← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

تفسير قوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه بشماله هلك عني سلطانيه) ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٩]. قال ﵎: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ﴾ [الحاقة:٢٥] أي: الكافر سيأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، كما أوضحته الآية الأخرى، فعندما يلاقي العذاب ويؤتى كتابه بشماله يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٦] يعني: أي شيء حسابي. قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٧] قال ابن جرير: يعني: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها، ولم يكن بعدها حياة ولا بعث ولا نشور. قوله: ((يَا لَيْتَهَا)) الهاء تعود على الموتة التي ماتها في الدنيا كما يعتقد كثير من الكفار أنه لا حساب ولا بعث ولا نشور ولا حياة أخرى، وإنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع، والإنسان ينتهي بمجرد أن يموت، وهذا مخالف للحقيقة، وفي ذلك يقول بعض الشعراء: فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حيّ ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شيِّ والقاضية بمعنى القضاء وهو الفراغ. قوله: ((يَا لَيْتَهَا)) يحتمل أن المعنى يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها، ولم يكن بعدها حياة ولا بعث، أو: ((يا ليتها)) يعني: يا ليتني قبل أن آخذ كتابي وقبل أن أعذب أموت موتاً يقضي عليّ وتخرج روحي فلا تعود أبداً. قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨] يعني: ما دفع عني من عذاب الله شيئاً. و (ما) هنا قيل: إنها استفهامية، وقيل: إنها نافية، فأما على القول بأن (ما) استفهامية فيكون المعنى: ما الذي أغنى عني المال الذي كنت أملكه في الدنيا؟ يعني: أي شيء أغنى عني؟ و الجواب لا شيء. أو تكون (مَا) نافية فيكون المعنى: لم يغن عني ماليه، وهذا كقوله ﵎: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] وقوله ﵎: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:٢]. قوله تعالى: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٩] أي: لم تبق لي حجة أحتج بها، فهذا المال والجاه والملك والتسلط على الناس لم يغن عني شيئاً.

стр. 2977

تفسير قوله تعالى: (خذوه فغلوه فاسلكوه) قال ﵎: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢]. قال ﵎: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] يعني: يقال لخزنة النار: خذوه بالقهر والشدة. قوله: ((فغلوه)) يعني: ضموا يده إلى عنقه؛ لأنه عندما ملكته هذا المال وهذا السلطان وهذه النعم التي أنعمت بها عليه في الدنيا لم يشكرني على ذلك، فجزاؤه أن يفعل به هكذا. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣١] أي: أدخلوه ليصلى فيها؛ لأنه لم يشكر شيئاً من النعم، فأذيقوه شدائد النقم. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة:٣٢] أي: حلقة منتظمة بأخرى، وهي سلسلة متتابعة الحلقات متصلة. قوله: ﴿ذَرْعُهَا﴾ أي: مقدارها ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾، أي: أدخلوه فيها بحيث يكون فيما بين حلقها موثقاً لا يقدر على حركة. قال بعض المفسرين: إن السبعين هنا عبارة عن الكثرة غير المحصورة، وليست هي العدد المعين، كما قيل أيضاً في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠] والله تعالى أعلم. ثم أيضاً نحن لا ندري ما مقياس هذا الذارع؟ هل هو بذارع الملك أو بذارع غيره، الله أعلم، فهذا مما يوكل علمه إلى الله . قال بعض المفسرين: إن هذه السلسة كالسيخ تدخل من فمه وتخرج من مؤخرته، والله تعالى أعلم بذلك.

стр. 2978

تفسير قوله تعالى: (إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين) ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة:٣٣ - ٣٤]. علل الله استحقاقهم للعذاب على طريقة الاستئناف حيث قال ﵎: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:٣٣] أي: المستحق للعظمة وحده ، بل كان هذا الكافر يشرك معه الجماد المهين. قوله تعالى: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أي: كان لا يحض على إطعام المسكين، بل كان يبخل حتى بالتحريض على إطعام المسكين فضلاً عن أن يبذل هو بنفسه، ولذلك لم يقل: ولا يطعم المسكين، وإنما قال: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾. فهذا وصفه في غاية الشح؛ لأن الحض لن يكلفه سوى كلمات قليلة، يحض بها الآخرين على أن يطعموا المسكين، لكن بخل بالكلمات لشدة بخله فضلاً عن أن ينفق من ماله، فهو أبعد وأبعد عن ذلك. قوله: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ معناه: أنه يعذب على عدم الحض والتحريض على إطعام المسكين. وهذا الآية فيها دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وأن الكافر كما يعذب على الأصول يعذب أيضاً على الفروع، فهو مطالب بالصيام ومطالب بالصلاة وبتحريم شرب الخمر وغيرها مما حرمه الله ، لكن هل تصح منه الصلاة؟ لا تصح منه الصلاة إذا صلى؛ لأنه لا يعرف الله، فكيف ينوي التقرب إلى الله بالعبادة، لكن حتى تصح صلاته لابد أولاً أن يسلم ويدخل في الإسلام ثم يصلي بعد ذلك، ومع ذلك هو مخاطب بفروع الشريعة كما بينا، والدليل على ذلك آيات كثيرة، منها: قوله تعالى هنا: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وقوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت:٦ - ٧] على تفسير الزكاة بأنها زكاة الأموال المعروفة. وكما أن الإيمان يزيد بالطاعة، والمؤمن يثاب على إيمانه وعلى طاعته، وكلما زاد أعمالاً صالحة زاد ثوابه على الأعمال الصالحة؛ كذلك الكفر يزداد بالمعاصي، ويجازى الكافر على كفره وعلى عصيانه، فالكافر يعذب على الكفر ويعذب أيضاً على العصيان، يقول الله ﵎: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل:٨٨]، فيعذبون على الكفر؛ لأنهم كفروا وصدوا عن سبيل الله، وعذاب مزيد؛ لأنهم كانوا يفسدون في الأرض. وقال ﵎: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧] فدل على أن الكفر أيضاً يزيد بزيادة شعب الكفر من المعاصي ونحوها. وقال ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران:٩٠] وهذا يدل أيضاً على أن الكفر يزيد بالمعاصي.

стр. 2979

تفسير قوله تعالى: (فليس له اليوم هاهنا حميم لا يأكله إلا الخاطئون) ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٥ - ٣٧]. قال : ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة:٣٥] يعني: قريب تأخذه الحمية له. قوله تعالى: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة:٣٦] الغسلين هو غسالة أهل النار وصديدهم. قال ابن جرير: كان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: كل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين، (فِعْلِين) من الغسل من الجراح والدبر، وزيد فيه الياء والنون بمنزلة عفرين. إذاً: الغسلين يعبر عنه بما يخرج من عصارة وغسالة وصديد أهل النار، والعياذ بالله. قوله تعالى: ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٧] أي: الآثمون أصحاب الخطايا، يقال: خَطِئ الرجل إذا تعمد الخطأ، وهناك فرق بين خاطئ ومخطئ، خاطئ يعني: آثم يتعمد الخطأ، لكن المخطئ قد يكون غير متعمد الخطأ، يقول ﵊: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)، ويقول الله ﵎: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. قال الرازي: قوله: ((وَلا طَعَامٌ)) الطعام ما هيئ للأكل، فلما هيئ الصديد ليأكله أهل النار كان طعاماً لهم، ويجوز أن يكون المعنى أن ذلك أقيم مقام الطعام فسمي طعاماً، كما قال الشاعر: وخيل قد جنحت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع يعني: لما قام الضرب مقام التحية أطلق عليه تحية، وقوله: (ضرب وجيع) أي: ضرب مؤلم.

стр. 2980

تفسير قوله تعالى: (فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون) قال الله ﵎: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة:٣٨ - ٣٩] هذا القسم ينتظم جميع الأقسام التي وردت في القرآن الكريم؛ لأن هاتين الآيتين أجمل فيهما كل قسم أقسم الله به في القرآن الكريم؛ لأنه شامل لكل ما يقسم به تعالى، فهو سبحانه يقسم بشيء إما من عالم الغيب أو من عالم الشهادة، فجمعهما الله هنا بقوله: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ يعني: عالم الشهادة، وَمَا لا تُبْصِرُونَ يعني: عالم الغيب. و (لا) هنا في قوله: ((فلا أقسم)) فيها قولان: إما أنها مزيدة للتأكيد وتقوية الكلام يعني: أقسم، وهذا معروف في كلام العرب، والقرآن عربي. وإما أن قوله: ((فلا أقسم)) هو في حد نفسه تركيبة، وهذه التركيبة كلها بتمامها صيغة من صيغ القسم، كما في قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١ - ٢] معناه: أقسم بهذا البلد. يقول القاسمي: قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (وَمَا لا تُبْصِرُونَ) أي: أقسم بالمشاهدات والمغيبات. يعني: المغيبات بالنسبة للبشر، وليس بالنسبة لله؛ لأنه ليس هناك غيب بالنسبة لله ﵎، إنما الغيب يكون للمخلوقين، ولذلك نسب إليهم عدم البصر فقال: وَمَا لا تُبْصِرُونَ. قال الرازي: وهذا القسم يعم جميع الأشياء على الشمول؛ لأنها لا تخرج من قسمين: مبصر، وغير مبصر، فشمل الخالق والخلق، والدنيا والآخرة، والعالم العلوي والسفلي، وهكذا. ومن الممكن أن نعد أي آية أخرى في القرآن ورد فيها القسم تفصيلاً لما أجمل في هذا القسم، فهو إما من المبصر المشاهد وإما من المغيبات، فهذه الآية متضمنة كل قسم أقسم الله به في القرآن الكريم.

