: غلبة بالحجة والبيان، وهي ثابتة لجميعهم.
وغلبة بالسيف والسنان، وهي ثابتة لخصوص الذين أمروا منهم بالقتال في سبيل الله.
قال: وتصريحه تعالى بأنه كتب أن رسله غالبون شامل لغلبتهم لمن غالبهم بالسيف، كما بين أن ذلك معنى الغلبة في القرآن، وشامل أيضاً لغلبتهم بالحجة والبيان، فهو مبين أن نصر الرسل المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٢]، نصر غلبة بالسيف والسنان للذين أمروا منهم بالجهاد؛ لأن الغلبة التي بين أنه كتبها لهم أخص من مطلق النصر؛ لأنها نصر خاص، والغلبة لغة الثقل، والنصر لغة إعانة المظلوم، فيجب بيان هذا الأعم بذلك الأخص.
وبهذا تعلم أن ما قاله الإمام الكبير الحافظ ابن جرير رحمه الله تعالى ومن تبعه في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر:٥١] إلى آخره، من أنه لا مانع من قتل الرسول المأمور بالجهاد، وأن نصرة المنصوص في الآية حينئذ يحمل على أحد أمرين: أحدهما: أن الله ينصره بعد الموت، بأن يسلط على من قتله من ينتقم منه، كما فعل بالذين قتلوا يحيى وزكريا وشعيبا من تسليط بختنصر عليهم ونحو ذلك.
إما أن يسلط الله على من قتل النبي في الجهاد بأن يقتل وينكل به انتقاماً.
الثاني: حمل الرسل في قوله تعالى: ((إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا))، على خصوص نبينا ﷺ .
لا يجوز حمل القرآن عليه لأمرين: أحدهما: أنه خروج بكتاب الله عن ظاهره المتبادر منه بغير دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع، والحكم بأن المقتول من المتقاتلين هو المنصور بعيد جداً غير معروف في لسان العرب، فحمل القرآن عليه بلا دليل غلط ظاهر، وكذلك حمل الرسل على نبينا وحده ﷺ بعيد جداً أيضا، والآيات الدالة على عموم الوعد بالنصر لجميع الرسل كثيرة لا نزاع فيها.
أيضاًً الله لم يقتصر في كتابه على مطلق النصر الذي هو في اللغة: إعانة المظلوم؛ لأن النصر كما قلنا في اللغة: هو إعانة المظلوم، أما الغلبة لغة فهي القهر.
فالله لم يقتصر على مطلق النصر الذي هو في اللغة: إعانة المظلوم بل صرح بأن ذلك النصر المذكور هو للرسل هو نصر غلبة وقهر، وليس النصر بمعنى إعانة المظلوم؛ لأن الله قال: ((كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي))، فلابد أن يحمل النصر على هذه الغلبة والقهر كما ذكرنا.
يقول: (وقد رأيت معنى الغلبة في القرآن، ومر عليك أن الله جعل المقتول قسماً مقابلاً للغالب في قوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء:٧٤]، وصرح تعالى: بأن ما وعد به رسله لا يمكن تبديله بقوله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام:٣٤]، ((وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ)) ومن كلمات الله الكونية القدرية: أن الرسول لا يمكن أن يقتل في الجهاد أبداً، ولا شك أن قوله تعالى: ((كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)) من كلماته التي صرح بأنها لا مبدل لها، وقد نفى الله جل وعلا عن المنصور أن يكون مغلوباً نفياً باتاً بقوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠].
وذكر مقاتل: أن سبب نزول قوله تعالى: ((كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)): أن بعض الناس قال: أيظن محمداً وأصحابه أن يغلبوا الروم وفارس كما غلبوا العرب، زاعماً أن الروم وفارس لا يغلبهم النبي ﷺ لكثرتهم وقوتهم فأنزل الله الآية، وهو يدل على أن الغلبة المذكورة فيها غلبة بالسيف والسنان؛ لأن صورة السبب لا يمكن إخراجها).
وسبب النزول يكون دخولاً في حكم الآية قطعياً، ويدل له قوله قبله: ((أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ))، وقوله بعده: ((إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)).
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: (أضواء البيان) أننا نستشهد للبيان بالقراءة السبعية بقراءة شاذة فيشهد للبيان الذي بينا به أن نائب الفاعل: (ربي
стр. 2698
تفسير قوله تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله)
قال الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢] إلى آخره.
((مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ))، أي: شاقهما وخالف أمرهما، يعني: لا تجد قوماً جامعين بين الإيمان بالله واليوم الآخر وبين مودة أعداء الله ورسوله ﷺ ، والمراد بنفي الوجدان نفي الموادة على معنى أنه لا ينبغي أن يتحقق ذلك، وحقه أن يمتنع، ولا يوجد بحال مبالغة في النهي عنه والزجر عن ملابسته، والتوصية بالتصلب في مجانبة أعداء الله ومباعدتهم والاحتراز من مخالطتهم ومعاشرتهم.
يعني: ((لا تجد قوماً)) أسلوب خبري؛ لأن (لا) هنا نافية وليست ناهية؛ لكنه ظاهره النفي ومراده النهي، كقوله: (لا ضرر ولا ضرار) وقوله: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] فهذا خبر لكن المقصود به: (لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا) فالمقصود هنا: أن هذا من شدة تأكده ولزومه على المؤمنين، كأنه لا يمكن أن تجد مؤمناً يحب الله ورسوله يجمع بين الإيمان ومودة أعداء الله وأعداء رسوله ﷺ ، فالمراد بنفي الوجدان نفي المودة، يعني: لا توادوهم أبداً، على معنى أنه لا ينبغي أن يتحقق ذلك، وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال، مبالغة في النهي عنه والزجر عن ملابسته والتوصية في التصلب في مجانبة أعداء الله ومباعدتهم والاحتراز من مخالطتهم ومعاشرتهم.
وزاد ذلك تأكيداً وتشديداً بقوله: ((وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ)) إلى آخره.
((وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ)) يعني: آباء الموادين، والضمير في (كانوا) لمن حادوا الله ورسوله، يعني: ولو كان هؤلاء الذين حادوا الله ورسوله آباءهم أو أبناءهم إلى آخره، ونلاحظ هنا جمعاً وإفراداً، الإفراد بقوله: (حاد الله) وفاعله ضمير تقديره هو، يعود إلى (من) فالإفراد بالنظر إلى اللفظ، ثم باعتبار المعنى فقال: ((وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ)) فلذلك يقول القاسمي رحمه الله تعالى: والجمع باعتبار معنى (من)، كما أن الإفراد فيما قبله باعتبار لفظها، فإن قضية الإيمان هجر المحادين.
((أُوْلَئِكَ)) إشارة إلى الذين لا يوادونهم ((كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ)) أي: أسسه فيها ((وأيدهم بروح منه))، أي: بنور وعلم ولطف حيت به قلوبهم في الدنيا، وأشار إلى مآلهم في الآخرة بقوله: ((وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))، أي: الناجحون الفائزون بسعادة الدارين.
يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: وردت هذه الآية الكريمة بلفظ الخبر: ((لا تَجِدُ قَوْمًا)) والمراد بها الإنشاء، وهذا للنهي البليغ والزجر العظيم عن موالاة أعداء الله، وإيراد الإنشاء بلفظ الخبر أقوى وأوكد من إيراده بلفظ الإنشاء كما هو معلوم بمحله.
ومعنى قوله: ((يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ))، أي: يحبون ويوالون أعداء الله ورسوله ﷺ .
وما جاء في هذه الآية من النهي والزجر العظيم عن موالاة أعداء الله جاء موضحاً في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤].
أكاد أجزم والله تعالى أعلم لو أن هؤلاء المؤمنين إبراهيم والذين معه عاشوا في عصرنا لقيل لهم: أنتم متطرفون وإرهابيون إلى آخر هذه القائمة من الشتائم المعروفة.
فحقيقة ما يحصل الآن هو غسيل مخ للمسلمين في ظل نظام العولمة، وهذا يهدم أصلاً أصيلاً من أصول الإيمان بعد التوحيد مباشرة، وهو حق من حقوق التوحيد، ألا وهو قضية الولاء والبراء؛ فالآن تجري عملية تغريب عن طريق بث هذه الأفكار المسمومة، وليس التغريب بمعنى التبعية للغرب كما هو شائع، لكن التغريب زيادة غربة الإسلام بين أهله، حتى أن الذي يقول هذا الكلام أصبح إنساناً شاذاً متطرفاً مهووساً مجنوناً يريد الفتنة، ويريد كذا وكذا.
فهذه زيادة غربة الإسلام بإشاعة المفاهيم المسمومة حتى تزداد غربة المفاهيم الصحيحة، ويصبح القائم بها هو الشاذ المتطرف الإرهابي.
ويقول تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، الآن نحل محلها الأخوة الإنسانية، وحقوق الإنسان، إلى آخر هذه المصطلحات.
ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣].
وقوله هنا في هذه الآية الكريمة: ((وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ)) زعم بعضهم أنها نزلت في أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قائلاً: إنه قتل أباه كافراً يوم بدر أو يوم أحد.
وقيل نزلت: في عبد الله بن عبد الله بن أبي وزعم من قال ذلك أن عبد الله استأذن النبي ﷺ في قتل أبيه عبد الله بن أبي فنهاه.
وقيل نزلت: في أبي بكر، وزعم من قال ذلك أن أباه أبا قحافه سب النبي ﷺ قبل إسلامه فضربه ابنه أبو بكر حتى سقط.
((أَوْ أَبْنَاءَهُمْ)) زعم بعضهم أنها نزلت في أبي بكر حين طلب مبارزة ابنه عبد الرحمن يوم بدر.
((أَوْ إِخْوَانَهُمْ)) زعم بعضهم أنها نزلت في مصعب بن عمير، قالوا: قتل أخاه عبيدة بن عمير؛ وقال بعضهم: مر بأخيه يوم بدر وقد كان يأسره رجل من المسلمين، فقال: شدد عليه الأسر، فإن أمه ملية وستفديه.
((أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)) قال بعضهم: نزلت في عبيدة بن الحارث بن المطلب وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب ﵃ لما قتلوا عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة في المبارزة يوم بدر وهم بنو عمهم؛ لأنهم أولاد ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف وعبد شمس أخو هاشم كما لا يخفى.
((أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ))، أي: ثبته في قلوبهم بتوفيقه.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تثبيت الإيمان في قلوبهم جاء موضحاً في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٧ - ٨].
стр. 2699
وجوب التصلب في الدين في مقابلة المبطلين
يقول القاسمي في تفسير هذه الآية الكريمة: من أشباه هذه الآيات قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤].
ثم نقل عن ابن كثير ما نقلناه آنفاً عن سبب نزول هذه الآيات: أن آية كذا نزلت في فلان قتل أخاه، وفلان قتل أباه إلى آخره.
قال القاسمي: وقد بينا مراراً أن المراد بسبب النزول في مثل ذلك: صدق الآية على هؤلاء، وما أتوا به من التصلب في دين الله في مقابلة المبطلين، ولو كانوا من أقرب الأقربين.
قال ابن كثير: ومن هذا القبيل حين استشار رسول الله ﷺ المسلمين في أسارى بدر، فأشار الصديق بأن يفادوا، فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين وهم بنو العم والعشيرة، ولعل الله تعالى أن يهديهم؛ وقال عمر: لا أرى ما يرى يا رسول الله، إلا أن تمكني من فلان، وتمكن علياً من عقيل، وتمكن فلاناً من فلان ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين.
وقال ابن كثير: في قوله تعالى: ((رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)) سر بديع، وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى، عوضهم الله بالرضا عنهم وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم والفوز العظيم والفضل العميم.
стр. 2700
أهل الذمة لا يدخلون في حكم المحادين لله ورسوله
يقول أيضاً: يفهم من قوله تعالى: ((مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) وقوله في آية أخرى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]: أن المراد به المحاربون لله ولرسوله، الصادون عن سبيله، المجاهرون بالعداوة والبغضاء، وهم الذين أخبر عنهم قبل بأنهم يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، فتشمل الآيات المشركين وأهل الكتاب المحاربين المحادين لنا، أي: الذين هم على حد منا ومجانبة لشئوننا، تحقيقاً لمخالفتنا، وترصداً للإيقاع بنا.
أي: فالمقصود من قوله: ((من حاد الله ورسوله)) وقوله: ((لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)) المجانبون لنا من أهل الكتاب والمشركين الذين هم على حد منا، نحن في جهة وهم في جهة، وهم في مجانبة لشئوننا تحقيقاً لمخالفتنا وترصداً للإيقاع بنا.
وأما أهل الذمة الذين هم بين أظهرنا ممن رضي بأداء الجزية لنا وسالمنا واستكان لأحكامنا وقضائنا، فأولئك لا تشملهم الآية؛ لأنهم ليسوا بمحادين لنا بالمعنى الذي ذكرناه، وإذا كان لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وجاز التزوج منهم ومشاركتهم، والاتجار معهم، وعيادة مرضاهم؛ فقد عاد النبي ﷺ يهودياً وعرض عليه الإسلام فأسلم، كما رواه البخاري، وعلى الإمام حفظهم، والمنع من أذاهم واستنقاذ أسراهم؛ لأنه جرت عليهم أحكام الإسلام.
وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان في الرد على المتنطعين الذين لا تطيب نفوسهم في كثير من الرخص المشروعة ومن ذلك أن النبي ﷺ كان يجيب من دعاه فيأكل طعامه، وأضافه يهودي بخبز شعير وإهالة سنخة، وكان المسلمون يأكلون من أطعمة أهل الكتاب، وشرط عمر ﵁ ضيافة من مر بهم من المسلمين، فقال: أطعموهم مما تأكلون.
وقد أحل الله ذلك في كتابه، ولما قدم عمر ﵁ الشام صنع له أهل الكتاب طعاماً فدعوه فقال: أين هو؟ قالوا: في الكنيسة.
فكره دخولها؛ وقال لـ علي ﵁: اذهب بالناس، فذهب علي بالمسلمين فدخلوا وأكلوا، وجعل علي ﵁ ينظر إلى الصورة، وقال: ما على أمير المؤمنين لو دخل وأكل، والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩].
وعن الإمام محمد بن المطهر: أن الموالاة المحرمة بالإجماع هي أن تحب الكافر لكفره، والعاصي لمعصيته لا لسبب آخر من جلب نفع أو دفع ضر، أو خصلة خير فيه.
فهذا آخر تفسير سورة المجادلة وهي هذه الآية الكريمة: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢].
стр. 2701
بشائر ومبشرات لأهل القرآن
من البشريات للإمام العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: أن هذه الآية هي آخر آية في تفسيره المبارك أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، فقد وقف عند تفسير هذه الآية؛ لأنه أتى موسم الحج سنة ألف وثلاثمائة وثلاثة وتسعين هجرية، فخرج من الموسم ثم رجع فمرض ومات بعد أيام قليلة من موسم الحج رحمه الله تعالى، فكانت آخر آية فسرها في كتابه المبارك هي هذه الآية التي تنتهي بقوله: ((أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))؛ فلعل هذه علامة حسن خاتمة بإذن الله لهذا الإمام القرآني الفذ، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة.
ونظير ذلك أيضاً: أن تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى توقف عند قوله ﵎ في سورة يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١].
وذات يوم جافاني النوم فأخذت ملزمة مقدمات سكب العبرات للموت والقبر والسكرات وقرأت مقدمة الشيخ محمد صفوت نور الدين، وكان مما قال فيها: شهدت أحد أعمامي وهو في موته يحتضر، وكان قد طال به المرض وكان يتأوه كثيراً، وقد أصيب بالاستسقاء، وكان من أول من دعا للسنة في البلدة التي كان يعيش فيها، وكان جهاده فيها رغم ضعفه وفقره جهاداً عظيماً متصلاً، فإذا به يقرأ قبل موته: ﴿َيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم:٤ - ٥] لا يتعداها ويكررها وهكذا، وقد ذهب عنه كل شكوى كان يشتكي بها، ثم أخذ ينادي على بعض من مات منذ عشرات السنين، وأخذ يردد كلمات قال فيها: فرح فرح فرح، ما هو هذا الكرم كله يا رب ويكررها.
كل ذلك وأنا أنظر إليه متعجباً وأقول في نفسي: سيفيق، فأسأله عن ذلك، لكن اتصل هذا بخروج روحه، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة.
فالشاهد من القصة: لما قرأت قوله: ثم أخذ يردد كلمات قال فيها: فرح فرح فرح، ما هو الكرم هذا كله يا رب، في نفس هذه اللحظة دق جرس التليفون فرفعت الهاتف فإذا به أحد الإخوة يخبرني بوفاة الشيخ محمد صفوت رحمه الله تعالى رحمة واسعة، والشيخ له جهد مشكور في الدفاع عن السنة والدعوة إلى الله على بصيرة.
وكان بعدما عاد من العمرة بأيام قليلة أخذ أولاده جميعاً وأهله وذهب لزيارة بعض أهله، وبعد ما صلى هناك صلاة المغرب إذا به تحصل له حادثة في الطريق فيموت فيها رحمه الله تعالى؛ وكانت زوجته رأت قبل وفاته أنه يزف إلى عروس جميلة، فلعلها من الحور العين إن شاء الله تعالى.
كذلك الرجل الذي كان يقرأ سورة يس، فعندما وصل إلى قوله تعالى: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧]، فاضت روحه.
