Полный текст (3 275 стр.). Показаны 3256–3275 · переход к 3261.
стр. 3256
تفسير سورة المسد
стр. 3257
بين يدي سورة المسد
قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥].
سورة المسد سورة مكية، آياتها خمس، ويقال لها: سورة أبي لهب، ولم يفرد الله سورة لذم أحد الناس بالتعيين سوى هذه السورة التي تناولت ذم أبي لهب وامرأته؛ ولذلك لشدة عداوتهما للنبي ﷺ ، وكثرة إيذائهما له.
ويجتنب كثير من الناس قراءة هذه السورة في الصلاة معتقدين كراهة قراءتها؛ لأنها تذم عم النبي ﷺ ! وهذا شيء لا أصل له، والنبي ﷺ لا يضيره ذم عمٍ له كان أكفر قريش بالله، وأشدهم عداوة لرسوله ﷺ ، يقول الشاعر: لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب وما أحسن ما قاله الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ((حَمَّالَةَ الْحَطَبِ)) وحكى القراءتين فيها: قراءة: (حمالةُ الحطب) و (حمالةَ الحطب) والقراءة الثانية بالنصب هي رواية حفص، وقد وجهها بأن النصب على الشتم، يعني: أشتم حمالة الحطب أو أذم حمالة الحطب، ثم قال: وأنا أستحب هذه القراءة، وقد توسل إلى رسول الله ﷺ بدليل من أحب شتم أم جميل، وهي امرأة أبي لهب وكنيتها أم جميل.
إذاً: ما يعتقده العامة الذين يجتنبون قراءة هذه السورة ظناً منهم أن هذا يؤذي الرسول ﵊ لكونه عمه، اعتقاد باطل، بل الرسول ﵊ هو أولى الخلق بالله، وأعلمهم بالله، وأولى من يحب في الله ويبغض في الله ولو أقرب قريب له، ولو كان عمه الشريف أبا لهب.
стр. 3258
سبب نزول سورة المسد
يقول الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: قال البخاري: حدثنا محمد بن سلام حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى: يا صباحاه! فاجتمعت إليه قريش فقال: أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذابٍ شديد.
فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟! تباً لك، فأنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] إلى آخر السورة)، وفي رواية: (فقام ينفض يديه وهو يقول: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟! فأنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾).
стр. 3259
تفسير قوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب)
قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١].
قوله: ((تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ)) دعاء عليه، كما في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس:١٧].
وقوله: ((وَتَبَّ)) خبر، فالأولى (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) دعاء عليه، والثانية: (وتبَّ) خبر بأن هذا الدعاء قد تحقق في حقه، وهلك فعلاً.
وأبو لهب هو أحد أعمام رسول الله ﷺ ، واسمه: عبد العزى بن عبد المطلب، وكنيته أبو عتبة، وإنما سمي أبا لهب لإشراق وجهه، وكان كثير الأذية لرسول الله ﷺ ، وشديد البغض والتنقص له.
روى الإمام أحمد بسنده عن رجل يقال له: ربيعة بن عباد من بني الديل، وكان جاهلياً فأسلم قال: (رأيت النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله؛ تفلحوا، والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب.
يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عمه أبو لهب).
وفي بعض الروايات: (إني لمع أبي رجل شاب أنظر إلى رسول الله ﷺ يتبع القبائل، ووراءه رجل أحول وضيء ذو جمة، يقف رسول الله ﷺ على القبيلة فيقول: يا بني فلان! إني رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئاً، وأن تصدقوني وتمنعوني حتى أنفذ عن الله ما بعثني به.
فإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه: يا بني فلان! هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة؛ فلا تسمعوا له ولا تتبعوه.
فقلت لأبي: من هذا؟ قال: عمه أبو لهب).
فقوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) أي: خسر وخاب، وضل عمله وسعيه، (وتبّ) أي: وقد تب، أي: تحققت خسارته وهلاكه.
يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى: التبُّ هو: القطع، وهذه المادة: (بت) تدور على معنى القطع، كما يفيده فقه اللغة في دوران المادة على معنى واحد، التب والتبب والتباب والتبيب والتتبيب: النقص والخسارة، وتبت يداه أي: ضلتا وخسرتا.
إذاً: التباب: الهلاك، ونظيره في القرآن الكريم قول الله ﵎: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر:٣٧] أي: إلا في هلاك، فـ أبو لهب أهلك نفسه بفساد اعتقاده، وسوء فعاله، كما قال الأعرابي: (هلكتُ وأهلكت) يعني: في جماع أهله في رمضان، وقال تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود:١٠١] يعني: غير خسران، والخسران يؤدي إلى الهلاك والقطع، وفي قصة صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود:٦٣].
فظهر من هذا كله: أن معنى (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) دائرٌ بين معنى القطع والهلاك والخسران، أما قطعهما فلم يُقدَّر عليه قطع يديه قبل موته، لكن حصل له الهلاك، فقد هلك بالغدة، وقد تخلف عن غزوة بدر بسببها، وأرسل نائباً عنه، ثم هلك بعد ذلك، وأما الخسران فما أشد خسرانه بعد هذا الحكم عليه من الله ﵎.
وإذا كان المعنى قد تعين بنص القرآن بالهلاك والخسران، فلا بد من حمل قوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) على الهلاك والخسران، فلماذا أسند التب لليدين؟!