стр. 2981

تفسير قوله تعالى: (إنه لقول رسول كريم) قال ﵎: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠]. قوله: ((إنه)) أي: القرآن الكريم. قوله: ((لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)) وهو محمد ﷺ يبلغه عن الله تعالى؛ لأن الرسول لا يبلغ عن نفسه، ويحتمل أن يكون الرسول المذكور هنا هو النبي محمداً ﷺ ، ويحتمل أن يكون جبريل ﵇، خاصة وأن الله قال في سورة التكوير: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١] فهذا جبريل، فيحتمل أن يكون الرسول الكريم هناك هو الرسول الكريم هنا، لكن في سورة التكوير لا تحتمل إلا جبريل، أما في سورة الحاقة فيحتمل الاثنين، لكن مما يرجح أن المراد به هنا هو النبي محمدٌ ﵌ قول الله ﵎ بعد ذلك مباشرة: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة:٤١]؛ لأن الذي اتهم بأنه شاعر هو الرسول ﵊، ولم يتهم جبريل بأنه شاعر، فهذا السياق يرجح أن المقصود بالرسول هنا هو النبي محمد ﷺ . إذاً: قوله: ((إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)) يعني: إنه لقول محمد ﷺ على سبيل التبليغ، وهو من عند الله، والقرينة التي تدل على أن قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) على سبيل التبليغ لا أنه أنشأه هي: قوله بعدها بآيتين: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة:٤٣]. وقد نسب القرآن إلى النبي ﵊ مرة، ونسب إلى جبريل أكثر من مرة، وهذا مما يوضح ومما يرجح تفسير قوله تعالى: ((إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)) بأنه محمد ﵊؛ لأننا إذا فسرناه بجبريل فتكون هذه الآية توكيداً لما ورد في سورة التكوير من أن سند القرآن الكريم يكون عن الرسول ﵊ عن جبريل عن الله ، ولا شك أنه يكون الأقوى أن ترد آية تنزه سند القرآن مرة من قبل الرسول البشري، ومرة من قبل الرسول الملكي، حتى يحصل التنزيه لكل سند القرآن الكريم. إذاً: الأفضل أن نقول هنا في تفسير هذه الآية: ((إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)): هو محمد ﵊ وهذا تنزيه للرسول البشري، وهناك في سورة التكوير نقول: هو تنزيه للرسول الملكي. إذاً: خلاصة تفسير قوله ﵎: ((إِنَّهُ)) أي: القرآن ((لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)) هو محمد ﷺ يبلغه عن الله تعالى؛ لأنه وصفه بأنه رسول، والرسول يبلغ ما أرسل به وليس هو المتكلم به. كذلك قوله ﵎ بعدها: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة:٤٣] يؤكد أن المقصود بقوله: ((لَقَوْلُ رَسُولٍكَرِيمٍ)) على سبيل التبليغ، خلافاً لكلام المستشرقين وأعداء الإسلام الأغبياء، الذين يطعنون في القرآن الكريم ويقولون: القرآن متناقض، مرة يوصف القرآن بأنه قول محمد، ومرة يوصف بأنه قول جبريل، ومرة يوصف بأنه قول الله، فهذا من سفاهة عقولهم، وجهلهم باللغة العربية، إذا كان أهل اللغة العربية يغفلون عن إدراك أسراره إن لم يكونوا من المتضلعين بها، فما بالك بأعاجم لم يشموا رائحة العلم في اللغة العربية وأسرارها وفصاحتها؟! كذلك في سورة التكوير قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢] فهذا تنزيه أيضاً للرسول البشري هنا؛ لأنه قال في حق جبريل: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:٢١] ثم قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ﴾ أي: محمد ﵊.

стр. 2982

عقيدة الرافضة في القرآن الكريم في هذه الآيات الكريمة رد على الرافضة، فالرافضة -قبحهم الله وأخزاهم ونكس رايتهم- يزعمون التغيير والتحريف والنقص في القرآن الكريم، مثل شيعة إيران -قبحهم الله- يزعمون أن القرآن الكريم محرف، ويتهمون الصحابة كـ أبي بكر وعمر بالكفر والزندقة، وسائر الصحابة بأنهم حرفوا القرآن الكريم، فهذه عقيدة الرافضة الملاحدة المجرمون، ولهم كتب في ذلك منها كتاب اسمه: (فصل الخطاب في إثبات تحريف كلام رب الأرباب) لمؤلفه حسين النوري الطبرسي، وهذا المجرم يثني عليه الخميني في كتبه كثيراً، مع أنه مؤلف هذا الكتاب الذي يزعم فيه تحريف كلام الله ﵎، ولهؤلاء الرافضة المجرمين الكفرة كلام كثير جداً في الطعن في القرآن الكريم، ثم إذا ناقشتهم في هذه المسألة أو غيرها أنكروا؛ لأنهم يتعبدون بالتقية وليس بالتقوى، فالتقية عندهم بمعنى أن يكون ماهراً في الكذب حتى يخفي عقيدته ومذهبه، فلذلك لا تستطيع مناقشتهم؛ لأنك إذا ناقشت واحداً منهم يقول لك: رضي الله عن الصحابة! ورضي الله عن أبي بكر وعمر! وكذا وكذا، ويظل يمدح فيهم وهو كذاب، هذا ديدنهم وهذه عقيدتهم، فلا يوثق أبداً بنقاش مع شيعي أبداً؛ لأنهم كذابون يتعبدون بالكذب فلا تصلح المناظرة معهم أبداً؛ لذلك الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى لما أتى فريق منهم للمناظرة معه، قال لهم: كيف نتناظر وأنتم لكم أصول ونحن لنا أصول؟! أي: المتناظران لابد أن يرجعا إلى أصول واحدة؛ كي يبطلا الخلاف. فقال: كيف نتناظر وأنتم لكم أصول ونحن لنا أصول؟ يعني: لكم دينكم ولنا دين، قال: ثم إنكم فوق ذلك أهل كذب ونفاق فهم كذابون لا يوثق بكلامهم أبداً. والمسلمون طالما خدعوا بهؤلاء الرافضة، وأعتقد أن خطر اليهود مثل خطر الرافضة ولا يقل عنهم إن لم يكونوا هم أشد خبثاً ودهاء وعداء لله ولرسوله للمؤمنين، فهؤلاء أعداء أمة الإسلام، وللأسف الشديد نحن لم نعرف أعداءنا إلى اليوم، ولم نفقه حقيقة هؤلاء المجرمين الطاعنين في صحابة الرسول صلى الله عليه وآله سلم، فهذا الخميني نفسه يترحم على النوري الطبرسي ويلقبه بأنه عالم جليل، مع أنه هو الذي ألف هذا الكتاب الذي فيه دعوى تحريف القرآن! إن الحديث عن الرافضة حديث ذو شجون، ونرجو ألا يأتي يوم يندم فيه هؤلاء الذين لمعوا الرافضة ودافعوا عنهم، وزعموا أن الخلاف بيننا وبين الرافضة كالخلاف بين الحنبلي والشافعي والحنفي وكذا وكذا، لا، بل الخلاف بيننا وبينهم كالخلاف بين اليهودي والنصراني وبين المسلم؛ لأن لهم ديناً ولنا ديناً آخر فنحن مختلفون معهم حتى في الأصول، حتى في القرآن الكريم؛ فهم يعتقدون إما بتحريف القرآن ولهم نصوص في ذلك، وإما أنهم يعتقدون أن القرآن الحقيقي ثلاثة أضعاف القرآن الموجود بيننا، والقرآن الكامل هو مع المهدي المتخفي في السرداب في سامراء، وهذا هراء ووهم في المهدي. الشاهد من هذا أنهم حينما تواجههم بهذا الكلام يقولون: لا هذا كذب! نحن لا نعتقد بتحريف القرآن، ويدافعون بكلام ينطلي على السذج والبسطاء، لكن من كان فقيهاً بألاعيبهم فإنه يقول لهم: إذاً: أعلنوا البراءة مما جاء في كتابكم المقدس الذي هو كتاب الكافي للكليني، فهذا كتاب مقدس عندهم، فهو عند الشيعة كـ البخاري ومسلم عندنا، ويأخذون منه جل دينهم، ففي داخل هذا الكتاب سب الصحابة وكذا وكذا من هذه الضلالات والانحرافات، وفيه أيضاً الأخبار الكاذبة التي فيها دعوى تحريف القرآن الكريم، وكم مرة تحداهم علماء السنة حينما أنكروا أنهم يعتقدون تحريف القرآن بأن يتبرءوا مما ورد في كتاب الكافي من الطعن في القرآن الكريم، ومع ذلك لا يفعلون ذلك أبداً. إن الرافضة الآن خاصة بعد قيام دولتهم الشيطانية الخبيثة في إيران عدو لدود للإسلام، فنسأل الله ألا يمكنهم أبداً من المسلمين، ويكفي حتى تعرفوا خطر الرافضة أن تقرءوا أخبار أهل السنة في إيران، كيف يضطهد أهل السنة في إيران، وحتى الآن يمنع في العاصمة طهران من إقامة مسجد واحد لأهل السنة، مع أن هناك كنائس وهناك معابد يهودية، وهناك أيضاً في طهران معابد للزرادتش وعبدة النار والكفرة، أما أهل السنة فممنوع أن يقام لهم مسجد في طهران من عهد الشاه، وليس فقط من عهد الخميني. والشيعة الرافضة يشنون حرباً شديدة جداً من أجل تشييع شباب وأطفال أهل السنة والجماعة، ولهم حيل كثيرة جداً، وهذا حديث يطول، كنت أتكلم مع أحد الإخوة القادمين من المنطقة الشرقية في السعودية، فكان يشتكي من الرافضة وعداوتهم لأهل السنة، فقلت له: هل هم كالنصارى مثلاً في بلاد المسلمين؟ قال: لا، النصارى قد يكون عندهم رحمة بالمسلمين، أما هؤلاء فلا يرحمون أهل السنة أبداً إذا تمكنوا، والشيعة لا يعرفون إلا بشيئين اثنين: إما أن تعيش معهم وتذوق حقدهم على أهل السنة، وإما أن تتعلم من التاريخ وتتعلم من الكتب التي تتحدث عن عقائدهم وانحرافهم، ولذلك تجد الذين اصطلوا بنار الشيعة يكونون أشد الناس انفعالاً حينما يسمعون هذا الكلام؛ لأنه يثير الشجون، ويثير المشاعر الأليمة، وما أحداث الحرم التي حصلت قبل عدة سنوات وما فعلوه هناك منا ببعيد؟! على أي حال هذه الآية: ((إنه لقول رسول كريم)) فيها رد على الرافضة في دعواهم تحريف القرآن أو نقصه كما يزعمون.

