← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

تفسير قوله تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما) ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء:٣٥]. بعدما ذكر الله حكم النفور وحكم النشوز الذي يصدر من جانب الزوجة، ذكر بعده مباشرة النفور من الزوجين معاً، فقال تعالى: ((وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا)). (وإن خفتم) علمتم، (شقاق بينهما) يعني: خلاف بينهما، يعني: وجود نزاع بين الزوجة والزوج. فإذا كان النفور بين الزوجين من الطرفين: (فابعثوا حكماً). قوله تعالى: (شقاق بينهما) يعني: بين الزوجين، والإضافة للاتساع، والأصل: شقاقاً بينهما، فأضيف المصدر إلى ظرفه، كقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ:٣٣]، بمعنى: بل مكر في الليل ومكر في النهار، وهو ظرف. ((فَابْعَثُوا))، إليهما برضاهما (حكماً) رجلاً عدلاً. (من أهله) أي: من أقاربه، (وحكماً من أهلها). ويوكل الزوج حكمه في طلاق وقبول عوض عليه، وتوكل هي حكمها في الاختلاع، فيجتهدان -أي: الحكمان- ويأمران الظالم بالرجوع، أو يفرقان إن رأياه. قال سبحانه: ((إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا)). (إن يريدا) قيل: الزوجان، وقيل: الحكمان، (إصلاحاً) يعني: بصدق نيتهما فيه. ((يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا)) يعني: بين الزوجين، أي: يقدرهما على ما هو الطاعة من إصلاح، أو تفريق. ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا)) بكل شيء ((خَبِيرًا)) بالبواطن كالظواهر.

стр. 597

مهمة الحكمين بين الزوجين ومدى سلطتهما قول السيوطي رحمه الله تعالى: ويوكل الزوج، فيه اشتراط التوكيل وهو مذهب الشافعي والأحناف، ومعنى يوكله: أن صاحب السلطة الحقيقية هو الزوج لا الحكم؛ لأن مهمة الحكمين عند الشافعية والأحناف منحصرة فقط في الإصلاح، وليس لهما أي طريقة غير الإصلاح بين الزوجين إلا بتفويض من الزوجين. أما مذهب مالك فيمنح الحكمين حق الحكم بالتفريق من دون توكيل الزوجين لهما؛ لأن الحكم نفسه لا يكون حكماً إلا إذا كان له سلطة في اتخاذ مثل هذا القرار، فعند المالكية لا يفتقر إلى التوكيل؛ لأنه بوصفه حكماً له حق الطلاق حسبما يتفقان، أما عند الشافعية والأحناف فلا بد من التوكيل.

стр. 598

تفسير قوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً) قال ﵎: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء:٣٦]. (واعبدوا الله) وحدوه، (ولا تشركوا به شيئاً) كما جاء في الحديث المشهور من حديث معاذ أنه قال: (ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال ﵊: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله: أن يدخلهم الجنة) أو كما قال ﷺ . تنزل ((وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)) أي: أحسنوا بالوالدين إحساناً، يقدر فعل قبله وهو: وأحسنوا. وهذا مما يبين عظم بر الوالدين، حيث إن الله يأتي به مقترناً بالأمر بعبادته، يعني: يأتي الأمر بالتوحيد ثم يليه مباشرة الأمر ببر الوالدين. ((وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا))، الإحسان إلى الوالدين لا يتوقف على حياتهما، وإنما يمتد حتى بعد وفاتهما، وذلك بالدعاء لهما وبالتصدق عنهما وغير ذلك. ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء:٣٦]، يعني: القرابة. ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء:٣٦]. (وبذي القربى) يعني بذلك: القرابة. (واليتامى) لأن اليتامى فقدوا من يقوم بمصالحهم ومن ينفق عليهم، فأمر الله بالإحسان إليهم والحنو عليهم، تنزلاً لرحمته .

стр. 599

حقيقة المسكين والفرق بينه وبين الفقير قوله: (والمساكين) يعني: المحاويج الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم، فالذي يكون عنده من الأولاد الكثير ولا يستطيع أن يفي بحاجاتهم هو مسكين. وذكرت من قبل الفرق بين الفقير والمسكين، وقلنا: إذا اختلط عليكم الفرق بين الفقير المسكين فتذكروا الآية في سورة الكهف، ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩]، إذاً المسكين هو الذي يعمل لكنه لا يفي بحاجته. أما الفقير فلا دخل له أصلاً. فتذكر قوله: (لمساكين يعملون).

стр. 600

أنواع الجيران وحقوقهم في الإسلام قوله: ((وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى))، أي: الذي قرب جواره، أو الذي له مع الجوار قرب واتصال نسب ودين. إذاً الجيران نوعان: جار ذو قربى، وجار جنب، الجار ذو القربى هو الجار القريب الذي يكون قريباً منك إما بنسب أو رحم، وإما بدين فيكون مسلماً. ((وَالْجَارِ الْجُنُبِ)) أي: الجار الأجنبي. قال نوف البكالي: (الجار ذي القربى) يعني: الجار المسلم، (والجار الجنب) يعني: اليهودي والنصراني. ولا شك أن من محاسن الإسلام الاهتمام حتى بالجار الكافر حيث جعل له حقه وحرمته، ونزل في حفظ حقه قرآناً. وقد وردت الوصية بالجار في أحاديث كثيرة، منها: قول النبي ﷺ : (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، وهذا متفق عليه، وقال أيضاً ﷺ : (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره)، وقال ﷺ : (لا يشفع الرجل دون جاره)، وقال أيضاً ﵊ لأصحابه: (ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال ﷺ : لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره. قال: فما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرمها الله ورسوله، فهي حرام إلى يوم القيامة، قال: لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره)، وعن ابن مسعود (أنه ﷺ سئل: أي الذنب عند الله أكبر؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك) يعني: بزوجة جارك. وعن أبي العالية عن رجل من الأنصار قال: (خرجت من أهلي أريد النبي ﷺ فإذا أنا به قائم ورجل معه مقبلٌ عليه، فظننت أن لهما حاجة، قال: فقال الأنصاري: والله لقد قام رسول الله ﷺ مع هذا الرجل الذي كان معه مقبلاً عليه، ووقف وطال وقوفه مع هذا الرجل، حتى جعلت أرثي لرسول الله ﷺ من طول القيام -يعني: أشفق على الرسول ﵊ من طول القيام الذي وقفه مع هذا الرجل- فلما انطلق قلت: يا رسول الله! لقد قام بك الرجل فجعلت أرثي لك من طول القيام، قال: ولقد رأيت؟ قال: قلت: نعم، قال: هل تدري من هو؟ قال: لا، قال: ذاك جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه، ثم قال: أما إنك لو سلمت عليه لرد عليك السلام)، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد. في هذا الحديث لنا أن نتخيل وقوف الرسول ﷺ الطويل، وهذا يدل على أن الرسول ﷺ كان من أقوى الناس بدناً، وكان إذا صارع أبطال العرب في المصارعة كان يصرعهم ﵊، ومع هذه القوة أشفق عليه الصحابي من طول القيام، فلك أن تتخيل ما مدة هذا القيام؟! وهذا الوقوف الطويل لم يكن في أمر وحكم عادي بل توقع الرسول ﷺ أن جبريل ﵇ سيورث الجار، مع الأب والأم والابن وغير ذلك. إذاً: المسلم يتعبد الله بحفظ حقوق الجار، حتى وإن قدر على أذيته أو الانتقام منه فإنه لا يفعل ذلك؛ لأنه ينزجر خوفاً من الله ، ورعاية لحق الله، فالدافع إلى الإحسان في الإسلام هو رقابة الله وليس أن يقابل بالمثل. إذاً: ما نجده في مجتمعات المسلمين اليوم هو أبعد ما يكون عن آداب الإسلام، حتى إن الجار لا يعرف اسم جاره في البنايات الجديدة، ونادراً ما تجد رغبة في التقارب أو أداء حقوق الجوار، هذا إذا لم يحصل الأذية، بل تجد صوراً كثيرة من الأذى وأحياناً تكون باسم الدين، كهذا الذي يستعمل مكبرات الصوت لسماع القرآن الكريم، هذه الصورة تؤذي الشيخ الكبير والطفل والمرأة والمريض وغيرهم، هل يصح أن يستعمل القرآن بهذه الصورة التي تعرفونها لأذية الناس، فضلاً عن الحفلات والأفراح وما يكون فيها من الأذية، فهذا كله من أذى الجار وهذا من الذنوب. وعن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ فقالت: (إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك باباً). وروى الإمام مسلم عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أبا ذر! إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك)، أكثر ماءها حتى تستطيع أن توزع منه على جيرانك، وفي رواية: (إذا طبخت مرقاً فأكثر ماءه ثم انظر إلى أهل بيت من جيرانك فأصبهم منه بمعروف). وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن! قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه)، ولـ مسلم: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه)، يعني: غوائله وشروره ومؤامرته وأذيته، وقال ﷺ : (يا نساء المؤمنات! لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة)، يعني: الظلف الذي يكون محرقاً، والمقصود: حتى لو كان شيئاً حقيراً فأهده لجارتك، وقال ﷺ أيضاً في الحديث المتفق عليه: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذ جاره). يقول تعالى: ((وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ)) هذه الآية عامة في الجيران سواء كان الجار يهودياً أو نصرانياً أو مسلماً، والمسلم له حق أعلى بلا شك، باعتبار أنه جار ذو قربى، يعني: إما أن يكون قريب المكان كما قال ﵊: (أهدي إلى أقربهما منك باباً)، ومعنى هذا: أن جار القربى مقدم على غيره حتى ولو كان غير مسلم.

