← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

حث الإسلام على الزواج أما موضوع الترغيب في الزواج والحث عليه فهذا مما علم بالضرورة من دين الإسلام، فالإسلام اختص بالحث على الزواج. يقول النبي ﷺ : (إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين، فليتق الله فيما بقي)؛ لأن النكاح يعف عن الزنا، والعفاف أحد الخصلتين اللتين ضمن النبي ﵇ عليهما الجنة، فقال: (من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة: ما بين لحييه وما بين رجليه). وكان النبي ﷺ يحث أصحابه على الزواج، وكان يقرأ لمن يطلب إباحة التبتل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة:٨٧]، وقال ﵊: (تزوجوا؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ولا تكونوا كرهبانية النصارى). وأما التبتل فقد أتى عثمان بن مضعون ﵁ يستأذن الرسول ﵇ في أن يتبتل، فقال له النبي ﵊: (يا عثمان! إن الرهبانية لم تكتب علينا، أفما لك فيَّ أسوة؟! فوالله إني أخشاكم لله وأحفظكم لحدوده). فالتعبد بترك النكاح لا أصل له في الإسلام، فلم تعد رابطة الزوجية دناءة بهيمية، فالإسلام أتى نوره وبدد تلك الظلمات، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تسامى الإسلام بتلك الرابطة، فجعلها ذريعة لواجبات كثيرة رفع الإسلام قدرها. يقول الإمام الفقيه الحنفي كمال الدين بن الهمام رحمه الله تعالى: ومن تأمل ما يشتمل عليه النكاح من تهذيب للأخلاق، وتوسعة الباطن بالتحمل في معاشرة أبناء النوع. فالإنسان يجاهد نفسه ويحصل تعديل لسلوكه وأخلاقه السيئة. يقول: وتربية الولد، والقيام بمصالح المسلم العاجز عن القيام بها، كالنفقة على الزوجة وعلى الأولاد، والنفقة على الأقارب والمستضعفين، وإعفاف الحرم -يعني: إعفاف الزوجة- وإعفاف نفسه، ودفع الفتن عنه وعنهن، ودفع التقتير عنهن بحبسهن لكفايتهن مئونة الخروج -يعني: لأجل طلب الرزق- ثم الاشتغال بتأديب نفسه وتأهلها للعبودية، ولتكون هي أيضاً سبباً لتأهيل غيرها، وأمرها بالصلاة، فإن هذه الفرائض كثيرة لم يكد يقف عن الجزم بأنه أفضل من التخلي. يعني: أن الزواج أفضل من التخلي للعبادات المستحبة والنافلة، ولو خير رجل بأن يتزوج رغم ما في الزواج من عناء ومشقة، وبين أنه ينفرد في صومعة يؤدي الفرائض، ويعتزل ليتقرب إلى الله بالنوافل فأيهما أفضل؟ الجواب لا جدال بأن الزواج أفضل، هكذا هي نظرة الإسلام للزواج، ولذا قال ﵊: (من أماثل أعمالكم إتيان الحلال)، يعني: من أفضل أعمالكم إتيان الحلال. وقد يتعجب القارئ أو المستمع كما تعجب الصحابة ﵃ من قبل عندما قال ناس منهم للنبي ﷺ : (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور -أي الأغنياء- بالأجور؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة، وبكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان فيها وزر؟ قالوا: بلى، قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له فيها أجر). وقال النبي ﷺ لـ أبي ذر في ضمن وصية جامعة له: (ولك في جماعك زوجتك أجر، قال أبو ذر: كيف يكون لي أجر في شهوتي؟ فقال ﵊: أرأيت لو كان لك ولد فأدرك ورجوت خيره فمات، أكنت تحتسبه؟ قال: قلت: نعم، قال: فأنت خلقته؟ قال: بل الله خلقه، قال: أفأنت هديته؟ قال: بل الله هداه؟ قال: فأنت ترزقه؟ قال: بل الله كان يرزقه، قال: كذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامه، فإن شاء الله أحياه، وإن شاء أماته، ولك أجر). بل تسامى الإسلام بهذه الرابطة، حيث أرشد النبي ﵊ إلى استصحاب نية طلب الأولاد، والتسمية، وحض على ذلك؛ لما فيه من الخير الكثير، فقال ﷺ : (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك اليوم لم يضره الشيطان أبداً). ونحن نختصر الكلام في هذا الموضع وإن كان يحتاج إلى تفصيل؛ لكن هذه الإشارة العابرة تعكس مدى نظرة الإسلام للزواج وتكريم المرأة بصورة لا تترك لعاقل أي شك في أن هذا هو أعظم تكريم للإنسان، وأعظم تكريم للرجل، وأعظم تكريم للمرأة، بخلاف هذه الحضارة البهيمية التي تريد أن تسوي لا بين الرجل والمرأة كما يزعمون؛ ولكن بين الإنسان والحيوان، بل حتى الحيوانات قد تكون أفضل، وأحوال القوم لا تخفى على مسلم.

стр. 2662

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله) يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨]. قال ابن كثير: حمل ابن عباس هذه الآية على مؤمني أهل الكتاب، وأنهم يؤتون أجرهم مرتين، كما في الآية التي في القصص: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) [القصص:٥٤]، وكما في حديث الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل كتاب آمن بنبيه وآمن بي، فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مولاه، فله أجران، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران) متفق عليه، فانظر إلى حث الإسلام على التأديب وعلى التعليم وعلى التربية، حتى الجارية نفسها أمر بتأديبها. وهذا التفسير هو اختيار ابن جرير، فقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا))، المقصود بالآية مؤمنو أهل الكتاب. وقوله: ((اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ)). قال سعيد بن جبير: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين أنزل الله تعالى هذه الآية في حق هذه الأمة. والظاهر أن لفظها أعم، وأن المقصود بها حث كل من آمن بالنبي ﷺ على الثبات على الإيمان، والرسوخ فيه، والانصياع لأوامره. ومنه ما حث عليه في الآيات قبلها من الإنفاق في سبيله، وسخاوة النفس فيه، وأن لهم في مقابل ذلك أجراً وافراً، كما قال في أول السورة: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد:٧]، وآخر السورة فيه رجوع لأوائلها؛ لتذكير ما أمرت به وما سبق نزولها لأجله. وقوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، الكفل: الحظ، وأصله ما يكتفل به الراكب فيحبسه ويحفظه عن السقوط، والتثنية في مثله إما على حقيقتها أو هي كناية عن المضاعفة. (ويجعل لكم نوراً) النور: هو ما يبصر من عمى الجهالة والضلالة، ويكشف الحق لقاصده، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩]، فكلما اتقيت الله فإنه ينور قلبك، ويعطيك القوة على التمييز بين الحق والباطل والهدى والضلال. ومعنى الآية: إن تتقوا الله وتؤمنوا برسوله يؤتكم كفلين، ويجعل لكم كذا وكذا.

стр. 2663

تفسير قوله تعالى: (لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء) قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢٩]. ((لِئَلَّا يَعْلَمَ)) أي: ليعلم أهل الكتاب الذين لم يسلموا عدم قدرتهم على شيء من فضل الله، وثبوت أن الفضل بيد الله. والمراد بالفضل ما آتاه المسلمين وخصهم به؛ لأنهم كانوا يرون أن الله فضلهم على جميع الخلق. فأهل الكتاب كانوا يعتقدون أنهم أفضل الخلق، وزنادقة اليهود يقولون كما حكى الله عنهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة:١١١]، وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، كانوا يحسبون أنهم أفضل من جميع الخلق، فأعلمهم الله جل ثناؤه أنه قد آتى أمة محمد ﷺ من الفضل والكرامة ما لم يؤتهم؛ ليعلموا أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله، أي: ليسوا هم الذين يوزعون فضل الله على الخلق. والتفضيل بين الأمم راجع إلى قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨]، فأنتم لا تقدرون على شيء من فضل الله، فإذا كنتم لا تقدرون على شيء من فضل الله، فكيف تكون لكم قدرة على ما هو أعظم فضل الله. إذاً فالمراد بالفضل ما آتاه المسلمين وخصهم به؛ لأن أهل الكتاب كانوا يرون أن الله فضلهم على جميع الخلق، فأعلمهم الله جل ثناؤه أنه قد آتى أمة محمد ﷺ من الفضل والكرامة مالم يؤتهم؛ ليعلموا أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله، فضلاً عن أن يتصرفوا في أعظمه وهو النبوة، فيخص بها من أرادوا، وأن الفضل بيد الله دونهم. قوله: ((وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ))، يعني: ليس بأيديكم أنتم يا أهل الكتاب! دون غيركم من الخلق، بل الله يؤتيه من يشاء من عباده. (ولا) في ((لِئَلَّا)) صلة، وقال بعضهم: وهو حرف شاعت زيادته. بل هذا في الحقيقة من أوضح الأدلة على أن (لا) قد تكون أحياناً زائدة، ولا تعني النفي، وهذا أحد الأوجه في قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:١]. فهنا قوله تعالى: ((لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ))، تفسيرها: ليعلم أهل الكتاب. قال ابن جرير: وذكر أن في قراءة عبد الله: (لكي يعلم)، قال: لأن العرب تجعل (لا) في صلة كل كلام دخل في أوله أو آخره جحد غير مصرح، كقوله في البحث السابق الذي لم يصرح به: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢]، وتفسيرها: ما منعك أن تسجد لما أمرتك، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٠٩]، يعني: أنهم سوف يؤمنون. وقال تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥]، في التفسير: أنهم يرجعون؛ فالأمة التي تهلك لا ترجع إلى الدنيا مرة أخرى؛ فهذا حرام بتحريم كوني قدري، أي: حرام عليهم أن يرجعوا إلى الدنيا. ونقل الثعالبي في فقه اللغة زيادتها في عدة شواهد في فصل (الزوائد والصلات التي هي من سنن العرب) فانظره تزدد علماً. وهذا آخر تفسير سورة الحديد. والله أعلم.

стр. 2664

تفسير سورة المجادلة [١ - ٤]

стр. 2665

تفسير قوله تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وللكافرين عذاب أليم) قال الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة:١ - ٤]. قال الجوهري: (قد) حرف لا يدخل إلا على الأفعال، وقال الزمخشري: معنى (قد) التوقع؛ لأنه ﷺ والمجادلة كانا متوقعين أن ينزل الله في شكواها ما يفرج عنها. ومعنى سماع الله تعالى لقولها إجابة دعائها لا مجرد علمه تعالى بذلك، فهذا كقول المصلي: (سمع الله لمن حمده). قوله تعالى: ((وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ))، هذه الواقعة تدل على أن من قطع رجاؤه عن الخلق فلم يبق له فيما أهمه أحد سوى الخالق كفاه الله ذلك الأمر. وصيغة المضارع: يسمع: يفيد التجدد: ((وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا))، للدلالة على استمرار السمع، حسب استمرار التحاور وتجدده، ويأتي بالمضارع هنا؛ لأن فيه تحاوراً ومراجعة في الكلام، فكلما ترد الكلام فإن الله يسمعه، وذكرها مع الرسول ﷺ في ذلك الخطاب في قوله: ((تَحَاوُرَكُمَا))، تكريم لها بهذا الخطاب الكريم، فقد ذكرت مقترنة باسمه الشريف ﵊، فهذا بلا شك تكريم عظيم لها، وإظهار الاسم الجليل في الموضعين لغرض المهابة والروعة في قلوب المؤمنين: ((قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا)).

стр. 2666

معنى الظهار لغة وشرعاً قال ابن منظور: كانت العرب تطلق النساء في الجاهلية بهذه الكلمة: أنت علي كظهر أمي، كأنه يحرم نكاحها بهذه اللفظة؛ لأن الظهر ما يركب، وفي بعض الأحاديث: (ما لنا من ظهر سوى هذا البعير)، يعني: من مركوب، وقوله ﷺ : (من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له)، فالمقصود بالظهر المركوب. وقال الرازي: ليس الظهار مأخوذاً من الظهر الذي هو عضو من الجسد؛ لأنه ليس الظهر أولى بالذكر في هذا الموضع من سائر الأعضاء، بل الظهر هنا مأخوذ من العلو، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف:٩٧] يعني: إن يعلوه، وكل من علا شيئاً فقد ظهر، ومنه سمي المركوب ظهراً؛ لأن راكبه يعلوه. ويدل على صحة هذا المعنى: أن العرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي، أي: طلقتها. وفي قولهم: أنت علي كظهر أمي: حذف وإضمار؛ لأن تأويله ظهرك علي، أي: ركوبي إياك وعلوي عليك حرام كما أن علوي على أمي وملكها حرام علي. أيضاً المظاهر شبه الزوجة بالأم، ولم يقل: هي أم، فكيف كان ذلك منكراً وزوراً؟ وأجيب عن ذلك بأن الكذب إنما لزم لأن قوله: أنت علي كظهر أمي، إما أن يكون إخباراً أو إنشاء، فعلى الأول: إن قصد أنها كظهر أمه فقد كذب؛ لأن الزوجة محللة والأم محرمة، وتشبيه المحللة بالمحرمة في ضبط الحل والحرمة كذب، وعلى الإنشاء كان ذلك أيضاً كذب؛ لأن معناه أن الشرع جعله سبباً في حصول الحرمة، فلما لم يرد الشرع بهذا التشبيه كان جعله إنشاء لوقوع هذا الحكم كذباً وزوراً. وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ مر في خلافته على امرأة وكان راكباً على حمار والناس معه، فاستوقفته تلك المرأة طويلاً ووعظته، وقالت له: عهدي بك يا عمر! وأنت صغير تدعى عميراً، ثم قيل لك: يا أمير المؤمنين: فاتق الله يا عمر في الرعية، واعلم أن من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب، وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: يا أمير المؤمنين! أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف؟ فقال: والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هذه خولة بنت ثعلبة التي سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر؟! قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ [المجادلة:٢] الخطاب في لفظ: (منكم) فيه مزيد توبيخ للعرب، وتهجين لعاداتهم في الظهار؛ لأنه كان من أيمان الجاهلية خاصة دون سائر الأمم. أيضاً مما يناسب ذكره عن الكفارة: ما رواه الإمام الترمذي عن سلمة بن صخر البيهقي أنه قال: (كنت امرأً أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئاً يتابع بي حتى أصبح، فظاهرت منها حتى ينسلخ رمضان، فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء، فما لبثت أن نزوت عليها، فلما أصبحت أخبرت قومي، فقلت: امشوا معي إلى النبي ﷺ -يعني: ليستفتي- فقالوا: لا والله، فانطلقت فأخبرته ﷺ فقال: أنت بذاك يا سلمة؟! قلت: أنا بذاك يا رسول الله! مرتين، وأنا صابر لأمر الله؛ فاحكم فيَّ بما أراك الله، قال: حرر رقبة. قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها، وضربت صفحة رقبتي، قال: فصم شهرين متتابعين. قلت: هل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام. قال: فأطعم ستين وسقاً من تمر ستين مسكيناً. فقلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين ما لنا طعام -يعني: مقفرين لا طعام لهم- قال: فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك؛ فأطعم ستين مسكيناً وستين وسقاً من تمر وكل أنت وعيالك بقيتها، فرجعت إلى قومي أقول: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند النبي ﷺ السعة وحسن الرأي، وقد أمرني بصدقتكم).

