← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

تفسير سورة البقرة [٢٢٩ - ٢٤٢]

стр. 282

تفسير قوله تعالى: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) قال تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩]. قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَخَافَا) يعني: إلا أن يخاف الزوجان. (أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) يعني: ألا يأتيا بما حده لهما من الحقوق. وفي قراءة (إلا أن يُخافا) بالبناء للمفعول، أي: يخافا من قبل ولاة الأمور. فـ (أن لا يقيما) بدل الاشتمال من الضمير فيه، وقرئ شذوذاً بالفوقانية في الفعلين، أي: (إلا أن تخافا أن لا تقيما) وهذه قراءة شاذة. قوله تعالى: ((فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)) هذه الآية دليل على جواز الخلع، والخلع هو: أن تختلع المرأة من زوجها، وهذا جائز إذا كان بعذر وبسبب، أما المرأة التي تطلب من زوجها الخلع من غير ما سبب فقد ورد فيها وعيد شديد، فقد قال ﷺ : (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة). وقال النبي ﷺ : (المختلعات أو المنتزعات هن المنافقات)، فلا يجوز للمرأة أن تطلب من زوجها الطلاق بين الحين والآخر لأتفه الأسباب أو بدون سبب أو بسبب اختلاف، لكن إن كان هناك سبب وجيه وبأس وعذر فلها أن تطلب الطلاق ولا حرج عليها، أما أن تطلبه لغير ذلك فقد ثبت في ذلك هذا الوعيد الشديد. يقول تعالى: ((فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)) لا جناح على الرجل ولا على المرأة فيما افتدت به نفسها من المال ليطلقها، فلا حرج على الزوج في أخذه، فهذا معنى (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) أي: ليس على الزوج حرج في أن يأخذ هذا المال الذي تفتدي نفسها به، وليس هناك حرج -أيضاً- على الزوجة أن تبذل هذا المال لتفتدي نفسها به. (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أي: تلك الأحكام المذكورة حدود الله: (فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

стр. 283

تفسير قوله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره) قوله تعالى: (فإن طلقها) هذا مرتبط بما قبله، حيث قال تعالى: (الطلاق) يعني: التطليق (مرتان)، ثم قال: (فإن طلقها) يعني: إن طلقها الزوج بعد الثنتين (فلا تحل له من بعد) يعني: من بعد الطلقة الثالثة لا تحل له (حتى تنكح زوجاً غيره) أي: حتى تتزوج زوجاً غيره ويطأها، للحديث الذي رواه الشيخان، فلا تحل له بعد الطلقة الثالثة حتى تتزوج زوجاً غيره ويطأها؛ لأن كلمة (تنكح) كما هو معلوم لفظ مشترك بين العقد وبين الوطء، فبالتالي نص هنا في التفسير على الوطء كي لا يظن أنه يكفي مجرد العقد؛ لأن الحديث دل على ذلك، ودلت الشريعة على تحريم نكاح المحلل، فقد لعن النبي ﷺ المحلل والمحلل له، وسماه النبي ﵊ بالتيس المستعار، فمن الحيل المحرمة نكاح التحليل. فلذلك قال: (حتى تنكح) يعني: تتزوج (زوجاً غيره) ويطأها، ولابد من وطئها؛ لحديث رواه الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله ﷺ فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي -أي: طلقني الطلاق البتة ثلاثاً- فتزوجني عبد الرحمن بن الزَّبير، وما معه إلا مثل هدبة الثوبة -أي: هو عنين- فتبسم النبي ﷺ فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟! لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)، وهذا كناية عن الوطء. فيجب أن يكون النكاح الثاني مقصوداً لذاته، لا لتحليل المرأة للزوج الأول، فأي نكاح لابد أن يكون الزوج ناوياً فيه التأبيد، لابد أن ينوي التأبيد، وأي عقد زواج يكون مؤقتاً فهو نكاح متعة، وهذا قد نسخ وحرم، فعقد النكاح لمدة معينة لا يجوز عندنا أهل السنة، وإنما يجب أن يكون على التأبيد، والتأبيد أن ينوي أن يعيش معها إلى الأبد ويتزوجها إلى الأبد. فلذلك ينبغي أن يكون هذا النكاح الثاني مقصوداً لذاته لا لمجرد التحليل، فمن وطأها لابد أن ينوي، لا أن ينوي بالوطء أن يحللها لزوجها، لكن ينوي بالعقد أن يتزوجها إلى الأبد. يقول: يجب أن يكون النكاح الثاني مقصوداً لذاته لا لتحليل المرأة للزوج الأول، فإن قصد به التحليل كان الطرفان آثمين بالإجماع مع خلاف في صحة العقد؛ لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: (لعن الله المحلل والمحلل له) رواه النسائي والترمذي. قوله تعالى: (فإن طلقها) الفاعل هنا الزوج الثاني، (فإن طلقها) أي: الزوج الثاني طلقها لأي سبب، فهو نوى التأبيد لكن حصل بينهما نزاع أو أي شيء حتى طلقها لا لقصد التحليل، لكن طلقها لمشاكل عائلية. (فإن طلقها) أي: الزوج الثاني (فلا جناح عليهما) يعني: الزوجة والزوج الأول (أن يتراجعا) يعني: أن يتراجعا إلى النكاح بعد انقضاء العدة، ولابد من هذا الشرط، لابد أن يكون النكاح بعد انقضاء العدة. ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣٠] أي: تلك المذكورات حدود الله. (يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أي: يتدبرون.

стр. 284

تفسير قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن) قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة:٢٣١]. قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن انقضاء عدتهن ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. وإنما كان معنى (بلغن) قاربن لأنه لو كانت العدة قد انقضت بالفعل فلا يمكنه أن يمسكها، بل تكون قد بانت منه بينونة صغرى، لذلك فسر قوله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن) بأن معناه: قاربن انقضاء عدتهن. فقوله تعالى: (فأمسكوهن) الإمساك لابد أن يكون في جزء من العدة، وهو الذي يكون عند اقتراب نهاية العدة. قوله تعالى: (فأمسكوهن بمعروف) أي: أمسكوهن بأن تراجعوهن. وقوله تعالى: (بمعروف) أي: من غير إضرار. وقوله تعالى: (أو سرحوهن بمعروف) أي: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن. وقوله تعالى: (ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا) أي: ولا تمسكوهن بالرجعة. (ضراراً) مفعول له. (لتعتدوا) أي: تعتدوا عليهن بالإلجاء إلى الافتداء والتطليق وتطويل العدة، وذلك أن ينوي الرجل بمراجعتها تطويل العدة، فإذا قاربت العدة الانتهاء يراجعها، ويتعسف في استعمال هذا الحق الذي أعطاه الله إياه كي يطيل عليها عدتها، يعني فيراجعها من جديد ثم يطلقها لتطول عليها العدة؛ لأنها إذا طلقت منه ستكون لها الحقوق المادية من المتعة أو المهر، أو مؤخر الصداق، لكن هو يمسكها بنية أن يضايقها ويؤذيها كي تطلب هي الافتداء فتبرئه من حقوقها، فيمسكها بنية الضرار. ولا شك أن هذه الأشياء متفشية إلى الآن، حتى إن بعض الذين يزعمون أنهم متدينون نجد أن الإنسان منهم إذا غلبه الهوى والظلم والتعسف لا يلتفت إلى هذه الأمور الشرعية، وقد رأينا ذلك في أناس كثيرين. إلا أن التقي -كما قال بعض السلف- ملجم، فليس كل ما يقدر عليه يفعله، فالتقوى تلجمه وتكبح هواه وبغيه. وبعض الناس الحلال عنده هو ما قدر عليه، والحرام هو ما عجز عنه، فإن قدر على مال كان عنده حلالاً له، وإن قدر على عرض كان حلالاً له، والحرام هو الذي عجز عنه، وليس الحرام عنده ما حرم الله، وليس الحلال عنده ما أحله الله ! فإذا كنت قادراً على الظلم فتذكر أن الله أقدر عليك منك على المظلوم، حتى ولو كانت المرأة لا يوجد لها من يدافع عنها أو يحميها أو يتولى صيانة حقوقها، وبالتالي يُعدُّ هذا التصرف منه منافياً لما أوصى به النبي ﵌ في قوله: (استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم) يعني: أسيرات عندكم. وقوله ﵊: (إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة) يعني: أنتم في حرج إذا ضيعتم حق هذين الضعيفين: اليتيم والمرأة. فالشاهد أن الرجل لا يجوز له أن يمسكها ضراراً. تجد الرجل يتزوج مثلاً، ثم يطلق مرتين ويبقي الثالثة، ثم يتزوج امرأة أخرى، ويضعها على ذمته دون أن يراجعها، فتصبح معلقة لا هي ذات زوج ولا هي مطلقة، ولا شك أن هذا يتنافى مع الأخلاق الإسلامية، ومثل هذه التصرفات لا يأتي بها من يخاف الله أو يستحيي من الله، فليس كل ما تقدر عليه أو ما يوفره لك القانون أو يحرره لك المحامي يكون حقاً لك، فإذا كنت تتقي الله فينبغي أن تلتزم بشرع الله . قال تعالى: ((وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ)) أي: بالرجعة (ضِرَارًا) أي لأجل الضرار لتعتدوا عليهن بالإلجاء إلى الافتداء، فيضيق عليها حتى تفتدي نفسها بالمال، أو تتنازل عن حقوقها عنده. قال تعالى: ((وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا)). هنا عدة قراءات، فقد قرئ (هُزواً) بالهمزة مع ضم الزاي (هُزُءًا)، وبالهمزة مع سكون الزاي (هُزْءًا)، وفي قراءة بضم الزاي وإبدال الهمزة واواً، وهي رواية حفص عن عاصم أي: مهزوءاً بها. والمعنى: لا تهزءوا بآيات الله بأن تخالفوها ولا ترفعوا بها رأساً ولا تلقوا لها بالاً. ثم يقول تعالى: ((وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)) يعني: بالإسلام. ((وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ)) [البقرة:٢٣١] أي: القرآن. (والحكمة) يعني: ما في القرآن من الأحكام. وحيث ما وردت الحكمة مقترنة بالكتاب في سياق الامتنان على هذه الأمة المحمدية فالمقصود بها السنة، وهذا لا يتعارض مع تفسير السيوطي للحكمة هنا بما في القرآن من الأحكام، ولكن المعروف أن الحكمة هنا هي السنة كما سبق الاستدلال على ذلك. ((يَعِظُكُمْ بِهِ)) يعني: اذكروا هذه النعمة بأن تشكروها وتعملوا بهذه الأحكام التي أنزلها الله وامتن بها عليكم. ((وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) أي: لا يخفى عليه شيء.

стр. 285

تفسير قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجهلن فلا تعضلوهن) ثم يقول تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٢] ليس المقصود ببلوغ الأجل هنا مقاربة انقضاء عدتهن، بل المراد بـ (بلغن أجلهن) هنا انقضاء العدة بالفعل، حيث بانت من زوجها بينونة صغرى. فـ (إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن) أي: انقضت عدتهن (فلا تعضلوهن) الخطاب هنا للأولياء، والعضل: هو مضارة المرأة بأن يمنعها من زوجها. أي: أن يأتيها زوج كفء فلا يزوجها، فهذا هو العضل، وهو صورة من صور التعسف أو سوء استعمال السلطة التي أعطاها الله الأولياء. وهذه الآية من أوضح الأدلة على أن الولي هو صاحب الحق في تزويج المرأة، فالنهي عن العضل يثبت أن له سلطة، وأن الولي أبا المرأة -مثلاً- أو وليها الشرعي هو الذي يتولى تزويجها؛ لأنه لو كان الأمر إليها لما احتيج إلى النهي عن العضل، فالنهي عن العضل لأن سلطة التزويج من سلطة الولي فقط، كما قال ﵌: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل)، وقال ﵊: (لا نكاح إلا بولي)، والآيات في هذا كثيرة، منها الآية التي أشرنا إليها سابقاً في قوله ﵎: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة:٢٢١]، و (تُنكِح) فعل مضارع، وماضيه (أنكح). وأما (ولا تَنكَحوا المشركات) فهو من (نَكَح) بمعنى: تزوج، أي: فلا تتزوجوا المشركات، أما حينما نزوج نحن بناتنا فيقول ﵎: (ولا تُنكحوا) يعني: لا تُزوجوا بناتكم المشركين، فلم يقل: لا يَنكَحن هن المشركين حتى يؤمنوا؛ لأنه لا سلطة للمرأة في التزويج، فالسلطة هي للرجل، ولذلك قال: (ولا تُنكِحوا المشركين) يعني: لا تزوجوهن بناتكم حتى يؤمنوا. وهذا أيضاً دليل على اشتراط الولي في النكاح. وقوله ﵎: ((فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن))، والخطاب هنا للأولياء، أي: لا تمنعوهن من أن ينكحن أزواجهن، وليس المراد: أي أزاوج! وإنما أزواجهن المطلقون لهن، وهو الزوج الذي طلقها فيما مضى حتى انقضت عدتها منه وبانت منه بينونة صغرى. يقول السيوطي: (فلا تعضلوهن) خطاب للأولياء، أي: لا تمنعوهن من أن ينكحن أزواجهن المطلقين لهن؛ لأن سبب نزولها أن أخت معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه طلقها زوجها ولم يراجعها حتى انقضت عدتها، وأخته هذه كان يتقدم إليها كثير من أشراف الناس ووجهائهم، فكان يتأبى عليهم، وفضله هو بتزويجها. فلما تزوجها طلقها ولم يراجعها حتى انقضت عدتها، فأراد أن يراجعها فمنعه معقل بن يسار وأبى وأخذته الحمية وقال: أكرمتك وزوجتك إياها فطلقتها ثم لم تراجعها حتى انقضت العدة، وبعد ذلك تطلب أن تراجعها! فأصر ألا يعيدها إليه، وهي ترغب أن تعود إلى زوجها، فلما نزلت هذه الآية قال معقل: سمعاً لربي وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك تعظيماً لأمر الله . وهكذا الإيمان ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١]. ولا شك أن قوله تعالى: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) إنما هو إذا تراضوا بينهم بالمعروف؛ لأن المرأة إذا امتنعت عن العودة إلى زوجها الذي بانت منه بينونة صغرى فلا تلزم بالقبول إذا خطبها بعد ذلك. وقد رغب الله في إرجاع المرأة إلى زوجها الأول إذا خطبها بعد انقضاء عدتها؛ لما كان بينهما من العلاقة القائمة والمعاشرة الطويلة، فلا يؤمن أن يقع نوع من العلاقة والمواصلة المحرمة بينهما؛ لما كان بينهما سابقاً من الارتباط والعلاقة، فإذا سد الباب الحلال عليهما قد ينفتح باب الريبة في العلاقة بينهما لقوة العلاقة بينهما فيما مضى، ولذلك كان هذا الحكم سداً لهذا الباب من أبواب الفتنة. قوله تعالى: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) أي: المطلقين لهن. (إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) (إذا تراضوا) الواو تعود على الأزواج والنساء. (بينهم بالمعروف) أي: المعروف شرعاً؛ لأن المعروف هو ما عرفه الشرع، والمنكر هو ما أنكره ونهى عنه. (ذلك) أي: ذلك النهي عن العضل (يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)؛ لأن الذي يؤمن بالله واليوم الآخر ويخشى الله ويتقيه هو الذي ينتفع بهذه الموعظة. (ذلكم) يعني: ترك العضل (أزكى لكم وأطهر) (أزكى) أي: خير لكم وأطهر لكم ولهن، أي: للأزواج والزوجات، فهو أطهر لما يخشى على الزوجين من الريبة بسبب العلاقة السابقة بينهما. (والله يعلم) أي: ما فيه من مصلحة. (وأنتم لا تعلمون) أي: ذلك، فاتبعوا أمره.