стр. 2983

تفسير قوله تعالى: (وما هو بقول شاعر ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون) قال ﵎: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة:٤١] يعني: كما تزعمون، فإن بين أسلوبه وحقائقه، وبين وزن الشعر وخيالاته بعد المشرقين. قوله: ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة:٤١] يعني: قليلاً ما تصدقون بما ظهر من صدقه وبرهانه عناداً وعتواً، والقلة كناية عن عدم الإيمان. ونصب ((قليلاً)) على أنه نعت لمصدر، يعني: تؤمنون إيماناً قليلاً، والناصب تؤمنون أو تذكرون، و (ما) زائدة. وقال ابن عطية: يحتمل أن تكون نافية ومصدرية. إذاً: قوله: ((قليلاً ما تؤمنون)) على اعتبار (ما) نافية يكون المعنى: لا تؤمنون، وعلى أنها مصدرية يكون المعنى: قليلاً إيمانكم، فيكون المقصود بالتعبير عن القلة التعبير عن العدم، يعني: أنتم لا تؤمنون، كذلك أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة:٤٢] أي: كما تدعون بأنه من سجع الكهان. قوله: ((قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)) أي: تتعظون وتعتبرون، قيل: نفى الإيمان في الأول، ونفي الذكرى في الثاني؛ لأن عدم مشابهة القرآن بالشعر أمر بين لا ينكره إلا معاند؛ لذلك قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾، فالفرق بين القرآن وبين الشعر أمر في غاية الوضوح لا ينكره إلا معاند، فلا عذر لقائله في ترك الإيمان، وهو أضل من حمار أهله، وأما مباينته للكهانة فيتوقف على التذكر والتفكر؛ لأن الكاهن يأخذ جعلاً على كهانته، ويجيب عما سئل عنه، ويتكلف السجع، ويكذب كثيراً، وإن التبس على الحمقى بإخباره ببعض المغيبات بكلام منثور.

стр. 2984

تفسير قوله تعالى: (تنزيل من رب العالمين) قال ﵎: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة:٤٣] أي: هو تنزيل ممن ربى العالمين بصنوف نعمه، ومنها: ما نزله وأوحاه لنهتدي به إلى سبل السعادة ومناهج الفلاح، فربط القرآن برب العالمين فيه؛ إشارة وتذكير بتربية الله سبحانه للعالمين بالنعم وإفاضة الخيرات عليهم والإحسان إليهم بإيحاء القرآن وتنزيل القرآن؛ ليهتدوا به إلى سبل السعادة والفلاح.

стр. 2985

تفسير قوله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل عنه حاجزين) قال الله ﵎: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة:٤٤] عندما يقرأ المسلم القرآن الكريم يشعر بقوة الله وعلو الله والهيمنة الإلهية والعظمة، كما في هذا السياق: ((وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا)) فتقطع أنه لا يمكن أن يكون المتكلم بهذا الكلام هو النبي محمداً ﷺ . قوله: ((عَلَيْنَا)) هذه نون العظمة. قوله: ((بَعْضَ الأَقَاوِيلِ)) أي: لو افترى علينا، وسمي الكذب تقولاً؛ لأنه قول متكلف كما تشعر به صيغة التفعل. و ((الأقاويل)) جمع قول على غير القياس، أو جمع الجمع كالأناعيم جمع أنعام، وقيل: تسمية الأقوال المنكرات أقاويل تحقيراً لها، وأنها جمع أفعولة من القول. قوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة:٤٥] هذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الأحقاف:٨] أي: لن ينقذني من عذاب الله شيء. هذه الآية قرأها بعض القراء: (ولو تُقوِّل علينا بعض الأقاويل) وانتصر لها بعض المسلمين استبعاداً بأن يفترض في حق النبي ﷺ أنه يتقول على الله ما ليس بحق، وهذا كلام في الحقيقة غير صحيح؛ لأن هذا السياق لا يوهم أنه يمكن أن يقع من النبي ﵊، وإنما هو افتراض لما لا يتصور وقوعه من النبي ﵌، وقد جاء الافتراض في القرآن الكريم فيما هو أعظم من ذلك، كما قال الله ﵎: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١] وهذا مجرد افتراض، وإلا فالله منزه عن الولد سبحانه، وقال الله ﵎: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] فهذا أيضاً افتراض، ولا يحتمل أن يكون في السماوات والأرض آلهة غير الله. إذاً: ينبغي للإنسان ألا ينزعج من مثل هذه الافتراضات، فكذلك هنا قوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ﴾ يعني: على سبيل الافتراض لما لا يتصور وقوعه من النبي ﵌. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٦] قال ابن جرير: أي: لأخذنا منه بالقوة منا والقدرة. قوله: ((الْوَتِينَ)) يعني: نياط القلب، والمعنى: أنه لو فعل ذلك لعاجله بالعقوبة ولا يؤخره بها. وقد قيل: إن معنى قوله تعالى: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه، وإذا قلنا: ((باليمين)) هي في حق الله فيكون المعنى: بالقوة منا والقدرة، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٨] أي: عن القوة والقدرة. قال الزمخشري: والمعنى: ولو ادعى علينا شيئاً لم نقله لقتلناه صبراًً كما يفعل الملوك بمن يكذب عليهم؛ معاجلة بالسخط والانتقام، فصوّر قتل الصبر بصورته؛ ليكون أهول، وهو أن يؤخذ بيده وتضرب رقبته، وخص اليمين عن اليسار؛ لأن القاتل إذا أراد أن يوقع الضرب في قفا المراد قتله أخذ بيساره، وإذا أراد أن يوقعه في جيده -أي: في عنقه- وأن يكفحه بالسيف- أي: يعدمه- وهو أشد على المصبور لنظره إلى السيف؛ أخذ بيمينه. يعني: إذا أخذه بالشمال فيكون الضرب من جهة القفا، لكن الأخذ باليمين معناه: أنه يأخذه من أمامه بحيث يرى السيف وهو يقع على عنقه، وهذا أشد عليه وأصعب. ثم يقول الزمخشري: ومعنى (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) لأخذنا بيمينه كما أن قوله: ((لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)) لقطعنا وتينه، وهذا بين. إذاً: مما يقوي القول بأن اليمين المقصود بها يمين النبي ﵊ نفسه قوله: (ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) يعني: وتينه. وحاشاه ﷺ أن يتقول على الله باطلاً. وما قرره الزمخشري أبلغ في المراد، وهو بيان المعاقبة بأشد العقوبة، والقول الأول هو أن معنى قوله: (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) يعني لأخذنا منه بقوتنا وقدرتنا، والقول الثاني: أن معنى قوله: ((لأخذنا منه باليمين)) يعني: بيمينه، وهذا أبلغ في المراد، وهو بيان المعاقبة بأشد العقوبة. قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٧] أي: ليس أحد منكم يحجزنا عنه، ويحول بيننا وبين عقوبته لو تقول علينا.

стр. 2986

تفسير قوله تعالى: (وإنه لتذكرة للمتقين وإنه لحسرة على الكافرين) قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الحاقة:٤٨] أي: إن القرآن الكريم لتذكرة وعظة لمن يتقي عقاب الله، وذلك بالإيمان به وحده وما نزل من عنده. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة:٤٩]. قوله: ((وإنا لنعلم أن منكم مكذبين)) أي: مكذبين له ﷺ أو مكذبين بالقرآن الكريم؛ إيثاراً للدنيا والهوى، فسوف يجازيكم على إعراضكم عن القرآن الكريم. قوله: ((وَإِنَّا لَنَعْلَمُ)) هذا العلم يستلزم معاقبتهم على ذلك التكذيب. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الحاقة:٥٠] أي: ندامة عليهم إذا رأوا ثواب المؤمنين به، وهذا يشبه قوله ﵎: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢].

стр. 2987

تفسير قوله تعالى: (وإنه لحق اليقين فسبح باسم ربك العظيم) قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:٥١ - ٥٢]. العلم واليقين يتفاوت على درجات، فمن مراتب اليقين: مرتبة علم اليقين، ومرتبة عين اليقين، والمرتبة الأعلى حق اليقين. لو أخبرتك أن خلف هذا الجدار إناء فيه عسل، وكنت موقناً بقولي؛ فهذا يسمى علم اليقين، فإذا فتحت الباب وأريتك إياه، ورأيته بعينك؛ فهذا يسمى عين اليقين، فإذا ذقت العسل؛ فهذا يسمى حق اليقين، كذلك مثلاً من علم بوجود الكعبة المشرفة ولم يرها فهذا علم اليقين، فإذا ذهب إلى هناك ورآها فهذا عين اليقين، وإذا دخل الكعبة المشرفة فهذا حق اليقين. إذاً: حق اليقين هو أعلى درجات ومراتب اليقين. قوله: (وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ) يعني: إنه هو الحق اليقين الذي لا ريب فيه، قال الله ﵎: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٥] بالعلم، ثم قال: ﴿لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٦ - ٧]. ثم قال الله ﵎: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ يعني: دم على ذكر اسمه ، وادأب على الدعوة إليه وحده، وإلى ما أوحاه إليك، فالعاقبة لك ولمن اتبعك من المؤمنين.

стр. 2988

تفسير سورة المعارج

стр. 2989

تفسير قوله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع) سورة المعارج تسمى سورة (سأل سائل)، وهي مكية، وآيها أربع وأربعون. قال تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج:١]. قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ قال مجاهد: أي: دعا داع بعذاب يقع في الآخرة، وهو قولهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]، والسائل هو النضر بن الحارث بن كلدة فيما رواه النسائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. ودعاؤه بقوله -كما قصه الله تعالى-: ((اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ))، فلم يوفق إلى أن يقول: فاهدنا إليه. لكنه علقه على تعجل العذاب: ((اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)). وقد قيل: إن الموعود بوقوعه عذاب الدنيا. أي: هذا النضر بن الحارث الذي يدعو بالعذاب سيقع به العذاب؛ لكن على التفسير الأول سوف يقع في الآخرة، وعلى الثاني سيقع في الدنيا، وبالفعل قتل النضر بن الحارث يوم بدر، ففي هذه الآية إخبار عن مغيب وقع مصداقهُ.