стр. 2667

تحريم الظهار أما ما يتعلق بالأحكام الشرعية؛ فالحكم الأول: هل الظهار مشروع كالطلاق أم هو محرم؟ كان الظهار في الجاهلية طلاقاً، بل كان أشد أنواع الطلاق عندهم؛ لما فيه من تشبيه الزوجة بالأم التي تحرم على التأبيد، وجاء الإسلام فأبطل هذا الحكم، وجعل الظهار محرماً قربان المرأة حتى يكفر زوجها، ولم يجعله طلاقاً كما كانوا يعتبرونه في الجاهلية. فلو ظاهر الرجل يريد الطلاق كان ظهاراً، ولو طلق يريد به الظهار كان طلاقاً، والعبرة باللفظ لا بالنية؛ فلا يقوم أحدهما مقام الآخر. قال ابن القيم: وهذا لأن الظهار كان طلاقاً في الجاهلية فنسخ فلم يجز أن يعاد إلى الحكم المنسوخ، أي: أن يتلفظ بلفظ الظهار وهو يريد به الطلاق، وأيضاً إن نوى به الطلاق فعلى ما كان عليه، وأجري عليه حكم الظهار دون الطلاق، وأيضاً فإنه صريح في حكمه؛ فلم يجز جعله كناية في الحكم الذي قضاه الله بشرعه، وقضاء الله أحق، وحكم الله أوجب. وقد دلت الآية الكريمة: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة:٢]، على أن الظهار حرام، بل قال فقهاء الشافعية إنه من الكبائر، فمن أقدم عليه اعتبر كاذباً معانداً للشرع. وقد اتفق العلماء على حرمته، فلا يجوز الإقدام عليه لأنه كذب وزور وبهتان؛ لأن الله قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤]. فالظهار محرم بالكتاب والسنة والإجماع، وهو يختلف عن الطلاق؛ فالطلاق مشروع وهذا ممنوع، ولو أقدم الإنسان عليه فيكون قد ارتكب محرماً، ويجب عليه كفارة بالتفصيل الذي ذكرناه.

стр. 2668

حرمة إتيان الزوجة قبل الكفارة ما الذي يترتب على الظهار من أحكام؟ إذا ظاهر الرجل من امرأته ترتب على ذلك أمور: فأول ما يترتب على الظهار: حرمة إتيان الزوجة حتى يكفر كفارة الظهار؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣]. أما الثاني فهو وجوب الكفارة بالعود؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة:٣]. والعود له مبدأ وله منتهى، فمبدأ العود هو العزم على الوطء، ومنتهاه هو: الوطء بالفعل، فمن عزم على الوطء فقد عاد في النية فينطبق عليه قوله تعالى: ((ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا))، فتلزمه الكفارة لإباحة الوطء، ومن وطأ بالفعل تحتم في حقه اللزوم وخالف بالإقدام على الوطء قبل التكفير، قال النبي ﷺ : (إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)، فبين أن العزم على الفعل عمل يؤخذ به الإنسان، فمثلاً من ذهب إلى المكان الذي فيه الخمر ليشتري الخمر فهو حريص وعازم لكن وجد المكان مغلقاً، فقد وصلت النية لمرحلة العزم والإصرار. والنبي ﵇ قال: (إذا اقتتل المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قيل: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)، فالعزم مما يؤاخذ به الإنسان. وكما يحرم المسيس تحرم مقدماته. وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة. وقال الثوري والشافعي في أحد القولين: إن المحرم هو الوطء فقط؛ لأن المسيس كناية عن الجماع. واستدل الجمهور بالعموم الوارد في قوله تعالى: ((مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا))، فقالوا: إن هذا يعم جميع أوجه الاستمتاع. واستدلوا أيضاً بمقتضى التشبيه الذي هو سبب الحرمة في قوله: (كظهر أمي). كذلك استدلوا بأمر النبي ﵊ الرجل الذي ظاهر من زوجته بالاعتزال حتى يكفر، وفي الحديث: (فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به). أما الشافعي في أحد قوليه والثوري فقد استدلا على قصر الحكم على الوطء بأن الآية ذكرت المسيس، وهو كناية عن الوطء فيقتصر عليه، وأن الحرمة ليست هي معنى يخل بالنكاح، فأشبه الحيض الذي يحرم الاستمتاع فيه فيما بين السرة والركبة. على أي الأحوال ربما يكون الأحوط هو الأخذ بمذهب الجمهور لما ذكرناه.

стр. 2669

المراد بالعود في قوله: (ثم يعودون لما قالوا) اختلف الفقهاء -كما ذكرنا آنفاً- في المراد من العود في قوله تعالى: ((ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا)). قال أبو حنيفة: العود: هو عبارة عن العزم على استباحة الوطء والملامسة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة:٦] المقصود: إذا أردتم القيام إلى الصلاة. وقال أيضاً: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل:٩٨]، معناها: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله، فكذلك قوله: ((ثم يعودون لما قالوا))، يعني: ثم يريدون أو يعزمون على أن يرجعوا إلى ما قالوا. وقال الشافعي: العود هو أن يمسكها بعد الظهار مع القدرة على الطلاق فلا يطلق، أي: يمسكها بعد الظهار زماناً يمكنه أن يطلقها فيه مع القدرة على الطلاق ومع ذلك لا يطلق، فالمعنى: والذين يظاهرون ثم يعزمون على الجماع مع الإمساك فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا. وقال مالك وأحمد: العود: هو العزم على الوطء والإمساك. يعني: إمساك الزوجة معه. وقال أهل الظاهر فقال أبو الظاهر: العود أن يكرر لفظ الظهار مرة ثانية؛ فإن لم يكرر لم يقع الظهار. والآراء الثلاثة الأولى متقاربة في المعنى؛ لأن العودة إلى الإمساك، أو الوطء، أو إبقاؤها بعد الظهار بدون طلاق كلها تدل على معنى الندم، وإرادة المعاشرة للزوجه التي ظاهر منها، فاللام في (لما) بمعنى: إلى، أي: ثم يعودون إلى ما قالوا، والمعنى: يرجعون إلى تحليل ما حرموا على أنفسهم بالعزم على الوطء إلى آخر الأقوال فيها. وقال الفراء: معنى الآية: لا يرجعون عما قالوا، وفي نقض ما قالوا. وقال بعض العلماء: معنى قوله: ((ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا)) أي: ثم يعودون لما قالوا إنه حرام عليهم، وهو الجماع، ونظيره قول الله ﵎: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم:٨٠]، من أنه يؤتى مالاً وولداً، عندما قال: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم:٧٧]. استدل أهل الظاهر: بأن العود معناه تكرار لفظ الظهار وإعادته، بقوله: ((ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا))؛ قالوا: فلا تلزم الكفارة إلا إذا أعاد اللفظ، وظاهر مرة ثانية، لكن لا تلزم كفارة الظهار لأول مرة، وقالوا: الذي يعقل من قولهم: عاد إلى الفعل أنه فعله مرة ثانية، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، فإذا لم يتكرر الظهار لا يقع التحريم. قال الزجاج راداً على أهل الظاهر: هذا قول من لا يدري اللغة، وقال أبو علي الفارسي: (ليس هو كما ادعوا؛ لأن العود قد يكون إلى شيء لم يكن عليه الإنسان قبل وقد سميت الآخرة معاداً ولم يكن فيها أحد، ثم عاد الناس إليها. قال الهذلي: وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل سوى الحق شيئاً واستراح العواذل وقال ابن العربي راداً على الظاهرية أيضاً: ويشبه أن يكون هذا من جهالة داود وأشياعه، وهو باطل قطعاً؛ لأنه قد رويت قصص المظاهرين، وليس فيها ذكر لعود القول منهم، وأيضاً فإن المعنى ينقضه؛ لأن الله تعالى وصفه بأنه منكر من القول وزوراً، فكيف يقال له: إذا أعدت القول المحرم، والسبب المحذور؛ وجبت عليك الكفارة! كما أن الرسول ﷺ لم يستفصل المرأة التي نزلت فيها آية الظهار، هل كرر زوجها لفظ الظهار أو لا؟ وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال. فما قاله جمهور الفقهاء من أن المراد بالعود ليس تكرار اللفظ، وإنما هو معاشرتها والعزم على وطئها، هو الصحيح المعقول لغة وشرعاً؛ لأن المظاهر قد حرم على نفسه قربان الزوجة؛ فهو يريد أن ينقض ذلك ويعيدها إلى نفسه، فيلزمه التكفير بهذا العزم. وأما ما قاله أهل الظاهر فباطل لا يقوم عليه دليل، بل هو من آثار الفهم السقيم الذي تخبط بهؤلاء في كثير من الأحكام الشرعية، ويكفي لبطلانه حديث أوس بن الصامت؛ فإنه لم يكرر الظهار، وقد ألزمه النبي ﷺ الكفارة، وحديث سلمة بن صخر؛ فقد أمره ﷺ بالكفارة، مع أنه لم يكرر اللفظ وقد تقدم ذكرهما، وكفى بذلك حجة قاطعة، ولا رأي لأحد أمام قول المعصوم ﷺ .

стр. 2670

حكم ظهار غير المسلم هل يصح ظهار غير المسلم كالذمي والكتابي؟ ذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن ظهار الذمي لا يقع؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ [المجادلة:٢] وظاهر قوله: ((مِنْكُمْ)): أن غير المسلم لا يتناوله الحكم. وقالوا أيضاً: إن الذمي ليس من أهل الكفارة؛ لأن فيها إعتاق رقبة وصوماً، ولما كان الصوم عبادة لا تصح من غير المسلم فلا يصح ظهاره، فالظهار لا يكون إلا من الزوج العاقل البالغ المسلم. وقال الشافعي: كما يصح طلاق الذمي وتترتب عليه أحكامه كذلك يقع ظهاره. وقالوا: يكفر بالإعتاق والإطعام ولا يكفر بالصوم؛ لأنه عبادة ولا تصح إلا من المسلم. قال الألوسي: والعجب من الإمام الشافعي عليه الرحمة أن يقول بصحته، مع أنه اشترط النية في الكفارة، والإيمان في الرقبة، والكافر لا يملك المؤمن. يعني: الشافعية تشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة، وهنا يجيز أن يكفر الذمي بتحرير رقبة، والكافر لا يملك المؤمن فكيف يجيز الإمام الشافعي رحمه الله تعالى إعتاق هذه الرقبة للذمي. على أي الأحوال فإن مذهب الجمهور قوي. أما الاستدلال بمفهوم الصفة في قوله: ((مِنْكُمْ)) فليس بذاك؛ لأن الآية وردت مورد التهجين والتشنيع، لما مر أن الظهار لم يعرف إلا عند العرب، فليس فيها ما يدل عليه، والله تعالى أعلم.

стр. 2671

حكم ظهار المرأة هل يقع ظهار المرأة؟ اتفق الفقهاء على أنه ليس للنساء ظهار، فلو ظاهرت امرأة من زوجها بقولها: أنت علي كظهر أمي فلا كفارة عليها، ولا يلزمها شيء، وكلامها لغو. قال ابن العربي: وهو صحيح في المعنى: بأن الحل والعقد والتحليل والتحريم في النكاح من الرجال، ليس بيد النساء منه شيء.

стр. 2672

ما يقع به الظهار من الألفاظ هل الظهار مختص بالأم؟ ذهب الجمهور إلى أن الظهار يختص بالأم كما ورد في القرآن الكريم وكما جاء في السنة المطهرة، فلو قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي كان مظاهراً، ولو قال لها: أنت عليَّ كظهر أختي أو بنتي لم يكن ذلك ظهاراً. وذهب أبو حنيفة والشافعي في أحد القولين: إلى أنه يقاس على الأم جميع المحارم، فالظهار عندهم تشبيه الرجل زوجته بإحدى المحرمات عليه على وجه التأبيد بالنسب أو الرضاع إذ العلة هي التحريم المؤبد. وأما من قال لامرأته: يا أختي أو يا أمي على سبيل الكرامة والتوقير فإنه لا يكون مظاهراً، ولكن يكره له ذلك، واستدل من كره ذلك بما رواه أبو داود عن أبي تميمة الهذلي: (أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول لامرأته: يا أخية! فكره ذلك ونهى عنه) وهذا الحديث مضطرب. ومما ورد أيضاً في بعض الروايات: (أن رجلاً قال لامرأته: يا أختي! فقال ﵊: أختك هي؟). وقد قال الخليل ﵇ عن زوجته سارة: (إنها أختي) ثم قال لها: (إن هذا سألني عنك فأنبأته أنك أختي، وإنه ليس اليوم مسلم غيري وغيرك، وإنك أختي في كتاب الله، فلا تكذبيني عنده! وهذا متفق عليه، وهذا من التعظيم. لكن بعض العلماء قالوا: لو خاطب الرجل امرأته بقوله: يا أختي أو يا أمي صار مظاهراً إذا قصد الظهار، والحديث كما ذكرنا حديث ضعيف مرسل، ولو قلنا بصحته يكون فيه تنبيه بأن يجتنب الإنسان الألفاظ المتشابهة.

стр. 2673

كفارة الظهار كفارة الظهار واجبة على الترتيب بلا خلاف، ولابد فيها من النية سواء كانت عتقاً أو صياماً أو إطعاماً. وفي حالة الصيام لابد أن ينوي في الليل أن صيامه فريضة وأنه واجب عليه، كصيام رمضان. أما في عتق الرقبة فالنية تكون مع نفس فعل العتق أو قبله. كذلك في إطعام ستين مسكيناً تكون النية مع الفعل أو قبله؛ لأن النية تفرق بين أنواع الكفارات؛ ولأن النية أيضاً تفرق بين الفرض والنفل، فلذلك لابد لهذه الأفعال من النية. أول ما يجب في كفارة الظهار الإعتاق، وقد أطلقت الرقبة في الآية، فهل تجزئ أي رقبة ولو كانت كافرة؟ ذهب الحنفية إلى أنه يجزئ في الكفارة إعتاق الرقبة الكافرة والمؤمنة والذكر والأنثى والكبير والصغير ولو رضيعاً؛ لأن الاسم ينطبق على كل ذلك. وذهب الشافعية والمالكية إلى اشتراط الإيمان في الرقبة، فلا يصح عتق غير المؤمن حملاً للمطلق على المقيد في آية القتل في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] بجامع السبب في كل منهما، أي أن سبب هذا محرم وهو القتل الخطأ، وسبب الكفارة هنا محرم وهو الظهار. وقال الحنفية: لا يحمل المطلق على المقيد إلا بحكم واحد في حادثة واحدة؛ لأنه حينئذ يلزم ذلك لزوماً عقلياً، إذ الشيء نفسه لا يكون مطلوباً إدخاله في الوجوب مطلقاً ومقيداً، كالصوم في كفارة اليمين ورد مطلقاً ومقيداً بالتتابع في القراءة المشهورة التي تجوز القراءة بمثلها. أما الإمام أحمد ففي المسألة عنه روايتان على التفصيل الذي ذكرناه. فمن لم يستطع عتق رقبة ينتقل إلى صيام شهرين متتابعين، ولابد أن يعتبر الشهر بالهلال، فلا فرق بين التام والناقص، فلو شرع في أول يوم من رجب وكان رجب تسعة وعشرين يوماً، وشعبان مثله، لم يعد ناقصاً؛ لأنه صام شهرين متتابعين، فيعتبر الشهر بالهلال وليس بعدد الأيام، فلا فرق بين التام والناقص. أما إن صام بغير الأهلة، كأن صام يوم خمسة عشر من شهر جماد الآخر، فلابد من ستين يوماً عند الحنفية، وعند الشافعية والمالكية يصوم إلى الهلال ثم يصوم شهراً بالهلال ثم يتم الأول بالعدد حتى يتم شهرين متتابعين، وبالمعنى الشرعي لا يجوز له أن يفطر فيهما، ولا أن يصوم فيهما عن غير الكفارة، فلو صام أثناء الشهرين تطوعاً أو قضاء أو عن نذر أو غير ذلك انقطع التتابع، فيعيد صيام شهرين متصلين. وكذلك لو أفطر لغير عذر يعيد الصوم من جديد. فإن تخلل صومهما صوم شهر رمضان، بأن بدأ صيام الشهرين في شعبان، ثم بدأ بصيام شهر رمضان، ففي هذه الحالة لا ينقطع التتابع لتعين رمضان للصوم الواجب فيه، أو تخلله فطر يجب كعيد وأيام التشريق لم ينقطع التتابع لتعين الفطر فيه؛ لأنه زمن منعه الشرع عن صومه. وإن أفطر لعذر يبيح الفطر كسفر لم ينقطع التتابع. هذا باختصار فيما يتعلق بصيام الشهرين متتابعين. والحالة الثالثة: إن عجز عن عتق رقبة وعن صيام شهرين؛ فيطعم ستين مسكيناً، فمن لم يستطع الصيام أو لم يستطع تتابعه لسبب من كبر أو فرط شهوة أو مرض لا يرجى زواله عادة بقول طبيب فعليه إطعام ستين مسكيناً.