والله أعلم.
стр. 2702
تفسير سورة الحشر [١ - ٥]
стр. 2703
بين يدي سورة الحشر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: نشرع بإذن الله تعالى في تفسير السورة التاسعة والخمسين من سور القرآن الكريم، وهي: سورة الحشر.
قال المهايمي: سميت به لدلالة إخراج اليهود عنده على لطف الله وعنايته برسوله ﷺ وبالمؤمنين، وقهره وغضبه على أعدائهم، فهو من أعظم مقاصد القرآن، وكان ابن عباس يقول: سورة بني النضير، وبنو النضير: هم رهط من اليهود من ذرية هارون عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد نزلوا في المدينة في فتن بني إسرائيل؛ انتظاراً لبعثة النبي محمد ﷺ ، وكان من أمرهم ما قص الله عليه هنا في هذه السورة.
وسبب وجود اليهود في المدينة وفي بلاد المغرب الإسلامي هو أنهم كانوا دائماً لا يجدون مأمناً إذا نزل بهم الفزع إلا في ظل الحكم الإسلامي، فلما حصل الاضطهاد والقتل لهم في الأندلس فزعوا إلى المغرب الإسلامي، وما زالوا موجودين فيه إلى الآن، بل ولهم فيه ثقل.
وكذلك كانوا يفرون من الفتن التي تعرض لهم إلى المدينة؛ انتظاراً لبعثة النبي محمد ﷺ ، وكانوا إذا حصل بينهم وبين المشركين نزاع فإنهم يقولون: نحن في انتظار نبي سوف يبعث، فإذا بعث لنؤمننّ به ولنتبعنّه، ثم نقاتلكم فنغلبكم، وقد ذكر الله تعالى عنهم ذلك في سورة البقرة: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة:٨٩].
روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: قلت لـ ابن عباس: سورة الحشر، قال: سورة بني النضير.
يعني: سمِّها سورة بني النضير.
وعنه قال: قلت لـ ابن عباس: سورة الحشر، قال: سورة بني النضير، وهم قوم من اليهود كما ذكرنا.
وهذه السورة مدنية، وآيها أربع وعشرون بلا خلاف.
قال الله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد:١].
تقدم القول في تأويل نظيره في القرآن الكريم، وهنا سنتجاوزه اختصاراً، وقد بدأ الشيخ عطية سالم ﵀ -وهو أخص تلامذة العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى- تتمة (أضواء البيان) ببحث مفصل جداً عن التسبيح.
стр. 2704
تفسير قوله تعالى: (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر)
стр. 2705
المقصود بالحشر هنا
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢].
أشار الله ﵎ بعدما وصف نفسه بقوله: ((وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) إلى بيان بعض آثار عزته تعالى، وإحكام قسمته، وذلك إثْرَ وصفه بالعزة القاهرة، والحكمة الباهرة على الإطلاق، فهو العزيز الحكيم، فبيّن وفصّل آثار هذه العزة والحكمة، فقال: ((هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)) يعني: بني النضير من اليهود، ((مِنْ دِيَارِهِمْ)) أي: من مساكنهم التي جاورا بها المسلمين حول المدينة؛ لطفاً بالمسلمين.
وقوله: ((لِأَوَّلِ الْحَشْرِ)) يقول القاسمي: أي: لأول الجمْع؛ لقتالهم، يعني: أن الله أخرجهم بقهره لأول الحشر، فكأن القاسمي ينتحي منحى من ذهب إلى أن أول الحشر هنا توقيت زماني، وقال بعض المفسرين: إنه حشر مكاني، وأنه يقصد به الأحساء أو غير ذلك كما سيأتي، فـ القاسمي يرى أن أول الحشر توقيت زماني، والتوقيت به إشارة إلى شدة الأخذ الرباني لهم، وقوة البطش والانتقام بقذف الرعب في قلوبهم، حتى اضطروا في أول الهجوم عليهم إلى الجلاء والفرار، فأول ما حشر وجمع الجيش الإسلامي لمواجهتهم لم يحتج الأمر إلى حشر ثانٍ وثالث، بل قذف الرعب في قلوبهم، ففروا وهربوا، هذا هو الذي اختاره العلامة القاسمي رحمه الله تعالى.
وأما القرطبي فيقول: إن ((الْحَشْرِ)): هو الجمع، وهو على أربعة أوجه: حشران في الدنيا، وحشران في الآخرة.
فأما اللذان في الدنيا: فالأول: حشرهم للقتل، كقوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ))، قال الزهري: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء، فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا، وكان أول حشر حشروه في الدنيا إلى الشام، وقال ابن عباس وعكرمة: من شك أن المحشر في الشام فليقرأ هذه الآية، يعني: ((لِأَوَّلِ الْحَشْرِ)) أي: لأول مكان يحصل منه حشر الناس يوم القيامة.
وقال النبي ﷺ لأصحابه: (اخرجوا، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر).
قال قتادة: هذا أول المحشر، وقال ابن عباس: هم أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من ديارهم.
وقيل: إنهم أخرجوا إلى خيبر، وأن معنى: (لأول الحشر) إخراجهم من حصونهم إلى خيبر، وآخره: إخراج عمر رضي الله تعالى عنه إياهم من خيبر إلى نجد وأذرعاء، وقيل: شيما وأريحاء -وأريحاء ما زالت تسمى إلى الآن أريحاء-؛ وذلك لكفرهم، ونقضهم عهدهم.
وأما الحشر الثاني: فحشرهم قرب القيامة، قال قتادة: تأتي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل منهم من تخلف.
وهذا ثابت في الصحيح.
وقال ابن وهب لـ مالك: هو جلاؤهم من ديارهم، فقال لي: الحشر يوم القيامة حشر اليهود، قال: وأجلى رسول الله ﷺ اليهود إلى خيبر حين سئلوا عن المال فكتموه، فاستحلهم بذلك.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: في الحشر أولٌ ووسطٌ وآخر.
فالأول: إجلاء بني النضير، والأوسط: إجلاء خيبر، والآخر: حشر يوم القيامة.
وفصّل ذلك أيضاً الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى -وقد توفي في عام الحزن، وذلك في السنة الماضية التي شهدت وفاة جمع كبير من العلماء وأهل الخير- فيقول رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ)): أجمع المفسرون أنها في بني النضير، إلا قولاً للحسن إنها في بني قريظة، ورُدَّ هذا القول: بأن بني قريظة لم يخرجوا ولم يجلوا، ولكن قتلوا.
ويسمي الناس هذه السورة بسورة بني النضير.
стр. 2706
سبب نزول سورة الحشر
اتفق المفسرون على أن بني النضير كانوا قد صالحوا رسول الله ﷺ على ألا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر، قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة، فإنه لا ترد له راية، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة، فحالفوا عليه قريشاً عند الكعبة، فأخبر جبريل الرسول ﷺ بذلك، فأمر بقتل كعب، فقتله محمد بن مسلمة غيلة وكان أخاه من الرضاعة، وكان النبي ﷺ قد اطلع منهم على خيانة حين أتاهم في دية المسلمَين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري في منصرفه من بئر معونة، فهموا بطرح الحجر عليه ﷺ ، وأرادوا اغتياله ﷺ ، فأوحي إليه بذلك، وعصمه الله تعالى منهم، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].
ولما قتل كعب أمر ﷺ بالمسيرة إليهم، وطالبهم بالخروج من المدينة، فاستمهلوه عشرة أيام كي يتجهزوا للخروج، فأرسل إليهم عبد الله بن أبي رأس المنافقين سراً ألا تخرجوا من الحصن، ولا تمتثلوا أمره بالجلاء، ووعدهم بنصرهم بألفي مقاتل من قومه، ومساعدة بني قريظة وحلفائهم من غطفان أو الخروج معهم، فتآمروا مع رأس النفاق في المدينة عبد الله بن أبي، فدربوا أنفسهم، وامتنعوا بالتحصينات الداخلية، فحاصرهم ﷺ إحدى وعشرين ليلة.
وقيل: أجمعوا على الغدر برسول الله ﷺ ، فقالوا له: اخرج في ثلاثين من أصحابك، ويخرج إليك ثلاثون منا؛ ليسمعوا منك، فإن صدّقوا آمنا كلنا، ففعل، فقالوا: كيف نفهم ونحن ستون؟ أي كيف نفهم دعوة الإسلام، وأدلة النبوة، ونحن ستون: أنتم ثلاثون، ونحن ثلاثون؟! اخرج في ثلاثة، ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا يناظرونك، يناظرونك عن الإسلام، ففعلوا، فاشتملوا على الخناجر، أي: أخفوا الخناجر، وأرادوا الغدر، فأرسلت امرأة منهم ناصحة إلى أخيها -وكان مسلماً- فأخبرته بما أرادوا، فأسرع إلى الرسول ﷺ فساره بخبرهم قبل أن يصل النبي ﷺ إليهم، فلما كان من الغد غدا عليهم بالكتائب فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين الذي وعدهم به ابن أبي، فطلبوا الصلح، فأبى عليهم ﷺ إلا الجلاء، على أن يحمل كل أهل ثلاثة أبيات على بعير ما شاءوا من المتاع إلا الحلقة -وهي أدوات السلاح- فكانوا يحملون كل ما استطاعوا عليه ولو أبواب المنازل، فكانوا يخلعون أبواب المنازل ويحملونها معهم، كما قال تعالى: ((يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ))، فكانوا يحملون ما استطاعوا معهم، فانظر إلى العبرة، والى مشيئة الذي جعلهم يخربون بيوتهم، فينقضونها ويهدمونها بأيديهم بعد أن كان المسلمون ينظرون إليهم على أنهم قوة قوية ومنعة منيعة، وحصون لا تُهد.
يقول الشيخ عطية ﵀: وقد ذكرنا هذه القصة في سبب نزول هذه السورة؛ لأن عليها تدور معاني هذه السورة كلها، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته في أصول التفسير: إن معرفة السبب تعين على معرفة التفسير، وليعلم المسلمون مدى ما جُبل عليه اليهود من غدر، وما سلكوه من أساليب المراوغة، فما أشبه الليلة بالبارحة، وهنا نلاحظ أن الله أسند إخراجهم إلى نفسه ، فقال: ((هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا)) مع وجود حصار المسلمين لهم، وقال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب:٢٥]، فذكر أنه هو الذي رد الذين كفروا بغيظهم، ولم يبين السبب الذي ردهم به.
أي: أن الإرادة والمشيئة الحقيقة هي إرادة الله، وأما السبب الذي به تنفذ إرادة الله فهم جند الله كالريح والملائكة وغير ذلك من جنود الله، ولذلك قال في شأن هؤلاء الأحزاب الذين قال فيهم: ((وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ)) [الأحزاب:٢٥]، قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب:٩]، فرد الله غيظهم بأسباب كالريح والجنود التي لم يرها المؤمنون، وكذلك هنا: ((هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ)) فأسند إخراجهم إليه تعالى مع حصار المسلمين إياهم، وقد بين الله السبب الحقيقي لإخراجهم في قوله : ((فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ))، فهذا من أهم أسباب إخراجهم، وسبب قذف الله تعالى الرعب في قلوبهم أنهم كانوا في موقف القوة وراء الحصون، ولم يتوقع المؤمنون خروجهم، ((وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا))، وقد كان هذا الإخراج من الله لهم بوعد سابق من الله لرسوله، وهو في قوله : ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٣٧]، فقوله: ((فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ)) خبر ووعد من الله أنه سوف يكفيه إياهم، وبهذا الإخراج تحقق كفاية الله لرسوله ﷺ إياهم، فقد كفاه إياهم بإخراجهم من ديارهم، فكان إخراجهم حقاً من الله تعالى، وكان بوعد مسبق من الله لرسوله ﷺ ، وقد أكد هذا بقوله تعالى مخاطباً المسلمين في خصوصهم في أوقات الجلاء، فقال الله للمؤمنين: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر:٦]، وتسليط الرسول ﷺ هو بما بينه النبي ﷺ في قوله: (نصرت بالرعب مسيرة شهر)، فإذا كان ينصر بالرعب من مسيرة شهر فما ظنك بمسيرة ميلين من المدينة، فلا شك أنه أولى أن يُقذف الرعب في قلوبهم، وهذه من خصائص النبي عليه الصلاة السلام على غيره من الأنبياء فضلاً عن سائر البشر.
إذاً: فالذي أخرجهم في الحقيقة هو الله كما قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحشر:٦]، وسلط عليهم الرسول ﷺ بالرعب، (نصر بالرعب مسيرة شهر)، ولذلك قال الله : ((فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا)) أي: من قلوبهم، فقد أُلقيتْ الهزيمة في قلوبهم، وقد كانوا يظنون أنهم مانعتهم حصونهم من الله، بل كان المؤمنون أنفسهم يظنون ذلك كما قال الله: ((مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا))، فالمؤمنون أنفسهم كانوا يظنون أنهم لا يستطيعون أن يخرجوهم؛ لشدة تحصنهم في هذه الحصون المنيعة، وكذلك كان اليهود أنفسهم في غاية الثقة بما هم عليه من الحصون، ((فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا)) أي: من جهة قلوبهم، فألقى الرعب في قلوبهم، ونصر نبيه ﷺ عليهم.
ثم قال الله تعالى بعد ذلك: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر:٦]، وذلك أن المسلمين تطلعوا إلى حظهم من هذا المال الذي غنموه من اليهود، فبين الله لهم وأفتاهم أن هذا إنما هو للرسول عليه الصلاة السلام خاصة يتصرف فيه بما يشاء، وليس غنيمة للمسلمين؛ لأنه لم يكن لهم أي فضل في إخراج اليهود، ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر:٦] أي: أنكم ما أسرعتم بالخيل، ولم تقاتلوا، ولم تفعلوا شيئاً، وسيأتي ذلك بتفصيل إن شاء الله تعالى.
إن السياق هنا في هذه السورة في شأن اليهود لعنهم الله، وهو يتفق مع السياق في سورة الأحزاب في شأن بني قريظة سواء بسواء، وذلك في قول الله ﵎: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب:٢٦ - ٢٧]، وعليه ظهرت حقيقة إسناد إخراجهم لله تعالى: ((فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ)).
كما أنه تعالى هو الذي ردَّهم فقال: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب:٢٥]، وذلك بما أرسل عليهم من الرياح والجنود، وهو الذي كفى المؤمنين القتال كما في قصة الأحزاب ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥]، وهو تعالى أيضاً الذي أنزل بني قريظة من صياصيهم، وأورث المؤمنين ديارهم وأموالهم، وكان الله على كل شيء قديراً، ورشح لهذا كله التذييل في آخر الآية.
أي: أن التذييل في آخر الآية هو الذي يقوي هذا المعنى من أن الإخراج في الحقيقة هو إخراج الله ، وقد يجعل الله بعض الأشياء في الظاهر هي سبب هذا الإخراج كالملائكة أو الريح كما حصل في غزوة الأحزاب، أو كإلقاء الرعب في قلوب اليهود لعنهم الله كما حصل في بني النضير.
ولذلك جاء التذييل هنا بقوله ﵎: ((فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ))، فهذا التذييل يطلب الاعتبار والاتعاظ بما فعل الله بهم، أي: اعتبروا واتعظوا بإخراج الذين كفروا من حصونهم وديارهم ونواصي قوتهم، ((مَا ظَن
стр. 2707
آثار الرعب وآثار الطمأنينة
قوله تعالى: ((وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ))، يقول الشيخ عطية سالم ﵀: منطوقه أن الرعب سبب من أسباب هزيمة اليهود، ومفهوم المخالفة يدل على أن العكس بالعكس، أي: أن الهزيمة تكون بسبب الرعب، وأيضاً فالطمأنينة التي هي ضد الرعب تكون سبباً من أسباب النصر كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥ - ٢٦].
ومنها قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٤٠]، فهذا الأمر لا شك أنه آية من آيات الله، وهذه الآية أيضاً دليل على هذا المعنى الذي نذكره وهو: أن السكينة سبب النصر، والرعب سبب الخوف، فاثنان أعزلان يتحديان قريشاً بكاملها بعددها وعُددها، فيخرجان تحت ظلال السيوف، ويدخلان الغار في سدفة الليل، وتأتي الأصنام على فم الغار بقلوب حانقة، وسيوف مصمتة، وآذان مرهفة، حتى يقول الصديق ﵁: والله يا رسول الله! لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا، فيقول النبي ﷺ وهو في غاية الطمأنينة والسكينة: (ما بالك باثنين الله ثالثهما!).
ووقع نفس الأمر أيضاً في غزوة بدر، قال الله ﵎: ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) [الأنفال:٩ - ١١] إلى آخره، وقد كان الإمداد بالملائكة؛ لتطمئن به قلوبهم، وإنزال النعاس بهم أمنة منه ﵎، وتم كل ذلك بما ربط على قلوبهم كما ربط على قلوب أهل الكهف: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف:١٤] إلى آخر الآية.
فهذه آثار الطمأنينة والسكينة والربط على القلوب التي نستدل عليها بمفهوم المخالفة في قوله هنا: ((فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ)).
وقد جمع الله المنطوق والمفهوم في قوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال:١٢]، فنص على الطمأنينة بالتثبيت في قوله: ((فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا))، ونص على الرعب فقال: ((سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ))، فكانت الطمأنينة تثبيتاً للمؤمنين، والرعب زلزلة للكافرين.