стр. 286

تفسير قوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن) قال ﵎: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٣]. (يرضعن) الكلام فيها مثل (يتربصن)، فظاهرها الخبر ولكن المقصود الأمر، يعني: ليرضعن. (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) (حولين): يعني عامين (كاملين) هذه صفة مؤكدة. (لمن أراد) يعني: ذلك الحكم لمن أراد (أن يتم الرضاعة)، ولا زيادة عليها، فلا تزيد الرضاعة على سنتين هجريتين. وقوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهم بالمعروف) (وعلى المولود له) أي: الأب (رزقهن) يعني: إطعام الوالدات، فينفق عليها، فـ (رزقهن) أي: الإطعام، (وكسوتهن) يعني: النفقة والكسوة عن الإرضاع إذا كن مطلقات. (بالمعروف) أي: بقدر طاقته. ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٣٣] أي: إلا طاقتها. (لا تضار والدة بولدها) الباء هنا سببية، يعني: لا يجوز أن تضار امرأة بسبب ولدها، كأن تكره -مثلاً- على إرضاعه إذا امتنعت، أو تمنع من إرضاعه إذا رغبت، وهذا -أيضاً- من الأخلاق السيئة الموجودة الآن في كثير من الرجال والنساء، تجد البعد عن شرع الله وضعف اليقين في القلوب، نجد الذي يستطيع أن يفعل فعلاً لا يتورع أبداً، والشيطان يربي هذه الأخلاق السيئة، وقل من تجده يفارق زوجته بالتي هي أحسن؛ لأن ضعيف التقوى إذا قدر فإنه لا يرحم ولا يتورع عن أي نوع من الأذى، تجد المرأة وأسرتها يحاربون على أن يحجبوا الابن عن أبيه، وتجد الرجل -أيضاً- يحاول أن ينكر بقدر استطاعته مصادر دخله، بحيث إذا رفعت القضية إلى القاضي لا يستطيع القاضي أن يفرض عليه مبلغاً كبيراً من المال بسبب قلة دخله. لماذا لا تتراضوا بينكم بالمعروف؟! ولماذا لا تُحكِّموا شرع الله بصدق، فتعطى المرأة حقها ويعطى الزوج حقه؟! وقوله تعالى: (لا تضار والدة بولدها) يعني: بسبب ولدها بأن تكره -مثلاً- على إرضاعه إذا امتنعت. (ولا مولود له بولده) أي: ولا يضار -أيضاً- الأب بولده أي: بسبب ولده- بأن يكلف فوق طاقته. وإضافة الولد إلى كل منهما في الموضعين للاستعطاف، فأضاف الله الولد إلى الأم فقال تعالى: (لا تضار والدة بولدها)، وهذه الإضافة المقصود بها الاستعطاف يعني: لتتذكر أن هذا هو ولدها فكيف تجعله سبباً لشقائها وسبباً في تعذيبها؟! كذلك قوله تعالى: (ولا مولود له بولده) ليعلم الطرف الآخر من النساء أن هذا ولده، فهذا نوع من الاستعطاف، فهو ولده فكيف تجعلونه سبباً في شقائه بمضارته؟! وهذا يفيد أن الولد لأبيه؛ لقوله تعالى (ولا مولود له بولده)، أما الأم فقال: (والدة)، وقال: (والوالدات)، وحين ذكر الأب قال: (مولود له)، فالولد مختص بأبيه، فهو له، وهو من كسبه. ولذلك قال ﵊: (أنت ومالك لأبيك) فاختص الأب بهذا. قال تعالى: (وعلى الوارث مثل ذلك) الذي يرث الأب إذا مات هو الصبي ابنه، فقوله تعالى: (وعلى الوارث مثل ذلك) يعني: يجب على الوارث -الذي هو الصبي- أن ينفق على الأم التي ترضعه، فيعطيها الكسوة والطعام في أثناء فترة الرضاع مثلما يجب على المولود له المتوفى أيضاً، والذي يرضع -وهو الوارث- لا يتمكن من أن يعطي الأم نفقتها حال رضاعه، فإذاً لابد أن يكون المقصود ولي هذا الصبي؛ لأنه هو الذي يكون متمكناً من المال ويرعاه ويقوم بحاجاته منه. فالمقصود بقوله هنا: (وعلى الوارث) أي: وارث الأب وهو الصبي، أي: على وليه في ماله. و (على) هنا تطلق بمعنى الوجوب، فيجب على الولي أن ينفق من مال الصبي على أمه في الرضاع. (مثل ذلك) يعني: مثل الذي على الأب للوالدة من النفقة والكسوة. قال تعالى: (فإن أرادا) أي: الوالدان (فصالاً) أي: فطاماً له قبل الحولين، (فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور). فانظر كيف الإسلام يراعي مستقبل الأطفال حتى في حال فراق الوالدين، فتصور أن الأب والأم في حالة طلاق، لكن أوجب الله عليهما أن يتشاورا ويتحاورا فيما هو الأصلح لهذا الولد، ما هي مصلحته في الناحية البدنية وغيرها. (فإن أرادا فصالاً عن تراض) من غير أجبار وإكراه (وتشاور) يوجد أخذ ورد وشورى لأجل مصلحة هذا الصبي. (فإن أرادا) أي: الوالدان (فصالاً) أي: فطاماً له قبل الحولين (عن تراض) أي: اتفاق منهما (وتشاور) يعني: بينهما لتظهر مصلحة الصبي فيه. (فلا جناح عليهما) يعني: لا جناح عليهما في ذلك إن رأيا أن المدة إذا قلت يكون في ذلك مصلحة الولد، فلا جناح عليهما ولا يتحرجا من قوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين)، ما دام في هذا مصلحة لهذا الصبي. قوله تعالى: (وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم) (إن أردتم) هذا خطاب للآباء فقط (أن تسترضعوا أولادكم) يعني: تطلبون لهم مراضع غير الوالدات، فإذا كنت تريد أن ترضع ولدك غير هذه الأم المطلقة (فلا جناح عليكم إذا سلمتم) يعني: لا جناح عليكم في هذا الاسترضاع، وهو طلب المرضع غير الأم. (فلا جناح عليكم) أي: فيه (إذا سلمتم) أي: إليهن (ما آتيتم بالمعروف)، أي: إلى المرضعة غير الأم. أي: إذا سلمتم إلى هذه المرضعة التي تسترضعونها ما آتيتم -أي: أردتم إيتاءه- لهن من الأجرة (بالمعروف) أي: بالذي تطيب به النفس. (واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير) يعني: لا يخفى عليه شيء مما تعملون.

стр. 287

تفسير قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهم أربعة أشهر وعشراً) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]. قوله تعالى: (والذين يتوفون) يعني: يموتون، والفعل مبني لما لم يسم فاعله (يُتَوفون)، وليس (يَتوفون) بالبناء للفاعل، ولذلك يحكى أن الخليل بن أحمد مشى في جنازة، فسأله سائل فقال: من المُتوفي؟ قال: الله. فغضب، ومن هنا بدأ في تدوين علوم النحو وضبط علوم اللغة، فنذر نفسه لحفظ اللسان العربي وقواعد اللغة العربية وفهم اللغة العربية؛ لأن الرجل قال له: من المتوفي؟ فرد عليه وقال: الله هو الذي يتوفى. فالله يتوفى الأنفس، أما الميت فيسمى "متوفى"، فهذا هو الصحيح، أن تقول: (متوفى) أو: (توفي فلانٌ)، أو تقول: (توفاه الله)، ولا تقول: (تَوَفَّى). يقول: (والذين يتوفون منكم) يعني: يموتون. (ويذرون) يتركون (أزواجاً يتربصن بأنفسهن) (يتربصن) أيضاً هنا ظاهره الخبر والمقصود به الإنشاء وهو الأمر، يعني: ليتربصن بأنفسهن يعني بعدهن عن النكاح، فيحبسن أنفسهن عن الزواج لمدة أربعة أشهر وعشر ليال، فهذه الآية موضوعها مدة إحداد المرأة على زوجها المتوفى. والمدة أربعة أشهر وعشر ليال، لا وعشرة أيام؛ لأنه لو كانت وعشرة أيام لقال: (أربعة أشهر وعشرة). وهذا في غير الحوامل، فالمرأة إما أن تكون حاملاً أو حائلاً، فالمرأة الحامل عدتها أن تضع حملها، ودليله آية الطلاق، وهي قوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، فلو أنها بعد وفاة الزوج -مثلاً- بيومين أو ثلاثة وضعت حملها فقد انقضت عدتها، فيمكن أن تكون العدة أياماً قليلة، ويمكن أن تقارب تسعة أشهر، فأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن. أما المرأة الحائل فعدتها أربعة أشهر وعشراً، والأمة على النصف من ذلك بالسُنَّة. (فإذا بلغن أجلهن) أي: انقضت عدة تربصهن فانقضت الأربعة الأشهر والعشر الليالي. (فلا جناح عليكم) يعني: أيها الأولياء (فيما فعلن في أنفسهن) أي: فيما فعلن في أنفسهن من التزين والتعرض للخطاب، وقد وردت السنة ببيان جواز هذا كما في حديث سبيعة الأسلمية وقول أبي السنابل بن بعكك لها. (بالمعروف) أي: شرعاً. (والله بما تعملون خبير) أي: عالم بباطنه كظاهره.

стр. 288

تفسير قوله تعالى: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء) قوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة:٢٣٥] هذا أيضاً من أحكام إحداد المتوفى عنها زوجها، وهو أنه لا يجوز لأحد أن يصرح بطلب زواجها، لكن يعرض. فقوله: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم) المقصود: ما لوحتم به من خطبة النساء، والمراد النساء المتوفى عنهن أزواجهن وهن في العدة، أما إذا انقضت العدة فيجوز التصريح، لكن المقصود هنا في أثناء العدة. (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به) أي: لوحتم. (من خطبة النساء) أي: المتوفى عنهن أزواجهن في العدة، كقول الإنسان مثلاً: إنك لجميلة، ومن يجد مثلك؟ وربَّ راغب فيك، هذا كله تعريض. (أو أكننتم في أنفسكم) فأنتم إما أن تُعرِّضوا، وإما أن تضمروا في أنفسكم قصد نكاحهن، (أو أكننتم) يعني: أضمرتم. (في أنفسكم) أي: من قصد نكاحهن. (علم الله أنكم ستذكرونهن) يعني: بالخطبة فلا تصبرون عنهن، فأباح لكم التعريض، فنفس لكم ووسع لكم في هذا الأمر؛ لأن الله علم أنكم قد لا تمسكون أنفسكم عن الاقتراب من هذا الأمر فأباح لكم التعريض. (ولكن لا تواعدوهن سراً) يعني: نكاحاً. (إلا أن تقولوا قولاً معروفاً) (إلا) هنا بمعنى (لكن)، فهو استثناء منقطع، أي: لكن يباح لكم أن تقولوا قولاً معروفاً والمعروف هو ما عرف شرعاً، والذي عرف شرعاً هنا هو إباحة التعريض. (إلا أن تقولوا) يعني: لكن أن تقولوا قولاً معروفاً. أي: ما عرف شرعاً من التعريض فلكم ذلك. (ولا تعزموا عقدة النكاح) يعني: لا تعزموا على عقد النكاح. (حتى يبلغ الكتاب) يعني المكتوب من العدة (أجله) أن ينتهي. (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) يعني: ما في أنفسكم من العزم وغيره فاحذروه أن يعاقبكم إذا عزمتم، فلا تعزم عقدة النكاح، فإذا عزمت فهذا مخالف لهذا التشريع. (واعلموا أن الله غفور) أي: لمن يحذره (حليم) بتأخير العقوبة عن مستحقها.

стр. 289

تفسير قوله تعالى: (ولا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن) قال تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٦]، وفي قراءة (ما لم تُماسُّوهن) بضم التاء، أي: تجامعوهن. ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة:٢٣٦] يعني: أو لم تفرضوا لهن فريضة. والفريضة هي المهر؛ لأن أحد أسماء المهر: الفريضة، فهو الأجر أو المهر أو الفريضة. والمقصود: لا تبعة عليكم في الطلاق -عدم المسيس والفرض- بإثم ولا مهر. فقوله تعالى هنا: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، الكلام هنا في النساء اللاتي عقد عليهن، كمن تزوج امرأة فعقد عليها ولم يبن بها (ما لم تمسوهن) يعني: لم تطئوهن. وأيضاً إذا لم يفرض لها مهراً، ومعروف أن العقد لا يكون إلا بمهر، ولا يجوز بحال من الأحوال التعاقد على إسقاط المهر، فلا يجوز أبداً إسقاط المهر قبل العقد، لكن يمكن للمرأة بعد العقد أن تتنازل عن المهر، لكن لا يجوز أبداً أن يتزوج الإنسان ويسقط المهر الذي فرض شرعاً لإظهار خطر المحل، لكن لا يشترط، فيصح العقد إذا لم يسم المهر ولم يحدد مهر معين. ويصح العقد بتقديم جزء من المهر وتأخير الجزء الآخر، لكن لا يجوز أبداً العقد على أن يسقط المهر، بل لابد من مهر وإن لم يعين، ولم تحدد قيمته. والدليل هذه الآية: ((لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً)) يعني: لم تحددوا الفريضة التي هي المهر. فهذه حالة امرأة معقود عليها لم يسم مهرها. فقوله تعالى: (ما لم تمسوهن) أي: تجامعوهن (أو تفرضوا) يعني: أو لم تفرضوا لهن فريضة. أي: مهراً. و (ما) مصدرية ظرفية، أي: لا تبعة عليكم -في الطلاق زمن عدم المسيس وعدم الفرض- بإثم ولا مهر. (ومتعوهن) يعني: أعطوهن ما يتمتعن به. (على الموسع قدره) أي: على الغني الموسر منكم قدره (وعلى المقتر قدره) أي: الضيق الرزق عليه قدره فلا ينظر إلى قدر الزوجة ولكن ينظر إلى استطاعة الزوج؛ لأنه لم ينسب القدر إلى المرأة. (متاعاً بالمعرف) (متاعاً) المقصود به: (تمتيعاً)؛ لأن الفعل (متعوهن) مصدره (تمتيعاً) (بالمعروف) أي: شرعاً. و (بالمعروف) متعلق بـ (متاعاً) أو متعلق بصفة (متاعاً) المقدرة. (حقاً) صفة ثانية أو مصدر مؤكد. (على المحسنين) أي: المطيعين.