الجواب
أن ذلك أسلوب معروف من أساليب اللغة العربية وهو: إطلاق البعض وإرادة الكل، كما في قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق:١٦]، فالمقصود: صاحبها، وهو الكاذب الخاطئ، لكن حينما يخص الله الناصية بقوله: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق:١٦] لابد لها من زيادة اختصاص بالمعنى المراد، فالمراد بها الإنسان كله، لكن تخصيص هذا الجزء من بدنه يستلزم زيادة اختصاص بهذا المعنى المراد، وهو أن الكذب يسود الوجه، ويذل الناصية التي هي أشرف شيء في وجه الإنسان، بعكس الصدق الذي يبيض الوجه، ويعز الناصية، ويرفع الرأس، فأسند الكذب إلى الناصية لزيادة اختصاصها بالكذب عن اليد مثلاً، فالناصية تختص بالكذب أكثر من اختصاص اليد بالكذب، ولما كان الهلاك والخسران غالباً ما يكتسب عن طريق الجوارح، واليد أشد اختصاصاً في ذلك؛ أسند إليها البت؛ لأن اليد أشد الجوارح اختصاصاً بعمل الأشياء وبالكسب، ومما يدل على أن المراد صاحب اليدين، وليس اليدين فقط؛ قوله تعالى: ((وَتَبَّ)) ولم يقل: (وتبتا) لليدين.
إذاً: قوله تعالى: (وتب) المراد: أبو لهب نفسه.
وقوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب) يحتمل أن يكون على سبيل الإخبار أو الإنشاء، لكن لا يوجد إلا احتمال واحد في قوله تعالى: (وتب) وهو أنها للإخبار، ففي تفسيرها نقول: (وتب) أي: وقد هلك، وفي قراءة ابن مسعود: (وقد تب) وهذه القراءة تفسيرية؛ فإنه لابد في إثبات القراءة أن توافق رسم المصحف، فعندما يقال: فلان قرأ الآية كذا، ويزيد كلمة، فالمقصود أنه فسرها، وتكون قراءة تفسيرية.
стр. 3260
تفسير قوله تعالى: (ما أغنى عنه ماله وما كسب)
قال تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:٢].
(ما) استفهامية تقتضي الإنكار، يعني: ما أغنى عنه شيئاً في الحقيقة، ويحتمل أن (ما) نافية: (ما أغنى) فهو نص على أن ماله لم يغن عنه شيئاً.
قوله: (وما كسب) يعني: وما كسب من المال، واكتساب المال إما أن يكون مالاً اكتسبه بالميراث ونحوه أو ما كسب من عمل جر عليه هذا الهلاك، وهو عداوته لرسول الله ﵌، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل:١١]، وقال ﵎: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية:١٠].
وفي هذه الآية سؤالان: السؤال الأول: أن النبي ﷺ كان يدعو قومه في مكة برفق وحلم، فما الحكمة من هذا الدعاء على عمه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]؟
الجواب
أنه كان يلاطفهم وهو يطمع في إسلامهم، أما عمه فقد يئس من إسلامه، فكان هذا الدعاء في محله، كما وقع من إبراهيم ﵇ حينما كان يلاطف أباه ويقول: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم:٤٣ - ٤٤]، فلما يئس منه تبرأ منه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤]، وكذلك نوح ﵇ لما أوحي إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦] حينئذٍ دعا عليهم بدعائه المعروف.
السؤال الثاني: ما الحكمة من مجيء قوله تعالى: (وتب) بعد قوله: (تبت يدا أبي لهب) مع أن الجملة الأولى كافية سواء قلنا: إنها إنشاء للدعاء أو إخبار بوقوع ذلك؟ الجواب -والله تعالى أعلم-: أن الجملة الأولى محتملة للخبر وللإنشاء، فإذا كانت خبراً فقد يمحو الله ما يشاء ويثبت، والإنشاء قد لا ينفّذ، كقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس:١٧]، ويحمل على الذم فقط والتقبيح، فقوله بعد ذلك: (وتب) هو لبيان أن الهلاك واقع به لا محالة، وأنه ممن حقت عليهم كلمات ربك، فيئس النبي ﷺ والمسلمون من إسلامه، وهنا تنقطع الملاطفة معه، والله تعالى أعلم.
وقد وقع ما أخبر الله به، وهذا من إعجاز القرآن الكريم ومن علامات النبوة، فإنه استمر على كفره حتى مات، قال الله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:٣٣]، فهذه السورة من دلائل نبوة النبي ﵌.
стр. 3261
تفسير ابن كثير لقوله تعالى: (ما أغنى عنه ماله وما كسب)
يقول الحافظ ابن كثير: قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:٢] قال ابن عباس وغيره: (وما كسب) يعني: ولده، وفي الحديث: (وإن ولده من كسبه).
وذكر عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ لما دعا قومه إلى الإيمان قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن أخي حقاً فإني أفتدي نفسي يوم القيامة من العذاب بمالي وولدي، فأنزل الله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٢ - ٣] أي: ذات شررٍ ولهيب وإحراق شديد.
стр. 3262
تفسير قوله تعالى: (وامرأته حمالة الحطب)
قال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٤].
كانت زوجة أبي لهب من سادات نساء قريش، وهي أم جميل، واسمها: أروى بنت حرب بن أمية، وهي أخت أبي سفيان، وكانت عوناً لزوجها على كفره وجحوده وعناده؛ فلهذا تكون يوم القيامة عوناً عليه في عذابه في نار جهنم، والجزاء من جنس العمل، فلما كانت معينة ومساعدة لزوجها في عناده وكفره وجحوده، فالجزاء أنها تكون عوناً عليه في عذابه في جهنم والعياذ بالله، ولذلك قال تعالى: ((حَمَّالَةَ الْحَطَبِ)) يعني: تحمل الحطب في النار فتلقيه على زوجها ليزداد عذاباً على ما هو فيه، وهي مهيئة لذلك مستعدة له.
وروي عن بعض السلف أنها كانت تمشي بين الناس بالنميمة، وفي بعض الروايات أنها كانت تضع الشوك في طريق النبي ﷺ .
