Полный текст (3 275 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم)
قال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤].
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ))، هذا أمر بالإنفاق لبعض من المال، (مما) من هنا: تبعيضية، يعني: من بعض ما رزقناكم، قيل: وهو أمر إيجاب، وإذا كان الأمر هنا على سبيل الإيجاب فالمراد بالنفقة الزكاة، والذي يرجح ويؤكد ويقوي القول بأن المراد هنا: النفقة الواجبة؛ الوعيد الذي عقب الله أمره بالنفقة هنا فقد قال: ((وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) فوصف مانع هذه النفقة بالكفر والظلم، وهذا الوعيد يدل على أنه أراد النفقة الواجبة، وليس نفقة التطوع.
فقوله: ((وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ))، عنى بهم مانعوها، فالمقصود بالكافرين هنا: مانعوا الزكاة.
وقال الأصم وأبو علي: أراد النفقة في الجهاد.
وقال أبو مسلم وابن جريج: أراد الفرض والنفل، وهو المتجه، يعني: أن المقصود بالنفقة الواجبة والنافلة.
((مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ)) وهو يوم القيامة ((لا بَيْعٌ فِيهِ)) لأن الإنسان ما دام السوق قائماً يستطيع أن يبيع، فعن طريق هذا البساط التجاري يستطيع أن يحصل مالاً في الدنيا ينفع به نفسه، أما في الآخرة فيقول تعالى: ((لا بَيْعٌ فِيهِ)) يعني: لا بيع فيه فتحصلون ما تنفقونه، أو تفتدون به من العذاب، فالإنسان في الدنيا يبيع ويشتري فيحصل على المال، وهذا المال إما أن ينفقه في سبيل الله وإما أن يفتدي به، أما في الآخرة فلا يستطيع أن يبيع، ولا يستطيع أن ينفق، فإذا قصر في النفقة في الدنيا لا يستطيع أن يفتدي بماله نفسه في الآخرة؛ لأنه لا بيع فيها، (ولا خلة) يعني: لا صداقة تنفع، ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، والمتقون لا يمنعون الزكاة.
((وَلا شَفَاعَةٌ)) فلا تتكلوا على شفعاء ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩]، وهذا الاستثناء لا بد منه؛ لأن النفي هنا ليس لمطلق الشفاعة يعني: ليست كل الشفاعات منتفية في الآخرة كما هو معلوم من مقتضى الجمع بين هذه الآية وغيرها من النصوص في القرآن أو في السنة التي تثبت أن هناك شفاعة مشروطة بأن تكون بإذن الله ﵎ كما سيأتي.
((وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) الكافرون هنا المراد بهم تاركوا الزكاة، وهذا الأسلوب معروف في القرآن، وله نظير في فريضة الحج قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] فعبر عن تارك الحج بالكفر؛ لأن هذا من فعل الكفار، وقال الله في الزكاة أيضاً في سورة فصلت: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت:٦ - ٧].
إذاً: قوله: ((وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) أراد: والتاركون الزكاة هم الظالمون، واستعمال لفظة (الكافرون) بدل (التاركون الزكاة) للتغليظ في هذه المعصية وللتهديد كما في قوله تعالى في آخر آية الحج: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [آل عمران:٩٧] ولم يقل: ومن لم يحج فإن الله غني عن العالمين، فآثر لفظة: (من كفر) على من لم يحج، للتغليظ ولبيان أن ترك الزكاة من صفات الكفار، ويحتمل أن يكون المعنى: ((وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) أي: لأنفسهم لوضع الأموال في غير مواضعها، فلا تكونوا -أيها المؤمنون- مثلهم في عدم الإنفاق فتضعون أموالكم في غير مواضعها.
وفي هذه الآية دلالة على حسن المسارعة إلى الخيرات قبل فواتها بهجوم ما يمنع منها من مرض أو غيره.
يوم القيامة هو يوم الموقف الأكبر، لكن كل إنسان منا له يوم القيامة موقف خاص به، وله ساعة وله يوم آخر نسبي، وهي لحظة موته التي بها يبتدئ رحلته إلى اليوم الآخر، فبمجرد خروج روحك فأنت تنتقل من الدنيا إلى الدار الآخرة؛ فلذلك ينبغي أن ننفق: كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١٠ - ١١]، وقال هنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
قال السيوطي: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ)) زكاته ((مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ)) فداء ((فِيهِ وَلا خُلَّةٌ)) يعني: صداقة تنفع ((وَلا شَفَاعَةٌ)) يعني: بغير إذنه وهو يوم القيامة، وفي قراءة بنصب الثلاثة: (من قبل أن يأتي يوم لا بيعَ فيه ولا خلةَ ولا شفاعةَ).
((وَالْكَافِرُونَ)) أي: بالله أو بما فرض عليهم، ((هُمُ الظَّالِمُونَ)) لوضعهم أمر الله في غير محله.
стр. 317
تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم)
قال ﵎: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥].
((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)) أي: لا معبود بحق في الوجود إلا هو، فإن كلمة (الإله) تطلق على الإله الحق والإله الباطل، وهناك أدلة من القرآن تدل على أن هناك آلهة باطلة، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم:٨١]، وقوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود:١٠١]، قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣]، فكلمة (إله) تطلق على الإله الحق والإله الباطل، فالشيطان (إله) لكن إله باطل، والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠]، والطاغوت هو الشيطان، وقال تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه:٩٧] وهو عجل السامري، وفي السنة حديث معروف يدل على أن المال إله يعبد: (تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) أو كما قال ﷺ ، فالآلهة الباطلة كثيرة جداً لا تنتهي ولا تنحصر، ومنها ما يعبد برضاه، ومنها ما لا يعبد برضاه، ومنها ما لا يشعر كالأحجار والأصنام، والمسيح عيسى ﵇ إله باطل عبده النصارى زوراً؛ وكذلك عزير ﵇ عبده اليهود، وهما بريئان بلا شك من هذا؛ كذلك الأولياء والصالحون قد يعبدون بعد موتهم، وهم غير راضين عن هذا، أما الآلهة التي عبدت من دون الله وهي راضية فإنها تكون في النار يوم القيامة.
إذاً: نحن لا نقدر: (موجود) في خبر لا التي للجنس في كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، فلا نقول: التقدير لا إله موجود إلا الله؛ لأن هناك آلهة كثيرة باطلة غير الله، لكن نقول: لا إله حق إلا الله، يعني: لا إله يعبد بحق إلا الله ، أما كل إله دون الله فهو إله باطل، ويجب أن تكفر به.
يقول السيوطي هنا رحمه الله تعالى: (الله لا إله) أي: لا معبود بحق في الوجود (إلا هو الحي) أي: الدائم البقاء (القيوم) المبالغ في القيام بتدبير خلقه.
((لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ)) أي: نعاس ((وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)) ملكاً وخلقاً وعبيداً.
((مَنْ ذَا الَّذِي)) يعني: لا أحد ((يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)) يعني: إلا بإذنه له فيها، فلا تكون شفاعة إلا بأن يأذن الله لمن يشفع في هذه الشفاعة ((يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)) أي: الخلق ((وَمَا خَلْفَهُمْ)) أي: من أمر الدنيا والآخرة ((وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ)) أي: لا يعلمون شيئاً من معلوماته ((إِلَّا بِمَا شَاءَ)) يعني: إلا بما شاء أن يعلمهم به منها بإخبار الرسل.
((وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ)) قيل: أحاط علمه بهما، وهذا القول ضعيف، وقيل: ((وَسِعَ كُرْسِيُّهُ)) أي: ملكه، وقيل: الكرسي نفسه مشتمل عليهما لعظمته، لحديث: (ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس) يقول القاضي كنعان: هذا حديث موقوف على ابن عباس ﵄، ولم يوجد مسنداً إلى النبي ﷺ .
قال القرطبي: والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وأخرج الآجري وأبو حاتم البستي في صحيحه والبيهقي وذكر أنه صحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما السماوات السبع! في جنب الكرسي إلا كحلقة ملقاة في صحراء) يعني: صحراء شاسعة مترامية الأطراف، ألقيت فيها حلقة صغيرة، فكل السماوات السبع بما فيها بالنسبة إلى الكرسي كحلقة ألقيت في أرض فلاة، قال: (وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة) يعني: النسبة بين العرش وبين الكرسي كالنسبة بين الكرسي وبين السماوات السبع، فالعرش غير الكرسي وأعظم منه، وبعض العلماء قالوا: إن الكرسي هو العرش، لكن هذا الحديث يثبت أن العرش غير الكرسي، وهو أعظم منه، وهذا هو الصحيح، وذهب بعضهم إلى أن العرش هو الكرسي، وعلى هذا القول مشى الجلالان في هذا التفسير، وقد نبهنا على ذلك في مواضعه.
стр. 318
تفسير القاسمي لآية الكرسي
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ)) أي: الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء (القيوم) أي: الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظهم.
وهذه الآية تثبت أن الله لا يغفل أبداً عن تدبير أمر هذا الكون كله، لكن هذا بطريق الالتزام المقتضي عدم الغفلة التي يتنزه الله عنها، وقد أكد ذلك بالنص الصريح فقال: ((لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ))، فهذا تأكيد لقيوميته؛ لأنه لا يكون قيوماً من كان يغفل عن تدبير مصالحه، فالله لا يغفل أبداً، وبالتالي لا تأخذه النعاس ولا النوم.
و (السِّنَة) على وزن عِدَة، وهي شدة النوم أو أوله أو النعاس، قال المهايمي: السنة فتور يتقدم النوم، الفتور الذي يكون في أول مبادئ النوم هو السنة، ثم يكون النوم الذي هو أعمق، وهو: حال تعرض للحيوان من استرخاء دماغه تمنع الحواس الظاهرة من الإحساس.
والسنة والنوم على هذا منقصان للحياة، ومنافيان للقيومية؛ لأنهما من التغيرات المنافية لوجوب الوجود الذي للقيوم، ونفى النوم أولاً التزاماً، ثم نفاه تصريحاً بقوله: ((الْحَيُّ الْقَيُّومُ))، فإنه يلزم من حياته وقيوميته أنه لا يغفل أبداً ، ثم صرح فقال: ((لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ)) وهذا النفي يدل على ثبوت كمال ما ينافيه.
ومن كمال قيوميته اختصاصه بملك العلويات والسفليات المشار إليها بقوله: ((لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ)) يعني: من الملائكة والشمس والقمر والكواكب ((وَمَا فِي الأَرْضِ)) يعني: من العوالم المشاهدات، وهذا إخبار بأن الجميع في ملكه وتحت قهره وسلطانه كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٤].
قوله: ((مَنْ ذَا)) يعني: مَن مِن الأنبياء أو من مِن الملائكة فضلاً عما ادعى الكفار شفاعته من الأصنام؟! يعني: إذا كان الأنبياء والملائكة أنفسهم لا يملكون شفاعة إلا بإذن الله، فكيف تزعمون أنتم -أيها الكافرون الذين خاطبهم القرآن- أن أصنامكم وآلهتكم تملك الشفاعة من دون الله؟! الأنبياء والملائكة لا يملكون الشفاعة إلا بإذن الله.
وإذا كان هنا نفي هذا النوع من الشفاعة، فبالأولى أن فيها نفياً لأن يقاوم الله أحد أو أن يناصبه أو يبطل إرادته.
((مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ)) أي: لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه يعني: بتمكينه تحقيقاً للعبودية كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، وهذا من جلاله وكبريائه ، فلا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة كما في حديث الشفاعة يقول ﵊: (آتي تحت العرش -يعني: لا يشفع مباشرة- فأخر ساجداً فيدعني الله ما شاء أن يدعني، ثم يقال: ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع ﷺ قال: فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة)، وقال له أبو هريرة: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال ﷺ : لقد ظننت -يا أبا هريرة - ألا يسألني عن هذا الحديث أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث: أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) فهذه الشفاعة هي لأهل الإخلاص والتوحيد بإذن الله، ولا تكون أبداً لمن أشرك بالله.
المشركون يدعون لآلهتهم الشفاعة، وهم ليسوا بموحدين ولا مخلصين، فبالتالي ليسوا من أهل هذه الشفاعة.
قوله: (يعلم ما بين أيديهم) يعني: ما عملوه بالفعل من أمور الدنيا أو مما يخصهم.
((وَمَا خَلْفَهُمْ)) يعني: ما حجب عنهم ولم يعلموه؛ لأن الخلف هو ما لا يناله الحس، فأنبأ أن علمه من وراء علمهم، وهو محيط بعملهم فيما علموا وما لم يعلموا، فهذه الجملة كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام:٧٣]، فقوله: ((يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)) هو الشهادة، وقوله: ((وَمَا خَلْفَهُمْ)) هو الغيب.
وقوله: ((وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ)) أي: لا يعلمون شيئاً من معلوماته إلا بما أراد أن يعلمهم به منها على ألسنة الرسل كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧] ليكون ما يطلعه عليه من علم غيبه دليلاً على نبوته.
روى ابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الكرسي: العلم.
وقوله: ((وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا)) يعني: لا يئوده حفظ ما علم وأحاط به مما في السماوات والأرض، كما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأعراف:٨٩]، فأخبر أن علمه وسع كل شيء فكذلك قوله: ((وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ)).
قال ابن جرير: وقول ابن عباس هذا يدل على صحة قول من قال: إن العلماء هم الكراسي؛ لأنهم المعتمد عليهم، كما يقال: أوتاد الأرض، يعني: أنهم الذين تصلح بهم الأرض، ومنه قوله الشاعر: يحف بهم بيض الوجوه وعصبة كراسي بالأحداث حين تنوب يعني: بذلك علمه في حوادث الأمور ونوالها، وروى ابن جرير أيضاً عن الحسن: أن الكرسي في الآية: هو العرش، وأيده بعضهم بأن لفظ عرش المملكة وكرسيها مترادفان؛ ولذلك قال تعالى على لسان سليمان: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣٨]، يقول: فالعرش والكرسي هما شيء واحد.
