← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

تفسير قوله تعالى: (ذرية بعضها من بعض) قال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٣٤]. ((ذريةً)) أي: نسلاً. ((بعضها من بعض)) أي: أن هذه الذرية مسلسلة في وراثة هذا الاصطفاء؛ وأن بعضها من ولد بعض. ((وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)).

стр. 387

تفسير قوله تعالى: (إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً) قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران:٣٥] ((إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ)) أي: اذكر إذ قالت امرأة عمران، واسمها: حنة، لما أسنت واشتاقت للولد فدعت الله ، فلما أحست بالحمل قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران:٣٥]. (إِنِّي نَذَرْتُ) أي: نذرت أن أجعل، (لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا). يقول الزجاج: كان على أولادهم فرضاً أن يطيعوهم في نذرهم، وهذا في شريعتهم، أي: لو أن الأب نذر ابنه للتفرغ لعبادة الله كان على الولد أن يطيع أباه في ذلك، فكان الرجل ينذر في ولده أن يكون خادماً في مكان العبادة. وقال القاضي أبو يعلى: والنذر في مثلما نذرت صحيح في شريعتنا، فإنه إذا نذر الإنسان إن ينشئ ولده الصغير على عبادة الله وطاعته وأن يعلمه القرآن والفقه وعلوم الدين صح مثل هذا النذر. وانظر إلى قولها: ((ما في بطني)) ولذلك قدر السيوطي -وهذا من دقته في التفسير- في الجملة السابقة: ((إذ قالت امرأة عمران)) قال: لما أسنت واشتاقت للولد فدعت الله وأحست بالحمل، فقوله: أحست بالحمل، استنبطها من قولها: ((ما في بطني)) لأنها أحست بهذا الحمل. ((محرراً)) أي: عتيقاً خالصاً من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدس. هذا التعبير في غاية الدقة في الحقيقة، فهو يتحرر من أن يعبد الدنيا، ويتذلل في طلبها؛ ليكون خالصاً لعبادة الله وحده. معنى قولها: ((نذرت لك ما في بطني محرراً)) أي: نذرته وقفاً على طاعتك، لا أشغله بشيء من أموري، فلم تطلب منه الاستئناس به، ولا ما يطمع الناس من أولادهم؛ لأن الناس يطمعون من وجود الذرية إشباع ما في الفطرة من الاستئناس بالأولاد، كذلك أيضاً الاستنصار بهم، والاستعانة بهم، فهي تنازلت عن حظ نفسها من هذا الولد. يقول العلماء: وهكذا على كل أحد إذا طلب ولداً أن يطلبه بالوجه الذي طلبت امرأة عمران وطلب زكريا حيث قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران:٣٨] أي: صالحة. وما سأل إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠]. وقال تعالى في دعاء عباد الرحمن: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤] هبة من الله . فهكذا الواجب أن يطلب الولد لا من أجل الاستئناس والاستنصار والاستعانة بأمر المعاش بهم، فانظر إلى امرأة عمران لما منّ الله تعالى عليها بالولد نظرت أن حظها من الأنس به متروك، فنذرته على خدمة الله تعالى في مكان العبادة، وهذا نذر الأحرار من الأبرار. قال القرطبي رحمه الله تعالى: وأرادت بقولها: ((محرراً)) أي: محرراً من رق الدنيا وأشغالها. وهذه إشارة إلى أن من لا يشتغل بطاعة الله اشتغالاً محضاً فهو لا بد له من نوع من الاسترقاق لمطالب الدنيا ومآربها، ويشبه هذا ما حكاه القرطبي أيضاً عن رجل من العباد أنه قال لأمه: يا أمه! ذريني لله أتعبد له وأتعلم العلم، فقالت: نعم، فسار حتى تبصر، ثم عاد إليها فدق الباب، فقالت: من؟ فقال لها: ابنكُ فلان، قالت: قد تركناك لله ولا نعود فيك. هذه القصة قد يكون فيها شيء من النظر. و ((محرراً)) كما ذكرنا مأخوذ من الحرية، والحرية ضد العبودية، ومن هذا تحرير الكتاب، يقال: الكتاب الفلاني حرره المصنف الفلاني، وخلصه من الاضطراب والفساد، والمحرر: هو الخالص لله لا يشوبه شيء من أمر الدنيا، تقول: طين حر، أي طين لا رمل فيه، وهناك عبارة مشهورة عند الناس يقولون: ذهب حُر، أي: لم يخالطه النحاس ولا غيره. ((فَتَقَبَّلْ مِنِّي))، التقبل: هو أخذ الشيء على وجه الرضا. ((إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ)) أي: السميع للدعاء، والمقصود بالسميع هنا هو المجيب، كما تقول في الصلاة: سمع الله لمن حمده، يعني: أجاب الله . ((الْعَلِيمُ)) أي: بالنيات.

стр. 388

تفسير قوله تعالى: (فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى) قال تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران:٣٦] قال بعض المفسرين: هلك عمران بعد ذلك وهي حامل، كلمة هلك تأتي في سياق الذم، كما تقول: هلك الطاغوت الفلاني مثلاً، لكن قد يعبر بها أحياناً عن الموت، كما قال ﵎ حاكياً على لسان مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر:٣٤]، كذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء:١٧٦] أي مات؛ ولذلك يشيع في مسائل الميراث هلك هالك عن كذا وكذا. ((فَلَمَّا وَضَعَتْهَا)) أي: ولدتها جارية. يعود الضمير في قوله: ((وضعتها)) إلى مذكور من قبل في الآية السابقة: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ [آل عمران:٣٥ - ٣٦]، الضمير يعود إلى؟ إلى ((ما)) التي في قولها: ((ما في بطني محرراً)) والأصل أنه يكون مذكراً؛ لكن أنث على المعنى؛ لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله. أو يكون على تأويل: ((فلما وضعتها)) أي: هذه النسمة أو هذه النفس، وهي مؤنث. ((فلما وضعتها)) أي: ولدتها جارية، وكانت ترجو أن يكون غلاماً، إذ لم يكن يحرر إلا الغلمان، قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦] إما أنها قالت ذلك على سبيل الاعتذار، أو أنها تحسرت؛ لأنها كانت أنثى، إذ جهلت قدرها، ولو علمت أم مريم ﵍ قدر مريم لما تحسرت، لكن إن قلنا: إنها تحسرت فيكون ذلك على أنها جهلت قدر مريم ﵍. ((فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ)) أي: معتذرة أو متحسرة، إذ جهلت قدرها: ((رَبِّ)) أي: يا رب، ((إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ)) أي: أن الله عالم بما وضعت. وفي قراءة: ((وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتُ))، بضم التاء، أو: ((وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتِ)) بكسر التاء على أنه خطاب من الملائكة. ((وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ))، هذه جملة اعتراض من كلامه . ((وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى))، أي: ليس الذكر الذي طلبتُ كالأنثى التي وهبت؛ لأن الذكر يحرر ويقصد للخدمة، والأنثى لا تصلح لها؛ لضعفها وعورتها، وما يعتريها من الحيض ونحوه، مما يمنع أن تتفرغ لهذه العبادة. ((وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ))، ومريم في لغتهم هي العابدة، سمتها بذلك تفاؤلاً ورجاء أن يكون فعلها مطابقاً لاسمها. وهكذا ينبغي عند اختيار الأسامي أن يتفاءل الإنسان عندما يسمي ابنه أو بنته، عسى أن يكون مثل هذا المسمى. ((وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا)) أي: أولادها، ولم يكن لها من الذرية سوى المسيح ﵇. ((مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)) بمعنى: المرجوم المطرود، وفي الحديث يقول ﷺ : (ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً إلا مريم وابنها)، وهذا رواه الشيخان وغيرهما. فقوله: (ما من مولود يولد): هذا يعم كل مولود بما في ذلك الأنبياء والمرسلين، وإلا لما كان لاختصاص مريم وعيسى ﵉ بهذا الأمر معنى. ليس معنى ذلك: أن الشيطان إذا نزغ أو نفث في خاصرة هذا المولود أنه يكون مسلطاً عليه؛ لا يشترط ذلك؛ لأن الأنبياء معصومون من ذلك: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢] لكن هو عبارة عن إعلان بالعداوة منذُ اللحظة الأولى، لا شك أن هذا الصراخ الذي يحصل من الطفل المولود عند ولادته له سببان: السبب الأول: سبب مادي يمكن التوصل إليه بالخبرات البشرية والعلم البشري، فلذلك تركه الله للأطباء والمتخصصين في هذا المجال، برقي علمهم يكتشفون هذه الأسباب، وفوائد الصراخ بالنسبة للمولود وغير ذلك. السبب الثاني: وهو السبب الغيبي الذي لا يمكن أن يدرك بالحواس، ولا بتجارب ولا بعلوم مادية تترقى من وقت لآخر، فهو سبب غيبي لا نراه؛ ولذلك أخبرنا عنه الله ﵎ على لسان رسوله ﷺ : (ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً)، كما جاء في بعض الروايات: (يصرخ)، لماذا يصرخ؟ السبب الذي لا نستطيع أن نعرفه إلا من طريق الوحي، هو هذا الذي ذكره ﵊، وهو: (أن الشيطان يعلن له العداوة منذُ اللحظة الأولى فينخسه ويطعنه في خاصرته أو في جنبه فيستهل صارخاً إلا ابن مريم وأمه، استجابة لدعوة امرأة عمران حينما قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران:٣٦]، فهذا الحديث يدل على إجابة هذه الدعوة.

