Полный текст (3 275 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
آثار دعوى وحدة الأديان
أول آثار هذه الدعوى: اقتحام العقبة لكسر حاجز الهيبة من المسلمين، وكسر حاجز النفرة من الكافرين.
ومن آثارها: تقديم هذا المدعو بالبابا نفسَه إلى العالم بأنه القائد الروحي للأديان جميعاً، وأنه حامل لرسالة السلام العالمي الإنساني.
ومن آثارها: أنه اعتبر يوم (٢٧/ ١٠/ ١٩٨٦م) عيداً لكل الأديان، وأول يوم من شهر يناير هو يوم التآخي.
ومن آثارها: اتخاذ نشيد يردده الجميع، وأسموه نشيد الإله الواحد: رب وأب.
ومن آثارها: انتشار عقد المؤتمرات لهذه النظرية، وقد عقد المؤتمر الإبراهيمي سنة (١٩٨٧م) في قرطبة بمشاركة عدد من اليهود والنصارى والمنتسبين للإسلام من القاديانيين والإسماعيليين، باسم: مؤتمر الحوار الدولي للوحدة الإبراهيمية.
كان المتولي لذلك النصراني، والذي يفخر بأنه ما زال نصراني وهو رجل يهودي، وليس كما يفهم الناس، فقد قال: أنا ما تخليت عن النصرانية، وله فكرة في غاية الخطورة، وبعد ذلك تأسست الجماعة العالمية باسم المؤمنون متحدون، ونادي الشباب المتدين أيضاً، وجماعة أخرى باسم الناس متحدون، وعمل لهذه المؤسسات لوائح وأنظمة داخلية ركّزت على إذابة الفوارق بين الإسلام واليهودية والنصرانية، وتجريد الشخصية الإسلامية من هويتها، فينسى المرء أن الإسلام ناسخ لما قبل، أو أن القرآن ناسخ لجميع الكتب، وأنه مهيمن عليها، باسم وحدة الأديان.
ويبلغ رأس مال جماعة (المؤمنون المتحدون) (٨٠٠.
٠٠٠ دولار) وفي حال حل الجمعية تعود أموالها إلى الصليب الأحمر، ومؤسسة الصدقات الكنيسية.
من معتبرات هذه الجمعية رموز: رمز الإحسان هو مؤسس الصليب الأحمر.
رمز التطور هو داروين.
رمز المساواة هو كارل ماركس.
ورمز السلام العالمي للبشرية والإخاء الديني هو البابا.
واتخذت هذه الجمعية راية عليها الشعارات الآتية: شعار الأمم المتحدة، وألوان علم الأمم المتحدة متخذة من التوراة الدين السماوي، وشعار قوس قزح وهذا أيضاً مأخوذ من سفر التكوين التوراتي، وشعار السبعة رمز النصر عندهم، وهو اسم أول سفينة اكتشفت القارة الأمريكية، وحملت النصرانية إلى هذه القارة.
ومن آثار هذه النظرية جلبها إلى ديار الإسلام، وتأييدها على بعض الألسنة، ومنها ما حصل في مؤتمر شرم الشيخ في مصر سنة (١٤١٦هـ) وقد تركزت كلمات بعض أصحاب الفخامة على الصفة الجامعة بين المصلين وهي الإبراهيمية، وهو مؤتمر يجمع لفيفاً من المسلمين واليهود والنصارى والشيوعية.
وفي تاريخ (١٠/ ١٠/ ١٤١٦هـ) أعلن بعضهم عن إصدار كتاب يجمع بين دفتيه القرآن الكريم والتوراة والإنجيل، وفي بعض الآفات صدر قرار رسمي بجواز تسمية موالي المسلمين بأسماء اليهود المختصة بهم، ونلاحظ أن من المسلمين من سمى ابنه رابين، والله المستعان.
ومن ذلك أن نصرانياً سمته أمه محمداً فأصبح اسمه: محمد صبحي، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا شيء مؤلم جداً أن يكون نصرانياً ويسمى محمداً.
ومن ذلك أن سورياً كان معجباً بـ هتلر، وفي سنة (١٩٣٠م) رزق ولداً، وسماه محمد هتلر، وهناك رجل كويتي سمى ابنه عبد الله جورج بوش الصالح، ووالدته دكتورة اسمها: بدور المطوع، قالت: سمينا الطفل على اسم الرئيس الأمريكي؛ كبادرة عرفان في تحرير بلادنا، وهذا مظهر من مظاهر ذوبان الهوية، وذوبان الحد الفاصل بين المسلمين وبين غيرهم.
فالشيخ بكر فصل جداً في هذا الكتاب، وأنا أنصح بقراءة هذا الكتاب القيم جداً واسمه: (الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان).
هذا ما تيسر المرور عليه من موضوعات هذا الكتاب.
стр. 3222
تفسير قوله تعالى: (إنّ الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين)
قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٦].
قرئت: البريّة، وقرئت: البريئة أي: شر من برأه الله وخلقه، فأكثر العرب وأكثر القراء على ترك الهمز، أي: البرية؛ لكثرة ما جرت على الألسنة، وهي فاعلة بمعنى مفعولة من برأ الله الخلق فهي بريئة، أي: مخلوقة من الله ، كما قال تعالى ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢].
فهذه الآية تضمنت أن أولئك في نار جهنم خالدين فيها، وأنهم شر البرية، ومن البرية: الدواب والطيور، فاللفظ هنا على العموم.
ومفهوم الآية أن هؤلاء شر الخليقة كلها، أي: أنهم شر من الحيوانات والدواب؛ لأنها تدخل في البرية، وهذا ما صرح به القرآن في موضع آخر فقال : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٢]، وقال ﵎: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٣]، فبان بذلك أن المراد بهم الكفار، وقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:٤٠]، فهل الدواب في ضلال مبين؟ لا، ليست الدواب في ضلال مبين، بل إن الكفار في ضلال مبين.
وأما الدواب فتؤمن بوحدانية الله، فهدهد سليمان ﵇ أنكر شرك بلقيس وقومها فقال: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٢ - ٢٣]، ثم يقول: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٢٤] إلى آخر الآية، فالهدهد فاهم لقضية التوحيد فهماً عميقاً كما في هذه السورة.
وفي الحديث في فضل يوم الجمعة: (وما من دابة إلا تصيخ بأذنها من فجر يوم الجمعة إلى طلوع الشمس شفقاً من الساعة)، فهذا خبر الصادق المصدوق، والكفار ليس لديهم من ذلك خبر، فلذلك فإن الدواب أفضل منهم كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩].
وفي الآخرة لما يجمع الله جميع الدواب فيقتص للعجماء من القرناء، ويقول لها: كوني تراباً، فحينئذ يتمنى الكافر لو أنه كان مثلها، وهيهات أن يحصل مثل ذلك، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠] فالدواب لم تعمل خيراً حتى تجازى عليه، ولم تعمل شراً لتعاقب عليه، فالدواب خرجت من الدنيا لا لها ولا عليها، إلا ما كان فيما بينها، فإذا نطحت ذات القرن التي بدون قرن فإنه يقتص من بعضها البعض، ثم تكون نهايتها وعودتها إلى منبتها، وهو التراب، بخلاف الكافر فإن عليه حساب وعقاب المخالفة، فيعاقب بالخلود في النار، فكان بذلك شر البرية.
стр. 3223
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية)
قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٧] أي: إن الذين آمنوا بالله ورسوله محمد ﵌ أولئك هم خير البرية.
وقد جاء حديث في هذا المعنى عن أنس ﵁ قال: (قال رجل للنبي ﷺ : يا خير البرية! فقال ﵊: ذاك إبراهيم)، وجواب العلماء عن هذا ونحوه كحديث: (لا تفضلوني على يونس بن متى) إما أن هذا الخبر كان قبل أن يوحى إليه ﵊ أنه أفضل الأنبياء والمرسلين، أو أنه قاله على سبيل هضم النفس والتواضع ﵌.
وقوله: ((أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)) هنا يعقد العلماء مسألة، وهي: المفاضلة بين صالحي البشر وبين جنس الملائكة.
يقول ابن كثير: اختلف الناس في تفضيل الملائكة على البشر على أقوال، فأكثر ما قيل في هذه المسألة في كتب المتكلمين، والخلاف فيها مع المعتزلة ومن وافقهم.
وأقدم كلام روي في هذه المسألة ما جاء في ترجمة أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص أنه حضر مجلساً لـ عمر بن عبد العزيز وعنده جماعة، فقال عمر: ما أحد أكرم على الله من كريم بني آدم، ومن الصالح من بني آدم، واستدل بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٧]، فوافقه على ذلك أمية بن عمرو بن سعيد، فقال أراق بن مالك: ما أحد أكرم على الله من ملائكته، فهم خدم داريه، ورسله إلى أنبيائه، واستدل بقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠]، فأجاب المخالف فقال: قد كرم الله آدم فخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وجعل من ذريته الأنبياء والرسل، ومن تزوره الملائكة.
وهنا نبيّن باختصار موضع النزاع فنقول: لا خلاف في أن الكفار والمنافقين غير داخلين في هذه المفاضلة على الإطلاق؛ لأنهم كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]، وليس المقصود بهذه المفاضلة المفاضلة بين حقيقة البشر وحقيقة الملائكة من حيث العنصر مثلاً، أو الجنس الذي خلق منه، لا، إنّها المفاضلة في هذه المسألة بين صالحي البشر وبين الملائكة، فهذا هو محل النزاع، وذهب بعضهم إلى أن الملائكة أفضل من سائر المؤمنين، وقالوا: إنّ الخلاف بين الملائكة وبين الأنبياء فقط.
ولن نناقش هنا الأدلة، ولكن نختم الكلام بترجيح ابن تيمية في المسألة وهو: أن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، وذلك حينما يدخلون الجنة، وينالون الزلفى، ويسكنون الدرجات العلى، ويحييهم الرحمن، ويخصهم بمزيد قربه، ويتجلى لهم فيستبشرون بالنظر إلى وجهه الكريم، وتقوم الملائكة في خدمتهم بإذن ربهم.
فصالحو البشر أفضل باعتبار كمال نهايتهم في الجنة، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى متنزهون عما يلابسه بنو آدم، ومستغرقون في عبادة الرب، ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحول البشر، فهذه خلاصة الكلام في هذه القضية.
стр. 3224
تفسير قوله تعالى: (جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري)
قال تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة:٨] قوله: (عدن) تعني: إقامة، فمعدن الشيء مستقره ومركزه الذي يوجد فيه، فمعنى قوله: ((جَنَّاتُ عَدْنٍ)) أي: جنات إقامة.
قوله: ﵃ أي: بما أطاعوه في الدنيا، وعملوا في خلوصهم من عقابه، ((وَرَضُوا عَنْهُ)) أي: رضوا عن ثوابه ﵎، ولا شك أن مقام رضا الله تعالى عنهم أعلى مما أوتوه من النعيم المقيم، والدليل قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]، فهذا النعيم أعظم بكثير من كل ما أوتوه من النعيم، ((ذَلِكَ)) أي: هذا الجزاء ((لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ))، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:١٢]، قوله: (لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) أي: خاف الله تعالى في الدنيا في سره وعلانيته، فاتقاه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، فإن الخشية ملاك السعادة الحقيقية.
стр. 3225
تفسير سورة الزلزلة والعاديات القارعة
стр. 3226
تفسير سورة الزلزلة
стр. 3227
تفسير قوله تعالى: (إذا زلزلت الأرض زلزالها) إلى قوله: (يومئذٍ يصدر الناس أشتاتاً) ليروا أعمالهم)
سورة الزلزلة هي السورة التاسعة والتسعون، قال ابن كثير: مكية.
ورجح السيوطي أنها مدنية.
وآيها ثمان.
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:١].
الزلزال: هو الحركة الشديدة بسرعة، ومما يدل على تركب معنى كلمة: (الزلزال) من الحركة الشديدة والسرعة، تكرار الحروف في كلمة: (الزلزال) وكذلك أيضاً (التضعيف) يدل على هذه الشدة.
يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾، أي: أصابها ذلك الزلزال الشديد، والاهتزاز الرهيب، فالإضافة للتفخيم أو الاختصاص.
أي: الزلزال المخصوص بها، وهي الرجة التي لا غاية وراءها.
والأقرب الأول، أي: أن هذه الإضافة للتفخيم، بدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١].
وقرئ بفتح الزاي: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زَلْزَالَهَا﴾، وقد قيل: هما مصدران، وقيل: المفتوح اسم، والمكسور مصدره وهو المشهور.
قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة:٢]، أي: قذفت ما في باطنها من كنوز ودفائن وأموات وغير ذلك؛ لشدة الزلزلة وتدفق ظهرها كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق:٣ - ٤].
فالأثقال هنا في قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ بمعنى: موتاها وكنوزها، أو تكون بمعنى: التحدث بما عمل عليها الإنسان.
وأرجح هذه الأقوال -والله تعالى أعلم- هو أن هذه الأثقال هي الموتى، فتخرج الأرض موتاها، بدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً ?وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥ - ٢٦].
وأيضاً: إخراج الكنوز إنما يكون قبل النفخة، فحينما يخرج الدجال يقول للأرض: أخرجي كنوزك؟ فتخرج الكنوز تتبعه، أما التحدث بالأعمال فهو منصوص عليه في نفس السورة فالأرجح أن أثقالها: موتاها، والله تعالى أعلم.
والأثقال: جمع ثَقَل -بفتحتين- وهو متاع المسافر وكل نفيس مصون، وإذا قلنا: ثِقَل؛ فيكون بمعنى: حمل البطن؛ لأنه يسمى ثِقَل، بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف:١٨٩].
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة:٣]، فيه دليل على أن هناك أناس أحياء في ذلك الوقت يشهدون ذلك الزلزال، فيقول من يكون من الناس مشاهداً لهذا الزلزال المفاجئ المدهش، الذي لم يحدث مثله: ما لهذه الأرض رُجّت هذه الرجّة الهائلة وبَعثر ما فيها من الأثقال المدفونة؟! قوله: (وقال الإنسان) سواء كان مؤمناً أو كافراً، بدليل قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥١ - ٥٢].
وقيل في قوله: ﴿وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا﴾، أي: الإنسان الكافر، أما المؤمن فهو لا يُعذب؛ لأنه يؤمن أن هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون، فلم يكن أمراً جديداً عليه.
قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٤]، كلمة (يومئذٍ) بدل من (إذا) أي: في ذلك الوقت ((تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا)) أي: تخبر بما عمل على ظهرها.
قال القاسمي: أي: تبين الأرض بلسان حالها ما لأجله زلزالها وإخراج الأثقال منها، فتدل دلالة ظاهرة على ذلك.
وهذا أيضاً من التأويل الغريب! فما الذي يستبعد أن الأرض تنطق وتحدث بما عمل على ظهرها؟! وما الذي يمنع من ذلك؟! فيكون معنى: ((تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا)) أي: بما عمل على ظهرها، وهذا ليس ببعيد في قدرة الله ﵎.
قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:٥]، الباء هنا سببية متعلقة، أي: أن الأرض تحدث بسبب إيحاء ربك لها، وأمره إياها بالتحديث.
قال القاسمي: الإيحاء استعارة أو مجاز مرسل ليس المقصود ظاهره.
وهذا أيضاً كلام غير مقبول، فالله يمكن أن يوحي للأرض كما أوحى إلى النحل: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل:٦٨].
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة:٦]، أي: ينصرفون من مراقدهم إلى مواطن حسابهم وجزائهم، متفرقين إلى سعداء وأشقياء، فقوله: ((يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا)) مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم:٤٣]، ومثل قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم:١٤].
قوله: (لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) أي: ليريهم الله جزاء أعمالهم.
стр. 3228
تفسير قوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره)
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧]، أي: فمن عمل في الدنيا وزن ذرة في الخير يرى ثوابه هنالك، والذرة: النملة الصغيرة، وهي مَثَلٌ تضربه العرب في كل ما هو صغير ودقيق، وقيل: الذر هو الهباء الذي يرى في ضوء الشمس إذا دخلت من النافذة، فينعكس ضوء الشمس على الذر الدقيق جداً.
وبعض الناس ممن يستغرقون في التفكير العلمي يفخرون بأن القرآن دل على أن الذرة تنقسم، واستدلوا بالآية: ﴿وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾، حيث زعموا أن فيها إشارة إلى الذرة، كما في سورة سبأ ويونس.
لكن هذا الكلام لا يسلم لهم؛ لأن المعهود والمعروف عند العرب من كلمة (ذرّة) أنها النمل الصغير، أو هذا الهباء، والعرب لم يقصدوا بكلمة (ذرّة) أنه الجزء الذي بتجمعه تكون الجزيئات، بل هذا اصطلاح علمي حادث.
فلا يجوز محاكمة القرآن أو فهم القرآن في ضوء ما حدث من الاصطلاحات، إنما نفهمه على لغة العرب، ولا نربط القرآن بمثل هذا الكلام، ونزعم أن القرآن جاء بهذا أو دل على أن الذرة تنقسم بدليل قوله: ﴿وَلا أَصْغَرَ﴾، فالآية تعني أن هناك ما هو أصغر من الذرة، وأما ذاك التفسير فإنه من التعمق والتوسع في الربط بين القرآن وبين الاكتشافات العلمية.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٨]، أي: ومن كان عمل في الدنيا وزن ذرة من شر فإنه يرى جزاءه ثمة، أي: هناك.
قال السيوطي في الإكليل: في هاتين الآيتين الترغيب في قليل الخير وكثيره، والتحذير من قليل الشر وكثيره، فعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: هذه الآية أحكم آية في القرآن، وفي لفظ: أجمع آية في القرآن، وسمى رسول الله ﷺ هذه الآية: الجامعة الفاذّة.
ففي الصحيح: (أنه ﷺ لما سئل عن زكاة الحمر وسكت عن البغال) والجواب فيهما واحد؛ لأن البغل والحمار لا كر فيهما ولا فر، فلما ذكر النبي ﷺ ما في الخيل من الأجر الدائم والثواب المستمر سأله السائل عن الحمر؛ لأنه لم يكن عندهم يومئذٍ بغال ولا دخل الحجاز منها إلا بغلة النبي ﷺ التي كانت تسمى (الدلدل) والتي أهداها إليه المقوقس، فأفتاه في الحمير بعموم الآية، وأن في الحمار مثاقيل ذر كثيرة، وسياق الحديث كان في الخيل، وثواب المجاهد في الخيل وما كان عليها من حبل وما خرج منها من روث كذلك يكون في ميزان حسنات المجاهد إلى آخره.
فسأله الرجل عن الحمير فأفتاه بعموم الآية، كما جاء في الحديث قال له: (ما أنزل الله فيها شيئاً إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]).
فإذا كان من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومثقال ذرة شراً يره، فكم في الحمار من مثاقيل الذر؟! فلو أن إنساناً عنده حمار يستعمله في الخير فإن له أجراً على قدر ذلك.
فالشاهد هو: الاستدلال بعموم هذه الآية وأنه لم يخص الحمار بشيء معين، فهذا ينطبق على أي شيء قابل لأن يكون معيناً للإنسان على الخير أو على الشر، كل بحسبه.
وفي الموطأ: أن مسكيناً استطعم عائشة أم المؤمنين ﵂ وبين يديها عنب، فقالت لإنسان: خذ حبة فأعطه إياها، فجعل ينظر إليها ويتعجب، فقالت: أتعجب! كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرّة؟! وروي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه تصدق بتمرتين، فقبض السائل يده، فقال للسائل: ويقبل الله منا مثاقيل الذر، وبالتمرتين مثاقيل ذر كثيرة.
قال الرسول ﷺ : (ليتق أحدكم النار ولو بشق تمرة)، فهذا الذي أتيح له أنه يتصدق له بتمرتين، لكن السائل استنكف أن يأخذ تمرتين! مع أن ربنا قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة:٧]، فكم فيها من مثاقيل الذر؟! وروى الإمام أحمد والنسائي في الكبرى عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق: (أنه أتى النبي ﷺ ، فقرأ عليه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ إلى آخر السورة، قال: حسبي لا أبالي ألّا أسمع غيرها).
стр. 3229
تفسير سورة العاديات
стр. 3230
تفسير قوله تعالى: (والعاديات ضبحاً فوسطن به جمعاً)
سورة العاديات هي السورة الثلاثون، وآيها إحدى عشرة.
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ [العاديات:١ - ٣] هذا قَسَمٌ بخيل الغزاة التي تعدو نحو العدو لتهاجمه، وأثناء هذا العَدْو تضبح، والضَبْح: صوت أنفاسها إذا عَدَتْ، وليس المراد هنا: الصهيل؛ لأن الخيول لها حالتان: حالة الصهيل: وهو الصوت العادي المعروف.
أما الضَبْح فهو صوتها عند النزال حيث تلهث أثناء الجري للعدو، فتصدر الصوت المسموع عند الشهيق والزفير.
قوله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات:٢] أي: أن هذه الخيول توري النار بحوافرها، والقدح هو الضرب لإخراج النار، والإيراء يترتب عليه؛ لأنه إخراج النار وإيقادها، فإيراؤها ما يرى من صدم حوافرها للحجارة وهي تعدو، لا سيما إذا اصطدمت بالصخور، فذلك يُخرج شرارة أو ناراً، وتسمى: نار الحداحد، ولما كان هذا مرتباً على عدوها عطفه بالفاء بقوله: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾.
قوله تعالى: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ [العاديات:٣] أي: تُغِيْر على العدو في وقت الصبح، يقال: أغار على العدو، إذا هجم عليه ليقتله أو يأسره أو يسترد منه ماله، فهذا وصف للخيل بالغاية التي جهزت لها، أي: أنها تعدو ويشتد عَدْوها حتى يخرج الشرر من حوافرها؛ لتهجم على العدو وقت الصباح، وهو وقت المفاجأة حينما يكون العدو على غير أُهْبة، وهذا أفضل وقت يُغار فيه على العدو.
قوله تعالى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات:٤] أي: فَأَهَجْن في ذلك الوقت غباراً، وهو مأخوذ من الإثارة، وهي التهييج وتحريك الغبار حتى يرتفع.
والنقع الغبار، وورد بمعنى الصياح، فجوز إرادته هنا، بمعنى صياح من هوجم عليه وأوقع به، لا صياح المغير المحارب، لكن الأول الأقرب.
قال الشهاب: وذِكْرُ إثارة الغبار إشارة إلى شدة العَدْو وكثرة الكر والفر، وتخصيص الصبح هنا؛ لأن الغارة كانت معتادة فيه، أي: لمباغتة العدو، والغبار إنما يظهر نهاراً وليس ليلاً.
قوله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات:٥] أي: فتوسطن ودخلن في وسط جمع من الأعداء ففرّقنه وشتتنه.
стр. 3231
تفسير قوله تعالى: (إن الإنسان لربه لكنود وإنه لحب الخير لشديد)
قال الله : ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:٦]، هذا هو جواب القسم.
قوله: (كنود) أي: كفور، يكفر نعمة الله ولا يشكرها، أي: لا يستعملها فيما ينبغي ليتوصل بها إليه.
قال المهايمي: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ أي: لكفور، فيوجب قتاله بهذه الخيول، وقهره بهذا الغضب.
يعني: بما أنه كفور؛ فإنه يستحق أن يسلّط الله عليه المجاهدين ليقهروه بهذه الخيول وبهذا الغضب؛ لأنه كنود كفور، إذ كفر بالله وبنعمه.
وعن أبي أمامة قال: الكنود الذي يأكل وحده، ويظلم عبده، ويمنع رفده.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾، أي: وإن الإنسان على كفره وجحوده لشهيد، يشهد على نفسه به؛ لظهور أثره عليه، فالشهادة مستعارة لظهور آثار كفره وعصيانه بلسان حاله.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨]، أي: وإنه لحب المال والدنيا وإيثارها لقوي، والخير: المال والدنيا، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة:١٨٠]، فيطلق الخير على المال؛ لأن الأصل في المال أنه خير، فيستعان به على طاعة الله، وهو في حُب تقوى الله وشكر نعمته ضعيف متقاعس.
قوله: (لحب) لو قلنا: إن اللام للتعليل، فيكون المعنى: وإنه لأجل حب المال (لشديد) أي: لبخيل، فلذلك يحتجب به غارزاً رأسه في تحصيله وحفظه وجمعه ومنعه، مشغولاً به عن الحق معرضاً به عن جلاله.
стр. 3232
تفسير قوله تعالى: (أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور) إلى قوله: (إن ربهم بهم يومئذٍ لخبير)
قال تعالى: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ [العاديات:٩] أي: بعد هذا الاحتجاج ومخالفة العقل، أفلا يعلم بنور فطرته وقوة عقله، (إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ)، أي: بُعث وأُثير ما في القبور وأُخرج موتاها، ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:١٠]، أي: أُظهر وأُبرز ما في صدورهم ونفوسهم من أسرارهم ونيّاتهم المكتومة، مع ما فيها من خير أو شر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات:١١]، أي: عالم بأسرارهم وضمائرهم وأعمالهم، فيجازيهم عليها يومئذٍ، وهنا نلحظ تقديم الظرف، فلم يقل: (لخبير يومئذ) وإنما قال: (يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ)، إما لمكان نظم السجع ورعاية الفواصل، أو للتخفيف لوقوع علمه تعالى كناية عن معجزاته وإنما تكون يومئذٍ.
قال الرازي: قوله تعالى: (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ)، خصّ هُنا أعمال القلوب بالتحصيل دون أعمال الجوارح؛ لأن أعمال الجوارح تابعة لأعمال القلوب، فإنه لولا البواعث والإرادات في القلوب لما حصلت أفعال الجوارح؛ ولذلك جعلها تعالى هي الأصل في الذم، فقال: ﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة:٢٨٣]، وهي كذلك الأصل في المدح كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢].
стр. 3233
تفسير سورة القارعة
стр. 3234
تفسير قوله تعالى: (القارعة ما القارعة) إلى قوله: (وتكون الجبال كالعهن المنفوش)
سورة القارعة هي السورة الواحدة بعد المائة، وهي سورة مكية، وآيها إحدى عشرة آية.
بسم الله الرحمن الرحيم.
قال الله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١ - ٣].
القرع هو: الضرب بشدة واعتماد بحيث يحصل منه خوف شديد، والقارعة هي القيامة، وهذا الاسم من أسماء القيامة التي سُميت بها؛ لأنها تفزع القلوب والأسماع بهموم الأفزاع والأهوال، وتخرج جميع الأجرام العلوية والسفلية من حال إلى حال: السماء بالانشقاق والانفطار، والشمس والنجوم بالتكوير والانكدار والانكسار، والأرض بالزلزال والتبديل، والجبال بالدّك والنسف.
قوله تعالى: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:٢] (ما) مبتدأ خبره قوله تعالى: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾، أيْ: أيّ شيء عجيب في الفخامة والفضاعة؟! قوله: (القارعة) لم يقل: ما هي؟ وإنما قال: (ما القارعة) حيث وضع الظاهر موضع الضمير تأكيداً للتهويل.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾، تأكيد لهولها وفضاعتها ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق، على معنى: أن عِظَم شأنها ومدى شدتها بحيث لا تحيط به دراية أحد حتى يدرك حقيقتها، فقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:٣]، أي: وأيّ شيء أعلمك بشأن القارعة؟! ولما كان هذا ينبئ عن الوعد الكريم بإعلامها أنجز ذلك بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة:٤]، أي: هي يومٌ يكون الناس فيه كالفراش المبثوث، أي: في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والاضطراب والتطاير إلى الداعي كتطاير الفراش إلى النار.
وكلمة (يوم) إما أن تكون منصوبة بإضمار كلمة: اذكر، وكأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعة، وتشويقه ﵊ في معرفتها، فيكون تقدير الكلام: اذكر (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث).
قوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:٥]، أي: كالصوف المندوش في تفرق أجزائها وتطايرها في الجو، ولما كان من المعلوم أن ذلك اليوم هو اليوم الذي تبدأ فيه الحياة الآخرة، وفيها تعرف مقادير الأعمال، وما تستحقه من الجزاء رتّب عليه ما يأتي من الآيات.