стр. 2990

تفسير قوله تعالى: (للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج) قال تعالى: ﴿لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج:٢]. قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج:١]، (واقع) صفة للعذاب، وقوله تعالى: (للكافرين) صفة ثانية للعذاب، يعني: هذا العذاب الذي هو واقع هو للكافرين. أو أن (للكافرين)، متعلق بـ (واقع) أي: فسوف يقع للكافرين، واللام للتعليل، أي: لاستحقاقهم هذا العذاب بسبب كفرهم. أو أن هذه اللام بمعنى (على)، أي: فهذا العذاب واقع على الكافرين. ((لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ)) أي: لا يرده رادُّ من جهته لتعلق إرادته به من الله، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج:٤٧]. وقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ قال الرازي: المعارج جمع معرج وهو المقعد، ومنه قوله تعالى: (وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف:٣٣]، وقد ذكر المفسرون في تفسير قوله تعالى: ((ذِي الْمَعَارِجِ)) أقوالاً ووجوهاً: أحدها: قال ابن عباس -في رواية-: ﴿من الله ذِي الْمَعَارِجِ﴾ أي: ذي السماوات. وسماها معارج لأن الملائكة يعرجون فيها. القول الثاني: قال قتادة: معنى قوله تعالى: ((ذِي الْمَعَارِجِ)) أي: ذي الفواضل والنعم، وذلك لأن أياديه وجوده وإنعامه مراتب. يعني أن هذه النعم والفواضل التي يمن الله بها على الخلق هي مراتب ومنازل، وتصل إلى الناس على مراتب مختلفة. أما القول الثالث في تفسير ((ذِي الْمَعَارِجِ)): فهو أن المعارج هي الدرجات التي يعطيها الله أولياءه في الجنة.

стр. 2991

تفسير قوله تعالى: (تعرج الملائكة والروح إليه) قال الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألف َ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]. قال ابن جرير: تصعد الملائكة والروح -وهو جبريل ﵇ إليه ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، يعني: أن صعودهم كان مقدار يومه خمسين ألف سنةً لغيرهم من الخلق. يعني: لو أن الذي صعد هذه المسافة من غير الملائكة لقطعها في خمسين ألف سنة، وذلك أنها تصعد من منتهى أسفل الأرض إلى منتهى أمره من فوق السماوات السبع. وقيل: بل معناه: تعرج الملائكة والروح إليه يوم يفرغ من القضاء بين خلقه، فذلك اليوم الذي فرغ فيه من القضاء بينهم قدرهُ خمسون ألف سنة. وقد قيل: إن (في يوم) متعلق بـ (واقع)، أي: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، أي: هذا العذاب يقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ويكون المراد به يوم القيامة. وعن ابن عباس ﵁ قال: فهذا يوم القيامة جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة. وهذا التعبير إما حقيقي أو مجاز عن الاستطالة. قال الشهاب: وهكذا زمان كل شدة. يعني: أن زمان الشدة يطول، كما قال الشاعر: تمتع بأيام السرور فإنها قصارُ وأيام الغموم طوال فوقت الغم والهم والنكد يكون طويلاً بعكس وقت السرور، وقال الشاعر: وليل كموج البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف إعجازاً وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبح وما الإصباح منك بأمثل ونقل الرازي عن أبو مسلم أن هذا اليوم هو يوم الدنيا كلها من أول ما خلق الله إلى آخر الفناء، فبين تعالى أنه لا بد في يوم الدنيا من عروج الملائكة ونزولهم، وهذا اليوم مقدر بخمسين ألف سنة، ثم لا يلزم على هذا أن يصير وقت القيامة معلوماً؛ لأننا لا ندري كم مضى وكم بقي. وهذا القول بعيد، وهذه الآية كقول الله ﵎: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ ألف َ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]، ولا منافاة في التقدير؛ لأن المعني به الاستطالة لشدته على الكفار، أو لكثرة ما فيه من الحالات والمحاسبات. والقرآن يفسر بعضه بعضاً، فالتفسير بأن المقصود بخمسين ألف سنة أنه مجاز، لا داعي له؛ لأنه لا يتعذر حمله على الحقيقة، فالله يقول: خمسين ألف سنة. هذا الزمن هو فترة عروج الملائكة والروح إليه. أما الآية الأخرى ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ ألف َ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥] فهذا في تقدير آخر، أي باعتبار أن موضوعه أمر آخر، وهو عروج الأمر المدبر إليه، وهذا في عروج الملائكة إليه.

стр. 2992

تفسير قوله تعالى: (فاصبر صبراً جميلاً ثم ينجيه) يقول تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ﴾ [المعارج:٥ - ١٤]. يقول تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾، يعني: على ما يقولون، ولا يضق صدرك فقد قرب الانتقام منهم. ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ﴾ أي: يرون العذاب الدنيوي أو الأخروي (بعيدا) أي: بعيداً وقوعه؛ لعدم إيمانهم بوعيده ﵎. ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ أي: قريب الحضور. ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ يعني: كالشيء المذاب، أو عكر الزيت الذي يكون في الطبقة السفلى منه إذا كان في إناء، فهذا العكر الذي يخالط الزيت هو المراد بالمهل هنا. (ويوم) ظرف يعني: قريباً. ((وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ)) يعني: كالصوف. ﴿وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ يعني: لا يسأل قريبٌ قريباً عن فعله لشغله بفعل نفسه، فكل إنسان مشغول ومهتم بأمر نفسه، حتى الحبيب الذي هو في غاية الود والمحبة لمن يحب فإنه يقول: نفسي نفسي. ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يعني: يعرفون أقرباءهم، ومع ذلك يفر بعضهم من بعض؛ إذ قد يقول قائل: ربما يكون المقصود من قوله تعالى: ﴿وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أن بعضهم يحجب عن بعض، فلذلك ينشغل بحاله ولا يسأل عن أحوال حميمه وقريبه، فكأن الله أراد أن يدفع هذا التوهم ببيان شدة هذا الموقف، فقال: ((يبصرونهم)) أي أنهم سوف يعرفون أقرباءهم، ومع ذلك يفر بعضهم من بعض. وفيه تنبيه على أن المانع من هذا السؤال هو الاندهاش مما نزل لا احتجاب بعضهم عن بعض، فهم يرون بعضهم بعضاً، بل يعرف بعضهم بعضاً، فهذا أبوك، وهذا أخوك، وهذا صديقك الحميم، فيبصرونهم، وسوف يرونهم ويعرفون أقرباءهم، ومع ذلك يفر بعضهم من بعض ولا يسأل حميم حميماً. ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ أي: الذين هم محل شفقته، أي: يود الكافر أن يقع أولاده في العذاب فداءً عنه؛ رغم الشفقة المعروفة عند الأب على أولاده. ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾ أي: التي هي أحب إليه ((وأخيه)) الذي يستعين به في النوائب، ((وفصيلته)) أي: عشيرته ((التي تؤويه)) أي: تضمه إليها عند الشدائد. ﴿وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ﴾ يعني: يود أن يبذل ذلك ويضحي بكل هؤلاء في سبيل أن ينجيه هذا الافتداء، أو ينجيه هذا المذكور، أو ينجيه كل من في الأرض. و (ثم) هنا للاستبعاد، أي: لاستبعاد أن ينجو حتى لو افتدى بمن في الأرض جميعاً. فإذاً الفعل هنا (ثم ينجيه) معطوف على (يفتدي) أي: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾ بكذا وكذا ثم ينجيه، أي: ثم مقابل هذه الفدية ينجو من العذاب.

стр. 2993

تفسير قوله تعالى: (كلا إنها لظى وجمع فأوعى) قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج:١٥ - ١٨]. ((كلا)) يعني: لا يكون ذلك، فهو يتمنى أن لو يتمكن من ذلك ليفتدي بهؤلاء الأقربين أو يفتدي بكل من على وجه الأرض لعل ذلك ينجيه؛ ولكن: (كلا) لا يكون ذلك. ﴿إِنَّهَا لَظَى﴾ أي: النار الموعود بها هذا المجرم (لظى) أي: لهب خالص. ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ أي: الأطراف كاليد والرجل. أو أن الشوى جمع شواء، والشواء: هي جلدة الرأس التي يكون عليها الشعر. (تدعو) إلى دخولها (من أدبر) عن الحق (وتولى) عن الطاعة. (وجمع) المال (فأوعى)، أي: جعله في وعاء كان كنزه، فمنع حق الله منه فلم يزك ولم ينفق فيما أوجب الله عليه إنفاقه فيه، ومنه الحديث: (لا توعي فيوعي الله عليك).

стр. 2994

تفسير قوله تعالى: (إن الإنسان خلق هلوعاً منوعاً) يقول الله ﵎: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ [المعارج:١٩ - ٢١]. (هلوعا) قليل الصبر كثير الحرص. ولفظة الإنسان في القرآن الكريم تشير إلى هذا الكائن البشري من حيث هو عار عن الهداية الإلهية، فالإنسان بدون الهداية الإلهية والتوفيق الرباني يطلق عليه (إنسان)، فلذلك ترتبط به صفات الرذيلة، كقوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]، وكالحال هنا ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج:١٩ - ٢٠]، وهكذا. فقوله: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ أي: قليل الصبر شديد الحرص، كما بينه في قوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أي: إذا مسه الضر والبلاء (جزوعا) أي: كثير الجزع من قلة صبره. ((وإذا مسه الخير)) يعني: كثر ماله وناله الغنى، (منوعاً) أي: منوعاً لما في يده نخيلاً له لشدة حرصه. وهذه الآية مما استعمل فيها الخير بمعنى المال، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨]، وكما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة:١٨٠] يعني: إن ترك مالاً فهذه منها.