стр. 389

تفسير قوله تعالى: (فتقبلها ربها بقبول حسن) قال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧] ((فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا)) أي: قبل مريم من أمها، والقبول هو أخذ الشيء على وجه الرضا. ((فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ)) يعني: أنها صالحة؛ لأن تكون محررة، وأن امرأة عمران وفت بنذرها، وذلك كما جاء في بعض التفاسير: أنها لفتها في خرقة وأرسلتها إلى المسجد، وورد أنها ربتها حتى كبرت وصلحت لخدمة المسجد فأرسلتها؛ لكن الإمام القرطبي رحمه الله تعالى لم يفته أن ينوه على شيء مهم جداً قال: حتى لو كانت تصلح في شريعتهم أن تقوم بخدمة المسجد، فلعل الحجاب لم يكن عندهم كما كان في صدر الإسلام. واستدل بالحديث المتفق عليه: (أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد على عهد رسول الله ﷺ فماتت) والحديث معروف، فمعنى ذلك: أن هذا كان في بداية الإسلام، وفي صدر الإسلام؛ كذلك كانت المرأة تصلح أو الأنثى تصلح في شريعتهم لمثل هذا، ولم يكن الحجاب بنفس الصورة في الإسلام موجوداً عندهم، فلأجل ذلك كانت في المسجد، والله أعلم. بعض القضايا نريد أن نتوقف عندها قليلاً: فأولى هذه القضايا: قوله تعالى هنا: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦]، يخبرنا بهذه القضية السالبة، والكفرة والملحدون الآن يقولون: بل الذكر كالأنثى فيجعلونها موجبة، فلا شك بعد قول الله في صدق هذه السالبة، وكذب هذه الموجبة. ((فَتَقَبَّلَهَا رَبُهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا))، أي: أنشأها بخلق حسن. وجاء في التفسير أنها من حيث معدل النمو قد كانت تنبت في اليوم كما ينبت المولود في العام، وأتت بها أمها. وهناك تفاسير أخرى لقوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ أي: بجعل ذريتها من كبار الأنبياء. والتفسير الأول يحتاج إلى دليل مرفوع. أما التفسير الثاني فقد جعل الله من ذريتها المسيح ﵇ من أولي العزم من الرسل ومن كبار الأنبياء. قال الزمخشري عند قوله تعالى: ((وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا)) مجاز عن التربية الحسنة، هي العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها، كالصلاح والسداد والعفة والطاعة. وأتت بها أمها الأحبار سدنة بيت المقدس، فقالت: (دونكم هذه النذيرة خذوها، فتنافسوا فيها؛ لأنها بنت إمامهم وسيدهم عمران، فقال زكريا: أنا أحق بها؛ لأن خالتها عندي، فقالوا: لا، حتى نقترع. فالأقرب أنهم تنافسوا أيهم يكفل مريم تنافساً في الخير؛ لأنهم جميعاً كانوا يحبون ذلك ويتنافسون عليه، لا كما زعم بعضهم أنهم أصابهم فقر، وتنازعوا فيمن يتحمل نفقتها كأنهم كانوا متضررين من ذلك، فحسماً للنزاع اقترعوا. هذا بعيد! فقال زكريا: (أنا أحق بها؛ لأن خالتها عندي، فقالوا: لا، حتى نقترع، فانطلقوا وهم تسعة وعشرون إلى نهر الأردن، وألقوا أقلامهم على أن من ثبت قلمه في الماء وصعد فهو أولى بها، ومن غرق قلمه أو ذهب مع الماء فلا حق له فيها، فثبت قلم زكريا، فأخذها وبنى لها غرفة في المسجد بسلم لا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بأكلها وشربها ودهنها، فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، كما قال تعالى: ((وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا)) [آل عمران:٣٧])، أحد الصحابة رضي الله تعالى عنهم أيضاً كان له مثل هذه الكرامة، وذلك عندما كان مأسوراً عند الكفار، فكان يوجد عنده قطف من العنب في الشتاء، والله أعلم. ((وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا)) أي: ضمها إليه، أصل كلمة: ((زكريا)) تذكار الرب، يعني: تذكر الرب ، وهي تقرأ: ((زكريا)) أو (زكرياء) والمكفل هو الله : ((وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا))، إذاً: إعراب زكريا مفعول ثان. ((وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ))، المحراب: هو أشرف المجالس؛ لأن المحراب هو الغرفة والموضع العالي، وهو سيد المجالس ومقدمها وأشرفها. وسمي محراب المسجد بهذا الاسم؛ لانفراد الإمام فيه وبعده عن القوم يقال: فلان حرب لفلان؛ يعني: إذا كان بينهما مباغضة ومباعدة وخصام، فيعبرون عن ذلك بكلمة: (حرب) لأن فيه معنى البعد. وقيل: المحراب مأخوذ من المحاربة؛ لأن المصلي يحارب الشيطان، ويحارب نفسه بإحضار قلبه. وعلى أي الأحوال فالمحراب المقصود به أنه أشرف الأماكن وأكرم المواضع من المجلس، وأشرف المسجد هو مقام الإمام. ((كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ))، (كلما) صيغة عموم تعم الوقت كله، أي: كلما دخل الغرفة ((وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا)) أي: من أين لك هذا؟ ((قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ))، مع أنها كانت صغيرة؛ لكنها أجابت هذه الإجابة التي تفصح عن يقينها وإيمانها، بالله ، ((هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)) أي: أنه يأتيني به من الجنة. ثم ذكرت التعليل؛ حيث قالت: ((إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ))، الحساب هنا بمعنى: التضييق والتقتير. فقولها: ((إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ))، فيه كرامة لـ مريم ﵍. ((بِغَيْرِ حِسَابٍ)) أي: رزقاً واسعاً بلا تبعة، أو ((بِغَيْرِ حِسَابٍ)) أي: بغير تقدير لكثرته، أو بغير استحقاق تفضلاً منه ﵎ ومحض فضل ومنّة من الله .

стр. 390

تفسير قوله تعالى: (هنالك دعا زكريا ربه) قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨]. زكريا ﵇ رأى هذه الآية وهذه العلامة على قدرة الله ، فلما رآها قد رزقها الله شيئاً في غير حينه وفي غير أوانه وكان يتوق إلى الولد، حينها طمع في رحمة الله ، فلما سمعها تقول له ذلك: (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧]. ((هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ))، أي: أنه طمع في أن يحقق الله له ما يصبو إليه؛ لأنه لما رأى أن الله رزقها الفاكهة في غير حينها، وعلم أن القادر على الإتيان بالشيء في غير حينه قادر على الإتيان بالولد حين الكبر، وكان أهل بيته انقرضوا. ((هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ))، أي: لما دخل المحراب للصلاة في جوف الليل: ((قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ)) أي: من عندك، ((ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً)) أي: ولداً صالحاً. ((إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ)) أي: مجيب الدعاء.

стр. 391

وقفة مع قوله تعالى: (هب لي ذرية) نود أن نقف وقفة عند قوله تعالى: ((هَبْ لِي)). نقول: إن الذرية هبة من الله ، ونعمة من الله لا ينبغي أبداً السعي في إنقاصها، فإن رسول الله ﷺ كان يدعو ويقول: (اللهم زدنا ولا تنقصنا)، والملحدون اليوم يقولون: اللهم انقصنا ولا تزدنا، هؤلاء سفهاء العقول والأحلام، حالهم وطريقتهم في التعامل مع ما يسمونه: الانفجار السكاني، يريدون بذلك أن يستروا خيبتهم وفشلهم وتآمرهم على شعوبهم باسم الانفجار السكاني، وكأن الناس لم تخلق إلا بأفواه فقط لتأكل، ولم تخلق معها أيدي تعمل وتكتسب! قال الشاعر: لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق أي: أن عقولهم هي الضيقة. فحالهم كحال شخص عنده ثوب، هذا الثوب قصير عليه جداً، فيريد أن يحل مشكلة الثوب القصير! فيقوم ببتر ساقيه حتى يناسب طول الثوب! مثلاً: في مصر بلد الخير والفضل العميم من الله : ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥] بكل ما فيها من الخير، فإنه لا يستثمر من أرض مصر ويستغل إلا بنسبة قد لا تصل إلى (٥%) من مساحة الجمهورية كلها، ثم نشكو بعد ذلك ضيق الرزق، إنما هو ضيق العقول والتآمر على المسلمين.

стр. 392

تفسير قوله تعالى: (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب) قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:٣٩]. ((فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ))، قيل: الملائكة على ظاهرها، وقيل: المقصود بها: ملك واحد وهو جبريل ﵇. ((وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ)) أي: المسجد أو مكان العبادة. ((أَنَّ اللَّهَ)): يعني: بأن الله، وفي قراءة بالكسر: بتقدير أن الملائكة أو أن جبريل قال: (إن الله). ((يُبَشِّرُكَ))، إما يُبشِّرُك، أو يَبْشُرك، البَشَرة هي ظاهر الجلد. ((بِيَحْيَى))، يحيى أصلها في لغتهم: يوحنا، ومعناها في نعمة الرب. ((مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ)) أي: بكلمة كائنة من الله ، وهي كلمة: كن؛ لأن هناك آية أخرى فصلت ما هي هذه الكلمة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]. ((بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ)) أي: يحيى، مصدقاً بعيسى أنه روح الله وأمره وكلمته؛ لكن روح المسيح كباقي أرواح المخلوقات، أي أن قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١] ليس المقصود البعضية أو الجزئية والعياذ بالله، لا يمكن أبداً أن يكون المسيح جزءاً من الله معاذ الله، هذا كفر بلا شك. لكن المقصود بـ (من) هنا، مِن الابتدائية أي: أن ابتداء خلقه منه ، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] هل كل ما في السماوات والأرض جزء من الله؟! لا، لكن ابتداء خلقها من الله، كذلك قوله: ((بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ)) هي (كن). أما قوله: ((وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ)) [السجدة:٩]، فكل مخلوق ينفخ الله فيه من روحه، وهذه الروح مخلوقة بلا شك خلقها الله، كما تقول: بيت الله، ناقة الله، هذه إضافة تشريف، فروح الله يعني: الروح التي خلقها الله له. ويقول تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧]، ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة:٩]. ((وَسَيِّدًا)) أي: متبوعاً يسود قومه ويفوقهم ((وَحَصُورًا)) أي: ممنوعاً من النساء من غير علة، بمعنى: أنه لا يرغب فيهن؛ بسبب اشتغاله بطاعته لله وعبادته، فإنما يمتنع من ذلك عفة وزهداً واجتهاداً في الطاعة؛ لأن هذا بلا شك وارد في سياق الثناء على يحيى ﵇، فالثناء يكون بالأمر المكتسب، لا بالأمر الجبلي، بهذا يبطل قول بعض المفسرين: إنه كان عنيناً لا يأتي النساء. وصيغة (حصور) بوزن فعول، وهي بمعنى: حاصر، أي: أنه يحصر نفسه عن الشهوات، ونقول: إن هذا لعله كان في شرعهم، أما شرعنا فهو بخلاف ذلك، فإنه لا يمدح الإنسان بالزهد في هذا الأمر، بل بالعكس حرض نبينا ﷺ على هذا، ونهى عن التبتل كما نهى عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه، وكما نهى أبا هريرة عن الاختصاء، وكما قال في حديث الرهط الثلاثة: (وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني). إذاً: ديننا وشرعنا بخلاف ذلك، وإنما فيه حث وتحريض على النكاح، أما الرهبانية في هذه الأمة فهو الجهاد، وقال ﵊: (تناكحوا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة)، وفي حديث عياض بن حمار المشهور في صحيح مسلم، قال ﵊: (وأهل النار خمسة)، فذكر من أهل النار: (الضعيف الذي لا زبر -أي: لا عقل- له، والذين هم فيكم تبعاً لا يبغون أهلاً ولا مالاً)، أي: من لا يطمح في أن يتزوج ويكون له أهل أو يجتهد في توسيع رزقه. قوله: (لا يبغون أهلاً ولا مالاً)، هذا من دناءة الهمة وخستها، يقول: حتى لا أتحمل المسئولية، وإذا انضم إلى ذلك ما يدعو إليه من الفواحش، فإن الأمة تصير إلى المهالك والمفاسد. ((وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ))، أي: ناشئاً من الصالحين؛ لأنه من ذرية قومٍ صالحين ومن أصلابهم، أو كائناً من جملتهم، والصالح: هو الذي يؤدي لله ما افترض عليه، ويؤدي إلى الناس حقوقهم، هذا حد الرجل الصالح. وروي (أنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها ﵇.

