Полный текст (3 275 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
حقيقة المباهلة
المباهلة طريقتها أن يفعلوا كما أمرهم النبي ﵊ هنا: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]، أي نقول: اللهم العن الكاذب في شأن عيسى.
نحن المسلمين نعتقد في عيسى أنه كلمة الله، وروح منه، وأنه عيسى بن مريم ﵉، ونعتقد أن الله هو الحق الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، والنصارى يقولون: هو الله أو ابن الله -والعياذ بالله- إلى آخر هذه العقائد الكفرية، فاللهم أنزل لعنتك على الكاذب منا؛ لأن الحق لا يعدو هؤلاء أو هؤلاء، فالمباهلة معناها: الدعاء بنزول اللعنة على الفريق الكاذب وإنجاء الصادقين.
стр. 422
ذكر الآثار الواردة في المباهلة
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نصارى نجران لما قدموا المدينة، فجعلوا يحاجون في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة رداً عليهم كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق وغيره، وكانوا ستين راكباً منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم: العاقب أمير القوم واسمه عبد المسيح.
والسيد في مالهم وصاحب رحلهم واسمه الأيهم.
وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم وحبرهم.
وفي القصة: (أن النبي ﷺ لما أتاه الخبر من الله ، والفصل من القضاء بينهم وبينه، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه دعاهم إلى المباهلة، فقالوا: يا أبا القاسم! دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، فانصرفوا عنه ثم خلوا بـ العاقب الذي هو أميرهم، فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبياً قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم.
فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم! قد رأينا ألا نلاعنك، وأن نتركك على دينك ونرجع على ديننا)، فلم يلاعنهم ﷺ وأقرهم على خراج يؤدونه إليه.
وعن جابر ﵁ قال: (قدم على النبي ﷺ العاقب والطيب فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على أن يلاعناه الغداة، قال: فغدا رسول الله ﷺ ، فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج، قال: فقال رسول الله ﷺ : والذي بعثني بالحق لو قالا: لا، لأمطر عليهم الوادي ناراً، قال جابر: وفيهم نزلت: ((فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)) [آل عمران:٦١] إلى آخر الآية.
قال جابر: (وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ)، رسول الله ﷺ ، وعلي بن أبي طالب (أَبْنَاءَنَا) الحسن والحسين (وَنِسَاءَنَا) فاطمة) وهكذا رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم.
وروى البخاري عن حذيفة ﵁ قال: (جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ ، يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبياً فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلاً أميناً ولا تبعث معنا إلا أميناً، فقال: لأبعثن معكم رجلاً أميناً حق أمين، فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام، قال رسول الله ﷺ : هذا أمين هذه الأمة) وهذا أيضاً رواه مسلم.
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: (قال أبو جهل قبحه الله: إن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على رقبته قال: فقال: لو فعل لأخذته الملائكة عياناً، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالاً ولا أهلاً)، وهذا رواه البخاري وغيره.
يقول الزمخشري: فإن قلت: ما كان دعاؤه للمباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده، وأحب الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة.
معناه: أن الاثنين يقفان في المواجهة، فالرسول ﵊ ومن معه يدعون أن تنزل اللعنة على الكاذب في شأن عيسى، والآخرون أيضاً يدعون أن تنزل اللعنة على الكاذب في شأن عيسى ﵇، فلماذا أدخل غيره في ذلك مع أن المخاصمة كانت بين اثنين فقط؟ أدخلهم؛ لأن هذا أوكد في الدلالة على ثقته ويقينه من الحق الذي هو عليه، وأن الله فاطر السماوات والأرض ورب السماوات والأرض المطلع على هذا الحال معه، وسينصره، وسيخذل عدوه، بحيث إذا استجيبت الدعوة واستجيبت هذه المباهلة هلك الكافر وذووه فاستؤصلوا جميعاً ولم يبق منهم عين ولا أثر.
ثم يقول: وخص الأبناء والنساء؛ لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثم كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب.
ثم يقول: ويسمون الذادة عنهم بأرواحهم: حماة الحقائق، وقدمهم في الذكر على الأنفس: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران:٦١] لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها.
وفيه دليل على فضل أصحاب الكساء ﵈.
وأصحاب الكساء من آل البيت، وهم علي وفاطمة والحسن والحسين ﵈، ولا يقتصر وصف آل البيت عليهم.
ثم يقول: وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي ﷺ ؛ لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك.
стр. 423
حكم المباهلة
هذه الآية تدل على جواز المحاجة في أمر الدين، وأن من جادل وأنكر شيئاً من الشريعة جازت مباهلته اقتداءً بما أمر به النبي ﷺ .
والمباهلة هي الملاعنة، وهذا في الحقيقة مخرج لأصحاب الحق، إذا كان مع الإنسان حق أبلج وأوضح من الشمس في رابعة النهار، ومع ذلك يعاند خصمه ويصر على باطله، ففي هذه الحالة تجوز لك المباهلة اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران:٦١]، فتحضر نفسك وأبناءك ونساءك وتقف في صف، وكذلك خصمك يحضر نفسه وأبناءه ونساءه، ثم تتباهلون وتجعلون لعنة الله على الكاذبين، فبلا شك أن هذا سيكون كفيلاً لتبرئة المظلوم، وإيضاح الحق من الباطل.
стр. 424
أنموذج للمباهلة
في الحقيقة هناك حوادث كثيرة فيما يتعلق بموضوع المباهلة وقعت حتى مع أهل البدع، بل إن بعض الصحابة كـ ابن عباس وغيره لما اختلف مع بعض إخوانه من الصحابة في بعض القضايا الفقهية طلب المباهلة، كي يعلن وثوقه بما هو عليه من الرأي في هذه المسألة.
لا أطيل في ذكر الأمثلة وإن كانت كثيرة، لكن أقتصر فقط على هذا الذي ذكره العلامة أبو المعالي محمود شكري الألوسي ﵀ في كتابه (غاية الأماني في الرد على النبهاني) يقول في أثناء مناقشة مذهب ابن عربي الملحد: قال الإمام أحمد بن علي بن حجر الشافعي: إنه ذكر لمولانا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني أشياء من كلام ابن عربي، وسأله رجل عن ابن عربي، فقال له شيخنا: هو كافر.
قال: وسمعت الحافظ شهاب الدين ابن حجر يقول: جرى بيني وبين بعض المحبين لـ ابن عربي منازعة كثيرة في أمر ابن عربي، حتى إن الرجل المنازع لي في أمره هددني بالشكوى إلى السلطان بمصر بأمر غير الذي تنازعنا فيه إذا لم أكف عن الكلام في ابن عربي، فقلت له: ما للسلطان في هذا مدخل، نحن نتناظر مناظرة علمية، فتعال نتباهل، وقلت: ما تباهل الاثنان فكان أحدهما كاذباً إلا وأصيب، فقال لي: باسم الله! هيا توكلنا على الله، قال: فقلت له: قل: اللهم إن كان ابن عربي على ضلال فالعني بلعنتك، فقال ذلك، فقلت أنا: اللهم إن كان ابن عربي على هدى فالعني بلعنتك، وافترقنا، قال: وكان يسكن الروضة، فاستضافه شخص من أبناء الهند، ثم بدا له أن يتركه وخرج في أول الليل مصمماً على عدم المبيت، فخرجوا يشيعونه إلى بيته، ففي أثناء رجوعه أحس بشيء مر على رجله، فقال لأصحابه: مر على رجلي شيء ناعم فنظروا فلم يروا شيئاً، وما رجع إلى منزله إلا وقد عمي في نفس الليلة، وما أصبح إلا ميتاً، وكان ذلك في ذي القعدة سنة سبع وسبعين، وكانت هذه المباهلة في رمضان منها، وعند وقوع المباهلة عرفت أن السنة لا تمضي عليه، وكانت بمحضر من جماعته.