стр. 319
تنبيه مهم في طبعة تفسير القاسمي
الغماري صوفي، وعليه ملاحظات شديدة ليست هينة، وعنده بدع غليظة، وهو ليس سلفياً، بل يحارب السلفية -سامحه الله وعفا عنه-، لكن مع ذلك لما ذكر نبذة عن التفاسير المشهورة المطبوعة ومنها تفسير القاسمي ذكر تعليقاً مهما جداً، فقال: إن الشخص الذي قام على أول طبعة لمحاسن التأويل للقاسمي كان شخصاً مخبولاً أو في عقله شيء! هكذا وصفه، ودلل على ذلك بأنه أتى إلى بعض المواضع التي لم تعجبه من كلام القاسمي فضرب عنها صفحاً وأضاف إليها كلاماً من عنده، وعلل ذلك بأن القاسمي إمام محقق لا يليق به أن يوجد هذا الكلام في كتابه، فحصل منه تحريف في الكتاب، وحرف بعض المواضع على خلاف ما ذكره القرطبي نفسه في المخطوطة الأصلية، وعلل استحلاله لهذا التحريف أن ابن القاسمي فوضه بأن يعدل ما يراه مناسباً، وقال له: إذا وجدت شيئاً لا يليق بمقام الوالد فلك أن تغيره! فنخشى أشد الخشية مما نالته يد هذا المعتدي؛ لأنا نجد القاسمي نفسه السلفي واضح جداً، وإذا قرأتم مقدمة هذا التفسير التي طبعت في الجزء الأول منه والتي سماها: تمهيد خطير في قواعد التفسير، نجد أن القاسمي ينتصر لمنهج السلف بكل وضوح، ولا يسلك أبداً مسلك الذي يمسك العصا من النصف؛ لكنه دائماً في قضايا العقيدة السلفية من الناس الواضحين جداً في هذا الباب، فيصعب جداً أن يكون كلام القاسمي الأصلي لهذه الآية التي ليس فيها إلا حكاية قولين، أنه اعتمد أن الكرسي هو العلم، وقول آخر أشار إليه عرضاً وهو: أن الكرسي هو العرش، ويبعد جداً أن القاسمي لا يذكر هذا وهو رجل مطلع على السنة، ومطلع على الأحاديث، وتغيب عنه الآثار التي دلت على أن الكرسي غير العرش وغير العلم.
ويوجد هنا تعليق سأقرؤه عليكم لكي تعلموا أن هذا هو فعلاً الذي كان يليق بـ القاسمي، فالله أعلم من المسئول عن ترحيل هذا الجزء من أعلى إلى أسفل، من المتن إلى الحاشية، يقول المعلق: كان المؤلف ﵁ فسر الكرسي بما يأتي: الكُرسي: -بالضم وبالكسر- السرير والعلم، كما في القاموس، قال الأزهري: والصحيح عن ابن عباس ما رواه عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الكرسي موضع القدمين، وأما العرش فإنه لا يقدر قدره، وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها، قال: ومن روى عنه في الكرسي أنه العلم فقد أبطل، وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: الكرسي الذي يوضع تحت العرش إلى داخله، وبالفتح الكرسي هنا الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته، يقول: ثم إن المؤلف عدل عن ذلك إلى ما تراه.
أي الكلام الأول: بأن الكرسي هو العلم، وأتى بمقولة: التراث والعلماء سلاطين الأرض إلى غير ذلك، والله أعلم من الذي عدل في الحقيقة؛ لكن أنا أحببت أن أنوه إلى هذا الأمر لئلا تغتروا بمثل هذا التأويل.
стр. 320
معنى قوله تعالى: (ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم)
قوله تعالى: ((وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا)) لا يثقله، ولا يشق عليه، يقال: آده الأمر أوداً وأووداً بلغ منه المجهود والمشقة، أي: لا يثقله ولا يتعبه حفظ السماوات والأرض، فلا يفتقر إلى شريك، ولا ولد، وكيف يشق عليه (وهو العلي العظيم)؟! قال ابن جرير في معنى (العلي): قال بعضهم: يعني بذلك علوه عن النظير والأشباه، تعالى أن يكون له نظير عن كذا، وقال آخرون: (العلي) على خلقه، بارتفاعه مكانه عن أماكن خلقه؛ لأنه تعالى فوق جميع خلقه، وخلقه دونه، كما وصف نفسه أنه على العرش، فهو عالٍ بذلك عليهم.
(العظيم) أي: أعظم من كل شيء، ذو الجلال والكبرياء والفخر والقدرة والسلطان.
стр. 321
فضل آية الكرسي
آية الكرسي لها شأن عظيم، وفضل كبير، وقد صح في الحديث عن رسول الله ﷺ أنها أعظم آية في كتاب الله، وأنها مشتملة على اسم الله الأعظم، والأحاديث كثيرة في فضل آية الكرسي، ويكفي فيها هذه الإشارة اختصاراً.
فإن قلت: لم فضلت هذه الآية وورد في فضلها ما ورد؟ قلت -أي: في الجواب-: كما فضلت سورة الإخلاص وصارت ثلث القرآن، فضلت مثل هذه الآية وكانت أعظم آية في كتاب الله؛ لأنها اشتملت على صفة الرب ﵎، ولاشتمالها على توحيد الله تعالى وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى، ولا مذكور أعظم من رب العزة، فما كان ذكراً له كان أفضل من سائر الأذكار، وكما أن القرآن أفضل ذكر؛ لأنه كلام الله ، فإن أفضل ما يذكر الله به من هذا الذكر هو ما تمحض لذكر رب العزة .
وفي القصة المعروفة لما كان يكرر الصحابي سورة الإخلاص في كل ركعة في الصلاة، وسأله الرسول ﷺ عن سر ذلك فقال: (إني أحبها لأن فيها صفة الرب، قال: إن حبك إياها قد أدخلك الجنة، وإن الله يحبك بحبك إياها)، أو كما قال ﵊؛ وكذلك هنا: أعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي؛ لأنها تمحضت لذكر أعظم مذكور، وهو الله : ((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ))، فهي إثبات للكمال ونفي للنقص.
стр. 322
تفسير قوله تعالى: (لا إكراه في الدين)
قال ﵎: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦].
قال الله تعالى: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)) يعني: لا إكراه على الدخول فيه.
وقد ذكر الإمام النحاس في ناسخه قولاً سديداً في معنى هذه الآية فقال: من العلماء من قال: هي منسوخة؛ لأن النبي ﷺ قد أكره العرب على دين الإسلام، وقاتلهم، ولم يرض منهم إلا الإسلام فقال: (أمرت أن أقاتل الناس)، وقال بعض العلماء: ليست منسوخة، ولكنها نزلت في أهل الكتاب لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية، والذين يكرهون هم أهل الأوثان، إذ هم الذين نزل فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ [التوبة:٧٣]، واحتج لذلك: (بأن عمر بن الخطاب ﵁ قال لعجوز نصرانية: أسلمي أيتها العجوز تَسلمي؛ فإن الله بعث محمداً ﷺ بالحق، قالت: أنا عجوز كبيرة والموت إليّ قريب، قال عمر: اللهم اشهد، ثم تلا: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ))، اللهم اشهد: يعني أني بلغتها، ودعوتها، فكانت الآية تعني: لا سبيل إلى إكراهها على الدخول في الدين.
وممن قال: إنها مقصورة على اليهود والنصارى: ابن عباس ﵄، قال: كانت المرأة تجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجلي بني النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالت الأنصار: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله هذه الآية، وهذا القول بلا شك قول صحيح: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)) يعني: لا يكره أحد على الدخول في الدين، فهذا إنما هو في اليهود والنصارى، وإلا فالمشركون لا يقبل منهم إلا الإسلام، ولذلك نلاحظ أن السيوف التي بعث بها النبي ﷺ تنوعت، فهناك سيف على المشركين، وسيف على أهل الكتاب، وسيف على أهل القبلة.
أما سيف المشركين فهو قوله تعالى في سورة البراءة: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا﴾ أي: من الشرك ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٥].
أما السيف الذي على أهل الكتاب فهو المذكور في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩].
أما السيف الذي سُل على البغاة من أهل القبلة، فدليله في سورة الحجرات: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، والبغاة هم الذين يخرجون على الإمام المسلم بسبب تأويل فاسد كما هو معروف ومفصل في كتب الفقه.
أما من أعلن قبوله للإسلام وشهد الشهادتين، ودخل في حكم الإسلام؛ فهذا لا يقال في حقه: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ))، فما دمت مسلماً فعليك إذاً أن تحترم قوانينه وشريعته ونظمه، فلا ينبغي لمسلم أعلن إسلامه وشهد الشهادتين أن يضيع الصلاة أو الزكاة -إن وجبت عليه- أو الحج أو غير ذلك من واجبات الدين، ويقول: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ))! لا يجوز له أن يعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقول: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ))، فإن هذا لغير المسلم.
أما المسلم فيجب عليه أن يحترم نظم هذا الدين وقوانينه وشريعته، وإن كان هذا لا تعتمده القوانين الوضعية، وأي دولة إذا أراد أحد رعاياها أن يغير نظمها ودساتيرها وقوانينها يحاكمونه بتهمة الخيانة المتعمدة، وأقل ما يكون في حقه أن يقتل؛ لأنه خرج عن النظام أو يريد أن يغيره، وإذا كان هذا في القوانين الوضعية -ولا يعد هذا إكراهاً ولا سبيلاً إلى أن يقولوا: لا إكراه في هذا- فكيف بدين الله ؟! فمن دخل في هذا الدين يجب عليه أن يحترم شريعته، وألا يحيد عنها، فلذلك لا ينبغي أبداً الرجوع في هذا إلى بشر فمثلاً: من تركت الحجاب لا يحتج لفعلها بقوله تعالى: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ))، تقال هذه الآية في حق يهودية أو نصرانية، أما المسلمة فينبغي أن تذكر بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فالإنسان عبد لله مقيد بأوامر الله ، ليس حراً في أن يبتدع ما شاء من الشرائع بعد أن أعلن انتماءه إلى الدين.
﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ يعني: لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام، فإنه بينٌ واضح جلية دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله إلى الإسلام وشرح صدره ونوره بصيرته دخل فيه على بينة، ومن عمي قلبه فإنه لا يفيده الدخول فيه مكرهاً مغصوباً؛ فالنفي بمعنى: النهي، وهو ما ذهب إليه في تأويل الآية كثير من العلماء.
((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)) ظاهر الخبر النفي، ومعناه النهي، يعني: لا تكرهوا أحداً على الدخول في الدين.
إذاً: ما الجواب عما هو مشهور عن بعض السلف من أنه قال: نحن خير الناس للناس، نسوقهم إلى الجنة بالسلاسل؟ هل هذا إكراه في الدين؟ هذا تفسيره أن المسلمين في حالة الجهاد مع الأعداء يحصل من نتائج المعركة أنهم يأسرون بعض الكفار، فيؤخذون بالسلاسل إلى ديار الإسلام؛ فإذا عاشوا وسط المسلمين ورأوا الإسلام مطبقاً، وأنصتوا لعقيدة التوحيد؛ فإنهم يدخلون في هذا الدين أفواجاً.
فمن علم الله في قلبه منهم خيراً فتح قلبه وشرح صدره للإسلام، فتكون السلاسل هي التي قادته للدخول في الإسلام، وليس المقصود بذلك الإكراه على الدين.
стр. 323
تفسير القاسمي لقوله تعالى: (لا إكراه في الدين)
قال القاسمي: لما بين الله تعالى دلائل التوحيد بياناً شافياً قاطعاً أخبر بعد ذلك بأنه لم يبق مع إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر، والإكراه لا يتنافى مع كون الدنيا دار ابتلاء.
وبعض الناس ينخرفون في فهم آيات الله، ويخدعون الناس بأن الإسلام يقدس حرية الرأي، بمعنى: حرية الكفر! ويقولون: إن الله قال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، فيظنون أنها على التخيير، يعني: أنت حر، اكفر أو آمن؟! فهذه حرية شخصية! ليس هذا هو المقصود؛ لأن هذا فيه إبطال وإفساد لمعاني كلام الله، وإنما المقصود بهذا التهديد، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠]، والدليل أنه قبل هذه الآية مباشرة قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف:٢٩]، فلا يوجد تخيير بين الحق والباطل، وللأسف أن كبار الخطباء استدل على تقديس حرية الرأي في الإسلام بما وقع بين الله وبين إبليس، ويقولون: حتى إبليس قد أعطاه الله حرية الرأي!! وهذا في الحقيقة إفساد لمعاني القرآن، وهذا تأثر ذميم بهذه الأفكار الإلحادية التي تشيع الآن بين المسلمين في زمن الغربة، ولا ينجو منها إلا من أراد الله سلامته من هذه الفتن التي تحيط بنا من كل جانب، إلى هذا الحد يستدل على حرية الرأي بأن إبليس ترك الله له حرية الرأي ليعبر عما في نفسه! وهذه الآية: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ انظر إلى قوله بعدها: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩]؛ كذلك: ((اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)) [فصلت:٤٠] أي: فسوف تحاسبون.
هذا المقصود، وليس معناها: التخيير والإباحة، وإلا كان هذا تحطيماً لدين الإسلام كله، لأنه يدخل في: (اعملوا ما شئتم): عبادة الأصنام، وشرب الخمر والفواحش وغير ذلك، وليس هناك قول يفسد الإسلام أكثر من هذا التأويل القبيح.
فليعلم من هذه الآية أن سيف الجهاد المشروع في الإسلام والذي لا يبطله عدل عادل ولا جور جائر لم يستعمل للإكراه على الدخول في الدين، وإنما لحماية الدعوة إلى الدين، والإذعان لسلطانه، والحكم بالعدل، فحكمة الجهاد إزالة الحواجز التي تعيق وصول الدعوة إلى عباد الله لإنقاذهم من النار، فهذا الذي فعله الصحابة رضي الله تعالى عنهم وجزاهم عنا خيراً، فهم فتحوا البلاد، وتركوا الأوطان، وأنفقوا الأموال، وبذلوا النفس والنفيس، وأراقوا الدماء من أجل أن ينقذوا البشرية من الخلود في نار جهنم بالكفر -والعياذ بالله-؛ وذلك بالدخول في دين الإسلام، ويكفي أن هناك أصقاعاً وبلاداً ممتدة من أطراف الأرض كشرق آسيا كلها من الهند إلى الفلبين والصين ما فتحت بسيف واحد، وإنما فتحت بأناس انتدبوا أنفسهم للدعوة إلى الله ، فكانوا يتقمصون أزياء التجار -كما يقول أحد الكتاب الأوروبيين- ويتاجرون ويتجهون إلى شرق آسيا، وكان الواحد منهم داعية في لباس تاجر، ليس هدفه التجارة؛ لكن الدعوة، فكان المسلم إذا نزل بلداً من البلدان يجتمع إليه الناس من حسن خلقه، ولما يستمعون من دعوته إلى التوحيد، وإصابة الحجج والبراهين وإبطال عبادة غير الله ، وكانوا بخلقهم وحسن مسلكهم أعظم سفراء للإسلام، وعلى أيديهم أسلمت أمم كاملة، فأغلب هذه البلاد ما استعمل السيف فيها أبداً، مثل إندونيسيا والفلبين والصين وغيرها من البلاد التي فيها ملايين المسلمين كماليزيا، وغيرها أيضاً ما دخلها الإسلام بالسيف أبداً، إنما بالخلق الحسن وبالدعوة إلى الله .