стр. 3263
من أخبار حمالة الحطب
جاء عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت: لما نزلت: ((تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)) أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة، وفي يدها فهر وهي تقول -والعياذ بالله-: مذمما أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا لقد كان المشركون لعنهم الله من حقدهم على الرسول ﵊ وعداوتهم له يسمونه (مذمماً) عكس كلمة محمد، ومعنى محمد: ممدوح ومثنى ﵊.
قالت أسماء: ورسول الله ﷺ جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله! قد أقبلت، وأنا أخاف عليك أن تراك! فقال رسول الله ﷺ : (إنها لن تراني) وقرأ قرآناً واعتصم به -كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء:٤٥]- فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر، ولم تر رسول الله ﷺ ، فقالت: يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني؟ قال: لا ورب هذا البيت ما هجاك، فولّت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها.
ومن أخبارها أنها عثرت في مرطها وهي تطوف بالبيت فقالت: تعس مذمم، فقالت أم حكيم بنت عبد المطلب: إني لحصان فما أكلم وثقاف فما أعلم وكلتانا من بني العم وقريش بعد أعلم
стр. 3264
تفسير قوله تعالى: (في جيدها حبل من مسد)
قال تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:٥] أي: في عنقها حبل من نار، قال مجاهد وعروة: من مسد النار، وقال بعض أهل العلم: في عنقها في الآخرة حبل من نار ترفع به إلى شفيرها، ثم يرمى بها إلى أسفلها، ثم كذلك دائماً.
وقال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة، فقالت: لأنفقنها في عداوة محمد ﷺ .
فأعقبها الله بها حبلاً في جيدها من مسد النار.
وقال عروة بن الزبير: المسد سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً، وقيل: هي قلادة من نار طولها سبعون ذراعاً.
وقيل: المسد حبل من ليف أو من خوص، وقد يكون من جلود الإبل أو أوبارها، ومسدت الحبل أمسده مسداً إذا أجدت فتله بإتقان.
وقال مجاهد: (في جيدها حبل من مسد) أي: طوق من حديد؛ لأن العرب يسمون البكرة مسداً، والبكرة هي التي يستقى عليها.
وعبر بالمسد عن حبل الدلو، كما قال أبو حنيفة الدينوري في كتاب النبات: كل مسد رِشاء- يعني: رشاء الدلو- وأنشد في ذلك: وبكرة ومحوراً صراراً ومسداً من أبق مغاراً قال: والأبق: القنب.
وقال الآخر: يا مسد الخوص تعوذ مني إن كنت لدْناً ليناً فإني ما شئت من أشمط مقسئن
стр. 3265
فوائد من سورة المسد
стр. 3266
ظهورة معجزة من معجزات النبي ﷺ
قال العلماء: في هذه السورة معجزة ظاهرة، ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ نزل قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:٣ - ٥]، فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، ولم يقيض لهما أن يؤمنا، ولا واحد منهما لا ظاهراً ولا باطناً، لا مسراً ولا معلناً، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة.
وهذا ذكره الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه السورة.
стр. 3267
أولاد أبي لهب
قال الشهاب: الذي صححه أهل الأثر أن أولاد أبي لهب لعنه الله ثلاثة: معتب، وعتبة وقد أسلما، وعتيبة وهو الذي دعا النبي ﷺ عليه لما جاهر بإيذائه وعداوته، ورد ابنته وطلقها، فقال ﵊: (اللهم سلط عليه كلباً من كلابك)، فأكله السبع في خرجة خرجها إلى الشام، والمقصود بالكلب هنا: الأسد، وفيه يقول حسان ﵁: من يرجع العام إلى أهله فما أكيل السبع بالراجع
стр. 3268
زيادة بيان لمعنى قوله: (سيصلى ناراً ذات لهب وامرأته حمالة الحطب)
قال تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣] أي: ذات توقد واشتعال، وهي نار الآخرة، جزاء ما كان يأتيه من مقاومة الحق ومجاهدته.
وقوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٤] يعني: وستصلاها معه امرأته أيضاً، فامرأته مرفوع عطفاً على الضمير في (سيصلى) أي: هو وامرأته، أو مرفوع على الابتداء، ويكون قوله: (في جيدها) هو الخبر.
وقرئ: (حمالةَ) بالنصب على الشتم والذم، وبالرفع نعتاً أو بدلاً أو عطف بيان، وإنما قيل لها ذلك-على قراءة النصب- لأنها كانت تمشي بالنميمة، قال الزمخشري: ويقال للمشاء بالنمائم المفسد بين الناس: يحمل الحطب بينهم- لأن نقل الكلام يؤدي إلى اشتعال الفتن بين الناس- أي: يوقد بينهم ويورث الشر، قال الشاعر: من البيض لم تصطد على ظهر لأمة ولم تمش بين الحي بالحطب الرطب يمدح الشاعر امرأة بأنها لم تمش بين الحي بالحطب الرطب، يعني أنها بريئة من المشي بالنميمة بين الناس.
وقال القاسمي: أي في عنقها حبل من المسد، أي: أنها في تكليف نفسها المشقة الفادحة للإفساد بين الناس، وتأجيج نيران العداوة بينهم في منزلة حامل الحطب، الذي في عنقه حبلٌ ثفن، يشد به ما حمله إلى عنقه، حتى يستقل به، وهذه أشنع صورة تظهر بها امرأة تحمل الحطب، ففي عنقها حبل من المسد تشد به الحطب إلى كاهلها حتى تكاد تختنق به.
وقد أنزل الله في أبي لهب وفي زوجته هذه السورة ليكونا مثلاً يعتبر به من يعادي ما أنزل الله على نبيه ﷺ مطاوعة لهواه، وإيثاراً لما ألفه من العقائد والعوائد والأعمال، واغتراراً بما عنده من الأموال، وبما له من الصولة أو المنزلة في قلوب الرجال، وأنه لا تغني عنه أمواله ولا أعماله شيئاً، وسيصلى ما يصلى، نسأل الله العافية.