стр. 2674

حكم إخراج القيمة بدل الإطعام ولا تجزئ القيمة عند الحنابلة ومالك والشافعي بخلاف أصحاب الرأي. ودليل القول الأول قول الله: ((إطعام ستين مسكيناً)) وأوله أهل الرأي بأن المعنى: (فقيمة إطعام)، وهذا من التأويل الذي لا يقوم عليه دليل. قال أبو حيان: والظاهر مطلق الإطعام، وتخصصه ما كانت في العادة في الإطعام وقت النزول وهو ما يجزي من غير تحديد بمدّ. ولا يجزي عند مالك والشافعي أن يطعم أقل من ستين مسكيناً. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لو أطعم مسكيناً واحداً كل يوم نصف صاع حتى يكمل العدد أجزأه. وإن عجز عن الإطعام، فلم يقدر على أن يعتق رقبة، ولا استطاع أن يصوم شهرين متتابعين، ولا إطعام ستين مسكيناً، سقطت الكفارة. والعبرة بحالة وقت العود لا وقت المظاهرة؛ لأنه الوقت الذي تجب فيه الكفارة، فربما كان عندما ظاهر يستطيع الصيام؛ لكن طرأ عليه مرض يمنعه من الصيام حينما أراد العود، فالعبرة بحاله عند العود لا حالة المظاهرة.

стр. 2675

حكم جماع المظاهر قبل التكفير هل تتغلظ الكفارة بالمسيس قبل التكفير؟ قلنا: إن العود له مبدأ وله منتهى، فالأدنى هو العزم، فإذا عزم على العود وأراد أن يعود ففي هذه الحالة يجب عليه أن يكفر. وإذا ارتكب الحد الأقصى وهو أنه عاد بالفعل بالمسيس قبل أن يكفر؛ ففيه الآتي: ذهب أبو حنيفة إلى أن المظاهر إذا جامع زوجته قبل أن يكفر أثم وعصى الله، وتسقط عنه الكفارة لفوات وقتها. وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه أثم وعصى ويستغفر ويتوب، ويمسك عن زوجته حتى يكفر كفارة واحدة. ومعنى: ((ثُمَّ يَعُودُونَ)) عند الإمام أحمد كما قلنا: يعود إلى الوطء أو إلى العزم عليه؛ فإن ظاهر وجامع قبل التكفير لزمه الكف عن المسيس مرة أخرى حتى يكفر، ويلزم من هذا جواز الجماع الأول قبل التكفير، فهذا الواضح في قوله: ((مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا))؛ لأن الآية على هذا القول إنما بينت حكم ما إذا وقع الجماع قبل التكفير، وأن وجوب التكفير قبل مسيس آخر، ففي هذه الحالة إذا حصل المسيس قبل التكفير فيجب عليه أن يتوقف عن هذا المسيس إلى أن يكفر. قال الجصاص: إن الظهار لا يوجب كفارة وإنما يوجب تحريم الوطء، ولا يرتفع التحريم إلا بالكفارة، فإذا لم يرد وطأها فلا كفارة عليه، وإن ماتت أو عاشت فلا شيء عليه، إذ كان حكم الظهار أيام التحريم مؤقتاً بأداء الكفارة، وأنه متى لم يكفر فالوطء محظور عليه، فإن وطئ سقط الظهار والكفارة، وذلك لأنه علق حكم الظهار وما أوجب به من الكفارة بأدائها قبل الوقت لقوله: ((مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا))، فمتى وقع المسيس فقد فات الشرط فلا تجب الكفارة؛ لأن كل فرض محصور بوقت أو معلق على شرط، فإنه متى فات الوقت وعدم الشرط لم يجب باللفظ الأول، واحتيج إلى دلالة أخرى في الإيجاب مثله في الوقت الثاني. فهذا حكم الظهار إذا وقع المسيس قبل التكفير، إلا أنه قد ثبت عن النبي ﷺ : أن رجلاً ظاهر من امرأته فوطئها قبل التكفير، ثم سأل النبي ﷺ فقال له: (استغفر الله، ولا تعد حتى تكفر)، فصار التحريم الذي بعد الوطء واجباً بالسنة، وهذا رواه ابن ماجة والنسائي والدارقطني والترمذي وأبو داود. والظاهر والله تعالى أعلم أن مذهب الجمهور هو الصحيح، وأنه يأثم بهذا الفعل، وأنه تجب عليه كفارة واحدة.

стр. 2676

خلاصة ما ترشد إليه الآيات في الظهار خلاصة ما تشير إليه الآية: استجابة الله دعاء الشاكي الصادق إذا أخلص الدعاء. عدم جواز تشبيه الزوجة بمحرم من المحرمات على التأبيد. عدم جواز مس المرأة قبل أداء كفارة الظهار. الكفارة مرتبة ولا يصار إلى التالية قبل العجز عن التي قبلها. حدود الله يجب التزامها ولا يجوز تعديها. وأما عن حكمة التشريع في هذا الموضوع: فإن الإسلام شرع الزواج عقداً دائماً غير مؤقت لا يقطعه إلا هادم اللذات أو أبغض الحلال إلى الله. وبالزواج يحل للرجل كل شيء من زوجه في حدود ما أباحه الله تعالى له. فإذا جاء الإنسان يريد أن يغير ما أباحه الله له فيجعل الحلال حراماً فقد ارتكب كبيرة لا محالة وتجاوز بذلك الحدود التي شرعها الله له، فلهذا كان عقابه كبيراً، وكانت أولى أمور الكفارة ما فيه فائدة للمجتمع، ألا وهي تحرير رقاب العبيد، وهذه إحدى سبل تحريرهم، فإذا لم يستطع شراء العبد وعتقه فليصم شهرين متتابعين، والصوم مدرسة تهذب خلقه، وتربي نفسه، وتقوي ما اعوج من تربيته، هذا إذا كان صحيح الجسم موفور الصحة، وإلا فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، فالمريض الذي لا يستطيع الصوم ينتقل الواجب في حقه إلى المجتمع أيضاً؛ فيطعم ستين مسكيناً، وهكذا تنتقل خصال الكفارة بين فائدة المجتمع وفائدة الرجل نفسه.

стр. 2677

تفسير سورة المجادلة [٥ - ١٣]

стр. 2678

تفسير قوله تعالى: (إن الذين يحادون الله ورسوله) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة:٥]. ((إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ))، أي: في مخالفة حدوده وفرائضه، وأصله من المحادة بمعنى المعاداة؛ لأن كلاً من المتعاديين في حد غير حد الآخر، فالمحادة تعني المعاداة؛ لأن المعاداة تجعلهما ينفصلان، ويكون كل منهما في حد غير حد الآخر. ((كُبِتُوا))، أي: أخذوا، ((كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ))، يعني: من كفار الأمم الماضية، ((وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ))، أي: دلالات مفصلات وعلامات محكمات تدل على حقائق حدود الله ، ((وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ))، يعني: للكافرين منكري تلك الآيات وجاحديها عذاب مهين. وفسر بعض العلماء قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ))، بمعنى: يختارون حدوداً غير حدودهما، وينشئون شرائع وقوانين من عند أنفسهم ومن تلقائها مخالفة لما شرعه الله ﵎. ففيه وعيد عظيم للملوك والحكام وأمراء السوء الذين وضعوا أموراً خلاف ما حده الشرع وسموا ذلك قانوناً. يقول الإمام القاسمي رحمه الله تعالى: وقد صنف العارف بالله تعالى الشيخ بهاء الدين قدس الله روحه رسالة في كفر من يقول: يعمل بالقانون والشرع إذا قابل بينهما. أي: في سياق المساواة بين القانون والشرع، وبيَّن أدلة تكفير من يسوي بين شرع الله وشرع من عداه من المخلوقين، فقد قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، وقد وصل الدين إلى مرتبة من الكمال لا تقبل التكميل، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. وقوله: لأن الدين وفقاً لهذه الآية وصل إلى مرتبة من الكمال لا تقبل التكميل. يعني: لا يمكن أبداً الزيادة عليه، ولا يمكن أن يوجد فيه نقصان بحيث يجبر باختراع أو ابتداع قوانين ما أنزل الله بها من سلطان. ومما يجري على ألسنة الناس اليوم للأسف الشديد الحديث عن المساواة بين القانون والشرع، أو بين القانونيين وغير المنقادين لشرع الله وبين الشرع، فيقال: الشرع والقانون يحكمان بكذا وكذا، على سبيل المقابلة بينهما والاحتجاج بهما على حد سواء. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ولا يخفى أن إطلاق الكفر لمجرد ذلك من غير تفصيل فيه نظر. وهنا يعقب على ما نقله عن الشيخ بهاء الدين في قوله: بكفر من يقول يعمل بالقانون والشرع، يعني: إذا قابل بينهما، فيشير القاسمي رحمه الله تعالى إلى وجوب الاحتياط في مثل هذه العبارة، فيقول: ولا يخفى أن إطلاق الكفر لمجرد ذلك من غير تفصيل فيه نظر. أي: لابد أن يستفصل عن حال قائل هذه الكلمة ماذا يقصد بها؟ وما السياق الذي وردت فيه؟ يقول: لأنه من تنطع الغالين من الفقهاء الذين زيف أقوالهم في التكفير كثير من العلماء النحارير، فإن التكفير ليس بالأمر اليسير. والحق في ذلك أن القانون الذي يهدم نصوص الشرع التي لا تحتمل التأويل ويفسدها وينسخها كفر وضلال. مثلاً من يصدر قانوناً بمساواة الرجل بالمرأة في ميراثها، هذا لا يحتمل التأويل؛ لقول الله ﵎: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، مع العلم بأن هناك حالات تتساوى فيها المرأة مع الرجل، وهناك حالات يفوق فيها نصيب المرأة نصيب الرجل، لكن القاعدة والأساس: أن للذكر مثل حظ الأنثيين. فمن أبطل هذه الشريعة كما حصل في الصومال من سياد بري الملحد المارق فهذا بلا شك كفر وردة وخروج عن دين الإسلام؛ لأنه محادة لشرع لله الواضح البين الذي لا يحتمل التأويل، والله تعالى أعلم. ولعلكم تذكرون أنه لما حصل ذلك فإن العلماء جزاهم الله خيراً قاموا ضد هذا الملحد المارق وأنكروا عليه هذا الخروج من الدين، فجمع العلماء وأحرقهم في الميادين العامة وهم أحياء، ولعل ما وقع في الصومال من العبر التي هي ممتدة إلى اليوم من الانشقاق والحروب والدمار والمجاعات؛ لعله من شؤم هذا الموقف، ومن شؤم هذه السياسة الظالمة الضالة! ولا يبعد أن يكون ذلك من شؤم هذه المحادة لله ورسوله ﷺ . ومثله أيضاً: القانون الذي صدر في تونس يحرم تعدد الزوجات، في حين أنه يبيح تعدد الخليلات، فهذا القانون حرم تعدد الزوجات مع أن هذا حلال في كتاب الله ﵎. فوقعت قضية لرجل تزوج امرأتين فدافع عنه محاميه بأن هذه الثانية خليلة ومعشوقة له وليست زوجة، فحينئذٍ لم يعاقب؛ لكن لو كانت زوجة فإنه يعاقب طبقاً لهذه القوانين، فكذلك أمثال هذه القوانين الصارخة في مصادمتها لشرع الله ﵎، والتي تهدم نصوص الشرع التي لا تحتمل التأويل وتفسدها وتمسحها، فهذا بلا شك كفر وضلال لا يقول به ولا يعول عليه إلا المارقون الجاحدون؛ فمن زعم أن القوانين أفضل من الشرع فهذا كافر كفراً أكبر لا خلاف فيه، ومن زعم أن القوانين الوضعية تحقق العدل بين الناس أكثر من الشرع فهذا لا شك في كفره، ومن ساوى بين الشرع الإسلامي وبين ما خالفه من القوانين الوضعية، فهذا أيضاً لا شك في كفره. أما من حكم بغير شرع الله ﵎ في بعض المسائل، كمن اتبع الهوى، بمعنى أنه يرفع راية الشريعة؛ لكنه خالف شرع الله بسبب رشوة أو لمحسوبية أو لغير ذلك من المعاني، فهذا يطلق عليه كفر, ولكنه كفر دون كفر؛ لأن هذا كفر عملي وليس كفراً اعتقادياً، يعني: هو يعتقد وجوب تحكيم شرع الله, ويرفع راية الشريعة, وتحكيم شرع الله، ثم هو في بعض المسائل يحكم بما يخالف شرع الله لهوى أو لرشوة أو لمحسوبية أو نحو ذلك، فهذه معصية، وهذا هو الذي روي فيه عن بعض السلف أنه كفر دون كفر، وليس الكفر الذي يذهبون إليه، على تفصيل في المسألة. يقول: والحق في ذلك أن القانون الذي يهدم نصوص الشرع التي لا تحتمل التأويل ويفسدها وينسخها؛ فإنه كفر وضلال لا يقول به ولا يعول عليه إلا المارقون الجاحدون. أما غير المنصوص عليه، أعني: ما لم يأتِ فيه آيات محكمة أو خبر متواتر أو إجماع، والمسائل الاجتهادية المدونة؛ فمخالفتها إلى قانون عادل لا يعد ضلالاً ولا كفراً. فهو يبين هنا الأشياء التي قد تنسب إلى الشرع وهي ليست من الشرع، كاجتهادات بعض الفقهاء، وهي اجتهادات قد تكون مرجوحة. فالعدول عن الاجتهاد المرجوح الذي لا يؤيده الدليل إلى قاعدة عدلية تتواءم مع قواعد الشرع في مراعاة العدل والإنصاف بين الناس ليس فيه مخالفة للشرع؛ لأن الشرع الذي نتكلم عنه هو الشرع الذي شرعه الله ورسوله ﷺ ، فأحكم الأمر فيه، وبين بياناً رفع كل لبس، وليس الشرع ما تخالف فيه الفقهاء، وكان مأخذه من الاجتهاد والرأي؛ فإن ذلك لا عصمة فيه من الخطأ بلغ رائيه من المكانة ما بلغ. وكثيراً ما تتشابه فروع الفقهاء مع مواد القانون، ولذا ألف بعض المتأخرين كتاباً في مطابقة المواد النظامية للفروع الفقهية؛ لأن مورد الجميع واحد وهو الرأي والاجتهاد، ورعاية المصلحة. فأيضاً لابد أن ننتبه إلى أن هناك قوانين لا بأس بالعمل بها، وهي القوانين التي تصطبغ بالصبغة الإدارية، أي القوانين واللوائح التي تنظم أحوال الناس من الناحية الإدارية، فهذه ليست داخلة في القانون الذي يذم العمل به، فإن هناك فرقاً بين الأحكام والحدود الشرعية وبين القوانين الإدارية، فإن القوانين الإدارية غالباً ما تدور مع مقاصد الشريعة في رعاية المصالح ودفع المفاسد، وتنظيم أمور العمل ونحو ذلك، فهذه لا تدخل فيما نحن بصدده. ولـ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى رسالة في هذا المعنى وهي: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية. ولتلميذه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كتاباً في نفس الموضوع، لكنه أوسع وأجمع وهو: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، أو يسمى أيضاً: الفراسة المرضية في السياسة الشرعية.