стр. 393

تفسير قوله تعالى: (قال رب أني يكون لي غلام وقد بلغني الكبر) قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران:٤٠]. قال حاكياً عن زكريا ﵇: ((قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ))، قال بعض المفسرين: لما تحققت البشارة أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر! ((قَالَ رَبِّ أَنَّى)) أي: كيف؟ أو من أين؟ ((يَكُونُ لِي غُلامٌ)) أي: ولد. قولهم للطفل: غلام على معنى التفاؤل، أي: أنه سيكبر ويصير غلاماً، ولا يموت طفلاً، وقولهم للكهل: غلام، بمعنى: أنه كان من قبل غلاماً. ((وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ))، أي: بلغت الكبر وبلغني الكبر. قال بعض المفسرين: ليس المقصود هنا أن زكريا يستبعد هذا الأمر، وإنما كان يريد أن يستفهم عن كيفية وجود الولد، هل ستعود زوجته شابة؟ لأنها كانت عاقراً، وكان كبيراً في السن، أم يأتي وهما على هذه الحال قد بلغا من الكبر عتياً. أو أن قوله: ((رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ)) كان على وجه التواضع، بمعنى: بأي منزلة أستوجب هذا وأنا لست مستحقاً لهذه الكرامة أو لإجابة هذا الدعاء. ((وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ)) أي: بلغت نهاية السن مائة وعشرين سنة. ((وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ)) أي: معقورة قد بلغت ثمانية وتسعين سنة: ((قَالَ كَذَلِكَ)) أي: أن الأمر كذلك في كونه يخلق غلاماً منكما، وأنتما كبيران في السن، بمعنى: أنكما لن ترجعا شباباً. ((اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)) أي: لا يعجزه شيء، ولا يحتاج إلى سبب. ولإظهار هذه القدرة العظيمة ألهمه الله أن يسأل هذا السؤال (( رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ)) كي يأتي المقصود من الجواب بإظهار قدرة الله . وهنا في قصة زكريا قال: (يفعل) أما في قصة المسيح: ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ﴾ [آل عمران:٤٧]، وسنوضح الفرق إن شاء الله.

стр. 394

تفسير قوله تعالى: (قال رب اجعل لي آية) قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [آل عمران:٤١] ((قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً)) أي: علامة على حمل امرأتي، وسأل الآية لأن شأن الحمل في بداية وقوعه يكون خفياً، وأعراض الحمل تتأخر، فأراد أن يعلمه الله به من أوله، وأن يجعل له آية ظاهرة يعلم بها حصول الحمل من بدايته؛ كي يستصحب الشكر من بداية حصول هذه النعمة ولا يؤخره إلى أن يظهر ظهوراً معتاداً. ((قَالَ آيَتُكَ))، أي: آيتك عليه. ((أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ)) أي: تمنع من كلامهم، بخلاف ذكر الله ﵎ فلا تمنع عنه. ((ثَلاثَةَ أَيَّامٍ)) يعني: بلياليها، جمعاً بين هذا وقوله تعالى: ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم:١٠]. ((إِلَّا رَمْزًا)) أي: إشارة، والإشارة لا تكون إلا باليد أو بالرأس، أي: تتكلم مع الناس بالإشارة؛ ولذلك بوب الإمام البخاري في صحيحه بقوله: باب وقوع الطلاق بالإشارة، وهو يفيد وقوع الطلاق بالإشارة بالنسبة للأخرس الذي لا يتكلم. والمعنى: أنه يحال بينه وبين الكلام من غير آفة فيه، إنما هذه آية من آيات الله ، بحيث إنه إذا أراد أن يتكلم كلاماً عادياً لا يستطيع أبداً، أما إذا أراد أن يذكر الله أطلق الله لسانه؛ لكن يتعامل مع الناس بالرمز وبالإشارة بالشفتين أو باليد أو بالرأس وغير ذلك، وذلك لمدة ثلاثة أيام. يقول محمد بن كعب رحمه الله تعالى: لو رخص الله لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا؛ لأنه منعه من الكلام وأمره في نفس الوقت بذكر الله ﵎. ((وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ)) أي: صل؛ لأن التسبيح يطلق على الصلاة أحياناً. ((بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ)) أي: أواخر النهار وأوائله.

стр. 395

تفسير سورة آل عمران [٤٢ - ٥١]

стр. 396

تفسير قوله تعالى: (وإذ قالت الملائكة يا مريم) ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٤٢]. ((وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ)) أي: واذكر إذ قالت الملائكة، أي: جبريل ﵇. ((يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)). ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ)) أي: اختارك، بالتقريب وبالمحبة. ((وَطَهَّرَكِ))، أي: وطهرك عن الرذائل، أو وطهرك عن مسيس الرجال. ((وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)) أي: أهل زمانك، وهذا فيه موضوع طويل ليس مقام بسطه الآن: وهو هل مريم هي أفضل نساء زمانها فقط أم هي أفضل النساء على الإطلاق؟ وهل مريم ﵍ نبية أم ليست نبية؟ والصحيح -والله تعالى أعلم- هو المتفق عليه أن مريم ليست نبية؛ لأن الله لم يبعث إلا رجالاً، كما قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٣]، وكلام الملك لها لا يكفي دليلاً على كونها نبية؛ لأن الملك تصور لها في في صورة رجل: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم:١٧] وكان جبريل يتصور في صورة دحية الكلبي، وفي حديث عمر بن الخطاب: (إذ طلع علينا رجل شديد سواد الشعر -إلى آخر الحديث- فقال: ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم). فهل صار الصحابة بمجرد أن يشاهدوا جبريل ﵇ أنبياء.

стр. 397

تفسير قوله تعالى: (يا مريم اقنتي لربك) ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٣]. ((يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ)) أي: أطيعيه شكراً على هذا الاصطفاء. ((وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)) أي: صلي مع المصلين. قال مجاهد: سجدت حتى تقرحت ركبها، أو جبهتها.

стр. 398

تفسير قوله تعالى: (ذلك من أنباء الغيب) ﴿ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران:٤٤]. ((ذَلِكَ)) أي: المذكور من أمر زكريا ومريم ﵉: ((مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ))، أي: من أخبار ما غاب عنك. ((نُوحِيهِ إِلَيْكَ)) يا محمد ﵊، يعني: أنه ليس هناك سبيل لمعرفة هذا الغيب إلا الوحي، فهذه من علامات صدق نبوة النبي ﷺ ، وهو إخباره عما كان من قبل ولم يشهده، والإتيان في ذلك بما هو مهيمن على كل ما خالفه، فبعث النبي ﵊ لأجل حكم كثيرة منها: أن يبين لهؤلاء اليهود والنصارى من بني إسرائيل ما اختلفوا فيه من شأن المسيح ﵇، حتى يأتي بالقول الفصل في كل من تنازعوا فيه، فالقرآن حاكم على ما جاء قبله ومخبر بالصدق في ذلك، فهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ نادينا) [القصص:٤٤]، وكقوله ﵎: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص:٤٦]، وكقوله في قصة يوسف ﵇: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف:١٠٢] وقوله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود:٤٩]، فهذه إشارة إلى أن مصدر هذه الأخبار كلها الوحي لا غير. ((وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ)) أي: في الماء يقترعون ليظهر لهم ((أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ))، أي: أيهم يضمها إليه وأيهم يربيها. قال العلماء: هذه الآية أصل في جواز القرعة عند التنازع. ((وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ))، أي: في كفالتها، وكما ذكرنا أنهم يختصمون تنافساً في حيازة هذا الشرف، لا تدافعاً كما زعم بعض الناس.

стр. 399

تفسير قوله تعالى: (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك) ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران:٤٥]. ((إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ)) أي: اذكر إذ قالت الملائكة وهو جبريل ﵇: ((يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ)) أي: بولد. فالمقصود بالكلمة هو الولد يحصل بكلمة من الله بلا واسطة أب، فهذا من إطلاق السبب وإرادة المسبب. ((اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)). يجوز في غير القرآن أن تقول: بكلمة منه اسمها، لكن ذكَّر الضمير الراجع إلى الكلمة؛ لكونها عبارة عن مذكر وهو المسيح عيسى بن مريم. وبدأ باللقب لأنه أشهر، ولذلك كثير من العلماء يشتهرون بألقابهم. ((اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)) المسيح معناه: المدهون بدهن القدس، أو المسيح بمعنى: أنه كان لا يوجد له أخمص قدمين، أو المسيح بمعنى: أنه كان كثير السياحة في الأرض، أو المسيح بمعنى: أنه ما مسح ذا عاهة إلا برأ بإذن الله ﵎. والمسيح: مسيح الحق وهو المسيح ﵇، ومسيح الضلالة وهو الدجال الأعور. وفي قوله: ((اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)) أنه ابن مريم لا ابن الله، كما يزعم الملحدون من النصارى، وصرح بنسبته إليها تنبيهاً على أنه يولد بلا أب، ولو كان له أب لنسبه إليه. فهذا فيه رد على ملاحدة النصارى الذين يزعمون أنه ابن الله. ((وجيهاً)) أي: ذا جاه. والوجيه: هو المحبب المقبول، وهو ذو الجاه والمنزلة الرفيعة عند ذوي القدر والمعرفة. ((وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا)) بالنبوة. (والآخرة) بالشفاعات والدرجات العلى. ((وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ))، أي: من المقربين عند الله ﵎ يوم القيامة.