المقصود من الجهاد هو إزالة الجيوش التي تقف عقبة في سبيل إيصال الحق إلى عباد الله ، فإذا زالت هذه العقبة فحينئذٍ يتعاملون مباشرة مع الشعوب، لماذا؟ لأن سنة الله التي ذكرها في القرآن الكريم لا تتخلف، وسنة الله أن الباطل خبيث ونجس لا يتغير ولا يتطهر أبداً شيء ثبت فيه، وهذه القاعدة التي أشير إليها هي قوله ﵎: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:٨]، فالباطل لا يعرف عهوداً ولا مواثيق ولا قوانين، ولا أخلاق ولا أعراف ولا دين، ولا حقوق إنسان ولا أي شيء، وفي الغرب عندهم مثل مشهور يقولون فيه: القوة هي الحق، لا يوجد شيء اسمه حق، لكن متى كانت معك العضلات والقوة فهذا هو الحق، افرض على الناس عقيدتك وباطلك وفسادك ما دامت القوة معك! فهذا المبدأ هو الذي عليه الكفار في كل بقاع الأرض وذيولهم وأحذيتهم، ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:٨]، ولا يستحيون، ولا يوجد عندهم أدنى قدر من الاستحياء حتى فيمن يحملوا أسماء المسلمين من هؤلاء الأنذال الذين يفنون أعمارهم ويوقفون حياتهم في الصد عن سبيل الله، وإعلان الحرب على الله ورسوله وعباد الله المؤمنين، وفتنتهم في دينهم، لعنهم الله وأخزاهم وقصم ظهورهم! فالمقصود: ما أكره أحد على الدخول في دين الإسلام أبداً، لكن من دخل في الدين فإنه يكره على احترامه؛ لأن هذه شريعته وهذا نظامه.
قوله تعالى: ((فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ)) أي: بالشيطان وبما يدعو إليه من عبادة الأوثان.
((وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ)) وحده، ((فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى))، والعروة الوثقى أحد أسماء كلمة النجاة كلمة الشهادة لا إله إلا الله، ولذلك يقول هنا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦] أي: فقد تمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصل؛ فهي في نفسها محكمة، مبرمة قوية، ورأسها قوي شديد.
روى الشيخان عن عبد الله بن سلام قال: رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ : رأيت كأني في روضة خضراء، وسطها عمود حديد، أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: اصعد عليه، فقلت: لا أستطيع، فجاءني منصف -أي: وصيف- فرفع ثيابي من خلفي فقال: اصعد، فصعدت حتى أخذت بالعروة فقال: استمسك بالعروة، واستيقظت وإنها لفي يدي، وعبد الله بن سلام كان من كبار أحبار اليهود، استيقظ وهو يمسك هذه العروة في يده، قال: فأتيت رسول الله ﷺ فقصصتها عليه فقال: (أما الروضة فروضة الإسلام، وأما العمود فعمود الإسلام، وأما العروة فهي العروة الوثقى، وأنت على الإسلام حتى تموت).
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦]، هذا اعتراض تذليلي حامل على الإيمان، رادع عن الكفر والنفاق؛ لما فيه من الوعد والوعيد.
стр. 324
تفسير سورة البقرة [٢٥٧ - ٢٦٣]
стр. 325
تفسير قوله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور)
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧].
بعدما ذكر الله شأن هذه الولاية، وكيف أنه يتولى عباده المؤمنين فيخرجهم من الظلمات؛ شرع ﵎ في ذكر نماذج من هدايته للمؤمنين، وتوليه عباده وأنبياءه بالنصرة والحجة والبرهان على مناوئيهم، فبدأ أولاً بذكر قصة إبراهيم ﵇ مع النمرود، فقال ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨]، فهذا أنموذج لولاية الله لأوليائه بالنصرة والتأييد والحجة والبرهان.
قوله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ))، هذه ألف التوكيد، وهي في الكلام بمعنى التعجب أي: اعجبوا من هذا الذي (حاج إبراهيم في ربه) أي: جادل إبراهيم في ربه.
((أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ)) يعني: لأن الله آتاه الملك، فحمله بطره بنعمة الله على ذلك، وهو الملك الكافر نمرود، ولا شك أن في هذا التعبير إشارة إلى أن الملك فتنة على من أوتيه؛ ((أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ))، فبدل أن يحمد الله حملته هذه النعمة لما آتاه الله الملك على المحاجة في الله، وهذا أقبح وجوه الكفر في موضع ما يجب عليه من الشكر، كما تقول في شخص: عاداني فلان لأني أحسنت إليه! تريد أنه فعل عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان الذي صار إليه، وهذا مثل قوله ﵎: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٨٢]، أهذا شكر نعمي ورزقي عليكم أنكم تكذبون بآياتي وبرسلي؟! وهذا من نفس هذا الباب، قال ﵎ هنا: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ))، فمع أن الله آتاه الملك، وأنعم عليه به، إلا أنه أبدل النعمة كفراناً وبطراً وكبراً.
(إذْ) بدل من (حاجّ): ((إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ)) يعني: لما قال له النمرود: من ربك هذا الذي تدعونا إليه؟ ((قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)) يعني: يخلق الحياة والموت في الأجساد، كان المقصود بقوله هنا: (يحيي ويميت)، نفخ الروح في الجسم، وإخراجها منه بإذن الله ﵎، فقال النمرود: ((قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)) يعني: بالقتل والعفو، ودعا برجلين فقتل أحدهما وترك الآخر، فظن أن هذا يعطيه حقاً أنه يحيي ويميت! فلما رآه إبراهيم ﵇ غبياً لا يفهم ولا يعقل ولا يعرف أصول المناظرة، قال إبراهيم: ((فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ))، فانتقل إبراهيم ﵇ إلى حجة أوضح منها، فقال له: ((فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)).
فهذا الطاغية سلك مسلك التلبيس والتمويه؛ وهذا يدل على جهله، ويتضح من الآيات: أن إبراهيم ﵇ وصف ربه بالإحياء والإماتة قال: ((إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ))، لكن الإحياء والإماتة أمر له حقيقة وله مجاز، وإبراهيم ﵇ قصد الحقيقة، بأن الله هو الذي يدخل الروح في البدن فيحييها أو ينزعها منه ويخرجها فيميتها، فإبراهيم ما أراد إلا الحقيقة، أما النمرود فإنه فزع إلى المجاز وموه على قومه ((قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)) يقول: إني إذا أتيت برجلين فأقتل هذا فأكون أنا الذي قد أمته، وأعفو عن هذا، فأكون قد أحييته.
فسلم له إبراهيم تسليم الجدل، وليس معنى ذلك أن إبراهيم ﵇ ما استطاع أن يبطل حجته، إلا أنه لما رآه غبياً لا يعقل ولا يفهم انتقل إلى ما لا يستطيع أبداً أن يموه به على العوام، وانتقل معه من الخصام إلى أمر لا يحتمل إلا الحقيقة، ولا مجاز فيه على الإطلاق، فقال له: ((فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ)).
فلما سلك الطاغية مسلك التلبيس والتمويه على الرعاع، وكان بطلان جوازه من الجلاء -الظهور- بحيث لا يخفى على أحد؛ لأن هذا الجواب الذي أجاب به هذا النمرود واضح في بطلانه بحيث لا يحتاج إلى جهد في إبطاله، فبطلانه يغني عن إبطاله، وسقوطه يغني عن إسقاطه، فما انشغل بالجواب عنه؛ لأن هذا تمويه حيث يقول: أنا أحيي وأميت بهذا المعنى، فكان التصدي لإسقاط كلامه من قبيل السعي في تحصيل الحاصل؛ لذلك انتقل إبراهيم ﵇ إرسالاً لعنان المناظرة معه إلى حجة أخرى لا تجري فيها المغالطة، ولا يتيسر للطاغية أن يخرج عنها بمخرج المكابرة أو المشاغبة أو التلبيس على العوام.
فقال إبراهيم ﵇: ((فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا)) أنت ((مِنَ الْمَغْرِبِ))، ولا شك أن من قدرته ﵎ أنه لا تقوم الساعة حتى يأتي الله بالشمس من المغرب، فهذه من علامات الساعة الكبرى، أن تطلع الشمس من المغرب؛ لأن الله وحده هو الذي يقدر على ذلك ﵎.
((فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ))، لما قال له: فائت بها من المغرب، يعني: إذا كنت كما تدعي تحيي وتميت، فالذي يحيى ويميت هو الذي يتصرف في الوجود، في خلق ذواته، وفي تسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تطلع كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهاً كما ادعيت فائت بها من المغرب: ((فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ))، تحير ودهش وأرغم بالحجة، لما علم عجزه وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا.
((وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) بالكفر إلى محجة الاحتجاج، أي: أن الله لا يهديهم إلى إقامة الحجة وإلى فهم الحجج والبراهين، وما يحتج به، فلا يلهمهم حجة ولا برهاناً بل: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى:١٦].
стр. 326
تفسير قوله تعالى: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها)
قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة:٢٥٩] إلى آخر الآية.
((أَوْ كَالَّذِي)) يعني: أو رأيت كالذي، النموذج الأول هو قصة إبراهيم ﵇، فيها تعهد الله لأوليائه بأن يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويؤيدهم بالحجة والبرهان، وهذا مثال آخر أيضاً فيه إخراج الله لأوليائه من ظلمات الحيرة والاشتباه إلى نور الحجة والبرهان.
((أَوْ كَالَّذِي)) الكاف زائدة، والمعنى: كيف هداه الله تعالى وأخرجه من ظلمات الاشتباه إلى نور العيان والشهود: ((أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ))، والقرية سميت قريةً لاجتماع الناس فيها، ومنه قولهم: قريت الماء، أي: جمعته، فالقرية سميت قرية لاجتماع الناس فيها.
((مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ)) يقول السيوطي هنا: هي بيت المقدس، وكان راكباً على حمار، ومعه سلة تين وقدح وعصير، وهو عزير ﵇، وقيل غيره، قال ابن كثير في تاريخه: المشهور أنه عزير نبي من أنبياء بني إسرائيل.
((أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا))، (وهي خاوية) أي: ساقطة (على عروشها) والعروش هي السقوف، وذلك لما خرب بختنصر بيت المقدس، وتلاحظون أن السيوطي ﵀ أحياناً يعتمد على بعض الإسرائيليات، لكننا إذا وقفنا على ما أوقفنا الله عليه فلن يؤثر هذا بشيء، سواء صح أنها بيت المقدس أو غيرها؛ فهذا مما لم يتعرض الله سبحانه لبيانه صراحة.
((أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ)) هذا الوصف يبين مفهومه ما ذكره السيوطي بقوله: راكباً على حمار ومعه سلة تين وقدح وعصير، يعني: معه طعام وشراب، وكان راكباً على حمار، وهذا وفقاً لما يأتي من الآيات؛ لأن الله قال له: ﴿وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾، وقال له: ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾، (وهي خاوية) أي: ساقطة حيطانها، ومعنى ذلك أنها سقطت سقوفها، وبعدما سقطت السقوف سقطت الحيطان فوق السقوف، هذا معنى: (وهي خاوية) أي: ساقطة حيطانها على عروشها أي: سقوفها، لما خربها بختنصر.
((قَالَ أَنَّى يُحْيِي)) يعني: كيف يحيي ((هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا)) استعظاماً لقدرة الله ﵎.
((يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا)) بأن يعمرها ويعيد أهلها إليها ويحييها بعد موتها.
((فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ)) يعني: أبقاه ميتاً مائة عام ثم بعثه، وكان إبقاؤه ميتاً مائة عام يكفي لأن يزول بدنه تماماً ويتلاشى، (ثم بعثه) جمع أجزاؤه بعد تفرقها، وبعث روحه إلى بدنه، قال بعض المفسرين: أنه أحيا جزءاً من بدنه ثم أراه باقي الأجزاء وهي تجتمع بعضها إلى بعض، وينفخ الله فيها الروح وهي الحياة.
قال: (ثم بعثه) أي: أحياه ليريه كيفية ذلك، (قال كم لبثت) يعني: قال الله ﵎ له: ((كَمْ لَبِثْتَ))، قال بعض العلماء: إن الذي قال له ذلك هو جبريل أو سمع هاتفاً من السماء، لكن سياق الآيات يظهر أن القائل هو الله ، والدليل قوله بعد ذلك: ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾، وهذه نون العظمة إشارة إلى أن الذي قال له هو الله : ((قَالَ كَمْ لَبِثْتَ)) أي: كم مكثت ميتاً؟ ((قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ))، وقد قال أصحاب الكهف أيضاً: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩]، فالمقصود هنا: أنهم قالوا ذلك على سبيل التفكير أو التخمين أو استقصاراً للمدة، يقول السيوطي: لأنه نام أول النهار فقبض، وبعث عند الغروب، يعني أول يوم من موته كان في بداية النهار في الصباح، ثم أحيي بعد مائة سنة عند الغروب، وأول ما سئل: كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً، لما ظن أن الشمس قد غربت، فلما رأى أن الشمس قد بقي عليها وقت يسير للغروب، وما زال القرص ظاهراً، استدرك فقال: ((أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)).
لأنه نام أول النهار فقبض وأحيي عند الغروب فظن أنه نفس اليوم، وهل هذا يعتبر كذباً؟ ليس كذباً، ولكنه إخبار بما عنده، كما لو سألتك مثلاً: هل أخوك في البيت؟ فأنت على حسب علمك أنه ليس في البيت قلت: ليس في البيت، وهو في الحقيقة في البيت، فليس هذا كذباً، وإذا أطلق عليه كذب فهو من حيث اللغة وليس من حيث الشرع الذي يستوجب الإثم، كقوله في الحديث: (كذب أبو السنابل) يعني: أخطأ، وكل إخبار بما يخالف الواقع فهو كذب، لكن من الكذب ما يأثم به صاحبه، ومنه لا يأثم به صاحبه، فإذا سمينا هذا القول منه: ((لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)) كذباً؛ لأنه يخالف الحقيقة، فنقول: هذا كذب لا يأثم عليه؛ لأنه لا يقصد الإخبار بخلاف الحقيقة، وهو غير متعمد، وإنما يقوله تقديراً وتخميناً وإخباراً بما عنده.