стр. 3235
تفسير قوله تعالى: (فأما من ثقلت موازينه) إلى قوله: (نار حامية)
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة:٦ - ٧].
قال ابن جرير: أي: فأما من ثقلت موازين حسناته، يعني بالموازين: الوزن، والعرب تقول: لك عندي درهم بميزان درهمك، ويقولون: داري بميزان دارك، ووزن دارك يراد حذاء دارك.
قال الشاعر: قد كنتُ قبل لقائكم ذا مرة عندي لكلّ مخاصمٍ ميزانُهُ يعني: كلامه وما ينقض عليه حجته، وكان مجاهد يقول: ليس ميزان إنما هو مَثَل يُضرب.
وعليه: فهو كالموازين، جمع ميزان.
وجوز كونه جمع موزون، وهو العمل الذي له أثر ووزن عند الله تعالى، والأرجح المعنى الأول إثباتاً لحقيقة الميزان؛ لأن هذا من عقائد أهل السنة، وهي أننا نعتقد ثبوت الميزان، وأن هناك ميزان توزن فيه الأعمال، كما ثبت ذلك في الأحاديث، فكان لائقاً أن يشار إلى هذا الاعتقاد، لا أن يُحام حول هذه المعاني اللغوية بما يفهم في أنه لا يوجد ميزان حقيقي، بل هناك آيات أخرى مثل قوله تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]، وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧] ولولا الحرص على الاختصار لأفردنا ذلك ببحث مستقل نبين فيه الاعتقاد الصحيح في موزاين الأعمال.
قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة:٧]، أي: في عيشة قد رضيها في الجنة، راضية أي: مَرضيّة.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة:٨]، أي: وزن حسناته، ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٩]، أي: فمأواه ومسكنه الهاوية التي يأوي بها على رأسه في جهنم والعياذ بالله.
فسمّى المأوى أُمّاً على التشبيه تهكماً؛ لأن أم الولد مأواه ومستقره، وقيل: المراد أم رأسه، أي: يُطرح في النار منكوساً على رأسه والعياذ بالله، والأول هو الموافق لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:١٠ - ١١]، يعني: مأواه ومسكنه الهاوية، يقذف فيها على رأسه والعياذ بالله في الجحيم.
قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ [القارعة:١٠]، أي: ما أدراك ما الهاوية؟ فقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾، أصلها: (وما أدراك ما هي) كناية عن الهاوية، فأدخلت فيها هاء السكت وقفاً، وتحذف وصلاً، وقد أجيز إخفاؤها مع الوصل.
وجواب هذا السؤال هو قوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:١١].
стр. 3236
تفسير سورة الهمزة [١]
стр. 3237
الوعيد الشديد لمن يضحك الناس بالحديث الكاذب
عن بهز بن حكيم قال: حدثنا أبي عن جدي قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم؛ ويل له ويل له)، رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود، والترمذي، وحسنه الحاكم، والنسائي؛ ورمز له السيوطي بالصحة، وصححه الألباني.
وهذا الحديث يرويه بهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية بن حيدة ﵁.
و (ويل) أي: هلاك عظيم، أو واد عميق في جهنم؛ (لمن يحدث)، أي: لمن يخبر الناس؛ (فيكذب) في حديثه؛ (ليضحك به القوم) يضحك هنا من الإضحاك، أي: بسبب تحديثه، أو يضحك بهذا الكذب القوم؛ (ويل له ويل له).
يقول الإمام المناوي في شرح هذا الحديث: (كرره إيذاناً بشدة هلكته) فكرر النبي ﷺ هذا الويل وهذا الوعيد إيذاناً بشدة هلكة من أتى هذا الفعل الشنيع.
ويقول الإمام القاري في شرحه: (كرره إما للتأكيد أو للتأذية؛ فتكون الويل الأولى للبرزخ) أي: ويل له أنه يلقى هذا العذاب وهذا الوعيد في البرزخ في قبره، (ثم ويل الثانية يلقاها عند الموقف أمام الله ؛ والويل الثالثة يلقاها في النار).
وهذا ما يعرف بـ: (النكتة) فهو يكذب في الكلام من أجل أن يضحك الناس، وهذا من الكبائر، وعليه هذا الوعيد الشديد، وقول المناوي: (كرره إيذناً -يعني إعلاماً- بشدة هلكته، وذلك لأن الكذب وحده رأس كل مذموم وجماع كل فضيحة، فإذا انضم إليه -أي: إلى الكذب- استجلاب الضحك الذي يميت القلب) بدليل ذلك ما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تكثروا الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب) رواه ابن ماجة في سننه، فإذا انضم إليه استحلاب الضحك الذي يميت القلب ويجلب النسيان، ويورد الرعونة؛ كان أقبح القبائح، ومن ثم قال الحكماء: إيراد المضحكات على سبيل السخف نهاية القباحة؛ فهو ينكت ويضحك ويكذب أيضاً ليضحك القوم.
وقال المباركفوري في شرح هذا الحديث: (ثم المفهوم منه؛ يعني إذا كان هذا حق من يكذب ليضحك به القوم, فمفهوم المخالفة: أنه إذا حدث بحديث صدق ليضحك القوم فلا بأس) إن كان إنسان على سبيل الندرة ليس على سبيل العادة، وأن حياته كلها تكون هزلاً ومزاحاً وضحكاً؛ فإن كان يضحك القوم بحديث صدق فلا حرج في ذلك ولا ويل له، كما صدر مثل ذلك عن عمر ﵁ مع النبي ﷺ حين غضب على بعض أمهات المؤمنين.
وهو يشير بذلك إلى ما أخرجه الإمام أحمد عن جابر ﵁ قال: (أقبل أبو بكر ﵁ يستأذن على رسول الله ﷺ والناس ببابه جلوس، والنبي ﷺ جالس فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر ﵁ فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لـ أبي بكر وعمر ﵄ فدخلا والنبي ﷺ جالس وحوله نساؤه وهو ﷺ ساكت -يعني واجم كأنه حزين- فقال عمر -في نفسه-: لأكلمن النبي ﷺ لعله يضحك)، حاول أن يضحك النبي ﵊ لما رأى من حاله الذي يظهر منه الحزن (فقال عمر: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد -يعني امرأته- سألت النفقة آنفاً فوجأت عنقها -يعني: أرادت أن أوسع عليها فقطعت عنقها- فضحك النبي ﷺ أراد سيدنا عمر أن يضحكه لكن بالحق وليس فيها كذب، (فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، وقال: هن حولي يسألنني النفقة، فقام أبو بكر ﵁ إلى عائشة ﵂ ليضربها.
وقام عمر ﵁ إلى حفصة ﵂، كلاهما يقولان: تسألن النبي ﷺ ما ليس عنده، فنهاهما رسول الله ﷺ عن ضربهما، فقلن: والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده؛ قال: وأنزل الله الخيار بسورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٢٩]؛ فبدأ النبي ﷺ بـ عائشة فقال: إني أذكر لك أمراً ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك، قالت: وما هو؟ قال: فتلا عليها ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨]؛ قالت: أفيك أستأمر أبوي، بل أختار الله تعالى ورسوله، وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت، فقال: إن الله تعالى لم يبعثني معنفاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً؛ لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها).
المقصود من الحديث: أن عمر ﵁ هنا في هذا الحديث فعل فعل الإضحاك، وتعمد الإضحاك لكن بحق ولم يكذب.
فمفهوم الحديث: أن الذي يضحك القوم في الحق فلا حرج عليه، لكن الحرج فيمن يضحكهم بحديث الكذب.
وقال الغزالي: وحينئذ إذا أراد الإنسان أن يضحك القوم بحديث صدق فينبغي أن يكون من قبيل مزاح رسول الله ﷺ .
إذا أراد أن يمزح فليكن على نهج النبي ﷺ في مزاحه، فلا يقول إلا حقاً؛ ولا يأتي بمزاح إلا من المزاح الحق كما جاء عن النبي ﷺ ، فقد أخرج الإمام أحمد عن أنس ﵁: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فاستحمله) يعني: طلب منه أن يحمله على دابة، فقال له رسول الله ﷺ : (إنا حاملوك على ولد الناقة، فقال: يا رسول الله! ما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله ﷺ : وهل تلد الإبل إلا النوق!) فأراد أن يداعبه النبي ﷺ ولكنه فهم أنه يريد ولد الناقة الصغير وهو لا يحمل، وهذا الحديث رواه الإمام أبو داود والترمذي.
وقال زيد بن أسلم: (إن امرأة يقال لها: أم أيمن، جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: إن زوجي يدعوك.
قال: ومن هو؟ أهو الذي بعينه بياض! فقالت: والله ما بعينه بياض، فقال: بلى إن بعينه بياضاً، فقالت: لا والله، فقال: ما من أحد إلا وبعينه بياض)؛ فأراد النبي ﷺ البياض الذي في عين كل إنسان وهو المحيط بالحدقة، أما هي فقد فهمت منه البياض الذي يكون على الحدقة.
وأخرج الإمام أحمد عن أنس ﵁: (أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهراً، وكان يهدي النبي ﷺ الهدية من البادية، فيجهزه النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج) كان إذا قدم من البادية يأتي معه بهدية، فإذا أراد أن يخرج من الحضر إلى البادية يعود لكي يجهزه النبي ويهديه هدية أخرى؛ فقال رسول الله ﷺ : (إن زاهراً باديكم ونحن حاضره، وكان رسول الله ﷺ يحبه، وكان رجلاً دميماً، فأتاه رسول الله ﷺ وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه، ولم يبصره زاهر، فقال: أرسلني، من هذا، فعرف أنه النبي ﷺ فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه -فلم يعد يطلب أن يقول له: أرسلني- وجعل رسول الله ﷺ يقول: من يشتري العبد؟ فقال: يا رسول الله! إذن والله تجدني كاسداً، فقال رسول الله ﷺ : لكنك عند الله لست بكاسد) أو قال: (لكنك عند الله غال) وهذا الحديث رواته ثقات.
فسياق هذا الحديث يبين أن النبي ﷺ ما كان ليبيع رجلاً حراً، ولكن أراد بكلمة العبد: (من يشتري العبد)، يعني: عبد الله؛ وكلنا عبيد لله.
وأخرج الترمذي في الشمائل عن الحسن قال: (أتت عجوز النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: يا أم فلان! إن الجنة لا تدخلها عجوز؛ فولت تبكي، فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة:٣٥ - ٣٧])، يعني: أنها تعود إلى صباها ولا تدخلها وهي على هيئة الشيخوخة.
وأخرج الترمذي في الشمائل عن أنس ﵁ قال: (قال لي رسول الله ﷺ : يا ذا الأذنين) يعني: يمازحه؛ لأن كل إنسان له أذنان.
وهذه الأحاديث حتى وإن لم يصح بعضها لكن جملتها تفيد أن النبي ﷺ كان يمزح ولكن بالحق ولم يكن يغلب عليه هذا المزاح.
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: (قالوا: يا رسول الله! إنك تداعبنا، قال: إني لا أقول إلا حقاً)، فهذا شأن النبوة، وفي هذا ينبغي أن نقتدي بالنبي ﷺ .
يقول الغزالي: (وحينئذ ينبغي أن يكون م
стр. 3238
تفسير سورة الهمزة
يقول الله : بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة:١ - ٩].
اسم هذه السورة: سورة الهمزة.
وهي: مكية بإجماع من نقل عنه من المفسرين، وقال هبة الله بن سلامة المفسر: (وقد قيل إنها مدنية) ولا شك أن البناء للمجهول يدل على ضعف هذا القول، لكن ذكر بعض المفسرين أنها مكية بإجماع.
وعدد آياتها تسع آيات بلا خلاف.
стр. 3239
مناسبة موضع سورة الهمزة لما قبلها وما بعدها من السور
أما مناسبة هذه السورة لما قبلها وهي سورة العصر: لما ذكر سبحانه فيما قبلها في سورة العصر أن الإنسان سوى من استثنى الله في خسر: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٢ - ٣]، بين هنا في السورة التالية أحوال بعض الخاسرين على وجه التفصيل، فقال : ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١].
أما مناسبة هذه السورة لما بعدها وهي سورة الفيل: فكأنه لما تضمن الهمز واللمز من الكفرة الذين كانوا يلمزون النبي ﷺ نوع كيد له عقب ذلك بقصة أصحاب الفيل؛ للإشارة إلى أن عقبى كيدهم في الدنيا تدميرهم، فإن عناية الله برسوله ﷺ أقوى وأتم من عنايته بالبيت، أي: إذا كانت عناية الله لبيته الحرام أدت إلى إهلاك أصحاب الفيل فعنايته بنبيه الذي تهمزونه وتلمزونه أتم وأتم؛ فالسورة تشير إلى مآلهم في الدنيا إثر بيان مآلهم في الأخرى، ويجوز أن تكون كالاستدلال على ما أشير إليه فيما قبلها من أن المال لا يغني من الله تعالى شيئاً، يعني ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٢ - ٣]، هؤلاء ليسوا ممن ﴿جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة:٢ - ٣]، ويتوهم أن النجاة بكثرة المال وكثرة تعداده، وإنما النجاة كما في سورة العصر بالعمل الصالح والصبر عليه.
أو تكون كالاستدلال على قدرته على إنفاذ ما توعد به أولئك الكفرة في قوله سبحانه: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ [الهمزة:٤]، فالله الذي قدر على أن يعاقب أصحاب الفيل في الدنيا بهذه العقوبة الشديدة وهذا الخزي وذلك النكال قادر بالأولى على أن ينفذ هذا الوعيد المتوعد به في هذه الآية: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾.
أما سبب النزول فلم يرد من طريق ثابت أو صحيح سبب مباشر في نزول الآية، لكن حكى بعض المفسرين أقوالاً في أن هذه السورة نزلت في أشخاص معينين.
قال ابن الجوزي: واختلف المفسرون هل نزلت في حق شخص بعينه، أم نزلت عامة؟ على قولين، ويأتي إن شاء الله التفصيل.