стр. 425
تفسير سورة آل عمران [١٣٧ - ١٤٨]
стр. 426
تفسير قوله تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض)
قال ﵎: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧].
هنا ندب إلى القياس أي: قيسوا بهم عاقبة اللاحقين بهم في الهلاك والاستئصال إذا فعلوا فعلهم، والأمر بالسير والنظر لمشاهدة آثار المتقدمين له أثر في الاعتبار أقوى من أثر السماع، فليس الخبر كالمعاينة.
стр. 427
تفسير قوله تعالى: (هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين)
﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٨].
أي أن القرآن تخويف نافع للمتقين، وهو هدى لهم.
стр. 428
تفسير قوله تعالى: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)
قوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩].
أي: لا تضعفوا عن الجهاد فيما نالكم من الجراح، ولا تحزنوا على من قتل منكم، والحال أنكم الأعلون الغالبون دون عدوكم، فإن مصير أمرهم إلى الدمار حسبما شاهدتم من عاقبة أسلافهم.
(إن كنتم مؤمنين) أي: فلا تهنوا ولا تضعفوا إذا كنتم مؤمنين؛ لأن الإيمان يورث قوة القلب، والثقة بنصر الله تعالى، وعدم المبالاة بأعدائه، أو (إن كنتم مؤمنين) فأنتم الأعلون؛ لأن الإيمان يقتضي العلو لا محالة.
стр. 429
تفسير قوله تعالى: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله)
يقول تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠].
((وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا))، الأيام دول يوم لك ويوم عليك.
وسنة الحياة عدم ثبات الأحوال، لكن العاقبة للمتقين، فلابد من استحضار هذا عند الابتلاء.
في هذا الزمان الذي عم فيه الظلم وطم، وتحققت فيه كثير من أشراط الساعة على يد أعداء الدين، فما على المسلم إلا أن يستحضر مثل هذه الآيات: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤]، لكن الفارق هو أنكم ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤]، مهما اشتدت المحن بالمؤمن، فما عليه إلا أن يفزع إلى الله ويستعمل سلاح الدعاء والتضرع لله ﵎؛ لأن الله سبحانه هو نصير للمؤمن ومولى لهم قال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]، وقال : (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج:٧١] يكفي أن المدد مقطوع بين الظالم وبين الله ؛ لأن ما بينه وبين الله خراب ودمار.
إذاً: يكفي المؤمن في البلاء أن يفزع إلى الله؛ ولأن الحبل بينه وبين الله متصل، وإذا فزع إلى الله فإن الله يمده بنصره وبمعونته، كما ذكرنا من قبل: أن قوة المؤمن ليست في عضلاته، بل في قلبه واتصاله بربه.
وهذا حديث يطول، ويكفي أن نتذكر قصة غلام أصحاب الأخدود، فقوة المؤمن تكون في قلبه أساساً، ولا ينافي أن يكون المؤمن قوياً في بدنه.
إذاً: المؤمن قوته تكون في قلبه، بتوكله وثقته بالله ﵎، يقول هنا: ((إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)) إذاً: ليس جديداً علينا هذا الذي يحصل من البلاء للمسلمين الآن، وليس أمراً مفاجئاً ولا بغتة ولا فلتة، وإنما هي سنة الله التي لابد أن تمضي، ولابد أن يخضع لها جميع الخلق، فما بالكم تهنون وتضعفون عند القرح والألم، فقد أصابتهم القروح والآلام في سبيل الشيطان، وأنتم أصبتم في سبيل الله وابتغاء مرضاته.
((وَتِلْكَ الأَيَّامُ))، أي: أيام هذه الحياة الدنيا.
((نداولها بين الناس)) أي: نصرفها بينهم، تارة لهؤلاء، وتارة لهؤلاء، فهي عرض حاضر يقسمها بين أوليائه وأعدائه، (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)، بلا شك أننا الآن نستحضر هذا الحديث أكثر من أي وقت مضى، فالدنيا سجن المؤمن انظر كيف يكون حاله في السجن، فإذا خرجت روحه انطلق إلى الرحب والسعة، وإلى رضوان الله والنعيم.
فالمؤمن لابد أن يستحضر هذا الأمر؛ لأن الدنيا هي جنة بالنسبة للكافر، وهي في نفس الوقت سجن بالنسبة للمؤمن؛ لأنه مقيد بالأوامر والنواهي، مقيد بالبلاء وبحرب أعداء الدين وأعداء الله ﵎.
هذه سنة الله التي لن تتبدل ولن تتخلف، حتى الذي يتنازل عن دينه كي يخفف عن نفسه من وطأة هذا السجن، وكي يطلب العافية لن ينال العافية، بل سيكون أول من يعذبه هذا الذي ترك دينه من أجله، فإن الله قضى قضاء مبرماً محكماً لا ينقض ولا يخلف، أن من أطاع غيره أو أحب غيره في معصيته عذبه به ولابد، والأمثلة لا تكاد تنتهي، كم رأينا من جبار في الأرض قام بتعذيبه وزير من وزرائه، كأن ينقلب عليه بعد ذلك، أو يقتله أو يعذبه أو يسجنه أو يحاكمه، وكم رأينا من أناس شرعوا قوانين لقهر الناس وإذلالهم، ثم كانت هذه القوانين وبالاً عليهم، فمن حفر حفرة لأخيه وقع فيها، فهي سنة الله لن تتخلف أبداً: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].
стр. 430
الحكم والغايات المحمودة من معركة أحد
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في ذكر بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد: ومنها: أن حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم جرت بأن يدالوا مرة، ويدال عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فإنه لو انتصر المسلمون دائماً لدخل معهم المنافقون وغير الصادقين في الإسلام، ولم يميز الصادق من غيره، ولو هزم المسلمون دائماً لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة، فيضيع الدين، فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين، أحياناً ينتصرون وأحياناً تكون الأخرى؛ ليتميز من يتبعهم ويطيعهم على الحق وما جاءوا به، ممن يتبعهم على الظهور والغلبة خاصة، ممن يعبدون الله على حرف: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج:١١]، إذا كثرت الأموال وعوفي في صحته ووجد السعة والرخاء والرفاهية يقول: هذا دين طيب رأينا منه الخير، فإذا كانت الأخرى فابتلي بموت أولاده أو بمرض أو بفقر أو غير ذلك، يقول: هذا دين شؤم والعياذ بالله، فمثل هذا نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج:١١] يريد ديناً لا ابتلاء فيه، فإذا ابتلي: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا﴾ [الحج:١١] حرمها وابتلي بفقدانها، والآخرة أيضاً؛ بسبب ارتداده ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١].
فهذه من حكم الله في أن تكون الأيام دولاً بين الناس.
((وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا))، هذه حكمة أخرى أن يتميز المؤمنون من المنافقين، وقد بين النبي ﵌ أن الفتن التي تكون في آخر الزمان تفرز الناس وتقسمهم، حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، وهذا ما نراه.
سبحان الله! في مثل هذه الأيام التي نعيشها كل يوم ينكشف منافقون جدد، فقد كانوا يخبئون هويتهم وعداءهم للدين، فظهروا على حقيقتهم؛ ليميز الخبيث من الطيب، وهذه من حكمة الله أن ينكشف هؤلاء، وينكشف حقدهم على دينه وعلى عباده الصالحين، فيعلمهم الله تعالى علم رؤية ومشاهدة، بعد أن كانوا معلومين في علم الغيب، الذي هو علمه السابق وهو صفة من صفات الله.
وذكرنا من قبل أيضاً حكمة هذا الابتلاء في قوله ﵎: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:١٧٩]، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١٤]، وقوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١].