وفي حديث جبريل لما أمر النبي ﷺ بالتوجه إلى بني قريظة، قال: (إني متقدمكم لأزلزل بهم الأقدام)، وقال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥] * ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]، وهذا المعنى الذي ندندن حوله الآن هو أثر التأثير في الحالة النفسية والإيمانية والقلبية على الإنجاز في ساحة القتال، ومن ثَم نجد في الحروب الحديثة استخدام هذا السلاح، وكما هو معلوم أن السلاح ليس بذاته، وإنما هو بضاربه، وضاربه نفسه لا قيمة له إلا إذا كان عنده شجاعة وقوة وطمأنينة.
فالآن تجدون ما يسمى بالحرب الباردة، فإنهم يستخدمون الحرب النفسية، وذلك ببث الدعايات، وإلقاء المنشورات، ففي بعض الحروب تلقى منشورات تدعو الناس إلى الاستسلام، وإلى عدم المقاتلة، وأنهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً، وأنهم لا محالة مهزمون، فما عليهم إلا أن يستسلموا، وكذلك يلجأ إليها أيضاً المتصارعون في حلبات الملاكمة، فيلقي بعض التصريحات حتى يلقي الرعب في قلب من يريد أن يوهن عزيمته بالحرب الباردة.
ومن الحرب الباردة أيضاً ما سلكه أهل الكتاب: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران:٧٢ - ٧٣]، فهذه حرب نفسية أيضاً، وهي حرب باردة، فيأمرون بعضهم أن يدخل في الإسلام في أول النهار، ثم يرتد عنه في آخر النهار، ثم يقول: دخلنا في هذا الدين فما وجدنا فيه خيراً، وهذا نوع من الحرب النفسية، ففيه زلزلة قلوب المؤمنين.
ويقول الله ﵎ محذراً من هؤلاء، ومحذراً من هذا النوع من الحرب؛ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٨]، و ((الْمُعَوِّقِينَ)) هم المنافقون الذين يندسون وسط المسلمين، فيلقون فيهم الإرجاف والشبهات والتشكيك وروح الانهزامية، ولذلك حذر الله من الإنصات لهذا الإرجاف؛ لأن الإرجاف والتعويق والتثبيط له أثر خطير على المسلمين، يقول تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧].
ولما اشتد الأمر على المسلمين في غزوة الأحزاب، وبلغ الرسولَ ﵊ أن اليهود نقضوا عهدهم، أرسل إليهم من يستطلع له خبرهم، وأوصاهم إن هم رأوا غدراً ألا يصرحوا بذلك، أي: ألّا ينشروا الخبر في أوساط المسلمين، ولكن عليهم أن يعرِّضوا بالكلام ويلحنوا به لحناً؛ حفاظاً على طمأنينة المسلمين، وإبعاداً للإرجاف عن صفوفهم.
ثم بيّن الله أثر الدعاية الحسنة، والإعلام الخيّر في قوله ﵎: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ [الأنفال:٦٠]، فهذا وإن كان استعداداً مادياً إلا أن الهدف منه الإرهاب النفسي، فهذه حرب باردة أيضاً، وحصل بالفعل هذا الاستعداد، فخرج جيش أسامة بعد انتقال النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وعند تربص الأعراب، فكان لهذا الخروج الأثر الكبير في إحباط نواي المتربصين بالمسلمين، وقالوا: ما أنفذوا هذا البعث إلا وعندهم الجيوش الكافية، والقوة اللازمة.
وأيضاً ما أجراه الله في غزوة بدر كان من هذا القبيل، وهو أكبر دليل عملي، فقد قلل الله كل فريق في أعين الآخرين، يقول تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الأنفال:٤٣ - ٤٤].
وفاتنا أن ننبه على أمر يتعلق بقراءة قوله تعالى: ((يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ))، فعامة القراء قرءوها: ((يُخْرِبُونَ))، بالتخفف، من أخرب، أي: يهدمون، وقرأ السلمي والحسن ونصر بن عاصم وأبو العالية وقتادة وأبو عمرو: (يُخْرِّبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ) بالتشديد، من التخريب، قال أبو عمرو: إنما اخترت التشديد؛ لأن الخراب ترك الشيء خراباً بغير ساكن، وبنو النضير لم يتركوا خراباً وإنما خربوها بالهدم، ويؤيده قوله تعالى: ((بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ))، وقال آخرون: التخريب والإخراب بمعنى واحد، والتشديد بمعنى التخريب.
وقال الزهري وابن زيد وعروة بن الزبير: لما صالحهم النبي ﷺ على أن لهم ما أقلّت الإبل كانوا يستحسنون الخشبة والعمود، فيهدمون بيوتهم، ويحملون ذلك على إبلهم، ويخرب المؤمنون باقيها.
وعن ابن زيد أيضاً قال: كانوا يخربونها؛ لئلا يسكنها المسلمون بعدهم.
وهذا كما فعلوا في سيناء وغيرها، فأي مكان ينسحبون منه فإنهم يخربونه؛ حتى لا ينتفع بها م
стр. 2708
تفسير قوله تعالى: (ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا)
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ [الحشر:٣] أي: ولولا أنه قضى أنه سيجليهم عن دارهم، وأنهم سيبقون مدة فيؤمن بعضهم، ويولد لهم من يؤمن، فهذه حكمة استبقائهم، وأما غيرهم فقد أبيدوا وقتلوا.
﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ [الحشر:٣] أي: بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة، والجلاء: هو مفارقة الوطن، يقال: جلا بنفسه جلاء، وأجلاه غيره إجلاء، والفرق بين الجلاء والإخراج -وإن كان كلاهما فيه معنى الإبعاد- من وجهين: الأول: أن الجلاء يكون مع الأهل والولد، والإخراج: قد يكون مع بقاء الأهل والولد، أي: أنه ينفى ويبقى أهله وولده في البلد.
الفرق الثاني: أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإخراج يكون لواحد ويكون لجماعة، قاله الماوردي.
стр. 2709
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله)
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر:٤] أي: خالفوا الله ورسوله ﷺ فيما نُهوا عنه من الفساد ونقض الميثاق.
قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٤] أي: شديد العقاب له في الدنيا وفي الآخرة.
يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر:٤]، المشاقة: العصيان، ومنه شَقُّ العصا، بمعنى المخالفة، وهذا يدل على أن الله تعالى أوقع ما أوقعه ببني النضير من إخراجهم من ديارهم، وتخريب بيوتهم بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله، فالمشاقة المذكورة هي علة العقوبة الحاصلة بهم، ولا شك أن مشاقة الله ورسوله من أعظم أسباب الهلاك التخريب.
ويقول أيضاً: وهكذا اليهود، فإن داءهم الدفين هو الحسد والعجب بالنفس، فجرّهم إلى الكفر، ووقعوا في الخيانة، وكانت النتيجة القتل والطرد.
فمشاقة اليهود هذه هي من الإفساد في الأرض الذي نهاهم الله عنه، وعاقبهم عليه مرتين، وتهددهم إن هم عادوا للسالفة عاد للانتقام منهم، ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨]، ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا﴾ [الإسراء:٤ - ٧] أي: الثانية من المرتين، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء:٧] * ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨] أي: إن عدتم للإفساد في الأرض عدنا لتسليط عباد لنا أولي بأس شديد عليكم، فينتقمون منكم، وهاهم قد عادوا إلى الخيانات كما حصل منهم مع النبي ﵊، وشاقوا الله ورسوله، فسلط الله عليهم رسوله والمؤمنين.
فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ لم يبين هل عادوا للإفساد في المرة الثالثة أم لا، لكن هناك آيات أخرى تدل على أنهم عادوا فعلاً للإفساد، فقد عادوا للإفساد بتكذيب الرسول ﷺ ، وكتْم صفاته، ونقْض عهوده، ومظاهرة عدوه عليه، إلى غير ذلك من أفعالهم القبيحة، فعاد الله جل وعلا للانتقام منهم تصديقاً لقوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾، فسلط عليهم نبيه ﷺ والمسلمين، وجرى على بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع وخيبر ما جرى من القتل، والسلب، والإجلاء، وضرب الجزية على من بقي منهم، وضرب الذلة والمسكنة وغيرها، ومن الآيات التي تدل على أنهم عادوا للإفساد قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة:٨٩ - ٩٠]، فقال تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:١٣].
ومن الآيات التي تدل على أن الله عاد إلى الانتقام منهم لما عادوا إلى الإفساد بمحاولة اغتيال الرسول ﵊، ونقض العهود، وموالاة المشركين، والاتفاق السري مع المنافقين في المدينة، هذه الآيات التي في سورة الحشر: ((هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ)) إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧]، وقال تعالى أيضاً يبين أنه عاد إليهم بالانتقام لما عادوا إلى الإفساد: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨]، وقال: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب:٢٦ - ٢٧]، إلى آخر الآية.
فالمشاقة التي وقعت من اليهود تخالف المشاقة التي وقعت من غيرهم، فكان تخلف الحكم عمن شاقوا الله ورسوله من غير اليهود بسبب تخلف بعض العلة في الحكمين، فليس كل من شاق الله ورسوله يخاطب بهذا التقريع، لكن المقصود هنا أن اليهود صدرت منهم مشاقة تقتضي هذه العقوبات.
стр. 2710
تفسير قوله تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها)
قال الله ﵎: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر:٥].
(ما) في قوله: ((مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ)) في محل نصب مفعول به، والناصب له (قطعتم)، والمعنى: أي شيء قطعتم، فقد ترك النبي ﷺ على حصون بني النضير وهو غضبان عليهم حين نقضوا العهد بمعونة قريش عليه يوم أحد، فأمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فقام الصحابة بقطع هذا النخل بأمر الرسول ﵊، أو أنهم فعلوا ذلك وأقرهم عليه، وكان هذا الفعل إما لإضعاف اليهود وإلقاء الهيبة في قلوبهم، وإما لتوسيع المكان؛ حتى يتمكنوا من مقاتلتهم، فشق ذلك عليهم، فقال اليهود: يا محمد! ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح؟ أفمن الصلاح قطع النخل، وحرق الشجر؟ وهل وجدت في ما أنزل الله عليك إباحة الفساد في الأرض؟ فشق ذلك على النبي ﷺ ، ووَجد المؤمنون في أنفسهم حتى اختلفوا، فقال بعضهم: لا تقطعوا مما أفاء الله علينا، يعني: هذا النخل بكل الأحوال هو لنا، فإذا كان لنا فلماذا نقطعه؟! وقال بعضهم: اقطعوه؛ لنغيظهم بذلك، فنزلت الآية بتصديق من نهى عن القطع، وتحرير من قطع من الإثم، وذلك لبيان أن كل الفريقين اجتهد وأصاب، فأخبر أن قطْعه وترْكه إنما هو بإذن الله وإباحته ﵎، وهذا يرفع عنهم الشعور بالحرج.
قوله: ((مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ)) اللينة تطلق على كل النخل ما عدا العجوة، وقد كان هذا النخل في مكان يسمى البويرة، وهو بستان يقع في الجنوب الغربي من مسجد قباء.
وقال ابن كثير في قوله ﵎: ((مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ)) يعني بالإذن: القدري والمشيئة الإلهية، كما في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران:١٥٢]، إذاً: فـ ابن كثير يرى أن هذا الإذن إذن كوني قدري.
ويقول الشيخ عطية سالم ﵀: والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن الإذن المذكور في الآية هو إذن شرعي إرادي، وهو ما يؤخذ من عموم الإذن في قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، فيكون المقصود من قوله: (فبإذن الله)، أي: بإباحة الله لكم أن تغيظوا هؤلاء اليهود بحرق نخيلهم.
يقول: فلأن الإذن بالقتال إذن بكل ما يتطلبه القتال بناء على قاعدة الأمر بالشيء أمر به، وأن ما لا يتم إلا به فإنه يؤمر أيضاً به، والحصار نوع من القتال، ولعل من مصلحة الحصار قطع بعض النخيل؛ لتمام الرؤية، أي: أنهم قد يتخفون فيها ويفرون، فربما كانت هناك مصلحة في قطع النخيل؛ حتى تكون المنطقة مكشوفة فتسهل الرؤية، أو لإحكام الحصار عليهم، أو لإذلال وإرهاب العدو بحصاره، وإشعاره بعجزه عن حماية أمواله وممتلكاته، وقد يكون فيه إشارة له ليندفع بحمية للدفاع عن ممتلكاته وأمواله، فينكشف عن حقوله، ويسهل القضاء عليه، إلى غير ذلك من الأغراض الحربية التي أشار الله تعالى إليها بقوله: ((وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ)) أي: بعجزهم وإذلالهم وحسرتهم وهم يرون نخيلهم يقطع ويحرق فلا يملكون له دفعاً.
وعلى كل؛ فالذي أذن بالقتال، وسفك الدماء، وإزهاق الأنفس ألا يأذن بإحراق أموالهم، وما يترتب على هذا القتال من سبي وغنائم لا يمنع في مثل قطع النخيل إن لزم الأمر.
ويمكن أن يقال: إن ما أذن فيه رسول الله ﷺ فبإذن الله أذن، ويكون هذا قريباً مما فعل الخضر بالسفينة، ففي الظاهر أن الخضر كان يتلف السفينة، ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف:٧١]، مع أن الخضر أراد من خرقها أن يعيبها بإتلاف بعضها، ليستخلصها من التقاط الملك إياها، وقال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢].
واعترض أيضاً المشركون على المسلمين حينما حصل منهم القتال في شهر من الأشهر الحرم كما اعترض اليهود على المسلمين في قطع النخيل، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:٢١٧]، فتعاظم المشركون قتل المسلمين لبعض المشركين في وقعة نخلة، ولم يتحققوا دخول الشهر الحرام، أي: أن المسلمين لم يكونوا متثبتين من دخول الشهر الحرام، فاتُّهموهم بالاعتداء على حرمة الأشهر الحرم، ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ)) أي: تقاتلون أيها المسلمون! في الشهر الحرام؟ فأجابهم الله تعالى بموجب ما قالوا: بأن القتال في الشهر الحرام كبير، فقال: ((قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ)) أي: أنه أمر عظيم وخطير.
وهنا تنبيه وهو: أننا مقبلون في هذه الليلة على أول ليلة في شهر رجب، وهو من الأشهر الحرم، فينبغي الحذر الشديد من أي معصية؛ لأن الله سبحانه تعالى يقول: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦]، فينبغي الاحتراز الشديد من أي نوع من أنواع الظلم والمعاصي وخصوصاً القتال؛ مراعاة لحرمة الأشهر الحرم، فالمعاصي فيها قد تضاعف عقوبتها؛ لحرمة هذه الأشهر عند الله، وبسبب هجرنا الآن للتقويم الهجري فإن الناس لا يفرقون بين شهر الحرام وغيره، فالمؤمن الذي يفقه عن الله كلامه ينبغي أن يحترس في الأشهر الحرم عن أي معصية كما قال تعالى: ((فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ))، فالنهي عن ظلم النفس بالمعاصي وغيرها، وكذلك النهي عن ظلم الآخرين حاصل في كل وقت، لكنه يزداد حرمة بحرمة الزمان، كما في هذه الأشهر الحرم، فلنلتفت جميعاً إلى هذا المعنى.
يقول: فأجابهم الله تعالى بموجب ما قالوا: بأن القتال في الشهر الحرام كبير، ولكن ما ارتكبه المشركون من صد عن سبيل الله، والكفر بالله، والصد عن المسجد الحرام، وإخراج أهله منه أشد من القتال الذي ارتكبه المسلمون في الأشهر الحرام، والفتنة عن الدين أكبر من القتل الذي تستنكرونه من المسلمين.
وهكذا هنا أيضاً؛ فقد تعاظم اليهود على المسلمين قطع بعض النخيل، وعابوا على المسلمين إيقاع الفساد بإتلاف بعض المال، فكيف بغدرهم وخيانتهم ونقضهم للعهود؟ وكيف بممالأتهم على قتل الرسول ﷺ ، وقد سجل هذا المعنى كعب بن مالك وهو يذكر إجلاء بني النضير، وقتل ابن الأشرف فيقول: لقد خزيت بغدرتها الحبور كذاك الدهر ذو صرف يدور وذلك أنهم كفروا برب عظيم أمره أمر كبير وقد أوتوا معاً فهماً وعلماً وجاءهمُ من الله النذير إلى أن قال: فلما أشربوا غدْراً وكفراً وجد بهم عن الحق الثغور أرى الله النبي برأي صدق وكان الله يحكم لا يجور فأيده وسلطه عليهم وكان نصيره نِعم النصير إذاً: فالأقرب في الإذن بقطع النخيل أنه إذن شرعي، ويمكن أن يقال: هو عمل تشريعي إذا دعت إليه الحاجة.
قوله: ((مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ)) أي: من نخلة من نخيلهم؛ إغاظة لهم، ويطلق كما ذكرنا على النخل كله إلا العجوة، ((مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا)) أي: سواء ما قطعتم وما تركتم من النخيل، ((فَبِإِذْنِ اللَّهِ)) أي: بأمر الله ورضاه، وذلك ليس للعبث ولا للإضرار، بل لتأييد قوة الحق، وتصلب أهله، وإرهاب المبطلين وإذلالهم، كما قال تعالى: ((وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ))، لما فيه من إهانة العدو وإضعافه ونكايته.