стр. 3240
القراءات في سورة الهمزة
أما بالنسبة للقراءات في هذه السورة، فقد قرأ الجمهور: (ويل لكل همزة لمزة) كما هي رواية حفص؛ وقرأ أبو جعفر محمد بن علي والأعرج: (ويل لكل همزة لمزة) بسكون الميم فيهما.
قرأ الجماعة أيضاً: (الذي جمع مالاً وعدده)، (الذي جمع) فعل مخفف الميم، وشددها الحسن وابن عامر وحمزة والكسائي على التكثير، واختار أبو عبيد تشديد الميم لقوله تعالى: (وعدده) فهو أوفق به.
وقال الطبري: أما قوله: (الذي جمع مالاً) فإن التشديد والتخفيف فيهما صوابان، يعني: كلاهما قراءة صحيحة (الذي جمع) أو (الذي جمع) لأنهما قراءتان معروفتان عند قرأة الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقرأ الحسن والكلبي ونصر بن عاصم وأبو العالية: (الذي جمع مالاً وعدده) أي: قرأ الموضعين بالتخفيف، فأظهروا هذا التبعيض فقالوا في قوله: (الذي جمع مالاً وعدده) قالوا: العطف هنا على المال، أي: جمع المال ثم جعل (وعدده) أي: عدد هذا المال.
قال الطبري تعليقاً على قراءة (وعدده): (وقد ذكر عن بعض المتقدمين بإسناد غير ثابت أنه قرأه (جمع مالاً وعدده) بتخفيف الدال، بمعنى جمع مالاً وجمع عشيرته وعدده، وهذه القراءة لا القراءة بها، بخلافها قراءة الأمصار وخروجها عما عليه الحجة مجمعةً في ذلك).
فالمقصود: أن القراءة بالتشديد والتخفيف في ميم (جمع) (الذي جمع) أو (جمع مالاً وعدده) وجهاً واحداً.
قوله: (كلا لينبذن) قرأ الحسن ومحمد بن كعب ونصر بن عاصم ومجاهد وحميد وابن محيصن بالتثنية (كلا لينبذان) أي: لينبذن هو وماله؛ وعن الحسن أيضاً (كلا لينبذنه) يعني لينبذن ماله، وعنه أيضاً (كلا لننبذنه) أي: بدون العظمة وهاء النصب ونون التوكيد (لننبذنه) على أنه أخبر الله تعالى عن نفسه، وأنه ينبذ صاحب المال ويلقيه في الحطمة، وعن الحسن أيضاً (لينبذن) بضم الذال على أن المراد الهمزة واللمزة والذي جمع مالاً وكأن على هذا المجموع كله لينبذن كلهم في الحطمة، وقرأ زيد بن علي: (لينبذن في الحاطمة * وما أدراك ما الحاطمة).
وقال الطبري في تفسير في قوله تعالى: (إنها عليهم مؤصدة) بالهمز؛ قال: (مؤصدة يعني: مطبقة وهي تهمز، ولا تهمز وقد قرئتا جميعاً) يعني ممكن تقرأ (مؤصدة) أو (موصدة).
وليس معنى هذا أننا في الصلاة نجمع بين القراءتين في وقت واحد، وإن بدأت بقراءة حفص عن عاصم تستمر فيها، لكن لا تجمع في المجلس الواحد بين قراءتين مختلفتين كما يفعل بعض القراء؛ لأن هذا من البدع.
قوله: (في عمد ممددة) اختار أبو عبيد (عمد) بفتحتين، وكذلك أبو حاتم، اعتباراً بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد:٢]؛ وأجمعوا على فتحها، فهو قال: بما أنهم أجمعوا في سورة الرعد على فتح كلمة (عمد) فكذلك هنا تقرأ على مثالها.
وفي قراءة ابن مسعود: (إنها عليهم مؤصدة * بعمد ممددة) وقراءة حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: (في عمد ممددة) جمع عمود في حاله، فقرأ هارون عن أبي عمر بضم العين وسكون الميم (في عُمد ممددة) لكن قراءة الجمهور بالفتح: (في عمد ممددة) وقال الطبري: (قرأته عامة قراء المدينة والبصرة (في عمد ممددة) بالفتح، وقرأ عامة قراء الكوفة (في عمد ممددة) بالضم.
والقول في ذلك عندنا: أنهما قراءتان معروفتان قد قرأ بكل واحد منهما علماء من القراء، ولغتان صحيحتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
لكن لو كان في صلاة جماعة والإمام يقرأ مستمراً على قراء حفص عن عاصم ثم خالف وقرأ بقراءة أخرى حتى ولو لم يقصد، لكن في هذه الحالة لا تفتح عليه؛ لأن هذا لا يعتبر خطأً، فمادام أن القراءة التي قرأ بها الإمام هي أحد أوجه القراءة الصحيحة فلا تنكر عليه، ولا تفتح عليه في الصلاة.
стр. 3241
سبب نزول سورة الهمزة
يقول الله : ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١]، قال الإمام أبو حيان: هذه السورة مكية، لما قال فيما قبلها: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢]؛ بين حال الخاسر فقال: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾.
ونزلت في الأخنس بن شريق، لكن الحافظ ابن حجر صحح في الإصابة أنه أسلم، وكان من المؤلفة قلوبهم، فإذاً: إن صح هذا فلا يتأتى هذا الوعيد في حقه، فإما ألا يصح ذلك، أو لا يصح إسلامه.
وقيل: إنها نزلت في: العاص بن وائل السهمي، أو جميل بن عامر الجمحي، أو الوليد بن المغيرة، أو أمية بن خلف، أو أبي بن خلف.
وهذه كلها أقوال ذكرها المفسرون في الشخص الذي نزلت فيه هذه السورة، ويمكن أن تكون نزلت في الجميع، وهي مع ذلك عامة في من اتصف بهذه الأوصاف، وقال السهيلي: هو أمية بن خلف الجمحي كان يهمز النبي ﷺ ويعيبه، وإنما ما ذكرته -إن كان اللفظ عاماً-؛ لأن الله تابع في أوصافه، أي: أن بعض العلماء يرى أنها نزلت في شخص بعينه؛ لأن الله تابع في ذكر أوصاف هذا الشخص والخبر عنه: (ويل لكل همزة لمزة * الذي جمع مالاً وعدده) فكل كلامه على ضمير معين، حتى فهم أنه يشير إلى شخص بعينه، وكذلك قوله في سورة نون: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [القلم:١٠ - ١٢] إلى آخر الآيات، فتابع في ذكر الصفات حتى علم أنه يريد إنساناً بعينه هو الوليد بن المغيرة والد خالد بن الوليد ﵁.
قال الطبري: فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عم بالقول كل همزة لمزة، كل من كان بالصفة التي وُصف هذا الموصوف بها، سبيله سبيله، كائناً من كان من الناس؛ لأن اختصاص السبب لا يستدعي خصوص الوعيد بهم، بل كل من اتصف بوصف القبيح فله ذنوب مثل ذنوبهم.
وقال بعض أهل العربية: هذا من نوع ما تذكر العرب اسم الشيء العام، وهي تقصد به الواحد، ويسمونه في أصول الفقه (تخصيص العام بقرينة العرف) يعني: هي عامة والمقصود بها شخص بعينه، كما يقال فيما لو كلم الأول الثاني فيقول له: لا أزورك أبداً، أي: أنا لن أزورك أبداً، فيرد عليه الثاني: كل من لم يزرني فلست بزائره، وهو يقصده هو بالذات، فظاهر اللفظ أنه يعني أناساً كثيرين، لكن يظهر من سياق الكلام أنه يقصد المتكلم نفسه، وقائل ذلك يقصد جواب صاحبه ويريده هو بهذه الصيغة العامة.
المهم: هناك خلاف في الآية، لكن لاشك -كما يرى الكثير من المفسرين- أن المقصود هنا العموم حتى وإن نزلت في سياق خاص؛ لأنه لا تعارض؛ والعبرة بعموم الألفاظ وليست بخصوص الأسباب.
стр. 3242
تفسير قوله تعالى: (ويل لكل همزة لمزة)
قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١].
стр. 3243
معنى كلمة (ويل)
اختلف المفسرون في معنى كلمة (ويل) فقال الشوكاني: الويل مرتفع على الابتداء، أي: أنها مبتدأ، وهي أصلاً نكرة لمفعول، لكن ساغ أن يبتدأ بها لأنها بمعنى الدعاء، وخبر (ويل): (لكل همزة لمزة) والمعنى: خزي، أو عذاب، أو هلكة، أو واد في جهنم (لكل همزة لمزة).
وقال الطبري: (الويل هو الوادي يسيل من صديد أهل النار وقيحهم).
وقيل: هي كلمة عذاب وهلاك، وقد وردت هذه الكلمة أيضاً في قوله تعالى في سورة الجاثية: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الجاثية:٧].
ويشهد لهذا المعنى ما جاء في حق أصحاب الجنة التي أصبحت كالصريم، أنهم قالوا عند رؤيتهم إياها: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ [القلم:٣١]؛ فكلمة (ويل) كلمة تقال عند نزول المصائب، وعند التقبيح؛ فنقول: (ويل لك) إذا أردت أن تقبح الشخص، وكذلك عند نزول المصيبة الشديدة يقول: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:١٤].
وقال الفخر الرازي: (أصل الويل: لفظ السخط والذم، وأصلها: (وي لفلان) يعني: ويل، ثم لما كثرت في كلام العرب وصلت باللام، فأصبحت (ويل) ويقال: ويحك للترحم لكن هذه للتوبيخ)، ومما يدل لهذا القول الذي حكاه الرازي قوله حاكياً في قصة قارون: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨٢]؛ ومثله أيضاً ما قد يستخدم في التعجب كما في قوله : ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود:٧٢]؛ وقوله: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾ [المائدة:٣١] فالظاهر أن (يا ويلتا) كلمة تقال عند الشدة والهلكة، أو عند شدة التعجب مما يشبه الأمر المستبعد، والذي يشهد له القرآن هو هذا المعنى.
وسبب الخلاف في ذلك راجع لمجيئها تارةً مطلقة؛ كقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:١٩]، وها هنا أيضاً تنزل: (ويل لكل همزة لمزة) وتجيء أيضاً مع ذكر ما يتوعد به؛ كقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧]، وقوله : ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [الزخرف:٦٥]، يعني: ويل لهم من عذاب يوم أليم، فذكر النار والعذاب الأليم مع كلمة الويل، لكن في هاتين الآيتين: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ وهذه السورة: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾، لم يبين هل هي من النار أو غيرها، وكذلك قوله : ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم:٣٧]، فهي في هذا كله في سياق الوعيد الشديد مما ذكر معها من النار والعذاب الأليم، ومشهد اليوم العظيم، وليست مقصودة بذاتها دون ما ذكر معها.
فالمقصود: أنها كلمة تدل على الهلكة وعلى الوعيد الشديد.
стр. 3244
أقوال العلماء في معنى الهمزة اللمزة
اختلف العلماء في المراد بالهمزة اللمزة اختلافاً كبيراً، فهناك قول: بأنهما متفقان، بمعنى أن الهمزة واللمزة فعل شخص واحد، والقول الثاني: بأنهم متغايران، فقيل: إن الهمزة العياب الطعان الذي يكثر منه عيب الناس، والطعن عليهم، واللمزة أيضاً مثله، عن أبي الجوزاء قال: قلت لـ ابن عباس: (من هؤلاء الذين بدأهم الله بالويل؟) يعني: من هؤلاء الذين لما بدأ الله الكلام في حقهم بدأه بتوعدهم بهذا الويل، وفي لفظ: (من هؤلاء الذين ندبهم الله إلى الويل؟ قال: هم المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العيب).
فقوله: (المشاءون بالنميمة) يعني: الذين يمشون بالنميمة، فيكثر منهم ويغلب عليهم؛ لأنها صيغة مبالغة.
وقوله: (الباغون للبرآء العيب) يعني: ينسبون إلى الناس البرآء من الصفات ما هم بريئون منها، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً إلى النبي ﷺ يقول: (إن أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إلي المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الملتمسون للبرآء العنت والعيب)، وهذا الحديث رواه الطبراني في المعجم الصغير، وقال الألباني: ضعيف له شواهد ترقى به إلى مرتبة الحسن.
وقال الزجاج: (الهمزة اللمزة) الذي يغتاب الناس ويردهم، يعني: ينتقص أقدارهم ويحتقرهم، قال الشاعر: إذا لقيتك عن كره تكاشرني وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه وفي لفظ آخر: إذا لقيتك عن شحط مكاشر، فقوله: (عن شحط) أي: عن بعد ومعنى البيت: أنك أول ما تنظر إلي تقطب وجهك، وإن كنت غير موجود في المجلس كنت الهامز اللمزة الذي يغتاب ويطعن ويعيب الناس! إذا لقيتك عن شحط تكاشرني وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه وقال زياد الأعجم: تدلي بودي إذا لاقيتني كذباً وإن أغيب فأنت الهامز اللمزه والمعنى: إذا قابلتني تظهر لي المودة، وإن أغيب فأنت الهامز اللمزة، يعني: الطعان العياب.
وقال ابن قتيبة: أصل الهمز واللمز الدفع.
ومن ذلك قول بعض الشعراء: ومن همزنا عزه تبركعا على استه زوبعةً أو زوبعا يقال: بركعه فتبركع.
يعني: صرعه فوقع على استه.
فالمقصود أن هذا قول من قولين، وهو أن الهمزة اللمزة هي صفة واحدة هي العيب والطعن في الناس.
وهناك قول آخر: أنهما مختلفان، فالهمزة غير اللمزة، وأصل الهمز: الكسر والعض على الشيء بعنف، ومنه همز الحرف، ويقال: همزت رأسه، وهمزت الجوز بكفي كسرته، يمسكه بيديه بعنف فيكسره.
وقيل لأعرابي: أتهمزون الفارة، أي: أنتم عندكم في البادية كيف تنطقون هذه الكلمة؟ يعني: أتنطقونها الفأرة بالهمزة وليس بالألف؟ فقال: إنما تهمزها الهرة، والذي في الصحاح: قيل لأعرابي: أتهمز الفارة؟ فقال: السنور يهمزها، والسنور اسم القط، فالسنور يهمزها، فالقول الأول قاله الثعلبي، وهو يدل على أن الهة يسمى الهمزة.