قوله: ((وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ)) هنا حكمة أخرى من حكم الابتلاء بالجهاد، وهي أن يكرم ناساً منكم بالشهادة؛ ليكونوا مثالاً لغيرهم في التضحية بالنفس، وهو تعالى يحب الشهداء من عباده، وقد أعد لهم أعلى المنازل وأفضلها، وقد اتخذهم لنفسه، فلابد أن ينيلهم درجة الشهادة.
والاتخاذ منبئ عن الاصطفاء والتقريب كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥].
((وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)) فيه تنبيه لطيف الوقع على كراهته وبغضه للمنافقين الذين انخذلوا عن نبيه يوم أحد، فلم يتخذ منهم شهداء لأنه لم يحبهم، فأركسهم وردهم وخذلهم؛ ليحرمهم فضل الشهادة، فالله لا يحب الظالمين، ولذلك خذلهم وثبطهم حتى تخاذلوا وارتدوا عن الجهاد، وحرموا من أن ينالوا الشهادة في سبيل الله.
فالتعريض بالمنافقين، ويحتمل أن يكون بالكفرة الذين أديل لهم تنبيهاً على أن ذلك ليس بطريق النصرة لهم، بل لما ذكر من الفوائد العائدة على المؤمنين.
стр. 431
تفسير قوله تعالى: (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين)
قال ﵎: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤١].
((وليمحص الله الذين آمنوا)) أي: لينقيهم ويخلصهم من الذنوب ومن آفات النفوس، وأيضاً يمحصهم ويخلصهم من المنافقين الذين يخالطونهم ولا يعرفونهم، فحصل للمؤمنين تمحيصان: تمحيص من نفوسهم، وتمحيص ممن كان يظهر أنه منهم ولكنه في الحقيقة عدو لهم.
ثم ذكر حكمة أخرى وهي محق الكافرين فقال: ((وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ)) أي: ويهلكهم، فإنهم إذا كانت لهم الغلبة يبغون في الأرض وينشرون الفساد ويظلمون الناس، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم، إذا أراد الله تعالى أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم، كما جاء في الحديث: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى إذا لم يبق بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، لابد من السبب وهو العمل.
فلذلك إذا أراد الله شراً بشخص لخبث نفسه وعدائه لدينه، فإنه ييسر له الأسباب ويمهله ويمده في الغي، ويتمادى في ظلم الناس وفي محاربة دين الله ، ويظن أنه سيحقق إنجازات وانتصارات بأن غلب دين الله وغلب أولياء الله وحقق نصراً يتباهى به ويفخر ويتيه به، وهذا المسكين لا يدري أن كل ما يوقعه من البلاء بأولياء الله فسيوقع الله به أضعاف أضعافه في جهنم وبئس المصير، فلذلك يقيض الله لهم من الأسباب كما قال : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣] أي: تدفعهم إلى الشر دفعاً ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت:٢٥]، فإذاً إذا أراد الله به هذا فإنه ييسره للعسرى، كلما أراد ظلماً لا يسد عليه باب الظلم، بل يجعله يتمادى في الظلم ويتمادى في محاربة الله ؛ حتى يوقعه في سوء عاقبة هذه الأعمال.
قوله تعالى: ((وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ))، المحق: هو ذهاب الشيء بالكلية حتى لا يبقى منه شيء، أو لا يرى منه شيء، وقد محق الله الذين حاربوا رسول الله ﷺ يوم أحد، وأصروا على الكفر جميعاً.
стр. 432
تفسير قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة)
لقد أنكر تعالى عليهم حسبانهم وظنهم أنهم يدخلون الجنة بدون الجهاد في سبيله والصبر على أذى أعدائه، وأن هذا ممتنع، فقال تعالى: ((أَمْ حَسِبْتُمْ)) (أم) هنا المنقطعة المقدرة ببل والهمزة، أي: بل أحسبتم، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]، هذا لا يقع أبداً ولا يكون.
стр. 433
تفسير قوله تعالى: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه)
قوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران:١٤٣].
((تمنون)) فيه حذف إحدى التاءين، وأصلها (ولقد كنتم تتمنون).
(الموت) أي: الحرب ولقاء العدو؛ لأن الحرب من مبادئ الموت ومن أسبابه.
أو (تمنون الموت) أي: الشهادة في سبيل الله.
((مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ)) حيث قلتم: (ليت لنا يوماً كيوم بدر؛ فننال ما نال شهداء بدر من الأجر والثواب والشهادة).
وقد ثبت عن النبي ﵌ في الحديث المتفق عليه أنه قال: (لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف).
وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: (كنت إذا سمعت من رسول الله ﵌ حديثاً نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيري استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر ﵁ حدثني وصدق أبو بكر عن النبي ﷺ أنه قال: ما من رجل يذنب ذنباً فيتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله إلا غفر له)، وهذا حديث صحيح، وهذا الحديث هو المعروف بحديث صلاة التوبة.
صلاة التوبة هي أن الإنسان إذا أذنب ذنباً فإنه يتوضأ ويحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله ، فإذا فعل ذلك غفر الله له.
قوله تعالى: ((فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ)) أي: رأيتم سبب هذا الموت، إما رأيتم سببه باستشهاد إخوانكم أو قتل إخوانكم وإما بالحرب نفسها.
((وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ))، أي: تبصرون الحال لما انهزمتم وقد كنتم تتمنون مثل هذا الموقف؛ لتنالوا مثل ما نال شهداء بدر؟!
стр. 434
تفسير قوله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل)
لما أشيع أن النبي ﵌ قتل قال المنافقون: إن كان قتل فارجعوا إلى دينكم، فنزل قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤].
((وما محمد)) ﵌، وهذا من المواضع التي ذكر فيها اسم النبي ﷺ صراحة، وكما نلاحظ أنه لا يأتي اسمه إلا في حالة الخبر عنه بالرسالة: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد:٢]، أو هنا: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ))، لكن لم يناد النبي ﵌ باسمه في القرآن قط، إنما نودي بصفته؛ تعظيماً لشأنه ﷺ : يا أيها النبي، يا أيها الرسول، يا أيها المزمل، يا أيها المدثر، وهكذا، بخلاف غيره من إخوانه من الأنبياء فقد نودوا بأسمائهم: يا إبراهيم، يا نوح، يا موسى، يا عيسى، وهكذا، فهنا خبر عنه بصفة الرسالة: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ)) أي: مضت، ((مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ)) أي: أن المقصود ما محمد ﵊ إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفتؤمنون به في حال حياته، فإن مات انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ؟! ((أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ)) أي: كغيره، والمقصود من الآية إثبات أنه لا منافاة بين الرسالة وبين القتل أو الموت؛ لأن هذه سنة الله الماضية في أنبيائه ورسله من قبل، فإنهم لابد أن يفارقوا الدنيا إما بموت وإما بقتل ظلماً، كما وقع من اليهود لعنهم الله حينما قتلوا يحيى ﵇ وزكريا.
((أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) أي: ارتددتم ورجعتم إلى الكفر.
والجملة الأخيرة محل الاستفهام الإنكاري أي: ما كان محمد ﷺ معبوداً فترجعوا بموته؟! لو أنكم كنتم تعبدونه لحق لكم أن ترجعوا عن عبادته إذا مات، لكن أنتم تعبدون الله ﵎.
((وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا)) أي: وإنما يضر نفسه.
((وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)).
أي: سيجزي الله الذين يثبتون على الإسلام؛ لأن الكلام في حق من ينتكسون أو ينقلبون على أعقابهم ويرتدون، أو: سيجزي الذين يثبتون في القتال، والأول أقرب، والله تعالى أعلم.
والله سماهم هنا شاكرين لأنهم شكروا نعمة الإسلام التي هي أجل نعمة وأعز شيء يمن الله به على الإنسان، فهم يشكرون هذه النعمة بالثبات عليها وعدم جحودها أو النكوص على الأعقاب.