стр. 400

تفسير قوله تعالى: (ويكلم الناس في المهد وكهلاً) ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:٤٦]. ((وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ))، والمهد: هو الموضع الذي يهيأ ويوطأ للصبي لينام فيه، وهو يكلم الناس حال كونه طفلاً، ويكلمهم حال كونه كهلاً. فهو ﵇ مجرد أن ولد تكلم كلاماً حكيماً ذا معاني سامية ورفيعة؛ لأن كلام الأنبياء أكمل وأعظم وأفصح الكلام، قال لهم وهو في المهد: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٣٠]، بدأ بالإعلان عن العبودية ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [مريم:٣٠ - ٣١]، إلى آخر الآيات. كلام الأنبياء من غير تفاوت بين الحالتين لا شك أنه في غاية الإعجاز، وفي ذلك أيضاً بشارة ببقائه وامتداد أجله وأنه لن يموت صغيراً، بل يبقى إلى أن يشاء الله. أما الكهل: فهو من بدأ الشيب يخالط شعره، أو من جاوز الثلاثين إلى الأربعين أو من الأربعين إلى الخمسين، وقيل له: كهل؛ لانتهاء شبابه وكمال قوته، والانتهاء ليس معناه: أنه انتهت قوته، بل الانتهاء هو وصولها إلى أكمل ما يكون في هذه السن، بمعنى: أن الإنسان يكون كاملاً بدنياً وكاملاً عقلياً تتوافر قوته العقلية والبدنية، ومنه يقال: قد اكتهل النبات، أي: بلغ عنفوان قوته ونموه ونضجه. الغلام يكون طفلاً ثم بعد ذلك إذا اقترب من البلوغ يسمى: مراهقاً، فالمراهق هو من كان قبل البلوغ، ثم بعد المراهق يسمى: محتلماً، ثم إذا بدأت اللحية تنبت فيه يقال: اتصلت لحيته، ثم يوصف بأنه مجتمع، ثم كهل، والكهل هو ابن ثلاث وثلاثين سنة.

стр. 401

الحكمة من تكليم عيسى ﵇ الناس في المهد وعند الكهولة أما الحكمة من تكليمه الناس في تلك الحال ففيها قولان: الأول: أنه تكلم لتبرئة أمه مما قذفها به اليهود لعنهم الله من البهتان: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٣٠]. قال ابن عباس: (تكلم ساعة في مهده ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغ النطق)، أي: أنه لم يتكلم باستمرار، وإنما أنطقه الله سبحانه، ثم عاد مثل سائر الأطفال. القول الثاني: أنه تكلم لتحقيق معجزته الدالة على نبوته. فإن قيل: قد علم أن الكهل يتكلم، إذاً: ما الحكمة من قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران:٤٦]؟ ف الجواب أنه يتكلم في المهد كلاماً مستوياً مع كلام الكهل، مع أن فارق السن كبير. فالمقصود أن الكهل هو الحليم، أو أن هذا الكلام خرج مخرج البشارة بطول عمره وأنه يبلغ سن الكهولة. روي عن ابن عباس قال: (((وَكَهْلًا)) قال: ذلك بعد نزوله من السماء ﵇، وهذا تفسير قوي، وقد مال إليه الدكتور محمد خليل هراس رحمه الله تعالى في كتابه (فصل المقال في رفع عيسى حياً ونزوله وقتله الدجال)، فتكلم بالتفصيل على هذا الأمر. وفي قوله: ((وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا)) إشارة إلى أن المسيح ﵇ سينزل في آخر الزمان؛ لأن كلامه في المهد معجزة؛ إذاً لا بد أن يكون هناك مظهر من مظاهر الإعجاز في كلامه كهلاً، وهو نزوله من السماء في آخر الزمان يكلمهم بهذا الكلام. وفي قوله: (وَكَهْلًا) إشارة إلى أنه يمر بالمراحل التي يمر بها سائر الأطفال، وأنه مع الأيام ينتقل من حال إلى حال، ولو كان عيسى ﵇ إلهاً لم يدخله هذا التغيير. أي: أن الزمان ومرور الأيام تؤثر فيه بالنمو وبالزيادة وغير ذلك مما هو من صفات الحوادث من التغير والتفاعل، والله لا يغيره شيء. ((وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: وجعلناه من الصالحين.

стр. 402

تفسير قوله تعالى: (قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر) ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٤٧]. ((قَالَتْ رَبِّ)) تخاطب الله . ((أَنَّى))، أي: كيف؟! ((يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ)) أي: بتزوج ولا غيره. والمسيس: هو الجماع. ((قَالَ كَذَلِكِ)) أي: قال جبريل: الأمر كذلك، من خلق ولد منك بلا أب، هذا أمر الله . ((يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ)) أي: قد يخلقه بسبب وقد يخلقه بدون سبب، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لو أن الماء الذي يكون منه الولد أرقته على صخرة لكان منه الولد، وليخلقن الله نفساً هو خالقها)، أو كما قال ﵊. ((كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يشاء)) أي: لا يحتاج إلى سبب ولا يعجزه شيء. وصرح هاهنا بالخلق بقوله: ((يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ)) أما في قصة زكريا قال: ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران:٤٠]؛ لأن الخلق المنبئ عن الإحداث للمكون أنسب بهذا المقام؛ لئلا يبقى لمبطل شبهة. ((إِذَا قَضَى أَمْرًا))، أي: إذا أراد خلقه. ((فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ))، أي: فهو يكون من غير تأخر ومن غير حاجة إلى سبب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٥٠] أي: إنما نأمر مرة واحدة لا تثنية فيها، فيكون ذلك الشيء سريعاً كلمح البصر.

стр. 403

تفسير قوله تعالى: (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل) ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ [آل عمران:٤٨]. ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ [آل عمران:٤٨]، بالياء، وفي قراءة: (ونعلمه) بالنون. ((الْكِتَابَ)) إما الكتابة نفسها أو الخط، أو الكتاب هنا المقصود به جنس الكتاب، أي: جنس الكتب الإلهية. ((وَالْحِكْمَةَ))، وهي تهذيب الأخلاق. ((وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ))، إذا قلنا: إن الكتاب المقصود به جنس الكتب الإلهية فيكون ذكر التوراة والإنجيل هنا من باب ذكر الخاص بعد العام، وإنما خصصا بالذكر لشرفهما وزيادة فضلهما على غيرهما.

стр. 404

تفسير قوله تعالى: (ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم) ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ﴾ [آل عمران:٤٩]. ((وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ)) أي: ونجعله رسولاً، (ورسولاً) منصوب بمضمر يقود إليه المعنى، معطوف على: ((وَيُعَلِّمُهُ)). ((إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ)) أي: إلى جميع بني إسرائيل، فالمسيح ﵇ ما أرسل إلا إلى بني إسرائيل، وهو نفسه قال ذلك حتى في الإنجيل الذي بين أيديهم: (إنما أرسلت إلى خراف بني إسرائيل الضالة). ما أرسل نبي من الأنبياء إلى جميع البشر، إنما اختص بذلك خاتمهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما الأنبياء فكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، فموسى ﵇ كان رسولاً إلى بني إسرائيل: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:١٧]، كان كل طلبه من فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل. كذلك المسيح ﵇ إنما كان رسولاً إلى بني إسرائيل، وإنما بولس الخبيث أو شاول كان يهودياً وهو الذي أفسد الديانة النصرانية، وكان يعذب النصارى ويضطهدهم أشد الاضطهاد، ثم تظاهر بولس بالدخول فيها ليفسدها. فهو الذي ابتدع مسألة الذهاب في أقطار الأرض ليعمدوا النصرانية وينشروها باسم كذا وكذا، وموضوع التبشير الذي ابتدعه بولس الخبيث تحت زعم أنه حصل له رؤيا أو كشف أو شيء من هذا، فيمكن أن يكون من الشفافية، ويمكن أن يكون كذاباً؛ لأنه نفسه كان شيطاناً. على أي الأحوال فالمسيح ﵇ ما بعث إلى البشرية كلها، وما يسمى الآن بالتبشير ودعوة الناس إلى النصرانية كله افتراء وباطل؛ لأن المسيح لم يبعث إلى القبط ولا إلى الفرنجة ولا إلى كذا وكذا، وإنما بعث إلى قومه بني إسرائيل فقط، أما الديانة التي ينبغي أن تكون عالمية فهي ديانة واحدة فقط وهي الإسلام، ودعوة واحدة وهي دعوة رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ((وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ))، أي: في الصبا أو بعد البلوغ، فنفخ جبريل في جيب درعها، وجيب درعها هو فتحة الصدر، فحملت، وكان من أمرها ما ذكر في سورة مريم. فلما بعثه الله إلى بني إسرائيل قال لهم: ((أَنِّي)) أي: بأني رسول الله إليكم، ((قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ))، الآية هي العلامة على صدقه، وهي ليست آية واحدة بل آيات متعددة، فالتنكير هنا للتفخيم، والجار متعلق بمحذوف وقع حالاً، أي: جئتكم متلبساً ومحتجاً بآية من ربكم، وهي علامة على صدقي. قوله: (أَنِّي) وفي قراءة بالكسر استئنافاً، أي: (بآية من ربكم إني أخلق لكم). ((أَخْلُقُ)) أي: أصور. فلا يصح هنا إلا أن نفسر كلمة: (أَخْلُقُ) بمعنى: أصور؛ لأنه لا يجوز إسناد فعل الخلق بمعنى الإيجاد إلى غير الله تعالى، فإن الله كما قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، وقال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣]، فلا خالق على سبيل الإيجاد إلا الله ، وما فعله المسيح ﵇ كانت معجزات أجراها الله تعالى على يديه؛ تصديقاً له ليؤمن بنو إسرائيل برسالته ويتبعوه. ((أَنِّي أَخْلُقُ لكم)) أي: أصور لكم. ((مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)) أي: مثل هيئة الطير، فالكاف هنا اسم مفعول. ((فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ))، الضمير هنا يعود على الكاف الذي في قوله: (كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ). ((فَأَنفُخُ فِيه)) أي: في المصور الذي هو مثل هيئة الطير. ((فَيَكُونُ طَيْرًا)) أي: حقيقياً ذا حياة، وفي قراءة: (فيكون طائراً). ((بِإِذْنِ اللَّهِ)) أي: بإرادته وأمره لا باستقلال مني. يقول السيوطي: فخلق لهم الخفاش؛ لأنه أكمل الطير خلقاً، يطير وهم ينظرونه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً؛ ليتميز فعل المخلوق من فعل الخالق. وهذا الكلام يحتاج إلى خبر مرفوع إلى المعصوم ﷺ . ((وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ))، أي: أشفي، ((الأَكْمَهَ)) الذي ولد أعمى. ((وَالأَبْرَصَ)) وخصا بالذكر؛ لأنهما داء إعياء، وكان بعثه في زمن الطب. فأبرأ في يوم خمسين ألفاً بالدعاء بشرط الإيمان. أي: أنه اشترط عليهم إذا دعوت الله فشفاكم أن تؤمنوا، فوافقوا. فيقول: فأبرأ بإذن الله في يوم خمسين ألفاً، والله تعالى أعلم بصحة ذلك. ((وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ))، كرره لنفي توهم الألوهية فيه؛ لأن هذه معجزات قاهرة فعلية، فأحيا عاذر صديقاً له، وابن العجوز، وابنة العاشر، أي ابنة الذي كان يجبي الضرائب والعشر، فعاشوا وولد لهم، وأحيا سام بن نوح ومات في الحال. وكل هذا الكلام من الإسرائيليات التي تحتاج إلى نوع من التحفظ. ((وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ))، أي: مما تخبئون مما لم أعاينه، فكان يخبر الشخص بما أكل وبما لم يأكل بعد، ولم يقل هنا: بإذن الله؛ لأنه علم من السياق أن هذا كله إنما هو بإذن الله ، فاستغنى عن إعادته لشدة ظهوره. ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ﴾، أي: هذا المذكور فيه دلالة لكم على صدقي في دعوى الرسالة.