ما الحكمة من أن الله سأله هذا السؤال؟ الحكمة ليظهر له عجزه عن الإحاطة بشئونه، يعني: أنت أيها العبد لا تحيط علماً بما يخصك أنت، وبقيت ميتاً مائة عام وأنت لا تدري، وأنت غافل، حتى إنك لتظن أنك بقيت يوماً أو بعض يوم، حتى الأمور التي تخصك أنت لا تعرفها، ولا يعرفها إلا الله الذي أحاط بكل شيء علماً.
وأيضاً: من الحكمة من السؤال بيان أن إحياءه لم يكن بعد مدة يسيرة؛ لأنه لو أحياه الله بعد مدة يسيرة ربما يحصل توهم أن البعث هين في الجملة، إذ إن جسمه ما زال باقياً، أما والأمر أنه أماته مائة عام حتى زال جسمه بالكلية وتحول إلى تراب، وتفرقت أجزاؤه، ثم يحييه الله ﵎؛ فإحياؤه بعد مدة طويلة تنحسم به تماماً مادة استبعاد وقوع البعث والنشور، ثم يطلع في تضاعيفه على أمر آخر من بدائع آثار قدرته تعالى عندما يقول: كم لبثت؟ فيقول: لبثت يوماً أو بعض يوم، فيقول الله له: ((بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ)).
((فَانظُرْ)) بعدما بين له أنه لبث مائة عام نبهه إلى آية أخرى يراها الآن في هذه الحال بعد مائة عام، وهي من آثار وبدائع قدرته ﵎، وهي إبقاء الغذاء فقال: ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة:٢٥٩]، فالطعام الذي من طبعه أن يتسارع إليه الفساد والتعفن بقي على ما كان عليه دهراً طويلاً من غير تغير! ((فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ))، وهو التين، أو غير التين في قول آخر، ولا إشكال في ذلك، ((وَشَرَابِكَ)) أي: العصير، ((لَمْ يَتَسَنَّهْ)) يعني: لم يتغير مع طول الزمان، مع تداعيه إلى الفساد، والهاء في (يتسنه): قيل: أصل في الكلمة، من سانهت، وقيل: مشتقة من: ساميتُ، وفي قراءة بحذفها: (لم يتسن)، ويحتمل أن يكون الضمير هنا في قوله ﵎: ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾، إما أنه عبر عن المثنى بهاء المفرد، وهذا جائز في اللغة، ويحتمل أن يكون الضمير لأقرب مذكور، ويكون عائداً إلى الشراب؛ لأنه أقرب، ثم تكون هناك ثمّ جملة أخرى حذفت بدلالة هذه عليها، فيكون التقدير: وانظر إلى طعامك لم يتسنه، وإلى شرابك لم يتسنه.
﴿وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة:٢٥٩]، انظر إلى حمارك كيف هو؟ فرآه ميتاً، ورأى عظامه بيضاً تلوح نخرة، وكأن الله يقول له: فعلنا ذلك لتعلم أن الله على كل شيء قدير.
﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً﴾ [البقرة:٢٥٩] على البعث والنشور، ونحن بلا شك إذا أردنا أن نسرد من القرآن أدلة البعث والنشور فمن الأدلة الواضحة هذه القصة التي حكاها الله .
وروي في بعض الآثار الإسرائيلية: أنه بعدما عاد إلى قريته وجدها قد عمّرت، وأحياها الله بعد موتها، ثم لقي جارية كانت لهم، قد طعنت جداً في السن، فسألها عن عزير، فقالت: عزير قد افتقدناه من كذا وكذا سنة، فقال لها: أنا عزير، قالت: لو كنت عزيراً فإن عزيراً كان نبياً، وكان يمسح على المريض فيبرأ بإذن الله، وكانت قد عميت، فمسح على عينها فأبصرت، ثم رجعت إلى قومها تقول لهم: إن هذا هو عزير! فوجد حفيده يكبره بخمسين سنة! ولا شك أن أهل القرية لما رأوه يعود بعد مائة سنة بنفس الأمارات التي تدل على أنه هو؛ لا شك أن هذا آية للناس الذين عاصروا هذه الواقعة، وآية لمن يأتي بعدهم من الأجيال، ويسمع هذه العبرة كما قصها الله في كتابه.
((وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ)) أي: عظام حمارك، (كيف ننشزها) كيف نحييها، -بضم النون والزاي-، وفي القراءة الأخرى: (كيف نُنشرُها) بالراء، وقرئ شذوذاً بفتح النون، من أنشر ونشر لغتان، وعلى قراءة: (كيف نُنْشِزُها) أو (ننشُزها) أي: نحركها ونرفعها، من النشر وهو الارتفاع.
﴿كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة:٢٥٩]، فنظر إليها وقد تركبت العظام، وكسيت لحماً، ونفخ فيها الروح، فأول نوع من أنواع البعث أن الله نفخ الروح في الحمار، فقام الحمار ونهق علامة على عودة الحياة إليه بالصوت أيضاً! ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ [البقرة:٢٥٩]، لهم بالمشاهدة والمعاينة ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩] يعني: أعلم علم مشاهدة (أن الله على كل شيء قدير)، وفي قراءة: (فلما تبين له قال اعلم) على أنها أمر من الله له: (أن الله على كل شيء قدير).
стр. 327
تفسير قوله تعالى: (وإذا قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى)
قال الله تعالى مبيناً كيف أنه يتولى عباده فيخرجهم من الظلمات إلى النور، ويؤيدهم بالحجة والبراهين: (وإذ) يعني: واذكر إذ؛ ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠]، ليصير علمي عين يقين بالرؤية بعدما كان عندي علم يقين؛ لأن العلم درجات: علم يقين، وعين يقين، وحق يقين.
لو أخبرتك بأن في هذه الحجرة عسلاً وكنت تقطع بصدقي فهذا علم يقين، فإذا فتحت لك الغرفة ودخلت ورأيت بعينك العسل فهذا عين يقين، أما إذا ذقته ووجدت طعمه ومذاقه فهذا حق اليقين؛ فالعلم نفسه على مراتب، فإبراهيم ﵇ أراد أن يترقى من علم اليقين إلى عين اليقين بالمشاهدة عياناً، وهذا أكمل، وبلا شك أن الإنسان دائماً يكون مستشرفاً إلى مطالعة ما يخبر عنه، فالذي لم ير الكعبة يكون دائماً متطلعاً إلى أن يراها، فنحن لا نرى الملائكة، ولذا تجد عندنا استشراف وتطلع إلى أن نرى الملائكة، نريد أن نرى كل ما هو غائب عنا، وهذا من فطرة الإنسان، حب الاستطلاع، والاستزادة في مراتب العلم ودرجاته.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾، قال تعالى له: أو لم تؤمن بقدرتي على الإحياء؟! سأله مع علمه بإيمانه بذلك ليجيبه بما سأله فيعلم السامعون غرضه، وهذا تنبيه مهم جداً سنفصله عما قريب إن شاء الله تعالى: ((قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى)) يعني: آمنت، ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]، لكن سألتك ليسكن قلبي بالمعاينة المضمومة إلى الاستدلال، يعني: أعرف أنك تحيي الموتى عن طريق الوحي، وعن طريق الاستدلال بالأدلة على البعث والنشور، فأريد أن أضيف إلى ذلك أيضاً دليل المعاينة والرؤيا.
إذاً: المقصود: بلى آمنت، ولكن سألت لأزداد بصيرة وسكون قلب برؤية الإحياء، فقلبي ساكن مطمئن لحقيقة البعث والنشور لما أوتيته من العلم بالوحي، ومما يؤيد هذا التفسير، وينفي الشك عن إبراهيم ﵇ أن الله قال في مناقشة إبراهيم ﵇ للنمرود: ((إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ))، فإبراهيم ﵇ يعرف أن الله هو الذي يحيي ويميت، فهذه الآية بلا شك تدل على نفي الشك عن إبراهيم ﵇.
لكن تضافر الأدلة وتواردها أسكن للقلوب، وأزيد للبصيرة واليقين.
стр. 328
سبب سؤال إبراهيم رؤية إحياء الله للموتى
جمهور العلماء على أن إبراهيم ﵇ لم يكن شاكاً قط في إحياء الموتى، ما شك إبراهيم ﵇، ولا ينبغي له أن يشك، وإذا كان الأنبياء معصومين من كبائر الذنوب ومن صغائر الذنوب، فكيف يجوز على الأنبياء الشك؟ وكيف يظن أن نبياً من الأنبياء يشك في الله ؟! فجمهور العلماء أنه لم يشك قط في إحياء الله للموتى، وإنما طلب المعاينة لما جبلت عليه النفوس البشرية من استشراف وحب رؤية ما أخبرت عنه؛ لهذا قال ﷺ : (ليس الخبر كالمعاينة، إن الله أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت) رواه أحمد والحاكم وغيرهما، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه أيضاً الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى.
فهنا تأكيد لهذه القاعدة أنه: ليس الخبر كالمعاينة، يقول الله ﵎ عن حال أهل الكهف: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨]، لكن لماذا لم يول ﷺ فراراً، ولم يمتلئ رعباً من هذا؟ لأن الخبر ليس كالمعاينة، فالله وصف له حالهم وهم رقود في الكهف، ثم قال: لو زدت إلى ذلك السماع والإخبار المعاينة بالبصر؛ لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً، فهذا يؤكد أنه ليس الخبر كالمعاينة.
стр. 329
تنزيه إبراهيم عن الشك
قال النبي ﷺ : (نحن أحق بالشك من إبراهيم)، هذا الحديث من النبي ﷺ فيه نفي الشك تماماً عن إبراهيم ﵇؛ لأن الشك هو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، بحيث لا تملك أن ترجح أحدهما على الآخر، فقول النبي ﵌: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) معناه: أنه لو كان شاكاً لكنا نحن أولى وأحق بالشك، ونحن لا نشك، فإبراهيم أحرى ألا يشك، فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم ﵇، هذا هو المعنى المقصود، ومن شروط الإيمان: اليقين المنافي للشك والريبة، فأي تردد في قضايا الإيمان يحبط الإيمان كله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]، لكن إذا آمنوا ثم ارتابوا فهذا يحبط الإيمان؛ فلذلك الشك يتنزه عنه المؤمن، فمقصود الحديث: لو كان إبراهيم قد شك، فنحن أولى منه بالشك، فبما أننا لا نشك فإبراهيم ﵇ أولى وأحرى ألا يشك، ولا يجوز الشك على الأنبياء، هذا وهو خليل الرحمن ، وهو إبراهيم ﵇؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]، وقال أيضاً لما حكى عن إبليس: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٤٠]، وإذا لم تكن لإبليس عليهم سلطنة، فكيف يشككهم؟ وإنما أراد إبراهيم ﵇ أن يرقى من علم اليقين إلى عين اليقين،
و
السؤال
كان عن كيفية الإحياء، والسؤال بكيف هو للسؤال عن الحال.
ونظير هذا
السؤال
أن يقول القائل: كيف يحكم زيدٌ في الناس؟ فهل يفهم من هذا السؤال أنه يشك في أنه يحكم؟ لا يشك بأنه يحكم؛ لأن هذا مقر أن زيداً إذا كان حاكماً أو قاضياً فهو يحكم؛ لكن السؤال هنا هو عن كيفية الحكم، فهل هو حال الحكم يعدل أم يجور؟ كيف حكمه في الناس وكيف سيرته؟ فالمقصود ليس الشك في أنه يحكم، ولكن المقصود هو السؤال عن حاله من العدل والإنصاف وغير ذلك، فهو لا يشك أنه يحكم فيهم، ولكنه سأل عن كيفية حكمه لا ثبوته.
قد يتلاعب الوهم ببعض الخواطر، فيطرق إلى إبراهيم شكاً من هذه الآية، فأتى هذا الحديث وهو قول النبي ﷺ : (نحن أحق بالشك من إبراهيم)؛ ليقطع به ﷺ دابر هذا الواهم، يعني: ونحن لم نشك، فلئلا يشك إبراهيم ﵇ أحرى وأولى.
وسؤال إبراهيم ﵇ إنما كان عن كيفية الإحياء: ((رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى))، ولا يشترط في الإيمان الإحاطة بصورتها، فإنما هو طلب علم ما لا يتوقف الإيمان على علمه، يعني: أنت مطالب بأن تؤمن بالبعث والنشور والإحياء، لكنك غير مطالب بأن تؤمن بكيفية البعث والنشور، وكيفية هذا الإحياء، وهذا من السؤال عما ليس بشرط أو ما لا يتوقف الإيمان على علمه.
стр. 330
سبب قول الله لإبراهيم: (أولم تؤمن)
السؤال
إذا كان سؤال إبراهيم هو عن كيفية الإحياء، والعلم بكيفية الإحياء ليس من واجبات الإيمان، وليس من شروط صحة الإيمان، فهو سؤال ما لا يتوقف الإيمان على علمه، فلماذا قال الله ﵎: ((أَوَلَمْ تُؤْمِنْ))؟
الجواب
لما كانت هذه الصيغة (كيف) تستعمل ظاهراً في السؤال عن الكيفية، لكنها قد تستعمل في الاستعجاز أيضاً، مثاله: لو أن رجلاً أتى يدعي أنه يستطيع أن يحمل الجبل فوق رأسه، فتقول له أنت: أرني كيف تحمل الجبل؟ فكيف هنا المقصود بها الاستعجاز، أو يدعي مدع أنه يحمل ثقلاً من الأثقال وأنت جازم بعجزه عن حمله، فتقول له: أرني كيف تحمل هذا؟ فالصيغة في الأصل ظاهرة في السؤال عن الكيفية، لكن لما كانت قد تستعمل في السؤال للاستعجاز، ولما كانت هذه الصيغة قد يعرض لها هذا الاستعمال، وقد أحاط علم الله ﵎ بأن إبراهيم ﵇ مبرأ عن أن يسأل استعجازاً والعياذ بالله؛ فلذلك أراد الله سبحانه بقوله: ((أَوَلَمْ تُؤْمِنْ)) أن ينطق إبراهيم بقوله: (بلى) وأنه مؤمن، وأن هذا ليس شكاً منه ﵇، وليس استعجازاً، فهو سأله حتى يأتي بهذا الجواب، فيبعد وينفي الشك عن إبراهيم ﵇ كلما تليت هذه الآية إلى أن يرفع القرآن.
قال: (أولم تؤمن)؟ قال: (بلى) يعني: آمنت، أنا مؤمن بلا شك بالبعث وبالنشور والإحياء، وبهذا يدفع عنه ذلك الاحتمال اللفظي في العبارة الأولى، وليكون إيمانه مخلصاً نص عليه بعبارة يفهمها كل من يسمعها فهماً لا يلحقه فيه شك.