وهذه الآية تلاها أبو بكر رضي الله ﵎ عنه في يوم موت النبي ﵌، وتلاها الناس كلهم، وذلك لما أنكر عمر موت النبي ﵊، فأعرض عنه أبو بكر وتلا هذه الآية في الناس، يقول عمر: (فكأني ما عرفت هذه الآية قبل يومئذ) أي: كأنه ما سمع هذه الآية من قبل، فنزلت عليه برداً وسلاماً وسكينة.
معنى هذه الآية كما يقول القاسمي: أن من كان على يقين من دينه وبصيرة من ربه لا يرتد بموت الرسول وقتله، ولا يفتر عما كان عليه؛ لأنه يجاهد لربه لا للرسول، كأصحاب الأنبياء السالفين، كما قال أنس بن النضر عم أنس بن مالك يوم أحد حين أرجف المنافقون وأشاعوا بقتل رسول الله ﷺ وبلغ إليه تقاول بعضهم: ليت فلاناً يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، وقول المنافقين أيضاً: لو كان نبياً ما قتل؛ يقول أنس بن النضر: (يا قوم! إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد حي لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ ، فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد بسيفه وقاتل حتى قتل رضي الله تعالى عنه).
وروى ابن أبي نجيح عن أبيه: (أن رجلاً من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان! أشعرت أن محمداً ﷺ قد قتل، فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ))).
ومن الحكم من غزوة أحد: أن وقعة أحد كانت مقدمة وإرهاصاً بين يدي موت رسول الله ﷺ ، فنبأهم ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول الله ﷺ أو قتل، بل الواجب عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده، ويموتوا عليه ويقتلوا، فإنهم إنما يعبدون رب محمد وهو حي لا يموت، وما بعث محمد ﷺ إليهم ليخلد أو يخلدوا، بل ليموتوا على الإسلام والتوحيد، فإن الموت لابد منه.
стр. 435
تفسير قوله تعالى: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله)
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٥].
((وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)) أي: بقضاء الله ﵎.
((كِتَابًا)) أي: كتب ذلك كتاباً.
((مُؤَجَّلًا)) أي: مؤقتاً لا يتقدم ولا يتأخر، فلم انهزمتم والهزيمة لا تدفع الموت والثبات لا يقطع الحياة؟! فالموت إذا كان مكتوباً لإنسان بسبب معين وبأجل معين فلابد أن يأتي، هذه عقيدة راسخة لا شك فيها على الإطلاق، ولذلك قال الشاعر: أي يومي من الموت أفر يوم لا قدر أو يوم قدر يوم لا قدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجو الحذر فلذلك نلاحظ في آيات الجهاد عموماً كيف أن الله يؤكد على هذين الأمرين اللذين هما سبب نكوص كثير من الناس عن الجهاد: خوف انقطاع الرزق، أو خوف حضور الأجل، فبين الله ﵎ كما في هذه الآيات أن الأجل مكتوب، ولن يتقدم ولن يتأخر.
يقول الصديق ﵁: (احرص على الموت توهب لك الحياة).
وقال أبي سليمان خالد بن الوليد رضي لله تعالى عنه حينما مات على فراشه: (ما في جسدي موضع إلا وفيه طعنة برمح أو ضربة بسيف، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء).
((وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا)) أي: من يرد بعمله جزاءه من الدنيا ((نُؤْتِهِ مِنْهَا)) هذا تعريض لمن حضر الجهاد طلباً للغنائم فقط، أي: نؤته ما قسم له ولا حظ له في الآخرة.
((وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا)) أي: من ثوابها، ((وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ)).
стр. 436
تفسير قوله تعالى: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير)
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦].
قال تعالى: ((وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)) أي: وكم من نبي قاتل، وفي قراءة: (قتل معه ربيون كثير) بالبناء للمفعول.
((قتل معه)) أي: لإعلاء كلمة الله وإعلاء دينه.
((ربيون كثير)) أي: جموع كثيرة من الأتقياء والعباد.
((فَمَا وَهَنُوا)) أي: فما جبنوا.
((لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) أي: من الجراح وقتل أنبيائهم وأصحابهم.
((وَمَا ضَعُفُوا)) أي: عن الجهاد.
((وَمَا اسْتَكَانُوا)) أي: وما خضعوا لعدوهم، بل صبروا على قتالهم، ولم يفعلوا كما فعلتم حين قيل: قتل النبي ﵌.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ أي: على البلاء، أو على قتال أعدائه.
إذاً: هذه الآية فيها بحث طويل عقده العلامة القرآني الشيخ: محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في كتابه "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" بين فيه أن النبي ﷺ لا يقتل في حالة الجهاد أبداً؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء:٧٤] فهذا يدل على أن الذي يقابل الغلبة هو القتل، والله ضمن للأنبياء النصر وقال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١]، فالرسل لا يمكن أن يقتلوا في جهاد، وإنما يمكن أن يقتلوا بصورة أخرى كما حصل ليحيى أو لزكريا.
هذا ما رجحه العلامة القرآني الشنقيطي، فيمكن مراجعة هذا البحث المستفيض في كتابه الرائع "أضواء البيان" في الجزء الأول.
في هذه الآية بين ﵎ محاسن الربيين الفعلية بقتالهم مع الأنبياء وثباتهم في الجهاد.
стр. 437
تفسير قوله تعالى: (وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا)
شرع بعد ذلك في بيان محاسنهم القولية، وهو ما استنصر به الأنبياء وأممهم على قومهم من الاستغفار والاعتراف بالتقصير، ودعاء الله ﵎ والاستغاثة به، فبعد ما مدح أفعالهم مدح أقوالهم، قال : ((وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ)) أي: عند قتل نبيهم مع ثباتهم وصبرهم، هذا على التفسير المرجوح بأن الأنبياء يمكن أن يقتلوا في الجهاد، وقد بينا من قبل أن هذا مذهب مرجوح.
((إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا)) الإسراف هو تجاوز الحد إيذاناً؛ بأن ما أصابهم لسوء فعلهم، وهذا اعتراف منهم بأنهم مسيئون، وقد أضافوا الذنوب لأنفسهم.
((وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا))، أي: بالقوة على الجهاد.
((وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)).
فلما اعترفوا بأنهم مسيئون، كان هذا منهم إحساناً، فأعقبها بقوله: ((وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ))، فالتوبة والاعتراف بالذنب هو من الإحسان.
стр. 438
أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى: (وما كان قولهم إلا أن قالوا)
يقول الرازي: فيه دقيقة لطيفة: وهي أن هؤلاء لما اعترفوا بكونهم مسيئين حيث قالوا: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا))، إلى آخر الآية سماهم الله محسنين، كأن الله تعالى يقول: إذا اعترفت بإساءتك وعجزك فأنا أصفك بالإحسان، وأجعلك حبيباً لنفسي، حتى تعلم أنه لا سبيل للعبد إلى الوصول إلى النصر والتمكين والعزة والرفعة إلا بإظهار الذلة والمسكنة والعجز له سبحانه.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما يستزلهم ويهزمهم بها، وأنها نوعان: تقصير في حق، أو تجاوز لحد، وعلموا أيضاً أن النصر منوط بالطاعة، حينئذ قالوا: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)) أي: الذنوب التي بسببها تصبح الدولة والغلبة لأعدائنا، كما يقول الشاعر: بذنوبنا دامت بليتنا والله يكشفها إذا تبنا فكل المصائب التي تحل بالمسلمين في كل زمان، اعتاد الناس على أن ينظروا فيها إلى ظلم الحكام، ولا يلتفت كثير من الناس إلى حقيقة أن تسليط هؤلاء الظالمين على المسلمين في كل زمان ومكان إنما هو بسبب ذنوبهم، ودليل ذلك في قوله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٩]، فالله يولي ظالماً على الظالمين، ولولا أن الناس ظالمون لما عوقبوا بهذا السلطان، ولذلك يقول النبي ﷺ : (خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن -وذكر هذه الذنوب وعقوبتها ومنها-: إلا ابتلوا بشدة المئونة، وجور السلطان عليهم)، يعني: أن المعاصي تكون عقوبتها أحياناً تسليط الظالمين على الرعية، ولذلك لما عوتب بعض الخلفاء أنه لا يسلك بهم سنن عمر بن الخطاب وأبي بكر رضي الله تعالى عنهما قال لهم: لو كنتم أنتم مثل الرعية التي حكمها أبو بكر وعمر لكنت أنا مثل أبي بكر أو مثل عمر، لكن ابتليتم بي وابتليت بكم.