стр. 601

أقوال المفسرين في الصاحب بالجنب قال تعالى: ((وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ)). يقول السيوطي: الرقيق في سفر أو صناعة، وقيل: الزوجة. فانظر كيف أخلاق الإسلام لم تفوّت شيئاً، ما من شيء إلا فيه ما يرضي الله ﵎ ويصلح حال العباد. (والصاحب بالجنب) قال سعيد بن جبير: هو الرفيق الصالح. وقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر، يعني: إذا رافقك رجل في السفر فهو داخل فيمن أوصى الله بالإحسان إليه، فهو صاحب بالجنب؛ لأن الذي يرافقك في السفر كالجار. يقول الزمخشري: هو الذي صاحبك بأن يكون بجنبك. (والصاحب بالجنب) يعني: قدر أن تكون بجواره، وبجنبه، هذا معنى الصاحب بالجنب، إما يكون رفيقاً في سفر، أو جاراً ملاصقاً، أو شريكاً في تعلم علمٍ، حتى زميلك في المدرسة أو في الكلية الذي يجلس إلى جوارك هو صاحب بالجنب، والذي يجلس بجوارك في مجلس أو مسجد هو صاحب بالجنب، له حق عليك، وعليك أن تراعي ذلك الحق ولا تنساه، وتجعله ذريعة إلى الإحسان، وقد روي عن علي وابن مسعود أنهما قالا: (الصاحب بالجنب هي المرأة) أي: الزوجة؛ لأنها تكون معك وتضطجع إلى جنبك، وقد سبق أن ذكرنا قول بعض الشعراء: صحبة يوم نسب قريب وذمة يعرفها اللبيب

стр. 602

وصف ابن السبيل وحكمه قوله: ((وَابْنِ السَّبِيلِ))، كل هذا داخل فيمن ذكر الله تعالى ممن له حق. ((وَابْنِ السَّبِيلِ)) هو المنقطع في سفره، والمقصود به: المسافر الغريب الذي انقطع عن بلده وأهله، وهو يريد الرجوع إلى بلده ولا يجد ما يتبلغ به، وابن سبيل حتى لو كان ثرياً في بلده وانقطعت به السبيل فهو يستحق من الزكاة. نسب ابن السبيل إلى السبيل -الذي هو الطريق- لمروره عليه، وملابسته وملازمته له، فهو لا يستطيع أن يتحرك منه إلى بلده؛ لأنه لا يجد ما يبلغه، أو الذي يريد غير بلده لأمر يلزمه، فهذا يعطى قدر ما يتبلغ به إلى وطنه. وقال ابن بري: ابن السبيل هو: الذي أتى به الطريق، ولم يذكر السلف من المفسرين وأهل اللغة (السائل) في معنى ابن السبيل؛ لأنه جاء تابعاً لابن السبيل في البقرة من قوله: ((لَيْسَ الْبِرَّ)) إلى قوله تعالى: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة:١٧٧]. وقال بعضهم في تعريف ابن السبيل: ومنسوب إلى ما لم يلده كذاك الله نزل في الكتاب ومنسوب إلى ما لم يلده، أي: ابن السبيل منسوب إلى السبيل.

стр. 603

حقوق الرقيق في الإسلام قال تعالى: ((وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)) من الأرقاء المماليك؛ لأنهم ضعفاء الحيلة فهم في أيدي الناس كالمساكين لا يملكون شيئاً، وقد ثبت أنه ﷺ جعل يوصي أمته في مرض موته بقوله: (الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم)، وقال ﷺ : (ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة). وأيضاً موضوع الرق في الحقيقة من المواضيع المهمة جداً التي تثير كثيراً من التساؤلات، وإن شاء الله فيما بعد نفصل الكلام في موضوع الرق في الإسلام. وعن عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له: (هل أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا، قال: انطلق فأعطهم فإن رسول الله ﷺ قال: كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته)، وهذا رواه مسلم، يعني: يحبس عمن يملك قوته كالمملوك وغيره. فقال ﵊: (للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق)، وقال أيضاً ﷺ : (إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يطعمه معه، فليناوله لقمة أو لقمتين؛ فإنه ولي حره وعلاجه) متفق عليه. فهذه من الآداب التي ينبغي أن يلتزم بها المسلم تجاه الخادم؛ لأنه الذي يعينه على تحصيل قوته، فهو يشتري الطعام ويتولى إنضاجه وطبخه وغير ذلك، ثم تستأثر أنت به، ويجلس هو يتأذى بريح القدور، هذا ليس من أدب الإسلام في شيء، لكن أكمل صورة أن تجلسه معك، ويشاركك في الطعام، فإن لم تجلسه معك فناوله لقمة أو لقمتين؛ لأنه هو الذي ولي حره، وهو الذي عالج هذا الطعام حتى نضج فصار له فيه شيء من الحق. وقال ﷺ في هؤلاء العبيد والرقيق: (إخوانكم خولكم -يعني: ملككم- جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم) متفق عليه.

стр. 604

ذم الاختيال والفخر والدافع لهما قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا)). (مختالاً) أي: متكبراً عن الإحسان إلى من أمر ببره. لماذا الاختيال بالذات؟ لأن الاختيال قد يكون كبراً، وقد يكون هو المانع الذي يمنع الرجل الذي أنعم الله عليه بالنعم أن يحسن إلى من أُمر ببره، فتجد الرجل الغني قد يستنكف عن أن يجلس بجوار خادمه أو رقيقه، وغير ذلك. (فخوراً) هو الذي يعدد مناقبه ويقول: أنا فعلت وفعلت وغير ذلك تكبراً واختيالاً. إنما خص الله تعالى هذين الوصفين بالذم في هذا الموضع؛ لأن المختال هو المتكبر، وكل من كان متكبراً فإنه قلما يقوم برعاية الحقوق، بل يتجاهل حقوق الناس ومنزلتهم، كما قال النبي ﷺ : (الكبر بطر الحق وغمط الناس). (فخوراً) أي: أنه لا يقدم على رعاية هذه الحقوق لأجل الرياء والسمعة؛ بل لرد أمر الله ﵎. عن أبي رجاء الهروي قال: لا تجد سيئ الملَكة وسيئ الخلق وحسوداً إلا وجدته مختالاً فخوراً، هذه صفة أساسية، وتلا هذه الآية: ((وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا)). ثم قال: ولا عاقاً إلا وجدته جباراً شقياً، وتلا قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم:٣٢]، وقد ورد في ذم الخيلاء والفخر الكثير من الأدلة من الكتاب والسنة.

стр. 605

تفسير قوله تعالى: (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) قال ﵎: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء:٣٧]. (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) أي: يبخلون بما يجب عليهم من الحقوق. (وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) أي: هم في أنفسهم لا ينفقون ويعز عليهم أن يروا غيرهم ينفقون في سبيل الله ﵎، فيبخلون بما في أيديهم، وكذلك يبخلون بما في أيدي غيرهم، فتراهم يأمرون الناس بأن يبخلوا به مقتاً للسخاء ممن وجد، وفي أمثال العرب: أبخل من الضنين بنائل غيره، يقول الشاعر: وإن امرأً ظنت يداه على امرئ بنيل يد من غيره لبخيل يقول الزمخشري: ولقد رأينا ممن بلي بداء البخل من إذا طرق سمعه أن أحداً جاد على أحد سقط به وحل حبوته، واضطرب ودارت عيناه في رأسه، كأنما نهب رحله، وكسرت خزانته ضجراً من ذلك وحسرة على جوده. ((وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ))، أي: من المال والغنى، يكون الله قد أعطاهم النعم والغنى فيظهرون الفقر ويكتمون هذه النعم؛ كذلك إذا كانوا موسرين يظهرون الإعسار والعجز بقدر إمكانهم. ((وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا))، فهو وضع الظاهر موضع المضمر إشعاراً بأن من هذا شأنه فهو كافر بنعمة الله تعالى، ومن كان كافراً بنعمة الله تعالى فله عذابٌ يهينه كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: الذين يبخلون بما يجب عليهم ويأمرون الناس بالبخل، ((وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)) من العلم والمال، وهم اليهود كانوا يقولون للأنصار: لا تنفقوا أموالكم على محمد ﷺ إنما نخشى عليكم الفقر، وكانوا أيضاً يكتمون ما علموه من صدق النبي ﷺ ، ولا يقولون الحق وهم يعلمون خبر المبتدأ في قوله: (وأعتدنا) محذوف تقديره: لهم وعيد شديد. (للكافرين) بذلك وبغيره، (عذباً مهيناً) أي: ذا إهانة.