стр. 3269
تفسير سورة الإخلاص
стр. 3270
بين يدي سورة الإخلاص
سورة الإخلاص هي السورة الثانية عشرة بعد المائة من القرآن الكريم وهذه السورة مكية، وآياتها أربع.
روى الإمام أحمد بسنده عن أبي بن كعب ﵁: (أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : يا محمد! انسب لنا ربك، أي: اذكر نسب ربك، فأنزل الله تعالى هذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]).
وروى البخاري بسنده عن عمرة بنت عبد الرحمن -وكانت في حجر عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله سلم- عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ بعث رجلاً على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ : أخبروه بأن الله تعالى يحبه)؛ أي: لأنه أحب صفة الله ﵎.
وفي بعض الروايات عند البخاري عن أنس ﵁ قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، فكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر، فقال: (يا فلان! ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ فقال: إني أحبها، قال: حبك إياها أدخلك الجنة).
وثبت أيضاً أن هذه السورة تعدل ثلث القرآن، فروى البخاري بسنده عن أبي سعيد ﵁: أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، فقال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده! إنها لتعدل ثلث القرآن).
وروى البخاري بسنده عن أبي سعيد ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ لأصحابه: أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟! فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: الله الواحد الصمد ثلث القرآن) يعني: سورة قل هو الله أحد.
وروى الإمام الترمذي بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : احشدوا -يعني: اجتمعوا وأحضروا الناس- فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، فحُشد من حُشد، ثم خرج نبي الله ﷺ فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم دخل، فقال بعضنا لبعض: قال رسول الله ﷺ : فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، إني لأرى هذا خبراً جاء من السماء -يعني: جاءه خبر من السماء يأمره بأن ينصرف ولم يشرع في قراءة ثلث القرآن ثم خرج نبي الله ﷺ فقال: إني قلت: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا وإنها تعدل ثلث القرآن).
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، ورواه مسلم في صحيحه.
وقال ﷺ : (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فإنه من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] في ليلة فقد قرأ ليلتئذٍ ثلث القرآن).
ومما صح أيضاً في فضيلة هذه السورة العظيمة قول رسول الله ﷺ : (من قرأ قل هو الله أحد عشر مرات حتى يختمها بنى الله له قصراً في الجنة، فقال عمر: إذاً نستكثر يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : الله أكثر وأطيب).
قوله: (إذاً نستكثر) يعني: إذاً نقرؤها كثيراً.
قوله: (الله أكثر وأطيب) أي: الله أكثر أجراً وثواباً من عملكم.
وعن بريدة: (أنه دخل مع رسول الله ﷺ المسجد فإذا رجل يصلي ويدعو، يقول: اللهم! إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فسمعه الرسول ﵊ فقال: والذي نفسي بيده! لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب).
ومن الأحاديث الواردة في فضيلة هذه السورة العظيمة أيضاً ما رواه الإمام أحمد بسنده عن عقبة بن عامر ﵁ قال: (لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله! بم نجاة المؤمن؟ قال: يا عقبة! أخرس لسانك -أي: تصرف كأنك أخرس، أي: أمسك عليك لسانك، وجاء في بعض الروايات الأخرى: أملك عليك لسانك، أمسك عليك لسانك-، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك).
وهكذا سلوك المؤمن في الفتن أن يكف لسانه ولا يخوض؛ لأن اللسان إذا أطلق فهو سبع عقور، يقطع في أعراض الناس، ويجني ويحصد صاحبه بهذه العضلة القصيرة الآثام والكبائر والذنوب، فتهلكه.
قوله: (أمسك عليك لسانك) أي: أغلق هذا الباب من الشر.
(قال عقبة: ثم لقيني رسول الله ﷺ ، فابتدأني فأخذ بيدي، فقال: يا عقبة بن عامر! ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم؟ قال: قلت: بلى، جعلني الله فداك، قال: فأقرأني: قل هو الله أحد، وقول أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم قال: يا عقبة! لا تنسهن، ولا تبت ليلة حتى تقرأهن إلى آخر الحديث).
وأيضاً ثبت الاستشفاء بهذه السورة العظيمة، فقد روى البخاري بسنده عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما -أي: ينفخ بريق لطيف، فهذه رقية يومية كان الرسول ﵇ يرقي بها نفسه قبل أن ينام-، فقرأ فيهما: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات).
وقوله هنا في هذا الحديث: (ثم نفث فيهما، فقرأ فيهما) ليس على ظاهره وإنما المقصود: أنه قرأ أولاً، ثم نفث بعد القراءة؛ حتى تحصل بركة تلاوة القرآن في كفيه.
قوله: (نفث فيهما) أي: بعد القراءة، فينبغي أن يحمل الحديث على هذا، فإذا أراد الإنسان أن ينام فإنه يجمع كفيه، ثم يقرأ المعوذات الثلاث، وإذا قيل: المعوذات فالمراد بها: قل هو الله أحد، والفلق، والناس، المعوذات بالجمع.
قوله: (يجمع كفيه ثم ينفث فيهما) أي: بعد أن يقرأ.
قوله: (ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده)، فيبدأ أولاً برأسه ووجهه، ثم ما أقبل من جسده، ثم ما استطاعت يده أن تصل إليه من جسده، فيرقي نفسه بهذه السور الثلاث.
стр. 3271
تفسير قوله تعالى: (قل هو الله أحد)
قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١].