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ذكر علماء الأخبار وأئمة السير أن سبب الأمر بجلاء بني النضير هو نقضهم العهد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: لما قدم النبي ﷺ المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام: قسم صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه، ولا يظاهروا ولا يوالوا عليه عدوه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم.
وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة.
وقسم تاركوه، فلم يصالحوه ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يئول إليه أمره وأمر أعدائه ﷺ .
ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن، ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه وانتصارهم، ومنهم من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه في الباطن؛ ليأمن الفريقين، وهؤلاء هم المنافقون، فعامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره به ربه ﵎، فصالح يهود المدينة، وكتب بينه وبينهم كتاب أمن، وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريضة، فكان بنو قينقاع أول من نقض ما بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وحاربوا فيما بين بدر وأحد، فحاصرهم النبي ﷺ ، ثم أمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، ثم نقض العهد بنو النضير، وذلك أن رسول الله ﷺ خرج إليهم يستعينهم في دية قتيلين من بني عامر، وجلس رسول الله ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم، فتآمروا على قتله ﷺ ، وأن يعلو رجل فيلقي صخرة عليه، فانتدب لذلك عمرو بن جحش بن كعب أحدهم، وصعد ليلقي عليه صخرة، فنزل الوحي على رسول الله ﷺ بما أراد القوم، فقام ورجع بمن معه من أصحابه إلى المدينة، وأمر بالتهيؤ لحربهم، ثم سار بالنا
стр. 2711
تفسير سورة الحشر [٦ - ٨]
стр. 2712
تفسير قوله تعالى: (وما أفاء الله على رسوله منهم)
قال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر:٦].
الضمير في قوله تعالى هنا: ((مِنْهُمْ)) يعود إلى بني النضير، والفيء: هو المال الذي يؤخذ من الكفار بدون قتال، سواء فروا وتركوه، أو أُجلوا عنه.
وقد قال بعض العلماء: إن كلمة الفيء معناها الرجوع، من فاء بمعنى رجع، والمعنى: أن هذا المال إنما خلقه الله ليعبد به، وليستعمل في طاعته وفيما أحله، لا فيما حرمه، فبما أن هذا المال رجع إلى المسلمين الموحدين المجاهدين، فقد رجع إذن إلى أهله الذين يستحقونه، ويستدل على ذلك بقرآن منسوخ وهو: (إنما أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة).
إلى آخره.
قوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ أي: لما كان إخراج اليهود مردُّه إلى الله تعالى بما قذف في قلوبهم من الرعب، وبما سلط عليهم رسوله ﷺ ، فكان هذا الفيء لرسول الله ﷺ لم يشاركه فيه غيره، ففي حادثة بني النضير لم يقاتل المسلمين قتالاً حقيقاً، وربما كانت هناك مبادئ قتال، إلا أنه لم يحصل قتال، فكان اليهود في غاية اليقين بأنهم مانعتهم حصونهم من الله، وكان المسلمون أنفسهم لا يؤمِّلون على الإطلاق أن يهزموا اليهود؛ لشدة منعتهم، وكثرة عدتهم وقوتهم، فهزمهم الله بأن قذف في قلوبهم الرعب، وبأن سلط عليهم رسوله ﷺ ، فهذا المال بالذات لا يقسم إلا وفق ما يشاءه النبي ﵌، فلم يشاركه فيه غيره.
قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في سورة الأنفال: اعلم أن النبي ﷺ كان يأخذ نفقة سنته من فيء بني النضير لا من الغنائم، وساق حديث أنس بن أوس المتفق عليه عن عمر بن الخطاب ﵁ في قصة مطالبة علي والعباس ميراثهما من رسول الله ﷺ ، وأنه قال لهما: إن الله كان خص رسوله ﷺ بهذا لشيء ولم يعطه أحداً غيره، فقال : ((وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ)) أي: لم تتعبوا أنتم فيه، ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر:٦]، والنبي ﷺ والله! ما احتجبها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، مع أن الله أباحها له، وفوض الأمر إليه، فقد أعطاكموها وبثها فيكم، ووزعها في المهاجرين حتى بقي منها هذا المال، فكان النبي ﷺ ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته، ثم يأخذ ما بقي فيجعله في الفقراء.
فكانت هذه خاصة بالرسول ﷺ ، ولكن جاء بعدها ما هو أعم من ذلك في قوله تعالى: ((مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى)) وهذا عام في جميع القرى، إلا أن الفيء الذي حصل من بني النضير خصوصاً كان خاصاً بالرسول ﷺ ، وهذه الآية مع عمومها مصدراً ومصرفاً فقد اشتملت على أحكام ومباحث عديدة.
فقوله هنا: ((وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ)) أي: ما أعاد عليه من أموال بني النضير، ((فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ)) أي: فما أجريتم على تحصليه خيلاً ولا ركاباً، ولا تعبتم في القتال عليه، والإيجاف مأخوذ من الوجيف، والوجيف: هو سرعة السير.
فقوله: ((فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ)) أي: ما أجريتم على تحصيله خيلاً ولا ركاباً، ولا تعبتم في القتال عليه، وإنما مشيتم إليه على أرجلكم، ولم تحتاجوا إلى أن تركبوا الخيل وتسرعوا بها، ولا إلى أن تبذلوا جهداً في ذلك، والإيجاف: من الوجيف، وهو سرعة السير، والركاب: ما يركب من الإبل، وقد غلب فيه كما غلب الراكب على مركوبه، ((وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ))، أي: من أهل الفساد والإفساد؛ ليقوم الناس بالقسط، ((وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)).
يقول الزمخشري: المعنى: أن ما خوّل الله رسوله من أموال بني النضير شيء لم يحصلوه من القتال والغلبة، ولكن سلطه الله عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم، فالأمر فيه مفوَّض إليه ﷺ يضعه حيث شاء، أي: أنه لا يقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها، وأخذت عنوة وقهراً، فلما طلبوا القسمة نزلت: ((مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ)) إلى آخره، وهذا الحكم عام في جميع القرى، لكن المعني به هنا حادثة بني النضير، فهو خاص بالنبي ﵌.
ويقول القرطبي في تفسير قوله تعالى: ((وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ)) يعني: ما رده الله على رسوله، وهي أموال بني النضير، ((فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ))، يعني: فما أوضعتم عليه، والإيجاف: هو الإيضاع في السير، أي: الإسراع في السير، يقال: وجف الفرس إذا أسرع، وأوجفته أنا أي: حركته وأتعبته، ومنه قول تميم بن مقبل: مذاويد بالبيض الحديد صقالها عن الركب أحياناً إذا الركب أوجفوا يعني: أسرع، والركاب: الإبل، واحدها راحلة.
يقول: لم تقطعوا إليها شقة، ولا لقيتم بها حرباً ولا مشقة، وإنما كانت من المدينة على ميلين، قاله الفراء، فمشوا إليها مشياً ولم يركبوا خيلاً ولا إبلاً، إلا النبي ﷺ فإنه ركب جملاً، وقيل: حماراً مخطوماً بليف، فافتتحها صلحاً وأجلاهم، وأخذ أموالهم، فسأل المسلمون النبي ﷺ أن يقسم لهم فنزلت: ((وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ)) إلى آخر الآية، فجعل أموال بني النضير للنبي ﷺ خاصة يضعها حيث شاء، فقسمها النبي ﷺ بين المهاجرين.
стр. 2713
تفسير قوله تعالى: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى)
قال الله ﵎: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧].
قوله: ((مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى)) أي: من أموال محاربيها، فهذا بيان للأول، فالآية الأولى فيها: ((وَمَا)) بالواو، والآية الثانية لما كانت بياناً للأولى لم يأت فيها الواو، فتأملوا ذلك.
قوله: ((فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً))، ((كَيْ)) أي: أن فيء بني النضير حقه أن يكون لمن ذكر، ((كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)) أي: يتداولونه وحدهم دون من هم أحق به، وهي دولة جاهلية؛ إذ كان من عوائدهم استئثار الرؤساء والأغنياء بالغنائم دون الفقراء، ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ)) أي: ما آتاكم الرسول من قسمة غنيمة أو فيء فخذوه، ((وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ)) أي: عن أخذه منها ((فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) أي: لمن خالفه إلى ما نهاه عنه.
يقول القرطبي في تفسير قوله تعالى: ((كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً))، وفي قراءة أخرى: (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةٌ) بالرفع، أي: كي لا تقع دولة، على أن (كان) تامة.
يقول القرطبي رحمه الله تعالى: وقال أبو عمرو بن العلاء: الدولة: الظَّفَر في الحرب وغيره، وهي المصدر، وبالضم: اسم الشيء الذي يُتَداول من الأموال، وقال أبو عبيدة: الدُّولة اسم الشيء الذي يتداول، والدَّولة الفعل، والمعنى: فعَلنا ذلك في هذا الفيء كي لا تقسمه الرؤساء والأغنياء والأقوياء بينهم دون الفقراء والضعفاء؛ لأن أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا أخذ الرئيس ربعها لنفسه، وهو المرباع، ثم ينتقي منها أيضاً بعد المرباع ما يشاء، وفيها يقول شاعرهم وهو عبد الله الضبي يخاصم بسطام بن قيس ويقول له: لك المرباع منها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول فالنشيطة: هي ما أصاب الرئيس في الطريق قبل أن يصل إلى مجتمع الحي، أي: قبل أن يرجع إلى البلد، والفضول: هو ما فَضُل من القسمة مما لا تصح قسمته على عدد الغزاة، كالبعير والفرس ونحوهما.
فالمقصود من قوله: ((كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً)) على هذا كي لا يُعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية، فجعل الله هذا لرسوله ﷺ يقسمه في المواضع التي أمر بها، وليس فيه خمس، فإذا جاء الخمس وقع بين المسلمين جميعاً.
وقد عقد الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى رحمة واسعة هنا بحثاً؛ لأن هذا الجزء من الآية له ذكريات، فقد كان في عهد عبد الناصر كل من يريد أن يتزلف إليه بمدح الاشتراكية والنظام الاشتراكي فإنهم يستشهدون بهذا الجزء من الآية: ((كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ))، فكانوا يتلقطون أشياء من الإسلام ويجعلون منها عباءة يتغطى بها الاشتراكيون، فالشاهد من الكلام: أن هذه المبادئ هي مبادئ الإسلام، وبعض الناس كانوا يقولون: إن أبا ذر هو أول شيوعي في الإسلام!! فهذا ديدن بعض الناس فإنهم يحاولون أن يلفقوا هذه المذاهب بالإسلام كنوع من الانهزامية، أو ربما أكره بعضهم على ذلك في وقت من الأوقات حتى ألف كتاب (اشتراكية الإسلام)، والشاعر الآخر يقول لهم: الاشتراكيون أنت إمامهم لولا دعاوى القوم والغلواء فلا نطيل في ذلك فقد عقد الشيخ عطية بحثاً طويلاً في الرد على هؤلاء الناس، ورد فيه على من كانوا يستدلون بهذا الجزء من الآية على إباحة العدوان على أموال الناس بالغصب والمصادرة ونحو ذلك، وهذا من شؤم عهد عبد الناصر، فكانت هناك محاربة للملكية الخاصة، وهناك ما سموه بالإصلاح الزراعي، وغير ذلك من ظلمه وعدوانه على ملكية الناس، فقد عقد بحثاً طويلاً في بيان أن الملكية الفردية محترمة في الإسلام، وما دام أن الإنسان يجلب هذا المال من الحلال، ويؤدي زكاته، فلا يجوز أن ينتزع منه قهراً وغصباً.
وأشار أيضاً إلى أن الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى ناقش هذه المسألة أيضاً في تفسير قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٢] رداً على هؤلاء الاشتراكيين، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل:٧١].
يقول الشيخ الشنقيطي ﵀: دلت هذه الآية الكريمة المذكورة هنا وهي قوله تعالى: ((نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا))، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل:٧١] ونحو ذلك من الآيات على أن تفاوت الناس في الأرزاق والحظوظ سنة من سنن الله السماوية الكونية القدرية.
وأقول: إن كلامنا الآن في هذا الموضوع لم تعد له فعالية كبيرة؛ لأن الزمن والأيام قد فضحت الشيوعية، وبينت إفلاسها، وأنها من أشد المذاهب عداوة للتراحم الإنساني، فهي توزع الفقر بالتساوي، وأما الرأسمالية فتترك بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء، وإن كانت أيضاً لها عوراتها وجرائمها، وفيها استعباد للناس، والإسلام بلا شك هو المنهج الوسط، والمنهج العدل.
يقول: فتفاوت الناس في الأرزاق والحظوظ سنة من سنن الله السماوية الكونية القدرية، فلا يستطيع أحد من أهل الأرض البتة تبديلها ولا تحويلها إلى وجه من الوجوه، يقول تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣]، وبذلك يتحقق أن ما تذرع به الآن الملاحدة المنكرون لوجود الله، ولجميع النبوات، والرسائل السماوية إلى ابتزاز ثروات الناس، ونزع ملكهم الخاص عن أملاكهم بدعوى المساواة بين الناس في معايشهم، أمر باطل لا يمكن بحال من الأحوال، مع أنهم لا يقصدون ذلك الذي يزعمون، وإنما يقصدون استئثارهم بأملاك جميع الناس؛ لينعموا بها، ويتصرفوا فيها كيف شاءوا، حتى نشأ ستار كثيف من أنواع الكذب والغرور والخداع، كما يتحققه كل عاقل مطلع على سيرتهم وأحوالهم مع المجتمع في بلادهم، فالطغمة القليلة الحاكمة، ومن ينضم إليهم هم المتمتعون بجميع خيرات البلاد، وغيرهم من عامة الشعب محرومون من كل خير، مظلومون في كل شيء حتى ما كسبوه بأيديهم، يُعلفون ببطاقة كما تعلف البغال والحمير، وقد علم الله جل وعلا في سابق علمه أنه سيأتي أناس يغتصبون أموال الناس بدعوى أن هذا فقير وهذا غني، وقد نهى جل وعلا عن اتباع الهوى بتلك الدعوى، وأوعد من لم ينته عن ذلك، فقال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء:١٣٥]، وهذا وعيد شديد تجده لمن فعل ذلك.
ثم يقول الشيخ عطية سالم: والحق أن الأرزاق قسمة الخلاق، فهو أرأف بالعباد من أنفسهم، وليس في خزائنه من نقص ولكنها الحكمة لمصلحة عباده، وفي الحديث القدسي المروي: (إن من عبادي لمَن يصلح له الفقر، ولو أغنيته لفسد حاله، وإن من عبادي لمَن يصلح له الغنى، ولو أفقرته لفسد حاله)، ولم يخرِّج الشيخ هذا الحديث.
فهو سبحانه يعطي بقدَر، ولا يمسك عن قَتَر، لكن مراعاة لما يصلح العباد، فالإنسان لا يدري ما الذي يصلحه.
وقوله تعالى: ((نَحْنُ قَسَمْنَا)) هذا الضمير للتعظيم والتفخيم، ((نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ)) أي: فلا مجال لتدخل المخلوق، ولا مكان لغير الله تعالى في ذلك، والقسمة إذا كانت من الله تعالى فلا تقوى قوة في الأرض على إبطالها، ثم إن واقع الحياة يؤيد ذلك، بل يتوقف عليه، كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف:٣٢]، وهؤلاء المعتدون على أموال الناس يعترفون بذلك، ويقرّون نظام الطبقات عمال وغير عمال إلى آخر.
يقول الشيخ: ولا دليل لهم في سورة الحشر وهي قوله تعالى: ((كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ))، ولا حق لهم فيما فعلوا في أموال الناس بهذا المبدأ الباطل، والله تعالى أعلم.
يقول الله ﵎: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧].
قال السيوطي في (الإكليل): استُدل بالآية على أن الفيء ما أخذ من الكفار بلا قتال وإيجاف خيل وركاب، ومنه ما جلوا عنه خوفاً، أي: أن الكفار إذا رأوا جيوش المسلمين ففروا وتركوا المال فهذا أيضاً يدخل في الفيء، والغنيمة ما أخذ منهم بقتال، كما قال تعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ))، خلافاً لمن زعم أنهما بمعنى واحد، أو فرق بينهما بغير ذلك الفرق.
وكأن الذي زعم أنهما بمعنى واحد رأى أن مجمل هذه الآية بينته آية الأنفال، حتى زعم قتادة أن هذه منسوخة بتلك، فقال فيما رواه عنه ابن جرير: كان الفيء في هؤلاء ثم نس
стр. 2714
تفسير قوله تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم)
قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر:٨].
يقول القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية الكريمة: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)) أي: الفيء والغنائم للفقراء المهاجرين.
وقيل: ((كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ))، ولكن يكون للفقراء المهاجرين.
وقيل: هو بيان لقوله تعالى: ((وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)) فلما ذكروا بأصنافهم قيل: المال لهؤلاء؛ لأنهم فقراء ومهاجرون وقد أخرجوا من ديارهم فهم أحق الناس به.
وقيل: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ)) للفقراء المهاجرين؛ لكيلا يكون المال دولة للأغنياء من بني الدنيا.
قول آخر: أن الآية التي قبلها تنتهي بقوله تعالى: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)) [الحشر:٧ - ٨] يعني: من أجل الفقراء المهاجرين أو بسبب الفقراء المهاجرين، أي: هو شديد العقاب لمن أخرجهم من ديارهم، ولمن آذاهم، والمهاجرون هنا: هم من هاجر إلى النبي ﷺ حباً فيه، ونصرة له.
