Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
تفسير قوله تعالى: (فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون)
قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم:١٩].
أي: فطرق جنة هؤلاء القوم طارق من أمر الله لتدميرها.
قال ابن جرير: ولا يكون الطائف في كلام العرب إلا ليلاً، ولا يكون نهاراً، وقد يقولون: أصبت بها نهارا.
وذكر الفراء أن أبا الجراح أنشده: أصبت بها نهاراً غير ليل وألهى ربها طلب الرخال والرخال هي أولاد الضأن الإناث.
فكلمة (طائف) في كلام العرب تستعمل في الليل، فهو لا يكون إلا في الليل، ولا يكون أبداً نهاراً.
((فطاف عليها طائف من ربك)) يعني: طرق جنة هؤلاء القوم طارق من أمر الله لتدميرها سواءٌ كان جبريل أو غيره، وهذا مبهم في القرآن ولم يأت مأثور يعينه.
((وَهُمْ نَائِمُونَ)) أي: مستغرقون في سباتهم غافلون عما يمكر بهم.
وقوله: ((وَهُمْ نَائِمُونَ)) تأكيد للقول الأول بأن الطائف يكون ليلاً فقط.
وعلى قول الثاني أن العرب قد يقولون: أطفت بها نهاراً، ففي هذه الحالة تكوت تأسيساً لا توكيداً.
стр. 2942
تفسير قوله تعالى: (فأصبحت كالصريم)
قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم:٢٠].
كالبستان الذي قطع ثمره حتى لم يبق فيه شيء.
أو: (كالصريم): كالليل الأسود لاحتراقها.
وأنشد في ذلك ابن جرير لـ أبي عمرو بن العلاء: ألا أبكرت عاذلتي تلوم تهددني وما انكشف الصريم يعني الليل.
وقال أيضاً: تطاول ليلك الجون البهيم فما ينجاب عن صبح صريم فالمقصود بالصريم الليل لأنه أسود.
قال بعض العلماء: على من حصد زرعاً أو جذ ثمرة أن يواسي منها من حضره، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿َ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]، وأنه غير الزكاة.
وقال بعضهم: وعليه ترك ما أخطأه الحصادون، وكان بعض العباد يتحرون أقواتهم من هذا.
وروي أنه نهي عن الحصاد بالليل، فقيل: إنه لما ينقطع عن المساكين في ذلك من الرفق.
أي: إنما كان هذا بسبب ما أرادوه من منع المساكين، فهم نووا وجزموا وقطعوا على أنفسهم أنهم في الصباح الباكر يخرجون حتى يحصدوا الثمار قبل أن يحضر المساكين فيأكلوا ما يتساقط أثناء الحصاد مما يتقوتون به.
فإذاً العقوبة وقعت بسبب ما أرادوه من منع المساكين، كما ذكر الله ﵎.
وروى أسباط عن السدي قال: كان قوم باليمن، وكان أبوهم رجلاً صالحاً، كان إذا بلغ ثمره أتاه المساكين فلم يمنعهم من دخلوها وأن يأكلوا منها ويتزودوا، فلما مات قال بنوه بعضهم لبعض: علام نعطي أموالنا هؤلاء المساكين؟ تعالوا فلندلج -أي: نأتي في الظلمة- فنصرمها قبل أن يعلم المساكين.
ولم يستثنوا! فانطلقوا وبعضهم يقول لبعض خفية: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين.
فذلك قوله تعالى: ((إِذْ أَقْسَمُوا)) -أي: حلفوا- فيما بينهم (ليصرمنها مصبحين)، أي: لنجزنها وقت الصبح قبل أن تخرج المساكين.
﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾، يعني: لم يقولوا: إن شاء الله.
وقال ابن عباس: كانت تلك الجنة دون صنعاء بفرسخين، غرسها رجل من أهل الصلاح، وكان له ثلاثة بنين، وكان للمساكين كل ما تعداه المنجل فلم يجذه من الكرم، فإذا طرح على البساط فكان كل شيء سقط عن البساط فهو أيضاً للمساكين، فإذا درسوا كان لهم كل شيء انتشر، فكان أبوهم يتصدق منه على المساكين، وكان يعيش في ذلك في حياة أبيهم اليتامى والأرامل والمساكين، فلما مات أبوهم فعلوا ما ذكر الله عنهم فقالوا: قل المال وكثر العيال! فتحالفوا بينهم ليغدن غدوة قبل خروج الناس، ثم ليصرمنها ولا تعرف المساكين.
وقوله: (إذ أقسموا) يعني: حلفوا (ليصرمنها) ليقطعن ثمر نخيلهم إذا أصبحوا بسدفة من الليل، أي: بظلمة من الليل.
والصرم القطع.
يقال: صرم العذق عن النخلة وأصرم النخل: أي حان وقت صرامه.
стр. 2943
تفسير قوله تعالى: (فتنادوا مصبحين إن كنتم صارمين)
قال تعالى: ﴿فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ [القلم:٢١ - ٢٢].
أي: إن كنتم عازمين على الصرام والجداد.
قال قتادة: ((إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ)) يعني: حاصدين زرعكم.
وقال الكلبي: ما كان في جنتهم من زرع ولا نخيل.
وقال مجاهد: كان حرثهم عنباً ولم يقولوا: إن شاء الله.
وقيل: معنى ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾: لا يستثنون حق المساكين.
فجاءوها ليلاً فرأوا الجنة مسودة قد طاف عليها طائف من ربك وهم نائمون.
قيل: الطائف جبريل ﵇.
وقيل: أمر من ربك.
وقيل: عذاب من ربك.
وقيل: عنق من نار خرج من وادي جهنم.
يقول القرطبي رحمه الله تعالى: في هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان؛ لأنهم عزموا على أن يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم.
فالعزم هو الإرادة الجازمة الأكيدة، فلا يشكل على هذا قول النبي ﷺ : (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به).
فالحديث في خاطر النفس العابر، والكلام فيه غير الكلام فيما جزم الإنسان فيه بالقصد، فإذا نوى قطعاً أن يفعل شراً فإنه يؤاخذ على نيته الجازمة؛ لأنه ترك الفعل بسبب أنه حيل بينه وبين الفعل، فلولا العذاب الذي نزل بأرضهم لكانوا قطعاً عازمين ولم يستثنوا أنهم سوف يحرمون المساكين من حقهم.
فهؤلاء عوقبوا على العزم وعلى النية، فليست هي وساوس ولا خطرات ولا حديث نفس، بل هي نية جازمة وعازمة على هذا الفعل.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥].
وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار.
قيل: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟! قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)؛ لأنه كان سيباشر القتل لولا أن أخاه غلبه، فإذاً العزيمة هنا جازمة ومبيتة، فعليها يعاتب الإنسان ويعاقب.
قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ الصريم هو الليل المظلم الأسود، أي احترقت فصارت كالليل الأسود.
وعن ابن عباس قال: صارت كالرماد الأسود.
وقال: الصريم: الرماد الأسود بلغة خزيمة.
وقيل: الصريم كالزرع المحصود.
فالصريم بمعنى المصروم، أي: المقطوع ما فيه.
وقال الحسن: صرم عنها الخير: أي: قطع.
فالصريم مفعول أيضاً.
(فتنادوا) أي: نادى بعضهم بعضاً (مصبحين) أي: وقت الصبح، ولم يشعروا بما جرى عليهم بالليل.
(أن اغدوا) أي: اخرجوا غدوة (على حرثكم) أي: على زرعكم، (إن كنتم صارمين) أي: إن كنتم قاصدين قطع ثمارها، وقد قطعها البلاء من أصلها.
стр. 2944
تفسير قوله تعالى: (فانطلقوا وهم يتخافتون)
قال تعالى: ﴿فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ [القلم:٢٣].
أي: يكتمون ذهابهم ويتسارون فيما بينهم أي: يهمس بعضهم لبعض حتى لا يسمع أحد الصوت فيستيقظ أحد من المساكين فيحضر.
﴿أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ أي: فقير.
فالجملة مفسرة، أو أن (أَنْ) مصدرية، أي: بأن.
وقال الزمخشري: والنهي عن الدخول للمسكين نهي لهم عن تمكينه منه.
يعني ليس المقصود أن لا يدخلها مسكين فحسب، بل المقصود أن لا تمكنوا مسكيناً من أن يأخذ شيئاً من الحصاد، أي: لا تمكنوه من الدخول حتى يدخل.
كقولك: لا أرينك هاهنا.
قوله: ﴿فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ يقول القرطبي: يعني يخفون كلامهم ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد.
وقيل: يخفون أنفسهم من الناس حتى لا يروهم، وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصراب.
стр. 2945
تفسير قوله تعالى: (وغدوا على حرد قادرين)
قال تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم:٢٥].
(على حرد) أي: على قصد وقدرة في أنفسهم، ويظنون أنهم تمكنوا من مرادهم، قاله ابن عباس وغيره، فالحرد معناه القصد، حرد يحرد حرداً أي: قصد، تقول: حردت حردك أي: قصدت قصدك، ومنه قول الراجز.
أقبل سيل جاء من عند الله يحرد حرد الجنة المغله وأنكره النحاس.
فقوله: يحرد حرد الجنة المغلة يعني: ذات الغلة.
وقيل: (على حرد): على جد.
وقال الحسن: على حاجة وفاقة.
وقال أبو عبيدة والقتيبي: على منع.
يقال: حاردت الإبل حراداً أي: قلت ألبانها.
والحرود من النوق القليلة الدر، وحاردت السنة: قل مطرها وخيرها.
وقال السدي وسفيان: على غضب.
لأن الحرد يأتي بمعنى الغضب، قال أبو نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعي: إذا جياد الخيل جاءت تردي مملوءة من غضب وحرد ومنه قيل: أسد حارد، وليوث حوارد، أي: غضاب.