إذاً فمن ناحية اللغة ممكن أن نسمي القط الهمزة، وقال العجاج: ومن همزنا رأسه تهشماً، يعني: كسرنا رأسه.
إذاً: هناك أقوال متعددة تصل إلى سبعة أقوال في التفريق بين الهمزة واللمزة؛ فمنهم من قال: إن الهمزة هو المغتاب القتات النمام وفي الحديث: (لا يدخل الجنة قتات) والقتات هو النمام الذي ينقل كلام الناس ليفسد بينهم، والواجب أن كون الإنسان إذا سمع كلاماً قبيحاً عن الناس فإنه لا ينقله؛ لأن هذه نميمة، وماسميت امرأة أبي لهب وبحمالة الحطب؛ إلا لأنها كانت نمامة.
وقال الحسن وعطاء وأبو العالية: الهمزة الذي يغتاب ويهمز الإنسان في وجهه إذا قابله، أما اللمزة فالذي يلمزه ويغتابه إذا غاب عنه أو أدبر عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:٥٨]؛ عندما يغيب ﵊ يلمزوه في الصدقات.
ومن هذا المعنى أيضاً قول حسان: همزتك فاختضعت بذل نفسٍ بقافية تأجج كالشواظ وقال مجاهد: الهمزة: هو الطعان في الناس، واللمزة: الطعان في أنساب الناس، قال النبي ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت)، والطعن في الأنساب بأن يقول: فلان هذا ليس ولد فلان، أو فلان هذا كذا، هذا طعن في الأنساب وهو من الكفر والعياذ بالله وهو من شأن الجاهلية، فـ مجاهد يقول: إن الهمزة طعان في الناس عموماً بأي طعن، لكن اللمزة الطعان في النسب بالذات.
وقال قتادة: الهمزة الذي يهمز بعينيه ويغمز بعينيه ويغتاب الناس بعينيه، فهذا الذي يستعمل عينيه في الهمز، أما اللمزة فيهمز باللسان.
وقال ابن زيد: الهمزة الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، أما اللمزة فالذي يلمزهم بلسانه.
وقال سفيان الثوري: الهمزة الذي يهمز بلسانه جهراً، واللمزة الذي يلمز بعينه وبحاجبه سراً.
وقال مقاتل: الهمزة المغتاب، الذي يغتاب الناس في عدم وجودهم، واللمزة الطاعن على إنسان في وجهه، على عكس ما ذكرناه عن الحسن وعطاء وأبي العالية.
وقال الإمام ابن كثير: الهماز بالقول، اللماز بالفعل.
وقال ابن كيسان: الهمزة: الذي يؤذي جلساءه بسوء اللفظ، واللمزة: الذي يكسر عينه على جليسه، ويشير بيده وبرأسه وبحاجبه بها في المجلس.
وهذه الأقوال ذات وجوه متقاربة وترجع إلى أصل واحد.
بالنسبة للمغايرة؛ فقد جاء استعمال القرآن للفظتين (الهمزة واللمزة) بمعان استخدمت فيها كل كلمة مفردة عن الأخرى، مما يؤيد أن هناك نوع مغايرة بين الهمزة واللمزة؛ فالهمزة قال الله فيه: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١٠ - ١١]، مما يدل على أن المقصود به هنا: الغيبة والكذب والنميمة، وفي اللمزة قال تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ [الحجرات:١١]؛ وقال : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:٥٨]، وكلها تدل على التنقص والعيب في الحضور لا في الغيب، فتغايرا في المعنى وفي الصفة، والجمع بينهما جمع بين القبيحين، فلهذا كان فاعلهما مستحق لهذا الوعيد الشديد: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١].
وعلى كلٍ فإن الأقوال التي قيلت في الآية متقاربة المعنى، ويمكن أن نرجعها إلى أصل واحد، وهذا الأصل هو: أن الهمز واللمز هو الطعن وإظهار العيب في الآخرين؛ ثم هذا الطعن وإظهار العيب على قسمين: إما أن يكون بالجد، كما يكون عند الحقد والحسد فيهمز ويلمز ويطعن ويظهر عيوب الناس، وإما أن يكون بالهزل، فهو يطعن فيهم بمزح كما يكون عند السخرية وإضحاك الآخرين، ثم كل قسم من هذين: (الجد أو الهزل) إما أن يكون في أمر يتعلق في الدين أو في أمر يتعلق في الدنيا بما يتعلق بجلسته أو شكله أو صورته، وأنواعه كثيرة وغير مضبوطة.
والطعن أيضاً إما يكون لحاضر أو لغائب، وقد يكون باللفظ، وقد يكون بالإشارات، كمن يشير برأسه أو بعينه أو بيده أو بلسانه أو بحاجبه إلى آخره.
стр. 3245
نماذج من الهمز واللمز في العصر الحديث على الدين وأهله
لما كان رسول الله ﷺ أعظم الناس منصباً في الدين؛ كان الطعن فيه عظيماً عند الله ؛ فلا جرم حينها أن نزل قوله في حق من يهمزه ويلمزه قائلاً: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة:١ - ٣]؛ فهل يوجد في هذا العصر أناس يستحقون مثل هذا الوعيد؟ لا شك أن العصر الذي نعيشه يخرج لنا ويظهر الكثير من الذين يقعون في هذا الهمز واللمز بل في أقبح أنواعه، فنجد مثلاً المستشرقين أو الكفار من اليهود أو النصارى أو غيرهم كثيراً ما يطعنون في النبي ﷺ ، أو القرآن، أو دين الإسلام، أو المسلمين؛ وهؤلاء بلا شك يدخلون في هذا الوعيد الشديد.
كذلك أيضاً هناك الذين يطعنون في أحكام الشريعة الإسلامية فيقولون: هذا تأخر ووحشية وقسوة.
كل هذا الكلام هذا أيضاً من الهمز واللمز والطعن في الشريعة.
كذلك رمي المسلمين بأنهم أناس متعصبون أو متطرفون أو متشددون أو متزمتون، أو هؤلاء عندهم هوس ديني، أو هؤلاء نسوا حياتهم وضيعوا شبابهم إلى آخر هذه الأوصاف المعروفة والطعون التي توجه إلى المسلمين كل هؤلاء يدخلون تحت الهمز واللمز.
وهذه نماذج نمر عليها سريعاً.
هذا رجل يدعى مصطفى أمين، وهو معروف ولا يوجد أحد إلا ويعرفه، وقلما يظهر حقيقة، وهذا الشخص بالذات دائماً يتكلم عن الإنسانية وخدمة الناس، لكن حقيقة أهدافه قلما يفصح عنها، ومن مقولاته: إن حضارة مصر عمرها سبعة آلاف سنة، ولا يمكن أن تعود إلى الخلف.
وكان هذا في معرض رده على تطبيق الدعوة التي نادت إلى تطبيق الشريعة الإسلامية.
وهذا من الهمز واللمز إلى أن الشريعة متخلفة.
وقال في مناسبة أخرى: (حارب الأحرار في هذا البلد سنوات طويلة) والأحرار هنا ليس بالمعنى الذي يتبادر للذهن، ولكن يقصد اللبراليين، يقول: إن الحرية مطلقة والإنسان على أن يتحرر في تفكيره من أي قيود وبالذات قيد الدين؛ لأن معنى اللبرالية ما عرف في أوروبا إلا بعد الثورة على الكنيسة وفصل الدين عن الحياة واللبرالية تعني التحرر من القيود كلها وبالذات قيد الدين.
يقول: (حارب الأحرار في هذا البلد سنوات طويلة لتحصل المرأة على بعض حقها، لكن يظهر أن بعض الناس يريدون العودة بها إلى الوراء، وقد يحدث هذا في أي مكان، ولكن لا نفهم أن يحدث في الجامعة مهد التقدم والفكر الحر).
وهذا الرجل يصرح كان بأهدافه منذ زمن، وله كلام قبل استقلال مصر تحت عنوان الأهداف التي سوف تعمل لها مصر بعد الاستقلال.
قال: ومن الأهداف التي سأعني بها وأقود إليها الرأي العام أن أحارب التعصب الديني.
وأن أجدد الأزهر، وأنادي بتحرير المرأة قلبياً؛ لأن الحب الطاهر لا يزال جريمة يعاقب عليها المجتمع، والمجتمع المصري إلى اليوم مجتمع لا روح فيه؛ لأنه خالٍ من المرأة، والشباب المصري لا شخصية له؛ لأنه ليس في حياته امرأة.
ومن أهدافه: أن يشجع المرأة على المطالبة بحقوقها السياسية وتولي الوظائف، وأن ترث كما يرث الرجل تماماً.
والعياذ بالله.
فهو يدعو إلى اتحاد شرقي على نظام الولايات المتحدة الأمريكية ولا يريد اتحاداً إسلامياً.
هذا الكلام نقله عنه الأستاذ نور الدين في كتاب اسمه: (الصحافة والأقلام المسمومة)، ففيه قصة كاملة عنه في (٩٩ - ١٠٦).
فهذا نموذج من الهمز واللمز والطعن في هذه الشريعة الحنيفية.
ومن نماذج الهمز واللمز -وما أكثرها- ما تراه أحياناً في كل شيء، حتى أنهم ما تركوا لنا أي شيء من مظاهر الإسلام إلا وقد طعنوا فيه، فلو تكلم عالم عن اللحية، يعملون له ألف حملة، وتنطلق الكلاب المسعورة من جحورها.
ومن نماذج الهمز واللمز المرأة التي كانت ترد على العلماء الذين ينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية، فتقول: كيف نخضع لفقهاء أربعة ولدوا في عصر الظلام ولدينا الميثاق؟! وتقول أيضاً: إنني لا أطمئن على حقوق المرأة إلا إذا تساوت المرأة مع الرجل في الميراث.
ومن ضمن الحملات التي قامت بها الهمز واللمز في حجاب المسلمات فتقول: إن هذه الثياب الممجوجة قشرة سطحية لا تكفي وحدها لفتح أبواب الجنة أو أكتساب رضا الله، فتيات يخرجن إلى الشارع والجامعات بملابس قبيحة المنظر يزعمن أنها زي إسلامي، لن أجد ما يعطيني مبرراً منطقياً معقولاً لارتداء فتيات على قدر مذكور من التعليم إلى لبس أجسادهن من الرأس إلى القدمين بزي هو والكفن سواء.
وتقول أيضاً: هل من الإسلام أن ترتدي البنات في الجامعة ملابس تغطيهن تماماً وتجعلهن كالعفاريت؟ وهل لا بد من تكفين البنات بالملابس وهن على قيد الحياة؛ حتى لا يرى منها شيء وهي تسير في الشارع؟ وتقول في ضمن حملاتها: اقتراحي بإجراء تلقيح صناعي لزوجة عقيم من زوجها أقام الدنيا وأقعدها، ومطالبتي بإلغاء المحاكم الشرعية كاد أن يدخلني السجن؛ أما مهاجمتي لقانون الأحوال الشخصية فقد أثارت الدنيا من حولي، وجاءت مظاهرة إلى دار الهلال تهتف بسقوطي.
وهي تذكر هذا بأنه من مناقبها.
ومنه الكلام على المنقبات؛ تقول: والأدهى من ذلك: المقنعات وهن قلة من المتصلفات في إعلان تدينهن، فقد ذهبن في ثيابهن إلى تحريم ما أحله الله، فغطين وجوههن -هي تبحث عن الحلال والحرام- بأنسجة كثيفة ليس بها سواء خرمين صغيرين للاستعانة بهما في النظر، ولم يكتفين بذلك بل ذهبن في مبالغتهن إلى تغطية الخرمين الصغيرين بنظارات سوداء خوفاً من أن تتغلغل الأنظار من خلال الخرمين إلى حدقة العينين، وهو كل ما يحتمل أن يظهر من هذا القناع العجيب الدقيق.
وهذا حقيقة همز ولمز!! وتقول: وهذا بالطبع غير جائز في الإسلام، بدليل الفتوى التي أصدرها سيد الأئمة كلهم، الشيخ محمد عبده.
وعندما تكلمت عن الحجاب قالت: هذا تشبه بالكفار؛ لأن هذا مثل الراهبات.
فهي غير راضية عنه؛ لأنه زي فيه تشبه بالكفار، وهي عندما تتعرى تتشبه بمن؟! الغيرة على الإسلام تتدفق وتنهال، الغيرة على حرمات الله والتشبه بالكفار!! وتقول: وما يقال عن الحجاب من أنه تشبه بالراهبات يسري أيضاً على ملابس الرجال، فمع عظيم إجلالي للعمامة والجبة والقفطان أعرف أنها ليست زياً إسلامياً أصلياً وإنما هي مقتبسة من ملابس الأحبار اليهود في قديم الزمان.
ومن الذين حملوا حملات كبيرة في مجال الهمز واللمز الفيلسوف لهرم العجوز المسمى: زكي نجيب محمود، هذا الرجل كان مرشحاً لخلافة مقعد طه حسين، وله كتاب اسمه (خرافة الميتافيزيقا) وهو ما وراء الطبيعة، أي: الغيب، فهو يعني: خرافة الغيب، وخرافة الاعتقاد بالغيب، وهو يتكلم أيضاً عن نفس الموضوع، فكتب مقالات معروفة من مدة سماها: (ردة في عالم المرأة) وعندما نسمع كلمة (ردة في عالم المرأة) يعتقد أنه يتكلم عن النساء اللاتي ارتدين عن الإسلام، أو أحلوا ما حرم الله أو حرموا ما أحل الله أو شيء من هذا، لكنه يعبر عن عودة النساء إلى الالتزام بالحجاب والالتزام بأحكام الإسلام، ويقول: هذه ردة، ونكسة، ويقول: إنها مأساة، ويقول: إن المرأة نكصت على عقبيها؛ لأنها عادت إليه بعد أن ألقت الحجاب على شواطئ الإسكندرية أيام سعد زغلول.
بل اتهم المرأة أيضاً في فرجها، حيث يقول: إن المرأة التي تتحجب تشبه السلعة التي تقف وتصيح بالناس ها هي ذي سلعة من عصور الحريم تباع فمن يشتري؟! فنقول له: هل الشيء يصان هو السلعة، أو الشيء الذي يعرض على الناس هو السلعة؟ على أي حال هذه نماذج من بعض الحملات أو بعض المواقف التي يقع فيها بعض المعاصرين في الهمز واللمز فهم أولى بقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١].