стр. 606

تفسير قوله تعالى: (والذين ينفقون أموالهم ويؤت من لدنه أجراً عظيماً) ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا * وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا * إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٣٨ - ٤٠]. قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [النساء:٣٨] (والذين) عطف على الذين في الآية قبلها. (ينفقون أموالهم رئاء الناس) يعني: مرائين لهم. ﴿وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٣٨] يعني: كالمنافقين وأهل مكة، ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾ [النساء:٣٨] أي: صاحباً يعمل بأمره كهؤلاء. ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء:٣٨]، أي: فبئس القرين هو. قال تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٩] يعني: أي ضرر عليهم في ذلك؟ والاستفهام للاستنكار و (لو) مصدرية، أي: لا ضرر فيه، وإنما الضرر فيما هم عليه من البخل والشح، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء:٣٩] أي: فيجازيهم بما عملوا. قال ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠]. (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ) أحداً (مِثْقَالَ) أي: وزن (ذَرَّةٍ) ويطلق على أصغر نملة، بأن ينقصها من حسناته أو يزيدها في سيئاته. الله منزه عن هذا القدر الضئيل من الظلم، فلا يزيد في السيئات مثقال ذرة، ولا ينقص من الحسنات هذا المثقال. ثم قال تعالى: ((وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا))، وإن تك هذه الذرة حسنة -شريطة أن تكون من مؤمن- فإنه يضاعفها، وإن قرئت: (وإن تك حسنةٌ) بالرفع على أن (كان) تامة، وحسنة: تكون فاعلاً فجائز. قوله: (يضاعفها) أي: من عشر إلى أكثر من سبعمائة، وفي قراءة: (وإن تك حسنةً يُضَعّفْها) يعني: الله من عدله إذا هم الإنسان بالسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه بها شيء، أما إذا هم بها فعملها ففي هذه الحالة تكتب عليه سيئة. أما المكفرات فكثيرة جداً التي قد يكفر بها عنه، أما الحسنة فبعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ويضاعف بعد ذلك لمن يشاء فوق السبعمائة ضعف، وفي ذلك قال بعض العلماء: الويل لمن غلبت آحاده عشراته. يعني: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله ، والسيئة بمثلها إلا أن يعفو الله عنها، فهذا الرجل عنده رصيد من الخطايا والآثام -التي هي بالآحاد- غلبت العشرات بل المئات من الحسنات، معنى ذلك: أن هذا إنسان مصر على معصية الله ، ومتفنن في ذلك، حتى إن آحاده غلبت عشراته، فمثل هذا يستحق فعلاً أن يهلك والعياذ بالله، فلا يهلك على الله إلا هالك. قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ)) لا يبخس أحداً من ثواب عمله، ولا يزيد في عقابه شيئاً مقدار ذرة، وهي النملة الصغيرة في قول أهل اللغة، قال ثعلب: مائة من الذر زنة حبة شعير، يعني: المقصود بهذه الآية ضرب المثل بأقل الأشياء، ولا نحتاج إلى التعسف من بعض الناس حيث يقومون بحمل ألفاظ القرآن الكريم على ما استحدث من الاصطلاحات الآتية، كأن يتكلم بعضهم عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، فيقول: القرآن أخبر بأن الذرة ليست هي أصغر مكونات المادة، بل هنا الذرة تنقسم إلى الإلكترونات، أو النيترونات إلى آخره، ويقول: القرآن الكريم يبين ذلك، أين هذا أيها المدعي؟! فيقول: ((لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ)) إلى قوله: ﴿وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ﴾ [سبأ:٣]، أي: أن هناك أصغر من الذرة. لكن كلمة (الذرة) إذا أطلقت في العرف أو في لغة العرب فإن أذهانهم تنصرف إلى هذا المعنى الصارف الآن. الذرة بسهولة عند العرب أصغر شيء في نظرهم، حتى إنهم كانوا يقولون: هي النملة الصغيرة، فخرج الكلام هنا على أصغر شيء يعرفه الناس. ونحن إذا عرفنا ما هو أصغر من الذرة، فهل الله يظلم أقل من الذرة؟ الله منزه عن الظلم: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا). ((وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا)) أي: يضاعف ثوابها، ((وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ)) أي: زيادة على هذه الأضعاف، (من لدنه) أي: بما يناسب عظمته على سبيل التفضل. ((أَجْرًا عَظِيمًا)) أي: عطاءً جزيلاً، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً، منها: قوله ﵊ في حديث الشفاعة الطويل يقول الله : (ارجعوا، فمن وجدتم معه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه من النار. وفي لفظ: (أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوهم من النار، فيخرجون خلقاً كثيراً). ثم يقول أبو سعيد اقرءوا إن شئتم: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ))).

стр. 607

تفسير قوله تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد) يقول ﵎: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١]. كيف يكون حال هؤلاء الكفار؟! علاقة هذه الآية بما قبلها أن الله ﵎ بين في الآخرة أنه لا يظلم أحداً، وأنه تعالى يجازي المحسن بإحسانه ويزيده على فضل حقه. فبين تعالى في هذه الآية أن عملية الحساب والجزاء بالحسنات والسيئات كذلك يتم بحضور الرسل وشهادتهم، الذين جعلهم الله الحجة على خلقه، لتكون الحجة على المسيء أبلغ، والتنكيل له أعظم، وحسرته أشد، ويكون السرور ممن أظهر الطاعة أعظم، وهذا وعيد للكفار الذين قال الله فيهم: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ))، ووعد للمطيعين الذين قال الله فيهم: ((وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا))، وعادة العرب أنهم يقولون في الشيء الذي يتوقعونه فيما بعد: كيف بك إذا كان كذا وكذا؟! كيف بك إذا فعل فلان كذا وكذا؟! أو كيف بك إذا جاء وقت كذا؟! (فكيف إذا جئنا) أي: كيف ترون يوم القيامة إذا استشهد الله على كل أمة برسولها، واستشهدك على هؤلاء؟! يعني: المخاطبون بالقرآن هم قومه الذين شاهدهم وعرف أحوالهم. ثم إن كل أهل عصر يشهدون على غيرهم ممن شاهدوا أحوالهم، وعلى هذا الوجه قال عيسى ﵇: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة:١١٧]، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ﴾ [النحل:٨٩]، ﵌. وروى الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (اقرأ عليّ، فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾، فقال: حسبك الآن، فإذا عيناه تذرفان ﷺ ، معنى ذلك: أن الرسول ﵊ بكى تعظيماً لهذا الموقف حين يكون في موقف الشاهد، وهذا حال الشاهد ﷺ ، فكيف يكون حال المشهود عليه؟! وكان ﵊ يبكي ويشفق من ذلك الموقف، حتى قال: (شيبتني هود وأخواتها)، لما فيها من تصوير أهوال يوم القيامة، وهو ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وفضله على العالمين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. ((فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ)) كيف يكون حال هؤلاء الكفار إذا جئنا من كل أمة بشهيد -وهو نبيها- يشهد عليها بعملها، (وجئنا بك) أي: يا محمد ﷺ (على هؤلاء شهيداً).

стр. 608

تفسير قوله تعالى: (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول) ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ﴾ [النساء:٤٢]. (يومئذ) أي: يوم هذا المجيء. (يود الذين كفروا لو) (لو) بمعنى: أن المصدرية. (تسوى) بالبناء للمفعول أو بالبناء للفاعل، مع حذف إحدى التاءين بالأصل، ومع إدغامها في السين، يعني: تقرأ: (وعصوا الرسول لو تُسَوّى) أو: (لو تَسّوّى بهم الأرض) يعني: يتمنون بأن يكونوا تراباً مثلها لعظم هول ذلك اليوم. ((يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ)) أي: يتمنون أن يتحولوا إلى تراب، كل أمتي يوم القيامة في هذا الموقف؛ حتى لا يحاسبوا ولا يعذبوا، كما قال ﵎: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠]. قوله تعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤٢] أي: أنهم يعترفون بجميع ما فعلوه، فهم لا يقدرون على كتمانه؛ لأن جوارحهم هي التي ستشهد عليهم، فهم يودون أن يدفنوا في الأرض حال كونهم لا يكتمون الله حديثاً، ولا يكذبونه بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣] أي: مع كل الجرائم التي ارتكبوها في الدنيا يأتون يوم القيامة وهم يحسبون أن الكذب يمكن أن ينجيهم، فأي حيلة يتوقعون منها فائدة يسلكونها؛ فلذلك يحلفون أمام الله يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]، كما روى ابن جرير عن الضحاك: أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس ﵄ فقال: (يا ابن عباس، قول الله تعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾. وقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]) كأنه يسأل عن الجمع بين هاتين الآيتين؛ لأن فيها نوعاً من الإشكال فهو يستوضح، فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت: ألقي على ابن عباس متشابه القرآن. فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله تعالى جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد فيقول المشركون: إن الله لا يتقبل من أحد شيئاً إلا ممن وحده، فيقولون: تعالوا نجحد، فسألهم فقالوا: والله ربنا ما كنا مشركين، قال: فيختم الله على أفواههم ويستنطق جوارحهم، فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين، فعند ذلك يتمنون لو أن الأرض سويت بهم ولا يكتمون الله حديثاً.