وقيل: (على حرد): على انفراد.
لأنه من حرد يحرد حروداً إذا تنحى عن قومه ونزل منفرداً ولم يخالطهم، وقال أبو زيد: رجل حريد: إذا ترك قومه وتحول عنهم، وكوكب حريد أي: معتزل عن الكواكب.
وقال الأصمعي: رجل حريد أي: فريد وحيد، والمنحرد المنفرد، كما قال أبو لؤي: كأنه كوكب في الجو منحرد.
فقوله: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ يعني: قد قدروا أمرهم وبنوا عليه.
وقال قتادة: قادرين على جنتهم بظنهم في أنفسهم أنهم قادرون عليها.
وقال الشعبي: (قادرين) يعني: على المساكين.
وقيل: معناه من الوجود، أي: منعوا وهم واجدون للخير، أي: ما كانوا محتاجين لهذا الذي منعوه المساكين، فإذا قلت: فلان مقتدر فمعناه أنه غير محتاج.
стр. 2946
تفسير قوله تعالى: (فلما رأوها قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون)
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم:٢٦ - ٢٧].
لما رأوها محترقة لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود، ينظرون إليها كالرماد، أنكروها وشكوا فيها، فقالوا: إنا لضالون، أي: إننا نمشي في الظلام وقد ضللنا الطريق، فنحن نمشي إلى مكان آخر غير مكان جنتنا وبستاننا.
وقيل: إنا لضالون عن الصواب في غدونا على نية منع المساكين، فلذلك عوقبنا.
﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا جنتنا بما صنعنا.
إذاً هذا يدل على أن النية قد تحرم الرزق وتحول دون الإنسان ودون الرزق.
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ﴿فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ [القلم:٢٣ - ٢٥] أي: غدوا إلى جنتهم على مفر وسرعة وجد من أمرهم، أو على منع وغضب، قادرين في زعمهم على ما أصروا عليه من الصرام وحرمان المساكين.
﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾، أي: فلما صاروا إليها ورأوها محترقاً حرثها.
﴿قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: أنكروها وشكوا فيها هل هي جنتهم أم لا، فقال بعضهم لأصحابه ظناً منه أنهم قد أخطئوا طريق جنتهم وأن التي رأوها غيرها: إنا -أيها القوم- لضالون طريق جنتنا.
فقال من علم أنها جنتهم وأنهم لم يخطئوا الطريق: بل نحن -أيها القوم- محرومون، حرمنا منفعة جنتنا بذهاب حرثها.
стр. 2947
تفسير قوله تعالى: (قال أوسطهم إنا كنا ظالمين)
قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [القلم:٢٨ - ٢٩].
﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أي: أمثلهم وأعدلهم وأعقلهم وخيرهم رأياً ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أي: تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نيتكم، وتخشون انتقامه من المجرمين.
وكان أوسطهم وعظهم حين عزموا على عزيمتهم الخبيثة، فعصوه فعيرهم، قال لهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾.
﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: في ترك استثناء حق المساكين ومنع المعروف عنهم من تلك الجنة.
قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ يعني: يلوم بعضهم بعضاً، ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ [القلم:٣١] أي: متجاوزين حدود الله تعالى في تفريطنا وعزمنا السيئ.
﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا﴾ أي: بتوبتنا إليه وندمنا على خطأ فعلنا، وعزمنا على عدم العود إلى مثله ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ أي: في العفو عما فرط منا والتعويض عما فاتنا.
يقول القرطبي رحمه الله تعالى: هذا يدل على أن هذا الأوسط كان أمرهم بالاستثناء فلم يطيعوه لما أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون.
أي: اعترض الأوسط على ذلك وأمرهم بأن يستثنوا فلم يطيعوه، والدليل على هذا ما أتى بعد، وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾، وقيل: كان استثناؤهم تسبيحاً.
وقيل: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلا تستغفرونه من فعلكم وتتوبون إليه من خبث نيتكم.
فإن أوسطهم قال لهم حين عزموا على ذلك وذكرهم انتقام الله تعالى من المجرمين.
فقولهم: ((سُبْحَانَ رَبِّنَا)) تنزيه لله عن الظلم فيما فعل بهم، بل هذا من عدل الله، فلما حَرموا حُرموا، أي: لما حرموا المساكين من الرزق الذي يجريه الله على أيديهم، حُرموا هم أيضاً من هذا الرزق، فاعترفوا بالمعصية ونزهوا الله عن أن يكون ظالماً فيما فعل، عن ذلك علواً كبيراً.
стр. 2948
تفسير قوله تعالى: (فأقبل بعضهم على بعض إنا إلى ربنا راغبون)
قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ [القلم:٣٠ - ٣٢].
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ أي: يلوم هذا هذا في القسم ومنع المساكين، ويقول: بل أنت أشرت علينا بهذا.
﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: عاصين بمنع حق الفقراء وترك الاستثناء.
وقال ابن كيسان: طغينا نعم الله فلم نشكرها كما شكرها آباؤنا من قبل.
﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعن كما صنعت آباؤنا.
فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها، وأمر جبريل أن يقتلع تلك الجنة المحترقة فيجعلها بزغر من أرض الشام، ويأخذ من الشام جنة فيجعلها مكانها، والله أعلم بالحقيقة في ذلك؛ لأن هذا غير مستند إلى نص.
قال الحسن: قول أهل الجنة: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المسرفين إذا أصابتهم الشدة، فيوقف في كونهم مؤمنين.
أي: هل هذا من باب أن المشركين حينما تنزل بهم الشدة يلجئون إلى الله مخلصين أم أنهم آمنوا وتابوا حين قالوا: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾، فيتوقف في كونهم مؤمنين.
وسئل قتادة عن أصحاب الجنة: أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟ فقال: لقد كلفتني تعباً.
أي: هذا أمر صعب أن نستنبطه من الآيات.
ومعظمهم يقول: إنهم تابوا وأخلصوا.
стр. 2949
تفسير قوله تعالى: (كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون)
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم:٣٣].
﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ أي: في الدنيا لمن خالف الرسل وكفر بالحق وبغى الفساد في الأرض.
﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أي: أعظم منه ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لارتدعوا وتابوا وأنابوا.
فالجواب مقدر.
فقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ التقدير لو كان يعلمون لارتدعوا وتابوا وأنابوا.
وهذا قيد لما قبله؛ إذ لا مدخل لعلمهم في كون العذاب أكبر، فلا علاقة بين قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وبين كون العذاب أكبر، ولذلك يقدر
الجواب
لو كانوا يعلمون لارتدعوا وتابوا وأنابوا.
قال صاحب الإكليل: قال ابن الفرس: استدل بهذه القصة عبد الوهاب على أن من فر من الزكاة قبل الحول بتبديل أو خلط فإن ذلك لا يسقطها.
ووجه ذلك أنهم قصدوا بقطع الثمار إسقاط حق المساكين، فعاقبهم الله بإتلاف ثمارهم.
وفيها كراهة الجذاذ والحصاد بالليل، كما ورد التصريح بالنهي عنه في الحديث لأجل الفقراء.
وحكى الزمخشري عن قتادة أنه سئل عن أصحاب الجنة: أهم من أصحاب الجنة أم من أهل النار؟ فقال: لقد كلفتني تعباً.
وعن مجاهد قال: تابوا فبدلوا خيراً منها.
والله ﵎ أعلم.
стр. 2950
تفسير سورة القلم [٣٤ - ٤٧]
стр. 2951
تفسير قوله تعالى: (إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم)
قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [القلم:٣٤].
أي: إن للمتقين في الآخرة جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنات الدنيا، فمن يعيش في جنة من جنات الدنيا لا بد أن يكون في هذه الجنة ما ينغصه، وليس هذا فحسب، بل أي نعيم خلق في الدنيا لا بد أن يخالطه ما يشوبه وينغصه، إما في سبيل الحصول عليه حتى إذا ما حصل ففي سبيل استبقائه، أو إذا فاته فإنه ينغص عليه عيشه، أو إذا بقي معه فإنه ينشغل بحفظه ورعايته، أو يحزن لما يلم به من الآفات ونحو ذلك، حتى نعيم الأكل والشراب فيه كل هذا التنغيص.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ المقصود النعيم الخالص الذي لا يشوبه ما يكدره ولا ما ينغصه كما يشوب جنات الدنيا.
وكان صناديد قريش يرون وفور حظهم من الدنيا وقلة حظوظ المسلمين منها، فإذا سمعوا بحديث الآخرة وما وعد الله المؤمنين قالوا: إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ﷺ ومن معه لم يكن حالنا وحالهم إلا مثل ما هي عليه في الدنيا، وإلا لم يزيدوا علينا ولم يفضلونا، وأقصى أمرهم أن يساوونا.
يظنون أن الله كما آتاهم نعيم الدنيا فسوف يكون بالمثل في الآخرة، كما أوضحت ذلك آيات من كتاب الله ﵎.
стр. 2952
تفسير قوله تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين إن لكم لما تحكمون)
قال الله ﵎: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٩].
قال الله ﵎: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ يعني: في الكرامة والمثوبة الحسنى والعاقبة الحميدة.
ثم وبخهم الله ﵎ فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يعني: كيف تحكمون بما ينبو عنه العقل السليم؛ فإنهما لا يستويان في قضيته؟ العقل السليم يحكم بأن المسلمين ليسوا كالمجرمين، ولا يمكن أن يستويا، فكيف تحكمون هذا الحكم الأعوج، وكأن أمر الجزاء مفوض إليكم حتى تحكموا فيه أن لكم من الخير ما للمسلمين.
﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ أي: ألكم كتاب تجدون فيه أن الموحد كالمشرك والمطيع كالعاصي.
﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ يعني: لما تختارون وتشتهون، أو إن لكم فيه من الأمور ما تختارونه لأنفسكم وتشتهونه لكم، كقوله تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ﴾ [فاطر:٤٠] أعندهم كتاب من الله أو عندهم صك فهم على بينة منه؟ وهذا توبيخ لهم وتقريع فيما كانوا يقولون من الباطل ويتمنون من الأماني الكاذبة.
يقول القرطبي رحمه الله تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ أي: إن لكم في هذا الكتاب إذاًَ ما تخيرون، والمقصود: ليس لكم ذلك.
ثم زاد في التوبيخ فقال: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾.
(أم لكم أيمان) أي: عهود ومواثيق (علينا بالغة) يعني: مؤكدة، والبالغة: المؤكدة بالله ﵎، أي: أم لكم عهود على الله تعالى استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة.
((إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ)) كأن هذه العهود أو هذه المواثيق فيها الحلف ((إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ)) يعني: ما تدعون، والمقصود: ليس الأمر كذلك، بما أنه ليس لكم كتاب أو ليس لكم أيمان على الله بالغة مؤكدة باليمين إن لكم لما تحكمون؛ فالأمر ليس كذلك.
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ أي: تقضون من أمانيكم ومزاعمكم، قال الزمخشري يقال: لفلان علي يمين بكذا، إذا ضمنته منه وحلفت له على الوفاء به، يعني: أم ضمنا لكم وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد ((إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ)).
فمعنى ((أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا)) أم أقسمنا لكم، يعني: هل نحن قد أقسمنا لكم الأيمان المغلظة المؤكدة غاية التأكيد والمتناهية في التوكيد؟!
стр. 2953
تفسير قوله تعالى: (سلهم أيهم بذلك زعيم إن كانوا صادقين)
قال تعالى: ﴿سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [القلم:٤٠ - ٤١].
﴿سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ﴾ أي: الحكم (زعيم) أي: كفيل به يدعيه ويصححه.
أي: سل -يا محمد- هؤلاء المتقولين عليك: أيهم كفيل بما تقدم ذكره؟! وهو أن لهم من الخير ما للمسلمين، والزعيم هو الكفيل والضمين.
(أم لهم شركاء) أي: ناس يشاركونهم في هذا الزعم ويوافقونهم عليه ((فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)) في دعواهم، قال الزمخشري: يعني أن أحداً لا يسلم لهم بهذا.
فهذا الادعاء الذي ادعوه وتلك الأماني تعلقوا بها دون سائر الناس، وليس لهم من يشاركونهم في ذلك.
فلذلك قال تعالى: ((أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ)) يعني: أناس يشاركونهم في نفس هذا الزعم ((فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ))، فالمعنى أنه لن يجد هؤلاء أحداً يسلم لهم بهذا، ولا يساعدهم عليه، كما أنهم لا كتاب لهم ينطق به، ولا عهد لهم به عند الله، ولا زعيم لهم يقوم به، ففيه تنبيه على نفي جميع ما يمكن أن يتشبثوا به من عقل أو نقل.
وقيل: (فليأتوا بشركائهم) إن أمكنهم، وهذا أمر معناه التعجيز.
стр. 2954
تفسير قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق وهم سالمون)
يقول الله ﵎: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٢ - ٤٣].
قال ابن عباس: ((يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)) أي: عن أمر شديد مفظع من هول يوم القيامة، ألا تسمع العرب تقول: شالت الحرب عن ساق، فهذا تعبير عن الشدة.
((وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ)) يعني: فلا يستطيعون السجود لما أحاط بهم من العذاب الهائل الحائل الذي يحول بينهم وبين السجود لله ﵎.
﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: تغشاهم ذلة العصيان السالف لهم.
﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ أي: لا مانع يمنعهم منه، والمراد من السجود عبادة الله وحده وإسلام الوجه له، والعمل بما أمر به من الصالحات.
يقول القاسمي: ما أثرناه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في معنى قوله تعالى: ((يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)) هو المعنى الظاهر المناسب للتهويل المطرد في توصيف ذلك اليوم، وعليه اقتصر الزمخشري، وعبارته: الكشف عن الساق والإبداء عن الخدام مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب وإبداء خدامهن عند ذلك.
يعني أن هذا تعبير موجود في اللغة العربية، فإذا أردت أن تصف موقفاً في الشدة وفي الهول والخطب العظيم تستعمل هذا التعبير، وهو الكشف عن الساق والإبداء عن الخدام، حيث إنه في الحرب إذا اشتدت الأمور فإن النساء يولولن ويهربن من ساحة القتال، فيكشفن عن سوقهن؛ فهو يستعمل في التعبير عن الروع والهزيمة وتشمير المخدرات، والمرأة المخدرة هي المستورة داخل الخدر، والخدر هو مكان في أقصى البيت تستتر فيه البكر، فالمخدرة هي التي لا تظهر للناس.
فالكشف عن الساق استعمل لأنه حين يشتد الروع والفزع والهول في الحروب فإن النساء أول من يهربن، فلكي تتمكن المرأة من الهرب فإنها تحتاج إلى الكشف عن السيقان حتى تستطيع الجري بسرعة، ولا تعرقلها الثياب والذيول الطويلة، ومن ثم يكشف النساء عن خدامهن، والخدام هو الذهب والخلاخيل التي تلبس في السيقان.
يقول حاتم: أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا فهذا شاهد لغوي على أن التعبير بالكشف عن الساق يستعمل في شدة الأهوال وفي الحروب.
فقوله: (أخو الحرب)، يعني به الإنسان الذي أصبح متمرساً في الحروب.
وقوله: (وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا) كناية عن شدة الهول في أثناء الحروب، فإنه يشمر ويجتهد في القتال.
وقال ابن الرقيات: تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي عن خدام العقيلة العذراء فقوله هنا: (تذهل الشيخ عن بنيه) يعني أن الحرب عندما يشتد حالها يذهل الشيخ عن بنيه، يعني أنها تنسيه بنيه وتلهيه عنهم، وخص الشيخ لوفور عقله وممارسته الشدائد، فالشيخ الكبير في السن الحكيم العاقل إذا اشتدت الحرب وشمرت عن ساقها تذهله عن بنيه مع وفور عقله وممارسته الشدائد، ومع فرط محبته للأولاد.
وقوله: (وتبدي عن خدام العقيلة العذراء) المقصود بالخدام -كما قلنا- الخلاخيل، والعقيلة من النساء هي التي عقلت في بيتها، أي: خدرت وحبست.
وجاء لفظ الساق منكراً في الآية ((يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)) للدلالة على أمر مبهم في الشدة خارج عن المألوف، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر:٦] كأنه قيل: يوم يقع أمر فظيع هائل.
وقال أبو سعيد الضرير: ((يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)) أي: يوم يكشف عن أصل الأمر.
وساق الشيء أصله الذي به قيامه، كساق الشجر وساق الإنسان.
أي: تظهر يوم القيامة حقائق الأشياء وأصولها.
فالساق بمعنى أصل الأمر وحقيقته، استعارة من ساقِ الشجر.
стр. 2955
كلام ابن حزم في معنى: (يوم يكشف عن ساق) والرد عليه
وقال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في (الفصل): ما صح عن النبي ﷺ عن يوم القيامة أن الله يكشف عن ساقه فيخرون سجداً، فهذا كما قال الله تعالى في القرآن ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢]، وإنما هو إخبار عن شدة الأمر وهول الموقف، كما تقول العرب: قد شمرت الحرب عن ساقها.
قال جرير: ألا رب سامي الطرف من آل مازن إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا والعجب ممن ينكر هذه الأخبار الصحاح، وإنما جاءت بما جاء به القرآن نصاً، ولكن من ضاق علمه أنكر ما لا علم له به، وقد عاب الله هذا فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس:٣٩].
كأن ابن حزم يقول: إن هذا الحديث يفهم في ضوء هذه الآية، فالحديث الذي فيه الكشف عن الساق هو كما قال الله في القرآن: ((يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ)) يقول: وإنما هو إخبار عن شدة الأمر.
ثم يقول: والعجب ممن ينكر هذه الأخبار الصحاح، وإنما جاءت بما جاء به القرآن نصاً، ولكن من ضاق علمه أنكر ما لا علم له به.
ونحن نتعجب من كلام ابن حزم هذا، فلا شك في أن سياق كلامه أولاً يفهم أنه يمهد لأن يحق الحق في هذا التفسير، ثم إذا به يؤول الحديث، ولا شك في أن التأويل فرع من فروع التكذيب؛ لأن التأويل صرف الكلام عن ظاهره الراجح، فإن كان بلا مرجح فهو تأويل فاسد، ولو سلمنا جدلاً بأن الكشف عن الساق ثابت في اللغة في التعبير عن الشدة والهول ونحو ذلك فلا مانع من ذلك، لكن إذا صح الحديث في ذلك فيجب المصير إليه، ولا يجوز النظر فيما خالفه.
أي: فلو قلنا إن الآية معناها التعبير عن الهول والشدة فهذا لا يعني نفي ما ثبت في الأحاديث الصحيحة في شأن هذه العلامة التي يجعلها الله بينه وبين المؤمنين يوم القيامة.
стр. 2956
ذكر الأحاديث الواردة في صفة الساق وبيان مذهب السلف في ذلك
وقد ثبت عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا، فيذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيبقى أهل التوحيد، فيقال لهم: ما تنتظرون وقد ذهب الناس؟ فيقولون: إن لنا رباً كنا نعبده في الدنيا ولم نره.
قال: وتعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون نعم؟ فيقول: كيف تعرفونه ولم تروه؟ قالوا: إنه لا شبيه له.
فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون له سجداً، وتبقى أقوامٌ ظهورهم مثل طياسي البقر)،يعني: مثل قرون البقر؛ فالذين يبقون هم الذين أظهروا الإسلام، وفيهم المنافقون، فيبقون مع الموحدين ومع المسلمين، فالعلامة التي جعل الله بينه وبين المؤمنين في تلك اللحظة العصيبة هي أن يكشف الرحمن عن ساقه .
وأمثال هذه النصوص التي فيها صفات الله ﵎ لا إشكال فيها على الإطلاق؛ لأننا نسلك في ذلك منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وهو أننا نثبت هذه الصفات بلا كيف، أي: نجزم بأن الله لا يشبهه شيء على الإطلاق، وأنه لا يعلم كيفية الله إلا هو ، فهذا الوصف لا يترتب عليه أي تشبيه، وإنما الذين يحتاجون للتأويل هم الذين يقعون أولاً في التشبيه، ثم يفرون من التشبيه إلى النفي والتعطيل، فيقعون في كلا الأمرين: التشبيه والتعطيل.
أما أهل السنة فيقولون: ظاهر هذه الصفات هو ما يليق بالله.
والمخالفون يقولون: ظاهرها هو ما يليق بالمخلوقين.
ونحن نقول: بل ظاهرها هو ما يليق بالله، وحينئذٍ فلا نحتاج إلى التأويل.
فينبغي أن نسلك في هذا مسلك السلف الصالح في إثبات هذه الصفات وإمرارها على ظاهرها، مع أننا نجزم ونقطع بأن الله لا يشبهه شيء من خلقه ﵎ ﴿ِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
فحينما تحدث تلك العلامة التي يعرفها المؤمنون يخر المؤمنون سجداً لله ﵎، ويحاول المنافقون أن يشاركوهم في ذلك، فكلما حاول أحدهم أن يسجد لله يعود ظهره طبقاً واحداً ويحال بينه وبين السجود، ويعود ظهره مثل قرون البقر تلتوي إلى الجهة العكسية، فبدل أن تتجه أجسادهم للسجود تتجه إلى العكس.
ثم إنه إن وصلنا الآيتين: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ * يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤١ - ٤٢]، فإن العامل حينئذٍ في قوله: (يوم) هو (فليأتوا بشركائهم) أي: فليأتوا بشركائهم يوم يكشف عن ساق.
وقد يكون العامل مقدراً هو (اذكر) أي: اذكر يوم يكشف عن ساق.
فالحديث فسر الآية، ومعلوم أن القاعدة أنه متى صح عن النبي ﷺ حديث في تفسير آية من القرآن الكريم فإنه يجب المصير إلى تفسير النبي ﵌، لأنه أولى ما تفسر به الآية.
وقد روى عبد الله بن مسعود عن عمر بن الخطاب أنه قال: (إذا كان يوم القيامة قام الناس لرب العالمين أربعين عاماً شاخصة أبصارهم إلى السماء، حفاة عراة يلجمهم العرق، لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم أربعين عاماً، ثم ينادي منادٍ: أيها الناس! أليس عدلاً من ربكم الذي خلقكم وصوركم وأماتكم وأحياكم ثم عبدتم غيره أن يولي كل قوم ما تولوا؟ قالوا: نعم.
قال: فيرفع لكل قوم ما كانوا يعبدون من دون الله، فيتبعونها حتى تقذفهم في النار، فيبقى المسلمون والمنافقون، فيقال لهم: ألا تذهبون؟ قد ذهب الناس.
فيقولون: حتى يأتينا ربنا.
فيقال لهم: أو تعرفونه؟ فيقولون: إن اعترف لنا عرفناه -أي أن هناك صفة معينة إذا ظهرت لنا فنحن نتحقق منها- قال: فعند ذلك يكشف عن ساق، ويتجلى لهم، فيخر من كان يعبده مخلصاً ساجداً، ويبقى المنافقون لا يستطيعون؛ كأن في ظهورهم السفافيد -جمع سفود، وهي الحديدة التي يشوى بها اللحم- فيذهب بهم إلى النار، ويدخل هؤلاء الجنة، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [القلم:٤٢ - ٤٣]).
وإن كان لفظ حديثي أبي موسى وابن مسعود فيها شيء من الاختلاف إلا أن الحديثين ثابتان في صحيح مسلم برواية أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وغيره.
قوله تعالى: ((خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ)) أي: ذليلة متواضعة.
وهي حال.
وقوله تعالى: ((تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ)) ذلك أن المؤمنين يرفعون رءوسهم ووجوههم أشد بياضاً من الثلج، وتسود وجوه المنافقين والكافرين حتى ترجع أشد سواداً من القار.
стр. 2957
كلام السعدي على قوله: (يوم يكشف عن ساق)
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢].
يقول علامة القصيم الشيخ السعدي رحمه الله تعالى في تفسير هاتين الآيتين: أي: إذا كان يوم القيامة وانكشف فيه من القلاقل والزلازل والأهوال ما لا يدخل تحت الوهم، وأتى الباري لفصل القضاء بين عباده ومجازاتهم، فكشف عن ساقه الكريمة التي لا يشبهها شيء، ورأى الخلائق من جلال الله وعظمته ما لا يمكن التعبير عنه؛ فحينئذ يدعون إلى السجود لله ﵎، فيسجد المؤمنون الذين كانوا يسجدون لله طوعاً واختياراً، ويذهب الفجار المنافقون ليسجدوا فلا يقدرون على السجود، وتكون ظهورهم كطياسي البقر لا يستطيعون الانحناء.
يقول العلامة السعدي رحمه الله تعالى: وهذا الجزاء من جنس عملهم، فإنهم كانوا يدعون في الدنيا إلى السجود لله وتوحيده وعبادته وهم سالمون لا علة فيهم فيستكبرون عن ذلك ويأبون، فالجزاء من جنس العمل.
وقوله: ((وقد كانوا يدعون إلى السجود)) أي: إلى الصلاة، وذلك إنما يكون بالأذان، ولذلك فهذه الآية من الأدلة القرآنية التي استدل بها على وجوب صلاة الجماعة على الرجال إلا لعذر.
((وَهُمْ سَالِمُونَ)) يعني: في الدنيا.
فيأبون إجابة المنادي لصلاة الجماعة، فلا تسأل يومئذ عن حالهم وسوء مآلهم، فإن الله سخط عليهم، وحقت عليهم كلمة العذاب، وتقطعت أسبابهم، ولم تنفعهم الندامة والاعتذار يوم القيامة، ففي هذا ما يزعج القلوب عن المعاصي ويوجب التدارك مدة الإمكان.
أي: على الإنسان أن لا يضيع الفرصة؛ لأننا نعيش ونحيا مرة واحدة، وكثير من الناس يقولون: (نحن نعيش مرة واحدة) في سياق تبرير انهماكهم في الدنيا وشهواتها، ولكن العاقل يقول: نحن نعيش مرة واحدة، يعني: فالفرصة لا تتكرر.
ولذلك انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ ففيها لفت لانتباهنا أن نغتنم حياتنا في الدنيا ونحن سالمون قبل أن تأتي تلك الأهوال.
стр. 2958
تفسير القرطبي لقوله تعالى: (وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون)
يقول القرطبي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ معافون أصحاء.
قال إبراهيم التيمي: أي يدعون بالأذان والإقامة فيأبون.
وقال سعيد بن جبير: كانوا يسمعون (حي على الفلاح) فلا يجيبون.
وقال كعب الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات.
وقيل: أي في التكليف الموجه عليهم في الشرع.
والمعنى متقارب.
وكان الربيع بن خثيم قد فلج، وكان يهادى بين الرجلين يحملانه من بيته إلى المسجد، فقيل: يا أبا يزيد! لو صليت في بيتك لكانت لك رخصة.
فقال: من سمع (حي على الفلاح) فليجب ولو حبواً.
وقيل لـ سعيد بن المسيب: إن طارقاً يريد قتلك فتغيَّب! فقال: أبحيث لا يقدر الله عليَّ؟ فقيل له: اجلس في بيتك.
فقال: أسمع (حي على الفلاح) فلا أجيب!
стр. 2959
ذكر قول من حمل قوله: (يوم يكشف عن ساق) على الدنيا والآخرة
وقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢].
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: هذا وقد ذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى أن الآية وعيد دنيوي للمشركين لا أخروي؛ قال: إنه لا يمكن حمله على يوم القيامة؛ لأنه تعالى قال في وصف هذا اليوم: ((وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ))، ويوم القيامة ليس فيه تعبد ولا تكليف، فكيف يدعون إلى السجود؟ بل المراد منه إما آخر أيام الرجل في دنياه، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٢٢] فيرى الناس يدعون إلى الصلاة إذا حضرت أوقاتها وهو لا يستطيع الصلاة؛ لأنه الوقت الذي لا ينفع نفساً إيمانها ((يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)) فتشتد به الشدة ((وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ))؛ لأنهم في حالة الاحتضار.
وإما أنها في حال الهرم والمرض والعجز أي: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ للشيخوخة والعجز، وقد كانوا قبل ذلك يدعون إلى السجود وهم سالمون مما بهم الآن، فهو إما من الشدة النازلة بهم من هول ما عاينوا عند الموت، وإما من العجز والهرم.
والذين دافعوا عن هذا التأويل بأن هذا وعيد في الدنيا وليس في الآخرة، إنما هو بحجة أنه كيف يدعون إلى السجود والآخرة ليست بدار تكليف وإنما هي دار جزاء؟! قال الرازي: واعلم أنه لا نزاع في أنه يمكن حمل اللفظ على ما قاله أبو مسلم.
فأما قوله: إنه لا يمكن حمله على القيامة بسبب أن الأمر بالسجود حاصل هاهنا، والتكاليف زائلة يوم القيامة، فجوابه: أن ذلك لا يكون على سبيل التكليف، بل على سبيل التقريع والتخجيل، فلم قلتم: إن ذلك غير جائز؟!