стр. 3246
تفسير سورة الهمزة [٢ - ٧]
стр. 3247
تفسير قوله تعالى: (يحسب أن ماله أخلده)
قال تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة:٣] هذه جملة حالية أو جملة استئنافية، فإذا كانت حالية فالمعنى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة:٢]، وحالته وهو يجمع هذا المال ويعدده أنه يظن أن ماله أخلده.
وإذا كانت جملة استئنافية فهو ابتداء معنى جديد وجملة جديدة، فهو همزة لمزة، وهو يجمع الأموال ويعددها، وهو بجانب أنه جمع المال وعدده ((يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ)) أي: يظن أن ماله مانع له من الموت، فهو يعمل عمل من يظن أن ماله سيتركه حياً مخلداً لا يموت.
يقول الإمام الطبري رحمه الله تعالى: يحسب أن ماله الذي جمعه وأحصاه وبخل بإنفاقه، مخلده في الدنيا فمزيل عنه الموت؛ وقيل: أخلده، فعل ماضي المقصود به المضارع والمستقبل، يعني: يحسب أن ماله يخلده فيما يستقبل، كما يقال للرجل الذي يأتي الأمر الذي يكون سبباً لهلاكه: عطب والله فلان، أو هلك والله فلان، وهو لم يهلك بعد، ولا دخل النار، لكن المقصود أن هذا العمل سوف يهلكه فيما يستقبل، بمعنى أنه يعطب من فعله ذلك، ولما يهلك بعد ولم يعطب، وكالرجل يأتي الموبقة من الذنوب فيقال له: دخل والله فلان النار.
انتهى كلام الطبري.
وقال الزمخشري ((يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ)) أي: طول المال أمله، ومناه الأماني البعيدة، حتى أصبح لفرط غفلته وطول أمله يحسب أن المال تركه خالداً في الدنيا لا يموت.
وهذا ليس ببعيد في البخلاء، فالبخلاء لهم أخبار عجيبة، كما قال الله عنهم: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء:٣٧]، فبعض البخلاء من شدة تمكن هذه الصفة القبيحة الذميمة في قلبه يتأذى لو رأى غيره يجود! إذاً: يحسب أن ماله سيبقيه حياً لا يموت، أو يبقيه ماكثاً مكثاً طويلاً جداً، لأن هذا من معنى الخلود، أو يزيد في عمره.
стр. 3248
تفسير قوله تعالى: (الذي جمع مالاً وعدده)
قال تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة:٢].
يلاحظ أن الله أظهر هنا المال في موضع الإضمار فقال : ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة:٢] فكرر كلمة المال، مع أن السياق يقتضي أن يقول: يحسب أنه أخلده، فتعود الهاء على (مالاً)، لكن هذا التكرار لعلة وحكمة، قال بعض العلماء: إن المقصود بتكرار كلمة المال زيادة التقرير، وللتقريع والتوبيخ.
وقيل: في الآية تعريض بالعمل الصالح، فالمال لا يخلد صاحبه، لكن العمل الصالح هو الذي يخلد الإنسان، وينبغي للعاقل أن يكب عليه، ويسعى للآخرة حيث الخلود الحقيقي، فتكرار كلمة المال للتعريض بأن المخلد الحقيقي ليس هو المال، وإنما هو العمل الصالح الذي يخلد صاحبه في الجنة، فهذا الحسبان المذموم هو المنصب عليه الوعيد، فإن هذا الشخص لا يؤمن بالبعث ولا يوقن به كما قال صاحب الجنة -وهو سلفه من قبل-: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف:٣٥] يعني: غير معقول أن هذه الجنان وهذا المتاع وهذا النعيم ليبيد أبداً.
يقول الإمام الشنقيطي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٥ - ٣٦]: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن هذا الرجل الكافر الظالم لنفسه، الذي ضر به مثلاً مع الرجل المؤمن في هذه الآيات لرؤساء الكفار الذين افتخروا بالمال والجاه على ضعفاء المسلمين الفقراء، أنه دخل جنته في حال كونه ظالماً لنفسه، وقال: إنه ما يظن أن تهلك جنته ولا تفنى؛ لما رأى من حسنها ونضارتها، وقال: إنه لا يظن الساعة قائمة، وإنه إن قدر أنه يبعث ويرد إلى ربه ليجدن عنده خيراً من الجنة التي أعطاه في الدنيا، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من جهل الكفار واغترارهم بمتاع الحياة الدنيا وظنهم أن الآخرة كالدنيا ينعم عليهم فيها أيضاً بالمال والولد كما أنعم عليهم في الدنيا، جاء مبيناً في آيات أخر كقوله في سورة فصلت: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت:٥٠]، وقوله في سورة مريم: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم:٧٧ - ٧٨]، وقوله في سبأ: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ:٣٥]، وقوله في هذه السورة الكريمة: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف:٣٤]، وقوله: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة:٣].
وبين جل وعلا كذبهم واغترارهم فيما ادعوه من أنهم يجدون نعمة الله في الآخرة كما أنعم عليهم بها في الدنيا في مواضع كثيرة كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٥ - ٥٦].
وقال ﷺ : (إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج) يعني: لييسره للعسرى حتى يستحق مزيداً من العذاب نتيجة المزيد من كفران النعم؛ يقول : ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٢].
وقال : ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٢ - ١٨٣]، وقوله : ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران:١٧٨]، وقال : ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ:٣٧]، وقال : ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:٢]، فهذا المال الذي جمعه وعدده، وكان زينته في الدنيا، هو الذي صرفه عن التفكر في المآل وفي المصير، ودفعه إلى الهمز واللمز واحتقار خلق الله، يقول الله : ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:٢]، ويقول إن هذا الظالم يقول يوم القيامة: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩].
روى أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في جهنم صبغة ثم يقال له: يا ابن آدم! هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغة فيقال له: يا ابن آدم! هل رأيت بؤساً قط؟ هل مرت بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب)، هو لا يكذب، فهو رأى، لكن لا يذكر ذلك، بل ينساه بمجرد أن صبغ في الجنة صبغة، بل يحلف إنه ما رأى بؤساً ولا شدة قط، نسأل الله يجعلنا منهم.
стр. 3249
مسألة الذهب المحلق
مسألة الذهب المحلق كثر الكلام فيها، ونحتاج إلى بيان آراء العلماء المخالفين لأحد أئمة الهدى ومصابيح الدجى، وهو سيدنا الشيخ ناصر الدين الألباني فيما ذهب إليه في مسألة الذهب المحلق، وهو لا يحرم الذهب مطلقاً على النساء، لكن يحرم على النساء الذهب المحلق، وهو الذي يكون على هيئة حلقة مثل الخواتم والأساور أو أي حلية تكون دائرية على هيئة حلقة متماسكة، هذا هو مذهب الشيخ ناصر في هذه المسألة، وقد رد كثير من العلماء على الشيخ ناصر في هذه المسألة، وألف الشيخ إسماعيل الأنصاري كتاب إباحة الذهب المحلق للنساء، وكذلك الدكتور محمد عبد العزيز عمرو في كتاب له، وكذلك الدكتور نور الدين عتر في كتابه (ماذا عن المرأة؟) وكذلك الشيخ أحمد بن حجر القطامي في بعض فتاواه.
стр. 3250
أدلة جواز لبس النساء للذهب المحلق
الأدلة من الكتاب والسنة على جواز تحلي النساء بالذهب المحلق كثيرة، منها قوله : ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] فالله يعيب على المشركين أنهم كانوا ينسبون إليه الملائكة، ويصفونهم بأنهم إناث، ويرتضون لأنفسهم الذكور، ويفضلون الذكور على الإناث، فيختارون لأنفسهم ما يحبونه، وينسبون إلى الله الإناث، فالله أنكر عليهم هذا فقال: ((أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ)) يعني: أتنسبون إلى الله الإناث اللاتي تعتقدون أن فيهن نقصاً ظاهراً في البدن، ونقصاً باطناً في العقل؟! ومن النقص الظاهر في بدن المرأة أنها تحاول أن تكمله وتعوضه بالحلية وبالزينة، أما نقص العقل فعلامته أنها ((فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ)) يعني: لا تكاد امرأة من النساء تقدر على الخصام والمجادلة والنقاش إلا ما استثني، فهذا نقص باطنها، ونقص ظاهرها.
فالشاهد أن قوله تعالى: ((أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ)) المقصود به: الإناث، فتنشأ الطفلة من صغرها على حب الزينة، وتعويض هذا النقص الذي فيها، وهذه فطرة من الله ؛ فبين سبحانه أن للنساء حاجة أصلية إلى التحلي بالذهب وغيره من أنواع الحلي، وأنهن ينشأن عليه، وأن ذلك من دواعي أنوثتهن؛ وأباح لهن الذهب بإطلاق، يستوي في ذلك الذهب المحلق وغير المحلق، فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة على حل الذهب مطلقاً للنساء.
وجاء عن أبي العالية أنه سئل عن الذهب للنساء فقال: لا بأس به، يقول الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨].
وأسند عبد الرزاق في تفسيره عن مجاهد ﵀ أنه ذكر له أنهم يقولون: من تحلى بخربيصيصة كوي بها في النار؛ والخربيصيصة قطعة طويلة من الذهب؛ فقال مجاهد: رخص للنساء في الذهب والحرير، ثم تلا هذه الآية: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]، وقوله: رخص للنساء في الذهب والحرير فيه إشارة إلى أن هذا كان بعد التحريم، والإمام مجاهد من أئمة التفسير الذين تلقوا التفسير عن ابن عباس ﵁، فقد قرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره يستوقفه عند كل آية ويستفسره عنها؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: مجاهد إمام المفسرين، وكان آية في التفسير، ويقول سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، وقد أكثر الإمام الشافعي في الاعتماد على أقوال مجاهد في التفسير، وكذلك الإمام البخاري.
وجاء في إباحة الذهب المحلق وغير المحلق للنساء أحاديث كثيرة تلقتها الأمة بالقبول من سائر المذاهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية، وقدم العلماء أحاديث الإباحة على ما خالفها من أحاديث الحظر؛ لأنها أقرب إلى القرآن وأشهر وأصح، ومن ذلك حديث عائشة أم المؤمنين ﵂، وهذا الحديث صححه الإمام ابن حزم، وإن كان بعض العلماء طعن فيه بأنه من رواية محمد بن إسحاق وهو مدلس، لكنه قد صرح بالتحديث كما ذكر في عون المعبود فزال هذا الاعتراض، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: (قدمت على النبي ﷺ حلية من عند النجاشي أهداها له، فيها خاتم من ذهب فيه فص حبشي، قالت: فأخذه رسول الله ﷺ بعود معرضاً أو ببعض أصابعه، ثم جاءت أمامة بنت أبي العاص ابنة ابنته زينب فقال: تحلي بهذا يا بنية)، فهذا خاتم ذهب محلق، ومع ذلك أمرها أن تتحلى به.
ومن ذلك الحديث المشهور والمعروف: (أن النبي ﷺ أمسك بالذهب والحرير فقال: هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم)، وهذا الحديث له طرق كثيرة صحح بعضها الإمام الترمذي وابن حبان والحاكم وابن حزم وابن العربي المالكي، ونقل الحافظ عبد الحق عن علي بن المديني أنه حسن بعض طرقه، بل عده الكتاني من الأحاديث المتواترة، وفيه دليل على الإباحة المطلقة للذهب للنساء.
ومن الأدلة ما جاء من طريق عبد الله بن جعفر عن محمد بن عمارة عن زينب بنت نبيط عن أمها قالت: (كنت أنا وأختان لي في حجر رسول الله ﷺ فكان يحلينا من الذهب والفضة)، وفي رواية أبي نعيم عنها قالت: حدثتني أمي وخالتي، وهذا الحديث من جملة ما استدركه الحاكم على الصحيحين وأقره الذهبي على تصحيحه.
وعن عائشة ﵂ عند الإمام أحمد: أن رسول الله ﷺ قال: (لو كان أسامة جارية لحليته وكسوته حتى أنفقه)، وهذا الحديث صححه الحافظ العراقي في المغني عن حمل الأسفار، واستدل به البزار على هذا الحكم.
ومن ذلك ما أخرجه ابن سعد بسند صحيح عن سعيد بن المسيب قال: قدمت صفية وفي أذنها خرصة من ذهب، فوهبت منه لـ فاطمة وللنساء معها؛ وصفية إنما تزوجها النبي ﷺ سنة تسع من الهجرة؛ لكن هذا حديث مرسل.
ومن ذلك أيضاً الأحاديث التي تدل على زكاة الحلي من الذهب، وخلاف العلماء فيها معروف، وتلك الأحاديث تدل على إباحة التحلي بالذهب مطلقاً للنساء.
ومن ذلك حديث صلاة العيد عن ابن عباس ﵄ قال: (خطب النبي ﵊ المسلمين بعد صلاة العيد ثم أتى النساء ومعه بلال، فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي قرطها في ثوب بلال)، وفي رواية: (فرأيتهن يهوين إلى آذانهن وحلوقهن) يعني: يخلعن الذهب الذي في آذانهن وفي حلوقهن، وهذا يدل على أنهن كن يلبسن الذهب المحلق.
فهذه النصوص استدل بها العلماء على إباحة الذهب المحلق للنساء.
يقول الإمام البخاري في صحيحه: باب الخاتم للنساء، وكان على عائشة خواتيم الذهب، وعن عمرو بن أبي عمرو قال: سألت القاسم بن محمد فقال: لقد رأيت -والله- عائشة تلبس المعصفر وتلبس خواتيم الذهب.
وفي لفظ آخر: سألت القاسم بن محمد فقلت: إن ناساً يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عن الأحمرين المعصفر والذهب، فقال: كذبوا والله، لقد رأيت عائشة تلبس خواتيم الذهب.
يقول القاضي أبو المحاسن في توجيه هذا: لا يمكن أن عائشة تخالف الأحاديث في النهي عن لبس خواتم الذهب إلا بعد وقوفها على ناسخ؛ فكونها لبست مع علمها بالأحاديث الناهية يدل على أنها وقفت على حديث ينسخ هذه الأحاديث المحرمة للبس الذهب.