стр. 290

تفسير قوله تعالى: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) قال تعالى مبيناً حالة أخرى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة:٢٣٧] هذه حالة أخرى، وهي حالة معقود عليها لم يمسها زوجها -أي: لم يطأها- لكنه فرض لها فريضة المهر، فحدد قدره بالضبط، والفريضة من الفرض، وهو القطع، أي: محددة. (فإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) أي: قبل أن تطئوهن. (وقد فرضتم لهن فريضة) أي: المهر (فنصف ما فرضتم) يعني يجب لهن، ويرجع لكم النصف، وهذا في المعقود عليها التي لم يدخل بها ومهرها محدد معلوم، فأنتم لكم النصف وهي تعطى النصف أو يجب لهن النصف، فنصف ما فرضتم يجب لهن، ويرجع لكم النصف. (إلا أن يعفون) (إلا) بمعنى لكن (أن يعفون) أي: الزوجات فيتركنه، فإذا عفت عنك وسامحتك في هذا النصف؛ فلا حرج في ذلك. (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) وهو الزوج، إما أن تعفو الزوجة وإما أن يعفو الزوج فيترك لها الكل. وعن ابن عباس قال: (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) يعني: الولي، فإذا كانت محجورة فلا حرج في ذلك، يعني أنه إذا كانت المرأة محجوراً عليها ولا تملك التصرف فلا حرج أن يعفوا الذي بيده عقدة النكاح الذي هو وليها، فله أيضاً أن يفعل ذلك. (وأن تعفوا أقرب للتقوى) (أن تعفو) مبتدأ، فهو مصدر مؤول في محل رفع مبتدأ، و (أقرب) خبره. (ولا تنسوا الفضل بينكم) أي: أن يتفضل بعضكم على بعض. (إن الله بما تعملون بصير) يعني سيجازيكم به.

стр. 291

تفسير قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) قال ﵎: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]. (حافظوا على الصلوات) أي: الصلوات الخمس بأدائها في أوقاتها. (والصلاة الوسطى) وهي العصر أو الصبح أو الظهر أو غير ذلك، وأقواها الأول، فأقوى الأقوال أن الصلاة الوسطى هي العصر، وأفردها بالذكر لفضلها (حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى) فبعد أن عمم خصص. (وقوموا لله قانتين) (قوموا لله) يعني: في الصلاة، وهذه الآية دليل على فرضية القيام في صلاة الفريضة (وقوموا لله قانتين) قيل: مطيعين؛ لقوله ﷺ : (كل قنوت في القرآن فهو طاعة) أخرجه الطبراني في الأوسط. وقيل: (قانتين) أي: ساكتين؛ لحديث زيد بن أرقم: (كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: (وقوموا لله قانتين)، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام) رواه الشيخان. (فإن خفتم) يعني: خفتم من عدو أو من سبع (فرجالاً) الرجال: جمع راجل. أي: صلوا مشاة (فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً)، وهذا اللفظ مثل قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] أي: يأتون مشاة وراكبين على الجمال الهزيلة التي هزلت من طول السفر، فكذلك هنا (رجالاً) جمع راجل، أي: مشاة، والمقصود: صلوا رجالاً. يعني: وأنتم واقفون على أرجلكم. (أو ركباناً) جمع راكب، أي: صلوا وأنتم راكبين مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها، ويومأ بالركوع والسجود، (فإن خفتم فرجالاً) يعني: فصلوا رجالاً أو ركباناً. (فإذا أمنتم) يعني: من الخوف الذي ذكرنا أمثلة منه، كخوف من عدو أو من سبع أو السيل. (فإذا أمنتم فاذكروا الله) يعني: صلوا. فـ (اذكروا الله) هنا بمعنى: صلوا. (كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) يعني: كما علمكم ما لم تعلموه قبل تعليمه من فرائضها وحقوقها، والكاف بمعنى مثل، و (ما) مصدرية أو موصولة.

стр. 292

تفسير قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠]. قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية) يعني: فليوصوا وصية. أي: يوصي الزوج لزوجته بعد موته أن يكون لها هذا القدر من المتاع. و (وصية) منصوب بفعل محذوف تقديره (فليوصوا وصية)، وفي قراءة: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجاً وصيةٌ) أي: عليهم وصية. قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية) يعني: فليوصوا وصية. (لأزواجهم متاعاً) يعني: وليعطوهن متاعاً، يعني ما يتمتعن به من النفقة والكسوة. (متاعاً إلى الحول) يعني: إلى تمام الحول الواجب عليهن تربصه؛ لأن هذا هو الحكم الماضي في فترة الإحداد، فقد كانت سنة كاملة كما سيأتي في هذه الآية. (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً) يعني: يوصون وصية لأزواجهم متاعاً، فـ (وصية لأزواجهم) أولاً، وثانياً: (متاعاً) يعني: يعطوهن متاعاً، وهو ما يتمتعن به من النفقة والكسوة. (إلى الحول) يعني: إلى تمام الحول من بعد موتهم الواجب عليهن تربصه. (غير إخراج) هذه حال، يعني: غير مخرجات من مسكنهن. وهذه قمة البلاغة في الحقيقة، والإنسان إذا تأمل هذا يظهر له أنه لا يمكن أن يكون كلام البشر، والحمد لله. (غير إخراج) يعني: غير مخرجات من مساكنهن، بل تقر في البيت. (فإن خرجن فلا جناح عليكم) يعني: إن خرجن بأنفسهن (فلا جناح عليكم) يعني: يا أولياء الميت (فيما فعلن في أنفسهن من معروف) يعني: شرعاً. كالتزين وترك الإحداد وقطع النفقة عنها. (والله عزيز حكيم) يعني: عزيز في ملكه، حكيم في صنعه. والوصية المذكورة في هذه الآية منسوخة بآية الميراث، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٢]، فهذه الآية تنسخ آية الوصية هنا، فهذه الوصية نسختها آية الميراث. إذاً: الوصية الواجبة هنا في هذه الآية منسوخة بآية الميراث. وكذلك تربص الحول المذكور في قوله ﵎: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠]، فتربص سنة كاملة إذا مات زوجها من أول الموت إلى حول سنة هجرية كاملة بعد موته منسوخ بآية البقرة السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، فنلاحظ في ترتيب الآيات أن الناسخ مقدم على المنسوخ، وأما من حيث الوقوع في الواقع فهذا الحكم كان أولاً ثم أتى الحكم الآخر في الآية الناسخة، وهي: (يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً)، فهذه الآية السابقة هي المتأخرة في النزول، والسكنى ثابتة عند الشافعي رحمه الله تعالى، فيثبت لها حق السكنى.

стр. 293

تفسير قوله تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف) قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٤١] (متاعاً) يعني: يعطين متاعاً (بالمعروف) أي: بقدر الإمكان. (حقاً على المتقين) يعني: يُعطَيْنهُ حقاً على المتقين أي: المتقين الله تعالى، كرره ليعم المنسوخة أيضاً؛ إذ الآية السابقة في شأن المطلقة التي لم تمس، فالمتاع في قوله ﵎: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦] هو في شأن المرأة التي طلقت ولم تمس، فهذه الآية تشمل جميع النساء، سواءٌ المبتوتة أو التي لم تبت؛ ولذلك قال: (حقاً) أي: متاعاً بالمعروف حقاً على المتقين. كرره ليعم هذه المرة كل المطلقات، وليس اللائي لم يبتتن فحسب. (كذلك) أي: كما يبين لكم ما ذكر (يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون) أي: تتدبرون.

стр. 294

خلاصة أحكام المطلقات هنا فائدة من روائع البيان للصابوني نختم بها الكلام فيما يتعلق بحكم المطلقة قبل الدخول، فأحكام المطلقات ذكرتها الآيات وذكرت أنواعهن، وهن كالآتي: الأولى: مطلقة مدخول بها مسمىً لها المهر، ذكر الله حكمها أن عدتها ثلاثة قروء، ولا يسترد منها شيء من المهر، فقال تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)، فهذا هو الدليل على أن المدخول بها المسمى لها المهر عدتها إذا طلقت ثلاثة قروء، ولها المهر لا يسترد منها شيء من المهر، والدليل: ((وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا)). الثانية: مطلقة غير مدخول بها ولا مسمى لها المهر، فهذه ذكر الله حكمها أنه ليس لها مهر وليس عليها عدة، وإنما لها المتعة بالمعروف؛ لقوله تعالى: ((لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ))، وليس عليها عدة لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩]، ولها المتعة لقوله تعالى: (ومتعوهن). الثالثة: مطلقة غير مدخول بها، أي: معقود عليها، لكن فرض لها المهر، فهذه لا عدة عليها، ولها نصف المهر، والدليل قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧]. الرابعة: مطلقة مدخول بها وغير مفروض لها المهر، ذكرها الله في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:٢٤]، فهذه المطلقة المدخول بها يجب لها مهر المثل، وإذا كانت موطوءة بشبهة فيفرض لها مهر المثل، فالموطوءة بنكاح صحيح أولى أن يثبت لها مهر المثل. وهل المتعة واجبة لكل مطلقة؟ دل قوله تعالى: ((وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ)) على وجوب المتعة للمطلقة قبل المسيس وقبل الفرض، وقد اختلف الفقهاء: هل المتعة واجبة لكل مطلقة؟ ذهب الحسن البصري إلى أنها واجبة لكل مطلقة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١]. وقال مالك: إنها مستحبة للجميع وليست واجبة؛ لقوله تعالى: ((حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)) وقوله: ((حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ))، ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين. وذهب الجمهور -الحنفية والشافعية والحنابلة- إلى أنها واجبة للمطلقة التي لم يفرض لها مهر؛ لأن هذه هي التي قال الله في شأنها: (ومتعوهن)، وأما التي فرض لها مهر فتكون المتعة لها مستحبة، وهذا مروي عن ابن عمر وابن عباس وعلي ﵃، ولعله يكون الأرجح وفيه الجمع بين الأدلة، والله أعلم. والحكم الأخير: ما معنى المتعة؟ وما هو قدرها؟ المتعة: ما يدفعه الزوج من مال أو كسوة لمطلقته إيناساً وإكراماً ودفعاً لوحشة الطلاق الذي وقع عليها، وتقديرها مفوض إلى الاجتهاد. قال مالك: ليس للمتعة عندنا حد معروف في قليلها ولا كثيرها. وقال الشافعي: المستحب على الموسع خادم، وعلى المتوسط ثلاثون درهماً، وعلى المقتر مقنعة. وقال أبو حنيفة: أقلها درع وخمار وملحفة، ولا تزاد على نصف المهر. وقال أحمد: فيها درع وخمار بقدر ما تجوز فيه الصلاة، ونُقل عنه أنه قال: هي بقدر يسار الزوج وإعساره لقوله تعالى: (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره)، وهي مقدره باجتهاد الحاكم، ولعل هذا الرأي الأخير أرجح، والله تعالى أعلم.

стр. 295

تفسير سورة البقرة [٢٤٣ - ٢٥٢]

стр. 296

تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) قال الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:٢٤٣]. (ألم تر) بمعنى: ألم تعلم، والرؤية إما تكون رؤية بصرية، وإما أن تكون بمعنى الرؤيا العلمية، كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] يعني: ألم تعلم، وكذلك هنا (ألم تر) يعني: ألم تعلم. (ألم ترى إلى الذين خرجوا) يعني: ممن تقدمكم من الأمم، خرجوا من ديارهم التي ألفوها لما وقع فيها مالا طاقة لهم به من الموت، وقع بهم كرب وبلاء، إما أنه الطاعون كما جاء في بعض الروايات، وإما أنهم دعوا إلى الخروج من ديارهم التي اعتادوا عليها وألفوها إلى الجهاد في سبيل الله ﵎، والأظهر أنهم دعوا إلى الخروج إلى الجهاد. ولفظة (ألم تر) قد تذكر لمن تقدم علمه بالفعل، وقد تذكر لمن لم يتقدم له علم بالفعل. فيمكن أن يكون المعنى ألم تعلم. ويمكن أن تقال لشخص علم بالفعل وقُصد من هذه الصياغة التعجب أو التعجيب، والتقرير والتذكير، كما تقول -مثلاً-: ألا ترى إلى ما يصنع فلان؟! ويكون قد علم ما يصنع فلان، لكن المقصود منه التعجب من فعله ومن حاله. فقوله هنا: (ألم تر) تقال لمن تقدم علمه، فتكون للتعجيب والتقرير، كإخبار من يعرف التاريخ، وقد تذكر لمن لا يكون كذلك فتكون لتعريفه وتعجيبه. وفعل (رأى) متعدٍّ أصلاً، ولا يحتاج إلى حرف الجر (إلى)، لكن لما ضمن الفعل معنى (تنظر) عدي بـ (إلى)، يعني: ألم تنظر إلى، وفائدة استعارته أن النظر قد يتعدى عن الرؤية فإذا أريد الحث على نظر ناتج لا محالة للرؤية استعيرت له. (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف) ألوف في العدد جمع ألفٍ، أو ألوف جمع آلف، كشاهد جمعها شهود، كذلك (وهم ألوف)، وهذا قول آخر، بمعنى أنهم خرجوا وهم مؤتلفون، لم يدفعهم إلى الخروج من ديارهم أنهم كانوا متقاتلين فيما بينهم أو متناحرين أو متخاصمين، إنما كانوا مؤتلفين. فقوله تعالى: (وهم ألوف) إما أن يكون في العدد جمع ألف، أو: وهم ألوف مؤتلفون ومجتمعون جمع آلف بالمد كشاهد وشهود. أي: إن خروجهم لم يكن عن افتراق كان منهم وخصام، ولكن حذر الموت، و (حذر) مفعول له، أي: فراراً من الموت.

стр. 297

قدرة الله تعالى على الإماتة والإحياء قوله تعالى: (فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) كان يمكن أن يقول الله ﵎: فأماتهم الله بدل قوله: (فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم)، وإنما جيء به على هذا التركيب للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد لأمر الله ومشيئته، وتلك مشيئة خارجة عن العادة، كأنهم أمروا بشيء فامتثلوه امتثالاً من غير إباء ولا توقف، فلذلك قال: (فقال) ولم يقل: (فأماتهم) إنما قال: (فقال لهم الله موتوا) يعني: ماتوا في الحال في وقت واحد أجمعين. كأنهم أمروا بالموت فامتثلوه في الحال دون توقف ودون إباء أو اعتراض، فلذلك أتى بهذه الصيغة كي يبين قدرته ﵎ ومشيئته التي لا راد لها، قال لهم الله: موتوا. فماتوا في الحال! وهذا كقوله ﵎: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. (ثم أحياهم) هذا عطف بـ (ثم) إما على مقدر يستدعيه المقام، والمعنى: ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله: موتوا فماتوا ثم أحياهم، فتكون (أحياهم) معطوفة على (فماتوا). وحذف قوله: (فماتوا) للدلالة على الاستغناء عن ذكره، فإنه لا أن يتخلف مراد الله ﵎ عن إرادته، فالله أراد منهم أن يموتوا، فلا يتخلف أبداً مراد الله ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فلما قال لهم: موتوا كان لابد أن يموتوا كما أراد الله، وقد ماتوا بالفعل، ولشدة اليقين بوقوع هذا المراد من الله لم يذكر (فماتوا)؛ لأن هذا واقع ولابد، لاستحالة عدم وقوعه، فاستغني عن ذكره باستحالة عدم وقوع مراد الله. أو تكون (ثم أحياهم) معطوفة على (قال) (فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) والتقدير: (قال ثم أحياهم)، فهي معطوفة على (قال) فهذه فعل ماض وهذه فعلٌ ماض.