стр. 2995

تفسير قوله تعالى: (إلا المصلين إن عذاب ربهم غير مأمون) يقول تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج:٢٢ - ٢٨]. ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ استثنى من الطباع والأخلاق السابقة المصلين، فقال: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٢ - ٢٣] أي: مقيمون لا يضيعون منها شيئاً. وهذه الآية هي الموضع الوحيد الذي استعمل فيه اسم الفاعل للقيام بالصلاة، في حين أننا نجد في عامة آيات القرآن ذكر إقامة الصلاة، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [المائدة:٥٥]، ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٠٣]، ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٦٢]. فغالباً ما تأتي الصلاة بفعل الإقامة، يعني: أداء حقوقها، وأنها ليست مجرد أداء هذه الحركات، إلا أنه جاز هنا أن يؤتى باشتقاق (اسم الفاعل) على أساس أنه قرن بها صفات تفيد نفس معنى إقامة الصلاة، حيث قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ أي: مقيمون لا يضيعون منها شيئاً. ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥] السائل هو الذي يسأل الناس ولا يجد مشكلة في أن يسأل، فإن كان مستحقاً فعلاً فهو المقصود بقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ أي أن هذا حق له، وليس منة منك عليه، وإنما هو حقه الذي شرعه الله له في مال الله الذي آتاك. وهذ الحق أولاً للسائل، فربما سأل السائل صدقة أو معونة أو نحو ذلك، وهو مستحق لذلك، ومن شدة حاجاته يسأل. النوع الثاني: المحروم، والعطف يقتضي المغايرة، أي: أن المحروم غير السائل، فمن هو المحروم؟ المحروم هو المتعفف الذي أدبرت عنه الدنيا فلا يسأل الناس تعففاً. وقيل: المحروم الذي لا ينمو له مال. وقيل: المحروم هو المصاب ثمره. أي كان عنده مال ثمار أو زروع ثم أصابته جائحة، أخذاً من قول أصحاب الجنة في سورة نون: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم:٢٧] أي: أصبنا في ثمرنا بجائحة. واللفظ أعم من ذلك كله، فيشمل كل ما يحتمل دخوله في معنى المحروم. وقد روى ابن جرير عن ابن عمر ﵄ أنه سئل عن الحق المعلوم: أهو الزكاة؟ فقال: إن عليك حقوقاً سوى ذلك. ومثله عن ابن عباس ﵄ قال: هو سوى الصدقة، يصل بها رحما، أو يقري بها ضيفاً، أو يحمل بها كلاً، أو يعين بها محروماً. وعن الشعبي أن في المال حقاً سوى الزكاة، وهذه مسألة تفاصيلها في كتب الفقه. يقول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المعارج:٢٦] يعني: يوم الجزاء. ثم أشار الله ﵎ إلى أن العبرة في الإيمان باليوم الآخر أن يشفق الإنسان منه، ويثمر هذا التصديق ثمرة عملية وهي الخوف والوجل من عذاب الله، وهذه إشارة إلى أن الإنسان لا ينبغي أن يهتم بأن يعتقد عقيدة خاوية من العاطفة أو الوجدان أو المشاعر، وإنما الاعتقاد المثمر هو الذي ينعكس في سلوك الإنسان، فلذلك بعدما قال: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾. قال ابن جرير: أي: وجلون أن يعذبهم في الآخرة، فهم من خشية ذلك لا يضيعون له فرضاً ولا يتعدون له حداً. ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ أي: أن ينال من عصاه وخالف أمره.

стр. 2996

تفسير قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون فأولئك هم العادون) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ﴾ [المعارج:٢٩ - ٣١]. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ أي: لغلبة ملكة الصبر؛ لأن هؤلاء المذكورين مستثنون من صفة الجزع عند البلاء والشح والبخل والحرص الشديد المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج:١٩ - ٢١ - ] فمما يعجز غير المصلين عن الصبر عليه أمر العفَّة، فغير المصلي لا يصبر؛ لأنه لا يصلي صلاة تنهاه عن الفحشاء والمنكر، فأتى في صفة المصلين ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ أي: لغلبة ملكة الصبر وامتلاك ناصيته. ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ [المعارج:٣٠ - ٣١]، قال ابن جرير: أي: التمس لفرجه منكحا ًسوى زوجته أو ملك يمينه، ((فألئك هم العادون)) أي: الذين تعدوا ما أحل الله لهم إلى ما حرمه عليهم. فهذه إشارة إلى أثر الصلاة في العفة عما حرم الله ﵎، ونفس هذا المعنى أشار إليه قول الله ﵎: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩]، فكل من يضيع الصلاة لا بد أن يقع أسيراً للشهوات. وقال ﵎: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، ولذلك لا يقع المصلي المقيم للصلاة أسيراً للفحشاء والمنكر، فكما أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، كذلك الفحشاء والمنكر تنهى عن الصلاة، وتصد الناس عنها. ومما يدل على ارتباط المحافظة على الصلاة بالتعفف عن المحرمات قول الله ﵎: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]، فلم يقل الله ﵎: احفظوا الصلاة والصلاة الوسطى، وإنما جاءت على صيغة المفاعلة (حافظوا)، فهذه المحافظة تقتضي التفاعل من الطرفين، إشارة إلى أن من حافظ على الصلاة حفظته الصلاة، كما قال النبي ﵌: (احفظ الله يحفظك)، فهذا هو المطلوب، وهو أن المحافظ على الصلاة يرد له مثل ذلك بأن تحفظه الصلاة عما حرم الله ﵎، ولذلك نجد أهل الصلاة أقل الناس شراً، وهم بشر وليسوا معصومين، لكن المصلي يكون انقياده للشهوات أقل بكثير من مضيع الصلاة الذي يقع أسيراً للشهوات. ولذلك لما ذكر للنبي ﷺ رجل يصلي ويصوم ويفعل كذا وكذا لكنه يسرق قال: (أما إنَّ صلاته ستنهاه)، ففي الصلاة تأثير عجيب جداً في الالتفات عما حرم الله ﵎، فإن المصلي يوفق إلى أن ينهض من جديد ويستأنف السير والسلوك إلى الله ﵎.

стр. 2997

تفسير قوله تعالى: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون بشهاداتهم قائمون) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج:٣٢ - ٣٣]. ((وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)) قال ابن جرير: أي: لأمانات الله التي ائتمنهم عليها من فرائضه وأمانات عباده التي اؤتمنوا عليها، وعهودهم التي أخذها عليهم بطاعته فيما أمرهم به ونهاهم، وعهود عباده التي أعطاهم على ما أخذه لهم على نفسه، راعون؛ يرقبون ذلك ويحفظونه فلا يضيعونه، فهذا تعميم للأمانة. فقوله: (والذين هم لأماناتهم) أي: جميع أنواع الأمانات، وسيدخل فيها أمانات الله التي ائتمنهم عليها، ومن ذلك الفرائض، والعهود التي أخذها عليهم بأن يطيعوه فيمتثلوا ما به أمر وينتهوا عما عنه نهى وزجر، فلا يضيعوها. كذلك هم لأماناتهم وعهدهم مع الخلق كأمانات العباد التي يؤتمنون عليها، فإذا أعطاك أحدٌ أمانة أو ائتمنك على سر أو نحو ذلك، فينبغي أن تحفظه وترعاه، وكذلك عهود العباد التي بذلها لهم على ما عقده لهم على نفسه (راعون)، يرقبون ذلك ويحفظونه فلا يضيعونه. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ أي: لا يكتمون ما استشهدوا عليه، ولكنهم يقومون بأدائها حيث يلزمون بذلك غير مغيرة ولا مبدلة.

стр. 2998

تفسير قوله تعالى: (والذين هم على صلاتهم يحافظون مكرمون) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:٣٤ - ٣٥]. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أي: لا يضيعون لها ميقاتاً ولا حداً، قيل: الحفظ عن الضياع. ولم يقل: يحفظون الصلاة. إنما قال: (يحافظون) فهذه الصيغة التي مصدرها (المفاعلة) تقتضي أن هناك تفاعلاً بين المصلي والصلاة، فأنت تحفظ الصلاة والصلاة تُردَّ لك بأن تحفظك، كما في قول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة:١٢٣]، فالقتال يقتضي حصول الأمر من الطرفين بخلاف القتل. فالمقصود أنهم يتمون صلاتهم بأركانها وهيئاتها. ونلاحظ أن الصلاة ذكرت مرتين مع أن الصفات متغايرة وفي غاية الدقة، لكن بدأ بالصلاة وختم بها، كما فعل في سورة المؤمنون حيث قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]، ثم ذكر الصفات الآخرى إلى أن ختم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩]. ولذا قال القاضي: هذا التكرار بالنسبة للصلاة ووصفهم بها أولاً وآخراً لاعتبارين: للدلالة على فضلها، وإنافتها على غيرها، فهي أعلى من غيرها من العبادات، فلا شك أن الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين. ﴿أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ أي: مكرمون بثواب الله ﵎ لاتصافهم بمكارم الأخلاق.

стр. 2999

تفسير قوله تعالى: (فمال الذين كفروا قبلك مهطعين الذي كانوا يوعدون) قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ عِزِينَ * أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ * فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ * يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٣٦ - ٤٤]. ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ أي: مسرعين للحضور إذا ما أخبروا بما يتخذونه هزءاً، فكانوا يحضرون سراعاً إلى النبي ﵊ ليروا أي شيء يهزؤون به من الوحي أو من أمر الدين. وعن ابن زيد قال: المهطع الذي لا يصرف عينه. (عن اليمين وعن الشمال عزين) أي: متفرقين حلقاً ومجالس جماعة جماعة، معرضين عنك وعن كتاب الله. (أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم) يعني: وإن لم يتصف بصفات أهلها المنوه بها قبل؟ فهل المسألة بالأماني، وأن الله كما آتاهم النعيم في الدنيا فسوف يؤتيهم ذلك في الآخرة، (كلا) أي: لا يكون ذلك؛ لأنه طمع في غير موطنه، بل هؤلاء حقيقون بأن ييأسوا من رحمة الله في الآخرة. ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: من النطف؛ فمن قدر على خلق هذا الإنسان من نطفة من ماء مهين لا يعجزه إهلاكهم، فليحذروا عاقبة البغي والفساد، ولذلك قال ﵎: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾. وسبق أن تكلمنا من قبل في معنى (لا أقسم)، وأن تفسيرها (أقسم). وقوله: ((الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ)) يعني مشرق كل يوم من السنة ومغربه، أو مشرق كل كوكب ومغربه، أو الأقطار التي تشرق فيها الشمس وتغرب. ((إِنَّا لَقَادِرُونَ)) التوكيد بالقسم و (بإن) وباللام. ((عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ)) أي: بمغلوبين إن أردنا ذلك، فالله قادر على أن يفني الخلق أجمعين ويبدلهم بخير منهم. (فذرهم) اتركهم (يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون) أي: يوعدون أخذهم فيه وهلاكهم. ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ الأجداث: جمع جدث، وهو القبر. يعني: القبور، (سراعاً)، يعني: يسرعون سراعاً (كأنهم إلى نصب يوفضون) يعني: يسرعون. والنُّصب: الصنم المنصوب للعبادة. أو العلم المنصوب على الطريق ليهتدي به السائر. أو أن النصب ما ينصب علامة لنزول اَلملِكِ وسيره، فهم يسرعون إلى عبادة الأصنام إسراع من ضل عن الطريق إلى أعلامها، أو إسراع الجند إلى راية الأمير. ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ من الخزي والهوان، ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي: تغشاهم ذلة من هول ما حاق بهم. ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ يعني: بأنهم ملاقوه. والله أعلم.