стр. 2679

تفسير قوله تعالى: (يوم يبعثهم الله جميعاً) يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة:٦]. قوله تعالى: ((أَحْصَاهُ اللَّهُ))، أي: أحاط به علماً ولم يذهب عنه شيء، ((وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ))، أي: رقيب يعلمه ولا يغيب عنه. وهذه الآية مما ينبغي أن يتدبرها كل مؤمن؛ لأن الإنسان يأتي الذنوب والمعاصي، ثم مع تطاول الأمل ينسى، ولكن الله لا ينسى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢]، فإن الذنوب ينساها الإنسان وهي قد دونت في صحيفته، وسوف يذكر بها يوم القيامة حينما يقول الله له: أتذكر يوم كذا؟ أتذكر يوم كذا؟ ويقرره بذنوبه، وهذا يقع حتى مع المؤمن، إلا أن من نوقش الحساب عذب، فأما العبد المؤمن فإن الله يقرره بذنوبه كلها، ويذكره بما نسي منها، حتى إذا أُسقط في يده، وظن أنه هالك لا محالة، يقول الله : (فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أسترها عليك اليوم)، لكن متى ما نوقش الإنسان في الحساب فهذه أمارة على أنه سوف يعذب. ولذلك قال الله ﵎: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]، والحساب اليسير هو عرض الأعمال عليه فقط. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الانشقاق:١٠ - ١١]، يعني: يقول: وا ثبوراه! وا هلاكاه! ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق:١٢ - ١٤]. وقوله تعالى هنا: ((أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ))، هذه تقدمة للإخبار بسعة علم الله ﵎؛ لأن هذه الآية تمهيد لما يأتي بعدها من النهي عن النجوى بالإثم تحذيراً وتنفيراً، وقد أكد ذلك بتفصيل علمه عناية بالمنهي عنه والمحذر منه.

стр. 2680

تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات) قال الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]. ((مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى))، النجوى هنا مصدر معناه: التحدث سراً، مأخوذة من النجوة، وهي ما ارتفع من الأرض؛ لأن السر يصان عن الغير، فكأنه رفع من حضيض الظهور إلى أوج الخفاء. وقيل: بل سميت النجوى بهذا؛ لأن المتسارين يخلوان بنجوة من الأرض، أو هو من النجاة. وتخصيص العددين: ((مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ)) إلى آخره، إما لخصوص الواقعة، فكان قوم من المنافقين على هذا العدد اجتمعوا مغايظة للمؤمنين، أو لأن التناجي للمشاورة وأقله ثلاثة، يعني: أن أقل ما تقع به مشورة ثلاثة؛ لأن التشاور لابد له من اثنين يكونان كالمتنازعين، وثالث يرجح إحدى الكفتين. ومناسبة ضم الخمسة للثلاثة كون الخمسة أول مراتب ما فوقها في اليسرية، فذكرا ليشار بهما للأقل والأكثر، على أنه عمم الحكم بعد ذلك فقال: ((وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ))، كالاثنين، ((وَلا أَكْثَرَ))، كالستة وما فوقها، ((إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا))، أي: يعلم ما يكون بينهم في أي مكان حلُّوا؛ لأن علمه بالأشياء ليس لقرب مكاني حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة. يعني: أن الله يعلم ما يكون بينهم من المناجاة في أي مكان؛ لأن علم الله بالأشياء ليس نتيجة قرب مكاني، فالمخلوق إذا علم شيئاً عن مخلوق، أو علم ما يتكلم به مخلوق آخر، فيكون بسبب قربه منه في المكان، لكنه يغيب عن الأماكن الأخرى، أما الله فعلمه ليس ناشئاً عن قرب مكاني حتى يتفاوت هذا العلم باختلاف الأمكنة وتفاوتها، وإنما الله معهم بعلمه في كل مكان وحيث ما حلو. روى ابن جرير، عن الضحاك في هذه الآية قال: هو فوق العرش وعلمه معهم أينما كانوا. وقال ابن كثير: حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علمه تعالى، ولا شك في إرادة ذلك. ولا شك أن هذا هو التفسير الصحيح للآية، ولا يمكن أبداً أن يقال: إن الله بذاته موجود مع المخلوقين، ولذا أجمع السلف على أن الله عالٍ على عرشه، بائن من خلقه، منفصل عن هذا العالم، ولا يحل فيه كما قال الضالون في ذلك. وقال الإمام أحمد: افتتح الآية بالعلم واختتمها بالعلم. افتتح الآية بالعلم: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾، ثم ختمها بالعلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ليلفت نظرنا إلى أن المعية المذكورة هنا إنما هي بالعلم: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧].

стр. 2681

تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى) يقول الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة:٨]. قوله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى))، قال مجاهد: هم اليهود لعنهم الله، ((ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ))، أي: يتناجون فيما بينهم ويتسارون بما هو إثم وتعد على المؤمنين، وتواص بمخالفة النبي ﷺ . قال أبو السعود: وذكره ﵌ بعنوان الرسالة بين الخطابين المتوجهين إليه لزيادة تشنيعهم واستعظام معصيتهم. ثم قال تعالى: ((وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ))؛ لأنهم كانوا يلحنون حينما يحيون النبي ﵌، فإما أنهم كانوا يحيونه بمثل قولهم: السام عليك، يريدون به الموت السام عليك، وكأنهم يدعون على النبي ﵊ بأن يموت، ولذلك غضبت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها حينما قال رجل يهودي ذلك للنبي ﵊، فقالت: وعليك السام واللعنة، في حين أن الرسول ﵊ رد عليه وقال: (وعليك)، فبين النبي ﵊ لـ عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنه رد عليه مثل ما قال، لكن أرشدها إلى الترفق في الخطاب، وفي تأويل ذلك كما قلنا: وعليك مثلما قلت، أو: والسام عليك، يعني: الموت مكتوب علينا جميعاً، وكل مخلوق سوف يموت. ومن ذلك تحيته ﷺ بما نسخه الإسلام من تحايا الجاهلية، فالله حيَّا نبيه ﵊ بالسلام في قوله تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٨١]، فهذا هو الذي يليق أن يحيا به نبي الله ﵌. أما هم فإنهم كانوا يحيونه بهذه اللفظة، وإما أنهم كانوا يحيونه بشيء من تحايا الجاهلية التي نسخها الإسلام. يذكر بعض العلماء أن تحية أهل الكتاب إذا ألقوا السلام أن يقال لهم: وعليكم. وللأسف الشديد أن من المسلمين الآن من يقول: السام عليكم؛ فيسقط اللام بغير قصد، ولا يلتفت إلى خطورة هذه اللفظة، وأنه تشبه باليهود فيها، لكن حقيقة السلام: السلام عليكم، حتى قال بعض العلماء: إن العلة في الرد المقتضب على أهل الكتاب إذا حيونا بأن نقول لهم: وعليكم؛ خشية أن يكونوا يلحنون في السلام. قال بعض العلماء: أما إذا تحققت وتثبت من أن الكتابي لم يلحن وقالها صحيحة صريحة فلا بأس أن ترد ﵇ بنفس اللفظ الذي قاله، أخذاً بعموم قول الله ﵎: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]. ((وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ))، يعني: كأنهم يقولون في أنفسهم: ها نحن نسخر من النبي ﷺ ، وها نحن نؤذيه بقولنا: السام عليك، أو بالتحريف في التحية استهزاءً وسخرية، وأيضاً بالتناجي المذموم فيما بيننا مكيدةً للنبي ﵊، فلو كان محمد هو عبد الله ورسوله ﷺ فهلا عجل الله عقوبتنا بذلك. فرد الله عليهم قائلاً: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، يعني: يكفي قائلي ذلك تعذيبهم في جهنم.

стр. 2682

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم) نهى الله ﵎ المؤمنين وحذرهم أن يجترموا في النجوى ما اجترمه أولئك، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى * إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة:٩ - ١٠]. ((وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ))، أي: بطاعة الله وما يقربكم منه ، ((وَالتَّقْوَى))، أي: في اجتناب ما يأثم، ((وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ))، يعني: سيجزيكم بما اكتسبتم مما أحصاه عليكم. ثم شجع الله المؤمنين على قلة المبالاة بمناجاة أعدائهم، وأرشدهم إلى ألا يبالوا بمناجاة أعدائهم، وبين لهم أنها لا تضرهم ما داموا على وصاياه، متكلين عليه ﵎، فقال : ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾، أي: النجوى التي ذمها الله ؛ و (أل) هنا للعهد، لأن هناك من النجوى ما هو خير، كما قال : ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. إذاً: النجوى يمكن أن يتناجى أناس بكلام فيه بر وتقوى وخير، لكن قوله ﵎ هنا: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾، هذه (أل) العهدية، والمراد بها النجوى التي سبق ذمها، وليست كل نجوى. وهي كقول الله ﵎: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل:١٦] الرسول (أل) في (الرسول) للعهد؛ لأن الرسول المقصود به هنا موسى ﵇. ومثل قوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، فالرسول هنا هو محمد ﷺ ؛ لأنه هو الذي أنزل عليه القرآن، كذلك هنا: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: التي ذمها الله، والمزين لهذه النجوى بالسر والحامل عليها هو الشيطان. ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾ المقصود هنا: إما الشيطان وإما التناجي المذكور، يعني: وليس الشيطان بضارهم شيئاً، أو: وليس التناجي الذي يحصل بأمر من الشيطان بضارهم شيئاً، ((إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ))، أي: بمشيئته . ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، يعني: بالمضي في سبيله، والاستقامة على أمره، وانتظار النصر على إثره. قال القاشاني: إنما نهوا عن النجوى لأن التناجي اتصال واتحاد بين اثنين في أمر يختص بهما لا يشاركهما فيه ثالث، وللنفوس عند الاجتماع والاتصال تعاضد وتظاهر يتقوى ويتأيد بعضها ببعض فيما هو سبب الاجتماع، لخاصية الهيئة الاجتماعية التي لا توجد في الأفراد، فإذا كانت شريرة -مجموعة من الناس غلب عليها الشر أو هي من الأشرار- فإنهم يتناجون في السر، ثم اجتماعهم يزيد ملكة الشر عندهم. ويقوى فيهم المعنى الذي يتناجون به بالاتصال والاجتماع، ولهذا ورد هذا النهي بعد قوله: ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، بالإثم الذي هو رذيلة القوى البهيمية، والعدوان الذي هو رذيلة القوى الغضبية، ﴿وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾، التي هي القوة النطقية بالجهل وغلبة الشيطانة. ألا ترى كيف نهى المؤمنين بعد هذه الآية عن التناجي بهذه الرذائل المذكورة وأمرهم بالتناجي بالخيرات؛ لأن هذا يقوي المؤمنين ويؤزهم أزاًً على المزيد من المناجاة بالبر والتقوى، فقال: ((وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى)). قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وقد ورد في السنة النهي عن التناجي حيث يكون في ذلك إيذاء لمؤمن، فقد روى الإمام أحمد بسنده، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما؛ فإن ذلك يحزنه)، وهذا الحديث متفق عليه. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الثالث إلا بإذنه؛ فإن ذلك يحزنه)، وهذا انفرد بإخراجه مسلم. وجمهور العلماء على مراعاة الأخذ بهذا الشرط الذي أشار إليه ابن كثير؛ حيث ورد في السنة النهي عن التناجي حيث يكون في ذلك تأذ على المؤمن. قالوا: إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزن هذا الثالث، فجمهور العلماء على تأويل الحديث بأنه: إذا تأكدتم أن ذلك لا يحزنه فلكما أن تتناجيا دونه. وأخذ بعض العلماء بظاهره: أن تناجي الاثنين دون الثالث يحزنه، فبالتالي يحمل الحديث على ظاهره ولا داعي لهذا الشرط؛ لأن الرسول ﷺ أخبر أن ذلك يحزنه، إذاً هو يحزنه حتى لو ظن ظان أنه لا يحزنه. فالأحوط والله تعالى أعلم الأخذ بظاهر الحديث، فلا يتناجى الإنسان مع أخيه إلا إذا كان العدد أكثر من ثلاثة؛ ففي هذه الحالة يخرج من مخالفة الحديث، فلو كانوا أربعة مثلاً لم ينه من أن يتناجى اثنان دون الاثنين الآخرين. ومما في معنى هذا الحديث: أن يتكلم الاثنان بصوت عال لكن بلغة لا يفهمها الثالث، فهذا أيضاً في معنى المناجاة؛ نعم هي ليست منجاة لأنها ليست في السر؛ لكنها تؤدي إلى نفس الشيء، لأنه ربما يظن أنهما يدبران له سوءاً، أو يذكرانه بسوء في كلام لا يفهمه، وتوجد حالات مستثناة يمكن استنباطها.