стр. 3251
كلام العلماء في جواز لبس النساء للذهب المحلق
حكى الإجماع غير واحد على إباحة التحلي بالذهب المحلق للنساء، مثل الإمام الجصاص في أحكام القرآن، والكيا الهراسي، والبيهقي في السنن الكبرى، والنووي في المجموع، وابن حجر في فتح الباري، والهيتمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر، والسندي في حاشيته على سنن النسائي.
أما الجصاص فقال في تفسير قوله تعالى: ((أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ)) بعد أن ذكر حديث عائشة ﵂ في منع الناس من الذهب، وحديث أبي هريرة في الوعيد على اتخاذ الخرص: الأخبار الواردة في إباحته للنساء عن النبي ﷺ أظهر وأشهر من أخبار الحظر، ودلالة الآية ظاهرة في إباحته للنساء، وقد استفاض لبس الحلي للنساء من لدن النبي ﷺ وأصحابه إلى يومنا هذا من غير نكير من أحد عليهن، ومثل هذا لا يعترض عليه بأخبار الآحاد.
ذكر القرطبي في تفسيره قول مجاهد: رخص للنساء في الذهب والحرير وقرأ هذه الآية، وقال الكيا الهراسي: فيه دلالة على إباحة الحلي للنساء، والإجماع منعقد عليه، والأخبار فيه لا تحصر.
وقال البيهيقي في السنن الكبرى بعدما أورد حديث أبي هريرة: (من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب) إلى آخره، وحديث أسماء: (أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب)، وحديث ثوبان في شأن بنت أبي هريرة: هذه الأخبار وما في معناها تدل على إباحة التحلي بالذهب للنساء، واستدللنا بحصول الإجماع على إباحته لهن، وعلى نسخ الأخبار الدالة على تحريمه لهن خاصة.
وهذه المسألة مثل الأحاديث التي تحصر تعدد الزوجات بأربع، فهي لا تخلو من كلام من حيث السند، لكن استدل العلماء على الحصر بأربع بانعقاد الإجماع، فهو يدل على وجود ناسخ للتعدد المطلق؛ وكذلك هنا استدل العلماء بالإجماع على وجود الناسخ؛ لأن الأمة معصومة في إجماعها من الضلال.
وقال الإمام النووي في المجموع: يجوز للنساء لبس الحرير والتحلي بالفضة والذهب للأحاديث الصحيحة، وقال أيضاً: أجمع المسلمون على أنه يجوز للنساء لبس أنواع الحلي من الفضة والذهب جميعاً كالطوق والعقد والخاتم والسوار والخلخال والتعاويذ والتمائم والقلائد وكل ما يتخذ في العنق وغيره، وكل ما يعتدن لبسه، ولا خلاف في شيء من هذا.
ونفس هذا الكلام ذكره الإمام ابن قدامة في المغني، وقال النووي في شرح صحيح مسلم في باب: تحريم خاتم الذهب على الرجال ونسخ ما كان من إباحته في أول الإسلام: أجمع المسلمون على إباحة خاتم الذهب للنساء.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ في شرح حديث البراء: (نهانا النبي ﷺ عن سبع: نهانا عن خاتم الذهب): النهي عن خاتم الذهب أو التختم به مختص بالرجال دون النساء، فقد نقل الإجماع على إباحته للنساء، وأيد الحافظ ابن حجر ذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة من حديث عائشة ﵂: (أن النجاشي أهدى للنبي ﷺ حلية فيها خاتم من الذهب فأخذه وإنه لمعرض عنه، ثم دعا أمامة بنت بنته فقال: تحلي به).
وقال ابن حجر الهيتمي الفقيه في الكبيرة السادسة بعد المائة: تحلي الذكر البالغ العاقل بالذهب، يعني: لبس الرجل العاقل والبالغ الذهب من الكبائر، هذا من الكبائر، سواء خاتم أو غير خاتم، يقول: وأخرج ابن حبان في صحيحه: (ويل للنساء من الأحمرين: الذهب والمعصفر) وهو حديث صحيح، وفي الحديث: (أريت أني دخلت الجنة فإذا أعالي أهل الجنة فقراء المهاجرين وذراري المؤمنين، وإذا ليس فيها أحد أقل من الأغنياء والنساء، فقيل لي: أما الأغنياء فإنهم على الباب يحاسبون ويمحصون، وأما النساء فألهاهن الذهب والحرير)، يقول: وبه يعلم معنى قوله: (ويل للنساء) في الحديث قبله أي: أن هذين سبب للهوهن وإعراضهن عن الخير وليس المراد به ظاهره؛ لأنهما حلالان لهن إجماعاً.
وقال الإمام السندي في حاشيته على النسائي بعد أن حكى نقل النووي في شرح مسلم إجماع المسلمين على نسخ الأدلة القائلة بحظر خواتيم الذهب بحديث: (إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثها): قلت: ولولا الإجماع -هذا كلام السندي - لقلت بتحريمه على النساء، يعني لأن الظاهر أن يقال: كان الذهب حلالاً للكل ثم حرم على الرجال فقط ثم حرم على النساء أيضاً، لكن لأن الإجماع انعقد على هذا فلا يخالفه.
стр. 3252
أدلة الألباني على تحريم لبس النساء للذهب المحلق
استدل الشيخ الألباني ﵀ بحديث البراء بن عازب ﵁: (نهى رسول الله ﷺ عن خاتم الذهب).
وبعض الأحاديث صححها وخالفه أغلب العلماء في تصحيح هذه الأحاديث، لكن لا شك أن علماء الحديث من صميم عقيدتهم أنه إذا صح الحديث عند أحدهم فلا يملك أن ينصرف عنه إلى غيره، فهو بنى مذهبه على صحة هذه الأحاديث، ورأى أن إباحته مخالفة لنهي النبي ﷺ ، فهذا عذره، فهو يهاب مخالفة النبي ﷺ فيما صح عنده، وهذا هو اللائق به كعالم من علماء الحديث.
ومن الأحاديث التي استدل به قول النبي ﷺ : (من أحب أن يحلق حبيبه بحلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب، ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقاً من نار فليطوقه طوقاً من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه سواراً من نار فليسوره سواراً من ذهب، ولكن عليكم بالفضة، فالعبوا بها، العبوا بها، العبوا بها)، وهذا الحديث قد أجاب عنه العلماء على فرض ثبوته بأن الرواية: (من أحب أن يحلق حبيبه) بدون التاء، قال صاحب بذل المجهود الإمام السهارنفوري الحنفي في شرح هذا الحديث: وهو إلى الصغير أقرب منه إلى الكبير؛ لأن الصغير هو الذي يلبس غالباً، والكبير يلبس بنفسه، فمعنى يطوق حبيبه أن يلبس حبيبه مثل ابنه طوقاً من ذهب.
وقال الشيخ محمد سعيد ألباني الدمشقي: يفهم من نظم هذا الحديث أنه مسوق للصبيان دون النساء؛ لأن تحلق المرأة بحلقة من ذهب جائز.
стр. 3253
تفسير قوله تعالى: (كلا لينبذن في الحطمة)
قال تعالى: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ [الهمزة:٤] أي: ليطرحن في جهنم التي من أسمائها الحطمة؛ لأنها تحطم وتأكل ما ألقي فيها، كما يقال في وصف الرجل الأكول: كأنما في جوفه تنور، يعني: فرن، فهو يهضم الطعام في الحال، ويطلب المزيد والجديد.
وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ هذه الآية: ((لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ)) بالتثنية: (لينبذان) يعني: هذا الهمزة وماله سينبذان في النار، كما قال : ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:٢] يعني: لا يغني عنه هذا المال، وقال تعالى حاكياً عنه: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩].
قال ابن الجوزي: ((الْحُطَمَةِ)) اسم من أسماء جهنم؛ سميت بذلك لأنها تحطم كل ما يلقى فيها، أي: تكسره، فهي تكسر العظم بعد أكلها اللحم، وقال الضحاك: ((الْحُطَمَةِ)) الدرك الرابع من النار؛ وقال الكلبي: الطبقة الثالثة من جهنم، وقال الواحدي: باب من أبواب جهنم؛ وقال مقاتل: هي تحطم العظام، وتأكل اللحوم، حتى تصل إلى القلوب والعياذ بالله.
ووزن حطمة فُعَلة، وهذا يكون لتنزيل الفعل مكانه الطبيعي، فالنار عادتها أنها تحطم وتأكل.
قال القرطبي: سميت بذلك؛ لأنها تكسر كل ما يلقى فيها وتحطمه وتهشمه؛ قال الراجز: إنا حطمنا بالقضيب مصعباً يوم كسرنا أنفه ليغضبا فالحطم يستعمل في كل كسر متناه، يعني تكسر الشيء إلى أقصى مدى من التكسير، فالحطم هو التكسير المتناهي البليغ.
وقوله: ((كَلَّا)) (كلا) في القرآن تأتي بمعنى حقاً أو تأتي بمعنى لا للنفي، يقول الألوسي: ((كَلَّا)) ردع له عن ذلك الحسبان الباطل، أو ردع عنه وعن جمع المال، يعني: لا تحسب أن مالك مخلدك، أو ((كَلَّا)) يعني: لا تجمع المال، فهو ردع له عن حبه المفرط، واستظهر أنه ردع عن الهمز واللمز، وهذا بعيد؛ لأن القريب هو جمع المال.
وقوله: ((لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ)) يفسره قوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٩] أي: ينبذ نبذاً فيهوي على أم رأسه عياذاً بالله من ذلك.
إذاً: ((الْحُطَمَةِ)) اسم من أسماء النار؛ سميت بذلك لأنها تحطم -أي: تكسر وتهشم- كل ما يلقى فيها تكسيراً بليغاً متناهياًَ، ويقال أيضاً: شر الرعاء الحطمة، ويقال: راعي حطمة، وهو الذي يحطم الماشية، لأنه يسوقها سوقاً عنيفاً، ويسيء معاملتها وقيادها، فكأنه يكسرها فسمي: الحطمة.
والنبذ فيه معنى الإلقاء والطرح، فهذا يفيد أن لها قعراً عميقاً جداً، وقد جاءت أدلة كثيرة من السنة تدل على هذا الوصف، فعن أبي هريرة ﵁ قال: (كنا مع رسول الله ﷺ إذ سمع وجبة -يعني: صوت وقع الشيء- فقال النبي ﷺ : تدرون ما هذا؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم؛ قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفاً فهو يهوي في النار، الآن حيث انتهى إلى قعرها).
أيضاً لفظ النبذ يدل على الإهانة؛ لأن الكافر كان يعتقد أنه من أهل الكرامة كما قال الله: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر:١٥]، وقال سبحانه: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]، فالكافر يظن أن إعطاء المال له والتوسيع عليه في الدنيا يقتضي كرامته على الله في الآخرة، فالله يقول: ((كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ)) فيعامل بنقيض قصده وبنقيض اعتقاده؛ لأن كلمة النبذ معناها الطرح والرمي والإلقاء، قال تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص:٤٠]؛ ومنه النبيذ؛ لأنك تنبذ التمر -مثلاً- في الماء، فيكون عصيراً، فإذا أسكر فهو محرم، أما إذا لم يسكر فيطلق عليه نبيذ، وهذا في اللعنة وإن كانت الآن عرفاً تطلق على المسكر، وهو محرم بلا شك؛ والمقصود أنه سمي نبيذاً لأنك تنبذ وترمي فيه التمر، وولد الزنا يسمى منبوذاً؛ لأنه ينبذ ويرمى على الطريق.
قال أبو الأسود: وخبرني من كنت أرسلت أنما أخذت كتابي معرضاً بشمالك نظرت إلى عنوانه فنبذته كنبذك نعلاً أخلقت من نعالك وقال آخر: إن الذين أمرتهم أن يعدلوا نبذوا كتابك واستحلوا المحرم
стр. 3254
الحكمة من ذكر اسم الحطمة
يقول الرازي: اعلم أن الفائدة في ذكر جهنم بهذا الاسم هاهنا وجوه: الأول: الاتحاد في الصورة، فالله قال: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١] على وزن فُعَلة، فاتحدت الصورة بقوله تعالى: ((لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ))، كأنه تعالى يقول: إن كنت الهمزة اللمزة فوراءك الحطمة، فهذا من التشابه في الصورة.
الثاني: أن الهامز يكسر غيره ليضع قدره، فالهامز اللامز يستخدم عينه أو حاجبه أو شفته أو نحو ذلك ليضع من قدر الناس، ويكسر أقدار الناس، فيقول الله له: وراءك الحطمة، فالحطمة تكسرك كسراً وتلقيك في حضيض جهنم، فهي ((لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ)).
الثالث: أن الهماز اللماز يأكل لحم الناس، و ((الْحُطَمَةِ)) اسم للنار من حيث إنها تأكل الجلد واللحم، فيمكن أن يقال: ذكر وصفين: الهمز واللمز، ثم قابلهما باسم واحد: ((لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ))، فكأنه قال: خذ واحداً مني وهو الحطمة، باثنين منك وهما الهمز واللمز، فإنه يفي ويكفي، فكأن السائل يقول: كيف يفي الواحد بالاثنين؟ فكأن
الجواب
إنك لا تعرف خطر وقدر هذا الواحد، فلذلك قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الهمزة:٥].
стр. 3255
تفسير قوله تعالى: (وما أدراك ما الحطمة التي تطلع على الأفئدة)
قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الهمزة:٥] يعني: وأي شيء أشعرك -يا محمد- ما الحطمة؟ ثم أخبره عنها فقال جل ثناؤه: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة:٦ - ٧] يعني: التي يطلع ألمها ووهجها القلوب، تطلع بمعنى يصل عذابها ويبلغ، وسمع من العرب قولهم: متى طلعت أرضنا؟ يعني: متى وصلت أرضنا؟ أو متى بلغت أرضنا؟ إذاً: معنى (تطلع): تصل وتبلغ، فتأكل الجلد ثم اللحم ثم تنفذ في النهاية إلى القلب وهو ألطف شيء في بدن الإنسان، فمعنى ذلك: أنه يبلغ أقصى درجات العذاب والعياذ بالله.