стр. 298

فضل الله تعالى على الناس قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ قاطبة بما في ذلك أولئك الذين قال لهم الله: موتوا ثم أحياهم، فتفضل الله عليهم بذلك ليعتبروا بما جرى عليهم من قدرة الله في إماتتهم ثم إحيائهم، فيعتبروا بهذه العبرة فيفوزوا بالسعادة. وأما الناس الذين سمعوا قصتهم فقد هداهم إلى مسلك الاعتبار والاستبصار، فقد تفضل على الجميع ليشكروه. (إن الله لذو فضل على الناس) هؤلاء الذين أماتهم ثم أحياهم وكل من يسمع قصتهم أيضاً الله ذو فضل عليهم لما هداهم إليه من الاعتبار والاستبصار بقصتهم. فتفضل الله على الجميع ليشكروه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٢٤٣] يعني: لا يشكرون فضله كما ينبغي.

стр. 299

الحث على الجهاد روي عن ابن عباس أن الآية نزلت في الذين خرجوا من ديارهم فراراً من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم الله ثم أحياهم، فأمرهم أن يجاهدوا عدوهم، فكأنها ذكرت ممهدة للأمر بالقتال بعدها في قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله). ومعلوم أن سورة البقرة نزلت في المدينة إثر الهجرة قبل فتح مكة، وكان العدو في مكة وما حولها في كثرة وقوة ومنعة، فأُمِر المسلمون المهاجرون ومن آواهم أن يقاتلوا في سبيل الله، وقص لهم من الأنباء ما فيه باعث لهم على الجهاد، وتبشير لهم بالفوز والعاقبة وإن كانوا في قلة وضعف، حتى لو كانوا في قلة وضعف فلا يمنعنهم ذلك من الخروج في سبيل الله، ما داموا مستمسكين بحبل الوثاق والصبر والمصابرة، وما قص الله من حوادث الإسرائيليين كان معروفاً في الجملة؛ لمخالطة اليهود للعرب في قرون كثيرة.

стр. 300

الحكمة من ذكر القصص في القرآن قال الدهلوي ولي الله في الفوز الكبير: واختار سبحانه في تنزيله من أيام الله -يعني الوقائع التي أحدثها الله كإنعام المطيعين وتعذيب العصاة ما قرع سمعهم، وهذا من مقاصد القرآن، تذكر القصص كي تكون عبرة للجميع. وذكر لهم إجمالاً قصص قوم نوح وعاد وثمود، وكانت العرب تتلقى هذه القصص أباً عن جد، ومثل قصص سيدنا إبراهيم وأنبياء بني إسرائيل، فإنها كانت مألوفة عند العرب، مألوفة لأسماعهم؛ لأنهم كانوا يخالطون اليهود العرب في قرون كثيرة. وانتزع من القصص المشهورة ما ينفع في تذكرهم، ولم يسرد القصص بتمامها مع جميع خصوصياتها، والحكمة في ذلك أن القرآن الكريم لو سرد تفاصيل القصص وتفاصيل كل الأحداث التي تتعلق بهذه القصص فإن العوام إذا سمعوا القصص النادرة غاية الندرة، أو سمعوا الخصوصيات يميلون إلى القصص نفسها ويفوتهم التذكر والاعتبار الذي هو الغرض الأصلي هنا. فإذا ذكرت القصة كلها من أولها إلى آخرها بجميع ما يتعلق بها من أحداث ووقائع، فالناس ينجرون إلى متابعة تسلسل الأحداث، وينبهرون به، وينجذبون إليه، ويفوتهم الاعتبار، فلذلك القرآن الكريم ما ذكر كل تفاصيل قصصهم، وإنما ذكر ما ينفعهم لأجل الاعتبار. وهذا يظهر لنا إذا قارنا بين كثير من قصص القرآن الكريم وبين نفس القصص إذا ذكرت في التوراة مثلاً، فنجد القصص في التوراة موجودة بتفاصيل عجيبة جداً، وتفاصيل كثيرة جداً، بما في ذلك الأسماء، ومواقع البلاد، وأنواع الضيوف، والطيور وغير ذلك من تفاصيل وخصوصيات القصة، أما القرآن الكريم فحذراً وتجنباً لما يحصل من العوام، لأنهم إذا سمعوا القصص بجميع خصوصياتها وتفصيلاتها يميلون إلى هذه الخصوصيات وتسلسلها، وينسون وينشغلون عن موضع العبرة، مع أن العبرة والاعتبار والتذكر هو الغرض الأصلي من سردها، فيذكر الله من القصة في القرآن. ونظير هذا الكلام في موضوع القصص ما قاله بعض العارفين: إن الناس لما حفظوا قواعد التجويد شغلوا عن الخشوع في التلاوة! ولذلك ينبغي أن ينتبه الإنسان إذا درس علم التجويد ألا يلبس عليه الشيطان بأن يصرف كل همه إلى مراعاة قواعد التجويد ومخارج الحروف دون الاعتبار بالمعاني.

стр. 301

تفسير قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم) قال ﵎: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٤٤] من المخاطبون هنا في قوله: (وقاتلوا)؟ إما أن يكون المخاطبون هم الذين أماتهم الله ثم أحياهم، فبعدما أحياهم أمرهم قائلاً: (وقاتلوا في سبيل الله)، وإما أن يكون الخطاب لأمة محمد ﵌، فيكون المقصود تحذيرهم، أي: لا تهربوا من الموت كما هرب هؤلاء، فلا ينفعكم الهرب، ولكن قاتلوا في سبيل الله إذا استنفرتم إلى الجهاد. قال المفسرون: في إتباع القصة المتقدمة الأمر بالقتال دليل على أنها سيقت بعثاً على الجهاد، فحرض على الجهاد بعد الإعلام بأن الفرار من الموت لا يغني، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٦٨]. وقوله: (سبيل الله) السبيل أصلاً هو الطريق، سميت المجاهدة سبيلاً إلى الله تعالى من حيث إن الإنسان يسلكها ويتوصل إلى الله بها ليتمكن من إظهار عبادته تعالى ونشر الدعوة إلى توحيده وحماية أهلها والمدافعة عن الحق وأهله. فالجهاد سبيل الله لأنه يحمي الحق وينشره في ربوع الأرض، والقتال في سبيل الله شرع لإزالة الضرر العام، والضرر العام هو منع الحق وتأييد الشرك، فالجهاد هو لإزالة هذا المانع. وفي قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٤٤] باعث على صدق النية والإخلاص، (سميع عليم) سميع لأقوالكم عليم بأحوالكم وضمائركم. فهذا حث على أن يكون الجهاد في سبيل الله لا رياء ولا سمعة ولا لطلب الغنيمة، كما في الصحيحين عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال ﷺ : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).

стр. 302

تفسير قوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٤٥]. هذا حث من الله تعالى لعباده على الصدقة، وهذه الآية مكررة في الكتاب الكريم في أكثر من موضع، يقول القرطبي: (من ذا الذي يقرض الله) طلب القرض في هذه الآية هو تقريب للناس بما يفهمون، هذا هو الأسلوب الذي يفهم به الناس، وهذا نوع من البساطة في التعبير حتى يفهموا عن الله آياته، والله هو الغني الحميد، لكنه تعالى شبه إعطاء المؤمنين وإنفاقهم في الدنيا بالقرض، كما شبه إعطاء النفوس والأموال في طلب الجنة بالبيع والشراء كما يأتي في سورة براءة، وكنى الله عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيباً في الصدقة، كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة كما في الحديث المعروف. وأشير هنا إلى أن قوله : (من ذا الذي يقرض الله) لا نفهم منه كما فهم اليهود -لعنهم الله- حينما قالوا: (إن الله فقير ونحن أغنياء) يسخرون من القرآن الكريم، فقالوا: الله يستقرضنا ويسألنا القرض، فالله فقير ونحن أغنياء. وقد علم ما رد الله عليهم في مقالتهم الشنيعة هذه. ففي حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم! مرضت فلم تعدني! قال: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟!)، إذاً معنى قله: (مرضت فلم تعدن)، أنك لو أتيته لنلت ثواب عيادة المريض. (يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب! وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟! يا ابن آدم! استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب! كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك -سألك سقيا الماء- عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي؟!). فمن نفس هذا الباب جاء قوله تعالى: ((مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا))، فهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كني عنه ترغيباً لمن خوطب به. وعن ابن مسعود ﵁ قال: (لما نزلت هذه الآية قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله! وإن الله يريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح. قال: أرني يدك يا رسول الله! فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وكان له حائط فيه ستمائة نخلة، وفيه أم الدحداح وعيالها، فجاء أبو الدحداح فناداها يا أم الدحداح! قالت: لبيك. قال: اخرجي؛ فقد أقرضته ربي . فكان النبي ﷺ يقول: (رب عرق لـ أبي الدحداح مدلل في الجنة)، وفي رواية: (كم من عذق رداح في الجنة لـ أبي الدحداح). قوله تعالى: ((مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)) يعني: طيبة به نفسه بغير من ولا أذى، (فيضاعفه له أضعافاً كثيرة)، وهذا كقوله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١]. ولما رغب رهب، فرغب أولاً في إقراضه بهذه الآية، ثم أتبعه جملة مرهبة مرغبة فقال: ((وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ)) أي: يضيق على من يشاء من عباده في الرزق ويوسعه على من يشاء. وما دام الذي يبسط ويقبض والذي يوسع ويضيق الرزق هو الله إذاً فلا تبخلوا بما وسع عليكم؛ لئلا يبدل الله السعة التي أودعها فيكم بالتضييق. ((وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) يعني: يوم القيامة فيجازيكم. قال المهايمي: وكيف ينكر بسط الله وقبضه وهو الذي يعطي الفقير الملك ويسلبه من أهله الملوك الذين هم سلالة الملوك وأبناء الملوك؟! فالله يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، فالملك الذي هو سبط الملوك ومن سلالتهم يمنعه الله الملك ويؤتيه للفقير! وهو أيضاً يقوي الضعفاء في الجمع القليل ويضعف الأقوياء في الجمع الكثير، فلا ينكر هذا، وهذا تمهيد بين يدي هذه القصة التي حكاها الله عن الملأ من بني إسرائيل، حيث آتى طالوت الملك مع أنه لم يكن من سبط الملوك ولم يكن من سلالة الملوك، وأيضاً نصر جنوده الذي كان فيهم داود ﵇ على قوم جالوت رغم قلة عَدَدِهم وعُدَدِهم بالنسبة إليهم.

стр. 303

تفسير السيوطي لقوله تعالى: (أم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف) يقول السيوطي رحمه الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [البقرة:٢٤٣] استفهام تعجيب وتشويق إلى استماع ما بعده، يعني: ألم ينته علمك إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف أربعة يعني إما أربعة آلاف، أو ثمانية، أو عشرة آلاف، أو ثلاثون، أو أربعون أو سبعون ألفاً، كلها أقوال. (حذر الموت) هذا مفعول له، وهم قوم من بني إسرائيل وقع الطاعون ببلادهم ففروا، وهذا الذي قاله السيوطي مرجوح، والأرجح أنه دعاهم ملكهم إلى الجهاد فهربوا من وجه عدوهم حذر الموت، وهذا القول أقرب، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة:٢٤٣] فخافوا القتال مع كثرة عددهم، فالفرار من الطاعون لا يستدعي الإشارة إلى أنهم ألوف، بل الذي يستدعي الإشارة إلى أنهم كانوا ألوفاً هو دعوتهم إلى القتال. (فقال الله لهم موتوا ثم أحياهم) ماتوا ثم أحياهم بعد ثمانية أيام أو أكثر بدعاء نبيهم حزقيل، فعاشوا دهراً عليهم أثر الموت. وقوله: (عليهم أثر الموت) هذه المبالغة لا دليل عليها؛ لأنه يقول: عاشوا دهراً بعدما أحيوا عليهم أثر الموت لا يلبسون ثوباً إلا عاد كالكفن! واستمرت في أسباطهم، وهذا القول -كما ترى- حكاه السيوطي بغير دليل، فلا ينبغي التعويل عليه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:٢٤٣] ومن هذا الفضل إحياء هؤلاء، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ [البقرة:٢٤٣] وهم الكفار ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٢٤٣]. والقصد من ذكر خبر هؤلاء تشجيع المؤمنين على القتال، ولذا عطف عليه ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٤] أي: لإعلاء دينه ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ [البقرة:٢٤٤] لأقوالكم ﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٤٤] بأحوالكم فيجازيكم. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ [البقرة:٢٤٥] يعني: بإنفاق ماله في سبيل الله ﴿قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة:٢٤٥] يعني: بأن ينفقه لله عن طيب قلب -كما ذكرنا- بغير من ولا أذى، ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة:٢٤٥]، وفي قراءة أخرى: (فيُضعِّفه له). ﴿أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥] من عشرة إلى أكثر من سبعمائة. ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ﴾ [البقرة:٢٤٥] أي: يمسك الرزق عمن يشاء ابتلاء ﴿وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة:٢٤٥] تقرأ بالصاد أو السين، أي: يعطيه لمن يشاء سبحانه. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٤٥] يعني: في الآخرة بالبعث فيجازيكم بأعمالكم.