стр. 331
سبب قول إبراهيم: (ليطمئن قلبي)
سؤال آخر: ما موقع قوله ﵎: ((قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)) فهل كان القلب غير مطمئن؟
الجواب
أنه قال ذلك ويريد به: ليزول عن قلبي الفكر في كيفية الإحياء؛ لأني إذا شاهدتها سكن قلبي عن الجولان في كيفياتها المتخيلة، وتعينت عندي بالتصوير المشاهد (ليطمئن قلبي) حينما أرى، فلا أظل أتخيل كيف يحصل هذا الإحياء؟ ويشير السيوطي رحمه الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله رحمه الله تعالى: (وإذ) يعني: واذكر: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ يعني: قال تعالى له: أولم تؤمن بقدرتي على الإحياء؟ سأله مع علمه بإيمانه بذلك، ليجيبه عما سأله فيعلم السامعون غرضه، (قال بلى)، آمنت، (ولكن) سألتك (ليطمئن) أي: يدخل بالمعاينة المضمومة إلى الاستدلال، وكي لا أسرح وأحوم في التخيلات عن كيفية ذلك الإحياء؛ لأنني إذا رأيتها استقر قلبي إلى كيفيتها حينما أراها معاينة.
стр. 332
إجابة الله لدعاء إبراهيم
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾، أي: إذا أردت الطمأنينة (فخذ) والفاء دخلت على (خذ)؛ لأنها واقعة في جواب الشرط المقدر، أي: إذا أردت الاطمئنان ((فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ))، إما أن تقول: صُرهن، أو صِرهن يعني: أملهن إليك، يعني: هات أربعة أنواع من الطيور وضمهن إليك، ولماذا سأل الله أن يضمهن إليه؟ لأنه إذا ضم هذه الأنواع من الطيور سواء كانت الغراب والنسر مثلاً أو غيرها من الأنواع التي ذكرها بعض العلماء، والمهم هي: أربعة أنواع مختلفة يضمها إليه حتى تكون قريبة جداً من عينه وحسه، ويضمها إليه فيراها فيتأملها، ويعرف أشكالها وهيئاتها؛ لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء، ليعرف أنها هي التي أحياها الله بعد موتها، ولا يتوهم أنها غير تلك، ويعرف هذه الطيور بعلاماتها وبأسمائها، وبأشكالها وبأحجامها، وأمره أن يضمهن إليه حتى يتيقن صفاتها، وهذا مثل قوله ﵎: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧]، لماذا؟ حتى يكون على يقين أنها نفس العصا التي قال فيها: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨]، ويؤكد له أنها نفس العصا، بحيث إذا رأيتها انقلبت حية آمنت بأن الله هو الذي قلبها حية، وأعادها مرة أخرى بقدرته ﵎؛ فكذلك هنا قال: ((فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ)) يعني: أملهن إليك، وقطعهن بعدما تتحقق منهن وتضمهن إليك، فصِّل الرءوس وخلِّط اللحم بالعظام بالعصب بالريش، يعني: صارت كتلة مسحوقة من اللحم والدم والعصب والعظام، فقد قطعها إرباً، وخلط بعضها ببعض ومزجها في كتلة واحدة.
﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة:٢٦٠]، ثم اجعل على كل جبل من جبال أرضك: ﴿مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾، ثم ادعهن إليك، بعد أن تضع كل جزء على جبل من الجبال نادي هذه الطيور بأسمائها، فتحيا بإذن الله ((يَأْتِينَكَ سَعْيًا)) أي: يأتينك مسرعات.
وقوله ﵎ هنا: ((ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا))، في الأصل أن الطيور تطير، فما هي الحكمة من أن الله عبر عنها هنا بالسعي؟ لأنها لو كانت تطير في الهواء، فقد لا يستطيع التحقق من صفاتها التي تثبت منها من قبل لما ضمهن إليه وتأمل في صفاتهن؛ ولذلك قال: ((ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا))، ولم يقل: طيراناً؛ لأنها إذا كانت ساعية كان ذلك أثبت لنظره عليها من أن تكون طائرة، ويستطيع أن يتحقق من صفاتها وهي تمشي على الأرض أكثر من أن يتحقق منها وهي تطير في السماء.
﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يعجزه شيء، ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه، فأخذ طاووساً ونسراً وغراباً وديكاً، وفعل بهن ما ذكر، وأمسك رءوسهن عنده ودعاهن: فتطايرت الأجزاء إلى بعضها حتى تكاملت، حتى جاء في بعض كتب التفسير: أنه كان يمسك -مثلاً- رأس النسر وينادي الطاووس، فيأتي جسم الطاووس عند الرأس، فإذا قرب له رأس النسر اقترب إليه! والله أعلم.
стр. 333
أدلة البعث والنشور
قبل أن أتجاوز هذه الآية أشير إشارة سريعة إلى أن أدلة البعث والنشور قد تكاثرت جداً في القرآن الكريم، وسبق أن ذكرناها ودرسناها بالتفصيل في كتاب (الإيمان باليوم الآخر) للدكتور عمر الأشقر حفظه الله في الجزء الثاني في صفات اليوم الآخر وهو القيامة الكبرى، فنعيد تذكرتكم بالعناوين فقط دون الأمثلة.
أولاً: من أدلة البعث والنشور إخبار العليم الخبير بوقوعه يوم القيامة، وهذا له صور شتى.
ثانياً: الاستدلال على النشأة الأخرى بالنشأة الأولى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤].
ثالثاً: الاستدلال بأن القادر على خلق الأعظم قادر على خلق ما دونه.
رابعاً: الاستدلال بقدرته تعالى على تحويل الخلق من حال إلى حال: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨].
خامساً: إحياء بعض الأموات في هذه الحياة الدنيا، مثل: قوم موسى ﵇، وهذه القصص أكثر ما تكون في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٥٥ - ٥٦]، فهذا بعث ونشور بعد الموت.
وكذلك قوله ﵎ في قصة البقرة: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٧٣]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٣].
وقوله تعالى: ((أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)).
وقوله تعالى هنا حكاية عن إبراهيم ﵇: ((رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى)).
سادساً: ضربه المثل بإحياء الأرض بالنبات بعد موتها، فالذي قدر على أن يحيي الأرض بعد موتها قادر على بعث الناس ونشورهم.
سابعاً: ما ذكرناه من أن حكمة الله تقتضي بعث العباد للجزاء والحساب، ولا يمكن أبداً أن تكون من حكمة الله أن تنتهي الدنيا بهذه الصورة، نجد المظلوم قد ظلم الناس وأخذ حقوقهم، وآذاهم وعذبهم واضطهدهم ثم يموت الظالم والمظلوم، فالحكمة تقتضي أن هذه ليست النهاية، بل لا بد من يوم آخر ينتصف فيه المظلوم من ظالمه، ويعاد الحق إلى صاحبه.
стр. 334
تفسير قوله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله)
قال الله ﵎: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١].
(مثل الذين) أي: صفة نفقات الذين (ينفقون أموالهم في سبيل الله) أي: طاعته، (كمثل حبة أنبتت) يعني: حبة ألقيت في الأرض ثم أنبتت ساقاً، وكانت الساق على سبع شعب، وخرج من كل شعبة سنبلة فيها مائة حبة، فصارت الحبة الواحدة سبعمائة بمضاعفة الله ﵎ لها.
لا شك أن هذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة؛ لأن فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله لأصحابها كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة، ومصداقه قول النبي ﷺ : (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه؛ حتى تكون مثل الجبل) متفق عليه.
الفلو: هو المهر الصغير، وقيل: هو الفطيم من أولاد ذوات الحوافر، ولا شك أن قوله : ((كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ)) أقوى وأبلغ وأعظم وأعجز، وهل هناك إعجاز أكثر من أن تقول: كمثل حبة صارت سبعمائة؟ لا، لماذا؟ لأن هذا التفصيل يبين أن الله ينميها ويضاعفها لصاحبها شيئاً فشيئاً ويربيها؛ فكذلك أيضاً الذي ينفق ماله في سبيل الله ﵎ ينميها الله له، فتضاعف بسبعمائة ضعف، وفي الحديث عن خريم بن فاتك الأسدي قال: قال رسول الله ﷺ : (من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبعمائة ضعف).
((وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ)) يعني: يضاعف أكثر من ذلك لمن يشاء، وقد وردت هذه المضاعفة في السنة في عدة نصوص منها قوله ﷺ : (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف)، وقال الله : (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، متفق عليه، ومنها حديث ابن مسعود ﵁ قال: (جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة) رواه الإمام أحمد ومسلم.
فبلا شك أن الإنسان الذي عنده يقين بوعد الله وفي خبر الله لا يفرط في هذا الباب من أبواب الخير، ولا يفرط فيه إلا إنسان مغبون محروم.
وإذا كنا نصدق بمثل هذه الآيات فلا ينبغي أن يكون سلوكنا على ما نحن عليه من الشح عن النفقة في سبيل الله، وانظر كيف يتهافت الناس على الأرباح إذا وجدت شركة تجارية تعطي ربحاً عشرين بالمائة والذي سيزيد فالناس إليه أزيد، ويهرع الناس إليه من كل مكان، وإذا كان سيضاعفها إلى ٢٠٠% مثلاً، فكيف سيكون حال الناس؟ هم على يقين من الدنيا، ويرغبون في المضاعفة، فإذا صدّقنا الوعد منه بهذه المضاعفة، وأن الصدقة الواحدة بسبعمائة صدقة؛ فلا يفرط في هذا شخص يوقن به إلا مغبون أو ضعيف اليقين بما وعد الله ؛ فلذلك مثل هذه الآيات تغسل قلوبنا من الشح الذي يصيبها بتأثير الدنيا، القرآن ينظف قلبك باستمرار إذا ربطت نفسك به، فختم القرآن وتلاوة القرآن وسماع القرآن يطهر عقلك ومفاهيمك من هذا الدرن الذي يصيبها من جراء هذه البيئة الملوثة، القرآن ينقي ويطهر قلوبنا ويعلينا إلى القيم والموازين الصحيحة.
((وَاللَّهُ وَاسِعٌ)) فضله، ((عَلِيمٌ)) بمن يستحق المضاعفة.
стр. 335
تفسير قوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى)
قال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٢].
قوله : ((الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ))، لا يعقبون ما أنفقوا مناً ولا أذى، هنا عبر الله : بـ (ثم) ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى﴾، هل (ثم) هنا على بابها على التراخي وتباعد الأزمنة؟
الجواب
لا، ليست لتباعد الأزمنة، لكن استعيرت (ثم) هنا من تباعد الأزمنة لتباعد المرتبة، أو لإظهار التفاوت بين الإنفاق وبين ترك المن والأذى، فالسياق هنا يأبى حملها على الطرفين، والمقصود هنا: تباعد الأزمنة لتباعد المرتبة، ولإظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى، وفي قول آخر: أن ثم لا تخرج عن الإشعار ببعد الزمن، يعني: عنصر التفاوت الزمني موجود، لماذا التفاوت الزمني؟ المقصود: الدلالة على دوام الفعل المعطوف بها وإرخاء زمان بقائه، وهو هنا ليس لتراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه، لكن لدوام وجود الفعل وتراخي زمان بقائه، يعني: أنهم ينفقون أموالهم (ثم لا يتبعون) بل يستمرون على نفقة المال محصنين هذه الصدقة من المن ومن الأذى، متمادين في ذلك إلى النهاية، حتى يلقوا الله دون أن يفسدوا صدقاتهم بالمن والأذى، فمعناها: ليس لتراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه، ولكن معناها: دوام وجود الفعل، وتراخي زمن بقائه، وعليه حمل قوله تعالى: (ثم استقاموا)، إذ معناها داوموا على الاستقامة دواماً متراخياً ممتداً، وتلك الاستقامة هي المعتبرة، لا ما هو منقطع إلى ضده من الميل إلى الهوى والشهوات، فالمقصود بذلك الثبات حتى الممات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] يعني: ثبتوا على ذلك إلى الموت، وإلى الخاتمة الحسنة.
والسين في قوله: (ثم استقاموا) للتنفيس، ففيها تنفيس ومد، كقوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]، في حين أنه قال في سورة الشعراء: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨]، فقطع أن الله يهدي؛ لكن المقصود هنا دوام الاهتداء، واستصحابه إلى النهاية؛ كذلك قوله: ((ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى)) يعني: يداومون على تناسي الإحسان وترك الاعتداد به والامتنان، ليسوا بتاركيه في أزمنة إلى الأذية وتقليد المنن بسببه ثم يتوبون، لا، بل هم مستمرون على ستر صدقاتهم، أو المحافظة عليها وصيانتها من المن والأذى، لا ينقضون ذلك بمن ثم يتوبون منه، بل هم لا يرتكبون أصلاً المن والأذى.
((ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا)) أي: لا يعقبون، ((مَا أَنفَقُوا مَنًّا)) مناً على المنفق عليه، وهو ذكره لمن أنفق عليه ليريه أنه أوجب بذلك عليه حقاً، والواجب أن يكون المنفق مخلصاً ﴿لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٩]؛ لكن إذا منّ عليك، فمعنى ذلك أنه يريد حقاً في مقابلة صدقته؛ ((ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى))، الأذى يكون بذكر ذلك لغيره، والمن أن تمن على الشخص الذي أنفقت عليه نفسه، والأذى أن تخبر غيره بأنك مننت عليه، وذلك مما يؤذيه، وهو يكره أن يعرف الناس أنك أديت إليه ذلك المعروف.
﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ يعني: ثواب إنفاقهم الموعود به من قبل وهو المضاعفة.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، (لا خوف عليهم) فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة، ((وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)) على فائت من زهرة الدنيا؛ لصيرورتهم إلى ما هو خير من ذلك، وهذا كله في الآخرة.
стр. 336
تفسير قوله تعالى: (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى)
قال الله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٣].
(قول معروف)، كلمة طيبة ودعاء للسائل، وكلام حسن، ورد على السائل جميل.
(ومغفرة) عن ظلمه القولي أو الفعلي، إذ ممكن أن السائل يسيء أحياناً في سؤاله ويلح، أو يضايقك بطريقة فيها نوع من الأذية، وهنا حث على أن تغفر له هذا الإلحاح؛ فإنك تثاب على ذلك، وقد أرشد الله ﵎ إلى هذا الأدب في قوله: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:١٠].