стр. 405

تفسير قوله تعالى: (ومصدقاً لما بين يدي من التوراة صراط مستقيم) يقول تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [آل عمران:٥٠]. (ومصدقاً) أي: وجئتكم مصدقاًَ. ((لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ)) أي: جئت مقرراً ومثبتاً لما قبلي. ((وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ))، فهذا فيه دليل يؤيد القول بأن المسيح ﵇ نسخ بعض شريعة موسى ﵇. بعض العلماء يقولون: لم يحصل نسخ وإنما كانت هناك أشياء مبهمة ومختلطة عليهم وضحها لهم، والله تعالى أعلم. فأحل لهم من السمك والطير ما لا شوكة له يؤذي بها. وقيل: أحل الجميع؛ لأن كلمة (بعض) تأتي بمعنى: كل. ((وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)) أي: جئتكم بآيات تعلمون بها صدقي، وإنما وحد الآيات وعبر عنها بكلمة آيةٍ؛ لأن الكل من جنس واحد. قوله: ((مِنْ رَبِّكُمْ)) أي: من عند ربكم، كرره تأكيداً وليبني عليه: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)) أي: فيما آمركم به من توحيد الله وطاعته. ((إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا))، أي: هذا الذي آمركم به ((صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ))، أي: طريق مستقيم، فكذبوه ولم يؤمنوا به ﵇.

стр. 406

الأسئلة

стр. 407

حكم اتخاذ المحاريب في المساجد السؤال ما حكم اتخاذ المحاريب في المساجد؟ الجواب بالنسبة لموضوع المحراب قد يحتج بعض الناس بما هو موجود في القرآن الكريم من تكرار هذا اللفظ، فباختصار شديد نقول: إن المحراب إذا أطلق الآن فهو التجويف الذي يصنع في المساجد. واتخاذ المحاريب لم يكن في زمن النبي ﷺ ، ولا في زمن الخلفاء الأربعة فمن بعدهم، وإنما حدث هذا في آخر المائة الأولى مع ورود الحديث بالنهي عن اتخاذه، وأنه من شأن الكنائس، وأن اتخاذه في المساجد من أشراط الساعة، فقد روى البيهقي من حديث ابن عمر ﵄ قال: (اتقوا هذه المذابح) المذابح هي المحاريب. وعن ابن مسعود: (أنه كره الصلاة في المحراب وقال: إنما كانت في الكنائس فلا تتشبهوا بأهل الكتاب)، أخرجه البزار. وفي مصنف ابن أبي شيبة عن موسى الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تزال هذه الأمة - أو قال: أمتي- بخير، ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى) وهذا ضعيف، وفيه أيضاً عن أبي ذر قال: (إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد)، هذا مجرد اتخاذ المذابح، أي: المحاريب. إذاً: فالزخرفة للمساجد وتمويهها بالزينة وغير ذلك لا شك أن هذا كله يخالف سنة النبي ﵌؛ لأنه نهى عن زخرفة المساجد. ونجد أنهم يزخرفون المحاريب ويكتبون فيها قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران:٣٧]. السيوطي له كتاب اسمه (إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب) وجزم فيه أن المحراب في المسجد بدعة، وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن إبراهيم النخعي قال: قال عبد الله بن مسعود: (اتقوا هذه المحاريب). على أي الأحوال هذا باختصار، والتفاصيل موجودة في كتاب اسمه: (المسجد في الإسلام لخير الدين والدنيا) وهو لأحد تلامذة الشيخ الألباني حفظه الله.

стр. 408

حكم تحديد النسل والدعوة إليه السؤال ما حكم الدعوة إلى تحديد النسل؟ الجواب إن دعوة تحديد النسل إن طبقت فإنما هي عملية انتحار لهذه الأمة. إن الاستجابة لهذه الدعوة الشيطانية هو الانتحار بأدق معاني الكلمة. لا شك أن من أعظم مقاصد النكاح في الإسلام: هو تكثير عدد المسلمين. فقد جاء رجل إلى النبي ﵌ فقال: (إني أصبت امرأة ذات حسن وجمال وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ فقال: لا. ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم)، فهذا تحقيق لمباهاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بكثرة أمته يوم القيامة، وهذا الحديث صححه أبو محمد عبد الحق وهو ابن عطية الأندلسي عن أنس بن مالك ﵁: (أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث رجلاً على بعض السقاية، فتزوج امرأة وكان عقيماً، فقال له عمر: أعلمتها أنك عقيم؟ قال: لا. قال: فانطلق فأعلمها ثم خيرها). يقول الدكتور الصباغ حفظه الله تعالى: إن غريزة الامتداد في الذراري والأحفاد لا يستطيع المرء السوي أن ينعم بها إلا عن طريق الزواج، فكما أحسن إليك والدك فكان سبب وجودك في هذه الدنيا، فكذلك ينبغي لك أن تقابل هذا الإحسان بالبر إليه والوفاء، فتنجب للدنيا نبتة كريمة، تتعاهدها بالتربية والتهذيب تحيي اسم والدك، ويكون عملها الطيب في سجلك. ويكفي الممتنع عن الإنجاب عقوقاً أن يكون هو الشخص الأول الذي يقطع هذه السلسلة، التي تبدأ بآدم وتنتهي به. أيضاً ورد من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه أن النبي ﵊ قال له في وصية جامعة: (ولك في جماعك زوجتك أجر، قال أبو ذر: كيف يكون لي أجر في شهوتي؟ فقال ﷺ : أرأيت لو كان لك ولد فأدرك ورجوت خيره فمات أكنت تحتسبه؟ قلت: نعم، قال: فأنت خلقته؟ قال: بل الله خلقه، قال: فأنت هديته؟ قال: بل الله هداه، قال: فأنت ترزقه؟ قال: بل الله كان يرزقه؟ قال: فكذلك تضعه في حلاله وجنبه حرامه فإن شاء الله أحياه وإن شاء أماته ولك أجر) فهذا يدل على أنه يستحب أن ينوي عند إتيان أهله طلب الولد الصالح. فعلى المسلم أن يستحضر هذه النية فإنه يثاب عليها، يقول تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] المقصود ألا تباشروهن لقضاء الوطر وحده، ولكن لابتغاء ما وضع الله في النكاح من التناسل. وقال أبو هريرة وابن عباس وأنس: ((وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] يعني: من أجل طلب الولد). وقال ﷺ لـ جابر رضي الله تعالى عنه: (إذا قدمت فالكيس الكيس) أي: الجماع الجماع والعقل العقل، الحديث متفق عليه. قال العلماء: المقصود بالكيس أي: الجماع لطلب الولد، فهذا فيه تحريض على طلب الذرية. وأيضاً روى البخاري في صحيحه: باب من طلب الولد للجهاد، من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة على مائة امرأة، أو تسع وتسعين، كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون)، فالشاهد هنا كما في ترجمة الباب أنه ينوي عند المجامعة حصول الولد ليجاهد في سبيل الله، فيحصل له بذلك أجر، حتى لولم يرزق الولد لكنه يثاب على هذه النية. ويقول عمر ﵁: (إني لأكره نفسي على الجماع؛ رجاء أن يخرج الله مني نسمة تسبح الله تعالى). وقال ﵁: (تكثروا من العيال فإنكم لا تدرون ممن ترزقون). الموضوع يحتاج إلى كلام أوسع من هذا، لكن باختصار شديد ذكرنا أن موضوع تحديد النسل أو ما إلى ذلك من المسميات، قد يباح بالجزء سواء بالإجهاض أو بتحديد النسل في حياة فردية حسب ظروف معينة ومعطيات معينة، فيباح مثل هذا الفعل خلافاً للأصل لبعض الأفراد، لكن أن يكون هناك إعلان عام للناس يرغبون في تحديد النسل أو في الإجهاض أو غير ذلك من هذه الأشياء فهذا حرام قطعاً؛ لأن هذا يخالف المقاصد العليا للشريعة الإسلامية. والمقاصد العليا للشريعة الإسلامية: هي حفظ الدين والعقل والدم والنسل والعرض والمال. إذاً: فكل ما يخل بهذه الضروريات أو هذه المصالح فإنه يحرم في الشريعة. فإذا قالوا: هذه سياسة عليا للدولة، نقول: كذلك الدولة الإسلامية عندها سياسات عليا لا تقبل النقاش، من هذه السياسات العليا للدولة الإسلامية أنه لا يجوز الجهر بأي دعوى تتصادم مع المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، فمثلاً: الشريعة الإسلامية حرضت على الزواج، وسلكت في سبيل ذلك كل ما أمكن من الوسائل لتسهيل الزواج وتيسيره والحض عليه، فهذه هي السياسة العليا للدولة الإسلامية في هذه المسألة، فلا يجوز بحال من الأحوال تبني دعوى تناقض هذه السياسة، بمعنى: أن يحرض الشباب على العزوبية، أو تأخير الزواج، أو منع الزواج المبكر أو غير ذلك من الوسائل المضادة للمقاصد العليا للشريعة الإسلامية، ولذلك لا تستعجب ولا تستغرب إذا وجدت علماء الحديث يدلون بقاعدة كلية في هذا الباب، فيقولون: أي حديث فيه التحريض على العزوبة فهو حديث لا يصح؛ لمنافاته مقاصد الشريعة، فهذا مما يستدل به على ضعف المتن؛ لأنه يخالف مقاصد الشريعة، حتى لو صح سنده، مع أنه لا يوجد أي حديث صح سنده يحرض على تقليل النسل أبداً، ولو صح وصادم المقاصد العليا للشريعة الإسلامية فيطعن في الحديث، وهذا لا يكون إلا للأئمة الكبار وليس لكل الناس نقد الحديث من جهة المتن. إذاً: أحد الأسباب التي يطعن بها في المتن مع صحة السند منافاته للمقاصد العليا للشريعة الإسلامية التي تعلم من الدين بالضرورة. هناك من الناس من يلعبون بعقول الناس، فتراهم يأتون إلى بعض الحالات الفردية التي يجوز فيها الإجهاض أو تحديد النسل ليعمموها، مع أن الحالات الفردية هذه محددة ومقيدة بظروف خاصة، ولا يجوز تبني ما يخالف المقاصد العليا للشريعة الإسلامية: ومن المقاصد العليا للشريعة الإسلامية: التحريض على الزواج. تيسير الزواج بكل وسيلة. منع أي دعوى للعزوبة. منع قضاء الوطر في خارج دائرة الزواج.