يقول الشيخ عطية سالم -رحمه الله تعالى- في تفسير سورة الإخلاص: قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، (قُلْ) أي: لا تقله من عند نفسك؛ بل قل: هذا الذي عرفته صادقاً يقول لي: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أي: الواحد الوتر الذي لا شيبه له ولا نظير ولا صاحبة ولا ولد ولا شريك.
ومعلوم أن هذه المعاني كلها صحيحة في حقه ﵎؛ فالله هو الواحد الوتر، الذي لا شريك له ولا ند ولا نظير.
فهذه الآية تدل على أن الله أَحد في ذاته وفي صفاته، فلا شيبه له ولا شريك ولا نظير ولا ند له .
فهذه صفات الرحمن كما جاء في الحديث الذي سبق أن ذكرناه، وفيه قصة ذلك الصحابي الذي قال: إني أحبها؛ لأنها صفة الرحمن ﵎.
وهذا مما يدل على خطورة موقع قضية معرفة الله .
ومعرفة الله كما يقول البعض: زلة حاضرة، فكيف يعرف الله؟ إن معرفة الله لا تكون بالعقل، وإنما يعرف بالوحي، فصفات الله وأسماؤه لا يمكن أن يجتهد الإنسان فيها بعقله حتى يصل إليها، فكيف لهذا المحدود أن يدرك المطلق ؟! إذاً: فمعرفة الله لا تكون إلّا بالوحي، فيأتي الوحي ويخبرنا عن أسماء الله وصفاته وأفعاله ، وليس الأمر كما يقول بعض الناس: ربنا عرفناه بالعقل، فبالعقل نتأمل في مخلوقات الله، فنصل بذلك إلى حكمته وعلمه وقدرته، وآيات توحيده، وأما معرفة الله فإنما تكون عن طريق الوحي.
وقضية الأسماء والصفات قضية في غاية الخطورة، خلافاً لبعض الجهلة ممن لم تسبقهم إلى بدعتهم وقولهم وجهلهم أي طائفة، لا من أهل السنة ولا من أهل البدعة؛ لأن الفرق كلها تعطي هذه القضية الأولوية المطلقة في قضايا الدين، فقضية معرفة الله وأسمائه وصفاته قضية لها الأولوية المطلقة، معرفة الله وما يليق به وما لا يليق به؛ لأن علم التوحيد هو أشرف العلوم على الإطلاق، فالعلم يشرُف بشرف المعلوم، فمثلاً: هل علم الطب مثل علم الحشرات؟ لا؛ لأن موضوع علم الطب هو رأس مال الإنسان في الحياة الدنيا، وهي الصحة، وأما علم الحشرات فعلم أقل من ذلك بكثير، وهكذا، فبشرف المعلوم يشرف العلم، فأشرف معلوم في الوجود هو الله ، فمن ثَم فإن علم التوحيد هو أشرف العلوم على الإطلاق؛ لأن موضوعه معرفة الرب ، ومعرفة ما يليق بالله، ومعرفة ما ينبغي أن ننزه الله ﵎ عنه.
إذاً: فقضية التوحيد قضية محورية جوهرية لها مرتبة أولية على كل ما عداها من القضايا.
ومع ذلك نسمع بعض الجهلة يقولون: التوحيد يفرق الناس، فدعونا في الأمور التي وراءها عمل، فالمسكين يظن أن هذا ليس بعمل! أليس القلب إذا عرف الله وصدّق فهذا منه عمل؟! ألم يقل تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥]، فالكسب هو اليقين في القلب، أليس هذا عملاً، وأليس هذا تصديقاً؟! إذاً: فهذه السورة هي ثلث القرآن، وقد بشر الرسول ﵊ ذلك الصحابي الذي كان يختم بها في الصلاة أن الله تعالى يحبه؛ لأنه يحب صفة الرب ﵎، فليس فيها إلا الصفة، وليس فيها حلال ولا حرام، ولا أمر ولا نهي، وإنما فيها خبر عن صفات الله، وما يليق بالله وما لا يليق بالله.
وأيضاً فإن أعظم آية في القرآن هي آية الكرسي، ومع ذلك ليس فيها الأمر أو النهي أو العمل الذي يزعمونه، وليس فيها سوى الخبر عن الله: إثباتاً لما يليق به، ونفياً لما لا يليق به، ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فيه نفي وإثبات، ((لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ)) فالحي القيوم لا يمكن أن تأخذه سنة ولا نوم، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥].
وقد سبق مراراً أن نبهنا على هذا الأمر، فنكتفي بهذه الإشارة.
وقد دلت هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ على أن الله أحد، أي: في ذاته وصفاته، فلا شبيه له ولا شريك ولا نظير ولا ند.
فقوله ﵎: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فسره ضمناً قوله ﵎: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]؛ أي أن الله واحد فرد لا شريك له ولا ند ولا نظير ولا شبيه، لا في صفاته، ولا في ذاته، ولا في أفعاله.
وكذلك أيضاً (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) يفسرها قوله تعالى: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)).
((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) تفسيرها: ليس كالله شيء.
وأما المعنى العام: فإن الرسالة المحمدية كلها، بل وجميع رسالات الأنبياء إنما جاءت لتقرير هذا المعنى؛ لأن الله واحد أحد، ولا يدل على هذا آيات القرآن الكريم فقط، ولا الكتب المنزلة على الأنبياء من قبل فقط، بل يحوم ويدندن حول هذه القضية كل ما في الوجود، كما يقول الشاعر: فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد ويقول الآخر: تأمل سطور الكائنات فإنها من الملأ الأعلى إليك رسائل وقد خُطَّ فيها لو تأملت خطَّها ألا كلُّ شيء ما خلا اللهَ باطل وأما نصوص القرآن على هذه الحقيقة الخالدة، والتي هي أعظم حقيقة في الوجود، فكثيرة جداً، وكل الوجود يدور حول إثبات هذه الحقيقة وهي: التوحيد لله ﵎، ونفي النظير والشريك والند والمثل له.