стр. 609

تفسير سورة النساء [٦٩ - ٧٢]

стр. 610

تفسير قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول) انتهينا في تفسير سورة النساء إلى الآية التاسعة والستين إلى قوله ﵎: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]. قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ) يعني: في طاعة الله طاعة رسوله ﷺ ، لكن ذكره ﵌ جاء تشريفاً لقدره وتنويهاً باسمه ﷺ (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا).

стр. 611

تفسير آية النساء لآية الفاتحة هذه الآية هي تفسير لقوله ﵎ في الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] فهذه الآية تبين الذين أنعم الله عليهم، والذين أجمل ذكرهم في سورة الفاتحة، فهؤلاء الذين أوجب الله علينا في اليوم والليلة سبع عشرة مرة على الأقل أن نسأله أن يهدينا صراطهم، هم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وما ذكر في هذه الآية أيضاً هو المراد من قوله ﵌ عند موته: (اللهم الرفيق الأعلى) يعني: أسألك الرفيق الأعلى. والرفيق الأعلى هم المذكورون في هذه الآية: (الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين). وفي البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة). وتقول: (وكان ﵌ في شكواه الذي مرض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، قالت: فعلمت أنه خير) يعني: أم المؤمنين عائشة ﵂ لما سمعته ﵌ يقول: (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين تقول: فعلمت أنه خير) فهذه الرواية أيضاً تفسر قوله في الرواية الأخرى: (بل الرفيق الأعلى) فمعنى ذلك: أن الرفيق الأعلى هم المذكورون في هذه الآية الكريمة.

стр. 612

الحكمة من عدم ذكر المنعم به في الآية لم يذكر الله ﵎ المنعم به ولم يعينه إشعاراً بأن النعمة التي أنعمها عليهم تقصر كل عبارة دون وصفها، فإن دار النعيم فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فلا تقوى عبارة مهما كانت على وصف هذا النعيم. قوله: ((من النبيين)) أي: الذين أنبأهم الله أكمل الاعتقادات والأحكام، وأمرهم بإنبائها الخلق كلاً بمقدار استعداده.

стр. 613

الصديقية ومنزلتها وفضلها وحقيقة الشهداء والصالحين قوله: (الصديقين) الصديقين: جمع صديق، وهو المبالغ في صدق ظاهره بالمعاملة، وباطنه بالمراقبة، صادق في ظاهره في العبادات والمعاملات، وفي باطنه بمراقبة الله ، أو هو الذي يصدق قوله فعله. وقال الرازي: للمفسرين في الصديق وجوه: الأول: أن كل من صدق بكل الدين ولا يتخالجه فيه شك فهو صديق، أي: فالصديق مبالغة من التصديق بكل ما جاء من أمر الدين. والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد:١٩]. الثاني: قال قوم: الصديقون أفاضل أصحاب النبي ﵌. الثالث: أن الصديق اسم لمن سبق إلى تصديق الرسول ﷺ ، فصار في ذلك قدوة لسائر الناس، وإذا كان الأمر كذلك فـ أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أولى الخلق بهذا الوصف، فإن أعظم الصديقين على الإطلاق هو أبو بكر ﵁، فهو أفضل البشر بعد الأنبياء، وأعظم الأولياء وأحبهم إلى الله . ثم جود الرازي الكلام في سبقه رضي الله تعالى عنه إلى التصديق، وفي كونه صار قدوة للناس في ذلك؛ لأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لما صدق وبادر بتصديق النبي ﷺ بمجرد ما علم أنه أرسل أو نبئ صار قدوة لمن تبعه على الإسلام بعد ذلك. في هذه الآية أيضاً دليل على صحة إمامة أبي بكر رضي الله تعالى عنه؛ لأن هذه الآية تدل على إنعام الله على هؤلاء الصديقين، وأجمع المسلمون على تسمية أبي بكر بـ الصديق، فدل على أوليته وأحقيته بالإمامة دون من عداه. (والشهداء) يعني: الذين استشهدوا في سبيل الله ﵎. (والصالحين) الذين صلحت أحوالهم وحسنت أعمالهم.

стр. 614

مرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة (وحسن أولئك) يعني: هؤلاء المذكورين. (رفيقاً) يعني: في الجنة، والرفيق الصاحب، سمي رفيقاً لارتفاقك به وبصحبته. (وحسن أولئك رفيقاً) يمكن أن يقال: رفقاء، هنا عبر عن الجمع بالواحد؛ لأن هذا يحصل من العرب كثيراً في كونهم يعبرون عن الجمع بالواحد، كالصديق أو الخليل كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور:٦١] والجملة تذييل مقرر لما قبله مؤكد للترغيب والتشويق. وقوله تعالى: ((وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا)) فيها معنى التعجب كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقاً!

стр. 615

فوائد مستقاة من قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم) هنا بعض التنبيهات المتعلقة بهذه الآية الكريمة: أولها: أنه ليس المراد أن يكون من أطاع الله وأطاع الرسول ﷺ مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في درجة واحدة؛ لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، بينما لا يمكن أن تكون مرتبة ومنزلة واحد من عوام المسلمين في الجنة كمرتبة الرسول ﵌، أو كمرتبة أبي بكر وعمر وغير هؤلاء المذكورين. لكن المقصود أن أولئك يكونون معهم في دار واحدة، يعني: تضمهم دار واحدة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان؛ لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضاً، وإذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا عليه. فهذا هو المراد من هذه المعية، يعني: يمكنهم أن يتلاقوا وأن يتزاوروا، فهم مع الذين أنعم الله عليهم جميعاً في دار واحدة وهي الجنة، وإن تفاوتت مراتبهم ومنازلهم، فهم يتفاوتون ولكنهم يتزاورون، وكل من فيها قد رزق الرضا بما أعطاه الله ، وقد ذهب عنه اعتقاد أنه مفضول؛ لأنه لن يشعر بأن غيره أفضل منه، حيث ينزع منه هذا الشعور حتى لا يكدر عليه هذا النعيم، فلا يحس أن غيره أفضل منه، بل رزق الرضا بما أتاه الله ، كما قال : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الحجر:٤٧]. ثانيها: أنه لا مرتبة بعد النبوة في الفضل والعلم أفضل من مرتبة الصديقية، ولذلك أينما ذكر في القرآن الصديق والنبي لم يجعل بينهما واسطة كما قال في صفة إدريس: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٦] وقال هنا: ((فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ)) فهو يقرن دائماً بين الصديقين والأنبياء، وإذا ترقيت في النطق من الصديقية وصلت إلى النبوة، وإن نزلت من النبوة ستجد أسفل الأنبياء مباشرة الصديقين ولا متوسط بينهما، وقال : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] فلم يجعل بينهما واسطة. وكما دلت هذه الدلائل على نفي الواسطة فقد وصف الله هذه الأمة بأنها خير أمة، والأمة أجمعت على جعل أبي بكر حتى جعلوا الإمام بعد الرسول ﷺ ، فلم توجد واسطة بين النبي ﷺ وبين أبي بكر في الخلافة، وإنما خلفه مباشرة أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وتحقق عموم قوله في شأن الصديق رضي الله تعالى عنه: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] وقال له النبي ﷺ : (يا أبا أبكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!). فتحقق هذا الأمر فلم يطلق لقب: خليفة رسول الله إلا على أبي بكر؛ لأنه في عهد عمر رضي الله تعالى عنه قالوا: لو ظللنا كلما أتى خليفة جديد نضيف له هذا اللفظ لطال جداً، يعني: إذا قيل في حق أبي بكر: خليفة رسول الله، ثم قيل في حق عمر: خليفة خليفة رسول الله، وفي حق الثالث: خليفة خليفة خليفة رسول الله، فإن الأمر سيطول، فمن لذلك رأوا أن يستبدلوها بلقب أمير المؤمنين. فشاء الله أن يختص أبا بكر بهذه النسبة، وأن يكون الله ثالثهما، كما في الحديث: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما) فعبارة خليفة رسول الله قرن فيها اسم أبي بكر بالرسول ﵌، فأيضاً لما توفي رضي الله تعالى عنه دفنوه إلى جنب رسول الله ﵌، وما ذاك إلا أن الله تعالى رفع الواسطة بين النبيين والصديقين في هذه الآية. فمن ثم ارتفعت الواسطة بينهما في هذه الوجوه التي ذكرناها.

стр. 616

سبب نزول قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم) أما سبب نزول هذه الآية فعن سعيد بن جبير قال: (جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ وهو محزون، فقال له النبي ﷺ : يا فلان! ما لي أراك محزوناً؟ قال: يا نبي الله! شيء فكرت فيه، قال: وما هو؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغداً ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد النبي ﷺ شيئاً فأتاه جبريل بهذه الآية: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ)) فبعث النبي ﷺ فبشره). وقد روي هذا الأثر مرسلاً عن مسروق وعن عكرمة وعامر الشعبي وقتادة وعن الربيع بن أنس، وروي في بعض الآثار أن ذلك الصحابي الذي حصل معه هذا هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أري الأذان. بل ذكر مكي ولم يذكره بسنده: (أنه لما مات النبي ﷺ قال عبد الله بن زيد: اللهم! أعمني حتى لا أرى شيئاً بعده، فعمي مكانه)، ولو صح أنه دعا على نفسه بالعمى حتى لا تقع عينه على شيء بعد رسول الله ﵌، وأن ذلك وقع لاشتهر ولشاع، فيبعد أن يصح مثل هذا خاصة وأن الرسول ﵊ علمنا الدعاء بالعافية.