стр. 2960
تفسير قوله تعالى: (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث إن كيدي متين)
قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٤ - ٤٥].
ثم أتبع تعالى تخويفهم بعظمة يوم القيامة لترهيبهم بما عنده وفي قدرته من القهر، فقال : ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: كِلْهُ إلي فإني أكفيكه، وهذا من بليغ الكناية، كأنه يقول: حسبك انتقاماً منه أن تكل أمره إلي وتخلي بيني وبينه، فإني عالم بما يجب أن يفعل به قادر على ذلك.
وأبهم العقوبة.
وقوله تعالى: ((سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ)) أي: سنكيدهم بالإمهال وإدامة الصحة وزيادة النعم من حيث لا يعلمون أنه استدراج وسبب لهلاكهم، يقال: استدرجه إلى كذا أي: استنزله إليه درجة فدرجة حتى يوقعه فيه، فهو يزداد في العتو والخبث والمعاصي والله يزيده من النعم وسعة الرزق والصحة والعافية، فهو في الظاهر يتمتع لكن في الحقيقة إنما يُمكر به، ولذلك قال النبي ﷺ : (إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد على معاصيه فاعلم أنه استدراج، ثم تلا قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام:٤٤]).
стр. 2961
المعاقبة بالاستدراج للغافل
وإن أعظم عقوبة يسلطها الله على العبد أن ينسيه نفسه؛ لأن العقوبات تتنوع، فهناك عقوبات ظاهرة، ومنها الحدود الشرعية، كقطع يد السارق، ونحو ذلك، ومنها عقوبات كونية قدرية، كالزلازل والخسف والقذف، وهناك عقوبات خفية، والعقوبة الخفية هي أخطر أنواع العقوبة؛ لأن العقوبة الظاهرة يمكن للإنسان أن ينتبه بسببها إلى أنها من غضب الله وسخطه عليه، وحينئذٍ يبادر إلى التوبة والإنابة إلى الله ، لكن العقوبة الخفية يعاقب بها ولا يشعر بأنه يعاقب، بل يزين له المعاصي ويتمادى إلى أن يأخذه الله أخذ عزيز مقتدر، كما قال النبي ﷺ : (إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته).
فهل سمعت عن جبار من الجبابرة في مراحل التاريخ حينما أتت لحظة موته وأخذه وإهلاكه استطاع أن يفلت من ملك الموت؟! إن هذا لا يمكن أبداً مهما طغى وتجبر كفرعون وأمثاله، فلا يغتر الإنسان بظاهر ما عليه الكفار أو الظالمون أو العصاة أو المفرطون، وإنما عليه أن يعلم أن هذا استدراج وعقوبة بالنسيان، كما قال الله ﵎: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧] أي: تركهم ولم يبتلهم بما ينبههم إلى الخطر الذي يترصدهم، فلم يفكروا في عواقب أنفسهم ومصيرهم في الآخرة.
فالغفلة عن المصير في الآخرة، والغفلة عن عقوبة الله ﵎ قد تكون أشد العقوبات، وهي العقوبة الخفية غير الظاهرة؛ لأن هذا يزين له سوء عمله وحينئذٍ لا يتوب، بل يحال بينه وبين التوبة، فإذا أتاه الموت نقل إلى العذاب الأليم، فكان كل ما مضى استدراجاً.
ومثال ذلك -ولله المثل الأعلى- البوليس حين يتتبع شخصاً مرتكباً للجريمة وهو يريد أن يقبض عليه في حالة معينة أو في وضع معين، فيظل يراقبه ويتربص به ويملي له حتى يشعر بالأمان، فإذا حانت لحظة القبض عليه لا يستطيع أن يفلت، ولله المثل الأعلى.
فقوله تعالى: (وأملي لهم) أي: أمهلهم وأنسئ في آجالهم ملاوة من الزمان لتكتمل حجة الله عليهم.
أي: كيدي لأهل الكفر شديد قوي.
قال الزمخشري: الصحة والرزق والمد في العمر إحسان من الله وإفضال يوجب عليهم الشكر والطاعة، ولكنهم يجعلونه سبباً في الكفر باختيارهم، فلما تدرجوا به إلى الهلاك وصف النعم بالاستدراج، وقيل: كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه! وسمَّى إحسانه وتمكينه كيداً كما سماه استدراجاً لكونه في صورة كيد، حيث كان سبباً للتورط في الهلكة، ووصفه بالمتانة لقوة أثر إحسانه في التسبب للهلاك.
يعني أن هذا الإحسان الذي أحسن الله به إليه كان له أثر كبير في إيجاد الهلاك له.
стр. 2962
أقوال السلف في معنى (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث)
قوله تعالى: (فذرني) أي: دعني (ومن يكذب بهذا الحديث) يعني القرآن الكريم، أو يوم القيامة.
وهذه تسلية للنبي ﷺ وبيان أن الله تعالى هو الذي سوف يجازيهم وينتقم منهم ((سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ)) أي: سنأخذهم على غفلتهم وهم لا يعرفون، فأخذوا يوم بدر.
وقال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم وننسيهم الشكر.
وقال الحسن: كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه.
وقال أبو روق: أي: كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار.
وقال ابن عباس: سنمكر بهم.
وقيل: هو أن نأخذهم قليلاً ولا نباغتهم.
وفي أثر إسرائيلي أن رجلاً من بني إسرائيل قال: كم أعصيك وأنت لا تعاقبني! فأوحى الله إلى نبي زمانهم أن قل له: كم من عقوبة لي عليك وأنت لا تشعر، إن جمود عينيك وقساوة قلبك استدراج مني وعقوبة لو عقلت! والاستدراج ترك المعاجلة، وأصله النقل من حال إلى حال، كالتدرج، ومنه قيل: درجة.
وهي منزلة بعد منزلة، واستدرج فلان فلاناً أي: استخرج ما عنده قليلاً قليلاً.
ويقال: درجه إلى كذا واستدرجه بمعنى أدناه منه على التدريج.
(وأملي لهم) أي: أمهلهم وأطيل لهم المدة، والملاوة: المدة من الدهر، وأملى الله له أي: أطال له، والملوان الليل والنهار.
وقيل: (أملي لهم) أي: لا أعاجلهم بالموت (إن كيدي متين) أي: إن عذابي لقوي شديد، فلا يفوتني أحد.
стр. 2963
تفسير قوله تعالى: (أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون)
يقول الله ﵎: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [القلم:٤٦].
(أم تسألهم أجراً) أي: أتسألهم أجراً على ما أتيتهم به من النصيحة ودعوتهم إليه من الحق.
((فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ)) أي: فهم من عزة ذلك الأجر مثقلون؟! أي: هو مبلغ كبير تطلبه منهم مقابل الدعوة، ومقابل هدايتهم ((فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ)) أي: أأثقلهم أداء هذا الأجر فتحاموا لذلك قبول نصيحتك وتجنبوا الدخول فيما ما دعوتهم إليه؟! والمعنى: إنك لم تطلب منهم على الهداية والتعليم أجراً فيثقل عليهم حمله حتى يثبطهم عن الإيمان.
وقال بعضهم في معناه: أم تلتمس منهم ثواباً على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله، فهم من غرامة ذلك مثقلون بما يشق عليهم من بذل المال؟! أي: ليس عليهم كلفة، فأنت لا تسألهم أجراً، بل يستولون بمتابعتك على خزائن الأرض ويصلون إلى جنات النعيم.
стр. 2964
تفسير قوله تعالى: (أم عندهم الغيب فهم يكتبون)
قال تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [القلم:٤٧].
((أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ)) أي: علم ما غاب عنهم ((فَهُمْ يَكْتُبُونَ)) أي: يحكمون لأنفسهم بما يريدون.
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: هل اطلعوا على الغيب أو على اللوح المحفوظ ونقلوا منه وكتبوا منه ما يحكمون به من أنهم سوف يهلكون المسلمين، أو أنهم كذا وكذا من أمانيهم الفارغة، فهم يكتبون من الغيب ما يحكمون به فيجادلونك بما فيه، ويزعمون أنهم على كفرهم بربهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به، وأنهم مستغنون عن وحيه وتنزيله؟! يقول الله ﵎: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ وهو إمهالهم وتأخير ظهورك عليهم، قضى الله أنه لا يعجل لك الظهور في الحال لكن في أجل يعلمه وحده، ولذلك يقول الله تعالى للنبي ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي: لقضاء ربك.
وقيل: اصبر على ما حكم به عليك ربك من تبليغ الرسالة.
وقيل: فاصبر لنصر ربك، أي: لا تعجل ولا تغاضب فلا بد من نصرك، فاصبر لحكم ربك، وهو إمهالهم وتأخير ظهورك عليهم، أي: لا يثنك عن تبليغ ما أمرت به أذاهم وتكذيبهم، بل امض صابراً عليه ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ وهو يونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، أي: لا تكن مثله في الغضب والضجر والعجلة، وهذه تعزية للنبي ﵌.
стр. 2965
تفسير سورة الحاقة
стр. 2966
تفسير قوله تعالى: (الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة)
سورة الحاقة هي السورة التاسعة والستون من سور القرآن الكريم، وهي سورة مكية، وآيها اثنان وخمسون آية.
قال ﵎: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١] أي: الساعة التي تحق فيها الأمور، ويجب فيها الجزاء على الأعمال، مثل قولهم: حق عليه الشيء إذا وجب.
والحاقة هي القيامة، وهذا اسم من أسماء يوم القيامة كما سميت بالقارعة ونحو ذلك من الأسماء.
ولماذا سميت القيامة بالحاقة؟ قيل: سميت بذلك؛ لأن الأمور تحق فيها.
وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تكون من غير شك.
وقيل: سميت بذلك؛ لأنها أحقت بأقوام الجنة، وأحقت بأقوام النار.