يقول ﵎: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣].
ويقول تعالى في سورة التوبة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [التوبة:٣١].
وفي سورة ص: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص:٦٥].
وقال تعالى: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [إبراهيم:٥٢].
فسبحانه ﷻ ، وتقدست أسماؤه، وتنزهت صفاته، فهو واحد أحد في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله.
وقد جاء القرآن أيضاً بتقرير هذا المعنى عقلاً كما أقره نقلاً، أي أنه جمع بين العقل والنقل.
فما مضى فتملك أدلة نقلية، وإخبار من الله سبحانه بأنه واحد لا شريك له.
وقد عرض القرآن هذه القضية على سبيل الاستدلال العقلي، فقال ﵎: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٤٢ - ٤٣].
وقال ﵎: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، فدلل على عدم فسادهما بعدم تعددهما، فهل فسدت السموات والأرض؟
الجواب
لم تفسد، بل هي على نظام ثابت مستقر بمشيئة الله، فيدل هذا على عدم تعدد الآلهة.
وجُمع العقل والنقل في قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١].
стр. 3272
تفسير قوله تعالى: (الله الصمد)
قال تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢].
قوله تعالى: اللَّهُ الصَّمَدُ يفسره قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣]، قال ابن كثير: وهذا معنىً حسن.
وقال بعض العلماء: الصمد هو المتناهي في السؤدَد، وفي الكمال من كل شيء.
وقيل: الصمد من يصمد الخلائق إليه في حاجاتهم، ولا يحتاج هو إلى أحد.
فكل الخلق محتاجون إليه، وهو لا يحتاج إلى أحد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام:١٤]، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].
ونبدأ في تفسير ما بعده الذي أشرنا إليه، فقد قلنا في قوله تعالى: اللَّهُ الصَّمَدُ: إنه يفسره ما بعده، وهو قوله: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ.
وفي إمعان النظر في مبدأ: يفسره ما بعده، يتضح لنا أن السورة كلها هي تفسير لأول آية فيها.
فسورة الإخلاص هي أربع آيات، والثلاث الآيات الأخيرة منها تفسير للآية الأولى.
فقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فسرها وشرحها قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٢ - ٤]؛ لأن الأحدية هي تفرد الله بصفات الجلال والكمال كلها، ولأن المولود ليس بأحد؛ لأنه جزء من والده.
فلو وُلد لرجل مولود، فهذا المولود لا يقال له: أحد؛ لأنه ليس بأحد، وإنما هو جزء من والده الذي تناسل منه، وكذلك الوالد لا يقال له: أحد؛ لأن جزءاً منه في ولده.
وكذلك لو لم يكن له والد ولا ولد لكنه له كفؤ وله نظير وله شبيه ومثيل، فليس بأحد أيضاً، فكل من له كفؤ ونظير ومثيل لا يوصف بأنه أحد؛ لأنه غير منفرد فله نظير، فكيف يكون منفرداً، وكيف يكون واحداً أحداً؟! إذاً: فالسورة كلها تقرير لمعنى (أحد) في قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١].
стр. 3273
تفسير قوله تعالى: (لم يلد ولم يولد)
قال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣].
قوله: (لَمْ يَلِدْ)، ومثله قوله تعالى: ﴿وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء:١١١]، وهذه الآية هي آخر آية في سورة الإسراء، وتسمى آية العزة.
إن نفي اتخاذ الولد لا يستلزم نفي الولادة؛ لأنه يمكن أن يتخذ الشخص ولداً بطريقة غير طريقة التناسل المعروفة، وذلك عن طريق التبني مثلاً، ففي قصة يوسف ﵇ يقوله عن عزيز مصر: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف:٢١].
إذاً: فيمكن أن يُتخذ الولد عن طريق الإلحاق، أو عن طريق التبني، فيكون في هذه السورة نفي أخف.
فقوله: (لم يلد) أخف من قوله: (ولم يتخذ ولداً)، ففي هذه السورة نفي أخف.
فقوله: (ولم يتخذ ولداً) نفي لاتخاذ الولد مطلقاً بالنسب وغيره.
فلزم التنبيه عليه في هذه السورة الكريمة التي هي سورة الإخلاص والتي تعدل ثلث القرآن؛ لأن هذه السورة مختصة بحق الله ﵎ في ذاته وصفاته من الوحدانية والصمدية ونفي الولادة والولد ونفي الكفؤ، وكلها صفات انفرد الله بها، ولذلك جاء في هذه السورة (سورة الإخلاص) النص الصريح بعدم الولادة في قوله: (لم يلد) وأنه (لم يلد ولم يولد)، فهي أخص من تلك، وهذا من المسلمات عند المسلمين جميعاً بدون شك ولا نزاع، ولم يؤثر فيها أي خلاف.
وهذه الحقيقة ليس فيها شك على الإطلاق، وليس فيها أدنى خلاف بين من ينتسب إلى الإسلام، ومن قال بخلاف ذلك فليس بمسلم، بل يصير كافراً.
إذاً: فقد سلم جميع المسلمين بهذه الحقيقة: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]، ولكن غير المسلمين لم يسلموا بهذه الحقيقة.
فاليهود قالوا: عزير ابن الله، وهذه صورة من صور الشرك، ولهم صور أخرى في الشرك كتشبيه الله بخلقه، وهذا باب آخر، فإن كلامنا الآن في نفي الوالدية لله ، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، فاتفقوا على ادعاء الولد لله، ولم يدع أحد أنه مولود، أي: أن له أبوين.
وقد جاءت النصوص الصريحة في نفي الولد عن الله ، إلا أن مجرد النص الذي لم يؤمن به الخصم لا يكفي لإقناعه، وهذه السورة وهي المختصة بصفات الله لم يأتِ فيها السليم عن المانع من اتخاذ الله للولد، ومنه كونه لم يولد.