стр. 617

من أسباب مرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة في معنى هذه الآية أيضاً ما رواه مسلم في صحيحه عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: (كنت أبيت مع رسول الله ﵌ فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: سل، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، -أي: أسألك- أن تدعو لي بمرافقتك في الجنة- فقال: أوغير ذلك؟ قال: هو ذلك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود) يعني: لا تحصل هذه المنزلة إلا بكثرة السجود. ومن الأحاديث في نفس هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد عن عمرو بن مرة الجهني قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان، فقال رسول الله ﷺ : من مات على ذلك كان مع النبيين والشهداء يوم القيامة هكذا، ما لم يعق والديه، ونصب أصبعيه). وقال ابن كثير: وأعظم من هذا كله بشارة ما ثبت في الصحيح والمسانيد وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة: (أن رسول الله ﷺ سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ فقال: المرء مع من أحب، المرء مع من أحب، قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث، ثم قال أنس بن مالك: والله! إني لأحب رسول الله ﷺ وأحب أبا بكر وعمر وأرجو أن يبعثني معهم، وإن لم أعمل بعملهم). إذاً: هذا من أوثق الأسباب التي يتعلق بها الإنسان كي ينال هذه المراتب العالية، لا بالأماني والغرور ولكن بالاجتهاد في الطاعة وفي العبادة. انظر! مجرد محبة هؤلاء الصالحين تنفعك في الآخرة، وتنال هذا الثواب العظيم: (المرء مع من أحب). وقوله: (المرء مع من أحب) هذا عام يشمل كل من يحب أحداً من المخلوقين، فالذي يحب المغنين والممثلين والمطربين وأبطال الكرة والرياضة يكون معهم، والذي يحب الظلمة والمتجبرين يكون معهم، وكذلك الذي يحب الرسول ﵊ والذي يحب الصحابة فإنه يكون معهم. فإذاً: من الأسباب التي توصل إلى المراتب العالية في الجنة الاجتهاد في محبة الصالحين، كما قال الإمام ابن المبارك رحمه الله تعالى: أحب الصالحين ولست منهم، وأبغض الطالحين وأنا شر منهم. وقال الإمام الشافعي: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأبغض من تجارته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعة على أي الأحوال؟ فمحبة الصحابة من أعظم الأسباب التي يرجى أن تنفع صاحبها يوم القيامة، وبالعكس من وجد في قلبه والعياذ بالله بغضاً لأحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم فهذا نذير شؤم عليه، ونذير سوء عاقبة؛ لأن من يكون في صف مقابل ومضاد لصف فيه أبو بكر وعمر فسوف يوليه الله الظالمين مثله، قال : ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٩]. فينبغي على كل من وجد في قلبه شيئاً على أحد من الصحابة أن يطهر قلبه منه، وللأسف الشديد كنت أتحدث مع بعض الناس عن مسألة الصحابة ﵃ وما ينبغي لهم من المحبة في قلوبنا، والجميل الذي في أعناقنا، ونذكر ما بذله لنا الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فوجدت أن بعض الناس الذين نشئوا على المناهج الدراسية في ظل الثورة المشئومة يحطون من قدر عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، فالمسلم المنصف مهما قرأ فإنه لا يتصور أن هذا هو الشخص الذي درست شخصيته في التاريخ، وصارت الصورة منطبعة في ذهن الكثيرين بشكل مشوه، حتى إن أغلب الناس نتيجة تربيتهم منذ نعومة أظفارهم يبغضون عمرو بن العاص ويبغضون معاوية رضي الله تعالى عنهما وغيرهما من الصحابة؛ لأن الخبثاء يعمدون إلى شخصيات مثل شخصية عمرو بن العاص فيشوهون صورته كذباً وزوراً، مع أنه هو الذي فتح مصر وطهرها من الوثنية والرجس والأوثان والكفر المبين، وهو الذي جعله الله سبباً لأن يخرجنا من الظلمات إلى النور، وأعداء الدين يريدون أن يقطعونا عن هذه الجذور. فلو أن كل أمم الأرض خاضوا في حق عمرو بن العاص لكان واجباً على المصريين بالذات أن لا يخوضوا معهم أبداً، بل الواجب عليهم أن يذبوا عنه ويستغفروا له ويترضوا عنه رضي الله تعالى عنه. عمرو بن العاص وأمثاله من الصحابة -الذين تتطاول عليهم الأقلام المسمومة- داخلون في عموم نصوص القرآن والسنة التي تحث على محبة الصحابة واحترامهم، وهي كثيرة جداً. والله قد قسم المؤمنين إلى ثلاثة أقسام: المهاجرين، والأنصار، ومن يحب المهاجرين والأنصار، فمن ليس من هؤلاء الأقسام الثلاثة فليس من المؤمنين، إما أن تكون مهاجرياً أو أنصارياً وهم الصحابة ﵃، أو تكون ممن أتى بعدهم محباً لهم، فإذا لم تحبهم فلست منهم وليسوا منك. يقول سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] أي: المهاجرون، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] أي: الأنصار، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. فمن وجد في قلبه غلاً لواحد من الصحابة فهذا علامة نفاقه، كما قال النبي ﷺ : (آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار). وأيضاً يقول الله في وصف الصحابة رضي الله تعالى عنهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح:٢٩] معنى ذلك: أن الصحابة مدحوا في الكتب السابقة قبل أن يخلقوا، فصفتهم المذكورة هنا في سورة الفتح هي هي تماماً كما وجدت في التوراة التي أنزلها الله على موسى، وفي الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى ﵇. ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]. قال الإمام مالك: فمن وجد في قلبه غيظاً من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فهو ليس من المؤمنين بل هو من الكفار. فنذير شؤم على أي إنسان أن ينساق وراء هؤلاء الزنادقة والملاحدة الذين يعتلون الآن جميع المنابر الإعلامية، ومناهج التعليم، فصار سمهم منتشراً في كل مكان، بحيث لا ينجو منهم إلا من أراد الله أن يعافيه من هذا البلاء المستطير، ففي هذا الزمان العجيب لا يكاد يخلو أحد من هذه السموم، فواجبنا أن نطهر قلوبنا وقلوب أبنائنا من سموم المناهج التعليمية، خاصة التي تتطاول على الصحابة. ترى هؤلاء الخبثاء يحرصون على أن يسموا الفتح الإسلامي بالفتح العربي؛ حتى يهربوا من كلمة الفتح الإسلامي. كذلك فتح باب المعاداة لبعض الصحابة خاصة عمرو بن العاص ومعاوية ﵄، وما يتبع ذلك من الطعن فيهم وفي غيرهم من الصحابة معناه: أننا نطعن في القرآن والسنة، وهذا هو غرض أعداء الدين. من الذي أدى إلينا هذا الدين؟! ومن الذي حمل إلينا القرآن والسنة؟ إنهم الصحابة، فإذا طعنت في الصحابة كان ذلك طعناً في القرآن والسنة. ولذلك يقول الإمام أبو زرعة رحمه الله تعالى: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، فالصحابة هم الذين نقلوا إلينا القرآن والسنة، وإنما يريدون بذلك أن يجرحوا شهودنا ليعطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة). ومعنى ذلك: أن من رأيته يسب أحداً من الصحابة أو ينطوي قلبه على عداوة لأحد من الصحابة فاعلم أنه منافق. على أي الأحوال هذا الشخص الذي كنت أتكلم معه يقول: مهما تعلمت رغم حبي الشديد للصحابة واجتهادي في محبتهم لكن أجد من الصعب أن يتخلص قلبي مما بذر في مناهج التعليم التي تعلمناها منذ نعومة أظفارنا من موقف عدائي تجاه عمرو بن العاص، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! الصحابي الذي طهرنا من النصرانية، وطهرنا من الفرعونية، وطهرنا من الشرك، وأنار بلادنا بعد ظلمة الكفر، يكون جزاؤه أن نحمل في صدورنا غلاً عليه رضي الله تعالى عنه. كيف وهو يدخل في كل العمومات التي فيها مدح الصحابة من القرآن أو السنة! فضلاً عما اختص به، كقول النبي ﷺ : (ابنا العاص مؤمنان عمرو وهشام) فالرسول ﷺ يشهد له بالإيمان وأنت تطعن فيه وتتطاول عليه. ومن أعظم مناقب عمرو بن العاص ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، وجهاده في سبيل الله ، وأنه يدخل في قول النبي ﵌: (دعوا لي أصحابي، والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).