قال قتادة: هؤلاء المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والأهلين والأوطان حباً لله ورسوله ﷺ ، حتى إن الرجل منهم كان يعصب الحجر على بطنه؛ ليقيم به صلبه من الجوع، وهذه طريقة من طرق تلافي الإحساس بالجوع، لأن الضغط بالحجر على المعدة يقلل حجمها فبالتالي لا يشعر الإنسان بالجوع، وهذه الطريقة موجودة حتى الآن بأجهزة حديثة لمحاولة علاج الذين يبتلون بالسمنة، فسبحان الله! هؤلاء يبحثون عن ربط هذه الأشياء على بطونهم من شدة الترف والسمنة، والمهاجرون الأولون كانوا يعصبونها لشدة الجوع والجهد الذي كانوا يلقونه رضي الله تعالى عنهم، فكان الرجل منهم يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها، قال عبد الرحمن بن أبزى وسعيد بن جبير: كان ناس من المهاجرين لأحدهم العبد والزوجة والدار والناقة يحج عليها ويغزو، فنسبهم الله إلى الفقر، وجعل لهم سهماً من الزكاة.
ومعنى قوله تعالى: ((أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ)) أي: أخرجهم كفار مكة، وذلك أنهم أحوجوهم إلى الخروج، وكانوا مائة رجل.
((يَبْتَغُونَ فَضْلًا وَرِضْوَانًا)) أي: من الله تعالى: ((وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) أي: في الجهاد في سبيل الله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] أي: في فعلهم ذلك.
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب بالجابية -وهي بلدة في دمشق- فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض -أي: المواريث- فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله تعالى جعلني له خازناً وقاسماً، ألا وإني بادٍ -أي: بادئ- بأزواج النبي ﵌ فمعطيهن، ثم المهاجرين الأولين أنا وأصحابي أخرجنا من مكة من ديارنا وأموالنا.
стр. 2715
تفسير سورة الحشر [٩ - ١٠]
стр. 2716
تفسير قوله تعالى: (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم)
قا الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].
قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ)) أي: توطنوا دار الهجرة وهي المدينة.
((وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) أي: من قبل مجيء المهاجرين إليهم، فالكلام هنا في الأنصار، وعطْف الإيمان على الدار بتقدير عامل، والعامل هنا فعل، أي: والذين تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان.
وقيل: استُعمل التبوّء في لازم معناه، وهو اللزوم والتمكّن، والمعنى: لزموا الدار والإيمان.
فالمقصود: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ)) أي: لزموا الدار، وهي دار الهجرة بالإقامة فيها والاستقرار، ولزموا أيضاً الإيمان بأن ثبتوا عليه ولم يتحولوا، وجُوَّز أيضاً تنزيل الإيمان منزلة المكان الذي يتمكن فيه، وكأن الإيمان نفسه مكان يستقر فيه الإنسان.
قوله: ((يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)) أي: لوجود الجنسية في الصفاء والموافقة في الدين والإخاء؛ وذلك لأن المحبة لا تكون إلا عن تناسب، وكلما كثرت وجوه المناسبة والائتلاف والتوافق ازدادت هذه المحبة، ومن ذلك قول الله ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]، فلم يجعل الله تعالى هؤلاء الأزواج من الجن مثلاً، أو من خلق غير الإنس، وإلا لما وجد هذا التناسب، فقوله: ((مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا)) يشير إلى هذا التناسب وهذه الموافقة، وكذلك كل محتابين تزداد المحبة بينهما كلما ازداد هذا التناسب والتوافق.
وكذلك هنا؛ فهؤلاء الأنصار إنما أحبوا المهاجرين لوجود أعظم أسباب الجنسية والتناسب والموافقة، ألا وهي أخوّة الإيمان.
((يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)) مع أنهم من غير بلادهم، ولا يكون ذلك إلا بسبب أخوّة العقيدة.
وتأملوا فيما حصل بعد ما يقارب خمسين سنة من الحرب العالمية الثانية، وما حصل من تقسيم برلين إلى نصفين، فحصل انقطاع بين الأسر في هذه المدة البعيدة، ثم بعد ذلك هللوا لتحطيم سور برلين وتوحيد ألمانيا، ولكن تعجب بعد ذلك مما فعلوه -كما سمعنا من بعض إخواننا ممن يقيمون في ألمانيا- فقد قيل: إن الذين كانوا في ألمانيا الشرقية التي ابتليت بالشيوعية ذهبوا وهرعوا عند ذلك إلى أقاربهم الذين هم من نفس الأسر في برلين الغربية، فما كانوا يفتحون لهم الأبواب أصلاً! ويرفضون أن يدخلوهم، ويردوهم عن أبوابهم كأنهم متسولون! وهذا شيء لا يستغرب في العلاقات الاجتماعية في الغرب، بل أوضاعهم أشنع من ذلك.
فالشاهد: أن الذي حدا بهؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم من الأنصار، وجعلهم يرحبون بإخوانهم المهاجرين ويؤثرونهم على أنفسهم، ولا يحسدونهم على نعمة أنعمها الله عليهم أو على عطاء قد خصوا به -إنما هو غاية الإيثار مع شدة الحاجة إلى هذه الأموال، وأخبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم في ذلك كثيرة مما لا تجد له مثلاً في التاريخ كله على الإطلاق، فلم يوجد جيل مثل هذا الجيل الفذ الذي رباه النبي ﷺ على عينه.
قوله: ((يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)) لوجود الجنسية -أي: التجانس-، والتوافق في الصفاء وطهارة القلوب، والموافقة في الدين والإخاء؛ لأن أقوى رابطة على الإطلاق هي رابطة الدين، فالله ربط المسلم بأخيه المسلم كما ربطت الكف بالمعصم، وكما ربطت القدم بالساق، كما قال النبي ﷺ (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) ونحن نعجب أشد العجب أنه في الوقت الذي يُنكَّل فيه الأقذار الأنجاس الأخباث أرذل خلق الله من اليهود -لعنهم الله بإخواننا المستضعفين، ونحن هنا نحتفل بالنصر عن طريق الأغاني والرقص وغيرها، فهل هذه هي المشاركة الإيمانية؟! فتجد برامج اللهو واللعب والكرة والعبث وإخواننا ينكَّل بهم على يد هؤلاء الأنجاس أخبث خلق الله من أحفاد القردة والخنازير وعبدة الطاغوت.
فما يحصل الآن مع الإخوة في فلسطين شيء لا يتصوره العقل، فأين حقوق الإنسان؟! وأين الأمم المتحدة؟! وأين هذا السراب كله؟! وأين أثر تلك الصورة التي يقولون: إنها هزت ضمير العالم؟ أعني صورة الأب وابنه اللذي كانا يحتميان وراء البرميل، فقتلوا الطفل الصغير عن سبق إصرار وتعمد، وهذا كان واضحاً في الصورة! مع أنه لم يشارك في المظاهرة، ولا كان يحمل سلاحاً ولا غيره!! وهكذا تقوم الطائرات المروحية بقصف الفلسطينيين بصواريخ مضادة للدبابات!! وكل ذلك يقوم به المجرم السفاح شارون، الذي هو مجرم دولي معروف، وهو الذي كان وراء مجزرة صبرة وشاتيلا، ومثل هؤلاء لا يقال عليهم: إرهابيون! لكن الإرهابية صارت حكراً على المسلمين إذا دافعوا عن دينهم وبلادهم وأوطانهم! فالله المستعان! فينبغي أن نتذكر ونحن نتكلم عن ترحيب الرعيل الأول والتعاطف والمجانسة والمناصرة التي كانت بين المهاجرين والأنصار؛ ما نحن عليه الآن، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ((يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا))، قال الشهاب: المراد بمحبة المهاجرين هنا مواساتهم، وعدم الاستثقال والتبرم منهم إذا احتاجوا إليهم، ((وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ)) أي: في أنفسهم: ((حَاجَةً)) أي: طلباً أو حسداً، ((مِمَّا أُوتُوا)) أي: مما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره؛ لسلامة قلوبهم وطهارتها عن دواعي الفرك، ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) أي: حاجة وفاقة.
стр. 2717
الإيثار في حظوظ النفس لا في الطاعات
يقول السيوطي في (الإكليل): في الآية مدح الإيثار في حظوظ النفس والدنيا.
وإنما قيد السيوطي مدح الإيثار بأن يكون في حظوظ النفس والدنيا؛ لأن الإيثار في الطاعات لا يمدح، بل نحن في الطاعات مطالبون بالتنافس والمسابقة، وقد عكس الناس الآن هذا الأمر، فصاروا يتنافسون في الدنيا ولا يتنافسون في الدين، والصواب أن يكون هناك إيثار في حظوظ الدنيا كما ستأتي آثار عن الصحابة وغيرهم رضي الله تعالى عنهم في ذلك، فتؤثر أخاك المسلم بالطعام وبالملبس وبالأموال وتواسيه بذلك، لكن إذا كانت هناك مسابقة في الآخرة فلا إيثار، فمثلاً تجد بعض المسلمين بسبب قلة الفقه في الدين كل واحد منهم يعزم على صاحبه أن يتقدم إلى الصف الأول فيقول له: تفضل تفضل، فيقول الثاني: لا، تفضل أنت!! فالطاعات ليس فيها إيثار؛ لأننا أمرنا بالتنافس في أمر الآخرة، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، ويقول النبي ﵊: (لو يعلم الناس ما في الأذان والصف الأول لاستهموا على ذلك)، أي: لحصل بينهم من المشاكل ما لا ينهيها إلا القرعة! وقد كان الصحابة يبتدرون السواري إذا أُذن لصلاة المغرب، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١]، ومعنى المسابقة أن كل واحد يريد أن يكون هو الأول، فكذلك المسابقة في أعمال الآخرة، فإنه يكره ولا يستحب الإيثار فيها، وقد اختلف أحد الصحابة مع ابنه فيمن يخرج للجهاد، وفيمن يمكث عند النساء والأولاد يرعاهم، فقال له ابنه: والله يا أبي! لولا أنها الجنة لآثرتك على نفسي!! فهكذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يفقهون هذا المعنى، فالإيثار إنما يكون في أمور الدنيا، وأما أمور الدين فلا، فمثلاً عندما تسمِّع القرآن على الشيخ لا تضحي بدورك وتعطيه لشخص آخر، بل تسابق ولا تتنازل عن دورك؛ لأن تنازلك هذا فيه معنى الإعراض والزهد في ذلك، فالإنسان في أمور الطاعات والعبادات لا يؤثر على نفسه؛ لأننا -كما قلنا- أمرنا بالتنافس في الآخرة، وأما أمور الدنيا وحظوظها من المال والطعام ونحو ذلك فهذا هو محل الإيثار المستحب؛ فلأجل هذا قال السيوطي هذه العبارة: في الآية مدح الإيثار في حظوظ النفس والدنيا.
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: هذا المقام أعلى من حال الذين وصفهم الله بقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:٨]، وقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة:١٧٧] إلى آخره، فهاتان الآيتان دلتا على أنهم يحبون ما تصدقوا به، وكقوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]، وقد لا يكون لهم حاجة إليه ولا ضرورة به، فهم يحبونه لكنهم غير محتاجين إليه، وليسوا في حالة اضطرار ولا فقر ولا عَوز، وأما هؤلاء المذكورون هنا في هذه الآية فإنهم آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وشدة الحاجة، فهم بلا شك يحبون هذا المال، لكن يزيدون على المذكورين في الآيات الأولى بأنهم محتاجون إلى هذا المال، فقد آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوا، ومن هذا المقام تصدُّق الصديق رضي الله تعالى عنه بجميع ماله، فقال له رسول الله ﷺ : (ما أبقيت لأهلك؟ فقال رضي الله تعالى عنه: أبقيت لهم الله ورسوله).
ومثل ذلك الماء الذي عرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك، فكان كل واحد منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه، وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء، فرده الآخر إلى الثالث فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم، ولم يشرب أحد منهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
стр. 2718
المعاملة بالمال تكشف حقيقة الإنسان
قوله تعالى: ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ)) يعني: فيخالفها فيما يغلب عليها من حب المال، وبغض الإنفاق، فالإنسان إذا ترك الأمر لنفسه فالنفس شحيحة في المال، والمال أعز شيء على الإنسان؛ ولذلك قال الله : ((إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا)) يعني: الأموال: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد:٣٧] فالمال يفضح الإنسان؛ ولذلك فإن أدق الموازين التي تستطيع أن تحكم به على خلق الإنسان وأمانته هو التعامل معه بالمال؛ ولذلك لا تشهد لأحد لم يتم بينك وبينه تعامل بالمال؛ لأن المال هو الذي يفضح النفوس؛ ولذلك كان الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى إذا قرأ هذه الآية من سورة القتال: ﴿وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٦] * ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ﴾ [محمد:٣٧] أي: يحرجكم، ((تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ)) قال: اللهم لا تبلنا! فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا.
فالشخص الذي تريد أن تحكم عليه، أو أن تعرف حقيقة أخلاقه وأمانته، إذا شهد له بحسن المعاملة في المال فهذا جزء كبير جداً من مقومات الشهادة له أو عليه؛ لأن المال هو الذي يخرج ضغائن النفس، والتنافس على المال هو سبب أكثر الصراعات بين الناس في هذه الدنيا، وهو السبب في قطع الأرحام، وفي الشحناء بين الناس، والبغي وغير ذلك مما يحصل، فلا تشهد لأحد إلا إذا كنت قد تعاملت معه بالمال، ولا تشهد لأحد إلا إذا سافرت معه؛ لأن الإنسان في الأحوال العادية يستطيع أن يضبط نفسه، ويتحكم في خلقه ودينه؛ لأنها معاملات مؤقتة، وتكون تحت جو من الرفاهية والراحة والاستيطان في بلده ووطنه، فهو يلقى أخاه أو صديقه ساعات ثم يفترقان وكل واحد في حاله، وأما في حال السفر وما يكون فيه من مشقة وعناء فإن هذا مما يكشف حقيقة أخلاق الإنسان، ولذلك سمي سفراً؛ لأنه يسفر ويكشف حقيقة أخلاق الإنسان، فمن عاشرته وتعاملت معه في السفر فهو الذي تستطيع أن تشهد له، وأما أن ترى رجلاً رائحاً غادياً إلى المسجد، وكل معلوماتك عنه أن يصلي في المسجد فهذه لا تكفي في الشهادة له بأكثر مما تراه، وبعض الناس يقول: هذا ملتحي! وكأن اللحية هذه ختم التوثيق، لا، فاللحية تساوي رجلاً في وجهه شعر فقط، لكن لا يلزم من وجودها أنه يكون شخصاً أميناً مثلاً!! لكن هذا يظن فيه بالذات في عصرنا هذا وفي مجتمعنا؛ لأن هذا سيترتب عليها ثمن ومعاناة واضطهاد وأشياء كثيرة، فمن ثبت عليه فهذه أمارة تدل على أنه متمسك بدينه، وهناك من قد يتخذ اللحية ليخدع الناس من أجل غرض دنيوي مثلاً؛ فلذلك قد يوجد شخص له لحية ومع ذلك يخون الأمانة.
إذاً: فلا تشهد لشخص في وجهه شعر أو ملتحٍ بأنه أمين أو غير ذلك، فتربية اللحية شيء وكونه يحافظ على الأمانة مثلاً شيء آخر، فالأمانة لها مقاييس أخرى.
فقوله: ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ)) أي: فيخالفها فيما يغلب عليها من حب المال، وبغض الإنفاق، ((فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) أي: الفائزون بالسعادتين، ونلاحظ هنا في قوله تعالى: ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ)) أن الوقاية من شح النفس ليست بيد وشطارة الإنسان، وليست بجهد منه، بل هي بتوفيق من الله ووقاية؛ ولذلك قال هنا: ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ))، فالله يحميه من شر نفسه، فإذا رفعت عنه عناية الله صدر عنها كل سوء وشر، ولولا عناية الله وحمايته وحفظه لعبده المؤمن لتصرف على مقتضى طبائع هذه النفس الشحيحة الضنينة البخيلة، ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ)) فيخالفها وخصوصاً في جانب المال، فإنه يغلب عليها حب المال، وبغض الإنفاق، ((فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) أي: الفائزون بالسعادتين.
стр. 2719
خطورة الشح
إنّ إضافة الشح إلى النفس كما في قوله تعالى أيضاً: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨]، وفي قوله: ((شُحَّ نَفْسِهِ)) إشارة إلى أن النفس مأوى كل شر ووصف رديء، وموطن كل رجس وخلق دنيء، والشح من غرائزها المعجونة في طينتها؛ لملازمتها الجهة السفلية، ومحبتها الحظوظ الجزئية، فلا ينتفي منها إلا عند انتفائها، ولكن المعصوم من تلك الآفات والشرور من عصمه الله .
يقول ابن جرير: الشح في كلام العرب: البخل ومنع الفضل من المال.
وعن ابن زيد قال: ومن وقي شح نفسه فلم يأخذ من الحرام شيئاً ولم يقربه، ولم يدعه الشح أن يحبس من الحلال شيئاً فهو من المفلحين.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الفحش؛ فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، وإياكم والشح؛ فإنه أهلك من قبلكم، أمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا).