стр. 409

تفسير سورة آل عمران [٥٢ - ٦١]

стр. 410

تفسير قوله تعالى: (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله) يقول الله ﵎: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٥٢]. قوله تعالى: ((فَلَمَّا أَحَسَّ)) أي: علم وعرف عن طريق الحس والمعرفة والمعاينة. ((مِنْهُمُ الْكُفْرَ)) أي: من بني إسرائيل الذي ذكروا في الآيات السابقة في خطاب المسيح ﵇، وأرادوا أن يقتلوه ﵇. ((قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)) أي: من أعواني ذاهباً ومتوجهاً وملتجئاً إلى الله؛ لأنصر دينه. وقال بعض المفسرين: ((إِلَى اللَّهِ)) أي: من أنصاري مع الله، أو من ينصرني مع الله، أو: من أعواني ذاهباً ومتوجهاً إلى الله، لأنصر دينه، كما قال بعض الأنبياء ﵈: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]. ((قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ)) أي: نحن أعوان دينه. هؤلاء الحواريون هم أصفياء عيسى ﵇، وهم أول من آمن به، وكانوا اثني عشر رجلاً. قيل: الحواريون مأخوذة من الحور وهو البياض الخالص، قيل: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها. فالحواريون هم طائفة من بني إسرائيل انتدبت للإيمان بالمسيح ﵇، فعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه. والحواري هو الناصر الذي يبالغ في النصرة، وهو الوجيه والخليل والحميم، وقد قال النبي ﵌ (ما من نبي بعثه الله إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يهتدون بهديه ويقتدون بسنته، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف) إلى آخر الحديث. فدل على أن هؤلاء الأصفياء والخلص من الأصحاب ليست خاصة بالمسيح ﵇، وإن جاء إطلاق الحواريين على تلامذته الأقربين ﵇، وإنما كل نبي له حواريون وأصفياء وأنصار وأعوان من أصحابه. ((آمَنَّا بِاللَّهِ)) أي: صدقنا بالله. ((وَاشْهَدْ)) أي: يا عيسى. ((بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)) أي: منقادون لرسالتك.

стр. 411

تفسير قوله تعالى: (ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول) بعد أن أشهدوا نبيهم ﵇ على هذا الإيمان أشهدوا الله ﵎ فقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٥٣]. ((رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ)) من الإنجيل. ((وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ)) عيسى ﵇. ((فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)) أي: فليكن جزاؤنا على إشهادنا إياك وعلى إيماننا بك أن تكتبنا مع الشاهدين لك بالوحدانية ولرسولك بالصدق. وهؤلاء الشاهدون يحتمل أنهم الذين تقدم ذكرهم في قوله ﵎: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]، أو اكتبنا مع الشاهدين أي: مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم أنهم آمنوا بهم وصدقوهم.

стр. 412

تفسير قوله تعالى: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤]. ((وَمَكَرُوا)) أي: كفار بني إسرائيل، مكروا بعيسى ﵇ إذ وكلوا به من يقتله غيلة. الواو هنا تعود على الذين أحس عيسى منهم الكفر من بني إسرائيل. ((وَمَكَرَ اللَّهُ)) أي: في المقابل مكر الله بهم، بأن ألقى شبه عيسى على من قصد قتله، وهذا التفسير هو الذي اعتمده السيوطي. يقول القاضي كنعان: الصحيح أن الذي ألقي عليه شبه عيسى كان أحد تلاميذه من الحواريين، فقتلوا هذا الذي ألقي عليه الشبه ورفع عيسى إلى السماء، ونجاه الله من بين أيديهم. ((وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)) أي: أعلمهم به، وهذه الصفة بلا شك أنها في حق الله ﵎ على ما يليق بجلال الله ، كقوله ﵎: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، وكقوله ﵎: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٥]. يرد علينا سؤال وهو: هل يجوز في الدعاء أن يقال: يا خير الماكرين امكر لي؟ الجواب أجاز بعض العلماء ذلك، واستشهدوا بدعاء النبي ﵌ في الحديث الصحيح: (اللهم امكر لي ولا تمكر علي).

стр. 413

تفسير قوله تعالى: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي) ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران:٥٥]. ((إِذْ قَالَ اللَّهُ)) أي: اذكر إذ قال الله: ((يا عيسى إني متوفيك)). نلاحظ في القرآن الكريم أن الله ينادي عامة الأنبياء بأسمائهم: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦] وقوله: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥] و ((يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ)) و ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، وهكذا. أما نبينا محمد ﵌ فلم يناده الله ﵎ باسمه قط في القرآن الكريم، إنما ناداه بصفاته الشريفة كـ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١] و ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] و ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال:٦٤]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة:٤١]، وهذا من كرامته على الله وبلوغه في الشرف مقاماً لم يكن لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ((إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ)) أي: قابضك. ((وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)) أي: من الدنيا من غير موت. ((وَمُطَهِّرُكَ)) أي: مبعدك. ((مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ)) أي: صدقوا بنبوتك من المسلمين. وهذه تشمل طائفتين: تشمل الطائفة التي آمنت بالمسيح ﵇ ممن أدركوا بعثته، ووافقوه على دين الإسلام قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الطائفة الثانية التي شملتهم هذه الآية: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ) هم الذين اتبعوا رسول الله محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فنحن المسلمين أيضاً ندخل في قوله تعالى: ((وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ)) أي: الذين صدقوا نبوتك من المسلمين؛ لأننا اتبعنا المسيح ﵇ على الحقيقة، وأما النصارى فهم أعداء المسيح ﵇ يعاديهم ويبغضهم ويبرأ إلى الله منهم تماماً، كما أن اليهود يدعون كذباً مع اعتزازهم بموسى ﵇ وأنهم على دينه وملته، كذلك نقول: نحن أتباع موسى على الحقيقة ونحن أولى به منهم، ولذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عندما هاجر إلى المدينة وجد اليهود يعظمون يوم عاشوراء ويصومونه، فسألهم عن ذلك، فقالوا: (إنه اليوم الذي نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من فرعون وقومه قال: نحن أولى بموسى منهم) وقال: (أنا أولى الأنبياء بالمسيح ﵇، ما بيني وبينه نبي) أو كما قال ﵊. فإذاً: نحن أتباع المسيح، وأتباع موسى ﵉؛ لأننا على نفس الدين الذي دعوا إليه، ولأننا نؤمن بالأنبياء كلهم، فالذي يكفر برسالة نبي واحد فإنه قد كفر بجميع الأنبياء، ويحبط كل إيمانه ويصير مرتداً، ومن كذب بنبوة المسيح فقد كفر، ومن كفر بالإنجيل الذي أنزله الله على عيسى فقد كفر ولا ينفع إيمانه بالقرآن ولا بالتوراة، بل الإيمان حقيقة متركبة من أجزاء مرتبطة ببعضها، لا ينفك ولا ينفصل بعض منها عن البعض الآخر. ((وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا)) أي: فوق الذين كفروا بك وهم اليهود، وكذالك ومن حرف دين المسيح من النصارى، فالذين اتبعوك يعلونهم بالحجة وكذلك بالتمكين لهم في الأرض. الذين كفروا بالمسيح قسمان: الأول: اليهود لعنهم الله فهم الذين كفروا بالمسيح وسبوه وسبوا أمه ورموها بالبهتان وبالإفك المبين. الثاني: الذين حرفوا دين المسيح من النصارى وعبدوه وألهوه. ((إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ)) هذا وعد لا يتخلف، وما نحن عليه من الضعف والوضع الذي يعيشه المسلمون الآن، فهذا ليس هو الأصل بل هذا من الاستثناءات؛ لأن الغالب والأصل أن المؤمنين دائماً فوق الذين كفروا، ولا يجوز أن يظن بالله أنه يدع المسلمين مقهورين إلى الأبد، بل لابد أن تعود الكرة كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨]. فمن سوء الظن بالله أن يظن أنه يمكن للكفار أن يستأصلوا المسلمين ويبيدوهم وترتفع كلمتهم عليهم، هذا خلاف الأصل. خاصة إذا قلنا: إن أحد ركني هذه الفوقية المقصود به العلو في الحجة والبيان، فهذا بلا شك قائم في كون المؤمنين والموحدين يعلون الكفار دائماً بالحجة والبرهان، كما بيناه وكما سيأتي تفصيله إن شاء الله. وأحياناً يعلونهم بالسيف، أما ما نحن فيه من أوضاع آخر الزمان فهي تخالف في القاعدة الأصلية. ((فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)) أي: من أمر الدين.

стр. 414

تفسير قوله تعالى: (فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٦]. ((فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا)) أي: بالقتل والسبي والجزية. ((وَالآخِرَةِ)) أي: بالنار. ((وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ)) أي: مانعين يمنعونهم من هذا العذاب.

стр. 415

تفسير قوله تعالى: (وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم) ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:٥٧] وفي قراءة (فنوفيهم) بالنون. ((وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)) أي: يبغضهم. وهنا فسرها السيوطي بقوله: أي: يعاقبهم، (روي أن الله تعالى أرسل إليه سحابة فرفعته فتعلقت به أمه وبكت، فقال لها: إن القيامة تجمعنا، وكان ذلك ليلة القدر ببيت المقدس وله ثلاث وثلاثون سنة، وعاشت أمه بعده ست سنين)، والله أعلم بصحة ذلك؛ لأنه لم يثبت عن المعصوم ﷺ . وروى الشيخان: (أنه ينزل قرب الساعة ويحكم بشريعة نبينا، ويقتل الدجال والخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية)، وفي حديث مسلم: (أنه يمكث سبع سنين) وفي حديث عن أبي داود الطيالسي: (أربعين سنة، ويتوفى ويصلي عليه المسلمون) فيحتمل أن المراد مجموع مكثه في الأرض قبل الرفع وبعده.