стр. 618

تفسير قوله تعالى: (ذلك الفضل من الله) يقول ﵎: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء:٧٠] (ذلك) مبتدأ، وهي بمعنى: هذا الذي تقدم، والخبر الفضل من الله، أو (الفضل) تكون بدلاً (من الله) تكون خبراً، يعني: في هذا إشارة إلى ما للمطيعين من الأجر ومزيد الهداية ومرافقة المنعم عليهم. (الفضل من الله) يعني: ليس من غير الله إنما هو من الله . إذاً هنا معنى مهم جداً يقول الناصر: معتقدنا معاشر أهل السنة أن الطاعات والأعمال التي يتميز بها هؤلاء الخواص خلق الله تعالى وفعله، وأن قدرتهم لا تأثير لها في أعمالهم بل الله يخلق على أيديهم الطاعات ويثيبهم عليها. فالطاعة إذاً من فضله سبحانه فله الفضل على كل حال، والمنة في الفاتحة والمآل، وكفى بقول سيد البشر في ذلك حجة وقدوة فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام: (لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة) ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس:٥٨] اللهم! اختم لنا باقتفاء السنة، وأدخلنا بفضلك المحض الجنة. إذاً: فهذه إشارة إلى أن ما نالوه من النعيم المذكور في الآية السابقة ليس بكسبهم، وإنما هو محض فضل من الله ، فأخبر أنهم لن ينالوا هذه الدرجة العالية بطاعتهم، بل نالوها بفضل الله تعالى وكرمه، خلافاً لما قالت المعتزلة: إنما ينال العبد ذلك بفعله. فلما امتن الله سبحانه على أوليائه بما آتاهم من فضله، وكان لا يجوز لأحد أن يثني على نفسه بما لم يفعله، دل ذلك على بطلان قول المعتزلة والله تعالى أعلم. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: قوله: (ومن يطع الله والرسول) أي: فيما أمر به (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين) وهم أفاضل أصحاب الأنبياء، وسموا صديقين لمبالغتهم في الصدق والتصديق، وقال النبي ﵊: (ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً). و (الشهداء) أي: القتلى في سبيل الله، ولا يعد الإنسان مقاتلاً في سبيل الله إلا إذا قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وما هي كلمة الله، هي: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ . وأما كلمة الكافرين فهي كفرهم بالله ﵎. (والصالحين) غير من ذكر. (وحسن أولئك رفيقاً) أي: رفقاء في الجنة بأن يستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم، وإن كان مقرهم في الدرجات العالية بالنسبة إلى غيرهم. (ذلك) أي: كونهم مع من ذُكِرَ مبتدأ خبره: (الفضل من الله) تفضل به عليهم لا أنهم نالوه بطاعتهم. (وكفى بالله عليماً) بثواب الآخرة، فثقوا بما أخبركم به ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤].

стр. 619

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم) قال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء:٧١] يعني: تيقظوا واحترزوا من العدو، ولا تمكنوه من أنفسكم. (خذوا حذركم) فيه الأمر باتخاذ السلاح، وأنه لا ينافي التوكل، وقال بعض المفسرين: دلت الآية على وجوب الجهاد وعلى استعمال الحذر من العدو وترك التفرق والاختلاف. (فانفروا) أي: اخرجوا إلى الجهاد. (ثبات) جمع ثبة، والثبة: هي الجماعة، يعني: جماعات متفرقة، سرية بعد سرية، وفرقة بعد فرقة؛ إظهاراً للقوة أمام الأعداء. (أو انفروا جميعاً) أي انفروا مجتمعين كلكم كوكبة واحدة لإظهار المهابة ولتكثير السواد، والمبالغة في التحرز عن الخطر. والتخيير في هذا الأمر هل يكون النفور ثبات -أي: جماعات متفرقة- أو جماعة واحدة موكول إلى اجتهاد الإمام، خاصة إذا كان في العصر الحديث حيث اختلفت طرائق الحروب واستراتيجياتها.

стр. 620

تفسير قوله تعالى: (وإن منكم لمن ليبطئن) يقول ﵎: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:٧٢]. (وإن منكم لمن ليبطئن) اللام الأولى في قوله: (لمن) هذه لام توكيد، (ليبطئن) لام القسم يعني: يتثاقلون ويتخلفون عن الجهاد والخروج مع الجماعة للنفاق. فالمقصود أن منكم ممن ينتمون لكم في الظاهر وليس هم من المؤمنين، لكنهم يدخلون في جملة المؤمنين بحكم الظاهر؛ لأنهم منافقون يحتمون بكلمة التوحيد وإظهار أنهم من المسلمين. (ليبطئن) يعني: يتثاقل أو يتخلف عن الخروج إلى الجهاد، أو يبطئ غيره ويشيع فيهم ما يثبطهم عن الخروج إلى الجهاد، كما كان المنافقون يثبطون غيرهم. وكان هذا ديدن المنافق عبد الله بن أبي وهو الذي ثبط الناس يوم أحد، وروي عن كثير من التابعين أن الآية نزلت في المنافقين؛ لأن الذي حكي في هذه الآية هو عادة ودأب المنافقين، وقيل: الخطاب للمؤمنين وقوفاً مع صدر الآية التي قبل هذه حيث تقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا * وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء:٧١ - ٧٢]. الله قال في المنافقين: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [التوبة:٥٦]. وقوله: (وإن منكم) هذا في الحقيقة خطاب صريح للمؤمنين ولمن يدخل معهم في الظاهر بصفة الإيمان وهم المنافقون؛ لأن ما ذكر لا يصدر عن مؤمن (وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً) يعني: حاضراً. (منكم) يعني: إن من دخلائكم وجيشكم وممن أظهر إيمانه منكم. فالمنافقون في ظاهر الحال من أعداد المسلمين وتجري أحكام المسلمين عليهم. والجمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس والنسب لا من جهة الإيمان، (وإن منكم) يعني: ممن هم في الظاهر من جنسكم، لكن هم في الحقيقة بخلاف ذلك، ولو أصابتكم هزيمة أو شهادة أو تغلب العدو عليكم لما لله في ذلك من الحكمة قال هذا المبطئ فرحاً بصنيعه: (قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً).

стр. 621

تفسير سورة النساء [٨٨ - ٩٢]

стр. 622

تفسير قوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين) قال ﵎: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء:٨٨]. قوله: ((فما لكم في المنافقين)) يعني: فما لكم تفرقتم في أمر المنافقين؟! وكيف تختلفون على أمر المنافقين؟! ((فئتين)) يعني: فرقتين أي: كيف لم تتفقوا على التبرؤ منهم، والاستفهام هنا للإنكار والنفي، والخطاب لجميع المؤمنين، لكن ما فيه من معنى التوبيخ فهو متوجه إلى بعضهم، وذلك أن فرقة من المؤمنين كانت تميل إليهم وتذب عنهم وتواليهم، وفرقة منهم تباينهم وتعاديهم، فنهوا عن ذلك الميل، وأمروا بأن يكونوا على نهج واحد في التباين والتبرؤ من المنافقين؛ لأن دلائل نفاقهم وكفرهم ظاهرة جلية. وقد قيل: إن المراد بهم هاهنا عبد الله بن أبي وأصحابه الذين خذلوا رسول الله ﷺ يوم أحد ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا، كما تقدم بيان ذلك في تفسير سورة آل عمران.

стр. 623

سبب نزول قوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم) يوضح ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن زيد بن ثابت ﵁: (أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد فرجع ناس قد خرجوا معه في الجيش، وثبطوا الناس عن القتال، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين؛ فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، هم مؤمنون -يعني: باعتبار ما كانوا يظهرون- فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء:٨٨] فقال رسول الله ﷺ : إنها طيبة -يعني: المدينة- وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد) يعني: المدينة تطرد المنافقين منها وتتخلص منهم. وذكر الإمام محمد بن إسحاق في وقعة أحد: أن عبد الله بن أبي ابن سلول رجع يومئذٍ بثلث الجيش -وهم ثلاثمائة- وبقي النبي ﷺ في سبعمائة. وثمة رواية أخرى في سبب نزول هذه الآية، فقد روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن عوف: (أن قوماً من العرب أتوا رسول الله ﷺ بالمدينة فأسلموا وأصابهم وباء المدينة وحماها، فأركسوا فخرجوا من المدينة فاستقبلهم نفر من أصحابه -يعني: النبي ﷺ فقالوا لهم: ما لكم رجعتم؟ قالوا: أصابنا وباء المدينة، فقالوا: أما لكم في رسول الله أسوة حسنة، فقال بعضهم: نافقوا، وقال بعضهم: لم ينافقوا، فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ [النساء:٨٨]) أي: نكسهم وردهم إلى الكفر. (بما كسبوا) يعني: بسبب ما كسبوا من لحاقهم بالكفار، وابتعادهم عن المؤمنين. (أتريدون أن تهدوا من أضل الله) تهدوا هنا بمعنى: أن تصفوا بالهداية من أضل الله، وأن تعدوا هؤلاء الضلال من جملة المهتدين. فهنا توبيخ على هذا الفعل من المؤمنين الذين لم يعدوا هؤلاء منافقين ويبرءوا منهم، وإشعار بأن هذا الأمر منهم يؤدي إلى أن يعدوا هؤلاء المنافقين من جملة المهتدين وهو من المحال؛ لأن هداية من أضله الله تعالى من المستحيل، فإنه من يضلل الله فلا هادي له، لذلك يقول الله لهم: (أتريدون أن تهدوا من أضل الله). (ومن يضلل الله) يعني: عن دينه. (فلن تجد له سبيلاً) أي: طريقاً إلى الهدى.