стр. 2683

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا) يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة:١١]. هذا تعليم منه تعالى للمؤمنين بالإحسان في أدب المجالس، وأدب المجالس باب مستقل من أبواب الأدب، صنف العلماء فيه كتباً مستقلة، وهو موضوع طويل لكن نمر عليه مروراً سريعاً ضمن تفسير الآية. فهنا يعلم الله المؤمنين ويؤدبهم على الإحسان في أدب المجالس. ومن هذه الآداب: أن يفسح المرء لأخيه ويتنحى توسعة له. وارتباط هذه الآية الكريمة بما قبلها ظاهر؛ لأنه في الآية الماضية نهى عن التناجي والسرار، فلما نهى عن التناجي والسرار علم معه الجلوس مع الملأ، فذكر آدابه. يعني: أن التناجي لا يكون إلا في مجلس، فذكر آداب هذا المجلس، ورتب على امتثالهم فسحه لهم فيما يريدون من التفسح في المكان والرزق والصدر، فتأمل الفعل وتأمل المكافأة! أما الإفساح فهذا شيء نشعر به من بركات مجالس المسلمين واجتماعهم وتزاحمهم في مجالس الرحمة والذكر، ونلاحظ أن الناس إذا ضيقت على أنفسها وبخلت تضيق عليها الأمور، وربما يريد شخص أن يدخل في الصف فإذا أخذ الناس الأمر بسهولة تجد أن الفسحة تحصل في الصف وذلك من بركة الإسلام وبركة الصلاة وبركة امتثال هذا الأمر، وإذا أتى رجل وحاول أن يدخل في الصف فقد يأتي ثان وثالث مع أن الناس كانوا يتصورون أن أول واحد هذا لن يكفيه المكان، فتجد أن البركة تحصل. قال ابن كثير: وذلك أن الجزاء من جنس العمل، كما جاء في الحديث الصحيح: (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، ولهذا أشباه كثيرة، وقد جمع أحد إخواننا الأفاضل الدكتور سيد حسين وأحفاده قاعدة: الجزاء من جنس العمل في كتاب كبير حافل بهذه الأشباه التي يشير إليها الإمام ابن كثير هنا. قال قتادة: نزلت هذه الآية في مجالس الذكر، وذلك أنهم إذا رأوا أحدهم مقبلاً ضنوا بمجالسهم عند رسول الله ﷺ ؛ فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا)). ((وإِذَا قِيلَ انشُزُوا)) أي: انهضوا، يعني أن التوسعة لن تتم إلا إذا قام البعض أو ارتفعوا في المجالس. أو: انهضوا عن مجلس الرسول ﵊ إذا أمرتم بالنهوض عنه، ولا تملوه بالارتكاز فيه. يعني: إذا أمركم الرسول ﷺ أن تنهضوا عنه وتنصرفوا فانصرفوا، ولا تملوه بالارتكاز في المكان وعدم الحركة. ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ))، أي: يرفع الله المؤمنين بامتثال أوامره وأوامر رسوله ﷺ ، والعالمين بها الجارين على موجبها بمقتضى علمهم، درجات دنيوية وأخروية. قال الناصر: لما علم أن أهل العلم بحيث يستوجبون عند أنفسهم وعند الناس ارتفاع مجالسهم خصهم بالذكر عند الجزاء؛ ليدخل عليهم ترك ما لهم من الرفعة في المجلس تواضعاً لله ﵎. نلاحظ هنا أن الأمر والتكليف شمل المؤمنين جميعاً: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا))، ولكنه عند ذكر الجزاء فصّل فقال: ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ))؛ لأن أهل العلم في الغالب يصدرون في المجالس وترفع مجالسهم؛ فخصهم بالذكر عند الجزاء ليسهل عليهم ترك ما خصوا به من الرفعة في المجالس؛ تواضعاً لله ﵎. وهذا كما قال الشهاب: من مغيبات القرآن، لما ظهر من هؤلاء في سائر الأعصار من التنافس في رفعة المجالس ومحبة التصدير، يعني: كأن هناك بعض من ينتسب إلى العلم ينشغل كثيراً بموضوع الرفعة في المجالس، وأن يكون له الصدارة فيها، ويحب الظهور على مقعد أو في مكان مميز، وهذا لم يكن معروفاً في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وفي كلام الزمخشري ما يشير إلى أنه من عطف الخاص على العام تعظيماً له بعدّه كأنه جنس آخر. يعني أن قوله: ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ))، يعني: ما عدا أهل العلم، أما أهل العلم فهم فئة مستقلة. قول الزمخشري: إن هذا من باب عطف الخاص على العام، بمعنى أن قوله تعالى: ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ))، هذا عام فيشمل في ضمن ما يشمل أهل العلم، ثم خص من هذا العموم أهل العلم بقوله: ((وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ))، فهذا كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨]، فهذا تخصيص بعد تعميم؛ لأن جبريل وميكال من الملائكة، ولذا أعاد الموصول في النظم فقال: ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ))، ولم يقل: (يرفع الله الذين آمنوا منكم وأوتوا العلم) وإنما كرر (الذين)، فقال: ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)). والمراد بالعلم: علم ما لابد منه من العقائد الحقة والأعمال الصالحة. وفي الآية استحباب التفسح في مجالس العلم والذكر وكل مجلس طاعة. ومن آداب المساجد أن يفسح الإنسان لأخيه، خاصة عند الزحام في بعض التجمعات مثل صلاة العيد والجمعة ودروس العلم، فينبغي أن يحرص المسلمون على التفسح في المجالس والتسامح في هذا الأمر. ويفهم من الأمر بالتفسح النهي عن إقامة شخص ليجلس أحد مكانه، فقد جاء أن رسول الله ﷺ قال: (لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا)، رواه الإمام أحمد والشيخان. وهذا التعبير من القاسمي رحمه الله تعالى دقيق: إذ إنه يفهم من الأمر بالتفسح النهي عن ضد ذلك، فمن جلس في مجلس فيه زحام وقال للناس: تفسحوا، فليس معنى تفسحوا قوموا، بل: كونوا جالسين ولكن كل واحد يفسح لكي يجد الآتي مكاناً فيجلس فيه، وإلا لو كان يجوز للشخص القادم أن يقيم واحداً ويجلس مكانه لما أمروا بالتفسح. فإذاً يفهم من الأمر بالتفسح النهي عن إقامة شخص ليجلس أحد مكانه، فهذا ممنوع شرعاً، خاصة في المكان العامر لجميع المسلمين، كالمساجد أو غيرها من الأماكن العامة. لكن لو كان في بيته وسلطانه، وله مكان خاص فلا يجوز لأحد أن يجلس فيه؛ لأن هذا خاص وفي ملكه، وقال النبي ﵇: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه)، فالإنسان إذا دخل عند شخص ضيفاً لا يتحرى مكان الصدارة أو المكان الخاص بصاحب البيت، مثل كرسي المكتب الخاص به، أو مقعد معين له صدارة معينة، بل يترك هذا لصاحب البيت، فإن أذن له فلا بأس. وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم)، رواه الإمام أحمد. وفي رواية بلفظ: (لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه، لكن افسحوا يفسح الله لكم)؛ وهذا الكلام يقودنا إلى موضوع آخر من الموضوعات المتعلقة بآداب المجالس، وهو: حكم القيام للشخص القادم.

стр. 2684

حكم القيام للقادم يقول ابن كثير: وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء على أقوال: فمنهم من رخص بذلك محتجاً بحديث: (قوموا إلى سيدكم)، رواه البخاري. ومنهم من منع ذلك محتجاً بحديث: (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً، فليتبوأ مقعده من النار). ومنهم من فصل فقال: يجوز عند القدوم من سفر، وللحاكم في محل ولايته، كما دل له قصة سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، فإنه لما استقدمه النبي ﷺ حاكماً في بني قريظة، فلما رآه مقبلاً قال للمسلمين: (قوموا إلى سيدكم)، وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه، والله تعالى أعلم، فأما اتخاذه ديدناً فإنه من شعار العجم، وقد جاء في السنن: (أنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكان إذا جاء لا يقومون له، لما يعلمون من كراهته ﷺ لذلك). أما القول بمنع القيام للقادم فهو مستنبط من حديث: (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، والحكم الذي نستنبطه من هذا الحديث: تحريم محبة الوارد -القادم- أن يقوم الناس له. وفي هذا دلالة واضحة وصريحة على تحريم حب القادم أن يتمثل له الرجال قياماً، وهذا الأمر في غاية الخطورة. أما قيام الناس للقادم فهذه فيها الخلاف الذي سنذكره، وبالتالي هذا فيه إنذار خطير جداً للرؤساء والوجهاء والمدراء والنظار والمدرسون إلى آخره إذا وقع في قلبه محبة أن يقوم الناس له، بل ربما شعر أنهم هدموا حقه، وأنهم أساءوا إليه، وأنهم لا يحترمونه؛ لأنهم لم يهبوا قياماً إذ رأوه قادماً. هذا أولاً. ثانياً: الاستدلال بها في حق الجالسين. وفيه التفصيل الآتي: نأخذ بمفهوم الحديث، أو بتعبير أدق: استدلالاً بقاعدة سد الذرائع، نستنبط منها أنه يكره للجالسين القيام للوارد إذا أقبل عليهم إلا في حالات مستثناة، لماذا قلنا: يكره؟ لأن الدليل هنا لا يتعرض لذلك مباشرة، وإنما يكره؛ لأنه قد يكون في تعويده القيام له كلما دخل زرع لمحبة ذلك في قلبه، فإذا توقفوا عن بذل ذلك مرة من المرات سوف يبغض ذلك ويكرهه، ويرى أنهم لم يحترموه، فبالتالي يقع في الوعيد المذكور في هذا الحديث. أما من أجاز ذلك؛ فقد استدل بقول النبي ﵊ في سعد بن معاذ: (قوموا إلى سيدكم). في الحقيقة هذا الحديث كثير من الناس يستدلون به؛ لأن لفظه يدل على التعظيم، لكن يرد عليهم بقوله: (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه)، وذلك لأن سعد بن معاذ ﵁ كان مجروحاً، وقد استشهد رحمه الله تعالى من أثر تلك الجراح، وكان قد أتى على دابة، فلما رآه النبي ﵇ مقبلاً وهو مجروح قال: (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه)، فهذا القيام كان لأجل إنزاله؛ لأنه كان جريحاً، فأيضاً هذا مما يرد به على من جوز القيام للقادم. وجاء أيضاً في السنن: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكان إذا جاء لا يقومون له؛ لما يعلمون من كراهته ﷺ لذلك، فهذه أقوى حجة بعيداً عن الأحكام الفقهية الدقيقة، لكن يكفي أن الرسول ﵊ كان يكره ذلك، وأن الصحابة مع أنهم أشد الناس تعظيماً لرسول الله ﵌ ومع ذلك كانوا يتحاشون هذا.

стр. 2685

حكم المجازفة في المديح بمناسبة الكلام على هذا الأمر يحصل أحياناً نوع من الترخص أو التجافي من الإخوة في مخالفة بعض الآداب الشرعية في عامة المناسبات الاجتماعية، وخاصة في حفلات الزواج وما شابهها، نجد الإخوة يسنون سنة سيئة جداً وسنة قبيحة، وهي سنة المجازفة في المدح؛ لأننا بهذا المدح نعود إخواننا على هذه الأساليب التي لا تليق بالمسلمين، وإنما هي نفخ في الأشخاص ومجازفة، فلماذا نكذب؟ والرسول ﵊ نهى عن مثل هذا المدح حيث قال: (إياكم والتمادح فإنه الذبح)، وقال النبي عليه الصلاة السلام: (إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب)، فهذا هو اللائق مع من يجادلون في المدح، ولو أن الناس الذين يجادلون في المدح التفتوا لهذا الحديث لكان خيراً لهم. ولو أن أحد المادحين حثي بالتراب لكانت موعظة عملية تجعلهم يكفون عن هذا الأمر، وأحياناً الواحد كلما حضر مناسبة لبعض الإخوة يجدهم يتكلمون مع بعض الشيوخ بكلام غريب جداً، هل كل من يتكلم يبدأ بالمديح في كل مناسبة، ينبغي أن نتنزه عن مثل هذا السلوك، وليس هذا من سلوك السلف، وعلينا أن نتذكر قول الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٩]. فمن كان من عباد الله باراً وتقياً وصالحاً لم ينقصه الله حقه، بل يضمن من عمل أعمالاً صالحة أنها عند الله ، فعلينا أن نعد السيئات ولا ننشغل بالمجازفة في المديح حتى يشيع الدجل والنفاق كما يشيع في الأوساط السياسية، فعلينا أن ننزجر وأن نكف عن المجازفة في المديح؛ لأن ذلك يكون فتنة، فنرجو من الإخوة أن يلتفتوا لهذا الأمر. فمن لقي عالماً أو رجلاً صالحاً أو شيخاً مسناً فقبل رأسه أو يده خاصة الوالدين، فلا بأس، لكن لا تستبدل هذه التحية بتحية وأدب الإسلام في المصافحة وإلقاء السلام؛ نعم هي رخصة لكننا نبالغ في الرخص ونضاعفها؛ فهذا أيضاً مما يخالف هدي السلف الصالح رحمهم الله تعالى.

стр. 2686

حكم المعانقة عند اللقاء يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء على أقوال: فمنهم من رخص بذلك محتجاً بحديث: (قوموا إلى سيدكم). ومنهم من منع ذلك محتجاً بحديث: (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار). ومنهم من فصل فقال: يجوز عند القدوم من سفر. وهذا عليه دليل صحيح، وهو قول بعض الصحابة للنبي ﵊: (يا رسول الله! أرأيت إذا لقي أحدنا صاحبه أيلتزمه ويعانقه؟ قال: لا. قال: أينحني له؟ قال: لا. قال: يصافحه؟ قال: نعم)، فهذا هو الأدب. وفي الأثر: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا إذا تلاقوا صافح بعضهم بعضاً، وإذا قدموا من سفر تعانقوا، فالمعانقة تكون عند القدوم من السفر، أما عند الملاقاة العادية فالأصل هو المصافحة. فموضوع المعانقة عند كل لقاء مخالف لأدب السلف ولهدي النبي ﵊ في تأديبه أصحابه، فإذا كنا نحن ننكرها على النساء مع أنها من العادات المتأصلة في مجتمعات النساء؛ لكن الواقع أن المصافحة أدب لكل المسلمين رجالاً ونساء. أما المعانقة والالتزام فيمكن عند القدوم من سفر، أو كما قال العلماء: إذا غاب عنه مدة طويلة واشتاق إلى أخيه، لكن أن تكون ديدناً وعادةً وشيئاً يستبدل عن الأدب الشرعي الذي هو مجرد المصافحة، فهذا مخالف لآداب السلف رحمهم الله تعالى.