стр. 3000

تفسير سورة الجن [١ - ١٠]

стр. 3001

تفسير قوله تعالى: (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ولن نشرك بربنا أحداً) نشرع في تفسير السورة الثانية والسبعين من سور القرآن الكريم، وهي سورة الجن. قال المهايمي: سميت بذلك لاشتمالها على تفاصيل أقوالهم في تحسين الإيمان وتقبيح الكفر، مع كون أقوالهم أشد تأثيراً في قلوب العامة؛ لتعظيمهم إياهم. يعني أن عامة الإنس يعظمون الجن ويتأثرون بكلامهم بشدة. يقول : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن:١ - ٢]. قوله تعالى: ((قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن)) يعني: استمع لهذا القرآن الحكيم نفر من الجن، والمشهور أن النفر ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقد يستعمل إلى الأربعين كالرهط، كما في المجمل. قال القاضي: وفي الآية دلالة على أنه ﷺ ما رآهم ولم يقرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته فسمعوها، فأخبر الله به رسوله ﷺ ، هذا ما يؤخذ من ظاهر ألفاظ الآية: ((قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ)). ((فقالوا)) يعني: لما رجعوا إلى قومهم قالوا: ((إنا سمعنا قرآناً)). قال المهايمي: أي: كتاباً جامعاً للحقائق الإلهية والكونية، والأحكام والمواعظ، وجميع ما يحتاج إليه في أمر الدارين. قوله: ((عجبا)) أي: غريباً لا تناسبه عبارة الخلق، ولا يدخل تحت قدرتهم. فهذا القرآن العظيم الكريم غريب، بمعنى: أنه لا يمكن أن يصدر عن بشر، أو أن يدخل تحت قدرة المخلوقين، بل لابد أن يكون كلام الله ، فانظر إلى أول انطباع الجن حينما سمعوا آيات من القرآن الكريم، قالوا: ((إنا سمعنا قرآناً عجباً))! يقول ﵎: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾، أي: إلى الحق وسبيل الصواب. ((فآمنا به)) أي: فآمنا به فوراً. ((ولن نشرك بربنا أحدا)) أي: من خلقه في العبادة معه ﵎. فهذا هو تحقيق معنى لا إله إلا الله، فقوله: ((فآمنا به)) فيه إثبات الألوهية لله ، أي: فآمنا به وحده. وقوله: ((ولن نشرك بربنا أحدا)) هذا نفي للأنداد والشركاء، وإبطال عبادة من عدا الله ﵎. وهذا المقام شبيه بقول الله ﵎: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣١]. روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: (انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء) يعني: أن السماء حفظت من الشياطين؛ لأن الجن الشياطين من قبل كان يقف بعضهم فوق بعض حتى يسترقوا السمع، وكانوا يلتقطون الكلمة مما تتحدث به الملائكة مما أوحاه الله وتكلم به، ثم يضيفون إليها تسعة وتسعين كذبة، ثم ينشرونها على السحرة والمنجمين والكهان. فحدثت إرهاصات بين يدي بعثة النبي ﵌ وحوادث تلفت النظر، وتنبئ عن أن هناك أمراً خطيراً سيحصل بعد ذلك، وهذه سنة الله .

стр. 3002

عالمية الدعوة المحمدية دون غيرها قوله: ((قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به)) دليل على أن الرسول ﵊ بعث قطعاً للجن والإنس، ولن أتكلم عن صحة الاستدلال بالآية هنا؛ لأن مجرد الاقتصار على الآية يفيد أنهم تبعوا القرآن فآمنوا به، لكن هل فيها أن الرسول ﵊ بعث إلى الجن والإنس؟ ليس فيها ذلك، والله تعالى أعلم. مثلاً: سحرة فرعون ليسوا من بني إسرائيل، وموسى ﵊ إنما بعث إلى بني إسرائيل، فهل يمنع السحرة من الإيمان بموسى ﵇ أنه بعث إلى بني إسرائيل فقط؟ لا، هم آمنوا بأن لا إله إلا الله، وأن موسى رسول من عند الله ﵎، وإن لم يكن مبعوثاً إلى أناس معينين. فكذلك هذه الآية لا يؤخذ منها هذا الأمر، وغاية ما يؤخذ منها أن الجن سمعوا القرآن فآمنوا به وصدقوا بالرسول ﵌. أما حقيقة المسألة فلا شك أن الرسول ﵊ كما قال في الحديث: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]. فأدلة عموم رسالته كثيرة جداً، بل إن الصفة العالمية والشمولية للجن والإنس بالنسبة لبعثة الرسول ﵊ هي من خصائص النبي محمد ﷺ ، بحيث نقول: إن هذه العالمية حكر على دعوة الإسلام، وليس من حق أي ديانة أخرى أن تدعي أنها جاءت ليبشر بها الناس أجمعون. ونستطيع أن نأتي بكثير من النصوص من كتب النصارى، تؤكد أن المسيح ﵇ لم يبعث إلا إلى بني إسرائيل فقط، ومن هذه الأقوال: قول المسيح ﵇: (إنما بعثت إلى حراب بيت إسرائيل الضالة). والنصوص في ذلك كثيرة. أما اليهود فقد كفونا شرهم؛ وذلك باعتبار اليهودية دعوة عنصرية، وعندهم أن الجنة خلقت لليهود فقط، وكل الشعوب إنما خلقت ليركبها اليهود كالحمير كما يزعمون. فاليهود أصلاً ليس عندهم تبشير ودعوة إلى الدخول في اليهودية، وأهم شيء عندهم حتى ينسب المرء إلى اليهودية أن تكون أمه يهودية. بل لو أن يهودياً دخل في الإسلام فإنه يبقى على يهوديته ولا يزول عنه وصف اليهودية، وقد انتشر خبر المغنية اليهودية التي قيل إنها أسلمت، والله تعالى أعلم، فلما توفيت قبل سنوات أراد اليهود أن يستولوا على بيتها ويحولوه إلى متحف فقيل لهم: إنها أسلمت، قالوا: حتى ولو أسلمت فهي يهودية، ولا يزول عنها هذا الوصف أبداً، لأن اليهودية دعوة عنصرية وليست رحمة للبشر، ولأنهم يعتقدون أنهم شعب الله المختار، فمن ثم أراحوا العالم من شر الدعوة إلى دينهم المحرف. ولأنهم يعتبرون أنفسهم سلالة من نوع خاص يجب أن يعامل معاملة خاصة، قال حاكياً قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، فبالتالي هم لا يريدون خيراً لأحد، وليس عندهم نشاط تبشيري يدعون به الناس إلى الدخول في دينهم، وإنما عندهم نشاط تدميري لتحطيم الأمم؛ كي يقيموا ملك يهود على أنقاضها، سواء عن طريق نشر الإلحاد أو الفساد الأخلاقي ونحو ذلك. أما النصارى فليس في دينهم أي نص يدل على عالمية دينهم، بل في كتبهم ما ينفي العالمية، ويثبت أن دينهم خاص ببني إسرائيل كما قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران:٤٩]. ودين النصارى حرف على يد بولس، وهو اليهودي الذي ابتدأ الدعوة إلى التنصير، وذلك أنه ادعى أنه دخل في النصرانية، وكذب على النصارى حيث قال: إنه رأى المسيح وأوحى إليه بأشياء زعمها فصدقوه، ومنها الدعوة والتبشير بالنصرانية، ومن هنا بدأت فكرة التبشير بالنصرانية. والنصرانية ليس من حقها أن تدعي أنها دعوة عالمية لغير بني إسرائيل؛ لأن العالمية لا تصح على الإطلاق إلا لدين الإسلام، ورسالة سيد الأنام محمد ﷺ ، وسبق أنا تكلمنا على هذا بالتفصيل عند دراسة قضية ختم النبوة. أيضاً من فوائد هذه الآية: أن يعلم قريش أن الجن مع تمردهم لما سمعوا القرآن عرفوا إعجازه فآمنوا بالرسول ﷺ . ومن هذه الفوائد: أن يعلم القوم أن الجن مكلفون كالإنس. ومنها: أن يعلم أن الجن يستمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا. ومنها: أن المؤمن من الجن يدعو غيره من قبيلته إلى الإيمان، وهكذا الإنسان إذا آمن فإن من واجباته المقدسة أن يدعو غيره إلى هذا النور والإيمان، كما فعل الجن، إذ فزعوا إلى قومهم داعين إياهم إلى الله ، مع أن عمر إيمانهم كان قصيراً. ومنها: أن الجن لما سمعوا القرآن ووفقوا للتوحيد والإيمان تنبهوا إلى الخطأ الذي اعتقده كفرة الجن، من اتخاذ الله صاحبة وولداً، فاستعظموا ذلك ونزهوا الله سبحانه عنه! انظر إلى جوهر الإيمان عندهم، فكل هذا الكلام يدور حول التوحيد بكل معانيه: تنزيه الله في أسمائه وصفاته وأفعاله عما لا يليق به قالوا: ((فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً)) وهذا هو معنى: لا إله إلا الله.

стр. 3003

تفسير قوله تعالى: (وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولداً) يقول الله : ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ [الجن:٣]. قوله: ((وأنه تعالى جد ربنا)) أي: تعالى ملكه وعظمته وربوبيته عن اتخاذ الصاحبة والولد. قال ابن جرير: الجد بمعنى الحظ. وفي الدعاء: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) يقال: فلان ذو جد في هذا الأمر، إذا كان له حظ فيه، وهو الذي يقال له بالفارسية: البخت. والمعنى: أن الله المتصف بالملك والسلطان والقدرة العظيمة منزه عن أن تكون له صاحبة وولد؛ لأن الصاحبة إنما تكون للضعيف العاجز الذي حملته الشهوة إلى اتخاذها، والولد إنما يكون عن شهوة أزعجته إلى الوقاع الذي يحدث منه الولد، فقال النفر من الجن: علا ملك ربنا وسلطانه وقدرته وعظمته أن يكون ضعيفاً ضعف خلقه الذين تضطرهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة أو وقاع ليحصل منه الولد. فهنا تنزيه الله عن أن يكون له ولد؛ لعظم ملكه وقدرته وسلطانه، فمن كان هذا شأنه، فإنه يستغني عن الاحتياج إلى صاحبة وإلى ولد.