стр. 624

تفسير قوله تعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا) قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء:٨٩]. (ودوا لو تكفرون كما كفروا) هذا كلام مستأنف مسوق لبيان غلوهم وتماديهم في الكفر، وتصديهم لإضلال غيرهم، أي: أنه سبحانه بعدما بين كفرهم وضلالهم في أنفسهم بين تعالى هنا أنهم أيضاً ساعون في إضلال غيرهم، وصدهم عن سبيل الله. (ودوا لو تكفرون كما كفروا) يعني: تمنوا أن تكفروا ككفرهم بعد الإيمان، (فتكونون سواء) في الكفر والضلال. (فلا تتخذوا منهم أولياء) يعني: في العون والنصرة؛ لأنكم إذا واليتموهم فإن ذلك يؤدي ويئول بكم إلى الكفر؛ لأن موالاة الكفار من الكفر. وإن أظهروا لكم الإيمان طلباً لموالاتكم، فلا تتخذوا منهم أولياء. (حتى يهاجروا) يعني: حتى يهاجروا في سبيل الله من دار الكفر إلى دار الإسلام، فحينئذٍ تتحققون من صحة إيمانهم. (فإن تولوا) يعني: عن الهجرة. (فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم) يعني: وإن أظهروا لكم الإسلام مع قدرتهم على الهجرة فافعلوا بهم ما تفعلونه بالكفار؛ لأنهم حينما ينحازون من المؤمنين إلى الكافرين وهم قادرون على الهجرة من وسط الكافرين إلى وسط المؤمنين، ومع ذلك يؤثرون الانحياز إلى معسكر الكافرين، فهنا خرجوا من صفة النفاق وأظهروا الكفر بتحيزهم للكافرين. (فخذوهم) هذا أمر باتخاذهم أسرى. (واقتلوهم حيث وجدتموهم) يعني: سواء كان ذلك في الحل أو في الحرم. (ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً) يعني: لا توالوهم ولا تستنصروا بهم على أعداء الله ما داموا كذلك. فهذه الآية تدل على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والإلحاد، وهذا متأكد بعموم قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١] والسبب فيه أن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين؛ لأن الدين هو الأمر الذي يتقرب به إلى الله تعالى ويتوسل به لطلب السعادة في الآخرة، وإذا كان كذلك كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة، فأعظم أنواع العداوة ما كان بسبب الدين، وإذا كان كذلك امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلاً فيه، كأن يعادي دينك ويعادي الله ويعادي رسوله ﵌. ومعروف معلوم أن أكثر مسائل الإيمان أدلة بعد التوحيد هي قضية الولاء والبراء، فهي أكثر قضايا الإيمان من حيث أدلتها بعد توحيد الله ، وبلا شك فإن هذه القضية وثيقة الصلة بالإيمان والتوحيد.

стр. 625

تفسير قوله تعالى: (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) قال ﵎: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء:٩٠]. (إلا الذين يصلون) يعني: الذين يلجئون. (إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) يعني: عهد هدنة أو أمان، فاجعلوا حكمهم كحكمهم؛ لأن هذا سيؤدي إلى قتال من وصلوا إليه، فيفضي إلى نقض الميثاق. وفي هذا احترام للعهود والمواثيق، يعني: الحكم السابق في قوله ﵎: (فإن تولوا) أي: عن الهجرة وانحازوا للكفار مع قدرتهم على الهجرة إليكم. (فخذوهم) يعني: بالأسر. (واقتلوهم حيث وجدتموهم) في الحل أو الحرم. (ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً). من الذي يستثنى من هؤلاء المذكورين؟! يستثنى من لجأ إلى قوم بين المسلمين وبينهم ميثاق، ففي هذه الحالة ينبغي عدم التعرض له، بل يعامل كمعاملة هؤلاء الذين لهم عهد ولهم هدنة ولهم ميثاق؛ لأنه إذا دخل هذا في جوار هؤلاء القوم الذين لهم عهد وميثاق، وحاول المسلمون أن يقتلوه وهو في جوارهم فهذا سيؤدي إلى قتال هؤلاء المعاهدين، وبالتالي تنقض العهود، ومن ثم أمر الله بأن هؤلاء يعاملون كمعاملة هؤلاء الذين بيننا وبينهم ميثاق. (أو جاءوكم حصرت صدورهم) يعني: وهؤلاء الذين جاءوكم يستثنون مع هؤلاء اللاجئين. (حصرت صدورهم) يعني: قد ضاقت وانقبضت نفوسهم. (أن يقاتلوكم) لإرادتهم المسالمة فهم يريدون أن يكونوا سلماً لكم، ويكرهون وتضيق نفوسهم بأن يقاتلوكم. (أو يقاتلوا قومهم) أي: معكم لمكان القرابة منهم، فهؤلاء لا يريدون أن يقاتلوكم، ولا يريدون أن يضموا إليكم ليقاتلوا قومهم وقبيلتهم، فهم لا لكم ولا عليكم. إذاً المستثنى هنا من المأمور بأخذهم فريقان: أحدهما: من ترك المحاربين ولحق بالمعاهدين. الآخر: من أتى المؤمنين وكف عن قتال الفريقين. (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) إشعار بقوتهم في أنفسهم، وأن التعرض لقتلهم فيه إظهار لقوتهم الخفية، فهذه الجملة جارية مجرى التعليل لاستثنائهم من الأخذ والقتل. (ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم) يقول القاسمي: فيها إشعار بأنه لديهم قوة كاملة هم يستطيعون أن يقاتلوكم، لكن الله هو الذي كف أيديهم عنكم، وأنتم إذا تعرضتم لقتلهم فستستفزونهم، وبالتالي سيأخذون موقفاً معادياً ويشرعون في قتالكم، هذا هو التعليل لسبب استثنائهم من الأخذ والقتل. (فإن اعتزلوكم) يعني: إن تركوكم مع ما علمتم من تمكنهم من ذلك. (فلم يقاتلوكم) مع أنهم متمكنون من قتالكم وقادرون على قتالكم، لكن الله كفهم عنكم. (وألقوا إليكم السلم) أي: الانقياد والاستسلام. (فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً) أي: ليس لكم حق في أن تأخذوهم بالأسر أو بالقتل، إذ لا ضرر منهم على الإسلام، وقتالهم يظهر كمال قوتهم.

стр. 626

كلام السيوطي في تفسير قوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً) يقول السيوطي رحمه الله تعالى: ولما رجع ناس من معركة أحد -وهم المنافقون- اختلف الناس فيهم، فقال فريق: نقتلهم، وقال فريق: لا، فنزل: (فما لكم) أي: ما شأنكم صرتم (في المنافقين فئتين) فرقتين، لذلك فإن إعراب كلمة فئتين يكون بتقدير كلمة صرتم. (والله أركسهم) أي: ردهم. (بما كسبوا) من الكفر والمعاصي. (أتريدون أن تهدوا من أضل الله) أتريدون أن تهدوا من أضله الله، أي: تعدوهم من جملة المهتدين، والاستفهام في الموضعين للإنكار. (ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً) أي: ومن يضلله الله فلن تجد له طريقاً إلى الهدى. (ودوا) أي: تمنوا. (لو تكفرون كما كفروا فتكونون) أنتم وهم (سواءً) في الكفر. (فلا تتخذوا منهم أولياء) توالونهم وإن أظهروا لكم الإيمان. (حتى يهاجروا في سبيل الله) هجرة صحيحة تحقق إيمانهم. (فإن تولوا) يعني: عن الهجرة كما ذكرنا وأقاموا على ما هم عليه. (فخذوهم) بالأسر. (واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم ولياً) توالونه (ولا نصيراً) تنتصرون به على عدوكم. (إلا الذين يصلون) يلجئون. (إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) عهد بالأمان لهم، كما عاهد ﷺ هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعين على النبي ﷺ ولا يعينه، على أن من لجأ إليه لا يتعرض الرسول ﷺ له. (أو) الذين (جاءوكم) وقد (حصرت) ضاقت، (صدورهم) عن (أن يقاتلوكم) مع قومهم، (أو يقاتلوا قومهم) معكم، أي: ممسكين عن قتالكم وقتالهم فلا تتعرضوا إليهم بأخذ ولا قتل. وهذا وما بعده منسوخ بآية السيف. وسبق البيان أن معنى النسخ في مثل هذه المواضع من القرآن الكريم يتفاوت بحسب حال المسلمين، أما النسخ الآخر كنسخ الخمر والربا أو غير ذلك من الأشياء التي نسخ حكمها تماماً. (ولو شاء الله) تسليطهم عليكم، (لسلطهم عليكم) بأن يقوي قلوبهم، (فلقاتلوكم) ولكنه لم يشأه فألقى في قلوبهم الرعب. (فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم) الصلح أي: انقادوا. (فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً) أي: طريقاً بالأخذ أو القتل.