وقيل: سميت بذلك؛ لأن فيها يصير كل إنسان حقيقاً بجزاء عمله.
وقيل: لأنها تحق كل محاق في دين الله بالباطل، أي: تغلب كل محاق ومجادل في دين الله بالباطل، تقول: حاققته فحققته، يعني: غالبته فغلبته، والتحاق هو التخاصم، والاحتقاق الاختصام، وكذلك بالنسبة لكلية الحقوق، فهي كلية الاحتقاق يعني: الاختصام.
قوله تعالى: ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:٢] هذا من باب وضع الظاهر موضع المضمر، يعني: ما هي الحاقة؟ تفخيماً لشأنها وتعظيماً لهولها.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:٣] قال بعضهم: من عوائد العرب في محاوراتهم اللطيفة إذا أرادوا تشويق المخاطب في معرفة شيء ودرايته أتوا بإجمال وتفصيل، فالإجمال مثل قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ﴾، ثم أتى بتفصيل أكثر فقال: ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾، ثم زاد فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ أي: أي شيء هي؟! تأكيداً لتفخيم شأنها حتى كأنها خرجت عن دائرة علم المخاطب، يعني: لهولها وفخامتها صارت كأنها خالية عن أن يدرك المخاطب كنهها أو معناها أو ما اشتملت عليه من الأوصاف مما لم تبلغه دراية أحد من المخاطبين، ولم تصل إليه معرفة أحد من السامعين، ولا أدركه فهمه، وكيفما قدر حالها فهي وراء ذلك وأعظم، ومنه يعلم أن الاستفهام كناية عن أنها لا تعلم، ولا يصل إليها دراية دارٍ، ولا تبلغها الأبصار.
стр. 2967
تفسير قوله تعالى: (كذبت ثمود وعاد بالقارعة فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية)
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة:٤ - ٥].
قال ﵎: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ [الحاقة:٤] أي: بالساعة التي تقرع الناس بأهوالها وهجومها عليهم.
والقارعة هي الحاقة، وهنا أيضاً وضع المظهر هنا موضع المضمر؛ لأن دليلها أو تسميتها بالقارعة هو أيضاً اسم من أسماء يوم القيامة.
قال الزمخشري: ووضعت موضع الضمير لتدل على معنى القرع في الحاقة، زيادة في وصف شدتها.
ولما ذكرها وفخمها أتبع ذلك ذكر من كذب بها، وما حل بهم بسبب التكذيب؛ تذكيراً لأهل مكة وتخويفاً لهم من عاقبة تكذيبهم، فقال ﵎: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ﴾ [الحاقة:٥] وهم قوم صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة:٥] أي: بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة.
وإذا قلنا: إن الطاغية مصدر كالعافية فيكون المعنى: أهلكوا بطغيانهم.
стр. 2968
تفسير قوله تعالى: (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية فهل ترى لهم من باقية)
﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٦ - ٨].
قال ﵎: ﴿وَأَمَّا عَادٌ﴾ وهم قوم هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أي: شديدة العصوف والبرد؛ فالريح الصرصر هي الريح الباردة.
قال بعض المفسرين: ريح باردة تحرق ببردها كإحراق النار.
وقيل: هي من الصر، والصر: هو البرد.
وقيل: ((صرصر)) أي: شديدة الصوت.
وقيل: كثيرة السموم.
قوله: ((بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ)) يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((عاتية)) أي: متجاوزة الحد المعروف في الهبوب والبرودة.
وقيل: ((عاتية)) يعني: عتت على خزانها فلم تطعهم ولم يطيقوها من شدة هبوبها؛ غضباً لغضب الله ﵎.
وقيل: ((عاتية)) أي: عتت على عاد فقهرتهم.
قوله: ((سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ)) أي: سلطها عليهم.
قوله: ((حسوماً)) أي: متتابعة لا تفتر ولا تنقطع، من قولك: حسمت الدابة إذا تابعت بين سيرها.
أو ((حسوماً)) بمعنى: قاطعات قطعت دابرهم، هذا على أن (حسوماً) جمع حاسم كشهود جمع شاهد، وقعود جمع قاعد، فكذلك حسوم جمع حاسم، فإن كان مصدراًَ فنصبه بفعل محذوف تقديره: تحسم حسوماً.
وقول آخر: إن ((حُسُوماً)) مفعول له، أي: سخرها عليهم للحسوم، أي: للاستئصال.
وقد قيل: إن تلك الأيام هي أيام العجز، والعامة تقول: العجوز، وهي التي تكون في عجز الشتاء، يعني في آخر الشتاء.
قوله: ((فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى)) أي: هلكى، جمعُ صريع.
قوله: ((كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ)) أي: ساقطة مجتثة من أصولها، كقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر:٢٠].
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ أي: هل ترى لهم بقاء؟ أو من نفس باقية؟! أو هل ترى لهم من بقية؟! وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] يعني: المساكن التي كانوا يسكنونها، أما هم فلم يبق منهم أحد.
стр. 2969
تفسير قوله تعالى: (وجاء فرعون ومن قبله أخذة رابية)
قال ﵎: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ [الحاقة:٩ - ١٠].
قوله: ((وجاء فرعون ومن قبله)) يعني: من قبله من الأمم المكذبة كقوم نوح وعاد وثمود.
قوله: ((وَالْمُؤْتَفِكَاتُ)) هي قرى قوم لوط، وقرية سدوم هي القرية الكبرى بالنسبة لديار قوم لوط ﵇، وهناك قرى أخرى لقوم لوط، فلذلك جمعت هنا بقوله: ((وَالْمُؤْتَفِكَات)).
وقيل: المؤتفكات: المنقلبات؛ لأن الله قلبها عليهم كما قلبوا هم فطرة الله ﵎ وعكسوها.
قوله: ((بِالْخَاطِئَةِ)) أي: بالخطأ، أو بالأفعال الخاطئة.
فالباء تكون سببية، يعني: بسبب الخطأ والذنب والمعصية والخطيئة، أو بسبب الأفعال الخاطئة.
قوله ﵎: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ الذي ذكر في الآية السابقة قوم فرعون وقوم لوط، فمن المقصود من قوله تعالى: ((فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ))؟.
قيل: ((رسول ربهم)) هو موسى ﵇.
وقيل: ((رسول ربهم)) هو لوط ﵇.
وقيل: ((رسول ربهم)) هو موسى ولوط ﵉، فإنه يجوز أن يعبر بالمفرد عن المثنى، فيكون التفسير: فعصوا رسولي ربهم، يعني: موسى ولوطاً ﵉، والدليل على أن رسول قد تطلق على المثنى قول الله ﵎: ﴿فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٦] فأطلق المفرد على المثنى، فيحتمل هنا أيضاً أن يكون قوله تعالى: ((فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ)) يعني: رسولي ربهم، وهما موسى ولوط ﵉.
وهناك قول رابع في معنى قوله: ((فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ)): وهو أن رسولاً أحياناً تأتي بمعنى الرسالة، يقول الشاعر: لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول قوله: ولا أرسلتهم برسول، يعني: ولا أرسلتهم برسالة، فيطلق أحياناً على الرسالة رسول.
قوله تعالى: ((فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً)) يعني: أخذة عالية زائدة في الشدة على الأخذات السابقة، وعلى عذاب الأمم الغابرة.
стр. 2970
تفسير قوله تعالى: (إنا لما طغى الماء أذن واعية)
قال : ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة:١١ - ١٢].
قوله: ((إنا لما طغى الماء)) أي: كثر وتجاوز حده المعروف؛ بسبب إصرار قوم نوح على الكفر والمعاصي، وتكذيبهم لنوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، والكلام هنا على قوم نوح ﵇.
قوله: ((حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ)) أي: السفينة التي تجري في الماء.
قال ابن جرير: خاطب الذين نزل فيهم القرآن، وإنما حمل أجدادهم نوحاً وولده في السفينة، كما قال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء:٣] ﵇؛ لأن الذين خوطبوا بذلك أولاد الذين حملوا في الجارية، فكان حمل الذين حملوا بها من الأجداد حملاً لذريتهم؛ لأنهم كانوا في أصلابهم، ولأن نوحاً هو أبو البشر الثاني، وصحيح أن نوحاً كان معه أناس آخرون، لكن غالب الذرية بعد ذلك كانت من ذرية نوح ثم من ذرية إبراهيم ﵇.
قوله تعالى: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ [الحاقة:١٢] أي: لنجعل تلك الفعلة التي هي إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين تذكرة.
وقال بعض المفسرين: ((لنجعلها)) أي: السفينة ((تذكرة)).
وقال بعض المفسرين: وهذه السفينة رآها أناس من أوائل هذه الأمة على جبل الجودي.
وهناك مجموعة من المكتشفين الإنجليز قاموا بتسجيل شريط فيديو بعد بحث طويل بأجهزة حديثة فيه أن مكان السفينة على قمة جبل الجودي، والذي أثبته هذا البحث من هذه البعثة مخالف لما ورد في التوراة وفي الكتب الأخرى، وما توصلوا إليه كان موافقاً لما صرح به القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤].
فيحتمل أن يكون معنى قوله تعالى: (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً) أي: أن السفينة تذكرة، أو ((لنجعلها)) أي: تلك الفعلة التي هي إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين ((لكم تذكرة)) وعبرة، تذكرون بها صدق وعده في نصر رسله وتدمير أعدائه.
قوله: ((وَتَعِيَهَا)) أي: تحفظها.
((أُذُنٌ وَاعِيَةٌ)) أي: حافظة لما سمعت عن الله متفكرة فيه.
стр. 2971
تفسير قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة)
قال ﵎: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة:١٣] يعني: لخراب العالم، فعلى هذا يكون المقصود بهذه النفخة: النفخة الأولى عند قيام الساعة، فلا يبقى أحد إلا مات.