стр. 3004

تفسير قوله تعالى: (وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً) يقول : ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن:٤]. ((وأنه كان يقول سفيهنا)) يعني: الذي أضلنا وأغوانا قبل أن ندخل في الإسلام ونستمع القرآن. ((على الله شططا)) أي: قولاً ذا شطط، أو جعل القول نفسه عين الشطط مبالغة فيه، وأصل الشطط الزيادة في الحد. والمراد منه أن نسبة الصاحبة والولد إلى الله ﵎ من القول الشطط.

стр. 3005

تفسير قوله تعالى: (وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً) يقول : ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الجن:٥]. هنا يعتذر هؤلاء المؤمنون من الجن عن اتبعاهم قبل إسلامهم لسفيههم وزعيمهم، أو كبيرهم ورئيسهم الذي كان يدعي لله الصاحبة والولد، فيقولون: نحن ما تصورنا أبداً أن هناك شخصاً يكذب على الله، وينسب إلى الله ما لا يليق به . يقول القاسمي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً)) أي: في نسبة ما ليس بحق إليه سبحانه، وهو اعتذار عن اتباعهم السفيه في ذلك؛ لظنهم أن أحداً لا يكذب على الله فيتبعونه، يعني: هؤلاء الجن ظنوا أن زعيمهم صادق فيما يخبر به، فلما تبين لهم من القرآن كذب هذا الزعيم السفيه وافتراؤه تبرءوا منه واعتذروا إلى الله من اتباعه قبل إسلامهم. هذا الموقف في سورة الجن له نظائر، مما يلفت نظرنا إلى ضرورة الاستدلال من الآيات القرآنية عند دعوة الآخرين إلى الدخول في دين الإسلام؛ لأن بعض الناس يتكلمون بكل الأدلة ويهجرون أدلة القرآن. فانظر إلى هؤلاء الجن بمجرد أن سمعوا آيات القرآن الكريم أسلموا وتوصلوا من خلالها إلى الحق، فلا توجد أدلة ولا براهين أقوى ولا أوضح ولا أنصع من أدلة القرآن الكريم، فلنحذر خداع الشيطان إيانا؛ لأن الشيطان يأتي بعض الناس ويقول لهم: كيف تحاجونه بالقرآن وهو لا يؤمن بالقرآن، فهذا من تلبيس إبليس يريد أن يبطل أقوى الأسلحة مفعولاً، وهو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. بل من الكفار من إذا سمع القرآن الكريم وقعت في قلبه الرهبة والتعظيم للقرآن، ولو لم يفهم منه حرفاً واحداً؛ بسبب السلطان القرآني على القلوب، وما حديث كفار قريش منا ببعيد، لاسيما الوليد بن المغيرة. اطلع بعض الناس على كتاب لأحد المؤلفين في قضية شرعية، أنكر فيه على من يعود إلى الآيات والأحاديث وكلام الفقهاء والعلماء في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، وقال: إذا أردت أن تدعوهم إلى الإسلام فقل: قال الخواجة الفلاني: كذا، لماذا؟ قال: لأنه أقرب لقبول الناس لكلامك إذا نسبته إلى الخواجات وغيرهم من غير المسلمين. انظر إلى المصيبة التي حلت بنا، يعتقد هذا وأشباهه أن الناس يتأثرون بكلام هؤلاء الكفار ولا يتأثرون بكلام الله وبكلام رسوله ﷺ . على كل حال عندما نخاطب مسلماً أو كافراً فلا بد أن تعطى الأدلة الشرعية قدرها والمكان اللائق بها في الاستدلال.

стр. 3006

تفسير قوله تعالى: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن) قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]. روى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال: كان رجال من الإنس يبيت أحدهم بالوادي في الجاهلية فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي، فزادهم ذلك إثماً. أي: كان الواحد من الإنس إذا نزل في الوادي يهيم في الظلام بالليل فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي، بدلاً من أن يستعيذ بالله فإنه يستعيذ بزعيم الجن سكان هذه المنطقة، فزادهم ذلك إثماً، أي: إما زاد الكفار إثماً وإما زاد الجن أنفسهم رهقاً وإثماً. ففي الآية إشارة إلى ما كانوا يعتقدون في الجاهلية من أن الوديان مقر الجن، وأن رؤسائهم تحميهم منهم. وقال إبراهيم النخعي: كانوا إذا نزلوا الوادي قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر ما فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضراً ولا نفعاً. وقال الربيع بن أنس: كانوا يقولون: فلان من الجن رب هذا الوادي، فكان أحدهم إذا دخل الوادي يعوذ برب الوادي من دون الله، قال: فيزيدهم ذلك رهقاً أي: خوفاً. وقال ابن زيد: كان الرجل في الجاهلية إذا نزل بواد قال: إني أعوذ بكبير هذا الوادي، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم. وذلك لأن التعوذ بغير الله من الشرك، ولذلك نزلت سورة المعوذتين لتعليم الاستعاذة بالله وحده والتبرؤ من الاستعاذة بغيره. قال : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:١ - ٣] إلى آخره. وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]. إذاً التعوذ والاحتماء والالتجاء لا يكون إلا بالله وحده دون غيره، وكذلك أذكار الاستعاذات المأثورة ومنها: ما روى مسلم عن خولة بنت حكيم قالت: قال ﵊: (من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء، حتى يرحل من منزله ذلك). قال بعضهم: هذا الحديث فيه تفسير آية الجن، وهي قوله تعالى: ((وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا)). فالحديث أتى بما يبطل هذا الشرك. وقوله ﵊: (أعوذ بكلمات الله التامات) هذا أحد الأدلة الواضحة التي استدل بها أهل السنة على المعتزلة في زعمهم أن القرآن مخلوق؛ لأن كلمات الله لو كانت مخلوقة فهل يجوز التعوذ بمخلوق؟ لا، هذا شرك، فما دام الرسول ﵊ علمنا أن نتعوذ بكلمات الله فإن هذا يدل على أن كلام الله ليس مخلوقاً وليس محدثاً. والضمير المرفوع في قوله: ((فزادوهم رهقا)) عائد على الجن يعني: فزاد الجن الإنس باستعاذتهم بهم غياً وإثماً وضلالاً، أو أن الضمير يكون عائداً على الإنس يعني: فزاد الإنس الجن باستعاذتهم رهقاً وكبراً وعتواً، لأنهم لما رأوا الإنس يخافونهم ازدادوا كبراً وعتواً وتسلطاً عليهم. والرهق في الأصل غشيان الشيء، فخص بما يعرض من الكبر أو الضلال. وموضوع الجن موضوع ذو شجون، وقد سبق أن تكلمنا فيه بالتفصيل، وخاصة عند التعليق على الظواهر المرضية والشيطانية التي فشت وتغلغلت في عقول كثير من الناس في هذا الزمان، فلن نعيد الحديث؛ لأن من أبغض الأشياء إلينا أن نعيد هذا الكلام على موضوع الجن، وأعتقد أنه بدأ شيء من الحصار في موجة الجن هذه التي غلا فيها كثير من الناس الذين امتثلوا للدعوة، وكما قلت مراراً: أي إنسان فيه خير لا يستمر أبداً في هذا الموضوع. فنرجو أن تواجه وتحارب هذه الظاهرة تماماً ولا يبقى لها وجود. ونعود إلى ما كنا عليه من الاشتغال بمعالي الأمور، وأنت نترك هذه المصطلحات التي لا تليق بالمسلم العادي فضلاً عن الملتزمين والدعاة.

стр. 3007

تفسير قوله تعالى: (وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً) يقول ﵎: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن:٧]. ((وأنهم ظنوا)) يعني: وأوحي إلي أن الجن ((ظنوا كما ظننتم)) يعني: كما ظننتم أيها الأنس في جاهليتكم ((أن لن يبعث الله أحداً)) أي: رسولاً إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده وما فيه سعادتهم. وقيل في قوله: ((أن لن يبعث الله أحداً)) يعني: ألن ينشر الله أحداً من قبره للحساب والجزاء. فالبعث لفظ مشترك يحتمل أنه من البعث والنشور أو من إرسال الرسول ﵊. وقيل: الضمير في قوله: (وأنهم) عائد على الإنس المذكورين في قوله: ((وأنه كان رجال)) والمعنى: وأنهم ظنوا أي: من كلام الجن والخطاب لهم.

стр. 3008

تفسير قوله تعالى: (وأنا لمسنا السماء شهاباً رصداً) يقول الله ﵎: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن:٨ - ٩]. ((وأنا لمسنا السماء)) يعني: تطلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها، ((فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً)) أي حصبة رواجم. نفهم من ذلك أنها قبل ذلك لم تكن مملوءة بالحرس والرواجم من الشهب وغيرها. أي: كنا نقعد من السماء مقاعد لنستمع ما يحدث وما يكون فيها، فمن يستمع الآن فيها يجد له شهاب نار قد رصد له. وقوله: ((رصداً)) يعني: مرصوداً. قال الزمخشري: قوله: ((نقعد منها مقاعد)) أي: كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب والآن ملئت المقاعد كلها، وهذا ذكر ما حملهم على الضرب في البلاد حتى عثروا على رسول الله ﷺ واستمعوا قراءته. يعني: ما هو هذا الشيء الجديد الذي هو ملأ السماء حرساً شديداً وشهباً، ولم يعد هناك أي مقعد يقعدون عليه بعد أن كانوا يقعدون؟ إن هذا الحدث الجديد هو بعثة النبي ﷺ ونزول الوحي من السماء.

стр. 3009

تفسير قوله تعالى: (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض) يقول ﵎: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]. يعني: ما منعنا السمع من السماء ورجم من استمع منا بالشهب إلا لأمر عظيم أراده الله لأهل الأرض، وذلك بعثة هو النبي ﷺ . فالمقصود أننا كنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً، حتى علمنا بعد استماعنا للقرآن الكريم أن هذا حصل لرشد وخير أراده الله لأهل الأرض، وهو بعثة النبي محمد ﷺ .