أو كما قال رحمه الله تعالى.
ويشيع على لسان العلماء قولهم: عمالكم أعمالكم، أي: كيفما تكونوا يولى عليكم.
وصف الله حال فرعون وقومه قال: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤]، فلا ينبغي أن نلتفت فقط إلى ظلم الظلمة وطغيانهم، وإنما ينبغي أن نلتفت إلى أننا سبب في ظلمهم لنا، وسر هذا الالتفات وأهمية هذا التشخيص هو أن نعرف من أين أُتينا، فنبادر إلى العلاج الصحيح، وهو كما فعل هؤلاء الربيون: ((وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)).
((وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا))، ثم علموا أن ربهم ﵎ إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يقدروا على تثبيت أقدام أنفسهم والنصر على أعدائهم، فسألوه مغفرة ذنوبهم، وتثبيت أقدامهم ونصرهم على عدوهم، فوفوا المقامين حقهما: مقام المقتضي وهو التوحيد والالتجاء إليه ، ومقام إزالة المانع من النصرة وهو الذنوب والإسراف، وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب والمحن، سواء كانت المحن في الجهاد أو في غيره، كما قال ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
إذاً: التحول والتغيير ينبغي أن يبدأ من أنفسنا، كل إنسان يراجع نفسه ويفتش لعل ذنباً يفعله أو معصية يرتكبها، أو إسرافاً أو تجاوزاً للحد، هو السبب في كل المصائب التي تعم المسلمين.
стр. 439
تفسير قوله تعالى: (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة)
﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٤٨].
((فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا)) أعطاهم النصر والغنيمة وقهر العدو، والثناء الجميل، وانشراح الصدر بنور الإيمان، وكفارة السيئات، هذا ثواب الدنيا.
((وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ)) أي: الجنة، وحسنه هو التفضل فوق الاستحقاق، بأن يعطيك الله ما تستحقه ويتفضل عليك بما هو أوسع وأعظم منة منه وتكرماً.
ونلاحظ هنا أنه لم يصف ثواب الدنيا بالحسن بل قال: ((فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا))، بينما وصف ثواب الآخرة بالحسن، قال : ((وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ)) فهو سبحانه أراد أن يميز ثواب الآخرة بهذا الحسن؛ لأنه هو المعتد به عند الله ﵎، أما ثواب الدنيا فغير دائم، بل ينقطع وتشوبه الأكدار والمنغصات.
ثم قال: أما ثواب الآخرة فإنه دائم لا ينقطع، ولذلك قال: ((وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)).
стр. 440
تفسير سورة آل عمران [١٤٩ - ١٦٧]
стр. 441
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا)
قال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩].
الرد على الأعقاب هو مثل للحور بعد الكور، وقد كان النبي ﵌ يدعو في السفر ويقول: (وأعوذ بك من الحور بعد الكور)، بالراء، وروي بالنون (الكون)، ومعنى ذلك: أن الإنسان في حالة السفر يبتعد عن بيئة إخوانه وأهله الذين يعرفونه، فقد يكون الشيطان أقوى عليه، وسمي السفر سفراً؛ لأنه يسفر عن حقيقة الشخص، فتراه يتحول إلى سبع مفترس؛ لأنه ابتعد عن المراقبة.
فالإنسان قد يتكلف الأخلاق في دار الإقامة، وقد يتكلف ذلك إذا قابل إخوانه ساعة أو ساعتين، أما في السفر فإنه لابد أن تغلبه شخصيته الحقيقية وتظهر طبيعته، ولذلك لما سأل عمر عن إنسان فقال رجل: (أنا أعرفه، فقال له عمر: هل التصقت به؟ هل تعاملت معه بالمال؟ هل سافرت معه؟) فهذه الأشياء هي التي تكشف الإنسان، ومن أراد أن يشهد على إنسان لابد أن يكون قد خالطه مخالطة دقيقة ومنها السفر.
والكور مأخوذ من تكوير العمامة، فالإنسان إذا أراد أن يثبت العمامة على رأسه فإنه يكورها، وإذا أراد أن يفكها فكها، وعملية الفك للعمامة تسمى التحوير، فالحور بعد الكور هذا تعبير أريد به انفراط عقد الإنسان بعد استمساكه، أو زلل قدمه عن طريق الاستقامة بعدما كان مستقيماً، فهذا معنى الحور بعد الكور، أما إذا قلنا: بعد الكون بالنون أي: بعد كونه على الطريق المستقيم يحيد عنه ويرتد على عقبيه.
فقوله تعالى: ((يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) هو مثل يضرب في الحور بعد الكور.
((فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ)) ذكر (خاسرين) لأننا إذا أطعنا أعداء الله فسنخسر كل شيء، وأعظم ما نخسره -كما يفهم من سياق الآية- الإسلام؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧].
(خاسرين) أي: خاسرين للإسلام، خاسرين لمحبة الله ورضوانه، خاسرين لثوابه الدنيوي والأخروي.
أما ثمرة هذه الآية: فهي الدلالة للمؤمنين ألا ينزلوا على حكم الكافرين، ولا يقبلوا مشورتهم؛ خشية أن يردوهم عن دينهم؛ لأن الله الذي يعلم من خلق أخبرنا بخفايا قلوبهم ودواخل أمورهم، وأنهم لن يقصروا في إيقاع الأذى بنا.
стр. 442
تفسير قوله تعالى: (بل الله مولاكم وهو خير الناصرين)
يقول تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران:١٥٠].
أي: ناصركم فأطيعوه، فكونوا مع الله ولا تلتفتوا إلى أعدائكم وأعداء دينكم.
﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ أي: فأطيعوه دون هؤلاء الكافرين، فإنه ينصركم عليهم بالقتال، وينصركم بدون قتال.
стр. 443
تفسير قوله تعالى: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا)
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٥١].
بين ﵎ ذلك كيف ينصرهم بدون قتال قال : ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ سبق أن قلنا: إن قوة المؤمن في قلبه، وليست في بدنه، فالكافر إذا رأيته يعجبك جسمه لكن قلبه كقلب الفأر المذعور، ولذلك يقول ﵎ هنا: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ وكذلك قال ﵎ في وصف اليهود: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾.
ولا شك أنكم قد سمعتم ما حكاه الجنود المسلمون في حرب رمضان مما رأوا من الفزع الذي نزل على اليهود بمجرد أن كانت الصيحة تدوي: الله أكبر! ففزعوا كالفئران وولوا هاربين مذعورين كالجرذان الهاربة، وخط برليف وما أدراك ما خط برليف، كيف دك بهذه الصيحة الإيمانية؟!! فالرعب يقذفه الله ﵎ في قلب الكافر؛ لأنه على قدر الشرك يكون الرعب في القلب، وعلى قدر الإيمان يكون الثبات؛ لأن الشجاعة والثبات ورباطة الجأش لا تكون تامة إلا للموحد الموقن في توحيده، وأعلى الموحدين الموقنين في توحيدهم هو رسول الله ﵌، ولذلك خصه الله ﵎ بخصال، منها ما جاء في قوله ﷺ : (ونصرت بالرعب مسيرة شهر) أي: أن العدو إذا كان بينه وبين المسلمين مسافة تقطع في شهر، فإن الله سبحانه يلقي في قلبه الرعب من النبي ﵌.