والمغفرة أن تسامحه وتعفو عنه في إلحاحه إذا فعل، أو إذا ظلمك بظلم قولي أو فعلي، (ومغفرة) ربما إذا لم تعطه يسيء إليك بكلام أو بفعل، فأنت أيضاً هنا إذا فتح الله عليك واستحضرت هذه الآية واعتبرت بها، فتحتسب الأجر بالصبر عليه، وأن تغفر له وتسامحه في هذه الإساءة.
((خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى)) لماذا؟ لأن الصدقة التي يتبعها (منّ وأذى) ماذا يترتب عليها؟ لا يحصل بها ثواب الصدقة؛ ثم يحصل إثم الأذى، شخص تصدق يريد وجه الله ، ويريد الثواب الذي يضاعفه الله من الواحد إلى السبعمائة ضعف، فهو يتصدق لأجل الله، ثم بعد ذلك منّ أو آذى الذي أحسن إليه، فعادت صدقته عليه وبالاً وشؤماً عليه؛ لأنه أولاً: أحبط ثواب صدقته، وأوقع نفسه فيما لا طائل من ورائه، وثانياً: حصل إثم الأذى؛ لأنه سيعاقب على هذا الأذى؛ فلذلك يقول تعالى: ((قَوْلٌ مَعْرُوفٌ)) كلمة طيبة (ومغفرة خير) من مثل هذه الصدقة، لماذا خير؟ لأنه سيحبط ثواب الصدقة أولاً، ثم يحصل إثم الأذى.
((وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى)) بالمنّ والتعيير له بالسؤال، إذا كان الشخص ممن يحل له السؤال، ((وَاللَّهُ غَنِيٌّ)) عن صدقة العباد، ((حَلِيمٌ)) بتأخير العقوبة عن المانّ والمؤذي.
стр. 337
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى)
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤] يعني: لا تبطلوا أجور صدقاتكم، ولا تحبطوا هذا الثواب بالمنّ والأذى.
((كَالَّذِي)) يعني: إبطالاً كإبطال نفقة الذي (ينفق ماله رئاء الناس.
وفي هذه الآيات الكريمة تقبيح لشأن المن، والعرب كانت تقول لمن يعطي صدقة ثم يمن بها: هذه يدٌ سوداء، وتطلق العرب على ما يعطى من غير مسألة: هذه يد بيضاء، أما الذي يعطى عن مسألة فيقولون: يد خضراء، يقول الشاعر: وصاحب سلفت منه إلي يد راثت عليه مكافاتي فعاداني لما تيقن أن الدهر حاربني أبدى الندامة فيما كان أولاني وقال آخر: أفسدت بالمن ما أسديت من حسن ليس الكريم إذا أسدى بمنان وقال ثالث: أحسن من كل حسن في كل وقت وزمن صنيعة مربوبة خالية من المنن
стр. 338
تفسير سورة البقرة [٢٨٣ - ٢٨٦]
стр. 339
تفسير قوله تعالى: (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة)
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٨٣].
قوله تعالى: (وإن كنتم على سفر) يعني: إن كنتم مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى، ولابد من ربط هذا الشرط بما قبله، يعني: إن كنتم على سفر وتداينتم؛ لأن صدر هذه الآية مرتبط بالآية التي قبلها، وهي أطول آية في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة:٢٨٢] فلابد من ربط هذه الآية بما قبلها يعني: إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى وكنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة، يعني: الذي يستوثق به في هذه الحالة: رهان مقبوضة يقبضها صاحب الحق وثيقة لدينه.
وهذا الرهان إنما يكون إذا لم يأمن بعضكم بعضاً بلا وثيقة، والدليل على هذا أنه سبحانه قال بعد ذلك مباشرة: ((فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)) يعني: لحسن ظنه به واستغنى بالثقة فيه وبأمانته عن الوثيقة ((فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ)) يعني: من باب: أدِ الأمانة إلى من ائتمنك (فليؤد الذي اؤتمن) وهو الشخص المدين، وإنما عبر عنه بذلك ولم يقل: فليؤد المدين الدين وإنما قال: (فليؤد الذي اؤتمن أمانته) لأن الرجل إذا وثق فيك وكان بوسعه ألا يعطيك هذا المال إلا باستيثاق برهن أو غيره، فإنه يجب ألا تخيب ظنه وقد أحسن الظن فيك.
وكثيراً ما يحصل نزاع بين الناس بسبب هذا الأمر، ويشتكي كثير من الناس من أن بعض الناس لا يؤدي الحقوق إذا حان أجلها، بل منهم من يجحد ويماطل! فنذكر في هذا المقام عبارة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حينما قال: ما خان أمين قط، ولكن اؤتمن غير أمين فخان.
فإذا كان الشخص فعلاً متصفاً بصفة الأمانة فالأمين لا يمكن أبداً أن يخون إلا أن يشاء الله، لكن الذي يحصل أنك تضع ثقتك في غير موضعها، ولكن اؤتمن غير أمين فخان، فهذا هو الواقع الذي يحصل، فالله كما ترون قد أنزل أطول آية في القرآن -وهي آية الدين السابقة- لأجل حفظ مال المسلم في جنيهات معدودة، فبين كيف تحفظ له؛ ولذلك يعتبرون هذه الآية من آيات الرجاء، وهناك بحث لطيف يذكره بعض العلماء وهو مبحث بعنوان: ما هي أرجى آية في القرآن؟ وفي المقابل أيضاً ما هي أخوف آية في القرآن؟ فبعض العلماء ذهب إلى أن أرجى آية في القرآن لأهل المعاصي والكبائر من الموحدين هي هذه الآية آية الدين، ووجه ذلك أن هذه الآية تبين كيف أن الله يرعى ويحفظ ويشرع من التشريعات ما يضمن حق المسلم ويراعي شئونه حتى في أشياء دقيقة، فأنزل أطول آية في القرآن لحفظ مال يسير من الدريهمات أو الجنيهات، وإذا كان كذلك فلا شك أن عناية الله بعبده المؤمن في عرصات القيامة وفي أهوالها يرجى أن تكون أعظم، وأن تكون رحمته أوسع، فهذا هو وجهها.
بعض الناس يستحيي في هذا المقام من كتابة الدين، وهذا غير صحيح؛ لأن الاستيثاق بالكتابة أو بالإشهاد ليس معناه أنك تخونه أو أنك لم تثق به، لكن هذا يكون لاعتبارات كثيرة، منها: أنك يمكن أن تموت أنت أو يموت هو وبالتالي ينتقل لورثته الحق، وورثته إذا قالوا: أين ما يثبت أنه كان لك دين على الميت؟ فلا شك أن التوثيق يثبت الدين ويحسم الخلاف ويضبط حقوق الناس.
والأمر الآخر: أن بعض الناس قد ينسى، فبعض الناس يكون حريصاً في قلبه على أن يوثق الدين، لكنه يستحي وهذا الاستحياء لا يسمى استحياء لكنه عجز، وهو لا يدخل في الحياء المحمود وإنما هو عجز.
ولذلك قال النبي ﵌: (ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم - وذكر من هؤلاء الثلاثة- رجل أدان ديناً فلم يشهد عليه) أي: أقرض رجل رجلاً مالاً ولم يشهد عليه ولا كتبه، فلما جاء موعد حلول أجل الدين وطالبه به جحده وقال: ما لك عندي شيء، فهنا إذا دعا صاحب المال على هذا المدين المقترض لا يستجيب الله دعاءه عليه؛ لأن الله قد شرع من الأحكام ما يضمن له حقه، وهو الذي بمحض إرادته تخلى عنها وتنازل عنها، أو هو الذي وضع ثقته في محل لا يستحقها، أي: ائتمن شخصاً وهو غير أمين.
فالشاهد من ذلك: أنه إذا دعا عليه لا يستجاب له، وكيف يدعو عليه وقد أنزل الله هذه الآية الطويلة التي هي أطول آية في القرآن، ثم هو بمحض إرادته لم يعمل بها، فليلم نفسه ولا يلم غيره؛ فهو الذي قصر.
يقول ﵎ هنا: ((فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)) يعني: لحسن ظنه به واستغنى بالثقة والأمانة عن أن يأخذ منه رهناً.
(فليؤد الذي اؤتمن أمانته) المقصود به: المدين، وإنما عبر عنه بذلك لأنه العنوان لتعينه طريقاً للإعلام؛ لأنه لا يوجد طريق للإعلام الحق سوى الائتمان والثقة ولحمله على الأداء (أمانته) أي: دينه، وإنما سمي أمانة لائتمانه عليه بترك الارتهان به.
(وليتق الله ربه) يعني: في رعاية حقوق هذه الأمانة، وفي الجمع بين عنوان الألوهية وصفة الربوبية من التحذير والتأكيد ما لا يخفى.
(ولا تكتموا) يعني: أيها الشهود! لا تكتموا الشهادة.
(ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) قال الزمخشري: فإن قلت: هلا اقتصر على قوله: (فإنه آثم)، وما فائدة ذكر القلب، والجملة هي الآثمة لا القلب وحده.
يعني: الرجل هو الآثم وليس قلبه فقط.
قال الزمخشري: قلت: كتمان الشهادة هو أن يضمرها في قلبه، فلما كان إثماً مقترفاً بالقلب أسند إلى القلب؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد: هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني، ومما عرفه قلبي؛ ولأن القلب هو رئيس الأعضاء، وهو المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل: قد تمكن الاسم في أصل نفسه، وملك الاسم أشرف مكان فيه وهو قلبه، ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط، ولكنه أيضاً متعلق بالقلب (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه).
فاللسان عبارة عن ترجمان عما في القلب؛ ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح.
(وإن كنتم على سفر) يعني: إن كنتم مسافرين وتداينتم بدين إلى أجل مسمى (ولم تجدوا كاتباً فرهان) وفي القراءة الأخرى (فرهُنُ) وكلاهما جمع رهن (مقبوضة) مقبوضة أي: تستوثقون بها، وهذا القيد الذي جاء في هذا الحكم معلق بقيدين (إن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً) فالقيد الأول: أن يكونوا في السفر، والقيد الثاني: عند افتقاد الكتَّاب، لكن بينت السنة جواز الرهن في الحضر، وجواز الرهن مع وجود الكاتب، حتى لو وجدنا كاتباً وأمن بعضنا بعضاً ولم نكتب فلا حرج في ذلك.
والدليل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها (أن النبي ﷺ اشترى طعاماً من يهودي إلى أجل ورهنه درعاً من حديد) فهذا كان في الإقامة ولم يكن في السفر، وهم كانوا في المدينة، وسيجدون كاتباً، لكنه مع ذلك لم يكتب.
فالتقييد بما ذكر من السفر ووجود الكتاب؛ لأن التوثيق فيه أشد؛ فالتوثيق في حالة السفر يحتاج الإنسان إليه أكثر من حالة الحضر.
وأفاد قوله تعالى: (فرهان مقبوضة) اشتراط القبض في الرهن يعني: أنه لابد من قبض الشيء المرهون، وأن يحوزه الشخص المرتهن.
وأفاد قوله: (مقبوضة) اشتراط القبض في الرهن والاكتفاء به من المرتهن.
(فإن أمن بعضكم بعضاً) أي: أمن الدائن المدين على حقه فلم يرتهن (فليؤد الذي اؤتمن) أي: المدين (أمانته) دينه (وليتق الله ربه) في أدائه (ولا تكتموا الشهادة) إذا دعيتم لإقامتها (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) خص بالذكر لأنه محل الشهادة، ولأنه إذا أثم تبعه غيره فيعاقب عليه معاقبة الآثمين.
стр. 340
تفسير قوله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون)
قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥].
قوله: (لا نفرق بين أحد من رسله) يعني: يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله، فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل اليهود والنصارى، ومعنى التفريق هنا هو في الإيمان، وليس معناه عدم المفاضلة بين الأنبياء؛ لأن الله فضل الأنبياء بعضهم على بعض؛ لأن بعض الناس يتوهم أن الاعتقاد في أفضلية نبينا ﷺ على سائر الأنبياء هو من التفريق بين الرسل!! ليس هذا هو المقصود، وإنما (لا نفرق بين أحد من رسله) يعني: في الإيمان، بل نؤمن بجميع الرسل.
وقوله: (وقالوا سمعنا) يعني: سمعنا ما أمرنا به سماع قبول.
(وأطعنا غفرانك ربنا) يعني: نسألك غفرانك ربنا.
(وإليك المصير) أي: المرجع للبعث.
ولما نزلت الآية التي قبلها شكا المؤمنون من الوسوسة، وشق عليهم المحاسبة بها، والآية التي قبلها هي قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] إلى آخر الآية فلما نزلت شكا المؤمنون من الوسوسة؛ لأن الوسوسة مما يشق عليهم أن يحاسبوا بها، والخواطر التي ترد على القلب ليس في طاقتهم أن يدفعوها، فأنزل الله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
стр. 341
تفسير قوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)
قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦].
قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وهذا كلام مستأنف من الله أي: اطمئنوا فإن الله لن يكلفكم إلا ما في طاقتكم، ولن يحاسبكم على هذه الوساوس والخواطر ما لم تتكلموا أو تعملوا بها.
ويحتمل أن تكون هذه العبارة من باقي ذكر المؤمنين ودعائهم.
وقوله: (وسعها) يعني: ما تسعه قدرتها.
(لها ما كسبت) يعني: من الخير، والمقصود ثوابه.
(وعليها ما اكتسبت) أي: من الشر، فلا يؤخذ أحد بذنب أحد ولا بما لم يكسبه مما وسوست به نفسه.
(ربنا لا تؤاخذنا) يعني: وقالوا: (ربنا لا تؤاخذنا) أي: بالعقاب، (إن نسينا أو أخطأنا) يعني: تركنا الصواب لا عن عمد، كما أخذت به من قبلنا، وقد رفع الله ذلك عن هذه الأمة كما ورد في الحديث الصحيح: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فسؤالهم اعتراف منهم بنعمة الله ، وقد رفع عنهم الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
ولأن من خصال هذه الأمة رفع الآصار ورفع المشقة وإعذار الأمة بهذه الأعذار، كالإكراه والجهل والنسيان وغير ذلك، فمن خصائص هذه الأمة العذر بالإكراه، فهذه من الآصار التي كانت على من قبلنا، فمثلاً إذا تأملنا حكاية الله عن أصحاب الكهف، أنهم قالوا: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ [الكهف:٢٠] ثم ذكروا احتمالين فقط ﴿يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٢٠] يعني ما كان لهم عذر في أن يعودوا في ملتهم، بل كان يجب عليهم أن يثبتوا على الدين، فإما أن يرجموا وهم ثابتون عليه، وإما أن يعودوا كفاراً، فلم يكن لهم سعة في الاعتذار بالإكراه؛ وإنما هذا من خصائص هذه الأمة.