يقول الشيخ عطية سالم: جاء في القرآن الكريم ذكر ادعاء الولد لله عن ذلك علواً كبيراً، وجاء الرد من الله تعالى مع بيان المانع مفصلاً - أي: بأن الله لم يلد ولم يولد- مع الإشعار بالدليل العقلي وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة:١١٦]، فهذا تنزيه لله؛ لأن هذا شتم لله كما جاء في الحديث القدسي: (يشتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني) أي: أن ينسب إلى الله الولد.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٦ - ١١٧].
فهذا نص صريح فيما قالوه: اتخذ الله ولداً، وهو أيضاً نص صريح في تنزيه الله سبحانه وتعالى عما يقولون.
ثم جاء حرف الإضراب عن قولهم فقال: (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) ففيه بيان المانع عقلاً من اتخاذ الولد بما يُلزم الخصم، وذلك أن غاية اتخاذ الولد أن يكون باراً بوالده، وأن ينتفع الوالد بولده كما جاء في قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦]، أو يكون الولد وارثاً لأبيه كما في قوله تعالى عن نبي الله تعالى زكريا ﵇: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم:٥ - ٦].
أما الله فهو حي باقٍ، يَرث ولا يُورث كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٨٠].
إذاً: فكل ما في السموات والأرض في قنوت وامتثال طوعاً أو كرهاً لله ، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٢ - ٩٣]، إذاًَ: فهو ليس بحاجة إلى الولد؛ لغناه عنه.
ثم بيّن سبحانه قدرته على الإيجاد والإبداع فقال: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧]، وهذا واضح في نفي الولد عن الله .
وقد تمدّح سبحانه في قوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١] أي: الله أكبر كبيراً.
وأما أنه لم يولد فلم يدع أحد عليه ذلك؛ لأنه ممتنع عقلاً بدليل الممانعة المعروف، فلو توقف وجود الله على أن يولد لكان محتاجاً في وجوده إلى من يلده، ثم يكون من يلده بحاجة إلى والد وهكذا، وهذا يسمى بالتسلسل أو الدور، وهو من الأمور المستحيلة.
وأورد بعض المفسرين سؤالاً في هذه الآية، وهو: لماذا قدم نفي الولد على نفي الولادة؟ فقوله: (لم يلد) نفي للولد.
وقوله: (ولم يولد) نفي للولادة.
والأصل في المشاهدة أن الإنسان يولد أولاً ثم يلد بعد ذلك.
و
الجواب
أن هذا من باب تقديم الأهم؛ لأنه رد على النصارى في قولهم: عيسى ابن الله، وعلى اليهود في قولهم: عزير ابن الله، وعلى المشركين في قولهم: الملائكة بنات الله، ولأنه لم يدع أحد أنه مولود لأحد، فكانت دعواهم الولد لله فرية عظمى كما قال تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥]، وقال : ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٣].
فمع أن أحداً لم يدع لله الولادة جاء القرآن بنفي كلا الاحتمالين؛ لتسليم النفي والتنزيه كما في حديث البحر لما سئل الرسول ﵇ عن الوضوء بماء البحر فقيل له: (إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، فقال رسول الله ﷺ : هو الطهور ماؤه، الحل ميتته).
فلأن الشيء الذي يحتمل أن يسأل عن مائه، يحتمل -أيضاً- الاشتباه في حكم ميتته، فهذا جواب للسائل بأكثر مما سأل عنه.
стр. 3274
تفسير قوله تعالى: (ولم يكن له كفواً أحد)
قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤].
يقال: كفواً، وكفؤاً، وكفاءً، وهي كلها بمعنى واحد، وهو المثْل.
وكل أقوال المفسرين في هذه الآية الكريمة تدور على معنى نفي المماثلة، وأنه سبحانه ليس له مثيل ولا نظير ولا شبيه.
فعن كعب وعطاء: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا) -بضم الفاء- لم يكن له مثلٌ ولا عَديل.
وعن ابن عباس أنه بمعنى: ليس كمثله شيء.
وعن مجاهد أي: لا صاحبة له.
وقد جاء نفي الكفؤ والمثل والند والعِدل عن الله .
فنفي الكفؤ عن الله في قوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا).
أما نفي المثل جاء في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وفي قوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤].
أما نفي الند ففي قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢].
أما نفي العِدل ففي قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] أي: يساوونه بغيره.
وهو مأخوذ من العِدل، وهو أحد شقي حمل البعير.
стр. 3275
سبب نزول سورة الإخلاص
روي في سبب نزول هذه السورة أن المشركين قالوا للنبي ﵊: انسب لنا ربك؛ فنزلت هذه السورة، وقال فيها: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣]، رداً على إثبات النسب له .
وقد جاء مثل هذا المعنى حينما سأل فرعون موسى ﵇ عن ربه فقال له: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣] فجاء جوابه: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء:٢٤ - ٢٧].
فما موجب قول فرعون -لعنه الله- عن موسى ﵇ إنه لمجنون؟ لأنه سأله بـ (ما) فقال: (وما رب العالمين)؟ و (ما) يُسئل بها عن شرح الماهية، فكان مقتضى السؤال بها أن يبين ماهية الرب ، من أي شيء هو؟ كما يقال في جواب قول القائل:-ولله المثل الأعلى- ما الإنسان؟ فيجاب: هو حيوان ناطق مثلاً.
ولكن موسى ﵇ أعرض عن سؤال فرعون؛ لأنه جاهلٌ بالله ولا يعرف ما الذي يليق أن يُسئل به عن الله وما الذي لا يليق؛ فسأل فرعون لجهله عن حقيقة الله تعالى، أو لتجاهله عن هذه الحقيقة، أو كان ذلك منه جحوداً وعناداً، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤].