وعلينا ألا ننخدع بما نحن عليه الآن من ضعف ومن هوان؛ لأن خاصية رعب الكفار منه ﵊ هي لأمته من بعده أيضاً، وآية ذلك أنك تجد في هذا الزمان مع شدة ضعف المسلمين أن العالم في حالة رعب وفزع وهلع وخوف من الإسلام ومن المسلمين، ويسلكون كل المسالك ليتخلصوا من هذا الذي يقض مضاجعهم.
هناك تصريحات للوزير الفرنسي في حلف الأطلنطي في الأسابيع الماضية يقول فيها: إننا لا نخاف إلا الإسلام، وإننا نرعب من الإسلام، وإن المعركة القادمة ستكون مع الإسلام.
ولذلك يتخذون إجراءات وقائية كثيرة حتى يتقوا خطر الإسلام، وهم يمشون إلى حتفهم، فكأن جمع اليهود بهذه الصورة من أجل أن يتحقق وعد الله : ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء:١٠٤]، كنا ونحن صغار نسمع العجائز يقلن: لو قام لليهود ملك لقامت القيامة، والعلامات والإرهاصات تتكاثر في هذا الزمان بصورة مذهلة، وهي تنبئ أن شيئاً ما سيحصل، والله تعالى أعلم.
وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، وحتى يقول الحجر والشجر: يا عبد الله! يا مسلم هذا يهودي ورائي تعال فاقتله).
إذاً: اليهود يقذف الله الرعب في قلوبهم.
و (الرعب) بسكون العين وضمها وهو الخوف.
لقد عزم المشركون بعد ارتحالهم من أحد على العود واستئصال المسلمين، فألقى الله في قلوبهم الرعب فلم يعودوا لقتال المسلمين كما عزموا.
﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾، أي: بسبب إشراكهم ألقينا في قلوبهم الرعب؛ لأنه على قدر الشرك يكون الرعب، والشجاعة والثبات لا تكون تامة إلا للموحد الموقن في توحيده.
﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾، أي: حجة على عباده، وهي الأصنام أو غيرها.
﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾، أي: مأوى أو مقر أو مقام (الظالمين) أي: الكافرين.
стр. 444
تفسير قوله تعالى: (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه)
قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٥٢].
(ولقد صدقكم) أي: وعدكم الله ﵎ بالنصر، وقد صدقكم ولم يتخلف وعده ﵎، فوعدكم بالنصر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٢٠].
((إِذْ تَحُسُّونَهُمْ)) أي: تقتلونهم، يقال: حسه إذا قتله، أو (إذ تحسونهم) أي: إذ تقتلونهم قتلاً كثيراً.
(بإذنه) بإرادته، أو بتيسيره وتوفيقه.
((حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ))، أي: جبنتم عن القتال.
((وَتَنَازَعْتُمْ))، أي: اختلفتم.
((فِي الأَمْرِ)) إما الشأن، وإما الأمر الذي هو ضد النهي، أي: أمر النبي ﷺ بالمقام في سفح الجبل للرمي.
يقول القاضي كنعان هنا: إن موقع الرماة لم يكن في سفح جبل أحد كما هو شائع، بل كان على تلة صغيرة مشرفة على أرض المعركة، وذلك أن النبي ﷺ أمر خمسين رجلاً من الرماة بقيادة عبد الله بن جبير ﵁ بأن يثبتوا على تلك التلة؛ ليدفعوا خيل المشركين بالنبل؛ لئلا يأتوا من ورائهم.
(حتى إذا فشلتم وتنازعتم) أي: اختلفتم في أمر النبي ﵊ بالمقام في سفح الجبل للرمي، فقال بعضكم: نذهب للغنيمة فقد نصر أصحابنا، وقال بعضكم: لا نخالف أمر النبي ﷺ ؛ لأن الأمر كان واضحاً حتى لو غلب المسلمون فعلى الرماة أن يثبتوا ولا يتحركوا من مواقعهم حتى يأذن لهم النبي ﷺ بالنزول.
((وَعَصَيْتُمْ))، أي: عصيتم أمره فتركتم المركز؛ لطلب الغنيمة.
((مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ))، أي: من بعد ما أراكم الله ما تحبون من النصر والغنيمة.
,جواب (إذا) يفهم من سياق الكلام، وتقديره حتى إذا فعلتم ذلك كله منعكم الله نصره.
وقوله: ((وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ))، فيه التنبيه على عظم المعصية.
﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾، فترك الموقع للغنيمة.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾، فثبت به حتى قتل كـ عبد الله بن جبير ﵁ وأصحابه.
﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾، أي: منعكم نصره ثم ردكم للهزيمة عنهم؛ ليظهر المخلص من غيره فهربتم.
﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولقد عفا عنكم ما ارتكبتموه من هذه المعصية.
إذاً: ظاهر الآية أن الله عفا عنهم من غير توبة، أي: أن الآية لم تذكر توبتهم، فدل على أنه تعالى قد يعفو عن أصحاب الكبائر بمشيئته، فهذا دليل على أن أصحاب الكبائر تحت المشيئة، إن شاء عفا عنهم وإن شاء عذبهم وعاقبهم.
قوله: (والله ذو فضل على المؤمنين) فيه دليل أيضاً على أن صاحب الكبيرة مؤمن، فإن الذنب المذكور في الآية لاشك أنه كبيرة، ومع ذلك لم تزل عنهم صفة الإيمان، خلافاً للخوارج الذين يكفرون بالمعصية أو بالكبيرة.
стр. 445
تفسير قوله تعالى: (إذ تصعدون ولا تلوون على أحد)
﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:١٥٣].
﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أي: اذكروا (إذ تصعدون) أي: تبعدون في الأرض هاربين.
وقوله (تصعدون) إما متعلق بقوله: (ثم صرفكم عنهم ليبتليكم)، وإما بمقدر وهو اذكروا (إذ تصعدون).
والإصعاد هو الإبعاد في الأرض والجري فيها فراراً من العدو.
وهنا قراءة أخرى: (إذا تَصعدون) من الفعل الثلاثي صعد أي: على الجبل.
﴿وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: لا تعرجون ولا تعطفون بالوقوف على أحد؛ لأنكم قد حددتم اتجاه الهرب من شدة الدهشة والروعة.
﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ أي والرسول ﵌ يدعوكم من ورائكم يقول: (إلي عباد الله! إلي عباد الله)، وأنتم فارون لا تلوون على أحد، لم يحاول أحد منكم أن يلتفت إلى الخلف،.
(في أخراكم) أي: من ورائكم، أو في جماعتكم الأخرى، وهي جماعة الرماة.
﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: جازاكم عقوبة على هذا التولي وهذا الفرار، ولا يستعمل لفظ الثواب في الأغلب إلا في الخير، ويجوز استعماله أيضاً في الشر؛ لأنه مأخوذ من قوله: ثاب إليه عقله أي: رجع إليه، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:١٢٥]، أي: إذا ذهبوا منه رجعوا إليه، والمرأة سميت ثيباً؛ لأن الواطئ عائد إليها، وأصل الثواب هو كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله، سواء كان خيراً أو شراً، لكن في العرف اختص لفظ الثواب بالخير.
فإذا كان الثواب محمولاً على أصل اللغة، فإنه يستعمل في الخير وفي الشر، فيكون الثواب هنا مستعملاً بمعنى الشر.
أما إذا حملنا الثواب على مقتضى العرف، بحيث يطلق على الخير، فيكون ذلك وارداً على سبيل التهكم بهم، فقوله: (فأثابكم غماً) كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران:٢١]، فهو يسمع كلمة: (فبشرهم) فيفرح ثم يصدم بكلمة: (بعذاب أليم) ففيه تهكم بهم، كقول الشاعر: تحيته الضرب وعتابه السيف.