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبداً، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبداً) أي: أن صفة الشح تتنافى مع صفة الإيمان وتضادها.
يقول القرطبي في قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ)): لا خلاف أن الذين تبوءوا الدار هم الأنصار الذين استوطنوا المدينة قبل المهاجرين إليها، ((وَالإِيمَانَ)) نصب بفعل غير تبوأ، أي: استوطنوا الدار، وهي دار الهجرة، (والإيمان) أي: وأخلصوا الإيمان، أو ولزموا الإيمان، يقول: لأن التبوء إنما يكون في الأماكن، لكن الإيمان ليس بمكان، ((مِنْ قَبْلِهِمْ))، والمعنى: والذين تبوءوا الدار من قبل المهاجرين، واعتقدوا الإيمان وأخلصوه؛ لأن الإيمان ليس بمكان يتبوأ، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس:٧١] أي: فأجمعوا أمركم، وادعوا شركاءكم، وهذا كله من باب قولهم في الشاهد المشهور في الشواهد العربية: علفتها تبناً وماءً بارداً، أي: علفتها تبناً، وسقيتها ماءً بارداً، فهذا من أساليب اللغة العربية، ويجوز حمله على حذف المضاف كأنه قال: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ، ومواضع الإيمان، أو لزموا الدار، ولزموا الإيمان فلم يفارقوهما.
ويجوز أن يكون (تبوأ الإيمان) على طريق المثل كما تقول: تبوأ من بني فلان الصميم، والتبوّء: التمكن والاستقرار، وليس يريد أن الأنصار آمنوا قبل المهاجرين، بل أراد أنهم آمنوا قبل هجرة النبي ﷺ إليهم، ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) أي: من قبل هجرة النبي ﵊ إليهم.
стр. 2720
هل هذه الآية معطوفة على ما قبلها أم مقطوعة ؟
اختلف المفسرون هل هذه الآيات مقطوعة عما قبلها أو معطوفة عليها، فقال بعضهم: إنها معطوفة على قوله تعالى: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ))، وإن الآيات التي في الحشركلها معطوفة بعضها على بعض، ولو تأملوا ذلك وأنصفوا لوجدوه على خلاف ما ذهبوا إليه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢] إلى قوله تعالى: ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر:٥] , فأخبر عن بني النضير وبني قينقاع، ثم قال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحشر:٦]، فأخبر أن ذلك الفيء هو للرسول ﷺ خاصة؛ لأنه لم يوجف عليه حين خلوه، وما تقدم فيه من القتال وقطع الشجر منه فقد كانوا رجعوا عنه، وانقطع ذلك الأمر، وقد سبق أن شرحنا ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر:٧]، وهذا كلام غير معطوف على الأول بل هو كلام مستأنف، وكذلك أيضاً قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ)) هو ابتداء كلام في مدح الأنصار والثناء عليهم، فإنهم سلموا ذلك الفيء للمهاجرين، وكأنه قال: الفيء للفقراء المهاجرين، ثم استأنف مدح الأنصار فقال: وأما الأنصار فإنهم يحبون هؤلاء المهاجرين، ولم يحسدوهم على ما صفى لهم من الفيء.
وكذلك أيضاً قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ))، وهذا ابتداء كلام، والخبر: ((يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ))، فالراجح أن آيات سورة الحشر ليست معطوفة.
وقال مالك بن أوس: قرأ عمر بن الخطاب ﵁ هذه الآية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة:٦٠] فقال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١] فقال: هذه لهؤلاء، ثم قال: ((وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ)) حتى بلغ: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ))، ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ))، ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ))، ثم قال: لأن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير -وهي: منازل حمير بأرض اليمن، والسرو من الجبل: ما ارتفع عن مجرى السيل، وانحدر عن غلظ الجبل- ليأتين الراعيَ وهو بسرو حمير نصيبُه منها لم يعرق فيها جبينه.
وقيل: إنه دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم فيما فتح الله عليه من ذلك، وقال لهم: تثبتوا الأمر وتدبروه ثم اغدوا عليّ، ففكر في ليلته فتبين له أن هذه الآيات أنزلت في ذلك، فلما غدا عليهم قال: قد مررت البارحة بالآيات التي في سورة الحشر وتلا: ((مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى)) إلى قوله: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ))، فلما بلغ قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] قال: ما هي لهؤلاء فقط، وتلا قوله: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) إلى قوله: ((رَءُوفٌ رَحِيمٌ))، ثم قال: ما بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك، وذلك لأن اللفظ على هذا التفسير فيه عطف في هذا الجزء، أي: أنه جعل مال الفيء مستحقاً لثلاث طوائف وهي: المهاجرون والأنصار، ثم من يأتي بعد المهاجرين والأنصار بشرط أن يحب المهاجرين والأنصار، فدل هذا على أن المبغضين للصحابة رضي الله تعالى عنهم لا حظ لهم في ذلك الفيء.
وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر ﵁ قال: لولا من يأتي من آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر.
стр. 2721
المفاضلة بين مكة والمدينة
من المسائل المعروفة التي هي محل نزاع بين العلماء: مسألة التفضيل بين مكةوالمدينة، يقول ابن وهب: سمعت مالكاً يذكر فضل المدينة على غيرها من الآفاق، فقال: إن المدينة تبوأت بالإيمان والهجرة، وإن غيرها من القرى افتتحت بالسيف، ثم قرأ: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)) وهذه المسألة لها موضع آخر تناقش فيه، وليس الوقت وقت التفصيل فيها، وفي المقابلة بين مكة والمدينة، وهناك قدر متفق عليه بين أصحاب القولين وهو: أن أفضل بقعة على وجه الأرض هي البقعة التي ضمت الجسد الشريف؛ جسد الرسول ﷺ ، وهذه مسألة أخرى غير مسألة تفضيل الحرم المكي على الحرم المدني، فأطهر وأشرف بقعة على وجه الأرض هي البقعة التي ضمت جسد الرسول ﵊، وفي ذلك يقول الشاعر: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه الفداء وفيه الجود والكرم قوله تعالى: ((وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا)) أي: لا يحسدون المهاجرين على ما خُصُّوا به من مال الفيء وغيره، فقد ذكرنا سابقاً أن هذا المال كان لرسول ﵊ خاصة يتصرف فيه كيف يشاء، وذكرنا العلة: ((فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ))، فقسمه النبي ﷺ في فقراء المهاجرين، وأعطى اثنين من الأنصار اشتكيا الفاقة، فقوله هنا: ((وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا)) أي: لا يحسدونهم على اختصاصهم بمال الفيء وغيره.
وقيل في تفسيرها: يقدر فيها حذف مضافين، أي: ولا يجدون في صدورهم مس حاجة من فقد ما أوتوا، وكل ما يجد الإنسان في صدره مما يحتاج إلى إزالته فهو حاجة، وكان المهاجرون في دُور الأنصار، فلما غنم النبي ﷺ أموال بني النضير دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم في منازلهم، وإشراكهم لهم في أموالهم، ثم قال: (إن أحببتم قسمت ما أفاء الله علي من بني النضير بينكم وبينهم، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم فخرجوا من دوركم، فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ ﵄: بل نقسمه بين المهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا، ونادت الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : اللهم ارحم الأنصار! وأبناء الأنصار) رضي الله تعالى عنهم، وقال أيضاً في الأنصار: (آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بعض الأنصار)، وأعطى رسول الله ﷺ المهاجرين، ولم يعط الأنصار شيئاً إلا من ذكرنا من قبل.
стр. 2722
من الصور المشرقة في الإيثار
قوله تعالى: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ))، جاء في الترمذي عن أبي هريرة ﵁: (أن رجلاً بات به ضيف فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نوَّمي الصبية، وأطفئي السراج، وقربي للضيف ما عندك، فنزلت هذه الآية: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ))) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وخرجه مسلم أيضاً.
وخرج أيضاً عن أبي هريرة رضي عنه قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني مجهود -أي: متعب من شدة الجوع والفقر- فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق! ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى الأخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق! ما عندي إلا ماء، فقال: من يضيف هذا الليلة ﵀، فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله! فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني، قال: فعلليهم بشيء -أي: أشغليهم ووليهم عن الجوع بشيء آخر-، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل -لأن الطعام لا يكفي الثلاثة- قال: فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح غدا على النبي ﷺ فقال النبي ﷺ ، قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة).
وفي رواية عن أبي هريرة قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ليضيفه، فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال: ألا رجل يضيف هذا ﵀؟ فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة فانطلق به إلى رحله) وساق نحو الحديث، وذكر فيه نزول هذه الآية.
وذكر المهدوي عن أبي هريرة: أن هذا نزل في ثابت بن قيس ورجل من الأنصار نزل به ثابت يقال له: أبو المتوكل، فلم يكن عند أبي المتوكل إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: أطفئي السراج، ونومي الصبية، وقدم ما كان عنده إلى ضيفه، وهكذا ذكر النحاس.
وقيل: إن فاعل ذلك أبو طلحة رضي الله تعالى عنه، وقال ابن عمر: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ رأس شاة، فقال: إن أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منا فبعثه إليه، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداوله سبعة أبيات حتى رجعت إلى أولئك.
أي: ظل كل واحد يقع في يده يقول: أخي أو جاري أحوج إليه مني فيعطيه إياه، والثاني يقول نفس الشيء، فطاف على سبعة أبيات، حتى رجع إلى الأول فنزل قوله تعالى: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)).
وعن أنس قال: أهدي لرجل من الصحابة رأس شاة وكان مجهوداً فتوجه به إلى جار له فتداولته سبعة أنفس في سبعة أبيات، ثم عاد إلى الأول فنزلت: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ)).
وفي الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى عنه: (أن الرجل كان يجعل للنبي ﷺ المخلاف من أرضه حتى فتحت عليه قريظة والنضير، فجعل بعد ذلك يرد عليه ما كان أعطاه)، وهذا لفظ مسلم.
وقال الزهري عن أنس بن مالك ﵁: لما قدم المهاجرون من مكة إلى المدينة قدموا وليس بأيديهم شيء، وكان الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن يعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام ويكفونهم العمل والمئونة، وكانت أم أنس بن مالك تدعى أم سليم، وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة، وكان أخاً لـ أنس لأمه، وكانت أعطت أم أنس رسول الله ﷺ عذاقاً لها -أي: نخلة- فأعطاها رسول الله ﷺ أم أيمن مولاته، وهي أم أسامة بن زيد.
قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك: (أن رسول ﷺ لما فرغ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم، قال: فرد رسول الله ﷺ إلى أمي عذاقها، وأعطى رسول الله ﷺ أم أيمن مكانهن من حائطه).
стр. 2723
مدح التنافس في الآخرة وذمه في أمور الدنيا
قال القرطبي ﵀ عند تفسير هذه الآية: الإيثار: هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الدينية.
وهذا كما قلنا من قبل: إن الإيثار يكون في الحظوظ الدنيوية؛ رغبة في الثواب وفي الحظ الأخروي، لذلك؛ فإن الحظ الأخروي ليس محل إيثار، بل هو محل تنافس، والتنافس في الدنيا مذموم، وأما التنافس الأخروي فمأمور به؛ لأن الدنيا ضيقة تضيق على أصحابها، فمن ثم يتنافسون فيها، وأما الآخرة فواسعة، والجنة واسعة عرضها كعرض السموات والأرض، وأدنى أهل الجنة منزلة له مثل ما في الأرض مرتين، فالجنة واسعة جداً، فمن ثَم فالتنافس على الجنة لا يورث البغضاء، بل العكس فإن المؤمن يحب للناس كلهم أن يكونوا مثله في الإيمان والعمل الصالح، إلا شواذ من الناس قد يحصل على الأمور الدينية وهو في هذه الحالة لا يحصل على الدين وإنما في الغالب يحصل على الدنيا، ومتى ما دخلت الحظوظ في الأعمال الدينية خرجت إلى التنافس على الدنيا كالتنافس على الشهرة والجاه وغيرها، فهذه دنيا في أمور وليست في أمور الدين، فالمفروض أنك تحب للآخرين أن يكونوا أيضاً طائعين لله ، وهذه هي نفسية الداعية الذي يدعو الناس ويرشدهم إلى الخير؛ لأنه يحب لهم هذا الخير ويرجو لهم النجاة في الآخرة، فقد توجد في بعض طلبة العلم نوع من الأنانية أو الأثرة، فمثلاً قد يكون أخوه في حاجة ماسة إلى الكتاب وهو يخفيه عنه ولا يدله عليه، هذا نوع من الأنانية والأثرة التي لا تليق بطالب علم، وهذا خروج من التنافس على الطاعات إلى التنافس على حظوظ الدنيا، فينبغي إحياء خلق الإيثار وبالذات في الحظوظ، فمتى ما أحسست أن أي أخ لك في الله، أو زميل لك في العمل، أو زميل في الدراسة يحتاج إلى مذكرات، أو يحتاج إلى كتب، أو يحتاج إلى نصيحة، واطلعت أنت على شيء مما يفيده وهو لم يطلع عليه فلا تكتم عنه هذا الشيء، بل ينبغي أن نعيد سيرة السلف في الإيثار وعدم حجب أي شيء عن المؤمن إذا كان ينفعه.
يقول القرطبي: الإيثار: هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية؛ رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة، يقال: آثرته بكذا أي: خصصته به وفضلته، ومفعول الإيثار محذوف: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ)) يعني: يؤثرونهم على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم لا عن غنىً، بل مع احتياجهم إليها.
стр. 2724
سخاء أم المؤمنين عائشة ﵂
جاء في موطأ مالك: أنه بلغه عن عائشة زوج النبي ﷺ : أن مسكيناً سألها وهي صائمة، وليس في بيتها إلا رغيف، فقالت لمولاة لها: أعطيه إياه، فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه، فقالت: أعطيه إياه، قالت: ففعلت، قالت: فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت -أو إنسان- ما كان يهدى لنا شاة وكفنها -أي: أن الشاة كانت ملفوفة بالرغف- فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت -أو إنسان- ما كان يهدى لنا شاة وكفنها، فدعتني عائشة فقالت: كُلي من هذا، فهذا خير من قرصك، أي: القرص الذي كانت أعطته.
ففي هذا أن عائشة كانت قوية التوكل على الله ، وأن الله عوضها وأبدلها خيراً مما بذلته لوجه الله ، ورزقها من حيث لا تحتسب.
يقول القرطبي: قال علماؤنا هذا من المال الرابح، والفعل الزاكي عند الله تعالى، يعجل منه ما شاء، ولا ينقص ذلك مما يدخر عنه.
يعني: أن مثل هذا الفرج هو سنة ماضية من سنن الله ، فمن أعطى شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، ومع ذلك فإن هذا لا ينقص شيئاً من أجره المدخر على ما أنفقه في سبيل الله ﵎، ومن ترك شيئاًَ لله لم يحسن بفقده؛ لأن الله أن يعقبه غنى النفس وهو أعلى درجات الغنى على الإطلاق، وإما أن يعقبه ما هو خير منه، وهناك كتاب مؤلف يحتوي على من بذل شيئاً لله فعوضه الله خيراً منه، وهناك كتب كثيرة جداً في هذا المجال.
وعائشة رضي الله تعالى عنها في شأنها هذا من الذين أثنى الله عليهم بأنهم يؤثرون على أنفسهم مع ما هم فيه من الخصاصة، وأن من فعل ذلك فقد وُقي شح نفسه، وأفلح فلاحاً لا خسارة بعده، وفي بعض المناسبات الأخرى: أن عمر بعث إليها بعشرة آلاف من الدراهم، فأخذت تأمر الخادمة أن توزع: أعطي آل فلان، وأعطي بني فلان، فوزعته حتى لم تُبقِ درهماً واحداً، فلما أتى وقت إفطارها لم تجد شيئاً تفطر عليه، فقالت لها الخادمة: هلا استبقيت لنا مالاً نشتري به شيئاً نفطر عليه؟ فقالت لها: لا تعنفيني أو لا توبخيني، لو أذكرتني لفعلت.
فهكذا عائشة رضي الله تعالى عنها، فذلك الجوع والنصب قد انتهى، فليست الآن حية حتى تعاني منه، لكنها إن شاء الله الآن في نعيم لا ينقطع، ورضا من الله ، فهكذا العمل الصالح يُذهب النصب، ويبقى الأجر والنعيم، بخلاف السيئات.
يقول: ومعنى: شاة وكفنها: أن العرب أو بعض وجوه العرب كان هذا من طعامهم، فيأتون إلى الشاة أو الخروف إذا سلخوه فيغطونه كله بعجين البر ويكفنونه به، ثم يعلقونه في التنور، فلا يخرج من ودكه شيء إلا في ذلك الكفن، وذلك من طيب الطعام عندهم.
стр. 2725
سخاء بعض الصحابة
روى النسائي عن نافع: أن ابن عمر ﵄ اشتكى واشتهى عنباً فاشتري له عنقود بدرهم، فجاء مسكين فسأل فقال: أعطوه إياه، قال: فخالف إنسان فاشتراه بدرهم، ثم جاء به إلى ابن عمر، فجاء المسكين فسأل، فقال: أعطوه إياه، ثم قال: فخالف إنسان فاشتراه بدرهم، ثم جاء به إليه، فأراد السائل أن يرجع فمُنع، ولو علم ابن عمر أنه ذلك العنقود ما ذاقه؛ لأن ما خرج لله لا يعود فيه.