стр. 304

تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل) قال ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٤٦]. (ألم تر إلى الملأ) الملأ هم القوم ذوو الشارة والتجمع. (من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم) نكر اسم هذا النبي، فلم يقل: لنبيهم أو النبي وإنما قال: (لنبي لهم)؛ لعدم وجود مقتض لتعريفه، ولن نستفيد شيئاً إذا عرفنا اسمه، والذي يفيدنا هو العبرة، وزعم الكتابيون أنه (سموائيل). (ابعث لنا ملكاً) أي: أقم لنا أميراً. (نقاتل) أي: معه وعن أمره، فيقودنا ويأمرنا بالجهاد وينظمنا في الجهاد. (في سبيل الله) وذلك حين ظهرت العمالقة قوم جالوت على كثير من أرضهم. (قال هل عسيتم) يعني: قال لهم نبيهم لما قالوا له ذلك: (هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا)، والمعنى: أنا أتوقع أنكم أناس غير جادين في هذا الطلب، فأتوقع منكم أنكم لا تقاتلون، فهذا مجرد كلام منكم. فأراد أن يقول: (هل عسيتم أن لا تقاتلوا) بمعنى: أنا أتوقع جبنكم عن القتال، فأدخل (هل) مستفهماً عما هو متوقع عنده ومضمون، وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن؛ لأنه صائب في توقعه، كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١] يعني: (قد أتى) فهو تقرير، وفي (عسيتم) قراءة أخرى بكسر السين سبعية. (قالوا وما لنا أن لا نقاتل) يعني: أي سبب لنا في ترك قتال عدونا أن لا نقاتل في سبيل الله؟ (وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا) أي: والحال أنه قد عرض ما يوجب القتال إيجاباً قوياً مِنْ أخذ بلادنا وسبي أولادنا. (فلما كتب عليهم القتال) يعني: بعد إلحاحهم (تولوا) أي: أعرضوا عن قتال عدوهم جبناً، (إلا قليلاً منهم) من المؤمنين. (والله عليم بالظالمين) وعيد لهم على ظلمهم بالتولي عن القتال وترك الجهاد عصياناً لأمره تعالى. وثمرة هذه الآية الكريمة أنها دلت على جملة من الأحكام: الأول: وجوب الجهاد؛ لأن الله تعالى إنما ذكر هذه القصة المشهورة في بني إسرائيل وما نالهم تحذيراً من سلوك طريقهم، ولأن شرائع من قبلنا تلزمنا. الثاني: أن الأمير يحتاج إليه في أمر الجهاد لتدبير أمورهم، لذلك قالوا لنبيهم: (ابعث لنا ملكاً) أي: أميراً يأمرنا، وقد كان ﷺ إذا بعث سرية أمر عليها أميراً، وأيضاً جاء عنه ﷺ أنه قال: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم)، وفي رواية: (إذا كان ثلاثة في سفر). الثالث: مما تدل عليه الآية: وجوب طاعة الأمير في أمر السياسة وتدبير الحرب؛ لأن سياق الآية يقتضي ذلك، وفي الحديث عنه ﷺ قال: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)، وقد ذكر أهل علم المعاملة أنه ينبغي في الأسفار أن يجعل أهل السفر لهم أميراً ودليلاً وإماماً، وهذا محمود؛ إذ بذلك ينقطع الجدال، وينتظم أمرهم، ويلزم مثل هذا في كل أمر يحتاج فيه إلى ترداد في الآراء نحو أمور الأوقاف والمساجد والإمامة لكل مسجد ونحو هذا. قال الحاكم: وفيه دلالة على أن للأنبياء تشديد العهود والمواثيق فيما يلزمهم، ووجه ذلك أنه قال: ((هَلْ عَسَيْتُمْ))، وهذا نوع من التأكيد عليهم، وكذا يأتي في الإمام قياس ما ذكر الحاكم في النبي، وكذلك أن الإمام أو الخليفة ينبغي له أن يجدد عهده مع جنده على السمع والطاعة، ويؤكد مواثيقهم معه.

стр. 305

تفسير قوله تعالى: (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً) قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة:٢٤٧]، هذا شروع في تفصيل ما جرى بينه ﵇ وبينهم من الأقوال والأفعال، إثر الإشارة الإجمالية إلى مصير حالهم، يعني: قال لهم بعدما أوحي إليه ما أوحي: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا)) يعني: ملَّكه عليكم، فانتهوا في تدبير الحرب إلى أمره، وكان طالوت من سبط لم يكن الملك فيهم، وطالوت اسم أعجمي كـ جالوت وداود؛ لذلك لم ينصرف، وإن كان بعض العلماء زعم أنه اسمٌ عربي مأخوذ من الطول، لما وصف به من البسطة في الجسم؛ لكن هذا البناء ليس من أبنية العرب، فمنع صرفهُ؛ للعلمية وشبه العجمة، وقد زعم الكتابيون أنه المعروف عندهم: بـ شاءول. ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧] ثلاث جرائم، جريمة إثر جريمة -لعنهم الله- فهذا اعتراض على نبيهم؛ بل على الله تعالى بعدما أوحى الله إليه ما أوحى؛ لأن نبيهم لا يتكلم لهم من قبل نفسه، وإنما بالوحي، وهذه هي عادة القوم في سوء الأدب مع الأنبياء ومع الله ، قالوا: ((أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا)) يعني: كيف يكون له الملك علينا ((وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ))؟! يعني: لأن فينا من هو من سلالة الملوك الذين توارثوا الملك، وهذا ليس من أبناء الملوك، قال الحرالي: فثنوا اعتراضهم، يعني: هم أولاً اعترضوا فقالوا: ((أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا))، ثم ثنوا بجريمة ثانية فقالوا: ((وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ))، فافتخروا بما ادعوه من استحقاق الملك على من ملكه الله عليهم، فكان فيهم حظ من فخر إبليس حيث قال حين أُمر بالسجود لآدم: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف:١٢]، وهؤلاء أيضاً قالوا: ((وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ))، قال الحرالي: وثلثوا جرائمهم بقولهم: ((وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ))، فهذا كما عبر عنه بعض العلماء: استصنام للمال، جعلوا المال صنماً يعبد: ((وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ))، فصار لهذا الملك مانعان من استحقاق الملك في نظرهم: الأول: أنه ليس من سبط الملوك. الثاني: أنه مملق، أي: فقير ليس عنده مال، والملك لا بد له من مال يعتضد به. قال الحرالي: فكان في هذه الثالثة -يعني قولهم: ((وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ)) -: استصنام المال -أي: اتخاذ المال صنماً يعبد- وأنه مما يقام به الملك، وإنما الملك بإيتاء الله، وليس بالمال، فكان في هذه الفتنة الثالثة جهل وشرك، فتزايدت صنوف فتنتهم فيما انبعثوا إلى طلبه من أنفسهم. ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧] لما استبعدوا تملكه بسقوط نسبه وفقره رد عليهم أن ملاك الأمر هو اصطفاء الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨]، فهذا هو الجواب الأول على باطلهم وهو: أن ملاك الأمر إنما هو اصطفاء الله تعالى وقد اختاره عليكم، وهو أعلم بالمصالح منكم. ثانياً: أن العمدة في الملك وفور العلم، ليتمكن به من معرفة أمور السياسة، وبسطة البدن؛ ليعظم خطره في القلوب، ويقدر على مقاومة الأعداء، ومكابدة الحروب، وقد خصه الله تعالى منهما بحظ وافر، فالله الذي آتاه الملك، زاده بسطة في العلم والجسم، فصار في غاية الوفرة من القوة العلمية، والقوة العملية، التي هي أساس القائد والأمير. ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٤٧] يعني: من غير إرث ولا مال، إذ لا يشترط على الله تعالى شيء، فهو الفعال لما يريد، فلا رادَّ لحكمه، ولا معقب لقضائه، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]؛ وليس لأحد أن يشترط على الله شروطاً، فيقول: يشترط في الملك أن يكون من سلالة كذا أو من سبط الملوك أو يشترط أن يكون ذا مال، وإنما الله هو الذي يصطفي، وهو الذي يؤتي الملك، فهو الذي اصطفاه عليكم، وهو الذي زاده بسطة في مؤهلات الملك، فزاده بسطة في العلم والجسم (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فهو الفعال لما يريد، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٤٧] أي: يوسع على الفقير ويغنيه، وهو يعلم من يليق به الملك ممن لا يليق به، وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة، يعني: لم يقل تعالى: (والله يؤتي ملكه من يشاء وهو واسع عليم) وإنما قال: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٤٧]، فكرر لفظ الجلالة لتربية المهابة في قلوبهم من الله . وثمرة هذه الآية: أن النبوة والإمامة لا تستحق بالإرث، وأن الحِرف الدنيئة لا تمنع الغنى والسيادة؛ لأنه روي أن طالوت كان دباغاً أو سقاءً مع فقره. وتدل هذه الآيات على أنه يشترط في الأمير ونحوه القوة على ما تولى، فيكون سليماً من الآفات، عالماً بما يحتاج إليه؛ لأن الله تعالى ذكر البسطة في العلم والجسم؛ رداً على ما اعتبروه، فدائماً يشير القرآن إلى مؤهلات الإمامة، وهي: القوة العلمية والعملية كما في قوله ﵎ حاكياً عن يوسف على السلام: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]، وكذلك في قوله ﵎: ﴿أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص:٤٥]، وكذلك في قول بنت الرجل الصالح: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ)) يعني: الجماعة ((مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى)) أي: من بعد موت موسى، يعني: ألم ينته علمك إلى قصتهم وخبرهم؟ ((إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ)) هو شمويل، وأحياناً يقولون: صاموئيل ((ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا)) أي: أقم لنا ملكاً ((نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) أي: نقاتل معه في سبيل الله، يعني: تنتظم به كلمتنا، ونرجع إليه. ((قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ)) قال النبي لهم: (هل عسيتم) بالفتح والكسر، ((إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا)) والاستفهام لتقرير التوقع بها يعني: أنا أتوقع منكم جبنكم هذا ما قاله لهم نبيهم ((قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا)) يعني: بسبيهم وقتلهم، وقد فعل بهم ذلك قوم جالوت، أي: لا مانع منه مع وجود مقتضيه، يعني: لا يوجد مانع، وفي نفس الوقت المقتضي موجود، فيجب أن يوجد الفعل وهو القتال، قال تعالى: ((فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ)) لما فرض عليهم القتال ((تَوَلَّوْا)) عنه وجبنوا ((إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)) وهم الذين عبروا النهر مع طالوت كما سيأتي إن شاء الله ((وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)) فمجازيهم. وسأل النبي -أي: المذكور في الآية السابقة- ربه إرسال ملك، فأجابه إلى إرسال طالوت: ((وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى)) يعني: كيف ((يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ))؛ لأنه ليس من سبط المملكة ولا النبوة، وكان دباغاً أو راعياً ((وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ)) يعني: يستعين بها على إقامة الملك ((قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ)) قال النبي لهم: (إن الله اصطفاه عليكم) أي: اختاره للملك ((وَزَادَهُ بَسْطَةً)) أي: سعة، بالسين والصاد ((فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ)) وكان أعلم بني إسرائيل يومئذ، وأجملهم وأتمهم خلقاً ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ إيتاءه، لا اعتراض عليه، ((وَاللَّهُ وَاسِعٌ)) أي: فضله ((عَلِيمٌ)) بمن هو أهل له.

стр. 306

تفسير قوله تعالى: (وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت) قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٤٨] يعني: لما طلبوا منه آية على ملكه، قال: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة:٢٤٨] يعني: الصندوق، يقول السيوطي: كان فيه صور الأنبياء أنزله الله على آدم إلخ هذه من المآخذ الشديدة على السيوطي في تفسير الجلالين، وهي التساهل في سرد مثل هذه الإسرائيليات بلا سند وبلا دليل، كما سبق أن أشرنا إلى قوله رحمه الله تعالى في قوله ﵎: ((فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ)) حيث قال: فعاشوا دهراً عليهم أثر الموت لا يلبسون ثوباً إلا عاد كالكفن! ما الدليل على هذا؟ أيضاً قال السيوطي هنا: إن التابوت -وهو الصندوق- كان فيه صور الأنبياء أنزله الله على آدم واستمر إليهم فغلبتهم العمالقة عليه، وأخذوه، وكانوا يستفتحون به على عدوهم، ويقدمونه في القتال ويسكنون إليه! وقد رد القاضي كنعان على قول السيوطي: كان فيه صور الأنبياء، فقال: لقد تساهل السيوطي ﵀ في هذا من غير دليل، ثم إن قوله هذا مخالف لإخباره تعالى عما في التابوت؛ لأن الله ما قال: فيه صور الأنبياء، وإنما قال: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:٢٤٨]، وأيضاً ففي تصوير الأنبياء بعد وغرابة، بالإضافة إلى أن حكم التصوير في الشرائع السابقة غير معلوم لدينا، فلنقف عند حدود ما أخبر الله تعالى به، ولنترك المبالغة؛ فإنها غير محمودة. وهذه الملاحظات أنتم مسئولون عنها في التفسير؛ حتى لا تعتمد كلام السيوطي فيها، فتذكر الكلام الأصح. ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:٢٤٨] يقول: (فيه سكينة) أي: طمأنينة لقلوبكم ﴿مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة:٢٤٨] أي: تركاهما، وهي نعلا موسى، وعصاه، وعمامة هارون، وقفيز من المنّ الذي كان ينزل عليهم، ورضاض من الألواح يعني: فتات من الألواح ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢٤٨] هذا حال من فاعل يأتيكم: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٤٨] يعني: على ملكه ﴿إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٤٨]، فحملته الملائكة بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت؛ فأقروا بملكه وتسارعوا إلى الجهاد، فاختار من شبابهم سبعين ألفاً. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ)) أي: إن علامة أن ملكه من الله تعالى ((أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ)) أن يرد الله إليكم التابوت الذي أخذ منكم، وهو صندوق التوراة: ((فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ)) فيه وقار وجلال وهيبة، أو فيه سكون نفوس بني إسرائيل، يتقوون به على الحرب، (وبقية) أي: جملة مما ذهب جلها ((مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ)) يعني: من آثارهم الفاضلة. ((تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ)) أي: في رد التابوت إليكم، ((لَآيَةً لَكُمْ)) لعلامة لكم على أنه ملكه الله ((إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)) أي: بآيات الله وأنبيائه. قال البقاعي ﵀: التابوت -والله أعلم- الصندوق الذي وضع فيه اللوحان اللذان كتب فيهما العشر الآيات، ويسمى تابوت الشهادة، وكانوا إذا حاربوا حمله جماعة منهم، ويتقدمون به أمام الجيش، فيكون ذلك سبب انتصارهم، وكان العمالقة أصحاب جالوت قد أخذوه منهم في جملة ما أخذوا من نفائسهم، وقد ذكرهم بمآثره ترغيباً فيه وحملاً لهم على قبول قيادة طالوت لهم، قال: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 307

تفسير قوله تعالى: (فلما فصل طالوت بالجنود) ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩] أي: فلما التقى الجيشان قال لهم طالوت: ((إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي)) وهذا فيه إشعار بأنه محذور تناوله ولو مع الطعام؛ فمنعهم من تناوله كشراب، ومنعهم أيضاً من تناوله ولو مع الطعام. ثم قال تعالى: ((إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)) من اغترف غرفة واحدة فلا يخرج عن كونه مني؛ لأنه في معنى من لم يشربه، وبلا شك فإن هذا امتحان وابتلاء شديد؛ ليميز الله الخبيث من الطيب الذي ينقاد لشرع الله، وبلا شك أن الذي يغترف غرفة ففتنته أشد مع شدة الحر، فعند أن يتناول غرفة واحدة من الماء، يكون شوقه إلى المزيد أكثر. وفي قراءة: (إلا من اغترف غَرْفةً بيده) يعني: أي غرفة سواء كانت قليلة أو كثيرة، أما على قراءة: (غُرفة بيده) فهي إعلام بملئها. ((فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)) يعني: شربوا منه إلى حد الارتواء، ولم يكتفوا بغرفة واحدة، وإنما شربوا وتمادوا في الشرب إلى حد الارتواء، قال تعالى: ((إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)) لم يشربوا إلا بما أذن الله تعالى. ((فَلَمَّا جَاوَزَهُ)) الهاء تعود على النَّهر أو النهَر ((فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ))، المشار إليه طالوت ((وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)) الذين شربوا غرفة واحدة أو لم يشربوا، ((قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ)) فقد سلبت شجاعتهم، يظنون هنا بمعنى: يوقنون. ((قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ)) أي: أنهم يرجعون إليه بعد الموت، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩]، يقول السيوطي رحمه الله تعالى: ((فَلَمَّا فَصَلَ)) أي: خرج طالوت بالجنود من بيت المقدس، وكان الحر شديداً، وطلبوا منه الماء (قال إن الله مبتليكم) أي: مختبركم (بنهر) يعني: ليظهر المطيع منكم والعاصي، وهذا النهر هو: النهر الذي بين الأردن وفلسطين: ((فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ)) من مائه؛ لأن النهر المقصود به ماء النهر؛ لأن النهر هو الأخدود نفسه. ((فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ)) أي: من مائه ((فَلَيْسَ مِنِّي)) أي: من أتباعي ((وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ)) يعني: يتركه ((فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)) بالضم أو بالفتح غُرفة أو غَرفة بيده، فاكتفى بها ولم يزد عليها فإنه مني ((فَشَرِبُوا مِنْهُ)) يعني: لما وافوه شربوا بكثرة ((إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)) فاقتصروا على الغرفة التي اغترفها كل واحد منهم كما تقدم، روي أنها كفتهم لشربهم ودوابهم، وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وهذه الحكاية ضعيفة جداً. ((فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)) الذين اقتصروا على الغرفة، ((قَالُوا))، أي: الذين شربوا ((لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ)) يعني: لا قوة ((لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ)) أي: بقتالهم، وجبنوا ولم يجاوزوه. (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ) يوقنون ((أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ)) أي: بالبعث، وهم الذين جاوزوه، (كم) بمعنى: كثير ((كَمْ مِنْ فِئَةٍ)) أي: جماعة ((قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ)) أي: بإرادته، ((وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)) أي: بالعون والنصح.