يقول الشوكاني: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الهمزة:٥]، هذا الاستفهام للتهويل والتفظيع حتى كأنها ليست مما تدركه العقول وتبلغه الأفهام، ثم فسر الله الحطمة فقال: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة:٦] أي: هي نار لا كسائر النيران، التي تعرفونها، ((نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ)) موقدة بأمر الله ، أي: هي النار التي لا تنسب إلا إلى الله ؛ لأنه هو منشئها في عالم لا يعلمه سواه.
يقول أبو السعود: وفي إضافتها إليه سبحانه ووصفها بالإيقاد من تهويل أمرها ما لا مزيد عليه.
وقوله: ((الْمُوقَدَةُ))؛ لأنها غير خامدة.
وهذه الإضافة إلى الله إضافة للتخصيص، فهي نوع معين من النيران، وليست كالنيران التي يعرفونها، قال النبي ﷺ : (ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم) (ناركم) فأضافها إلى المخاطبين، وفي لفظ آخر قال ﷺ : (نار بني آدم التي يوقدون)، فلبني آدم نار، ولكن جهنم ليست كنار بني آدم التي تعرفونها لكنها نار الله الكبرى كما جاء في آية أخرى، فلو جمعنا كل النيران التي على وجه الأرض فهي جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم! (قالوا: والله إن كانت لكافية، قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلها مثل حرها)، رواه البخاري ومسلم والترمذي.
قال الغزالي: نار الدنيا لا تناسب نار جهنم، ولكن لما كان أشد عذاب الدنيا عذاب هذه النار عرف عذاب نار جهنم بها، وهيهات لو وجد أهل الجحيم مثل هذه النار لخاضوها هرباً مما هم فيه والعياذ بالله! يعني: أهل جهنم لو يروا مثل هذه النار التي لو جمعنا كل نار الدنيا واجتمعت في مكان واحد وأهل الجحيم رأوها لخاضوها وألقوا بأنفسهم فيها هرباً مما هم فيه من جحيم الآخرة والعياذ بالله!.
نار جهنم هي نار الله الموقدة، وهي لا تخمد أبداً، فنار الدنيا يمكن أن تخمد، لكن نار الله هي الموقدة، وهذه صفة ثابتة لها لا تنفك عنها.
قال أبو هريرة ﵁: أترونها حمراء كناركم هذه؟! يعني: لا يحملنكم هذا الوصف من النبي ﷺ عن صفة جهنم أن تظنوها حمراء؛ لأن نار الدنيا يمكن أن ننتفع بضوئها أو بدفئها، قال: لهي أسود من القار! والقار هو: الزفت.
قال الباجي: ومثل هذا لا يعلمه أبو هريرة إلا بتوقيف؛ لأنه خبر غيبي، ولا يخبر به أبو هريرة إلا بتوقيف من النبي ﷺ ، فله حكم الرفع.
فهذا رسول الله ﷺ يخبر بشدة أمرها في الحر، وهذا أبو هريرة ﵁ يخبر عن شدة أمرها في لونها؛ لأن سوادها أشد في العذاب وفي النكال، يقول بعض السلف: عجباً لمن علم أن الجنة تزين فوقه، والنار تسعر تحته، كيف ينام بينهما؟ قوله: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة:٧].
يقول ابن الجوزي: أي: تأكل اللحم والجلود حتى تقع على الأفئدة فتحرقها.
أولاًَ تبدأ باللحم والجلود ثم تصل إلى القلب، وتطلع يعني: تصل وتبلغ إلى القلوب والعياذ بالله! ثم ما صفة جلد الكافر؟ جلده ليس كالجلد في الدنيا، يقول النبي ﵌: (إن غلظ -يعني: سمك- جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعاً)، فالكافر يزاد في خلقه يوم القيامة حتى جاء في الحديث: (إن ضرس الكافر يكون مثل جبل أحد)، فيزاد في حجمه حتى يزداد إحساسه بالعذاب، وجبل أحد طوله ستة آلاف متر، يعني: ستة كيلو متر، فهذا قدر ضرس الكافر في جهنم والعياذ بالله! قال: (وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وعن أبي هريرة مرفوعاً: (ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع) رواه مسلم.
قال الفراء: حتى يبلغ ألمها الأفئدة، والاطلاع والبلوغ قد يكونان بمعنى واحد، والعرب تقول: متى طلعت أرضنا؟ أي: بلغت.
وقال ابن قتيبة: ((تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ)) أي: توفي عليها وتشرف.
وقال الشوكاني: أي: يخلص حرها إلى القلوب فيعلوها ويغشاها، وخص الأفئدة مع كونها تغشى جميع الأبدان؛ لأنها محل العقائد الزائفة.
стр. 3256
تفسير سورة المسد
стр. 3257
بين يدي سورة المسد
قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥].
سورة المسد سورة مكية، آياتها خمس، ويقال لها: سورة أبي لهب، ولم يفرد الله سورة لذم أحد الناس بالتعيين سوى هذه السورة التي تناولت ذم أبي لهب وامرأته؛ ولذلك لشدة عداوتهما للنبي ﷺ ، وكثرة إيذائهما له.
ويجتنب كثير من الناس قراءة هذه السورة في الصلاة معتقدين كراهة قراءتها؛ لأنها تذم عم النبي ﷺ ! وهذا شيء لا أصل له، والنبي ﷺ لا يضيره ذم عمٍ له كان أكفر قريش بالله، وأشدهم عداوة لرسوله ﷺ ، يقول الشاعر: لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب وما أحسن ما قاله الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ((حَمَّالَةَ الْحَطَبِ)) وحكى القراءتين فيها: قراءة: (حمالةُ الحطب) و (حمالةَ الحطب) والقراءة الثانية بالنصب هي رواية حفص، وقد وجهها بأن النصب على الشتم، يعني: أشتم حمالة الحطب أو أذم حمالة الحطب، ثم قال: وأنا أستحب هذه القراءة، وقد توسل إلى رسول الله ﷺ بدليل من أحب شتم أم جميل، وهي امرأة أبي لهب وكنيتها أم جميل.
إذاً: ما يعتقده العامة الذين يجتنبون قراءة هذه السورة ظناً منهم أن هذا يؤذي الرسول ﵊ لكونه عمه، اعتقاد باطل، بل الرسول ﵊ هو أولى الخلق بالله، وأعلمهم بالله، وأولى من يحب في الله ويبغض في الله ولو أقرب قريب له، ولو كان عمه الشريف أبا لهب.
стр. 3258
سبب نزول سورة المسد
يقول الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: قال البخاري: حدثنا محمد بن سلام حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى: يا صباحاه! فاجتمعت إليه قريش فقال: أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذابٍ شديد.
فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟! تباً لك، فأنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] إلى آخر السورة)، وفي رواية: (فقام ينفض يديه وهو يقول: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟! فأنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾).
стр. 3259
تفسير قوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب)
قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١].
قوله: ((تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ)) دعاء عليه، كما في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس:١٧].
وقوله: ((وَتَبَّ)) خبر، فالأولى (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) دعاء عليه، والثانية: (وتبَّ) خبر بأن هذا الدعاء قد تحقق في حقه، وهلك فعلاً.
وأبو لهب هو أحد أعمام رسول الله ﷺ ، واسمه: عبد العزى بن عبد المطلب، وكنيته أبو عتبة، وإنما سمي أبا لهب لإشراق وجهه، وكان كثير الأذية لرسول الله ﷺ ، وشديد البغض والتنقص له.
روى الإمام أحمد بسنده عن رجل يقال له: ربيعة بن عباد من بني الديل، وكان جاهلياً فأسلم قال: (رأيت النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله؛ تفلحوا، والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب.
يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عمه أبو لهب).
وفي بعض الروايات: (إني لمع أبي رجل شاب أنظر إلى رسول الله ﷺ يتبع القبائل، ووراءه رجل أحول وضيء ذو جمة، يقف رسول الله ﷺ على القبيلة فيقول: يا بني فلان! إني رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئاً، وأن تصدقوني وتمنعوني حتى أنفذ عن الله ما بعثني به.
فإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه: يا بني فلان! هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة؛ فلا تسمعوا له ولا تتبعوه.
فقلت لأبي: من هذا؟ قال: عمه أبو لهب).
فقوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) أي: خسر وخاب، وضل عمله وسعيه، (وتبّ) أي: وقد تب، أي: تحققت خسارته وهلاكه.
يقول الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى: التبُّ هو: القطع، وهذه المادة: (بت) تدور على معنى القطع، كما يفيده فقه اللغة في دوران المادة على معنى واحد، التب والتبب والتباب والتبيب والتتبيب: النقص والخسارة، وتبت يداه أي: ضلتا وخسرتا.
إذاً: التباب: الهلاك، ونظيره في القرآن الكريم قول الله ﵎: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر:٣٧] أي: إلا في هلاك، فـ أبو لهب أهلك نفسه بفساد اعتقاده، وسوء فعاله، كما قال الأعرابي: (هلكتُ وأهلكت) يعني: في جماع أهله في رمضان، وقال تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود:١٠١] يعني: غير خسران، والخسران يؤدي إلى الهلاك والقطع، وفي قصة صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود:٦٣].
فظهر من هذا كله: أن معنى (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) دائرٌ بين معنى القطع والهلاك والخسران، أما قطعهما فلم يُقدَّر عليه قطع يديه قبل موته، لكن حصل له الهلاك، فقد هلك بالغدة، وقد تخلف عن غزوة بدر بسببها، وأرسل نائباً عنه، ثم هلك بعد ذلك، وأما الخسران فما أشد خسرانه بعد هذا الحكم عليه من الله ﵎.
وإذا كان المعنى قد تعين بنص القرآن بالهلاك والخسران، فلا بد من حمل قوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) على الهلاك والخسران، فلماذا أسند التب لليدين؟!
الجواب
أن ذلك أسلوب معروف من أساليب اللغة العربية وهو: إطلاق البعض وإرادة الكل، كما في قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق:١٦]، فالمقصود: صاحبها، وهو الكاذب الخاطئ، لكن حينما يخص الله الناصية بقوله: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق:١٦] لابد لها من زيادة اختصاص بالمعنى المراد، فالمراد بها الإنسان كله، لكن تخصيص هذا الجزء من بدنه يستلزم زيادة اختصاص بهذا المعنى المراد، وهو أن الكذب يسود الوجه، ويذل الناصية التي هي أشرف شيء في وجه الإنسان، بعكس الصدق الذي يبيض الوجه، ويعز الناصية، ويرفع الرأس، فأسند الكذب إلى الناصية لزيادة اختصاصها بالكذب عن اليد مثلاً، فالناصية تختص بالكذب أكثر من اختصاص اليد بالكذب، ولما كان الهلاك والخسران غالباً ما يكتسب عن طريق الجوارح، واليد أشد اختصاصاً في ذلك؛ أسند إليها البت؛ لأن اليد أشد الجوارح اختصاصاً بعمل الأشياء وبالكسب، ومما يدل على أن المراد صاحب اليدين، وليس اليدين فقط؛ قوله تعالى: ((وَتَبَّ)) ولم يقل: (وتبتا) لليدين.
إذاً: قوله تعالى: (وتب) المراد: أبو لهب نفسه.
وقوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب) يحتمل أن يكون على سبيل الإخبار أو الإنشاء، لكن لا يوجد إلا احتمال واحد في قوله تعالى: (وتب) وهو أنها للإخبار، ففي تفسيرها نقول: (وتب) أي: وقد هلك، وفي قراءة ابن مسعود: (وقد تب) وهذه القراءة تفسيرية؛ فإنه لابد في إثبات القراءة أن توافق رسم المصحف، فعندما يقال: فلان قرأ الآية كذا، ويزيد كلمة، فالمقصود أنه فسرها، وتكون قراءة تفسيرية.
стр. 3260
تفسير قوله تعالى: (ما أغنى عنه ماله وما كسب)
قال تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:٢].
(ما) استفهامية تقتضي الإنكار، يعني: ما أغنى عنه شيئاً في الحقيقة، ويحتمل أن (ما) نافية: (ما أغنى) فهو نص على أن ماله لم يغن عنه شيئاً.
قوله: (وما كسب) يعني: وما كسب من المال، واكتساب المال إما أن يكون مالاً اكتسبه بالميراث ونحوه أو ما كسب من عمل جر عليه هذا الهلاك، وهو عداوته لرسول الله ﵌، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل:١١]، وقال ﵎: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية:١٠].
وفي هذه الآية سؤالان: السؤال الأول: أن النبي ﷺ كان يدعو قومه في مكة برفق وحلم، فما الحكمة من هذا الدعاء على عمه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]؟
الجواب
أنه كان يلاطفهم وهو يطمع في إسلامهم، أما عمه فقد يئس من إسلامه، فكان هذا الدعاء في محله، كما وقع من إبراهيم ﵇ حينما كان يلاطف أباه ويقول: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم:٤٣ - ٤٤]، فلما يئس منه تبرأ منه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤]، وكذلك نوح ﵇ لما أوحي إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦] حينئذٍ دعا عليهم بدعائه المعروف.
السؤال الثاني: ما الحكمة من مجيء قوله تعالى: (وتب) بعد قوله: (تبت يدا أبي لهب) مع أن الجملة الأولى كافية سواء قلنا: إنها إنشاء للدعاء أو إخبار بوقوع ذلك؟ الجواب -والله تعالى أعلم-: أن الجملة الأولى محتملة للخبر وللإنشاء، فإذا كانت خبراً فقد يمحو الله ما يشاء ويثبت، والإنشاء قد لا ينفّذ، كقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس:١٧]، ويحمل على الذم فقط والتقبيح، فقوله بعد ذلك: (وتب) هو لبيان أن الهلاك واقع به لا محالة، وأنه ممن حقت عليهم كلمات ربك، فيئس النبي ﷺ والمسلمون من إسلامه، وهنا تنقطع الملاطفة معه، والله تعالى أعلم.
وقد وقع ما أخبر الله به، وهذا من إعجاز القرآن الكريم ومن علامات النبوة، فإنه استمر على كفره حتى مات، قال الله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:٣٣]، فهذه السورة من دلائل نبوة النبي ﵌.
следующие страницы →