(ربنا ولا تحمل علينا إصراً) يعني: أمراً يثقل علينا حمله.
(كما حملته على الذين من قبلنا) يعني: بني إسرائيل، وإذا تتبعنا شرائع التوراة وجدنا من ذلك شيئاً عظيماً جداً، ففي التوراة كثير من الآصار والأغلال التي بعث النبي ﵌ برفعها، فالشرائع السابقة كانت تأتي خاصة لكل أمة تعالج العوج الذي في أخلاقها وفي قلوبها، وكانت بنو إسرائيل من أكبر الأمم عوجاً وعتواً وعناداً، فكما أنهم لما عاشوا تحت القهر بسبب فرعون وملائه أذلوهم واستعبدوهم وآذوهم واضطهدوهم؛ فمشوا على الخنوع والمذلة، فمن أجل ذلك عوقبوا بالتيه في الأرض حتى ينشأ جيل جديد يتحرر من آثار هذا الذل الذي عاشوا عليه من قبل، كذلك العوج الذي في أخلاق وطباع اليهود -لعنهم الله- أدى إلى أن الله كان يشرع لهم كثيراً من الآصار والأغلال عقوبة لهم، وكان يتم التشديد عليهم بسبب تنطعهم وعنادهم وعتوهم، وخبث طباعهم ولؤمهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء:١٦٠] بكذا وبكذا، هذه كلها باء السببية أي: بسبب كل هذا الإجرام من اليهود -عليهم لعائن الله- حرم الله عليهم الطيبات، وانظر في قصة البقرة، أمروا أن يذبحوا أي بقرة عندما قال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] لكن لما شددوا شدد الله عليهم، فإذا تتبعنا هذه الأحكام سنجد كيف أن الله أرسل نبيه ﷺ رحمة للعالمين أجمعين، ورحمة لليهود، لكنهم أبوا وبقوا في هذه الآصار والأغلال كما سنبين إن شاء الله.
فكان من هذه الآصار أن التوبة تكون بقتل النفس، فإذا أرادوا أن يتوبوا يقتل بعضهم بعضاً، كما قال الله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٥٤] وكذلك في الزكاة كان الواحد منهم يخرج ربع المال في الزكاة، وكذلك كان الواحد منهم إذا تنجس ثوبه فإنه يقطع ويقرض موضع النجاسة من الثوب، وغير ذلك من الأحكام الشديدة.
ولهذا فإن هذا اعتراف بنعمة الله ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] أي: الذين عاقبتهم بهذه التشريعات، وقد فعل الله ذلك فخفف عن هذه الأمة، وهذا الباب واسع جداً، ولضيق الوقت لا نستطيع أن نفصل فيه القول، فهذه الشريعة تميزت برفع الحرج ورفع الآثار ورفع الأغلال، وبالسماحة وباليسر حتى قال ﷺ : (بعثت بالحنيفية السمحة).
(ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به) المقصود بقوله: (لا طاقة) يعني: لا قوة لنا به من التكاليف والبلاء.
(واعف عنا) أي: امح ذنوبنا.
(واغفر لنا وارحمنا) الرحمة فيها الزيادة على المغفرة.
(أنت مولانا) أي: سيدنا ومتولي أمورنا.
(فانصرنا على القوم الكافرين) يعني: بإقامة الحجة والغلبة في قتالهم، فإن من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء، وفي الحديث (لما نزلت هذه الآية فقرأها ﷺ قيل له عقب كل كلمة: قد فعلت) أي: رحمة من الله ، وأي شرف أن ننتسب إلى هذه الأمة المرحومة! فتأمل إذا قرأت هذه الآية أن الله يجيبك ويقول لك بعد كل دعاء: قد فعلت، قد فعلت، قد فعلت! وهذا من رحمة الله بنا أيتها الأمة.
стр. 342
تنبيهات تتعلق بالآيات الآخيرة من سورة البقرة
هناك بعض التنبيهات تتعلق بهذه الآيات الأخيرة: قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] قال الزجاج: لما ذكر الله في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة والصيام والحج والطلاق والحيض والإيلاء والجهاد وقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والربا والدين ختمها بقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة:٢٨٥] آمن الرسول بتعظيمه وتصديق نبيه ﷺ والمؤمنون بجميع ذلك المذكور قبله وغيره، فكأن هذا تأكيد لكل ما مضى من الأحكام في هذه السورة العظيمة، أي أن موقف المؤمنين من جميع ما تقدم من هذه الأحكام وهي مئات الأحكام في سورة البقرة كان هو الإيمان والتسليم: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٢٨٥] فصدقه ﵊ بما أنزل إليه وتخلق به حتى صار خلقه القرآن ﵌.
﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦] قال الزمخشري: لما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي مجبولة عليه وأمارة به، كما قال ﵊: (حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره) فالشهوات النفس مجبولة عليها ووراءها النار، والجنة تحتاج إلى مجاهدة، فأسهل شيء على الإنسان أن يدخل النار؛ لأن النفس تعينه على فعل المعاصي والكبائر بل والكفر الذي يئول به إلى النار؛ ولذلك تحتاج النجاة من النار إلى مجاهدة، بخلاف الذي يريد أن يدخل النار فهذا سهل عليه؛ لأن الشهوات تجذبه كما يجذب الضوء الفراش الأحمق، ونفسه وهواه وشيطانه تسول له وتجذبه إلى هذه الشهوات، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وهي أمارة به كانت في تحصيله أعمل وأجد فجعلت بذلك مكتسبة فيه، فلهذا قال: (وعليها ما اكتسبت) ولم يقل: (ما كسبت)، ففي الخير قال: (ما كسبت) وفي الشر قال: (اكتسبت)، ومعروف أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فقال هنا في الشر: (اكتسبت)؛ لأنها تنجذب إلى هذا الشر وتحصله بالاجتهاد.
ولما لم تكن في باب الخير كذلك لفتورها في تحصيله وصفت بما لا دلالة له على الاعتماد والتصرف فقال: (لها ما كسبت).
стр. 343
أمثلة من آصار اليهود
قوله ﵎: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] هو ما كلفه بنو إسرائيل مما يهد الأركان، وقد ذكر القاسمي رحمه الله تعالى هنا حوالى خمس صفحات وهي تؤكد ما وصف به هذا التفسير (محاسن التأويل) من أنه أحياناً ينساق وراء الإسرائيليات، لكن له عذر في بعض المواضع، فإنه أراد أن يأتي بأمثلة حية من التوراة التي بين يدي القوم على هذه الآثار والأغلال التي عاقبهم الله بها.
فمثلاً: من ضرب أباه وأمه يقتل قتلاً! ومن سرق إنساناً وباعه أو وجد في يده يقتل قتلاً! ومن شتم أباه وأمه يقتل قتلاً.
وإذا مات إنسان في خيمة -مثلاً- فكل من دخل الخيمة وكل من كان في الخيمة يكون نجساً سبعة أيام! وكل إناء مفتوح ليس عليه سداد بعصابة فإنه نجس! وكل ماء مكشوف لم يسد ويربط على فمه فهو نجس!! وهناك أشياء كثيرة جداً بهذا المعنى، مثل إيجاب القتل في القصاص يعني لا تقبل دية من القاتل المذنب بل إنه يقتل! وإذا كان لرجل ابن معاند ومارد ولا يسمع لقول أبيه ولا لقول أمه ويؤدبانه فلا يسمع لهما فإن أباه وأمه يمسكانه ويأتيان به إلى شيوخ مدينتهم ويقولون لهم: ابننا هذا معاند ومارد ولا يسمع لقولنا وهو مسرف وسكير؛ فيرجمه جميع رجال مدينته بحجارة حتى يموت!
стр. 344
معنى قوله تعالى: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا)
قوله تعالى: (ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به) أي: من بليات الدنيا والآخرة، فالدعاء الأول (ربنا ولا تحمل علينا إصراً) هذا طلب رفع شدائد التكليف، أما قوله: (ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به) فهذا فيه رفع شدائد البليات.
(واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) فإن من حق المولى أن ينصر عبده وأن يتولى أمره على أعدائه، وفيه إشارة إلى أن إعلاء كلمة الله والجهاد في سبيل الله تعالى حسبما مر في تضاعيف السورة الكريمة هي غاية مطلبهم.
ثم تختم هذه السورة الطويلة بقوله تعالى: ﴿أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ وذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله، وهو لتمكين كل الدين، فأقصى غاية عند المؤمنين والمسلمين الصادقين إعلاء كلمة الله والجهاد في سبيل الله .
يقول الرفاعي فتضمن ذلك وجوب قتال الكافرين وأنهم أعدى الأعداء، وأن قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] ليس ناهياً عن قتال المشركين وأعداء الدين، وإنما هو إشارة إلى أن الدين صار في الوضوح إلى حد لا يتصور فيه إكراه، بل ينبغي لكل عاقل أن يدخل فيه بغاية الرغبة دون الإحواج إلى القتال، فمن نصح نفسه دخل فيه بما دل عليه عقله، ومن أبى دخل فيه قهراً بنصيحة الله التي هي الضرب بالحسام وماطر السهام.
стр. 345
فضل الآيتين من آخر سورة البقرة
روى البخاري والجماعة عن أبي مسعود رضي الله قال: قال النبي ﷺ : (من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه) قيل: كفتاه من كل سوء، وقيل: كفتاه عن قيام الليل، يعني: أنه يؤجر كأنه قام هذه الليلة كلها، فهذه من الأذكار الليلية، وتقال في أي وقت من الليل، ويفضل أن الإنسان إذا خشي أنه لا يأتي بهما أن يأتي بهما في أول الليل حتى لا يفوته هذا الثواب العظيم.
وروى الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (أعطيت خواتيم سورة البقرة من بيت كنز من تحت العرش لم يعطهن أحد قبلي).
وأخرج مسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: (لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها قال: ((إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى)) [النجم:١٦] قال: فراش من ذهب، قال: فأعطي رسول الله ﷺ ثلاثاً: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئاً إلا المقحمات) يعني: الكبائر.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما -وهذا في مسلم - قال: (بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضاً من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لما يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لم تقرأ حرفاً منهما إلا أعطيته) فلا يسمع بمثل هذا الثواب ويزهد فيه إلا إنسان خاسر!! وأخرج الترمذي والنسائي والدارمي والحاكم وصححه عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان).
فهذه الرحلة الطويلة التي يقطعها الإنسان إذا قرأ سورة البقرة؛ كأن الله جعل نهاية هذه السورة العظيمة المباركة هدية للمؤمنين ومكافئة للمؤمنين إذا ختموا هذه السورة الكريمة؛ فلذلك كان الحسن البصري رحمه الله تعالى -كما أخرج عبد بن حميد في مسنده- إذا قرأ آخر البقرة يقطعها ويقول: يا لك نعمة! يا لك نعمة! إذاً: أنعم الله علينا بهذه السورة العظيمة، وبالذات خواتيمها، ولها من الفضل ما ذكرناه.
стр. 346
فضل سورة البقرة
رويت في فضل سورة البقرة أحاديث كثيرة منها ما أخرجه مسلم والترمذي من حديث النواس بن سمعان ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران).
وعن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : (تعلموا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة) أي السحرة.
وقال ﷺ : (تعلموا البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان يجيئان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تجادلان عن صاحبهما) أي: تأتي هاتان السورتان تجادلان عن الإنسان الذي يكون قد استحق العذاب فتأتي هذه السورة تحامي عنه، فنعم المحامي ونعم المدافع!! تجادلان عن صاحبيهما وتشفعان له.
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت التي قرأ فيه سورة البقرة)، ولفظ الترمذي: (وإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان).
وينبغي أن نكف عن هذه الظاهرة الشائعة الآن، وهي أن بعض الناس يظن أنه يرضي ضميره بأن يشغل التسجيل والشرائط لسورة البقرة في البيت!! فهل التسجيل الذي يثاب أم أنت الذي تثاب؟! أما وجدت سبيلاً إلى القراءة بلسانك وبقلبك؟! فينبغي أن تقرأ أنت، أما هذا التسجيل فهو حديد، وأنت الذي تطالب بقراءة سورة البقرة، وهذا من الاستهتار الذي يدخل في العبادات، فهو لا يقرأ ويظن أنها تقرأ سورة البقرة في البيت عن طريق التسجيل، صحيح أنه من الممكن أن يكون ذلك عند العجز كرجل أو امرأة عجوز لا يستطيع أن يقرأ أو أمي أو إنسان له أي عذر من الأعذار، لكن لا ينبغي أن تكون القاعدة أن ينوب عنا التسجيل، بحيث إن الإنسان يظن أنه يثاب إذا قرأ سورة البقرة بحديد أنطقه الله من معدن أو جماد!! فأنت المتعبد بالتلاوة، فينبغي ألا يزحف التكاسل في حياتنا إلى حد أن نقيم هذه الجمادات التي لا تعقل مقام عقولنا وقلوبنا وأسماعنا وأبصارنا.
وأخرج سعيد بن منصور والترمذي والحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل شيء سنام وإن سنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي).
стр. 347
خاتمة تفسير القاسمي لسورة البقرة
القاسمي رحمه الله تعالى ختم تفسير سورة البقرة باقتباس جميل جداً هو في الحقيقة في غاية الروعة، وما أشد مناسبته لختام سورة البقرة؛ لأنه جمع فيه الفضائل العظيمة جداً في القرآن، يقول رحمه الله تعالى: تأمل خطاب القرآن تجد ملكاً له الملك كله وله الحمد، كله يثيب ويعاقب ويكرم ويهين ويخلق ويرزق ويحيي ويميت ويقدر ويقضي، ويدبر الأمور النازلة من عنده دقيقها وجليلها والصاعدة إليه، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه.
فتأمل كيف تجده يثني على نفسه، ويمجد نفسه، ويحمد نفسه، وينصح عباده، ويدلهم على ما فيه سعادتهم وصلاحهم ويرغبهم فيه، ويحذرهم مما فيه هلاكهم، ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته، ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه، يذكرهم بنعمه عليهم، ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها، ويحذرهم من نقمه، ويذكرهم ما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه، وما أعد لهم من العقوبة إن عصوه، ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه، وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء، ويثني على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوقاتهم، ويذم أعداءه بسيئ أعمالهم وقبيح صفاتهم.