فقوله ﵎ هنا: (فأثابكم غماً بغم) أي: غماً بالهزيمة التي حصلت لهم هذا هو الغم الأول بسبب الهزيمة، أي: على غم آخر متصل بالغم الأول، وهو ما كان من صرخة الشيطان: بأن محمداً ﷺ قد قتل.
وقيل: الباء بمعنى: على (غماً بغم) أي: غماً مضاعفاً على غم فوت الغنيمة.
أو الباء تكون باء المقابلة أو العوض، أي: كما أدخلتم على المشركين الغم في يوم بدر، دخل عليكم الغم في يوم أحد، فصرتم متكافئين من هذه الحيثية.
﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا﴾ متعلق بـ (عفا) في الآية السابقة في قوله ﵎: ((وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ)) أو متعلق بأثابكم.
(ولا ما أصابكم) أي من القتل والهزيمة ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
стр. 446
تفسير قوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً)
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١٥٤].
(أمنة) أي: أمناً.
بعد نزول المسيح ﵇ يقول ﵊: (وتقع الأمنة على الأرض) أي: الأمن (حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم).
وهناك آية أخرى في القرآن استعملت فيها كلمة: (أمنة) في سورة الأنفال: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال:١١].
فـ (نعاساً) بدل من أمنة، أي: نوماً، ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾، (يغشى) أو (تغشى) بالياء والتاء.
(طائفة منكم) وهم المؤمنون، فكانوا يميلون تحت الحجف، وهي: التروس من الجلد، وتسقط السيوف منهم، فهذه من رحمة الله ﵎ بالمؤمنين أنه أنزل عليهم من بعد هذا الغم الذي وقع بهم (أمنة نعاساً).
روى البخاري في التفسير عن أنس عن أبي طلحة رضي الله تعالى عنه قال: (غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه).
ويقول أبو طلحة: (رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يميل تحت حجفته من النعاس، فذلك قوله تعالى: ((ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا))).
وقد ساق الرازي لذلك النعاس فوائد: منها: أن المشركين كانوا في غاية الحرص على قتل الصحابة في ذلك الموقف ثأراً ليوم بدر، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أدل الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم، ولا شك أن هذه رحمة من الله ، وأنه هو الذي يحفظهم ويعصمهم من القتل، وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم، ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله ﵎.
ثم أخبر أن من لم يصبه ذلك النعاس فهو ممن أهمته نجاة وسلامة نفسه، لا هم الدين ولا النبي ولا الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولذلك قال: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: ما بهم إلا هم أنفسهم وقصد خلاصها، فهؤلاء لم ينعموا بهذا النعاس، بل بقوا في القلق والجزع والفزع والخوف.
﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي: غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.
يقول السيوطي: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: حملتهم على الهم، فلا رغبة لهم إلا نجاتها دون النبي ﷺ وأصحابه، فلم يناموا، وهم المنافقون.
﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ يظنون بالله ظناً غير الظن الحق.
﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ أي: كظن الجاهلية، حيث اعتقدوا أن النبي قتل أو لا ينصر.
في الحقيقة هنا بحث طويل جداً للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى يشرح فيه ما المقصود بظن الجاهلية، ونحن نحاول اختصاره بقدر المستطاع، يقول رحمه الله تعالى: وهكذا اعتقد هؤلاء أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفاصلة، وأن الإسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة، وإذا وقع بلاء بالمسلمين ظنوا أن المسلمين سيستأصلون، وأنه لن تقوم لهم راية.
فهذا ظن الجاهلية، فلنحذر هذا الظن في هذا الزمان الذي صار فيه الدين غريباً، والله وحده المستعان، ونسأل الله أن يحبط كيد أعداء هذا الدين، وهناك حرب لا تقوى الكلمات على وصفها مثل: العلمنة بالإكراه، وكذلك ما نشر في بعض الجرائد أن هناك تعميمات بتطهير المكتبات المدرسية من الكتب الدينية، خاصة كتب العقيدة والحديث، لم يصبح الأمر تطرفاً ولا إرهاباً، فقد نسوا هذه الكلمات وما عادوا بحاجة إلى استعمالها، فاليوم يعلن عن إعدام اثني عشر مليون كتاب إسلامي جمعت من المكتبات الإسلامية في المدارس، وهذه الكتب هي تفسير القرآن العظيم لـ ابن كثير، وكتب ابن تيمية وكتب ابن القيم وعامة علماء المسلمين، حتى كتب عبد الحليم محمود والشيخ كشك وغيرهم من المعاصرين.
وتقول التقارير: إنه يجري تتبع أي كتاب فيه شائبة دينية، على حسب زعمهم، فهل يظن هؤلاء أن الأمر سيظل بهذه الصورة؟ ألا نخشى أن يقع بنا ما وقع بشعب الصومال حينما قام الملحد المرتد سياد بري وأنكر آية من كتاب الله ، فثار العلماء رحمهم الله تعالى في وجهه، فأحرق العلماء وهم أحياء في المدينة العامة وقتلهم، فما تحركت شعرة إلا ما شاء الله، وسكت الناس على هذا، ومرت السنون وابتلاهم الله بالأمراض، وابتلاهم بالمجاعات، وابتلاهم بالاحتلال الخارجي، وابتلاهم بالحروب الداخلية والقلاقل، فحرب الله شؤم، فإحراق اثني عشر مليون كتاب إسلامي وإعدامها واستبدالها بكتب المواجهة والتنوير أمر ليس بالهين.
стр. 447
تفسير قوله تعالى: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان)
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٥٥].
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾ أي: تولوا عن القتال.
(يوم التقى الجمعان) جمع المسلمين وجمع الكفار بأُحُد، وهم المسلمون إلا اثني عشر رجلاً.
﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾، يعني: أزلهم بوسوسته ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ من الذنوب، وهو مخالفة أمر النبي ﷺ .
﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ للمؤمنين، ﴿حَلِيمٌ﴾ أي: لا يعجل على العصاة بل يصبر ويمهل.
ولا شك أن الحليم من أعظم أسماء الله الحسنى.
(إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، فالله يحلم ويصبر على الأذى، يشتمه بنو آدم وينسبون إليه الولد، ويصدون عن سبيله ويحاربون أولياءه، ومع ذلك هو حليم بهم، حتى إنه قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠].
فاشترط في تعذيبهم ألا يتوبوا، بحيث لو تابوا مع ما فعلوه من الجرم الشنيع، لتاب عليهم ﵎.
стр. 448
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران:١٥٦].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: لا تفعلوا كفعلهم، ولا تقولوا كقولهم.
﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾، أي: المنافقين قالوا في شأنهم.
﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ﴾، أي: سافروا فماتوا أو قتلوا.
﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ جمع غاز، فقتلوا.
﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ لو جلسوا معنا في المدينة وما خرجوا للجهاد ولا سافروا للجهاد لما ماتوا وما قتلوا.
﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾، أي: ذلك القول الذي قالوه في العاقبة.
﴿حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾، هذا الكلام الذي قالوه وتفوهوا به وهو قولهم: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾، سيتحسرون عليه في العاقبة، وسيعاقبون عليه.
﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، أي: لا يمنع عن الموت قعود.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، أو (يعملون) ﴿بَصِيرٌ﴾ [آل عمران:١٥٦]، فيجازيكم به.
стр. 449
تفسير قوله تعالى: (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم)
﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران:١٥٧].
﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، هذه لام القسم، (في سبيل الله) أي: في الجهاد.
﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ بضم الميم وكسرها، أي: أصابكم الموت فيه.
﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: مغفرة كائنة من الله لذنوبكم، ورحمة منه لكم على ذلك، هذا هو جواب القسم، وتقدير الكلام: لئن قتلتم ليغفرن الله لكم ويرحمكم.
﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي: مما يجمعون من الدنيا.