стр. 308

تفسير قوله تعالى: (ولما بروزا لجالوت وجنوده) ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٥٠] أي: ظهروا لقتالهم وتصافوا يعني: وقفوا صفوفاً ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:٢٥٠] أفرغ أي: أصبب ﴿عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [البقرة:٢٥٠] بتقوية قلوبنا على الجهاد، ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٠ - ٢٥١] أي: كسروهم بإذن الله وبإرادته: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ﴾ داود كان في عسكر طالوت، وهذا خير دليل على أن داود بعد موسى ﵇؛ لأن في صدر القصة ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى)) قال الله: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة:٢٥١] الهاء تعود إلى داود ﵇ ((وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ)) آتاه الله الملك في بني إسرائيل، (والحكمة) أي: النبوة بعد موت شمويل وطالوت، ولم يجتمعا لأحد قبله أي: الملك والنبوة لم يجتمعا معاً لأحد قبل داود ﵇. ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٥١] كصنعة الدروع. ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥١] هذا بدل بعض من الناس ﴿لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١] بغلبة المشركين، وقتل المسلمين، وتخريب المساجد ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٢٥١] وسنة التدافع من سنن الله ، يدفع الناس بعضهم ببعض؛ كي لا تفسد الأرض.

стр. 309

تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين) قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة:٢٥٢] أي: هذه الآيات (آيات الله نتلوها) أي: نقصها، (عليك) يا محمد ﷺ ﴿بِالْحَقِّ﴾ [البقرة:٢٥٢] أي: بالصدق ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة:٢٥٢] التأكيد بإن وغيرها ردٌّ لقول الكفار له ﷺ : (لست مرسلاً) فالله يحامي عنه ويقول: ((وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ))، يشهد له بصدق رسالته ﵌.

стр. 310

تفسير القاسمي لقوله تعالى: (ولما برزوا لجالوت وجنوده) يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((وَلَمَّا بَرَزُوا)) أي: ظهروا ((لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا)) أي: صبه علينا، حتى نثبت لقتالهم فلا نجزع للجراحات، وإنما طلبوه أولاً؛ لأنه ملاك الأمر: ((وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا)) أي: في ميدان الحرب، فلا نهرب منه ((وَانْصُرْنَا)) أي: لأننا مؤمنون بك، ((عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)) أي: بك، وهم: جالوت وجنوده، وهذه الآية تدل على أن من حَزَبَهُ أمرٌ فإنه ينبغي له سؤال المعونة والتوفيق من الله والانقطاع إليه ﵎. ونلاحظ في سياق هذه الآيات وصف طالوت وجنوده بأنهم معسكر الإيمان، ووصف جالوت وجنوده بأنهم معسكر الكفر؛ ولذلك قال هنا: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٥٠]، وجالوت وجنوده هم العمالقة الفلسطينيون الذين كانوا كافرين في ذلك الوقت، فانظر كيف يجعل القرآن مقياس الولاء والبراء هو الإيمان أو الكفر، ليست الجنسية أو الوطنية أو القومية، فتجد هنا أن القرآن يربينا على الولاء للمؤمنين أياً كانوا، وعلى شريعة أي نبي، ما داموا تابعين له على الإسلام، فهؤلاء الذين كانوا مؤمنين بموسى ﵇ كانوا مسلمين موحدين، أما جالوت وجنوده مع أنهم كانوا فلسطينيين فقد كانوا كافرين، ولا شك أن الفلسطينيين مسلمون اليوم، أما اليهود فهم أخبث أعداء الله ، وأكفر خلق الله، فينبغي أن يدور الإنسان مع القرآن حيث دار، فالولاء والبراء على أساس الإيمان والكفر، لا على أساس الانتماء للوطن. قال تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٥١] (فهزموهم) أي: هؤلاء القليلون هزموا أولئك الكثيرين (بإذن الله) أي: بنصره، إذ شجع القليلين وجبن الكثيرين (وقتل داود) وكان داود في جيش طالوت (جالوت) الذي كان رأس الأقوياء، (وآتاه الله الملك) أي: أعطى الله داود ملك بني إسرائيل (والحكمة) أي: الفهم والنبوة (وعلمه مما يشاء) من صناعة الدروع وغيرها. ((وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ)) الذين هم أهل الشر (ببعض) من أهل الخير، أي: بغلبة الكفار، وظهور الشرك والمعاصي كما قال تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج:٤٠] ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٢٥١] أي: مَنَّ عليهم بالدفع، فالله سبحانه يدفع عن الضعفاء فساد الأقوياء بالسيف. ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة:٢٥٢] أي: تلك المذكورات من إماتة الألوف وإحيائهم وتمليك طالوت وإتيان التابوت، وانهزام جالوت، وقتل داود إياه وتملكه؛ آيات الله؛ إذ هي أخباره بالمغيبات، وتدل على كمال قدرته سبحانه وحكمته. ((نَتْلُوهَا عَلَيْكَ)) أي: ينزل عليك جبريل بها ((بِالْحَقِّ)) أي: اليقين الذي لا يرتاب فيه ((وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)) بما دلّت عليه هذه الآيات من علمك بها من غير مُعلِّم من البشر، ثم بإعجازها الباقي على مدى الدهر. وفي هذه القصص معتبر لهذه الأمة في احتمال الشدائد في الجهاد كما احتملها المؤمنون في الأمم المتقدمة، كما أن فيها تسلية للرسول ﷺ من الكفار والمنافقين، كأنه يقال له: لقد عرفت بهذه الآيات ما جرى على الأنبياء ﵈ في بني إسرائيل من الخلاف عليهم والرد لقولهم، فلا يعظمنَّ عليك كفر من كفر بك، وخلاف من خالفك؛ لأنك مثلهم، وإنما بعث الكل لتأدية الرسالة، ولامتثال الأمر على سبيل الاختيار والطوع لا على سبيل الإكراه، فلا عتب عليك في خلافهم وكفرهم، والوبال في ذلك يرجع عليهم. ((وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)) هي كالتنبيه على ذلك، فستجري عليك السنة التي جرت على إخوانك السابقين من المرسلين.

стр. 311

قصة طالوت وجالوت في التوراة يقول القاسمي رحمه الله تعالى: هذه القصة مسوقة في الإصحاح السابع عشر من سفر صاموئيل الأول، ولا حرج في تلاوة هذه الإسرائيليات التي تكون موافقة لما عندنا، جاء في هذا السفر في التوراة: وجمع الفلسطينيون جيوشهم للحرب، فاجتمعوا في (سوكاه) التي ليهوذا ونزلوا بين (سوكيا) و (هريقاء) في (آكفيدميل)، واجتمع شاءول ورجال إسرائيل ونزلوا في وادي البطن، واصطفوا للقاء الفلسطينيين، وكان الفلسطينيون وقوفاً على جبل من هنا، وإسرائيل وقوفاً على جبل من هناك، والوادي بينهم، فخرج مبارز من جيوش الفلسطينيين اسمه جليات من (جتا)، طوله ستة أذرع وشبر -يعني: ثلاثة أمتار تقريباً؛ لذلك كانوا يسمون العماليق- وعلى رأسه خوذة من نحاس، وكان لابساً درعاً وزنه خمسة آلاف شاقل، وجرموق نحاس، ورمحه ستمائة شاقل حديد، وحامل الترس كان يمشي قدامه، فوقف ونادى صفوف إسرائيل وقال لهم: لماذا تخرجون لتصطفوا للحرب، أما أنا الفلسطيني وأنتم عبيد لـ شاءول؟ اختاروا لأنفسكم رجلاً ولينزل إليّ، فإن قدر أن يحاربني ويقتلني نصير لكم عبيداً، وإن قدرت أنا عليه وقتلته تصيرون أنتم لنا عبيداً وتخدموننا، وقال الفلسطينيّ: أنا عيرت صفوف إسرائيل هذا اليوم، أعطوني رجلاً سنتحارب معاً -تلاحظون الفرق الشاسع بين أسلوب القرآن وبلاغته وبين هذا الكلام! وأنا أظن أن النسبة إلى فلسطين ليست فلسطيني، بل فلسطي- ولما سمع شاءول وجميع إسرائيل كلام الفلسطيني هذا ارتاعوا وخافوا جداً، وداود هو ابن ذلك الرجل الأفراتي من بيت لحم يهوذا الذي اسمه يفتى، وله ثمانية بنين، وقد شاق وكبر بين الناس، وذهب بنو يفتى الثلاثة الكبار، وتبعوا شاءول إلى الحرب، وأسماء بنيه الثلاثة الذين ذهبوا إلى الحرب: إليائاب -وهو البكر- وأبينا دابو وشمتو، وداود هو الصغير، والثلاثة الكبار ذهبوا وراء شاءول، وأما داود فكان يذهب ويرجع من شاءول ليرعى غنم أبيه في بيت لحم، وكان الفلسطيني يتقدم ويقف صباحاً ومساءً أربعين يوماً، وكان شاءول هو وجميع رجال إسرائيل في وادي البطن يحاربون الفلسطينيين، فبكَّر داود صباحاً وترك الغنم مع حارس، وحمل وذهب كما أمره يفتى إلى الجيش خارج إلى الحرب، واصطف الإسرائيليون والفلسطينيون صفاً مقابل صف، فقال رجل من إسرائيل: أرأيتم هذا الرجل الصاعد، ليعير إسرائيل، فيكون الرجل الذي يقتله يغنيه الملك، ويعطيه بنته، ويجعل بيت أبيه حراً في إسرائيل، فكلم داود الرجال الواقفين معه قائلاً: ماذا يفعل للرجل الذي يقتل ذلك الفلسطيني ويزيل العار عن إسرائيل؟ ومن هو هذا الفلسطيني الأغلف حتى يعير صفوف الله الحي؟ فكلمه الشعب مثل هذا الكلام قائلين: كذا يفعل بالرجل الذي يقتل، يعني: يثاب بكذا وكذا. وسمع أخوه الأكبر إليائاب كلامه مع الرجال فحمي غضبه على داود وقال: لماذا نزلت؟ فقال داود: ماذا عملت الآن؟ أما هو كلام؟ -يعني: أنا ما شاركت في الحرب، وما خالفت كلام أبي، لكن أنا الآن أتكلم-، فتحول من عنده نحو آخر وتكلم بمثل هذا الكلام، فرد له الشعب جواباً كالجواب الأول، وسمع الكلام الذي تكلم به داود وأخبروا به أمام شاءول فاستحضره، فقال داود: عبدك يذهب ويحارب هذا الفلسطيني، فقال شاءول لداود: لا تستطيع أن تذهب إلى هذا الفلسطيني فهو رجل حرب منذ صباه، فقال داود لـ شاءول: كان عبدك يرعى لأبيه غنماً فجاء أسد مع دب -يعني: أراد أن يقيم له الدليل على أنه شجاع وأنه يستطيع القتال- وأخذ شاة من القطيع فذهبت وراءه، ولما قام عليّ أمسكته من ذقنه وضربته فقتلته، قتل عبدك الأسد والدب جميعاً، وهذا الفلسطيني الأغلف يكون لواحد منهما ليرى صفوف الله الحي، وقال داود: الرب الذي أنقذني من يد الأسد ومن يد الدب هو ينقذني من يد هذا الفلسطيني، فقال شاءول لداود: اذهب وليكن الرب معك. وألبس شاءول داود ثيابه، وجعل خوذة من نحاس على رأسه، وألبسه درعاً، فتقلد داود ذلك ولم يكن من قبل قد جرب، فقال داود لـ شاءول: لا أقدر أن أمشي بهذه لأني لم أجربها، ونزعها داود عنه -أي: خلع الدرع، لأنه لا يستطيع أن يمشي بها- وأخذ عصاه، وانتقى له خمسة حجارة ملساء من الوادي، وجعلها في كنف الرعاء الذي له -أي: في الجراب-، ومقلاعه بيده، ليتقدم نحو الفلسطيني، ولما نظر الفلسطيني ورأى داود استحقره؛ لأنه كان غلاماً أشقر جميل المنظر، فقال الفلسطيني لداود: ألعلي أنا كلب حتى تأتي إليّ بعصا؟! ولعن الفلسطيني داود! وقال الفلسطيني لداود: تعال إليّ لأعطي لحمك لطيور السماء ووحوش البرية، فقال داود للفلسطيني: أنت تأتي إليّ بسيف وبرمح وبترس، وأنا آتي إليك باسم رب الجنود إله صفوف إسرائيل الذين عيرتهم، هذا اليوم يحبسك الرب في يدي، فأقتلك وأقطع رأسك وأعطي جثث جيش الفلسطينيين هذا اليوم لطيور السماء وحيوانات الأرض، فتعلم كل الأرض أنه يوجد إله لإسرائيل، وتعلم هذه الجماعات كلها أنه ليس بسيف ولا برمح يخلص الرب؛ لأن الحرب للرب وهو يدفعكم ليدنا، وكان لما قام الفلسطيني وذهب وتقدم للقاء داود أن داود أسرع وركض نحو الصف للقاء الفلسطيني، ومد داود يده إلى الكنف وأخرج منه حجراً، ورماه بالمقلاع وضرب الفلسطيني في جبهته، فارتز الحجر في جبهته، وسقط على وجهه إلى الأرض فتمكن داود من الفلسطيني بالمقلاع والحجر، وضرب الفلسطيني وقتله، ولم يكن سيف بيد داود، فركض داود ووقف على الفلسطيني وأخذ سيفه واخترطه من غمده -يعني أخذ سيف جالوت - وقطع به رأسه، فلما رأى الفلسطينيون أن جبارهم قد مات هربوا، فقام رجال إسرائيل ويهوذا وهتفوا ولحقوا الفلسطينيين إلى الوادي وحتى أبواب عقرون إلى آخر القصة. تلاحظون الفرق الشاسع بين القرآن الكريم والتوراة، والقرآن لا يذكر كل هذه التفاصيل، ويكتفي بذكر موضع العبرة.