стр. 2687

تفصيل ابن كثير في حكم القيام للقادم وبعضهم قال: يجوز للحاكم في محل ولايته، كما دلت عليه قصة سعد بن معاذ، وسبق الجواب عن الاستدلال بها، والعلماء الذين أجازوا ذلك قالوا: القيام له مما يجعل له هيبة وسطوة؛ بحيث يستجيب الناس لحكمه وينقادون له. يقول: فأما اتخاذه ديدناً فإنه من شعار الأعاجم. ولذلك فإن المجتمعات الإسلامية يتشبهون دائماً بالكفار ويعظمون هذا الأدب، فإذا دخل شخص فالكل يقوم ويصفق. وعلى قول بعض العلماء: يمكن أن يكون تقبيل اليدين والرأس مثلاً للوالدين كنوع من البر والإكرام، وأنا أعرف رجل أعمال كان ناجحاً جداً رحمه الله تعالى، فكان يحكي لي أن أباه كان يحب أن يقبل يده، فيمد له يده ليقبلها، فعندما ينتهي يقول له: قم وستفلح، وبالفعل قد أفلح هذا الرجل جداً، فالشاهد أن هذا يجوز إذا كان مما يرضي الوالدين، فيدخل تحت قوله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٤]. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: لم يكن من عادة السلف على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام كما يفعله كثير من الناس. بل قد قال أنس بن مالك ﵁: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك، ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقياً له، كما روي عن النبي ﷺ أنه قام لـ عكرمة، وقال للأنصار لما أتى سعد بن معاذ: (قوموا إلى سيدكم)، وكان سعد متمرضاً بالمدينة، وكان قد قدم إلى بني قريظة شرقي المدينة. والذي ينبغي للناس أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد النبي ﷺ فإنهم خير القرون، ولا يعقل أن يكون هناك خير حجبه الله عن خير القرون ثم نستأثر نحن بهذا الخير؛ لأن شعارنا الذي نرفعه ونتشدق به ونفخر به: أن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وأن أي أمر يرد علينا فنحن نقول: لو كان خيراً لسبقونا إليه، ولا نقول كما قال الكفار: لو كان خيراً ما سبقونا إليه، وحينها فلا يعقل أن يختصنا الله بخير يحجبه ويحرم منه أصحاب الرسول ﵊ وخير القرون. يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: والذي ينبغي للناس أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد النبي ﷺ فإنهم خير القرون، وخير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، فلا يعدل أحد عن هدي خير الخلق وهدي خير القرون إلى ما هو دونه. وينبغي للمطاع أن يقرر ذلك مع أصحابه؛ فهي في الحقيقة مسئولية الرئيس أو الزعيم أو المدير أو المدرس؛ إذ هو الذي ينبغي أن يعلن هذا الأمر عند الناس ويؤدبهم عليه، فيقول لهم: إذا دخلت فلا تقوموا؛ لأني أكره ذلك، ويقول: إن الرسول ﷺ نفسه كان أحب إنسان إلى الصحابة ومع ذلك كانوا يطيعونه في عدم القيام؛ لأنهم يعرفون أنه يكره ذلك، ويبين لهم أن لنا في ذلك أسوة حسنة إلى آخره. نعم قد توجد الآن حالات من الاضطراب يحتاج معها بعض المدرسين والمدراء وفي بعض المرافق إلى استخدام القيام، وهذا موضوع آخر يدخل في باب الفتوى، وكل سؤال له جواب خاص به، لكننا نتكلم عن القاعدة العامة. يقول: وينبغي للمطاع أن يقرر ذلك مع أصحابه؛ بحيث إذا رأوه لم يقوموا له، ولا يقوم لهم إلا في اللقاء المعتاد. الكلام هنا في موطن يكون والناس فيه جلوس، ثم يدخل عليهم واحد فيقومون له، فهذا هو محور كلامنا الآن، لكن في اللقاء المعتاد هذا أمر آخر. فأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقياً له فحسن. وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام، ولو ترك ذلك لاعتقد أن ذلك بخس في حقه، ولم يعلم العادة الموافقة للسنة؛ فالأصلح أن يقام له؛ لأن ذلك إصلاح لذات البين، وإزالة للتباغض والشحناء. الكلام هنا مقيد بشروط: وذلك بأن تكون هذه عادة عند الناس، وهي إكرام الجائي بالقيام، ولو ترك ذلك لاعتقد أن ذلك بخس في حقه، أو أنهم يقصدون إهانته، وأنهم لا يحترمونه، وهذا الجائي لم يعلم العادة الموافقة للسنة، فيمكن أن يقوم له لإصلاح ذات البين، ولإزالة البغضاء والتشاحن، لكن نقول: فيقام له ثم يبين له بعد ذلك أن الامتناع سنة إلى آخره. يقول: وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة، فليس في ترك ذلك إيذاء له. أي: أما في المجتمعات الملتزمة بالسنة، المعظمين لهدي الرسول ﵊ وهدي السلف؛ ففي هذه الحالة إذا ترك القيام للقادم لا يحتمل أن يكون ذلك إيذاء أو احتقاراً له أو عدم احترام. وليس هذا القيام هو القيام المذكور في قول النبي ﷺ : (من سره أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، فإن ذلك أن يقوم وهو قاعد، وليس أن يقوم لمجيئه إذا جاء. هذا أيضاً مما يوضحه الإمام ابن كثير، فهو يرى أن القيام في هذه الحالة ليس هو القيام المذكور في الحديث، يقول: لأن القيام المذكور في الحديث ليس القيام للجائي تلقياً له، وإنما هو القيام لمن يدخل المجلس فيقوم الناس له ثم لا يجلسون حتى يجلس، وهذا يظهر جلياً في دواوين الملوك. هذا رأي ابن كثير، وإن كان قد يكون فيه شيء من النظر، وللعلماء وجهات نظر مخالفة لبعض، لكن هو يرى أن الحديث يشمل من هو قاعد وهم قيام، لهذا فرقوا بين أن يقال: قمت إليه وقمت له، والقائم للقادم ساواه في القيام بخلاف القيام للقاعد، والقاعد إذا قام للتلقي فهو قائم مساو له، لكن في الصورة التي يذكرها ابن كثير يكون هذا الشخص قاعداً وهم قيام على رأسه. قال: وقد ثبت في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ لما صلى بهم قاعداً في مرضه، وصلوا قياما، فأمرهم بالقعود، وقال: لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضهم بعضاً)، فقد نهاهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد؛ لئلا يشبه الأعاجم الذين يقومون لعظمائهم وهم قعود. وجماع ذلك أن الذي يصلح اتباع عادة السلف وأخلاقهم، والاجتهاد بحسب الإمكان، فمن لم يعقل ذلك أو لم يعرف أنه العادة، وكان في ترك معاملته بما اعتاده الناس من الاحترام مصلحة راجحة، فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، كما يجب فعل أعظم الصلاحين بتفويت أدناهما. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية كما ذكرنا في هذه المسألة: فمن لم يعتد ذلك. يعني: عادات السلف، أو لم يعرف أنه العادة، وكان في ترك معاملته بما اعتاده الناس من الاحترام مصلحة راجحة فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما؛ خاصة بالذات لو كان هذا الشخص معظماً عند أتباعه، وخلفه أناس وأتباع كثيرون. يقول ابن كثير: روي عن ابن عباس والحسن البصري وغيرهما: أنهم قالوا في قوله تعالى: ((إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا)): يعني: في مجالس الحرب، قالوا: ومعنى قوله: ((وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا))، أي: انهضوا للقتال. وقال قتادة: ((وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا))، أي: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا. وقال أبو القاسم: إذا دعيتم إلى الصلاة فارتفعوا بها. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا إذا كانوا عند النبي ﷺ في بيته فأرادوا الانصراف أحب كل منهم أن يكون هو آخرهم خروجاً من عنده، فربما يشق ذلك عليه ﷺ ، وقد تكون له الحاجة، فأمروا أنهم إذا أمروا بالانصراف أن ينصرفوا، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور:٢٨]. ولا تنافي بين هذه الأقوال؛ لأن كلاً منها تفسير للفظ العام ببعض أفراده وما يصدق عليه إشارة إلى تناوله لذلك؛ لا أن أحدها هو المراد دون غيره، فذلك ما لا يتوهم، فقد كثر مثل ذلك في تفاسير السلف في كثير من الآي، وكله مما لا اختلاف فيه كما بيناه مراراً. حاصل الكلام: أن الآية إذا وردت فيها أقوال عدة لا تتصادم ويحتملها معنى الآية، فالأصل هو الحمل على هذا العموم؛ إذا قيل لكم: تفسحوا في المجالس، سواء قلنا: في مجالس العلم، أو صلاة الجمعة، أو صلاة العيد، أو الاجتماعات عموماً، أو الحرب ((وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا)) يعني: انهضوا للقتال ((فَانشُزُوا))، أو ((وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا))، بمعنى: أن صاحب الدار أمر الحاضرين بالانصراف ((فَانشُزُوا)) أي: انصرفوا، فتضاف إلى آداب الاستئذان، مثل قول الله ﵎: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨]، فتضاف أيضاً على هذا القول إلى المعنى العام.

стр. 2688

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول) قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة:١٢]. ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ))، يعني: إذا ساررتم الرسول ﷺ ، ((فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً))، أي: قبل مسارته في بعض شئونكم قدموا صدقة لله ﵎. وفي ذلك تعظيم لمقام النبي ﷺ ، وفيه إحسان إلى الفقراء والمساكين ببذل الصدقة قبل مناجاة النبي ﷺ ، وفيه تمييز بين المؤمن والمنافق. ((ذَلِكَ))، أي: ذلك التقديم ((خَيْرٌ لَكُمْ))، أي: لأنفسكم؛ لما فيه من مضاعفة الأجر والثواب، والقيام بحق الإخاء بالعون لذوي المسكنة بالمواساة والمؤنة. ((وَأَطْهَرُ))، أي: أطهر لأنفسكم من رذيلة البخل والشح، ومن حب المال وإيثاره الذي قد يكون من شعار المنافقين. وكأن الأمر بالتصدق المذكور نزل ليتميز المؤمن من المنافق؛ فإن المؤمن تسخو نفسه بالإنفاق كيفما كان، والثاني يغص به ولو في أضر الأوقات، ومعظم أوامر السورة هو التصدق. ((فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا))، ما تتصدقون به أمام مناجاتكم الرسول صلوات الله عليه. ((فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ))، لمن لم يجده، إذ لم يحرجه ولم يضيق عليه رحمة منه.

стр. 2689

تفسير قوله تعالى: (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات) قال تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة:١٣]. هذا الاستفهام معناه التقريع، يعني: أخفتم من تقديم الصدقات الفاقة والفقر؟ وهذا توبيخ بأن مثله لا ينبغي أن يشفق منه، فمثل هذا التقديم، وهو تقديم الصدقة والإحسان إلى الفقراء، ليس مما يشفق الإنسان منه، للزوم الخلف للإنفاق لزوم الظل للساقط بوعد الله الصدق. وهذه هي سنة الله الجارية: أن كل من أنفق يخلف الله عليه، وهذه الدعوة التي يدعوها الملكان في كل صباح: (اللهم أعط منفقاً خلفاً، اللهم أعط ممسكاً تلفاً). وقال النبي ﷺ : (ثلاث أحرص عليهن: منها: ما نقص مال من صدقة). بما أن الإخلاف يلازم الإنفاق لزوم الظل للساقط فالنفقة في سبيل الله والصدقة لا ينبغي أن يشفق منها الإنسان، فالإنسان قد يشفق ويخشى الفاقة والفقر إذا أنفق؛ ولكن الله ضمن للمنفق أن يخلف عليه، وضمن له الثواب الجزيل، والفضائل الكثيرة المعروفة في ثواب الصدقة، فهل مثل هذا يشفق الإنسان منه؟ ((فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا))، يعني: إذ لم تفعلوا ما ندبتم إليه من تقديم الصدقة، وشق ذلك عليكم، ((وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ))، بأن رخص لكم ألا تفعلوا ذلك رفعاً للحرج عنكم ((فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ))، يعني: فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات؛ فإن ذلك يكسبكم ملكة الخير والفضيلة. ((وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ))، فيجزيكم بحسبه. وقوله تعالى: ((إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ)) إلى آخر الآية، منسوخة بالتي بعدها، وفيه دليل على جواز النسخ بلا بدل خلافاً لمن أبى ذلك، وقد كانت تكاد تتفق كلمة المفسرين على أن هذه الآية نسخت بالتي بعدها، ولا يشترط أن يكون المقصود بالنسخ نسخ الحكم ورفعه بالكلية، فهذا أحد معاني النسخ.

стр. 2690

نقل عبارات السلف في معنى الآية أما عبارات السلف فهم يطلقون النسخ ويريدون به عدة معان، من ضمنها الإفهام بعد الإيهام، وهو أن يأتي نص فيه نوع من الإيهام غير واضح في دلالته، فيأتي نص آخر يوضحه ويبينه، فيقول بعض السلف في مثل هذا: هذه الآية نسختها آية كذا، يعني: وضحتها وبينت المقصود منها. أما المعنى الأصولي للنسخ، وهو أن يرد دليل شرعي متراخياً عن دليل شرعي آخر مقتضياً خلاف حكمه، فهذا المعنى أحياناً يكون هو المراد وأحياناً لا يكون هو المراد من النسخ، كما سبق أن بينا ذلك مراراً. فاشتهر القول بالنسخ في كتب التفسير كلها تقريباً. فقد روى ابن جرير عن مجاهد قال: قال علي ﵁: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة:١٢]، قال علي رضي الله تعالى عنه: كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم، فكلما ناجيت الرسول ﷺ قدمت بين يدي نجواي درهماً، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد. وروي عن ابن عمر أنه قال: ثلاث فضل بهن علي رضي الله تعالى عنه: ما يسرني أن لي بها الدنيا، وذكر منها آية النجوى هذه، وذكر منها: إعطاءه الراية في خيبر، وذكر منها: تزويج النبي ﷺ إياه من فاطمة رضي الله تعالى عنها. يقول القرطبي: ما روي عن علي ﵁ في هذه الآية ضعيف؛ لأن الله تعالى قال: ((فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا))، وهذا يدل على أن أحداً لم يتصدق بشيء، والله تعالى أعلم. فهنا يرد القرطبي الخبر المروي عن علي بنفس هذه الآية؛ لأن الله قال: ((فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا))، فظاهرها أن أحداً لم يتصدق بشيء. وقد اختلفوا في مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ: فقيل: بقي التكليف عشرة أيام ثم نسخ، وقيل: ما بقي إلا ساعة من النهار ثم نسخ. وعن مجاهد قال: نهاهم عن مناجاة النبي ﷺ حتى يتصدقوا. فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب ﵁ قدم ديناراً فتصدق به، ثم أنزلت الرخصة في ذلك. وعن قتادة: أنها منسوخة ما كانت إلا ساعة من نهار. وعنه أيضاً قال: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوه بالمسألة، أي: أحرجوه وشقوا عليه، فوعظهم الله بهذه الآية، وكان الرجل تكون له الحاجة إلى نبي الله ﷺ فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة بعد ذلك: ((فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [المجادلة:١٢]. وعن الحسن وعكرمة قالا: ((إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ))، نسختها التي بعدها: ((أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)) إلى آخر الآية.