ويضرب الأمثال، وينوع الأدلة والبراهين، ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة، ويصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويقول الحق، ويهدي السبيل، ويدعو إلى دار السلام، ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها، ويحذر من دار البوار، ويذكر عذابها وقبحها وآلامها.
ويذكِّر عباده بفقرهم إليه، وشدة حاجتهم إليه من كل وجه، وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين، ويذكر لهم غناءه عن جميع الموجودات، وأنه الغني بنفسه عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه لا ينال أحد ذرة من الخير فما فوقها إلا بفضله ورحمته، ولا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعدله وحكمته.
وتشهد من خطابه عتابه لأحبابه بألطف عتاب، وأنه مع ذلك مقيل عثراتهم، وغافر زلاتهم، ومقيم أعذارهم، ومذهب فسادهم، والدافع عنهم، والحامي لهم، والناصر لهم، والكفيل لمصالحهم، والمنجي لهم من كل كرب، والموفي لهم بوعده، وأنه وليهم الذي لا ولي لهم سواه، فهو مولاهم الحق وناصرهم على عدوهم، فنعم المولى ونعم النصير.
وإذا علمت القلوب من القرآن أن الله جواد رحيم جليل، هذا شأنه؛ فكيف لا تحبه، وتتنافس في القرب منه، وتنفق أنفاسها في التودد إليه، ويكون أحب إليها من كل ما سواه، ورضاه آثر عندها من رضا كل من سواه؟! وكيف لا تلهج بذكره وتصير حبه والشوق إليه والأنس به هو رضاؤها وقوتها ودواؤها، بحيث إن فقدت ذلك فسدت وهلكت ولم تنتفع بحياتها؟! اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء حزننا، وأعنا على إكمال ما قصدناه بفضلك يا أرحم الراحمين!
стр. 348
تفسير سورة آل عمران [١ - ٢٠]
стр. 349
تفسير سورة آل عمران
سورة آل عمران مدنية، وآياتها مائتان، سميت بذلك لأن اصطفاء آل عمران -وهم عيسى ويحيى ومريم وأمها- نزل فيه منها ما لم ينزل في غيرها، وذلك بضع وثمانون آية، وقد جعل هذا الاصطفاء دليلاً على اصطفاء نبينا محمد ﷺ وجعله متبوعاً لكل محب لله ومحبوب له سبحانه.
وتسمى الزهراء؛ لأنها كشفت عما التبس على أهل الكتابين من شأن عيسى ﵇.
وتسمى الأمان؛ لأن من تمسك بما فيها أمن من الغلط في شأن المسيح ﵇.
وتسمى الكنز؛ لتضمنها الأسرار العيسوية.
وتسمى المجادلة؛ لنزول نيف وثمانين آية منها في مجادلة رسول الله ﷺ نصارى نجران.
وتسمى سورة الاستغفار؛ لما فيها من قوله ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧].
وتسمى طيبة؛ لجمعها أصناف الطيبين في قوله: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧].
والمراد بعمران هو والد مريم ﵇، كما يأتي التنويه به في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٣٣].
стр. 350
تفسير قوله تعالى: (الم .
الله لا إله إلا هو الحي القيوم والله عزيز ذو انتقام)
﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران:١ - ٤].
قال تعالى: ((ألم)) الله أعلم بمراده بذلك، حيث إن هذا من المتشابه.
((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)) سبق تفسيره في سورة البقرة في آية الكرسي.
(نزل عليك) يعني: يا محمد.
(الكتاب) أي: القرآن.
(بالحق) أي: متلبساً بالحق أي: بالصدق في أخباره.
(مصدقاً لما بين يديه) يعني: مصدقاً بما قبله من الكتب.
(وأنزل التوراة والإنجيل) والتوراة بالعبرانية معناها: الشريعة، والإنجيل معناه: البشارة، وأصل الإنجيل بشارة؛ لأن أحد مقاصد بعثة عيسى ﵇ الأساسية هي ما عبر عنه في قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]، ولذلك تأتي في نصوص الإنجيل -حتى بعد تحريفها- كثير من النصوص التي تدل على أن هذا كان هدفاً ومقصداً أساسياً لبعثة عيسى ﵇.
وهناك رجل من كبار أحبار الكلدانيين وهو داود الأشوري وكان من الأحبار، وقد أسلم وأنار الله قلبه بالإسلام فكتب كتباً قيمة، هي في الحقيقة من أرقى الكتب في هذا الموضوع، وأفرد بعض الفصول لهذه المسألة، وقد ناقش أن كلمة الإنجيل تعني البشارة، وقال: إن العبارة المشهورة عند النصارى عبارة محرفة وهي قولهم: المجد لله في الأعالي، وفي الناس المسرة، وعلى الأرض السلام، قال: إن حقيقة هذه الكلمة هي: المجد لله في الأعالي وفي الناس أحمد، وعلى الأرض إسلام.
وأتى بالنقول التي تدل على هذا.
فإذاً حتى كلمة الإنجيل تعني باللغة العبرية الأصلية: البشارة، والبشارة هي التبشير ببعثة محمد ﵌.
(وأنزل التوراة والإنجيل من قبل) يعني: من قبل تنزيل القرآن.
(هدىً للناس) هذا حال بمعنى: هاديين من الضلالة.
وقوله: (للناس) يعني: لمن تبعهما، وعبر هنا في (التوراة والإنجيل بـ (أنزل)، لكن في القرآن قال: (نزل عليك الكتاب بالحق) لأن القرآن لم ينزل دفعة واحدة، فكلمة (نزل) تقتضي التكرار، لأن القرآن نزل مفرقاً بحسب المناسبات والنوازل.
أما التوراة والإنجيل فقد أنزل كل منهما دفعة واحدة.
وقوله: (وأنزل الفرقان) بمعنى: الكتب الفارقة بين الحق والباطل، وذكره بعد ذكر هذه الثلاثة من الكتب ليعم كل ما عداها، فيعم أيضاً صحف إبراهيم ﵇، وكل كتاب أنزله الله على نبي.
ثم قال تعالى: (إن الذين كفروا بآيات الله) أي: بالقرآن وغيره، (لهم عذاب شديد).
(والله عزيز) أي: غالب على أمره، فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده ووعيده.
(ذو انتقام) يعني: ذو عقوبة شديدة لمن عصاه لا يقدر على مثلها أحد، وليس من أسماء الله الحسنى المنتقم، لكن قال سبحانه: (والله عزيز ذو انتقام).
стр. 351
تفسير قوله تعالى: (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء العزيز الحكيم)
((إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:٥ - ٦].
قال تعالى: (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض) يعني: لا يخفى عليه شيء كائن في الأرض (ولا في السماء) لعلمه ﵎ بما يقع في العالم من كليٍّ وجزئي، وخصهما بالذكر لأن الحس لا يجاوزهما أعني الأرض والسماء.
(هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء) من ذكورة وأنوثة وبياض وسواد وغير ذلك.
(لا إله إلا هو العزيز) أي: في ملكه (الحكيم) في صنعه.
стр. 352
تفسير قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات إن الله لا يخلف الميعاد)
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ * رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:٧ - ٩] قال تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات) أي: واضحات الدلالة.
(هن أم الكتاب) يعني: أصل الكتاب المعتمد عليه في الأحكام.
(وأخر متشابهات) يعني: لا تفهم معانيها، فلها معانٍ لكن لا تفهم كأوائل السور.
وفي موضع من القرآن وصف الله كل القرآن بأنه محكم، وذلك في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] ومعنى كونه محكماً: أنه ليس فيه عيب في ألفاظه ولا في معانيه.
وفي موضع آخر وصفه بأنه متشابه، وذلك في قوله ﵎: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر:٢٣] ومعنى كونه متشابهاً: أنه يشبه بعضه بعضاً في الحكم والصدق.
قوله تعالى: ((فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ)) أي: ميل عن الحق.
((فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ)) أي: طلب الفتنة لجهالهم بوقوعهم في الشبهات واللبس.
((وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ)) أي: ابتغاء تفسيره أو حقيقته، فإما أن يكون تأويله بمعنى تفسيره فيفسر له تفسيراً باطلاً لا أصل له، وإما أن يكون تأويله بمعنى حقيقته وهو الأقرب؛ ومعنى حقيقته كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف:٥٣] يعني: حقيقته واقعاً كما هو، وهذه الأشياء التي لا يعلم تأويلها إلا الله مثل الروح ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] كذلك مفاتح الغيب الخمس المعروفة، كذلك مثلاً معاني الحروف المقطعة في أوائل السور، كذلك نعيم الجنة: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧].
((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)) وهنا تقف وقفاً لازماً، أي: لا يعلم تأويله إلا الله وحده، ثم تستأنف وتقول: ((وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)) أي: الثابتون المتمكنون في العلم، وهذا مبتدأ وخبره ((يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)) يعني: بالمتشابه أنه من عند الله ولا نعلم معناه.
((كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)) كل من المحكم والمتشابه هو من عند الله ﵎.
((وَمَا يَذَّكَّرُ)) بإدغام التاء في الذال؛ لأن أصلها يتذكر، والمعنى: وما يتعظ (إلا أولوا الألباب) أي: أصحاب العقول.
ويقولون أيضاً إذا رأوا من يتبع المتشابه: ((رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا)) يعني: لا تزغ قلوبنا عن الحق بابتغاء تأويله الذي لا يليق بنا، كما أزغت قلوب أولئك.
((بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا)) أي: أرشدتنا إليه.
((وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ)) أي: من عندك.
((رَحْمَةً)) أي: تثبيتاً ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].
(ربنا) أي: يا ربنا.
(إنك جامع الناس ليوم) يعني: تجمعهم ليوم أو في يوم.
(لا ريب فيه) أي: لا شك فيه، وهو يوم القيامة، فتجازيهم بأعمالهم كما وعدت بذلك.
(إن الله لا يخلف الميعاد) يعني: موعده بالبعث، وهذا فيه التفات عن الخطاب.
روى الشيخان وغيرهما عن عائشة ﵂ قالت: (تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ((هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ)) [آل عمران:٧] إلى آخرها وقال: فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم).
стр. 353
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً والله شديد العقاب)
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [آل عمران:١٠ - ١١].
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران:١٠] يعني: لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم.
(من الله) أي من عذاب الله شيئاً.
(وأولئك هم وقود النار) الوقود: بفتح الواو ما يوقد به.
(كدأب) المقصود به: دأبهم كدأب، يعني: عادتهم كعادة (آل فرعون والذين من قبلهم) من الأمم كعاد وثمود.
(كذبوا بآياتنا فأخذهم الله) أي: أهلكهم.
(بذنوبهم والله شديد العقاب).
ونزلت هذه الآية لما رجع النبي ﷺ منتصراً من بدر ودعا اليهود إلى الإسلام، فقالوا له: لا يغرنك منا أن قتلت نفراً من قريش أغماراً لا يعرفون فنون القتال، لكن إذا قاتلتنا سترى أننا نحن الناس، فنزلت هذه الآيات في الرد على اليهود لعنهم الله!
стр. 354
تفسير قوله تعالى: (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار)
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [آل عمران:١٢ - ١٣].
(قل للذين كفروا) يعني: قل يا محمد (للذين كفروا) من اليهود.
(ستغلبون) في قراءة أخرى (سيغلبون) يعني: في الدنيا بالقتل والأسر وضرب الجزية، وقد وقع ذلك.
(وتحشرون) وفي قراءة (ويحشرون) أي: في الآخرة.
(إلى جهنم) فتدخلونها.
(وبئس المهاد): يعني الفراش.
(قد كان لكم آية) أي: عبرة، وذكّر الفعل (كان) هنا مع أن فاعله مؤنث (آية)؛ وذلك لأنه فصل بينهما بالخبر (قد كان لكم آية).
ومعنى (آية): علامة، أي: يا أيها اليهود قد ظهرت لكم آية على صحة دين الإسلام، إذ لو كان الإسلام غير حق لما غلبت الفئة القليلة الضعيفة المتمسكة بالحق الفئة الكثيرة القوية التي لم تتمسك به.
(في فئتين) أي: فرقتين (التقتا) يوم بدر بالقتال.
ويوم بدر وصفه الله في بعض الآيات بأنه بينة كما قال تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢] ووصفه الله بأنه فرقان كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال:٤١] وهو يوم بدر فرق الله فيه بين الحق والباطل.
((قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا)) يعني: أن ما حصل في بدر كان علامة على صحة دين الإسلام.
((فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) أي: في طاعته، وهم النبي ﷺ وأصحابه، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، ومعهم فرسان وست أدرع وثمانية سيوف، وأكثرهم رجالة لم يكونوا راكبين.
((وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ)) أي: الكفار.
(يرونهم مثليهم) يعني: يرون الكفار مثليهم، أي: مثلي المسلمين، وكانوا نحو ألف رأي العين، يعني: رؤية ظاهرة معاينة، وقد نصرهم الله مع قلتهم.
(والله يؤيد بنصره من يشاء) أي: يقوي بنصره من يشاء نصره.
(إن في ذلك) المذكور (لعبرة لأولي الأبصار) أي: لذوي البصائر، أفلا تعتبرون بذلك فتؤمنون.
стр. 355
تفسير قوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والله عنده حسن المآب)
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤].
قال تعالى: ((زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ)) وهي ما تستميل النفس وتدعو إليه، زينها الله ابتلاءً أو زينها الشيطان.
(من النساء) قدم النساء لعراقتهن في الفتنة، كما قال النبي ﷺ : (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء) وقال أيضاً: (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).
((وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ)) أي: الأموال الكثيرة (المقنطرة) أي: المجمعة.
(من الذهب والفضة): وخصهما بالذكر من أنواع الأموال لأن من ملك الذهب والفضة وهما أصل المال يستطيع أن ينال كل ما يتحصل بهما.
(والخيل المسومة) أي: الحسان.
(والأنعام) أي: الإبل والبقر والغنم، وقد بين ﵎ أن الأنعام ثمانية أزواج فقال: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٣] ثم قال: ﴿وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٤]، (من الضأن اثنين) أي: الذكر والأنثى ويسميان: الكبش والنعجة، (ومن المعز اثنين) التيس والعنز (ومن الإبل اثنين) يعني: الجمل والناقة.
(ومن البقر اثنين) الثور والبقرة؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر:٦].
(والحرث) وهو الزرع.
(ذلك) أي: المذكور (متاع الحياة الدنيا) يعني: يتمتع به فيها ثم يفنى.
(والله عنده حسن المآب) أي: المرجع وهو الجنة، فينبغي الرغبة فيه دون غيره.
следующие страницы →