стр. 312

تفسير سورة البقرة [٢٥٣ - ٢٥٦]

стр. 313

تفسير قوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) قال الله ﵎: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]. قوله تعالى: (تلك الرسل) تلك: مبتدأ، والرسل: صفة، والخبر: (فضلنا بعضهم على بعض) يعني: بتخصيصه بمنقبة ليست لغيره، ((مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ)) كموسى، ((وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ)) أي: محمداً ﷺ (درجات) يعني: رفعه على غيره درجات، بعموم الدعوة والنبوة، وتفضيل أمته على سائر الأمم، والمعجزات المتكاثرة، والخصائص العديدة. وهذا فيه إشارة إلى ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة). وليست هذه الخمس فقط هي خصائص النبي ﷺ ، بل هي كثيرة جداً، وقد خصها بعض الأئمة بعلم مستقل من علوم الدين يسمى: الخصائص النبوية، وأشهر ما ألف في ذلك وأقدمه: الشفاء بتعريف حقوق المصطفى ﷺ للقاضي عياض، والخصائص الكبرى للسيوطي، وظهر مؤخراً مختصر لأحد العلماء، وقد حقق أحاديثه بعمل جيد، فهذا علم مستقل من علوم الدين وهو معرفة خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد تكلمت هذه المصنفات على مئات الخصائص، وأيضاً الغماري له كتاب في خصائص النبي ﷺ . وقوله: ((وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ)) أي: قويناه ((بِرُوحِ الْقُدُسِ)) يعني: الروح المقدسة وهو جبريل ﵇، كان يسير معه حيث سار. ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ)) يعني: لو شاء الله أن يهدي الناس جميعاً ((مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ)) من بعد الرسل من أممهم ((مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ))؛ لاختلافهم، وتضليل بعضهم بعضاً، ((وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا))؛ لأن الله شاء ذلك ((فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ)) أي: ثبت على إيمانه ((وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ)) دعوى المسيح ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا)) هذا تأكيد، ((وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)) يعني: من توفيق من شاء، وخذلان من شاء.

стр. 314

تفسير الشنقيطي لقوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) قوله تبارك تعالى: ((تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)) يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان: لم يبين هنا هذا الذي كلمه الله منهم، وقد بين أن منهم موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وقوله: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، فهذه الآيات توضح ما أجمله في قوله: ((فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ))، فبينت آيات أخر أن ممن كلم الله موسى ﵇. وقال ابن كثير: (منهم من كلم الله) موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام؛ وكذلك آدم كما ورد في الحديث المروي في صحيح ابن حبان عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه. قال مقيدة -أي: الشنقيطي - عفا الله عنه: تكليم آدم الوارد في صحيح ابن حبان يبنيه قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥] وأمثالها من الآيات، فإنه ظاهر بأنه غير واسطة الملك، وإنما كان تكليماً مباشراً من الله . ويظهر من هذه الآية نهي حواء عن الشجرة على لسانه، فهو رسول إليها بذلك، يعني: الله كلم آدم ﵇، وآدم بلغ حواء كما قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ [البقرة:٣٥]، فالتكليف لآدم. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ((مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ))، وقد سئل رسول الله ﷺ عن آدم: أنبي مرسل هو؟ فقال: (نعم، نبيٌّ مكلم)، فهذا يدل على دخول آدم ﵇ في قوله تعالى: ((مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ)) يعني: بلا واسطة. قال ابن عطية: وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا تبقى خاصية موسى ﵇. وقال ابن جرير: لأن آدم كان هو النبي أيام حياته بعد أن أُهبط إلى الأرض، والرسول من الله جل ثناؤه إلى ولده، فغير جائز أن يكون معنياً -وهو الرسول- بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ [البقرة:٣٨] أي: رسل. وقد وصف نوح ﵇ بأنه أول رسول في حديث الشفاعة: (فيأتون نوحاً فيقولون: أنت أول الرسل إلى أهل الأرض)، ويشهد له قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣]، وهذا يشكل على ما تقدم أن آدم رسول! والظاهر: أنه لا طريق للجمع بين هذه النصوص إلا من وجهين: آن آدم أرسل لزوجه في الجنة، ونوح أول رسول أرسل في الأرض، ويدل على هذا الجمع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما في حديث الشفاعة ففيه: (ائتوا نوحاً فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض) فمفهومه: أن آدم ﵇ أول رسول من الله إلى زوجه حواء في الجنة، وليس رسولاً إلى أهل الأرض، فلا تعارض، فقوله: (إلى أهل الأرض) لو لم يرد به الاحتراز عن رسول بعث لغير أهل الأرض لكان ذلك الكلام حشواً، لكن المقصود به الاحتراز عن رسالة آدم إلى زوجه في الجنة كما ذكرناه، ويستأنس له بكلام ابن عطية الذي ذكرناه سابقاً عند حديث: (نعم، نبي مكلم)، قال ابن عطية: وقد تأوّل بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا يبقى التكليم خاصية لموسى ﵇. أما الوجه الثاني للجمع فهو أن آدم أرسل إلى ذريته وهم على الفطرة لم يصدر منهم كفر فأطاعوه، ونوح هو أول رسول أرسل إلى قوم كافرين ينهاهم عن الإشراك بالله تعالى، ويأمرهم بإخلاص العبادة له وحده، ويدل على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [يونس:١٩] يعني: كانوا على الدين الحنيف حتى كفر قوم نوح، وقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:٢١٣] إلى آخر الآية. وقوله تعالى: ((وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)) أشار في مواضع أخر إلى أن منهم محمداً ﷺ كقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ:٢٨]، وقوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، فبلا شك أن من أعظم خصائص نبينا ﷺ عموم رسالته إلى البشر كافة، وهو الرسول الوحيد الذي بعث إلى الناس كافة، أما من قبله فكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]. وأشار أيضاً في مواضع أخر إلى أن من هؤلاء الذين رفعهم الله درجات إبراهيم ﵇ كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥]، وإن كانت الخلة ليست خاصة لإبراهيم ﵇، فقد صح عن نبينا ﷺ أنه قال: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً)، ومن ذلك قوله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة:١٢٤]، إلى غير ذلك من الآيات. وأشار في موضع آخر إلى أن من هؤلاء الأنبياء الذين فضَّلهم الله، ورفعهم درجات داود ﵇ في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:٥٥]. وأشار أيضاً إلى أن منهم إدريس ﵇ في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧]. وأشار إلى أن منهم عيسى لقوله: ((وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ)).

стр. 315

حكم التفضيل بين الرسل وذكر أفضلهم في قوله تعالى: ((تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)) إشكال قوي معروف، وجهه أنه ثبت في حديث أبي هريرة المتفق عليه أنه ﷺ قال: (لا تخيروني على موسى، فإن الناس يَصعقون -أو يُصعقون- يوم القيامة فأكون من أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله؟)، فهنا يخبر في الحديث بقوله: (لا تخيروني على موسى) يعني: لا تقولوا: أنا خيرٌ من موسى ﵇، وفي رواية: (لا تفضلوا بين أنبياء الله)، وفي رواية: (لا تخيروني من بين الأنبياء). قال القرطبي: وهذه الآية مشكلة، والأحاديث ثابتة بأن النبي ﷺ قال: (لا تخيروا بين الأنبياء، ولا تفضلوا بين أنبياء الله) أي: لا تقولوا: فلان خيرٌ من فلان، ولا فلان أفضل من فلان. قال ابن كثير في الجواب عن هذا الإشكال ما نصه: والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل. يعني: يحتمل أن الرسول ﵊ نهى الصحابة عن التفضيل كما في هذا الحديث، وكما في قوله أيضاً: (لا تقولوا: أنا خير من يونس بن متى) قبل أن يوحى إليه بتفضيله ﷺ على سائر الأنبياء والمرسلين كقوله مثلاً: (أنا سيد الناس يوم القيامة، ولا فخر). الثاني: أن هذا قاله من باب هضم النفس فقال: (لا تخيروا بين أنبياء الله). الثالث: أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاتم يعني: في هذه الحال بالذات ينهى عن وقوع المفاضلة فيها؛ لأن سبب ورود الحديث: أن رجلاً يهودياً قال: والذي اصطفى موسى على العالمين! فغضب المسلم ولطمه منكراً عليه؛ لأن الله اصطفى محمداً ﵊ على العالمين. الرابع: لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية. الخامس: ليس مقام التفضيل إليكم وإنما هو إلى الله ، وعليكم الانقياد والتسليم له والإيمان به. واختار القرطبي أن منع التفضيل إنما هو في خصوص النبوة، يعني: في أصل النبوة لا تفاضل، وإنما يحصل التفاضل في أمور أخر زائدة على النبوة، وجوز القرطبي التفاضل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات، فقد قال ما نصه: قلت: وأحسن من هذا قول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص -التي هي الخصائص- والألطاف والمعجزات المتباينة، أما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما يتفاضلوا بأمور أخر زائدة عليها؛ ولذلك منهم رسل وأولو عزم، ومنهم من اتخذ خليلاً، ومنهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات، وهذا قول حسن فيه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ. وقد أشار ابن عباس إلى هذا المعنى فقال: إن الله فضل محمداً ﷺ على الأنبياء وعلى أهل السماء، فقالوا: بم -يا ابن عباس - فضله على أهل السماء؟! فقال: إن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٩]، وهذا في حق الملائكة، وقال لمحمد ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح:١ - ٢]، قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤]، وقال الله لمحمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ:٢٨]، فأرسله إلى الجن والإنس. وأشار أيضاً القاسمي إلى بعض الفوائد التي تتعلق بهذه الآية: ((تِلْكَ الرُّسُلُ)) فيقول: هذه إشارة إلى من ذكر منهم في سورة البقرة، أو تلك الرسل المعلومة المعروفة للنبي ﷺ : ((فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)) بأن خص بمنقبة ليست لغيره ((مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ)) هذا تفصيل للتفضيل، أي: منهم من فضَّله الله بأن كلمه من غير واسطة، وهو موسى ﵇، ((وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)) يعني: كإبراهيم اتخذه الله خليلاً، وداود آتاه الله النبوة والخلافة والملك. والظاهر أنه أراد بقوله تعالى: ((وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)) محمداً ﷺ ؛ لأنه هو المفضل عليهم؛ حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثر المرتقية إلى ألف آية أو أكثر، ولو لم يؤت ﷺ إلا القرآن وحده لكفى به فضلاً منيفاً على سائر ما أوتي الأنبياء؛ لأنه المعجزة الباقية على مرِّ الدهر دون سائر المعجزات، وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى، لقوله: ((وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)) فاكتفى بهذا عن أن يقول: إنه محمد ﵊، فهذا فيه زيادة تعظيم وتفخيم لمقام النبي ﷺ ؛ لأن هذا فيه شهادة بأنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس بغيره، فمن شدة تميزه ﷺ على سائر الأنبياء لم يكن هناك داع للتصريح باسمه؛ بل قال تعالى: ((وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ))، على أساس أن هذا معروف فلا يحتاج للتنصيص على اسمه، وهو محمد ﵊، كما يقال للرجل: من فعل هذا؟ فيقول: أحدكم أو بعضكم. ويريد به الذي عرف واشتهر بتلك الأفعال، مثل رجل يستطيع رفع أوزان ثقيلة جداً، وهو معروف في وسط مجموعة من الناس، فتقول: من رفع هذه الأثقال؟ فيقول: أحدهم أو أحدكم أو بعضكم، وهو معروف أنه لا يفعله إلا هذا، فيكون الإيهام وعدم التصريح أفخم من التصريح به، كما سئل الحطيئة عن أشعر الناس؟ فذكر زهيراً والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث؟ يعني: بذلك نفسه، ولو قال: ولو شئت لذكرت نفسي. لم يفخم أمره، فلو صرح لكان أضعف من أن يقول: لو شئت لذكرت الثالث، فكأن الثالث هذا معروف، وليس محتاجاً أن يذكر أنه متمكن من الشعر. قالوا: ويجوز أن يريد إبراهيم ومحمداً وغيرهما من أولي العزم. وقوله: ((وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ)) كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ((وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ)) وهو جبريل ﵇. قوله تعالى: ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ)) يعني: من بعد الرسل؛ لاختلافهم في الدين، وتشعُّب مناهجهم، وتكفير بعضهم بعضاً ((مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)).

стр. 316

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم) قال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]. ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ))، هذا أمر بالإنفاق لبعض من المال، (مما) من هنا: تبعيضية، يعني: من بعض ما رزقناكم، قيل: وهو أمر إيجاب، وإذا كان الأمر هنا على سبيل الإيجاب فالمراد بالنفقة الزكاة، والذي يرجح ويؤكد ويقوي القول بأن المراد هنا: النفقة الواجبة؛ الوعيد الذي عقب الله أمره بالنفقة هنا فقد قال: ((وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) فوصف مانع هذه النفقة بالكفر والظلم، وهذا الوعيد يدل على أنه أراد النفقة الواجبة، وليس نفقة التطوع. فقوله: ((وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ))، عنى بهم مانعوها، فالمقصود بالكافرين هنا: مانعوا الزكاة. وقال الأصم وأبو علي: أراد النفقة في الجهاد. وقال أبو مسلم وابن جريج: أراد الفرض والنفل، وهو المتجه، يعني: أن المقصود بالنفقة الواجبة والنافلة. ((مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ)) وهو يوم القيامة ((لا بَيْعٌ فِيهِ)) لأن الإنسان ما دام السوق قائماً يستطيع أن يبيع، فعن طريق هذا البساط التجاري يستطيع أن يحصل مالاً في الدنيا ينفع به نفسه، أما في الآخرة فيقول تعالى: ((لا بَيْعٌ فِيهِ)) يعني: لا بيع فيه فتحصلون ما تنفقونه، أو تفتدون به من العذاب، فالإنسان في الدنيا يبيع ويشتري فيحصل على المال، وهذا المال إما أن ينفقه في سبيل الله وإما أن يفتدي به، أما في الآخرة فلا يستطيع أن يبيع، ولا يستطيع أن ينفق، فإذا قصر في النفقة في الدنيا لا يستطيع أن يفتدي بماله نفسه في الآخرة؛ لأنه لا بيع فيها، (ولا خلة) يعني: لا صداقة تنفع، ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، والمتقون لا يمنعون الزكاة. ((وَلا شَفَاعَةٌ)) فلا تتكلوا على شفعاء ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩]، وهذا الاستثناء لا بد منه؛ لأن النفي هنا ليس لمطلق الشفاعة يعني: ليست كل الشفاعات منتفية في الآخرة كما هو معلوم من مقتضى الجمع بين هذه الآية وغيرها من النصوص في القرآن أو في السنة التي تثبت أن هناك شفاعة مشروطة بأن تكون بإذن الله ﵎ كما سيأتي. ((وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) الكافرون هنا المراد بهم تاركوا الزكاة، وهذا الأسلوب معروف في القرآن، وله نظير في فريضة الحج قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] فعبر عن تارك الحج بالكفر؛ لأن هذا من فعل الكفار، وقال الله في الزكاة أيضاً في سورة فصلت: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت:٦ - ٧]. إذاً: قوله: ((وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) أراد: والتاركون الزكاة هم الظالمون، واستعمال لفظة (الكافرون) بدل (التاركون الزكاة) للتغليظ في هذه المعصية وللتهديد كما في قوله تعالى في آخر آية الحج: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [آل عمران:٩٧] ولم يقل: ومن لم يحج فإن الله غني عن العالمين، فآثر لفظة: (من كفر) على من لم يحج، للتغليظ ولبيان أن ترك الزكاة من صفات الكفار، ويحتمل أن يكون المعنى: ((وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) أي: لأنفسهم لوضع الأموال في غير مواضعها، فلا تكونوا -أيها المؤمنون- مثلهم في عدم الإنفاق فتضعون أموالكم في غير مواضعها. وفي هذه الآية دلالة على حسن المسارعة إلى الخيرات قبل فواتها بهجوم ما يمنع منها من مرض أو غيره. يوم القيامة هو يوم الموقف الأكبر، لكن كل إنسان منا له يوم القيامة موقف خاص به، وله ساعة وله يوم آخر نسبي، وهي لحظة موته التي بها يبتدئ رحلته إلى اليوم الآخر، فبمجرد خروج روحك فأنت تنتقل من الدنيا إلى الدار الآخرة؛ فلذلك ينبغي أن ننفق: كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١٠ - ١١]، وقال هنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال السيوطي: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ)) زكاته ((مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ)) فداء ((فِيهِ وَلا خُلَّةٌ)) يعني: صداقة تنفع ((وَلا شَفَاعَةٌ)) يعني: بغير إذنه وهو يوم القيامة، وفي قراءة بنصب الثلاثة: (من قبل أن يأتي يوم لا بيعَ فيه ولا خلةَ ولا شفاعةَ). ((وَالْكَافِرُونَ)) أي: بالله أو بما فرض عليهم، ((هُمُ الظَّالِمُونَ)) لوضعهم أمر الله في غير محله.