стр. 2691

الكلام على نسخ الصدقة بين يدي المناجاة هذه الآثار وأمثالها هي مستند مدعي النسخ وقوفاً مع ظاهرها، وقد أسلفنا في مقدمة التفسير ومواضع أخرى أن النسخ في كلام السلف أعم منه في اصطلاح الخلف، كما أن المراد من سبب النزول مما يتبادر إليه الفهم، فحينما يقال: نزلت هذه الآية في كذا، ليس المقصود في كل الأحوال أنها بالفعل كذا، وتكون قد نزلت الآية، وإنما المقصود: أن هذه الآية يشمل حكمها الواقعة المذكورة، وسبق التنبيه إلى ذلك مراراً. كذلك كلمة النسخ أعم من المعنى الضيق الذي هو: رفع الحكم وإزالته بالكلية حتى لا يجوز امتثاله. فقول قتادة هنا: (فأنزل الله الرخصة بعد ذلك)، ليس مراده إبانة أن الأمر ليس بعزيمة في الآية الثانية، لا أن نزولها كان متراخياً عن الأولى، فإن ذلك مستحيل على رونق نظمها الكريم. يعني القاسمي رحمه الله تعالى يستبعد القول بالنسخ بمعنى الإزالة ورفع الحكم الذي هو النسخ الأصولي المعروف؛ لأن هذا مستحيل على رونق الآية، ولو تأملنا سياق الآيات، على القول أنها نزلت الأولى أولاً، ثم بعد عشرة أيام أو حتى بعد ساعات يأتي ما يتنافى معها، فهذا لا يتناسب مع رونق هذه الآية، فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة:١٢]، ثم قال تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة:١٣]. فإن القول بتراخي النزول مستحيل على رونق نظمها الكريم، والأصل في الآي المقررة لحكم النسخ هو اتصال جملها وانتظام عقدها، إذ به يكمل سحر بلاغتها، وبديع بيانها، وتمام فقهها. والذين ذهبوا إلى عدم وقوع النسخ في التنزيل لهم في الآية وجوه: الوجه الأول: منها قول أبي مسلم إن المنافقين كانوا يمتنعون من بذل الصدقات، وإن قوماً من المنافقين تركوا النفاق وآمنوا ظاهراً وباطناً إيماناً حقيقياً، فأراد الله تعالى أن يميزهم عن المنافقين، فأمر بتقديم الصدقة على النجوى؛ ليتميز هؤلاء الذين آمنوا إيماناً حقيقياً عمن بقي على نفاقه الأصلي، وإذا كان هذا التكليف لأجل هذه المصلحة المقدرة بذلك الوقت، فلا جرم أن يقدر هذا التكليف بذلك الوقت. يقول الرازي: وحاصل قول أبي مسلم: أن ذلك تكليف كان مقدراً بغاية مخصوصة، -يعني: التكليف بالصدقة قبل مناجاة النبي ﷺ كان له أمد محدود وغاية مخصوصة- فوجب انتهاؤه عند الانتهاء إلى الغاية المخصوصة، فلا يكون هذا نسخاً. وهذا الكلام حسن ما به بأس. انتهى كلام الرازي. الوجه الثاني: أن شبهة مدعي النسخ ذهابهم إلى أن الأمر بتقديم الصدقة للوجوب، يعني: أن الذين قالوا إن النسخ هنا هو النسخ الأصولي، استندوا إلى أن الأمر بالصدقة على سبيل الوجوب، ودفعهم إلى أن يقولوا بالوجوب قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة:١٢]، ففهموا منه أن من وجد ولم يقدم صدقة يكون آثماً، أما من لم يجد ((فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)). وقال تعالى: ((فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ))، فإن ذلك لا يقال إلا فيما بفقده يزول وجوبه. و الجواب أن لا قاطع في كون الأمر للوجوب، بل الظاهر أنه للندب، والدليل أن الله تعالى قال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [المجادلة:١٢]، وهذا إنما يستعمل في التطوع لا في الفرض. والثاني: أنه لو كان واجباً لما أزيل وجوبه بكلام متصل به؛ لأن الله قال: ((أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ)) إلى آخر الآية. فهذا يزيل ما في الأمر الأول من احتمال الوجوب، ويبقى الأمر للندب، فإذا قلنا: إنه على الندب فحينئذ لا نحتاج إلى الكلام في قضية النسخ بالمعنى الأصولي، وإنما النسخ بمعنى التبيين والتوضيح ونحو ذلك. الثالث: الذي يدل على أنه للندب أن قول الله ﵎: ((فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ))، معناه: إن لم تفعلوا ما ندبتم إليه من تقديم الصدقات قبل مناجاة الرسول ﷺ ، والحال أن الله قد رجع إليكم بالتخفيف والتسهيل فيما شرعه لكم، فلم يعاملكم كما كان يعامل الأمم السابقة، ولم يعنتكم بشيء مما أوجبه عليكم؛ فإذا ندبكم إلى هذا الأمر ولم يجعله عليكم فرضاً كما هي سنته في معاملتكم بالرأفة والرحمة؛ فأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله. فقوله: ((وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ)) معناه هنا: الرجوع إلى التخفيف والتسهيل على هذه الأمة، والعدول عن معاملتها كسابقيها. وقوله: ((وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ)) ليس معناه التجاوز عن السيئات وغفران الذنوب، وإنما معناه الرجوع إلى التخفيف والتسهيل، ورفع الحرج عن هذه الأمة، والعدول عن معاملتها كسابقيها من الأمم، كما قال الله تعالى في سورة المزمل: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل:٢٠]، يعني: رجع إليكم بالتخفيف، ورفع عنكم ما يشق عليكم، وليس معناه في هاتين الآيتين: العفو عن الذنب؛ إذ لم يصدر منهم هنا ذنب أصلاً حتى يقال إن الله تاب عليهم.

стр. 2692

تفسير سورة المجادلة [١٤ - ٢٢]

стр. 2693

تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين تولوا قوماً) قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة:١٤]. ((ما هم منكم)) يعني: ليسوا أهل دين فيكونوا من المسلمين، ((ولا منهم)) يعني: من اليهود، كقوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣] وهذا شأن هؤلاء المنافقين في كل زمان ومكان، عندما يسارعون في موالاة الكفار يقولون: إذا تغلب هؤلاء نقول لهم: كنا معكم، وإذا تغلب هؤلاء ندلي إليهم بما كان من مودة من قبل، فهم لا يلتمسون رضا الله، وإنما يلتمسون هذا الأمر عند هؤلاء وعند هؤلاء، فكل من عمل عملاً لا يريد به وجه الله فإنه ينقلب عليه بعكس ما أراد ويعامله الله بنقيض قصده، فالذي يريد أن الكفار يرجعون أعزة لا يرجع إلا في ذل وهوان، فيقول الشاعر: جاء بالسخطتين فلا عشيرته رضيت عنه ولا أرضى عنه العدا يقول تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وذلك قولهم لرسول الله ﷺ (نشهد إنك رسول الله)، يحلفون ويستجنون بالأيمان فيجعلون الأيمان الكاذبة وقاية وجُنة تحميهم من العقاب الدنيوي. فهم في الحقيقة كاذبون غير مصدقين بالنبي ﷺ ، ومع ذلك يحلفون أنهم يشهدون أن محمداً رسول الله ﷺ . ((وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) يعني: وهم يعلمون أن المحلوف عليه كذب بحت. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: قال بعض أهل العلم: معنى: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) يعني: ألم ينته علمه إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم؟ فالرؤية هنا رؤية علمية. ولفظة: ((أَلَمْ تَرَ)) يزعم البعض أنها لا تعدى إلا بحرف الجر الذي هو إلى، لكن الراجح أنها في الغالب لم تأت في القرآن الكريم إلا متعدية بإلى، لكن تعديتها إلى المفعول بنفسها صحيح بدون حرف جر، وهذا يقع في اللغة العربية، ومن شواهد ذلك قول امرئ القيس: ألم ترياني كلما جئت طارقاً وجدت بها طيباً وإن لم تطيب والمراد إنكار الله على المنافقين توليهم القوم الذين غضب الله عليهم وهم اليهود والكفار، وهذا الإنكار يدل على شدة منع ذلك التولي، وأن هذا الشيء من كبائر المحرمات، وقد صرح الله بالنهي عن ذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:١٣]، ((مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ))، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون المنافقين ليسوا من المؤمنين ولا من القوم الذين تولوهم وهم الذين غضب الله عليهم من اليهود، جاء موضحاً في غير هذا الموضع، كقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٢ - ١٤٣].

стр. 2694

تفسير قوله تعالى: (أعد الله لهم عذاباً فلهم عذاب مهين) قال تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة:١٥ - ١٦]، ((جنة)) أي: وقاية وعصمة لأنفسهم، فهم يستجنون بالأيمان يعني: يتخذونها جنة ووقاية يحتمون وراءها حتى لا يعاقبوا، ((فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)) أي: فحالوا بأيمانهم عن حكم الله في أمثالهم وهو القتل، إراحة للمؤمنين من فسادهم. هذا أحد التفسيرين. يعني: عطلوا حكم الله في قتلهم إراحة للمؤمنين من شرهم بسبب الاستجنان وراء الأيمان الكاذبة، أو ((فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)) صدوا الناس في خلال أمنهم وسلامتهم عن الإيمان ((فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)) أي: مذل لهم في الآخرة. يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير قوله هنا: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة:١٦]: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المنافقين اتخذوا أيمانهم جنة، والأيمان جمع يمين، وهي الحلف، والجنة: هي الترس الذي يتقي به المقاتل وقع السلاح، والمعنى: أنهم جعلوا الأيمان الكاذبة وهي حلفهم للمسلمين أنهم معهم وأنهم مخلصون في باطن الأمر، ترساً لهم يتقون به الشر الذي ينزل بهم لو صرحوا بكفرهم. وقوله تعالى: ((فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ))، الظاهر أنه من (صد) المتعدية؛ وأن المفعول محذوف أي: فصدوا غيرهم ممن أطاعهم؛ لأن صدودهم في أنفسهم دل عليه قوله: ((اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً))، والحمل على التأسيس أولى من الحمل على التوكيد كما أوضحناه مراراً. وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة وهما: كون المنافقين يحلفون الأيمان الكاذبة لتكون لهم جنة، وأنهم يصدون غيرهم عن سبيل الله، جاءا موضحين في آيات أخر من كتاب الله. أما أيمانهم الكاذبة فقد بينها الله جل وعلا في آيات كثيرة، كقوله هنا في هذه السورة: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة:١٤] يعني: أنهم كاذبون، وقال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٦٢]، وقال تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [التوبة:٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة:٤٢]. وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:٢]. وأما صدهم من أطاعهم عن سبيل الله فقد بينه الله في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٨ - ١٩] إلى آخره. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٥٦]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء:٧٢] إلى آخرها. وقوله هنا في هذه الآية: ((فلهم عذاب مهين))؛ لأجل نفافقهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥].

стр. 2695

تفسير قوله تعالى: (لن تغني عنهم أموالهم هم الخاسرون) يقول الله : ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٧ - ١٩]. ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: من عذابه شيئاً ما، كما كانوا يفسدون بذلك في الدنيا. ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾، كما يحلفون لكم في الدنيا كاذبين مبطلين، فهذا الحلف الكاذب مرنوا عليه، أي: صار عادة لازمة لهم، حتى إنهم يوم القيامة أيضاً يحلفون بالله كاذبين، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]. فقوله تعالى: ((يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ)) يعني: السبب هنا الكذب في الحلف سواء في الدنيا أو في الآخرة: ((كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ))، في الدنيا كاذبين مبطلين؛ إشارة إلى مرونهم على النفاق ورسوخهم فيه حتى لدى من لا تخفى عليه خافية. قد يروج كذبهم على الناس في الدنيا بأن الناس لا يصلون إلا إلى الظواهر، أما البواطن فالله وحده يعلمها، وفي الآخرة مع أن الله يعلم ما في قلوبهم لكنهم أيضاً يستجنون بالأيمان الكاذبة. ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ يعني: من النفع أو من الحق، ((أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ)) فيما يحلفون عليه في الدارين. ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: استولى عليهم حتى صار الكذب والفساد ملكة لهم، ﴿فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾، أي: بتصوير اللذات الحسية والشهوات البدنية لهم، وتزيين الدنيا وزخرفها في أعينهم: وأسند إنساء ذكر الله إلى الشيطان كما قال: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]، وقال تعالى: ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٤٢]، وقال أيضاً في الكهف: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف:٦٣]، فكذلك هؤلاء المنافقون استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله. ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ أي: أتباعه في الفساد والإفساد، ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي: الخسارة في الدارين. والأحزاب في الإسلام نوعان: حزب الله وأحزاب الشيطان، فأحزاب الشيطان يجمعها دعوة واحدة، أما حزب الله فسوف يأتي ذكر وضعهم في آخر هذه السورة الكريمة، وكل من لم يرفع بالإسلام رأسه فهو من حزب الشيطان.

стр. 2696

تفسير قوله تعالى: (إن الذين يحادون الله قوي عزيز) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢٠ - ٢١]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ يعني: في أهل الذلة؛ لأن الغلبة لله ولرسوله، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. فقوله: (فِي الأَذَلِّينَ) لا يعني فقط الذين فيهم وصف الأذلين، وإنما ينسب إليهم أنهم أعظم الناس ذلاً. والأذلون: جمع الأذل أي: الذين هم أعظم الناس ذلاً، والذل: هو الصغار والهوان والحقارة. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الذين يحادون الله ورسوله هم أذل خلق الله ذكره تعالى وبينه في غير هذا الموضع، وذلك بذكره أنواع عقوبتهم المفضية إلى الذل والخزي والهوان، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:٦٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة:٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٣ - ٤]، وقال تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ [الأنفال:١٣ - ١٤]. ((لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي))، المفعول مقدر، أي: لأغلبن أنا ورسلي حزب الشيطان المحادين. ((إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ))، أي: قوي على إهلاك من حاده ورسله، عزيز فلا يغلب في قضائه ﵎. وقد دلت هذه الآية الكريمة كما يقول الشنقيطي ﵀ على أن رسل الله غالبون لكل من غالبهم. وقوله: ((أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ))، تحمل نفس المعنى الوارد في جملة من الأحاديث، كما جاء في قول النبي ﷺ : (وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري).