стр. 416

أقوال المفسرين في مسألة رفع المسيح إلى السماء وتوفي الله تعالى له قضية رفع المسيح ﵇ إلى السماء وتوفي الله إياه، اختلف المفسرون في تفسيرها. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران:٥٥] أي مستوف مدة إقامتك بين قومك. والتوفي يطلق على الإماتة، وكذلك يطلق على استيفاء الشيء كما في كتب اللغة، يقول ﵎: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] أي: أنه يتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها، وذلك بالنوم، فهذا تشبيه للنائمين بالموتى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام:٦٠]، أي: أنهم لا يميزون ولا يتصرفون كما أن الموتى كذلك. ثم بين سبحانه في بشارته بالرفعة إلى محل كرامته، ومجاورته لملائكته، ومعدن النزاهة عن الأدناس، ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران:٥٥]، أي: من مكرهم وخبث صحبتهم. هذه الآية الكريمة: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)، ظاهرها يدل على أن الله تعالى فوق سماواته، كما قال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٨]، وفي قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠]، وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]، وقال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦]، أي: من فوق السماء. وهو مذهب السلف قاطبة كما نقله الإمام الذهبي في كتابه (العلو للعلي الغفار). قال أبو الوليد بن رشد في (مناهج الأدلة): لم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتون لله جهة الفوق حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشاعرة، كـ أبي المعالي الجويني ومن اقتدى بقوله. إلى أن قال أبو الوليد بن رشد: والشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء. الشرائع هنا بالمعنى الأعم لا تقتصر فقط على الشرائع التي هي بمعنى الأحكام الفقهية؛ لأن الشريعة تطلق أحياناً على كل الدين. يقول: والشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منه تتنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من السماوات نزلت الكتب وإليها كان الإسراء بالنبي ﷺ ، وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك بالمعقول. فإثبات العلو واجب بالشرع وبالعقل، وإبطاله إبطال للشرائع. يقول الدارمي: وقد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سماواته. وقد بسط نصوص السلف الحافظ الذهبي في كتاب (العلو) فانظره. يقول القاسمي: هذا ولما كان ذوو الهمم العوالي أشد التفاتاً إلى ما يكون عليه خلفاؤهم من بعدهم، أراد الله ﵎ أن يبشر المسيح ﵇ بذلك حتى يطمئنه، فقال ﵎: ((وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). ثم يقول: وكذا كان ولم يزل من انتحل النصرانية فهم فوق اليهود، ولا يزالون كذلك إلى أن يعدموا فلا يبقى منهم أحد. الحقيقة أن هذه الآية إحدى الآيات الأساسية في موضوع الإيمان برفع المسيح ﵇ حياً، ونزوله وقتل المسيح الدجال في آخر الزمان. فهناك عدة آيات في موضوع رفع المسيح إلى السماء حياً، الآية الأولى هي هذه الآية من سورة آل عمران: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران:٥٥]. يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في هذه الآية ما ملخصه: اختلف المفسرون في قوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)، فقال قتادة وغيره: هذا من المقدم والمؤخر، وتقديره: يا عيسى إني رافعك إلي ومتوفيك، يعني بعد ذلك. أي: أن الله رفعه إليه وهو حي لم يمت إلى اليوم، وقد لقيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في رحلة الإسراء والمعراج. قوله: ثم متوفيك بعد ذلك أي: حينما ينزل في آخر الزمان، فإنه يعيش من جديد ويحكم بالإسلام ثم يتوفاه الله ﵎. يرد سؤال عابر: من آخر الصحابة موتاً؟ المسيح ﵇؛ لأن المسيح ﵇ هو نبي وصحابي في نفس الوقت؛ لأن تعريف الصحابي ينطبق على المسيح؛ لأنه لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فترة -ولو كانت قصيرة- في ليلة المعراج مؤمناً برسالته، فهذا هو حد الصحابي وتعريف الصحابي، فلذلك عيسى نبي وصحابي، وهو لم يمت حتى الآن، فهو آخر الصحابة موتاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ((إِنِّي مُتَوَفِّيكَ))، أي: مميتك). وقال محمد بن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب بن منبه قال: توفاه الله ثلاث ساعات منه أول النهار حين رفعه إليه. وقال ابن إسحاق أيضاً: والنصارى يزعمون أن الله توفاه سبع ساعات ثم أحياه. قال إسحاق بن بشر عن إدريس عن وهب: أماته الله ثلاثة أيام ثم بعثه ثم رفعه. قال مطر الوراق: ((إِنِّي مُتَوَفِّيكَ))، من الدنيا، وليس بوفاة موت. وقال ابن جرير: توفيه هو رفعه. وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا النوم كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام:٦٠]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢]، وكان رسول الله ﷺ يقول إذا قام من نومه: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا) الحديث. وعن الحسن أنه قال: ((إِنِّي مُتَوَفِّيكَ))، يعني: وفاة المنام، رفعه الله في منامه، قال الحسن: قال رسول الله ﷺ لليهود: (إن عيسى لم يمت، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة) وهذا الحديث مرسل ضعيف. ((وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا)) أي: برفعي إياك إلى السماء، بعيداً عن هذه الصحبة من كفار اليهود. اختار الحافظ ابن كثير بعد هذا رأي الجمهور حيث فسر التوفي بالمنام، أي: ألقي عليه النوم، وأيده بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء:١٥٩] معلوم أن الهاء في: (موته) يحتمل أنها تعود إلى المسيح، ويحتمل أن تعود إلى الكتابي، فإذا كانت الهاء عائدة على الكتابي فعندما يأتيه الموت يعلم بأن المسيح ﵇ رسول الله، هذا معنى أحد القولين. (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) أي: قبل أن تقبض روح الكتابي سواء كان يهودياً أو نصرانياً ممن عبد المسيح، فسيكتشف الحقيقة ويعلم أن المسيح ما كان إلا عبداً رسولاً ويعلم أنه مات على الباطل وعلى الكفر. أو أن معنى قوله: (قَبْلَ مَوْتِهِ) أي: قبل موت المسيح، وتكون هذه إشارة إلى نزوله في آخر الزمان. المسيح ﵇ لم يمت بعد، وإنما سيموت بعدما ينزل إلى الأرض في آخر الزمان، فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به في ذلك الوقت؛ لأنه سيكتشف أنه كان على ضلال وكفر مبين؛ لأن المسيح يضع الجزية عن النصارى وغيرهم من الملل الأخرى فلا يقبل منهم إلا الإسلام، فإما أن يسلم وإما أن يقتله المسيح ﵊ كما ما هو معلوم في الأحاديث. على أي الأحوال فلفظ (ومتوفيك) في الآية هنا لفظ متشابه، فيحتمل أن يكون معناه التوفي بالنوم، أو التوفي بالموت، أو التوفي بمعنى القبض والاستيفاء. قوله: ((وَرَافِعُكَ إِلَيَّ))، بعض الناس فسرها بقوله: رفع روحه، أو رفع مكانته، وهذا إلحاد في آيات الله وتحريف للكلم عن مواضعه. وأقرب المعاني أن يقال: إن الآية فيها تقديم وتأخير بمعنى: إني رافعك إلي ومتوفيك، وهذا ما سيحصل حينما يتوفاه عند نزوله في آخر الزمان. أو التوفي يكون بمعنى الإنامة لا الإماتة، إذ لا معنى لرفعه إلى الله ميتاً، إذاً ما الخصيصة التي اختص بها المسيح ﵇ إذا كان رفعه ميتاً؟! مع أن المراد بالرفع هو حفظه من اليهود وإنجاؤه من مكرهم حين أرادوا قتله. فإذا كان المسيح ﵇ قد توفي بالإماتة، فأي إنجاء يكون في هذا؟ إنما يكون الإنجاء وتكون الآية والبشارة بأن يتوفاه الله ويرفعه إليه رفعاً حقيقياً. فعلى تقدير التوفي بالإماتة لا تكون تلك البشارة بالتطهير والإنجاء قد تحققت، بل يكون قد أعان اليهود على قصدهم، وهو أن يتخلصوا من عيسى ﵇ إما بالموت أو بالقتل. وكيف يفهم خلاف ذلك من قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٥٤] فإنه من المناسب لمكر الله المقابل لمكر اليهود أن يرفعه إليه حياً؛ لينزل في آخر الزمان فينتقم من هؤلاء الذين كادوا له وآذوه، فيقاتلهم على الإسلام وحده، فمن أبى منهم قتل. خلاصة الأقوال في هذه القضية: الأول: رأي الجمهور الذي اختاره ابن كثير ورواه عن الحسن: وهو تفسير التوفي بالإنامة، ((مُتَوَفِّيكَ)) أي: ملق عليك النوم. الثا

стр. 417

تفسير قوله تعالى: (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم) قال ﵎: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران:٥٨]. ((ذَلِكَ)) أي: المذكور من أمر عيسى ﵇. ((نَتْلُوهُ)) أي: نقصه. ((عَليْكَ))، يا محمد ((مِنَ الآيَاتِ)). وقوله: ((ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ)) فيه إشارة إلى أنه لا مصدر لك كي تعلم هذه الأشياء إلا ما يطلعك الله عليه عن طريق الوحي. ((مِنَ الآيَاتِ)) حال من الهاء في (نتلوه)، وعامله ما في (ذلك) من معنى الإشارة. ((وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ)) أي: المحكم وهو القرآن الكريم، والمحكم بمعنى المعصوم من أن يتطرق إليه خلل. أو ((الْحَكِيمِ)) بمعنى: المشتمل على الحكم.

стр. 418

تفسير قوله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب) ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]. ((إِنَّ مَثَلَ عِيسَى)) أي: إن مثل شأنه العجيب الغريب في إنشائه من غير أب. ((عِنْدَ اللَّهِ)) أي: في تقدير الله وحكمه. ((كَمَثَلِ آدَمَ)) أي: كشأن آدم أيضاً العجيب في خلقه من غير أب، وهو من تشبيه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم، ولا يستطيع أن يجيب، أي: أيهما أعجب وأغرب خلق آدم أم خلق المسيح ﵇؟ لا شك أن خلق آدم أغرب، فكأن الله يقول لهم: إن كنتم تستدلون على ألوهية المسيح المزعومة بكونه خلق من غير أب، فكان أولى أن تعبدوا آدم؛ لأن آدم خلق لا من أب ولا من أم، فهذا هو المقصود. ثم شرع تعالى في تبيين وجه الشبه بينهما بقوله: ((خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ)) أي: آدم، والمقصود هنا أن الله خلق آدم على هيئة الإنسان وقالبه وشكله، لم يكن قد نفخ فيه الروح؛ لأن الآية تقول: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩] فكان. فالهاء هنا في قوله: ((خلقه)) تعود على قالب آدم، الذي هو العجين المعجون من طين. ((ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ)) أي: كن بشراً. ((فَيَكُونُ)) أي: فكان، وكذلك عيسى ﵇ قال له: كن من غير أب، فكان.