стр. 317

تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) قال ﵎: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]. ((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)) أي: لا معبود بحق في الوجود إلا هو، فإن كلمة (الإله) تطلق على الإله الحق والإله الباطل، وهناك أدلة من القرآن تدل على أن هناك آلهة باطلة، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم:٨١]، وقوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود:١٠١]، قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣]، فكلمة (إله) تطلق على الإله الحق والإله الباطل، فالشيطان (إله) لكن إله باطل، والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠]، والطاغوت هو الشيطان، وقال تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه:٩٧] وهو عجل السامري، وفي السنة حديث معروف يدل على أن المال إله يعبد: (تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) أو كما قال ﷺ ، فالآلهة الباطلة كثيرة جداً لا تنتهي ولا تنحصر، ومنها ما يعبد برضاه، ومنها ما لا يعبد برضاه، ومنها ما لا يشعر كالأحجار والأصنام، والمسيح عيسى ﵇ إله باطل عبده النصارى زوراً؛ وكذلك عزير ﵇ عبده اليهود، وهما بريئان بلا شك من هذا؛ كذلك الأولياء والصالحون قد يعبدون بعد موتهم، وهم غير راضين عن هذا، أما الآلهة التي عبدت من دون الله وهي راضية فإنها تكون في النار يوم القيامة. إذاً: نحن لا نقدر: (موجود) في خبر لا التي للجنس في كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، فلا نقول: التقدير لا إله موجود إلا الله؛ لأن هناك آلهة كثيرة باطلة غير الله، لكن نقول: لا إله حق إلا الله، يعني: لا إله يعبد بحق إلا الله ، أما كل إله دون الله فهو إله باطل، ويجب أن تكفر به. يقول السيوطي هنا رحمه الله تعالى: (الله لا إله) أي: لا معبود بحق في الوجود (إلا هو الحي) أي: الدائم البقاء (القيوم) المبالغ في القيام بتدبير خلقه. ((لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ)) أي: نعاس ((وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)) ملكاً وخلقاً وعبيداً. ((مَنْ ذَا الَّذِي)) يعني: لا أحد ((يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)) يعني: إلا بإذنه له فيها، فلا تكون شفاعة إلا بأن يأذن الله لمن يشفع في هذه الشفاعة ((يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)) أي: الخلق ((وَمَا خَلْفَهُمْ)) أي: من أمر الدنيا والآخرة ((وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ)) أي: لا يعلمون شيئاً من معلوماته ((إِلَّا بِمَا شَاءَ)) يعني: إلا بما شاء أن يعلمهم به منها بإخبار الرسل. ((وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ)) قيل: أحاط علمه بهما، وهذا القول ضعيف، وقيل: ((وَسِعَ كُرْسِيُّهُ)) أي: ملكه، وقيل: الكرسي نفسه مشتمل عليهما لعظمته، لحديث: (ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس) يقول القاضي كنعان: هذا حديث موقوف على ابن عباس ﵄، ولم يوجد مسنداً إلى النبي ﷺ . قال القرطبي: والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وأخرج الآجري وأبو حاتم البستي في صحيحه والبيهقي وذكر أنه صحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما السماوات السبع! في جنب الكرسي إلا كحلقة ملقاة في صحراء) يعني: صحراء شاسعة مترامية الأطراف، ألقيت فيها حلقة صغيرة، فكل السماوات السبع بما فيها بالنسبة إلى الكرسي كحلقة ألقيت في أرض فلاة، قال: (وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة) يعني: النسبة بين العرش وبين الكرسي كالنسبة بين الكرسي وبين السماوات السبع، فالعرش غير الكرسي وأعظم منه، وبعض العلماء قالوا: إن الكرسي هو العرش، لكن هذا الحديث يثبت أن العرش غير الكرسي، وهو أعظم منه، وهذا هو الصحيح، وذهب بعضهم إلى أن العرش هو الكرسي، وعلى هذا القول مشى الجلالان في هذا التفسير، وقد نبهنا على ذلك في مواضعه.

стр. 318

تفسير القاسمي لآية الكرسي يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ)) أي: الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء (القيوم) أي: الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظهم. وهذه الآية تثبت أن الله لا يغفل أبداً عن تدبير أمر هذا الكون كله، لكن هذا بطريق الالتزام المقتضي عدم الغفلة التي يتنزه الله عنها، وقد أكد ذلك بالنص الصريح فقال: ((لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ))، فهذا تأكيد لقيوميته؛ لأنه لا يكون قيوماً من كان يغفل عن تدبير مصالحه، فالله لا يغفل أبداً، وبالتالي لا تأخذه النعاس ولا النوم. و (السِّنَة) على وزن عِدَة، وهي شدة النوم أو أوله أو النعاس، قال المهايمي: السنة فتور يتقدم النوم، الفتور الذي يكون في أول مبادئ النوم هو السنة، ثم يكون النوم الذي هو أعمق، وهو: حال تعرض للحيوان من استرخاء دماغه تمنع الحواس الظاهرة من الإحساس. والسنة والنوم على هذا منقصان للحياة، ومنافيان للقيومية؛ لأنهما من التغيرات المنافية لوجوب الوجود الذي للقيوم، ونفى النوم أولاً التزاماً، ثم نفاه تصريحاً بقوله: ((الْحَيُّ الْقَيُّومُ))، فإنه يلزم من حياته وقيوميته أنه لا يغفل أبداً ، ثم صرح فقال: ((لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ)) وهذا النفي يدل على ثبوت كمال ما ينافيه. ومن كمال قيوميته اختصاصه بملك العلويات والسفليات المشار إليها بقوله: ((لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ)) يعني: من الملائكة والشمس والقمر والكواكب ((وَمَا فِي الأَرْضِ)) يعني: من العوالم المشاهدات، وهذا إخبار بأن الجميع في ملكه وتحت قهره وسلطانه كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٤]. قوله: ((مَنْ ذَا)) يعني: مَن مِن الأنبياء أو من مِن الملائكة فضلاً عما ادعى الكفار شفاعته من الأصنام؟! يعني: إذا كان الأنبياء والملائكة أنفسهم لا يملكون شفاعة إلا بإذن الله، فكيف تزعمون أنتم -أيها الكافرون الذين خاطبهم القرآن- أن أصنامكم وآلهتكم تملك الشفاعة من دون الله؟! الأنبياء والملائكة لا يملكون الشفاعة إلا بإذن الله. وإذا كان هنا نفي هذا النوع من الشفاعة، فبالأولى أن فيها نفياً لأن يقاوم الله أحد أو أن يناصبه أو يبطل إرادته. ((مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ)) أي: لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه يعني: بتمكينه تحقيقاً للعبودية كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، وهذا من جلاله وكبريائه ، فلا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة كما في حديث الشفاعة يقول ﵊: (آتي تحت العرش -يعني: لا يشفع مباشرة- فأخر ساجداً فيدعني الله ما شاء أن يدعني، ثم يقال: ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع ﷺ قال: فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة)، وقال له أبو هريرة: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال ﷺ : لقد ظننت -يا أبا هريرة - ألا يسألني عن هذا الحديث أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث: أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) فهذه الشفاعة هي لأهل الإخلاص والتوحيد بإذن الله، ولا تكون أبداً لمن أشرك بالله. المشركون يدعون لآلهتهم الشفاعة، وهم ليسوا بموحدين ولا مخلصين، فبالتالي ليسوا من أهل هذه الشفاعة. قوله: (يعلم ما بين أيديهم) يعني: ما عملوه بالفعل من أمور الدنيا أو مما يخصهم. ((وَمَا خَلْفَهُمْ)) يعني: ما حجب عنهم ولم يعلموه؛ لأن الخلف هو ما لا يناله الحس، فأنبأ أن علمه من وراء علمهم، وهو محيط بعملهم فيما علموا وما لم يعلموا، فهذه الجملة كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام:٧٣]، فقوله: ((يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)) هو الشهادة، وقوله: ((وَمَا خَلْفَهُمْ)) هو الغيب. وقوله: ((وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ)) أي: لا يعلمون شيئاً من معلوماته إلا بما أراد أن يعلمهم به منها على ألسنة الرسل كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧] ليكون ما يطلعه عليه من علم غيبه دليلاً على نبوته. روى ابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الكرسي: العلم. وقوله: ((وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا)) يعني: لا يئوده حفظ ما علم وأحاط به مما في السماوات والأرض، كما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأعراف:٨٩]، فأخبر أن علمه وسع كل شيء فكذلك قوله: ((وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ)). قال ابن جرير: وقول ابن عباس هذا يدل على صحة قول من قال: إن العلماء هم الكراسي؛ لأنهم المعتمد عليهم، كما يقال: أوتاد الأرض، يعني: أنهم الذين تصلح بهم الأرض، ومنه قوله الشاعر: يحف بهم بيض الوجوه وعصبة كراسي بالأحداث حين تنوب يعني: بذلك علمه في حوادث الأمور ونوالها، وروى ابن جرير أيضاً عن الحسن: أن الكرسي في الآية: هو العرش، وأيده بعضهم بأن لفظ عرش المملكة وكرسيها مترادفان؛ ولذلك قال تعالى على لسان سليمان: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣٨]، يقول: فالعرش والكرسي هما شيء واحد.

стр. 319

تنبيه مهم في طبعة تفسير القاسمي الغماري صوفي، وعليه ملاحظات شديدة ليست هينة، وعنده بدع غليظة، وهو ليس سلفياً، بل يحارب السلفية -سامحه الله وعفا عنه-، لكن مع ذلك لما ذكر نبذة عن التفاسير المشهورة المطبوعة ومنها تفسير القاسمي ذكر تعليقاً مهما جداً، فقال: إن الشخص الذي قام على أول طبعة لمحاسن التأويل للقاسمي كان شخصاً مخبولاً أو في عقله شيء! هكذا وصفه، ودلل على ذلك بأنه أتى إلى بعض المواضع التي لم تعجبه من كلام القاسمي فضرب عنها صفحاً وأضاف إليها كلاماً من عنده، وعلل ذلك بأن القاسمي إمام محقق لا يليق به أن يوجد هذا الكلام في كتابه، فحصل منه تحريف في الكتاب، وحرف بعض المواضع على خلاف ما ذكره القرطبي نفسه في المخطوطة الأصلية، وعلل استحلاله لهذا التحريف أن ابن القاسمي فوضه بأن يعدل ما يراه مناسباً، وقال له: إذا وجدت شيئاً لا يليق بمقام الوالد فلك أن تغيره! فنخشى أشد الخشية مما نالته يد هذا المعتدي؛ لأنا نجد القاسمي نفسه السلفي واضح جداً، وإذا قرأتم مقدمة هذا التفسير التي طبعت في الجزء الأول منه والتي سماها: تمهيد خطير في قواعد التفسير، نجد أن القاسمي ينتصر لمنهج السلف بكل وضوح، ولا يسلك أبداً مسلك الذي يمسك العصا من النصف؛ لكنه دائماً في قضايا العقيدة السلفية من الناس الواضحين جداً في هذا الباب، فيصعب جداً أن يكون كلام القاسمي الأصلي لهذه الآية التي ليس فيها إلا حكاية قولين، أنه اعتمد أن الكرسي هو العلم، وقول آخر أشار إليه عرضاً وهو: أن الكرسي هو العرش، ويبعد جداً أن القاسمي لا يذكر هذا وهو رجل مطلع على السنة، ومطلع على الأحاديث، وتغيب عنه الآثار التي دلت على أن الكرسي غير العرش وغير العلم. ويوجد هنا تعليق سأقرؤه عليكم لكي تعلموا أن هذا هو فعلاً الذي كان يليق بـ القاسمي، فالله أعلم من المسئول عن ترحيل هذا الجزء من أعلى إلى أسفل، من المتن إلى الحاشية، يقول المعلق: كان المؤلف ﵁ فسر الكرسي بما يأتي: الكُرسي: -بالضم وبالكسر- السرير والعلم، كما في القاموس، قال الأزهري: والصحيح عن ابن عباس ما رواه عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الكرسي موضع القدمين، وأما العرش فإنه لا يقدر قدره، وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها، قال: ومن روى عنه في الكرسي أنه العلم فقد أبطل، وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: الكرسي الذي يوضع تحت العرش إلى داخله، وبالفتح الكرسي هنا الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته، يقول: ثم إن المؤلف عدل عن ذلك إلى ما تراه. أي الكلام الأول: بأن الكرسي هو العلم، وأتى بمقولة: التراث والعلماء سلاطين الأرض إلى غير ذلك، والله أعلم من الذي عدل في الحقيقة؛ لكن أنا أحببت أن أنوه إلى هذا الأمر لئلا تغتروا بمثل هذا التأويل.

стр. 320

معنى قوله تعالى: (ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم) قوله تعالى: ((وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا)) لا يثقله، ولا يشق عليه، يقال: آده الأمر أوداً وأووداً بلغ منه المجهود والمشقة، أي: لا يثقله ولا يتعبه حفظ السماوات والأرض، فلا يفتقر إلى شريك، ولا ولد، وكيف يشق عليه (وهو العلي العظيم)؟! قال ابن جرير في معنى (العلي): قال بعضهم: يعني بذلك علوه عن النظير والأشباه، تعالى أن يكون له نظير عن كذا، وقال آخرون: (العلي) على خلقه، بارتفاعه مكانه عن أماكن خلقه؛ لأنه تعالى فوق جميع خلقه، وخلقه دونه، كما وصف نفسه أنه على العرش، فهو عالٍ بذلك عليهم. (العظيم) أي: أعظم من كل شيء، ذو الجلال والكبرياء والفخر والقدرة والسلطان.
следующие страницы →