فأتى الجواب بما يخصه هو، فالله لا يعلم كيفيته إلا هو.
إذاً: لا يوجد أي أمل على الإطلاق في أن يدرك الإنسان ربه، أو يحيط به علماً، فهذا لا مطمع لأحد فينا به على الإطلاق، فلا يعرف كيفية الله إلا الله ، فغير وارد أبداً أن يحاط بالله علماً، فأي إنسان مهما حاول أن يُعمل عقله وخاض بكل ما أوتي من قوة ومن علم أن يعرف كيفية الله فالله قطعاً بخلاف ما توهمه؛ لأنه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] أي: ليس كالله شيء.
فأنت تستطيع أن تتصور في خيالك وفي عقلك الشيء الذي رأيته من قبل، فإذا قلت لك مثلاً: قلم، كوب، طائرة، دبابة، سيارة، عمود، حجر، ماء، فهذه أسماء وألفاظ قلتها، وكل منكم في مخيلته صورة لها فتستطيعون أن تتخيلوها؛ لأنكم رأيتموها، فيستطيع المرء أن يتصورها بالكيفية التي رآها عليها، وأما الله تعالى فمتى رآه حتى يتصوره ويكيفه بصورة معينة؟!! إذاً: فهذا الأمر في غاية الأهمية، وقد أيأسنا الله من تخيل بعض المخلوقات كالجنة مثلاً، فقد جاء في الحديث القدسي: (أعددت فيها لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) أي: أنك مهما حاولت أن تتخيل نعيم الجنة وما فيها من فاكهة ونخيل وأعناب وأنهار فلا تستطيع، مع أننا قد رأينا في الدنيا هذه الأشياء، ومع ذلك فالجنة بخلاف ذلك، ولا موافقة بين ما في الدنيا وما في الجنة إلا في الأسماء فقط، فإذا كان هذا في المخلوقات فكيف بحق الله ؟! فلا أمل على الإطلاق في هذا، فينبغي للإنسان ألّا يهدر طاقته العقلية والذهنية في التفكير في شيء أيأسنا الله من أن نصل إليه، ولذلك لما كان بعض الناس يخوض في تشبيه الله بخلقه أفحمه بعض العلماء، فاستقرأه حديث الإسراء، وكيف أن الرسول ﵊ قال: (رأيت جبريل في صورته وله ستمائة جناح، ما منها جناح إلا قد سد ما بين المشرق والمغرب).
فإذا كان هذا في مخلوق من مخلوقات الله تعالى فكيف بالله تعالى! فقال له: صف لي خلقاً من خلق الله له ستمائة جناح؟ فعجز، فقال له: فأنا أضع عنك خمسمائة وسبعة وتسعين جناحاً، فصف لي خلقاً من خلق الله له ثلاثة أجنحة؟ فبهت وتحير، فقال له: يا أبا فلان! قد عجزنا عن صفة المخلوق فنحن عن صفة الخالق أعجز.
إذاً: فلا مطمع ولا أمل على الإطلاق في أن يعرف أحد كيفية الله أبداً، فعلينا أن نثبت له الصفات كما وردت في القرآن والسنة، ولا نكيف، ولا نمثل، ولا نعطل.
إذاً: ففرعون يسأل عن ماهية رب العالمين في قوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣]، وهذا سؤال لا يمكن أن يدرك أحد جوابه، فموسى ﵇ رد عليه بما يخصه ويلزمه الاعتراف به من أن الله رب السموات والأرض وما بينهما، وليست كربوبية فرعون الكاذبة.
ومثل ذلك في القرآن: عندما سألوا عن الأهلة لماذا تبدو صغيرة وبعدها تكبر؟ فهذا سؤال عن حقيقة تغيرها، فترك القرآن الجواب على سؤالهم، وأجابهم بما يخصهم، وما يلزمهم وينفعهم، فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩].
وكذلك جواب الخليل ﵇ للنمرود عندما حاجه في ربه كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨]، فهذا أسلوب في المناظرة، فإبراهيم ﵇ لم ينتقل عجزاً عن جواب السؤال الأول، فالنمرود كان عنده مخارج في المشاغبة، فقال: أنا أحيي وأميت، فأتى برجلين فحكم على أحدهما بالإعدام والثاني أطلقه، فقال له: أنا الآن أحيي وأميت، فهذا نوع من الشغب، فلم يتفرغ إبراهيم لمناقشة شغبه، وانتقل إلى حجة لا يمكن بحال من الأحوال أن يدعي أن له قدرة عليها، فقال تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨].
وقد جاء أيضاً أن المشركين سألوا رسول الله ﷺ عن حقيقة ربه كما جاء في بعض الرويات: وإلهك هذا من نحاس، أم من خشب، أم من كذا أم من كذا؟ وفي بعض الرويات أنهم قالوا: انسب لنا ربك، فجاء الجواب بصفات الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، لأن النسب لا يكون إلّا للمخلوق، وعندما تسأل عن الماهية فهذا في المخلوق، لكن الله لا يسأل عنه أبداً بهذا السؤال، فما يسألون عنه إنما يكون في المخلوقات لا في الخالق ، وفي الممكن لا في الواجب الوجود، فهو سبحانه لا يدرك كنهه غيره ، وصدق الله العظيم في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وفي قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠].
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كتابان في تفسير سورة الإخلاص، وهذه السورة لو مكثنا سنة كاملة في تفسيرها لا نفرغ؛ لأن فيها من المعاني والأسرار والحكم ما تنقطع دونه الأعناق، والكتابان هما: (تفسير سورة الإخلاص)، والثاني: (جواب أهل العلم والإيمان في ما ورد من أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن)، وهذا من أبدع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فنكتفي بهذا القدر من تفسير سورة الإخلاص.