стр. 419

تفسير قوله تعالى: (الحق من ربك فلا تكن من الممترين) ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران:٦٠]. أي: أمر عيسى ﵇، والذي قصصناه عليك من ربك هو الحق. (فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) أي: الشاكين فيه.

стр. 420

تفسير قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم) ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]. ((فمن حاجك)) أي: فمن جادلك من النصارى في عيسى. ((مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)) أي: من العلم بشأنه وبأمره. ((فَقُلْ تَعَالَوْا)) أي: فقل لهم تعالوا، والمقصود من هذا أن الله بعدما أقام عليهم الحجج على بطلان ما هم عليه من الارتياب في شأن المسيح ﵇، يأمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم: لم يبق من تفسير لما أنتم عليه من الإصرار على الكفر إلا أنكم معاندون وجاحدون؛ لأنكم إذا كنتم جهلة فقد كان ما أقمته عليكم من الحجج يستوجب زوال وصف الجهل عنكم، أما وقد أقيمت عليكم الحجج الواضحة وما استطعتم لها رداً ولا دفعاً، فلم يبق منكم إلا العناد، فلا سبيل لرفع هذا العناد إلا بالمباهلة. أي: فقل لهم: أيها المجادلون ((تعالوا)) أنا ادعوكم إلى الفيصل بيني وبينكم الذي يكشف من منا صاحب الحق ومن منا على باطل. ((فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ)) هذا الاختيار اختيار دقيق، حيث اختار أعز أهله وألصقهم بقلبه، فهم الذين يخاطر الرجل بنفسه من أجلهم، ويحارب دونهم، فيأتي بهؤلاء ويباهل. ((ثم نبتهل)) أي: نتضرع ونجتهد في الدعاء. الابتهال يشمل الاجتهاد في الدعاء سواء كان باللعنة أو بغيرها، والمقصود بالابتهال هنا أن نلعن من يكون على باطل، كما قال: ((فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ)) أي: طرده وإبعاده من رحمته. ((عَلَى الْكَاذِبِينَ)) أي: منا ومنكم، ليهلكهم الله وينجي الصادقين، فلا يبقي بعد أن أقمنا عليكم دلائل العقل ودلائل النقل إلا المباهلة.

стр. 421

حقيقة المباهلة المباهلة طريقتها أن يفعلوا كما أمرهم النبي ﵊ هنا: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]، أي نقول: اللهم العن الكاذب في شأن عيسى. نحن المسلمين نعتقد في عيسى أنه كلمة الله، وروح منه، وأنه عيسى بن مريم ﵉، ونعتقد أن الله هو الحق الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، والنصارى يقولون: هو الله أو ابن الله -والعياذ بالله- إلى آخر هذه العقائد الكفرية، فاللهم أنزل لعنتك على الكاذب منا؛ لأن الحق لا يعدو هؤلاء أو هؤلاء، فالمباهلة معناها: الدعاء بنزول اللعنة على الفريق الكاذب وإنجاء الصادقين.

стр. 422

ذكر الآثار الواردة في المباهلة يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نصارى نجران لما قدموا المدينة، فجعلوا يحاجون في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة رداً عليهم كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق وغيره، وكانوا ستين راكباً منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم: العاقب أمير القوم واسمه عبد المسيح. والسيد في مالهم وصاحب رحلهم واسمه الأيهم. وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم وحبرهم. وفي القصة: (أن النبي ﷺ لما أتاه الخبر من الله ، والفصل من القضاء بينهم وبينه، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه دعاهم إلى المباهلة، فقالوا: يا أبا القاسم! دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، فانصرفوا عنه ثم خلوا بـ العاقب الذي هو أميرهم، فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبياً قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم! قد رأينا ألا نلاعنك، وأن نتركك على دينك ونرجع على ديننا)، فلم يلاعنهم ﷺ وأقرهم على خراج يؤدونه إليه. وعن جابر ﵁ قال: (قدم على النبي ﷺ العاقب والطيب فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على أن يلاعناه الغداة، قال: فغدا رسول الله ﷺ ، فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج، قال: فقال رسول الله ﷺ : والذي بعثني بالحق لو قالا: لا، لأمطر عليهم الوادي ناراً، قال جابر: وفيهم نزلت: ((فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)) [آل عمران:٦١] إلى آخر الآية. قال جابر: (وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ)، رسول الله ﷺ ، وعلي بن أبي طالب (أَبْنَاءَنَا) الحسن والحسين (وَنِسَاءَنَا) فاطمة) وهكذا رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم. وروى البخاري عن حذيفة ﵁ قال: (جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ ، يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبياً فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلاً أميناً ولا تبعث معنا إلا أميناً، فقال: لأبعثن معكم رجلاً أميناً حق أمين، فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام، قال رسول الله ﷺ : هذا أمين هذه الأمة) وهذا أيضاً رواه مسلم. وروى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: (قال أبو جهل قبحه الله: إن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على رقبته قال: فقال: لو فعل لأخذته الملائكة عياناً، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالاً ولا أهلاً)، وهذا رواه البخاري وغيره. يقول الزمخشري: فإن قلت: ما كان دعاؤه للمباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده، وأحب الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة. معناه: أن الاثنين يقفان في المواجهة، فالرسول ﵊ ومن معه يدعون أن تنزل اللعنة على الكاذب في شأن عيسى، والآخرون أيضاً يدعون أن تنزل اللعنة على الكاذب في شأن عيسى ﵇، فلماذا أدخل غيره في ذلك مع أن المخاصمة كانت بين اثنين فقط؟ أدخلهم؛ لأن هذا أوكد في الدلالة على ثقته ويقينه من الحق الذي هو عليه، وأن الله فاطر السماوات والأرض ورب السماوات والأرض المطلع على هذا الحال معه، وسينصره، وسيخذل عدوه، بحيث إذا استجيبت الدعوة واستجيبت هذه المباهلة هلك الكافر وذووه فاستؤصلوا جميعاً ولم يبق منهم عين ولا أثر. ثم يقول: وخص الأبناء والنساء؛ لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثم كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب. ثم يقول: ويسمون الذادة عنهم بأرواحهم: حماة الحقائق، وقدمهم في الذكر على الأنفس: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران:٦١] لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها. وفيه دليل على فضل أصحاب الكساء ﵈. وأصحاب الكساء من آل البيت، وهم علي وفاطمة والحسن والحسين ﵈، ولا يقتصر وصف آل البيت عليهم. ثم يقول: وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي ﷺ ؛ لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك.

стр. 423

حكم المباهلة هذه الآية تدل على جواز المحاجة في أمر الدين، وأن من جادل وأنكر شيئاً من الشريعة جازت مباهلته اقتداءً بما أمر به النبي ﷺ . والمباهلة هي الملاعنة، وهذا في الحقيقة مخرج لأصحاب الحق، إذا كان مع الإنسان حق أبلج وأوضح من الشمس في رابعة النهار، ومع ذلك يعاند خصمه ويصر على باطله، ففي هذه الحالة تجوز لك المباهلة اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران:٦١]، فتحضر نفسك وأبناءك ونساءك وتقف في صف، وكذلك خصمك يحضر نفسه وأبناءه ونساءه، ثم تتباهلون وتجعلون لعنة الله على الكاذبين، فبلا شك أن هذا سيكون كفيلاً لتبرئة المظلوم، وإيضاح الحق من الباطل.

стр. 424

أنموذج للمباهلة في الحقيقة هناك حوادث كثيرة فيما يتعلق بموضوع المباهلة وقعت حتى مع أهل البدع، بل إن بعض الصحابة كـ ابن عباس وغيره لما اختلف مع بعض إخوانه من الصحابة في بعض القضايا الفقهية طلب المباهلة، كي يعلن وثوقه بما هو عليه من الرأي في هذه المسألة. لا أطيل في ذكر الأمثلة وإن كانت كثيرة، لكن أقتصر فقط على هذا الذي ذكره العلامة أبو المعالي محمود شكري الألوسي ﵀ في كتابه (غاية الأماني في الرد على النبهاني) يقول في أثناء مناقشة مذهب ابن عربي الملحد: قال الإمام أحمد بن علي بن حجر الشافعي: إنه ذكر لمولانا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني أشياء من كلام ابن عربي، وسأله رجل عن ابن عربي، فقال له شيخنا: هو كافر. قال: وسمعت الحافظ شهاب الدين ابن حجر يقول: جرى بيني وبين بعض المحبين لـ ابن عربي منازعة كثيرة في أمر ابن عربي، حتى إن الرجل المنازع لي في أمره هددني بالشكوى إلى السلطان بمصر بأمر غير الذي تنازعنا فيه إذا لم أكف عن الكلام في ابن عربي، فقلت له: ما للسلطان في هذا مدخل، نحن نتناظر مناظرة علمية، فتعال نتباهل، وقلت: ما تباهل الاثنان فكان أحدهما كاذباً إلا وأصيب، فقال لي: باسم الله! هيا توكلنا على الله، قال: فقلت له: قل: اللهم إن كان ابن عربي على ضلال فالعني بلعنتك، فقال ذلك، فقلت أنا: اللهم إن كان ابن عربي على هدى فالعني بلعنتك، وافترقنا، قال: وكان يسكن الروضة، فاستضافه شخص من أبناء الهند، ثم بدا له أن يتركه وخرج في أول الليل مصمماً على عدم المبيت، فخرجوا يشيعونه إلى بيته، ففي أثناء رجوعه أحس بشيء مر على رجله، فقال لأصحابه: مر على رجلي شيء ناعم فنظروا فلم يروا شيئاً، وما رجع إلى منزله إلا وقد عمي في نفس الليلة، وما أصبح إلا ميتاً، وكان ذلك في ذي القعدة سنة سبع وسبعين، وكانت هذه المباهلة في رمضان منها، وعند وقوع المباهلة عرفت أن السنة لا تمضي عليه، وكانت بمحضر من جماعته.

стр. 425

تفسير سورة آل عمران [١٣٧ - ١٤٨]
следующие страницы →