وقال بعض المفسرين: هي النفخة الثانية.
وبعضهم قال: هي النفخة الآخرة، أي: أن هناك نفخة ثالثة.
وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: هل النفخات ثلاث أم نفختان؟ فمن قال: هي ثلاث نفخات، قال: النفخة الأولى: نفخة الفزع، والنفخة الثانية: نفخة الصعق، والنفخة الثالثة: نفخة البعث والنشور.
أما من قال: إنها نفختان فهي أولى وآخرة، وهذا هو الراجح؛ لأن الله يقول: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، وفي الحديث الصحيح: (ما بين النفختين أربعون)، فدل على أنهما نفختان.
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ أي: لخراب العالم.
قال أبو السعود: هذا شروع في بيان نفس الحاقة وكيفية وقوعها، إثر بيان عظم شأنها بإهلاك مكذبيها.
стр. 2972
تفسير قوله تعالى: (وحملت الأرض والجبال لا تخفى منكم خافية)
قال ﵎: ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٤ - ١٨].
قوله: ((دكتا)) يعني: فتتا تفتيتاً.
قوله: ((دكتا دكة واحدة)) أي: رفعتا وضربتا ببعضهما من شدة الزلازل.
قوله: ((فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً)) في وصفها بالواحدة تعظيم لها، وإشعار بأن المؤثر لدك الأرض والجبال وخراب العالم هي دكة واحدها غير محتاجة إلى أخرى.
فهذا دليل على شدة قوتها، وأنها كافية وحدها لخراب العالم، ولا تحتاج إلى دكة أخرى.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة:١٥] أي: نزلت النازلة وهي القيامة، وهذا يبين أن من أسماء القيامة الواقعة.
قوله تعالى: ﴿وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ [الحاقة:١٦] أي: انصدعت.
قوله: ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ أي: متمزقة.
قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ أي: على جوانبها وأطرافها حين تشقق، والملك هنا اسم جنس معناه: الملائكة على أرجائها.
قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾ أي: فوق الملائكة الذين هم على أرجائها.
قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ أي: ثمانية أفراد من الملائكة، أو ثمانية صفوف من الملائكة، والله أعلم بحقيقة ذلك.
قال ابن كثير: يحتمل أن يكون المراد بهذا العرش العرش العظيم، أو العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء، والله تعالى أعلم بالصواب.
وهذه الآيات وهذه النصوص يجب علينا أن نؤمن بها كما جاءت، ولا نحاول أن نتعمق أو نتنطع في معرفة كنهها وحقيقتها، بل نؤمن بها كما وردت، وتفسيرها تلاوتها وقراءتها.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨].
قوله: ((يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ)) أي: على ربكم للحساب والمجازاة.
قوله: ((لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ)) أي: أيّ شيء كان يستر ويخفى في الدنيا بستر الله يصبح بادياً معروضاً أمام الله .
стр. 2973
تفسير قوله تعالى: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه)
قال ﵎: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة:١٩].
يعني: أن علامة الفوز والنجاح يومئذٍ هي أن يعطى الإنسان كتابه بيمينه، وهذا ما فسرته كثير من الآيات والأحاديث، كما قال الله ﵎: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].
إن الآيات التي ورد فيها أمر هذا الكتاب الذي يعطاه كل إنسان هو كتاب حقيقي؛ وذلك لقوله ﵎: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، وقوله ﵎: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤].
لا شك أن هذا في جانب ما ورد من الأحاديث في وصف هذا الكتاب كله يدفع ويبطل تأويل الكتابين باليُمن والشؤم، يقول بعض المؤولين: ((من أوتي كتابه بيمينه)) هذا كناية عن اليمن، ومن أوتي كتابه بشماله هذا كناية عن الشؤم.
وهذا التأويل تحريف لكلام الله ؛ لأن الكتاب المذكور في النصوص هو كتاب حقيقي، فلماذا يؤولون النصوص مع كونها واضحة.
قوله: ﴿فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ يعني: تعالوا أو خذوا اقرءوا كتابيه.
قوله: ((كتابية)) الهاء هنا هاء السكت، وليست ضمير غيبة.
قوله تعالى: ((هاؤم)) يعني: تعالوا أو هلموا أو خذوا، وقيل: هي كلمة لإجابة الداعي عند النشاط والفرح.
стр. 2974
تفسير قوله تعالى: (إني ظننت أني ملاق حسابيه)
قال ﵎: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠].
قوله: ((إِنِّي ظَنَنتُ)) أي: علمت أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ.
قوله تعالى هنا: إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ معروف أن الظن واسطة بين الشك وبين العلم، وقد يأتي الظن بمعنى العلم إذا وجدت قرائن، وذلك مثل قوله ﵎: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف:٥٣] قوله: ((فظنوا)) أي: علموا وتيقنوا، بقرينة قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف:٥٣].
كذلك هنا في قوله: إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ فهي أيضاً بمعنى العلم؛ لأن العقائد لا يصلح فيها الظن.
إذاً: قوله إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ يعني: كنت أؤمن بالبعث والنشور والحساب والجزاء ولست ممن كان ينكر البعث والنشور، فظننت أني ملاق حسابيه، وأني سأُجازى يوم الحساب، فلذلك أعددت له عدة.
إذاً: العقائد لا تقوم على الظن، وإنما تقوم على اليقين والعلم، فمن ثم ففي الكلام على العقائد لا يمكن أن يكون الظن بمعنى الشك، وإنما الظن بمعنى العلم، أي: علمت وأيقنت أني ملاق حسابيه.
ودل القرآن أيضاً على أن الظن قد يكون بمعنى العلم؛ وذلك بمفهوم قوله ﵎: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢]، هذا هو المنطوق، أما المفهوم فهو أن البعض الآخر حق وليس إثماً، وهو ما كان حقاً، وقال ﵎: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٦] فوصف المؤمنين بأنهم يؤمنون بلقاء الله وبالبعث وبالنشور وبالحساب والجزاء، فما دام الموضوع هنا متعلقاً بالعقيدة فلا يمكن فيها إلا اليقين وليس الظن، ويكون الظن هنا بمعنى العلم.
قوله: ((إِنِّي ظَنَنتُ)) أي: علمت.
قوله: ((أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ)) أي: ملاقٍ جزائي يوم القيامة فأعددت له عدته، من الإيمان والعمل الصالح؛ لأن الإيمان بالبعث والنشور ركن من أركان الإيمان، ويثاب الإنسان على التصديق به، لكن لا يكفي فقط في النجاة من العذاب، فلابد مع الإيمان بالبعث والنشور أن تعد العدة للقاء الله، وأن تعد للسؤال جواباً، فمن ثم نقول في تفسير قوله: إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ إني علمت أني ملاق جزائي يوم القيامة، فأعددت له عدته من الإيمان والعمل الصالح.
стр. 2975
تفسير قوله تعالى: (فهو في عيشة راضية في الأيام الخالية)
قال ﵎: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢١ - ٢٤].
قوله: ((عيشة راضية)) يعني: ذات رضاً ملتبسة به، فيكون بمعنى عيشة مرضية، كقوله ﵎: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٦] بمعنى مدفوق، يعني: أتى اسم الفاعل مراداً به اسم المفعول، كذلك هنا (عيشة راضية) يعني: عيشة مرضية، أو عيشة ذات رضاً، كما تقول: لابنٌ وتامرٌ، يعني: صاحب لبن، وصاحب تمر.
أو قوله: (في عيشة راضية) أي: في عيشة راض صاحبها، فأسند الرضا إليها، وجعلها كأنها نفسها راضية.
قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:٢٢ - ٢٣].
قوله: ((قطوفها)) تقول: (قِطف) بكسر القاف، وهو ما يقطف من ثمرها.
قوله: ((دانية)) أي: قريبة سهلة التناول.
قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الحاقة:٢٤] أي: يقال لهم: كلوا واشربوا.
قوله: ((هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ)) أي: الماضية في الحياة الدنيا.
وناقشنا مراراً الرد على الملاحدة والمشركين والكفار من النصارى المستشرقين والمنصرين الذين يطعنون في الإسلام وقلنا: إن الإسلام يعد المؤمنين بمتاع حسي في الجنة، فالجنة تشمل كل أنواع النعيم الحسي والنفسي والروحي، يقول تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢] أي: ورؤية الله في الجنة هي أعظم نعيم الجنة على الإطلاق، بحيث إنه إذا كشفت الحجب ورأوا ربهم ونظروا إليه يتلهون عن كل ما عدا ذلك من النعيم، وهذا نعيم معنوي وليس نعيماً حسياً، فالإنسان جسم وروح، جسد ونفس، فاقتضت حكمة الله وفضله على المؤمنين أن ينعم أرواحهم وينعم أيضاً أجسادهم، وهذا ليس فيه أي معرة، وإنما حرم النصارى أنفسهم من هذا كله بسبب آثار رهبانيتهم التي ابتدعوها، وحرموا بسببها ما أحل الله من الطيبات، ونظروا إلى النعم الحسية على أنها نجس، حتى إنهم نفروا من الزواج ومن أطايب الطعام والشراب ونحو ذلك، فهذه رهبانيتهم المشئومة مخالفة لقول الله ﵎: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف:٣٢] يشتركون فيها مع غيرهم ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢] فقط لمن آمن.
وهناك كثير من الأدلة التي تدل على إبطال ما يزعمونه، ومن ذلك أنهم يعتقدون أن آدم وحواء كانا في الجنة، وأنهما أكلا من الشجرة، وهذا يدل على أن الجنة فيها أشجار وفيها ثمار تؤكل، وهذا مما نحتج به عليهم، وإن كانت عقيدتهم في قصة آدم وحواء دخلها شيء من التحريف كما هي في سجيتهم.