стр. 3010

أسلوب القرآن في نسبة الشر إلى غير الله تعالى قال الناصر: ولقد أحسنوا الأدب في ذكر إرادة الشر محذوفة الفاعل، وإبرازهم لاسمه عند إرادة الخير والرشد. وهذه قاعدة تكلمنا عنها مراراً: وهي أنه لا ينسب الشر إلى الله ، مع أن الشر هو من خلقه ، والله يريده كوناً وقدراً، ولكن لا يريده شرعاً وطلباً وإرادة، فمن ثم ينبغي لنا أن ننسب الشر إلى الله، كما في دعاء القنوت: (والخير كله في يديك والشر ليس إليك) فليس في أفعاله شر، بل أفعاله كلها خير محض. أما الشر في القرآن الكريم فإما أن تأتي نسبته إلى اسم الفاعل مثل قوله: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]. أو يؤتى باسم مفعول: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧]. أو الفعل المبني للمجهول كما في هذه الآية ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الجن:١٠]. ثم قالوا: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠] فنسبوا الخير إلى الله . وهناك شواهد من القرآن تبين هذا المعنى، منها قول إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشفِينِ﴾ [الشعراء:٧٧ - ٨٠] فنسب المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله. ثم قال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢] فنسب الخطيئة إلى نفسه، ونسب المغفرة إلى ربه. كذلك في قصة الخضر في حادثة السفينة، قال الخضر: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] فنسب العيب إلى نفسه؛ لأن العيب لا يصلح أن ينسب إلى الله ، وكذلك قال في قتل الغلام: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨١]. أما في بناء الجدار الذي هو خير محض لا شر فيه، قال: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢]. وكذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٤] فنسب للشيطان، ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:٦] أي: من الجن والإنس. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢] أي: من شر الخلق، فالشر ينسب إلى المخلوقين، ولا ينسب إلى الله .

стр. 3011

تفسير سورة الجن [١١ - ٢٨]

стр. 3012

تفسير قوله تعالى: (وأنا منا الصالحون بخساً ولا رهقاً) يقول الله : ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا * وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا * وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾ [الجن:١١ - ١٣]. ((وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ)) أي: المسلمون العاملون بطاعة الله. ((وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ)) أي: قوم دون ذلك وهم المقصرون في الصلاح، غير الكاملين فيه، يعني أن المؤمنين درجات: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٣]. وقيل: ((وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ)) هم الكافرون، أي: ومنا المسلمون ومنا الكافرون. قوله: ((كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا)) أي: كنا قبل إسلامنا أهواء مختلفة وفرقاً شتى. فهذا حكاية عن حالهم قبل أن يدخلوا في الإسلام لما سمعوا القرآن. والطرائق جمع طريقة، وهي طريقة الرجل ومذهبه، والقدد: الضروب والأجناس المختلفة، جمع قدة كقطعة. قوله: ((وَأَنَّا ظَنَنَّا)) أي: علمنا وأيقنا، والظن يأتي بمعنى العلم. ((أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ)) يعني: إن أراد بنا شيئاً. ((وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا)) إن طُلِبْنَا فلا مهرب لنا من الله . قال الزمخشري: هذه صفة الجن وما هم عليه من أحوالهم وعقائدهم، منهم أخيار وأشرار ومقتصدون، وأنهم يعتقدون أن الله عزيز غالب لا يفوته مطلب، ولا ينجي منه مهرب. قوله: ((وأنا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى)) أي: القرآن الذي يهدي إلى الطريق المستقيم. (آمنا به)، أي: صدقنا بأنه حق من عند الله. ((فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا)) يعني: لا يخاف أن ينقص من حسناته فلا يجازى عليها. ((وَلا رَهَقًا)) يعني: ولا يخاف أن ترهقه ذلة وتلحقه هيئة معذبة موجبة للخسوء والطرد، وإنما يكون له الجزاء الأوفى والعاقبة الحسنى.

стр. 3013

تفسير قوله تعالى: (وأنا منا المسلمون لجهنم حطباً) ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٤ - ١٥]. يقول تعالى: ((وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ)) أي: الكافرون الجائرون عن طريق الحق. إذاً: المقسط هو العادل، والقاسط هو الجائر. ((فَمَنْ أَسْلَمَ)) يعني: من أذعن وانقاد. ((فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا)). أي: ترجوا وتوخوا رشداً عظيماً، وقصدوا صواباً واستقامة. وقوله: ((فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا)) قيل: إنه من كلام الله ، وقيل: هو من كلام الجن. قال الزمخشري: وقد زعم من لا يرى للجن ثواباً أن الله تعالى أوعد قاسطيهم، وما وعد مسلميهم. وقد تعرضنا لذلك في سورة الأحقاف عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩] يعني: منذرين العذاب، ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣٠ - ٣١]. فزعم البعض أن الجن إن آمنوا وعملوا الصالحات فثوابهم أن تغفر لهم ذنوبهم، وأن يجاروا من العذاب الأليم، أما الجنة فإنهم لا يدخلونها؛ لأن هذا فقط هو ثوابهم كما في قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١]. واستدلوا أيضاً بهذه الآية: ((وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا)) قالوا: إن قوله: ((فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا)) يعني: اختاروا الطريق الصحيح، وهو طريق الإسلام: ((وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا)) فزعم الفريق الذي لا يرى للجن ثواباً أن الله تعالى أوعد قاسطيهم وما وعد مسلميهم. فرد الزمخشري عليهم بقوله: وكفى به وعداً أن قال: ((فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا)). فتحري الرشد لا شك أنه من أعظم أسباب الثواب وموجباته، والله أعدل من أن يعاقب القاسط، ولا يثيب الراشد. وقد تكلمنا كثيراً في سورة الرحمن، وذكرنا أن من أقوى ما يدل على أن مؤمني الجن في الجنة، قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣]. فالمخاطب في هذه الآية هم الجن والإنس، بدليل قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الرحمن:٣٣]، فواضح أن السياق الذي فيه ذكر النعيم الموجود في سورة الرحمن في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] عام في الجن والإنس، كذلك قوله تعالى في الحور: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]، فدل على أن مؤمني الجن في الجنة. وقوله تعالى: ((وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا)) أي: توقد بكفار الجن كما توقد بكفار الإنس.

стр. 3014

تفسير قوله تعالى: (وألّوا استقاموا على الطريقة عذاباً صعداً) ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن:١٦]. يقول : ((وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا)) أي: الجن أو الإنس، أو كلاهما. ((عَلَى الطَّرِيقَةِ)) أي: على طريقة الحق والعدل. ((لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا)) أي: لوسعنا عليهم الرزق، وإنما عبر بالماء الغدق -وهو الكثير- عن سعة الرزق؛ لأن الماء الكثير هو أصل المعاش وسعة الرزق، ولعزة وجوده بين العرب، فهم يعظمون الماء أكثر من غيرهم؛ فمن ثم وعد الله هؤلاء بقوله: ((وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا)). ((لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ)) أي: لنختبرهم ونبتليهم فيه كيف يشكرون ما خولهم الله من النعم وأعطاهم. ((وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ)) أي: عن عبادته أو موعظته. ((يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا)) أي: شديداً شاقاً. قال الزمخشري: والصعد مصدر صعد يقال: صعد صعداً وصعوداً، فوصف به العذاب؛ لأنه يتصعد المعذب، أي: يعلوه ويغلبه، فلا يطيقه.

стр. 3015

تفسير قوله تعالى: (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً) يقول الله ﵎: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]. ((وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ)) أي أن المساجد التي هي أشرف بقاع الأرض مختصة بالله ، ومقامة لأجل عبادة الله وحده لا شريك له. (فلا تدعوا) أي: لا تعبدوا، والدليل قوله تعالى في سورة غافر: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] فكثيراً ما تأتي تتناوب هاتان العبارتان فأحياناً يعبر عن الدعاء بالعبادة، وأحياناً يعبر عن العبادة بالدعاء. والمعنى: لا تعبدوا مع الله أحداً في المساجد، وهذا فيه تعريض لما كان عليه المشركون من عبادتهم غيره تعالى في المسجد الحرام، ونصبهم فيه التماثيل والأنصاب، وبما عليه أهل الكتاب، فإن المساجد لم تشد ولم تبن إلا ليذكر فيها اسمه تعالى وحده، ومن هنا ذهبت الحنابلة إلى أنه لا يجتمع في دين الله مسجد وقبر، وأن أيهما طرأ على الآخر وجب هدمه. والغريب أن القاسمي ينسب هذا إلى الحنابلة فقط، لأن العبارة من عبارات ابن القيم في زاد المعاد، لكن الحقيقة أن هذا كلام أئمة المذاهب الأربعة، وعلمائها. نحن في مصر متخصصون في وضع المساجد على القبور، وأوسع كتاب اشتهر بجمع أقوال المذاهب الأربعة التي تثبت أن جميع المذاهب المتبوعة تنهى عن بناء المساجد على القبور هو كتاب (تحذير الساجد من اتخاذ القبور على المساجد) وهو للعلامة الألباني رحمه الله تعالى، وهذا من أوائل الكتب التي ألفها الشيخ الألباني، ألفه وهو شاب صغير، رحمه الله تعالى. فإذا كنا نهمل القضايا التي تمس صلب عقيدة التوحيد، والأمور التي تمس واقعنا، فكيف بما هو أقل منها. فإذاً: ابن القيم ذكر في زاد المعاد أنه لا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، والحكم يكون للأصل، والطارئ هو الذي يزال، يعني: إن كان هناك قبر ثم بني عليه المسجد فالمسجد يهدم ويزال، أما إذا كان هناك مسجد ثم طرأ عليه قبر، فالقبر هو الذي يزال، أما مسجد وقبر فلا يجتمعان في دين الإسلام أبداً، والأدلة على ذلك واضحة وضوح الشمس. وأنا كلما تلوت قوله : ((وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)) تذكرت حادثة هدم المسجد البابري في الهند، والذي قاد الحملة لهدمه رجل هندوسي وثني مشرك، كان زعيماً لجماعة من الهندوس الكفرة، ظل مدة كبيرة يدربهم على هدم المسجد، لكن أذيع في الأيام الأخيرة أن هذا الرجل دخل في الإسلام، وظل يبكي ويدعو الله أن يمحو عنه وزر تحطيم هذا المسجد.
следующие страницы →