стр. 450
تفسير قوله تعالى: (ولئن متم أو قتلتم)
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران:١٥٨].
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ أي: في الجهاد وغيره.
﴿لَإِلَى اللَّهِ﴾ أي: لإلى الله لا إلى غيره.
﴿تُحْشَرُونَ﴾ أي: في الآخرة فيجازيكم.
стр. 451
تفسير قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم)
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، أي: يا محمد سهلت أخلاقك مع أنهم خالفوك وعصوا أمرك.
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ أي: سيئ الخلق.
﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ أي: جافياً فأغلظت لهم.
﴿لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ أي: تفرقوا.
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ أي: تجاوز عنهم ما أتوه.
﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي: ذنبهم حتى أغفر لهم.
﴿وَشَاوِرْهُمْ﴾ أي: استخرج آراءهم.
﴿فِي الأَمْرِ﴾ أي: في شأنك، سواء في الحرب أو غيرها تطييباً لقلوبهم، وكي يستن بك المسلمون ويقتدوا بك في الشورى.
وكان ﷺ كثير المشاورة لهم، ولولا ضيق الوقت لذكرنا أمثلة كثيرة من الشورى وفوائدها.
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ أي: على إمضاء ما تريد بعد المشاورة.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: ثق به بعد المشاورة.
стр. 452
تفسير قوله تعالى: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم)
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٠].
قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ أي: يعينكم على عدوكم كيوم بدر.
﴿فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ أي: يترك نصركم كما حصل يوم أحد.
﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾، أي: بعد خذلانه لا ناصر لكم.
﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ لا على غيره.
﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾، أي: المؤمنون.
стр. 453
تفسير قوله تعالى: (وما كان لنبي أن يغل)
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٦١].
لما فقدت قطيفة حمراء يوم بدر قال بعض الناس: لعل النبي ﷺ أخذها، فنزلت الآية مبينة عصمته ﷺ عن ذلك، قال : ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي: ما ينبغي لنبي أن يخون في الغنيمة، فلا تظنوا به ذلك.
﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: حاملاً له على عنقه كما بين ذلك النبي ﷺ .
﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾، الغال وغيره، جزاء ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ أي: ما عملت.
﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أي: شيئاً.
стр. 454
تفسير قوله تعالى: (أفمن اتبع رضوان الله)
﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران:١٦٢].
ثم قال : ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ الله﴾ فأطاع ولم يغل.
﴿كَمَنْ بَاءَ﴾ أي: رجع.
﴿بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ لمعصيته وغلوله.
﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع.
стр. 455
تفسير قوله تعالى: (هم درجات عند الله)
﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:١٦٣].
﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: أصحاب درجات.
((عِنْدَ اللَّهِ)) أي: مختلفو المنازل، فلمن اتبع رضوانه الثواب، ولمن باء بسخطه العقاب، ودرجات الجنة تذهب علواً، ودركات النار تذهب سفلاً.
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ فيجازيهم به.
стр. 456
تفسير قوله تعالى: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً)
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤].
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: عربياً مثلهم؛ ليفهموا عنه، وليشرفوا به؛ لأن الأمم السابقة من اليهود أو النصارى كانوا يفخرون على العرب؛ لأنهم أهل علم وأهل كتاب، فقد بعث فيهم عيسى وموسى وغيرهم من الأنبياء.
هل العرب كان لهم شرف يشرفون به؟ قد يقال: كانوا يشرفون بالانتساب إلى إبراهيم ﵇.
نقول: لكن هذا الانتساب يشترك معهم فيه اليهود والنصارى، وإنما شرفوا ببعثة محمد ﵌.
﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ أي: آيات القرآن.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي: يطهرهم من الذنوب.
((وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ)) أي: القرآن.
((وَالْحِكْمَةَ)) أي: السنة، القاعدة التي ذكرناها من قبل باتفاق السلف: أن الحكمة إذا اقترنت بالقرآن في سياق الامتنان على هذه الأمة المحمدية فهي السنة.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: وإنهم كانوا من قبل بعثه.
﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي: بين.
стр. 457
تفسير قوله تعالى: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها)
﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:١٦٥].
يقول تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ بأحد حين قتل سبعون منكم.
﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ ببدر، حيث قتلتم سبعين من المشركين وأسرتم سبعين.
﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ أي: تعجبتم وقلتم: من أين لنا هذا الخذلان، ونحن مسلمون، ورسول الله فينا؟! ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، قل لهم: هو من عند أنفسكم؛ لأنكم تركتم المكان فخذلتم.
نعيد التذكير بهذا المعنى الخطير جداً فنقول: ما نحن فيه اليوم فهو من عند أنفسنا، فالعلاج الحقيقي لمن كان صادقاً أن يسعى إلى التغيير إلى الأحسن في واقع نفسه وفي واقع المسلمين، وأن يفتش كل واحد في نفسه، ينظر ما هي المخالفات التي يرتكبها؟ لأن ما نحن فيه هو عقوبة من الله، وإذا كان في شأن الصحابة قال الله لهم: ((قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ))، فماذا نقول نحن الآن؟ أغلب بيوت المسلمين فيها (التلفاز) و (الفيديو)، وعلى الأصح بدأ ينتشر (الدش).
هؤلاء يهوديات ونصرانيات يملأن الشوارع ويرتدين البنطلونات الضيقة، وهذا الفساد الذي انتشر هل الحكومة هي التي تطلع الناس على كل مظاهر الفساد؟ أم أن القسط الأعظم من الفساد هو من عند أنفسنا؟ نتفاعل مع هذا الفساد ونهرع إليه، وهناك قسط كبير جداً من المعاصي نقع فيها طوعاً واختياراً ولا يجبرنا عليها أحد، وإذا غلب الشر وظهر الفساد في الأرض أوشك أن يعمنا الله بعذاب من عنده، نسأل الله العافية!.
فإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم قد قال لهم الله : ((قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ))، مع أن الرسول كان فيهم، ومع أنهم خير أمة أخرجت للناس، فكيف بنا؟ هذا علي بن أبي طالب ﵁ في يوم من الأيام كلف بعض جنوده أو عماله بأمر، فقال لهم: (هل عملتم ما أمرتم به؟ فقالوا: نعم، قال: أما إنكم لو لم تعملوا بما أمرتم لتركبن أعناقكم اليهود والنصارى عقوبة).
﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:١٦٥] أي: ومن هذا الشيء النصر، وقد جازاكم بخلافه؛ بسبب مخالفتكم أمر النبي ﷺ بالبقاء خلف المسلمين لحماية ظهورهم.
стр. 458
تفسير قوله تعالى: (وما أصابكم يوم التقى الجمعان)
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٦].
يقول تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ أي: بأحد.
﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بإرادته.
﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا.
стр. 459
تفسير قوله تعالى: (وليعلم الذين نافقوا)
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران:١٦٧].
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ﴾ أي: والذين قيل لهم لما انصرفوا عن القتال وهم عبد الله بن أبي وأصحابه.
﴿تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أعداء الله.
((أَوِ ادْفَعُوا)) أي: ادفعوا عنا القوم بتكثير سوادكم إن لم تقاتلوا، أو المعنى: حتى لو لم تشتركوا معنا في القتال تديناً فقاتلوا دفعاً عن أنفسكم وأموالكم.
﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ لو نحسن قتالاً لاتبعناكم، لكن الأمر في نظرنا ليس إلا إلقاء بالأيدي إلى التهلكة، ونحن لا نريد أن نلقي بأنفسنا إلى التهلكة، قال تعالى تكذيباً لهم: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ أي: بما أظهروا من خذلانهم للمؤمنين وكانوا قبل ذلك أقرب للإيمان من حيث الظاهر.
﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ولو علموا قتالاً لم يتبعوكم.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ أي: من النفاق.
стр. 460
تفسير سورة آل عمران [١٦٩ - ١٨٥]
следующие страницы →