وذكر ابن المبارك بسنده عن مالك الدار أن عمر بن الخطاب ﵁ أخذ أربع مائة دينار فجعلها في صرة، ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ﵁، ثم تلكأْ ساعة في البيت، -أي: أنه أمر الخادم أنه يتلكأ في البيت- ثم تلكأْ ساعة في البيت حتى تنظر ماذا يصنع بها، فذهب بها الغلام إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية! اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى انفذها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، فوجده قد أعد مثلها لـ معاذ بن جبل فقال: اذهب بهذا إلى معاذ بن جبل وتلكأْ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع، فذهب بها إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: ﵀ ووصله، وقال: يا جارية! اذهبي إلى بيت فلان بكذا، وبيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ فقالت: ونحن والله! مساكين فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلا دينارين قد جاء بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، فسر بذلك عمر وقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
ونحوه عن عائشة ﵂ في إعطاء معاوية إياها وكان عشرة آلاف، وكان المنكدر هو الذي دخل عليها.
стр. 2726
حكم التصدق بجميع ما يملكه الإنسان
فإن قيل: قد وردت أخبار صحيحة في النهي عن التصدق بجميع ما يملكه المرء، قيل: إنما كُره ذلك في حق من لا يوثق منه الصبر على الفقر، وخاف أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه، فأما الأنصار الذين أثنى الله عليهم بالإيثار على أنفسهم فلم يكونوا بهذه الصفة، بل كانوا كما قال الله : ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة:١٧٧]، فكانوا يصبرون على الفقر ولا يلجئون إلى سؤال الناس، وكانوا لا يتسخطون في الصبر على الفقر، وكان الإيثار فيهم أفضل من الإمساك، والإمساك لمن لا يصبر، ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار، فالذي لا يضمن نفسه ويخشى ألا يصبر، أو أنه سيتعرض لسؤال الناس فإنه يترك في جيبه ما يغنيه عن ذلك، لكن إن كان على ثقة من أنه سيصبر، ففي هذه الحالة له أن يتصدق بما فضل عن النفقة الواجبة عليه، فلا يتصدق بكل ماله ويترك أولاده مثلاً جوعى وعراة ولا ينفق عليهم، ثم يضطر للسؤال بعد ذلك؛ لأن الله قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩]، والعفو: هو ما فضل وما زاد عن النفقة الواجبة.
وروي: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ بمثل البيضة من الذهب، فقال: هذه صدقة، فرماه بها وقال: يأتي أحدكم بجميع ما يملكه فيتصدق به، ثم يقعد يتكفف الناس؟)، والله تعالى أعلم.
стр. 2727
أعلى درجات الإيثار: الإيثار بالنفس
يقول القرطبي رحمه الله تعالى: والإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال وإن عاد إلى النفس، يعني: أن المال لا يراد لذاته، وإنما يراد لإشباع حاجات النفس من الطعام أو الكسوة أو غيرها، لكن أقوى من ذلك الإيثار بالروح وبالنفس، وقد رأيتم صورة الأخ الفلسطيني وهو يذب عن ابنه، وهو شيء لا يستغرب ففيه حنان الأبوة وإيثارها، فالرجل كان هو وابنه قاعدين على الأرض في العراء إلى جانب برميل، وقد ضم الولد إليه، واليهود لعنهم الله وأذلهم، ونكس راياتهم وراية من يوالونهم يضربون النار بصورة متتابعة على المكان، والمكان خالٍ تماماً!! وهما بعيدان تماماً عن المظاهرة!! وهذا من جبن اليهود ونتنهم، فهم قد علو في الأرض وأفسدوا فيها كما أخبر الله ، وكانوا قبل هذا يستعملون الرصاص المسمى الرصاص المطاطي، وأما الآن فيستخدمون رصاصات تدخل داخل الجمجمة ثم تنفجر، وهذه محرمة دولياً، ومع ذلك فإنهم يضربون بها المدنيين، فهل هذه أخلاق الرجال؟! وهل هذا ما يسمونه بحقوق الإنسان: أن يُضرب هؤلاء المدنيون الذين لا يملكون إلا الحجارة من قبل هؤلاء الأنذال أخس خلق الله لعنهم الله بالصواريخ والدبابات والطايرات الهيلوكبتر.
والشاهد منظر الأخ الفلسطيني وهو يذب عن الولد ويحاول أن يحميه بقدر الاستطاعة، ثم إذا بالرصاصة تصيب قدم الطفل ابن اثني عشر سنة ويتمدد على الأرض بعد أن قتله اليهود، والصورة الأخيرة للأب وقد أغمي عليه من الذهول من هذا الموقف، فهذه الصورة التي هزت ضمير العالم! أهي أول مرة يحصل ذلك بضمير العالم؟! إن المسافر والذاهب إلى إمريكا قد يسمع أصوات سيارات الإسعاف فيجد المرور متوقفاً، ويرى حالة من الفزع لا تتصور، ويرى التحقيقات والتدقيقات من أجل قطة صدمت بالسيارة! فيا لها من رحمة ورقة؟! هكذا تكون رقة القلب الأوروبي الرحيم مع القطط والكلاب!! وقد تصل إلى أن يستعملوا الطيارات أحياناً لإنقاذ طائر محبوس في مكان معين! وهكذا تفيض قلوبهم رقة على هذه الأشياء، وتجد الملايين من الدولارات تكتب في الميراث للكلاب، فالرجل عندهم قد يخلف الملايين من الدولارات، فيكتبها ميراثاً للكلب، ويحرم أولاده من صلبه! فالذي حصل من هذا الأخ الفلسطيني هي صورة من صور الإيثار بالنفس، وهذا من رحمة الأبوة التي وضعها الله في قلوب الخلق بجانب أخلاق الإيمان والإسلام، وهذا لا يستغرب في تراثنا، وكذلك الأم دائماً تضحي من أجل ابنها، وقد تغرق هي حتى ينجو كما هو مذكور في كثير من القصص.
إن الإيثار بالنفس أقوى من الإيثار بالمال قال الشاعر وهو ابن الوليد: تجود بالنفس إذ أنت الضنين بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود ومن العبارات الرشيقة في تعريف المحبة: أنها الإيثار، يقول: ألا ترى أن امرأة العزيز لما تناهت في حبها ليوسف ﵇ آثرته على نفسها فقالت: ﴿أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٥١] وأفضل الجود بالنفس ما يجود فيه الإنسان بالنفس لحماية رسول الله ﷺ ، وهذا الشيء كان في الصحابة معروفاً، وهذا أعلا أو أغلا ما يبذله الإنسان أن يفدي رسول الله ﵊ بنفسه.
ففي الصحيح: (إن أبا طلحة ترس على النبي ﷺ يوم أحد) أي: أنه جعل جسده مثل الترس أمام الرسول ﵊، حتى إذا جاء سهم أصابه هو وبخا الرسول ﵇.
يقول: ففي الصحيح: (أن أبا طلحة ﵁ ترس على النبي ﷺ يوم أحد وكان النبي ﷺ يتطلع ليرى القوم، فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يا رسول الله! لا يصيبونك، نحري دون نحرك، ووقى بيده رسول الله ﷺ فشلت يده رضي الله تعالى عنه).
وقال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ومعي شيء من الماء وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته فإذا أنا به، فقلت له: أسقك؟ فأشار برأسه: أن نعم، فإذا أنا برجل يقول: آه آه، فأشار إلي ابن عمي: أن انطلق إليه فإذا هو هشام بن العاص فقلت: أسقيك؟ فأشار: أن نعم، فسمع آخر يقول: آه آه، فأشار هشام: أن انطلق إليه، فجئته فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات.
وقال أبو يزيد البسطامي: ما غلبني أحد ما غلبني شاب من أهل بلخ قدم علينا حاجاً، فقال لي: يا أبا يزيد! ما حد الزهد عندكم؟ فقلت: إن وجدنا أكلنا وإن فقدنا صبرنا، فقال: هكذا كلاب بلخ عندنا، أي: ما هو الفرق؟ فقلت: وما حد الزهد عندكم؟ قال: إن فقدنا شكرنا، وإن وجدنا آثرنا.
وسئل ذو النون المصري: ما حد الزاهد المنشرح صدره؟ قال ثلاث: تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند القوت.
وتفريق المجموع هو أن يجتمع لديه مال فيفرقه في أوجه الخير، وترك طلب المفقود: هو ألا يشتت نفسه في تتبع المفقود الذي لم يوجد، والإيثار عند القوت.
وحكي عن أبي الحسن الأنطاكي: أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلاً بقرية من قرى الري -والري هي طهران حالياً، وإليها ينسب الرازي - أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلاً بقرية من قرى الري ومعهم أرغفة معدودة لا تشبع جميعهم، فكسروا الرغفان، وأطفئوا السراج، وجلسوا للطعام، فلما فرغوا من الطعام أُضيء السراج فإذا الطعام بحاله لم يأكل منه أحد شيئاً؛ إيثاراً لصاحبه على نفسه.
قوله تعالى: ((وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) الخصاصة: الحاجة التي تختل بها الحال، وأصلها من الاختصاص وهو الانفراد بالأمر، فالخصاصة الانفراد بالحاجة، فمعنى: (ولو كان بهم خصاصة) أي: لو كان بهم فاقة وحاجة, ومنه قول الشاعر: أما الربيع إذا تكون خصاصة عاش السقيم به وأثرى المكثر
стр. 2728
الفرق بين البخل والشح
قوله تعالى: ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) الشح والبخل سواء، يقال: رجل شحيح، من الشُحّ والشَحْ والشحاحة، وجعل بعض أهل اللغة الشح أشد من البخل، وفي الصحاح: الشح: البخل مع حرص.
والمراد من الآية: ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) الشح بالزكاة وما ليس بفرض من صلة ذوي الأرحام، والضيافة وما شاكل ذلك، فليس بشحيح ولا بخيل من أنفق في ذلك وإن أمسك عن نفسه، ومن وسع على نفسه ولم ينفق فيما ذكرناه من الزكوات والطاعات فلم يوق شح نفسه.
وروى الأسود عن ابن مسعود: أن رجلاً أتاه فقال له: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟ قال: سمعت الله يقول: ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) وأنا رجل شحيح لا أكاد أن أخرج من يدي شيئاً، فقال ابن مسعود: (ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن، إنما الشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلماً، ولكن ذلك البخل وبئس الشيء البخل).
ففرق ﵁ بين الشح والبخل.
وقال طاوس: البخل أن يبخل الإنسان بما في يده، والشح أن يشح بما في أيدي الناس، يحب أن يكون له ما في أيديهم بالحلال والحرام ولا يقنع.
وقال ابن جبير: الشح: منع الزكاة، وادخار الحرام.
وقال ابن عيينة: الشح: الظلم.
وقال الليث: هو ترك الفرائض، وانتهاك المحارم.
وقال ابن عباس: من اتبع هواه ولم يقبل الإيمان فذلك الشحيح.
وقال أبو الهياج الأسدي: رأيت رجلاً في الطواف يدعو: اللهم! قني شح نفسي، لا يزيد على ذلك شيئاً، فقلت له: لماذا تصر على هذا الدعاء؟ فقال: إذا وُقيتُ شح نفسي لم أسرق، ولم أزن، ولم أفعل، فإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف ﵁.
ويدل على هذا قول النبي ﷺ : (اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم: حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم).
وقال كسرى لأصحابه: أي شيء أضر لابن آدم؟ قالوا: الفقر، فقال كسرى: الشح أضر من الفقر؛ لأن الفقير إذا وجد شبع، والشحيح إذا وجد لم يشبع أبداً.
стр. 2729
تفسير قوله تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفرلنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان)
قال الله : ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] يعني: بالذين جاءوا من بعدهم الذين هاجروا حين قوي الإسلام من بعد الذين هاجروا مخرجين من ديارهم، فالسابقون الذين مر ذكرهم في الفقراء المهاجرين هم الذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم على الصفة التي ذكرنا، وأما هؤلاء: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) فيقال: إنهم الذين هاجروا بعدما قوي الإسلام من بعد الذين هاجروا مخرجين من ديارهم.
فالمراد مجيئهم إلى المدينة بعد مدة، والمجيء هنا حسي حقيقي.
وقيل: هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة؛ لأن هذه صريح في هذه الآية: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا)) إلى آخره، فهذه الآية تتناول كل مؤمن يأتي بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة.
إذاً فالمجيء هنا إما إلى الوجود أو إلى الإيمان، (والذين جاءوا من بعدهم) أي: الأجيال الأخرى التي توجد في الدنيا بعد ذلك، أو جاءوا إلى الإيمان، ونظير هذه الآية قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠].
وقال الشهاب: والمراد بدعاء اللاحق للسابق -وهم الخلف للسلف-: أنهم متبعون لهم، أو هو تعليم لهم بأن يدعو لمن قبلهم ويذكرونهم بالخير.
ثم بين تعالى حال من يجيء بعدهم بأنه يثني على من سبقه ويدعو له، ابتهاجاً بما أتوا، واغتباطاً بما عملوا؛ لأنهم بين مهاجر عن أهله وأمواله محبة في الله ورسوله ﷺ ، وبين محب لمن هاجر مكرِم له بل مؤثر إياه، مما أسفر عن قوة الإيمان والإخلاص في تدعيم روابط الإخاء.
أي: أنك لا تدع للمهاجرين والأنصار إلا إذا كنت معجباً وراضياً ومقدراً لهم ما فعلوه، سواء كان المهاجرين أو الأنصار.
يقول: لأنهم بين مهاجر عن أهله وأمواله محبة في الله ورسوله ﷺ ، وبين محب لمن هاجر مكرِم له بل مؤثر إياه، مما أسفر عن قوة الإيمان والإخلاص في تدعيم روابط الإخاء، فهذا هو الظاهر من لفظ الآية الكريمة وذوق سوقها، وأما فقراء الصنفين الآخرين فإنهم يستحقون من الفيء قياساً على الصنف الأول لاشتراكهم في الفقر، إلا أنه في عهد النبي ﷺ لم يشكُ أحد من الأنصار في تلك الواقعة فقراً إلا سهل بن حنيف سهلاً وأبا دجانة كما تقدم، فأعطاهما ﷺ ، وأما في غيرها من الوقائع التي كثرت فيها الغنائم فقد كان حظهم منها ما هو معروف ومبيّن في آيات أخر.
يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) يعني: التابعين ومن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة.
قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: المهاجرون، والذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم، فاجهد أن لا تخرج من هذه المنازل.
يعني: كن مهاجراً، فإن لم تستطع أن تكون مهاجراً الآن فافعل ما فعله المهاجرون، فإن لم تستطع فكن أنصارياً، فإن لم تستطع فكن محباً للمهاجرين والأنصار، ومستغفراً وداعياً لهم.
وقال بعضهم: كن شمساً، فإن لم تستطع فكن قمراً، فإن لم تستطع فكن كوكباً مضيئاً، فإن لم تستطع فكن كوكباً صغيراً، ومن جهة النور لا تنقطع، ومعنى هذا: كن مهاجرياً، فإن لم تستطع فكن أنصارياًً، فإن لم تستطع فاعمل بأعمالهم، فإن لم تستطع فأحبهم واستغفر لهم كما أمرك الله.
وروى مصعب بن سعد قال: الناس على ثلاثة منازل، فمضت منزلتان وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت.
وعن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جده علي بن الحسين ﵁ أنه جاءه رجل فقال له: يا ابن بنت رسول الله ﷺ ! ما تقول في عثمان؟ فقال له: يا أخي! أنت من قوم قال الله فيهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر:٨] إلى آخر الآية؟ قال: لا، قال: فوالله! فإن لم تكن من أهل هذه الآية فأنت من قوم قال الله فيهم: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ))؟ قال: لا، قال: فوالله! فإن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجن من الإسلام وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، فمن وجد في قلبه غلاً وحقداً على أي أحد من الصحابة: مهاجرياً أو أنصارياً فليتهم إيمانه، فهذه علامة النفاق في قلبه؛ ولذلك قال الله : ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠] أي: أنه اشترط الإحسان فيمن يأتي بعدهم، أما هم فهم محسنون بطبيعة الحال؛ ولذلك لم يشترط فيهم الإحسان، وإنما يشترط الإحسان فيمن يأتي بعدهم.
وقد قيل: إن محمد بن علي بن الحسين ﵃ روى عن أبيه: أن نفراً من أهل العراق جاءوا إليه فسبوا أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، ثم عثمان ﵁ فأكثروا، فقال لهم: أمن المهاجرين الأولين أنتم؟ قالوا: لا، قال: أفمن الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم؟ فقالوا: لا، فقال: قد تبرأتم من هذين الفريقين -أي: لستم من المهاجرين ولا الأنصار- وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله : ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، قوموا فعل الله بكم وفعل، أي: يدعو عليهم.
ففي هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ لأنه جعل لمن بعدهم حظاً من الفيء ما أقاموا على محبتهم، وموالاتهم، والاستغفار لهم، وأن من سبهم، أو سب واحداً منهم، أو اعتقد فيه شراً فلا حق له في الفيء، وروي ذلك عن مالك وغيره.
قال مالك رحمه الله تعالى: من كان يبغض أحداًَ من أصحاب محمد ﷺ ، أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم قرأ: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)).