стр. 2697

تفسير قوله تعالى: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) قال تعالى: ((كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي))، فالرسل غالبون لكل من غالبهم، والغلبة نوعان: غلبة بالحجة والبيان وهي ثابتة لجميع الرسل، وغلبة بالسيف والسنان، وهي ثابتة لمن أمر بالقتال منهم دون من لم يؤمر بها. وقد دلت هذه الآية الكريمة وأمثالها كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، على أنه لم يقتل نبي في جهاد قط على الإطلاق؛ لأن المقتول ليس بغالب، فالقتل في جانب والغلبة في جانب آخر، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء:٧٤]، هي واحدة من الاثنتين فقط: إما أن يقتل وإما أن يغلب، فدل على أن القتل غلبة. وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، وقد نفى الله عن الشخص المنصور أن يكون مغلوباً نفياً باتاً في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠]، وبهذا تعلم أن الرسل الذين جاء في القرآن أنهم قتلوا كقوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧] وقوله تعالى: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٨٣] لم يقتلوا في جهاد، وإنما قتلوا صبراً كما حصل لزكريا وغيره من الأنبياء الذين قتلتهم بنو إسرائيل. وقد بين العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى هذا المعنى بصورة مفصلة في أثناء تفسير سورة آل عمران عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران:١٤٦]. يقول: هذه الآية الكريمة على قراءة من قرأ (قُتل) للمفعول: ((وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ))، لا تدل على أن النبي قد يقتل، لكن على قراءة أخرى يحتمل ذلك، فالآية: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران:١٤٦]. فعلى قراءة من قرأ: (قتل معه) بالبناء للمفعول يحتمل أن نائب الفاعل يكون لفظة: (ربيون)، يعني: قتل ربيون معه، وعليه فليس في (قتل) ضمير أصلاً؛ لأن نائب الفاعل اسم ظاهر. وهناك احتمال آخر: أن يكون نائب الفاعل ضميراً عائداً إلى النبي ﷺ : (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتل)، وفي هذه الحالة تعرب جملة: ((مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)) بأن (ربيون) مبتدأ مؤخر مرفوع بالواو، و (معه): شبه جملة في محل رفع خبر مقدم. أما بالنسبة للفعل: (قتل)، فنائب الفاعل ضمير مستتر تقديره (هو) يعود إلى النبي. يقول: ويحتمل أن يكون نائب الفاعل ضميراً عائداً إلى النبي، وعليه فمعه خبر مقدم، و (ربيون): مبتدأ مؤخر سوغ الابتداء به اعتماده على الظرف قبله ووصله بما بعده، والجملة حالية والرابط الضمير، وسوغ إتيان الحال من النكرة التي هي نبي وصفه بالقتل ظلماً، وهذا هو أجود الأعاريب المذكورة في الآية على هذا القول. يقول: وبهذين الاحتمالين في نائب الفاعل المذكور يظهر أن في الآية إجمالاً، والآيات القرآنية مبينة أن النبي المقاتل غير مغلوب بل هو غالب، كما صرح تعالى بذلك في قوله: ((كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي))، وقال قبل ذلك: ((أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ))، ثم قال: ((إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)). وأغلب معاني الغلبة في القرآن: الغلبة بالسيف والسنان، كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال:٦٥]، وقال تعالى بعدها: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٦]، وقال تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:١ - ٤]، وهذه الغلبة بالسيف والسنان في القتال، وقال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] أي: بالسيف والسنان، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران:١٢]، إلى غير ذلك من الآيات. يقول: وبين تعالى: أن المقتول ليس بغالب بل هو قسم مقابل للغالب بقوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء:٧٤]، فاتضح من هذه الآيات أن القتل ليس واقعاً على النبي المقاتل؛ لأن الله كتب وقضى له في أجله أنه غالب، وصرح بأن المقتول غير غالب. وقد حقق العلماء أن غلبة الأنبياء على قسمين: غلبة بالحجة والبيان، وهي ثابتة لجميعهم. وغلبة بالسيف والسنان، وهي ثابتة لخصوص الذين أمروا منهم بالقتال في سبيل الله. قال: وتصريحه تعالى بأنه كتب أن رسله غالبون شامل لغلبتهم لمن غالبهم بالسيف، كما بين أن ذلك معنى الغلبة في القرآن، وشامل أيضاً لغلبتهم بالحجة والبيان، فهو مبين أن نصر الرسل المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٢]، نصر غلبة بالسيف والسنان للذين أمروا منهم بالجهاد؛ لأن الغلبة التي بين أنه كتبها لهم أخص من مطلق النصر؛ لأنها نصر خاص، والغلبة لغة الثقل، والنصر لغة إعانة المظلوم، فيجب بيان هذا الأعم بذلك الأخص. وبهذا تعلم أن ما قاله الإمام الكبير الحافظ ابن جرير رحمه الله تعالى ومن تبعه في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر:٥١] إلى آخره، من أنه لا مانع من قتل الرسول المأمور بالجهاد، وأن نصرة المنصوص في الآية حينئذ يحمل على أحد أمرين: أحدهما: أن الله ينصره بعد الموت، بأن يسلط على من قتله من ينتقم منه، كما فعل بالذين قتلوا يحيى وزكريا وشعيبا من تسليط بختنصر عليهم ونحو ذلك. إما أن يسلط الله على من قتل النبي في الجهاد بأن يقتل وينكل به انتقاماً. الثاني: حمل الرسل في قوله تعالى: ((إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا))، على خصوص نبينا ﷺ . لا يجوز حمل القرآن عليه لأمرين: أحدهما: أنه خروج بكتاب الله عن ظاهره المتبادر منه بغير دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع، والحكم بأن المقتول من المتقاتلين هو المنصور بعيد جداً غير معروف في لسان العرب، فحمل القرآن عليه بلا دليل غلط ظاهر، وكذلك حمل الرسل على نبينا وحده ﷺ بعيد جداً أيضا، والآيات الدالة على عموم الوعد بالنصر لجميع الرسل كثيرة لا نزاع فيها. أيضاًً الله لم يقتصر في كتابه على مطلق النصر الذي هو في اللغة: إعانة المظلوم؛ لأن النصر كما قلنا في اللغة: هو إعانة المظلوم، أما الغلبة لغة فهي القهر. فالله لم يقتصر على مطلق النصر الذي هو في اللغة: إعانة المظلوم بل صرح بأن ذلك النصر المذكور هو للرسل هو نصر غلبة وقهر، وليس النصر بمعنى إعانة المظلوم؛ لأن الله قال: ((كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي))، فلابد أن يحمل النصر على هذه الغلبة والقهر كما ذكرنا. يقول: (وقد رأيت معنى الغلبة في القرآن، ومر عليك أن الله جعل المقتول قسماً مقابلاً للغالب في قوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء:٧٤]، وصرح تعالى: بأن ما وعد به رسله لا يمكن تبديله بقوله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام:٣٤]، ((وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ)) ومن كلمات الله الكونية القدرية: أن الرسول لا يمكن أن يقتل في الجهاد أبداً، ولا شك أن قوله تعالى: ((كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)) من كلماته التي صرح بأنها لا مبدل لها، وقد نفى الله جل وعلا عن المنصور أن يكون مغلوباً نفياً باتاً بقوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠]. وذكر مقاتل: أن سبب نزول قوله تعالى: ((كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)): أن بعض الناس قال: أيظن محمداً وأصحابه أن يغلبوا الروم وفارس كما غلبوا العرب، زاعماً أن الروم وفارس لا يغلبهم النبي ﷺ لكثرتهم وقوتهم فأنزل الله الآية، وهو يدل على أن الغلبة المذكورة فيها غلبة بالسيف والسنان؛ لأن صورة السبب لا يمكن إخراجها). وسبب النزول يكون دخولاً في حكم الآية قطعياً، ويدل له قوله قبله: ((أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ))، وقوله بعده: ((إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)). وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: (أضواء البيان) أننا نستشهد للبيان بالقراءة السبعية بقراءة شاذة فيشهد للبيان الذي بينا به أن نائب الفاعل: (ربي

стр. 2698

تفسير قوله تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله) قال الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢] إلى آخره. ((مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ))، أي: شاقهما وخالف أمرهما، يعني: لا تجد قوماً جامعين بين الإيمان بالله واليوم الآخر وبين مودة أعداء الله ورسوله ﷺ ، والمراد بنفي الوجدان نفي الموادة على معنى أنه لا ينبغي أن يتحقق ذلك، وحقه أن يمتنع، ولا يوجد بحال مبالغة في النهي عنه والزجر عن ملابسته، والتوصية بالتصلب في مجانبة أعداء الله ومباعدتهم والاحتراز من مخالطتهم ومعاشرتهم. يعني: ((لا تجد قوماً)) أسلوب خبري؛ لأن (لا) هنا نافية وليست ناهية؛ لكنه ظاهره النفي ومراده النهي، كقوله: (لا ضرر ولا ضرار) وقوله: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] فهذا خبر لكن المقصود به: (لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا) فالمقصود هنا: أن هذا من شدة تأكده ولزومه على المؤمنين، كأنه لا يمكن أن تجد مؤمناً يحب الله ورسوله يجمع بين الإيمان ومودة أعداء الله وأعداء رسوله ﷺ ، فالمراد بنفي الوجدان نفي المودة، يعني: لا توادوهم أبداً، على معنى أنه لا ينبغي أن يتحقق ذلك، وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال، مبالغة في النهي عنه والزجر عن ملابسته والتوصية في التصلب في مجانبة أعداء الله ومباعدتهم والاحتراز من مخالطتهم ومعاشرتهم. وزاد ذلك تأكيداً وتشديداً بقوله: ((وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ)) إلى آخره. ((وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ)) يعني: آباء الموادين، والضمير في (كانوا) لمن حادوا الله ورسوله، يعني: ولو كان هؤلاء الذين حادوا الله ورسوله آباءهم أو أبناءهم إلى آخره، ونلاحظ هنا جمعاً وإفراداً، الإفراد بقوله: (حاد الله) وفاعله ضمير تقديره هو، يعود إلى (من) فالإفراد بالنظر إلى اللفظ، ثم باعتبار المعنى فقال: ((وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ)) فلذلك يقول القاسمي رحمه الله تعالى: والجمع باعتبار معنى (من)، كما أن الإفراد فيما قبله باعتبار لفظها، فإن قضية الإيمان هجر المحادين. ((أُوْلَئِكَ)) إشارة إلى الذين لا يوادونهم ((كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ)) أي: أسسه فيها ((وأيدهم بروح منه))، أي: بنور وعلم ولطف حيت به قلوبهم في الدنيا، وأشار إلى مآلهم في الآخرة بقوله: ((وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))، أي: الناجحون الفائزون بسعادة الدارين. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: وردت هذه الآية الكريمة بلفظ الخبر: ((لا تَجِدُ قَوْمًا)) والمراد بها الإنشاء، وهذا للنهي البليغ والزجر العظيم عن موالاة أعداء الله، وإيراد الإنشاء بلفظ الخبر أقوى وأوكد من إيراده بلفظ الإنشاء كما هو معلوم بمحله. ومعنى قوله: ((يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ))، أي: يحبون ويوالون أعداء الله ورسوله ﷺ . وما جاء في هذه الآية من النهي والزجر العظيم عن موالاة أعداء الله جاء موضحاً في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]. أكاد أجزم والله تعالى أعلم لو أن هؤلاء المؤمنين إبراهيم والذين معه عاشوا في عصرنا لقيل لهم: أنتم متطرفون وإرهابيون إلى آخر هذه القائمة من الشتائم المعروفة. فحقيقة ما يحصل الآن هو غسيل مخ للمسلمين في ظل نظام العولمة، وهذا يهدم أصلاً أصيلاً من أصول الإيمان بعد التوحيد مباشرة، وهو حق من حقوق التوحيد، ألا وهو قضية الولاء والبراء؛ فالآن تجري عملية تغريب عن طريق بث هذه الأفكار المسمومة، وليس التغريب بمعنى التبعية للغرب كما هو شائع، لكن التغريب زيادة غربة الإسلام بين أهله، حتى أن الذي يقول هذا الكلام أصبح إنساناً شاذاً متطرفاً مهووساً مجنوناً يريد الفتنة، ويريد كذا وكذا. فهذه زيادة غربة الإسلام بإشاعة المفاهيم المسمومة حتى تزداد غربة المفاهيم الصحيحة، ويصبح القائم بها هو الشاذ المتطرف الإرهابي. ويقول تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، الآن نحل محلها الأخوة الإنسانية، وحقوق الإنسان، إلى آخر هذه المصطلحات. ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣]. وقوله هنا في هذه الآية الكريمة: ((وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ)) زعم بعضهم أنها نزلت في أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قائلاً: إنه قتل أباه كافراً يوم بدر أو يوم أحد. وقيل نزلت: في عبد الله بن عبد الله بن أبي وزعم من قال ذلك أن عبد الله استأذن النبي ﷺ في قتل أبيه عبد الله بن أبي فنهاه. وقيل نزلت: في أبي بكر، وزعم من قال ذلك أن أباه أبا قحافه سب النبي ﷺ قبل إسلامه فضربه ابنه أبو بكر حتى سقط. ((أَوْ أَبْنَاءَهُمْ)) زعم بعضهم أنها نزلت في أبي بكر حين طلب مبارزة ابنه عبد الرحمن يوم بدر. ((أَوْ إِخْوَانَهُمْ)) زعم بعضهم أنها نزلت في مصعب بن عمير، قالوا: قتل أخاه عبيدة بن عمير؛ وقال بعضهم: مر بأخيه يوم بدر وقد كان يأسره رجل من المسلمين، فقال: شدد عليه الأسر، فإن أمه ملية وستفديه. ((أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)) قال بعضهم: نزلت في عبيدة بن الحارث بن المطلب وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب ﵃ لما قتلوا عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة في المبارزة يوم بدر وهم بنو عمهم؛ لأنهم أولاد ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف وعبد شمس أخو هاشم كما لا يخفى. ((أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ))، أي: ثبته في قلوبهم بتوفيقه. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تثبيت الإيمان في قلوبهم جاء موضحاً في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٧ - ٨].

стр. 2699

وجوب التصلب في الدين في مقابلة المبطلين يقول القاسمي في تفسير هذه الآية الكريمة: من أشباه هذه الآيات قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]. ثم نقل عن ابن كثير ما نقلناه آنفاً عن سبب نزول هذه الآيات: أن آية كذا نزلت في فلان قتل أخاه، وفلان قتل أباه إلى آخره. قال القاسمي: وقد بينا مراراً أن المراد بسبب النزول في مثل ذلك: صدق الآية على هؤلاء، وما أتوا به من التصلب في دين الله في مقابلة المبطلين، ولو كانوا من أقرب الأقربين. قال ابن كثير: ومن هذا القبيل حين استشار رسول الله ﷺ المسلمين في أسارى بدر، فأشار الصديق بأن يفادوا، فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين وهم بنو العم والعشيرة، ولعل الله تعالى أن يهديهم؛ وقال عمر: لا أرى ما يرى يا رسول الله، إلا أن تمكني من فلان، وتمكن علياً من عقيل، وتمكن فلاناً من فلان ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين. وقال ابن كثير: في قوله تعالى: ((رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)) سر بديع، وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى، عوضهم الله بالرضا عنهم وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم والفوز العظيم والفضل العميم.

стр. 2700

أهل الذمة لا يدخلون في حكم المحادين لله ورسوله يقول أيضاً: يفهم من قوله تعالى: ((مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) وقوله في آية أخرى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]: أن المراد به المحاربون لله ولرسوله، الصادون عن سبيله، المجاهرون بالعداوة والبغضاء، وهم الذين أخبر عنهم قبل بأنهم يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، فتشمل الآيات المشركين وأهل الكتاب المحاربين المحادين لنا، أي: الذين هم على حد منا ومجانبة لشئوننا، تحقيقاً لمخالفتنا، وترصداً للإيقاع بنا. أي: فالمقصود من قوله: ((من حاد الله ورسوله)) وقوله: ((لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)) المجانبون لنا من أهل الكتاب والمشركين الذين هم على حد منا، نحن في جهة وهم في جهة، وهم في مجانبة لشئوننا تحقيقاً لمخالفتنا وترصداً للإيقاع بنا. وأما أهل الذمة الذين هم بين أظهرنا ممن رضي بأداء الجزية لنا وسالمنا واستكان لأحكامنا وقضائنا، فأولئك لا تشملهم الآية؛ لأنهم ليسوا بمحادين لنا بالمعنى الذي ذكرناه، وإذا كان لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وجاز التزوج منهم ومشاركتهم، والاتجار معهم، وعيادة مرضاهم؛ فقد عاد النبي ﷺ يهودياً وعرض عليه الإسلام فأسلم، كما رواه البخاري، وعلى الإمام حفظهم، والمنع من أذاهم واستنقاذ أسراهم؛ لأنه جرت عليهم أحكام الإسلام. وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان في الرد على المتنطعين الذين لا تطيب نفوسهم في كثير من الرخص المشروعة ومن ذلك أن النبي ﷺ كان يجيب من دعاه فيأكل طعامه، وأضافه يهودي بخبز شعير وإهالة سنخة، وكان المسلمون يأكلون من أطعمة أهل الكتاب، وشرط عمر ﵁ ضيافة من مر بهم من المسلمين، فقال: أطعموهم مما تأكلون. وقد أحل الله ذلك في كتابه، ولما قدم عمر ﵁ الشام صنع له أهل الكتاب طعاماً فدعوه فقال: أين هو؟ قالوا: في الكنيسة. فكره دخولها؛ وقال لـ علي ﵁: اذهب بالناس، فذهب علي بالمسلمين فدخلوا وأكلوا، وجعل علي ﵁ ينظر إلى الصورة، وقال: ما على أمير المؤمنين لو دخل وأكل، والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩]. وعن الإمام محمد بن المطهر: أن الموالاة المحرمة بالإجماع هي أن تحب الكافر لكفره، والعاصي لمعصيته لا لسبب آخر من جلب نفع أو دفع ضر، أو خصلة خير فيه. فهذا آخر تفسير سورة المجادلة وهي هذه الآية الكريمة: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢].
следующие страницы →