стр. 2976
تفسير قوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه بشماله هلك عني سلطانيه)
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٩].
قال ﵎: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ﴾ [الحاقة:٢٥] أي: الكافر سيأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، كما أوضحته الآية الأخرى، فعندما يلاقي العذاب ويؤتى كتابه بشماله يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٦] يعني: أي شيء حسابي.
قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٧] قال ابن جرير: يعني: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها، ولم يكن بعدها حياة ولا بعث ولا نشور.
قوله: ((يَا لَيْتَهَا)) الهاء تعود على الموتة التي ماتها في الدنيا كما يعتقد كثير من الكفار أنه لا حساب ولا بعث ولا نشور ولا حياة أخرى، وإنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع، والإنسان ينتهي بمجرد أن يموت، وهذا مخالف للحقيقة، وفي ذلك يقول بعض الشعراء: فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حيّ ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شيِّ والقاضية بمعنى القضاء وهو الفراغ.
قوله: ((يَا لَيْتَهَا)) يحتمل أن المعنى يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها، ولم يكن بعدها حياة ولا بعث، أو: ((يا ليتها)) يعني: يا ليتني قبل أن آخذ كتابي وقبل أن أعذب أموت موتاً يقضي عليّ وتخرج روحي فلا تعود أبداً.
قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨] يعني: ما دفع عني من عذاب الله شيئاً.
و (ما) هنا قيل: إنها استفهامية، وقيل: إنها نافية، فأما على القول بأن (ما) استفهامية فيكون المعنى: ما الذي أغنى عني المال الذي كنت أملكه في الدنيا؟ يعني: أي شيء أغنى عني؟
و
الجواب
لا شيء.
أو تكون (مَا) نافية فيكون المعنى: لم يغن عني ماليه، وهذا كقوله ﵎: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] وقوله ﵎: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:٢].
قوله تعالى: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٩] أي: لم تبق لي حجة أحتج بها، فهذا المال والجاه والملك والتسلط على الناس لم يغن عني شيئاً.
стр. 2977
تفسير قوله تعالى: (خذوه فغلوه فاسلكوه)
قال ﵎: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢].
قال ﵎: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] يعني: يقال لخزنة النار: خذوه بالقهر والشدة.
قوله: ((فغلوه)) يعني: ضموا يده إلى عنقه؛ لأنه عندما ملكته هذا المال وهذا السلطان وهذه النعم التي أنعمت بها عليه في الدنيا لم يشكرني على ذلك، فجزاؤه أن يفعل به هكذا.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣١] أي: أدخلوه ليصلى فيها؛ لأنه لم يشكر شيئاً من النعم، فأذيقوه شدائد النقم.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة:٣٢] أي: حلقة منتظمة بأخرى، وهي سلسلة متتابعة الحلقات متصلة.
قوله: ﴿ذَرْعُهَا﴾ أي: مقدارها ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾، أي: أدخلوه فيها بحيث يكون فيما بين حلقها موثقاً لا يقدر على حركة.
قال بعض المفسرين: إن السبعين هنا عبارة عن الكثرة غير المحصورة، وليست هي العدد المعين، كما قيل أيضاً في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠] والله تعالى أعلم.
ثم أيضاً نحن لا ندري ما مقياس هذا الذارع؟ هل هو بذارع الملك أو بذارع غيره، الله أعلم، فهذا مما يوكل علمه إلى الله .
قال بعض المفسرين: إن هذه السلسة كالسيخ تدخل من فمه وتخرج من مؤخرته، والله تعالى أعلم بذلك.
стр. 2978
تفسير قوله تعالى: (إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين)
﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة:٣٣ - ٣٤].
علل الله استحقاقهم للعذاب على طريقة الاستئناف حيث قال ﵎: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:٣٣] أي: المستحق للعظمة وحده ، بل كان هذا الكافر يشرك معه الجماد المهين.
قوله تعالى: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أي: كان لا يحض على إطعام المسكين، بل كان يبخل حتى بالتحريض على إطعام المسكين فضلاً عن أن يبذل هو بنفسه، ولذلك لم يقل: ولا يطعم المسكين، وإنما قال: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾.
فهذا وصفه في غاية الشح؛ لأن الحض لن يكلفه سوى كلمات قليلة، يحض بها الآخرين على أن يطعموا المسكين، لكن بخل بالكلمات لشدة بخله فضلاً عن أن ينفق من ماله، فهو أبعد وأبعد عن ذلك.
قوله: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ معناه: أنه يعذب على عدم الحض والتحريض على إطعام المسكين.
وهذا الآية فيها دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وأن الكافر كما يعذب على الأصول يعذب أيضاً على الفروع، فهو مطالب بالصيام ومطالب بالصلاة وبتحريم شرب الخمر وغيرها مما حرمه الله ، لكن هل تصح منه الصلاة؟ لا تصح منه الصلاة إذا صلى؛ لأنه لا يعرف الله، فكيف ينوي التقرب إلى الله بالعبادة، لكن حتى تصح صلاته لابد أولاً أن يسلم ويدخل في الإسلام ثم يصلي بعد ذلك، ومع ذلك هو مخاطب بفروع الشريعة كما بينا، والدليل على ذلك آيات كثيرة، منها: قوله تعالى هنا: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وقوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت:٦ - ٧] على تفسير الزكاة بأنها زكاة الأموال المعروفة.
وكما أن الإيمان يزيد بالطاعة، والمؤمن يثاب على إيمانه وعلى طاعته، وكلما زاد أعمالاً صالحة زاد ثوابه على الأعمال الصالحة؛ كذلك الكفر يزداد بالمعاصي، ويجازى الكافر على كفره وعلى عصيانه، فالكافر يعذب على الكفر ويعذب أيضاً على العصيان، يقول الله ﵎: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل:٨٨]، فيعذبون على الكفر؛ لأنهم كفروا وصدوا عن سبيل الله، وعذاب مزيد؛ لأنهم كانوا يفسدون في الأرض.
وقال ﵎: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧] فدل على أن الكفر أيضاً يزيد بزيادة شعب الكفر من المعاصي ونحوها.
وقال ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران:٩٠] وهذا يدل أيضاً على أن الكفر يزيد بالمعاصي.
стр. 2979
تفسير قوله تعالى: (فليس له اليوم هاهنا حميم لا يأكله إلا الخاطئون)
﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٥ - ٣٧].
قال : ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة:٣٥] يعني: قريب تأخذه الحمية له.
قوله تعالى: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة:٣٦] الغسلين هو غسالة أهل النار وصديدهم.
قال ابن جرير: كان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، (فِعْلِين) من الغسل من الجراح والدبر، وزيد فيه الياء والنون بمنزلة عفرين.
إذاً: الغسلين يعبر عنه بما يخرج من عصارة وغسالة وصديد أهل النار، والعياذ بالله.
قوله تعالى: ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٧] أي: الآثمون أصحاب الخطايا، يقال: خَطِئ الرجل إذا تعمد الخطأ، وهناك فرق بين خاطئ ومخطئ، خاطئ يعني: آثم يتعمد الخطأ، لكن المخطئ قد يكون غير متعمد الخطأ، يقول ﵊: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)، ويقول الله ﵎: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
قال الرازي: قوله: ((وَلا طَعَامٌ)) الطعام ما هيئ للأكل، فلما هيئ الصديد ليأكله أهل النار كان طعاماً لهم، ويجوز أن يكون المعنى أن ذلك أقيم مقام الطعام فسمي طعاماً، كما قال الشاعر: وخيل قد جنحت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع يعني: لما قام الضرب مقام التحية أطلق عليه تحية، وقوله: (ضرب وجيع) أي: ضرب مؤلم.
стр. 2980
تفسير قوله تعالى: (فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون)
قال الله ﵎: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة:٣٨ - ٣٩] هذا القسم ينتظم جميع الأقسام التي وردت في القرآن الكريم؛ لأن هاتين الآيتين أجمل فيهما كل قسم أقسم الله به في القرآن الكريم؛ لأنه شامل لكل ما يقسم به تعالى، فهو سبحانه يقسم بشيء إما من عالم الغيب أو من عالم الشهادة، فجمعهما الله هنا بقوله: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ يعني: عالم الشهادة، وَمَا لا تُبْصِرُونَ يعني: عالم الغيب.
و (لا) هنا في قوله: ((فلا أقسم)) فيها قولان: إما أنها مزيدة للتأكيد وتقوية الكلام يعني: أقسم، وهذا معروف في كلام العرب، والقرآن عربي.
وإما أن قوله: ((فلا أقسم)) هو في حد نفسه تركيبة، وهذه التركيبة كلها بتمامها صيغة من صيغ القسم، كما في قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١ - ٢] معناه: أقسم بهذا البلد.
يقول القاسمي: قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (وَمَا لا تُبْصِرُونَ) أي: أقسم بالمشاهدات والمغيبات.
يعني: المغيبات بالنسبة للبشر، وليس بالنسبة لله؛ لأنه ليس هناك غيب بالنسبة لله ﵎، إنما الغيب يكون للمخلوقين، ولذلك نسب إليهم عدم البصر فقال: وَمَا لا تُبْصِرُونَ.
قال الرازي: وهذا القسم يعم جميع الأشياء على الشمول؛ لأنها لا تخرج من قسمين: مبصر، وغير مبصر، فشمل الخالق والخلق، والدنيا والآخرة، والعالم العلوي والسفلي، وهكذا.
ومن الممكن أن نعد أي آية أخرى في القرآن ورد فيها القسم تفصيلاً لما أجمل في هذا القسم، فهو إما من المبصر المشاهد وإما من المغيبات، فهذه الآية متضمنة كل قسم أقسم الله به في القرآن الكريم.
следующие страницы →