يعني: أن الفيء يكون للمهاجرين المذكورين في قوله: (للفقراء)، أو الأنصار الذين تبوءا الدار والإيمان، أو لمن يأتي بعدهم بشرط أن يلتزم هذا الخلق: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا))، وهذا: من شدة الحب كما قلنا، وهذه الدعوة لا تنطلق من اللسان فقط، بل لابد أن يكون هناك إعجاب وغبطة بما فعله الصحابة فتدعو لهم، وهذا هو الذي تستطيع أن تفعله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
كما قال الله أيضاً في آخر سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] يعني: التواضع والمسكنة والخشوع، ((ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ)) أي: أنهم قوم رضي الله عنهم ومدحهم وأثنى عليهم قبل أن يخلقوا في التوراة، أي: أن التوراة فيها هذا النص: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، ومن هنا ذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى إلى تكفير من في قلبه غيظ وغل وحقد على أصحاب رسول الله ﵌، وإن كان في هذا نقاش واختلاف، لكن هذا ما استنبطه الإمام مالك من هذه الآية، فهذا يدل وجوب محبة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإذا وجب علينا محبتهم فإنه يجب علينا أن نبغض من أبغضهم.
والحديث في هذا الأمر ذو شجون، ولا نستطيع أن نفصل فيه الآن، ولكن هذه إشارة عابرة إلى حال رافضة إيران وغيرها من أعداء الله ورسوله ﷺ ودينه، وأغلب الناس إلى الآن رغم أن الرافضة قد فضحوا، وفُضحت مؤامراتهم وعداءهم لأهل السنة وأهل الحق، لكن مع ذلك هناك أناس ليسوا مستعدين أصلاً حتى الآن لسماع صوت الحقيقة، ويعبر موقفهم على الأقل عن الموقف القلبي عن الموالاة لهؤلاء الشيعة المجرمين الذين يعتقدون تحريف القرآن، والذين يكفرون الصحابة، فالصحابة عند هؤلاء كلهم مرتدون إلا عدد قليل قد يصل إلى خمسة من الصحابة، فهؤلاء هم الذين بقوا على الإسلام! ومن إجرامهم أيضاً اتهام أبي بكر وعمر بأنهم زنادقة ومنافقون وكفار إلى آخر هذا الكلام الفاحش، فمثل هؤلاء لا يمكن أبداً أن يجتمع في قلب أحد محبة الصحابة مع محبتهم، وإذا كان الرسول ﵊ قد قال في علامة الفرقة الناجية: (هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) فهل يعقل أن تكون الفرقة الناجية ف
стр. 2730
تفسير سيد قطب لقوله تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا)
قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] ثم ثنى بالأنصار فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].
يقول صاحب (الظلال) في تفسير هذه الآيات: وهي صورة صادقة تبرز فيها أهم الملامح الممِّيزة للمهاجرين، فقد أُخرجوا إخراجاً من ديارهم وأموالهم، وأكرههم على الخروج الأذى والاضطهاد والتنكر من قرابتهم وعشيرتهم في مكة، وذلك لا لذنب إلا أن يقولوا: ربنا الله، وقد خرجوا تاركين ديارهم وأموالهم؛ يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، اعتماداً على الله في فضله ورضوانه لا ملجأ لهم سواه، ولا جناب لهم إلا حماه، وهم مع أنهم مطاردون قليلون فإنهم ينصرون الله ورسوله بقلوبهم وسيوفهم في أحرج الساعات، وأضيق الأوقات، فأولئك هم الصادقون الذين قالوا كلمة الإيمان بألسنتهم، وصدقوها بعملهم، وكانوا صادقين مع الله في أنهم اختاروه، وصادقين مع رسوله ﷺ في أنهم اتبعوه، وصادقين مع الحق في أنهم كانوا صورة منه تدب على الأرض، ويراها الناس.
((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ))، وهذه كذلك صورة وضيئة صادقة تبرز أهم الملامح المميزة للأنصار؛ هذه المجموعة التي تفرغت لصفة وبلغت إلى آفاق، ولولا أنها وقعت بالفعل لحسبها الناس أحلاماً طائرة، ورؤىً مجنحة، ومُثُلاً عليا قد صاغها خيال محلِّق.
стр. 2731
تفسير سيد قطب لقوله تعالى: (والذين تبوءوا الدار والإيمان)
قال الله تعالى: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) أي: دار الهجرة، وهي يثرب مدينة الرسول ﷺ ، وقد تبوأها الأنصار قبل المهاجرين، كما تبوءوا فيها الإيمان وكأنه منزل لهم ودار، وهو تعبير ذو ظلال، وهو أقرب ما يصور موقف الأنصار من الإيمان، لقد كان الإيمان دارهم ونزلهم ووطنهم الذي تعيش فيه قلوبهم، وتسكن إليه أرواحهم، ويثوبون إليه، ويطمئنون له، كما يثوب المرء ويطمئن إلى الدار.
((يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا))، ولم يَعرف تاريخ البشرية كله حادثاً جماعياً كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين بهذا الحب الكريم، وبهذا البذل السخي، وبهذه المشاركة الرضية، وبهذا التسابق إلى الإيواء، واحتمال الأعباء، حتى ليُروى أنه لم ينزل مهاجر في دار أنصاري إلا بسرعة؛ لأن عدد الراغبين في الإيواء، والمتزاحمين عليه أكثر من عدد المهاجرين.
قوله: ((وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا)) أي: مما ناله المهاجرون من مقام مفضل في بعض المواضع، ومن مال يختصون به كمال الفيء، فلا يجدون في أنفسهم شيئاً من هذا، ولم يقل تعالى: (ولا يجدون في صدورهم حسداً ولا غلاً ولا ضيقاً)، وإنما قال: (حاجة) يعني: شيئاً، مما يلقي ظلال النظافة الكاملة لصدورهم، والبراءة المطلقة لقلوبهم، فلا تجد شيئاً أصلاً.
قوله: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ))، والإيثار على النفس مع الحاجة قمة عليا، وقد بلغ إليها الأنصار بما لم تشهد البشرية له نظيراً، وكانوا كذلك في كل مرة وفي كل حالة بصورة خارقة لمألوف البشر قديماً وحديثاً.
قوله: ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))، فشح النفس هو المعوِّق عن كل خير؛ لأن الخير هو بذل في أي صورة من الصور: بذل في المال، وبذل في العاطفة، وبذل في الجهد، وبذل في الحياة عند الاقتضاء، ولا يمكن أن يصنع الخير أبداً من يهمّ دائماً أن يأخذ، ولا يهمّ مرة أن يعطي، ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ)) [الحشر:٩] فقد وقي هذا المعوِّق عن الخير، فانطلق إليه معطياً باذلاً كريماً، وهذا هو الفلاح في حقيقة معناه.
стр. 2732
تفسير سيد قطب لقوله تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا)
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، وهذه هي الصورة الثالثة النظيفة الرضية الواعية، وهي تبرز أهم ملامح التابعين، كما تبرز أخص خصائص الأمة المسلمة على الإطلاق في جميع الأوطان والأزمان، فهؤلاء هم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار، ولم يكونوا قد جاءوا بعدُ عند نزول الآية في المدينة، وإنما كانوا قد جاءوا في علم الله، وفي الحقيقة القائمة في هذا العلم المطلق من حدود الزمان والمكان، وقيمة نفوسهم أنها تتوجه إلى ربها في طلب المغفرة لا لذاتها فحسب، ولكن أيضاً لسلفها الذين سبقوا بالإيمان، وفي طلب براءة القلب من الغل للذين آمنوا على وجه الإطلاق ممن يربطهم معهم رباط الإيمان، مع الشعور برأفة الله ورحمته، ودعائه بهذه الرحمة وتلك الرأفة ((رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)).
وتتجلى الآصرة القوية الوثيقة التي تربط أول هذه الأمة بآخرها، وآخرها بأولها، في تضامن، وتكافل، وتواد، وتعاطف، وشعور بوشيجة القربى العميقة التي تتخطى الزمان والمكان والجنس والنسب، وتتفرغ وحدها في القلوب؛ لتحرك المشاعر خلال القرون الطويلة، فيذكر المؤمن أخاه المؤمن بعد القرون المتطاولة كما يذكر أخاه الحي أو أشد، في إعزاز وكرامة وحب، ويحسب السلف حساب الخلف، وينفي الخلف على آثار السلف، صفاً واحداً، وكتيبة واحدة على مدار الزمان، واختلاف الأوطان، تحت راية الله تغذ السير صعداً إلى الأفق الكريم، متطلعة إلى ربها الواحد الرؤوف الرحيم.
إنها صورة باهرة تمثل حقيقة قائمة، كما تمثل أرفع وأكرم مثال للبشرية يتصوره قلب كريم، صورة تبدو كرامتها وبراءتها على أتمها حين تقرن مثلاً إلى صورة الحقد الذميم، والهدم اللئيم التي تمثلها وتبشر بها الشيوعية في إنجيل (كارل ماركس)، وصورة الحقد الذي ينزل في الصدور، وينشر في الضمير على الطبقات، وعلى أجيال البشرية السابقة، وعلى أممها الحاضرة التي لا تعتنق الحقد الطبقي الذليل، وعلى الإيمان والمؤمنين من كل أمة وكل جيل.
صورتان لا التقاء بينهما في لمحة ولا سمة، ولا لمسة ولا ظل: صورة ترفع البشرية إلى أعلى مراتبها، وصورة تهبط بها إلى أدنى دركاتها، صورة تمثل الأجيال من وراء الزمان والمكان والجنس والوطن والعشيرة والنسب، متضامنة، مترابطة، متكافلة، متوادة، متعارفة، صاعدة في طريقها إلى الله ، بريئة الصدور من الغل، طاهرة القلوب من الحقد، وصورة تمثل البشرية أعداء متناحرين، يلقى بعضهم بعضاً بالحقد والدخل والدغل والغش والخداع والالتواء، وحتى وهم في المعبد يقيمون الصلاة، فالصلاة ليست سوى أحبولة، والدين كله ليس إلا فخاً ينصبه أصحاب رأس المال للكادحين.
قال تعالى: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ))، فهذه هي قافلة الإيمان، وهذا هو دعاء الإيمان، وإنها لقافلة كريمة، وإنه لدعاء كبير.
стр. 2733
تفسير سورة الحشر [١١ - ٢٤]
стр. 2734
تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم)
يقول الله تعجباً من اغترار اليهود بما وعدهم المنافقون به من النصر، مع علم اليهود أن هؤلاء المنافقين لا يعتقدون ديناً ولا كتاباً، فكيف صدقوهم واغتروا بهم؟! فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [الحشر:١١] وهم بنو النضير المتقدم ذكرهم، وأخوتهم معهم ليست أخوة نسب، وإنما هي أخوة دين واعتقاد، أو أخوة صداقة وموالاة؛ لأنهم كانوا معهم سراً على المؤمنين، فانظر كيف وصف هؤلاء المنافقين بأنهم إخوان لليهود أهل الكتاب! هذا خبر من الله سبحانه تعالى الصادق أن هؤلاء الكفار جميعهم على المؤمنين، وأنهم: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] فقوله: (ولا يزالون) تفيد الاستمرار، والعالم كله يشاهد انحياز الشيطان الأكبر أمريكا إلى جانب اليهود لعنهم الله وأذلهم، فرغم كل هذا الظلم ترى التكاتف العجيب الغريب من هؤلاء الكفار مع إخوانهم الذين كفروا.
فاليوم هناك مظاهرة يهودية في نيويورك يقوم بها جماعات يهودية تساند عصابة اليهود، وتتزعم وتشترك في هذه المظاهرة زوجة كلينتون؛ لأنها رشحت نفسها لعمدة مدينة نيويورك، فتخرج لتؤيد اليهود مع كل جرائمهم التي أجمع كل العقلاء من البشر أنها عدوان وحشي، وليس هذا فحسب، بل حصل اليوم في رام الله أن قتل الفلسطينيون جاسوسين مجرمين دخلا متنكرين، فانهالت عبارات الاحتجاج، وحصل القصف بالطائرات والصواريخ للمدينة، وقصفوهم أيضاً من البحر، وقصفوا مدينة غزة أيضاً، فالدمار شامل للمدينتين، وهو في مدينة غزة بالذات، ويقول اليهود: إن ما فعله هؤلاء الفلسطينيون بالجنديين الإسرائيليين هو منتهى الوحشية، وهذه أشياء لا تفعلها حتى الحيوانات، وأنه لا مكان لهذه التصرفات في العالم المتحضر، فنقول: نحن الآن صرنا وحوشاً! وصرنا نفعل فعل الحيوانات! وأنه لا مكان لهذه التصرفات في العالم المتحضر! فماذا تقولون فيما حصل مع الطفل رامي أو محمد بن الدرة وأبيه، وفيما حصل بالأمس في تل أبيب، فقد تجمع اليهود على ثمانية من العرب وضربوهم ضرباً مبرحاً، وكلهم موجودون حتى الآن في العناية المركزة، وحصل قبل يومين أن ما يسمى بالمستوطنين أخذوا رجلاً وعذبوه بالإحراق والضرب، حتى أحرقوا عينيه وكل جسده بالسجائر، حتى قتلوه ثم ألقوه، أليست هذه وحشية من اليهود أم أنها شيء جائز عندهم؟! وأما إذا صدر رد فعل من المسلمين فهذه وحشية وهمجية، وهذا يذكرنا تماماً بنفس منطق بعض المستعمرين الأوروبيين في إحدى الدول الإسلامية، فقد كانت مجموعة منهم تحاول قتل أو ذبح مسلم، فبعدما فرغوا من ذبحه وتقطيع جثته التفت واحد منهم إلى من حوله وقال: هؤلاء أناس متوحشون، لماذا متوحشون؟ لأنه وهو يحاول أن يذبحه عض يده!! فهكذا حضارة الغرب المجرمة، تتمسح بالكلاب، والكلاب هناك تعظم وتوقر، وتوهب لها الهبات، وتعيش حياة في غاية الترف، فهذه هي الحضارة الغربية، وقد بدت كل سوءاتها، حتى لم يعد شيء يرغِّب فيها.
فنحن بلا شك في وضع مؤلم، خاصة وأننا منذ هذه المعاهدات ونحن في ذلّ، ونحارَب بكل الصور: في عقيدتنا، وفي أخلاقنا، وفي كل شيء، وأما اليهود فقد حوّلوا أماكنهم إلى ترسانة من الأسلحة النووية والذرية ونحو ذلك، ومع ذلك فنحن على ثقة بوعد الله ؛ لأن الهزيمة ليست حالة عسكرية، وإنما هي حالة نفسية، فالله قد تكفل بأنه يبعث على اليهود من يسومهم سوء العذاب، وهذا الضمان إلهي: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧]، فاليهود لن يستريحوا أبداً، ولن يذوقوا طعم الراحة حتى ولو قامت لهم دولة، ورُفع فوق رءوسهم علم، فهذه آية من آيات الله، فإنهم مع ما هم فيه من العتاد العسكري، والقوة العسكرية الشديدة إلا أنهم في حالة ضعف وخور وجبن وهلَع كما هو معلوم، فهذه سنة ماضية من الله ، ولن ينعم اليهود أبداً بهذا السلام الذين يزعمون أو يتطلعون إليه، وعزاؤنا في ما يلقاه إخواننا الآن في فلسطين هو ما فعله المشركون بالصحابة من قبل في غزوة أحد حينما قالوا للمشركين: (قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار)، فمن يقتل من المسلمين فهو إلى الجنة بإذن الله، وقتلاهم في النار، ونقول لهم أيضاً: الله مولانا ولا مولى لكم، فهم يحتمون وراء أمريكا، ووراء الغرب الكافر الظالم، وينبغي لنا أن نأوي إلى الله ، وأن نعتصم بحبله من شر هؤلاء أجمعين.
فقول الله تعالى هنا: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [الحشر:١١] وهم بنو النضير، وأخوتهم معهم أخوة دين واعتقاد، أو أخوة صداقة وموالاة، فقد كانوا معهم سراً على المؤمنين.
قوله: ((لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ)) أي: من دياركم، ((لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا)) لا نطيع في خذلانكم أحداً أبداً، يعني: سواء الرسول ﷺ أو المؤمنين، ((وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ)) أي: لنعاونّنكم.
قال ابن جرير: ذُكر أن الذين نافقوا هم: عبد الله بن أبي بن سلول ووديعة ومالك ابنا نوفل وسويد وداعس، فقد بعثوا إلى بني النضير حين نزل بهم رسول الله ﷺ للحرب: أن اثبتوا وتمنعوا فإنّا لن نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا لذلك من نصرهم -أي: ترقبوا أن يأتوا لينصروهم ضد الرسول ﵊ فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله ﷺ : أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة، وهي السلاح كما تقدم بيان ذلك.
стр. 2735
تفسير قوله تعالى: (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم)
قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الحشر:١١] لعلمه بأنهم لا يفعلون ذلك، كما قال: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر:١٢] وقوله: (ليولن الأدبار) أي: منهزمين، (ثم لا ينصرون) أي: بنوع ما من أنواع النصر.
ففي هذه الآية دليل على صحة نبوة النبي ﵌ من جهة علم الغيب؛ لأنهم أخرجوا فلم يخرجوا معهم، وقوتلوا فلم ينصروهم، (والله يشهد إنهم لكاذبون)، والضمير هنا في قوله تعالى: (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) يعود إلى المنافقين أو إلى اليهود.
следующие страницы →