стр. 627

تفسير قوله تعالى: (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم) قال ﵎: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء:٩١]. (ستجدون آخرين) أي: أقواماً آخرين. (يريدون أن يأمنوكم) على أنفسهم بأن يظهروا لكم الإسلام. (ويأمنوا قومهم) يعني: بإظهار الكفر. فهؤلاء يريدون أن يأمنوكم بإظهار الإسلام لكم، ويأمنوا قومهم بإظهار الكفر لهم. (كلما ردوا إلى الفتنة) كلما دعوا إلى الارتداد وإلى الشرك. (أركسوا فيها) أي: رجعوا إلى الشرك منكوسين على رءوسهم. (فإن لم يعتزلوكم) إن لم يتنح عنكم هؤلاء جانباً، بأن يكونوا لا معكم ولا عليكم. (ويلقوا إليكم السلم) يعني: ولم ينقادوا لكم. (ويكفوا أيديهم) يعني: عن قتالكم. (فخذوهم) أي: خذوهم أسرى. (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) أي: حيث وجدتموهم في داركم أو في دارهم. (وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً) يعني: حجة واضحة في الإيقاع بهم قتلاً وسبياً؛ بسبب عداوتهم وغدرهم وإضرارهم بأهل الإسلام، أو تسلطاً ظاهراً في أخذهم وقتلهم لغدرهم.

стр. 628

أقوال المتقدمين من أهل التفسير في قوله تعالى: (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم يقول الحافظ ابن كثير: قال تعالى: (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا). هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء المذكورين قوم منافقون يظهرون للنبي ﷺ ولأصحابه الإسلام؛ ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم، ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون ليأمنوا بذلك عندهم، وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤]. وعن مجاهد: أنها نزلت في قوم من أهل مكة كانوا يأتون النبي ﷺ فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا فأمر بقتلهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا. وقال الأكثرون من المفسرين: في الآية دلالة على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨]، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة:١٩٠] فخص الأمر بالقتال لمن يقاتلنا دون من لم يقاتلنا. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم) بإظهار الإيمان عندكم. (ويأمنوا قومهم) بالكفر إذا رجعوا إليهم، وهم بنو أسد وغطفان. (كلما ردوا إلى الفتنة) دعوا إلى الشرك. (أركسوا فيها) يعني: وقعوا أشد وقوع. (فإن لم يعتزلوكم) بترك قتالكم. (ويلقوا) ولم يلقوا إليكم السلم. (ويكفوا أيديهم) عنكم. (فخذوهم) بالأسر. (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) وجدتموهم. (وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً) برهاناً بيناً ظاهراً على قتلهم وسبيهم؛ لغدرهم.

стр. 629

تفسير قوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً) قال ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:٩٢]. (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأً) يعني: ما ينبغي ولا يصح ولا يليق بمؤمن قتل أخيه المؤمن، ولا يجترئ على إهدار دم أخيه المؤمن؛ لأن الإيمان زاجر عن ذلك، لكن قد يقع ذلك على وجه الخطأ، كالحوادث التي تقع في الطرقات أو أي طريقة لا يجوز فيها القتل العمد، إلا على وجه الخطأ، فإنه ربما يقع لعدم حصول الاحتراز عنه بالكلية تحت الطاقة البشرية؛ لأن هذا قد يكون بغير قصده. قال الزمخشري: فإن قلت: ما إعراب قوله: (إلا خطأً)؟ لها عدة وجوه: الأول: مفعول له، ومعناه: ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده. الثاني: أن يكون حالاً، بمعنى: في حال كونه خطأً. الثالث: أن يكون صفة للمصدر، يعني: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) يعني: قتلاً خطأً، فيكون صفة للمصدر. وكل هذه الوجوه جائزة. على أي الأحوال المعنى: أن من شأن المؤمن أن ينتفي عنه حصول قتل المؤمن ابتداءً ألبتة، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد بأن يرمي كافراً فيصيب مسلماً، أو يرمي شخصاً على أنه كافر فإذا هو مسلم.

стр. 630

حكم قتل المؤمن لأخيه المؤمن خطأً قوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً) يعني: بما ذكرنا، وإن عفي عنه، صحيح هو غير متعمد ولا يعامل معاملة القاتل المتعمد للقتل، لكن هو مع ذلك لا يخلو من تقصير في حق الله ﵎، وهذا الخطأ لا يهدر دم المؤمن بالكلية، بل لابد أن يتحمل دم أخيه المؤمن الذي قتل خطأ. ولذلك يقول تعالى: (ومن قتل مؤمناً خطأً) إذا قدر وقوع ذلك. (فتحرير رقبة مؤمنة) يعني: فالواجب عليه لحق الله اعتاق نفس محكوم عليها بالإيمان ولو صغيرة؛ ليعتق الله عنه بكل جزء منها جزءاً منه من النار. فهذا فيما يتعلق بحق الله ﵎. روى الإمام أحمد بسنده: (عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء فقال: يا رسول الله إن عليّ عتق رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله ﷺ : أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم. قال: أتشهدين أني رسول الله؟ قالت: نعم قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم، قال: أعتقها) وهذا إسناد صحيح. وفي موطأ مالك، ومسند الشافعي وأحمد، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود والنسائي، عن معاوية بن الحكم: (أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء قال لها رسول الله ﷺ : أين الله؟ قالت: في السماء -يعني: فوق السماء- قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله ﷺ ، قال: أعتقها فإنها مؤمنة).

стр. 631

حكمة الإعتاق في القتل الخطأ قيل في حكمة هذا الإعتاق: إنه لما أخرج نفساً مؤمنة من جملة الأحياء بالقتل خطأً، لزمه أن يدخل نفساً مؤمنة مثلها في جملة الأحرار؛ لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها، فانظر تقدير الإسلام لحرية الإنسان حيث جعل إخراج العبد المؤمن أو الأمة المؤمنة من الرق إلى الحرية كفئاً ومقابلاً لإخراجه النفس المؤمنة من الأحياء إلى عالم الأموات. والرق أثر من آثار الكفر، والكافر حكمه حكم الميت؛ لأن الكافر لا حياة له، يقول ﵎: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢] يعني: من كان كافراً فأحييناه بالإيمان، فالكافر في حكم الميت، حتى إن بعض العلماء فسروا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] بأنهم الكفار؛ لأنهم مثل أصحاب القبور، حتى لو كان الكافر يرى في صورة الحي رائحاً وغادياً، لكنه في الحقيقة ميت والعياذ بالله. فالرقيق ملحق بالأموات؛ لأن الرق أثر من آثار الكفر، والسبب الأصلي في الرق هو الكفر، إذ بالجهاد في سبيل الله يؤسر الكفار، فيكونوا أرقاء بسبب هذا. وهذه عقوبة من الله ؛ لأنهم أبوا أن يكونوا عبيداً لله باختيارهم، وليس هذا فحسب بل سعوا في قتال الفئة المؤمنة التي تدعوهم إلى التوحيد، فعاقبهم الله بأن جعلهم عبيداً لعبيد أمثالهم مع إبقائهم على قيد الحياة. فهذا بلا شك أحسن مما يحصل الآن من المجازر التي تحصل في الحروب، ودفن الجنود أحياء وغير ذلك من الأوضاع الشنيعة، فالإسلام استبقاهم أحياء، لكن لما أبوا العبودية لله عاقبهم الله بأن صاروا عبيداً لعبيد أمثالهم، لكنهم من المؤمنين. فإذا حصل أن يسترق الإنسان كافراً ثم يسلم هذا الكافر هل يزول عنه حكم الرق؟ لا يزول؛ لأن الحق اللاحق لا يرفع ولا يزيل الحق السابق؛ ولأن سبب الرق ومنبعه هو الكفر، فالرق أثر من آثار الكفر، والكفر موت حكماً كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٢]. ولهذا منع الكافر العبد من أن يتصرف تصرف الأحرار، وهذا فيما يتعلق بحق الله في هذا الذي قتل أخاه المؤمن خطأً، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)، فالواجب عليه في حق الله تحرير رقبة مؤمنة، أما في حق البشر أولياء هذا الميت (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) يعني: الواجب عليه دية لحق ورثة المقتول، وتكون الدية عوضاً لهم عما فاتهم من قتيلهم، فيؤتى بالدية وتوزع على الورثة الشرعيين لهذا القتيل، كما توزع الأنصبة الشرعية للورثة.

стр. 632

مقدار دية المقتول ومن تدفع لهم وكيفية توزيعها عليهم قد بينت السنة مقدار الدية، وذلك فيما رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: (أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتاباً وفيه: أن في النفس الدية مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار). وروى أبو داود عن جابر عن النبي ﷺ : (أنه فرض في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة). وفي الموطأ: (أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم) وهذه الدية إنما تجب على عاقلة القاتل لا في ماله. يعني: أن هذه الدية التي تعطى لورثة القتيل وتوزع عليهم حسب إرثهم، لا يدفعها القاتل خطأ نفسه بل تكون واجبة على عاقلته، والعاقلة هم: القرابة والعصبة من الذكور.

стр. 633

تفسير سورة النساء [٩٤]

стр. 634

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله) قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء:٩٤]. في الآيات السابقة بين الله ﵎ كفارة القتل الخطأ، ثم بين حكم القتل العمد، ثم هنا يحذر ﵎ عما يؤدي إلى القتل العمد، فإذا كانت الآية الكريمة قد تناولت القتل العمد، فهنا بيان لأمر يؤدي إلى القتل العمد، وهو عدم الاكتراث وقلة المبالاة وعدم التحرز في الأمور التي تؤدي إلى وقوع هذا القتل العمد. ((يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم)) يعني: إذا ذهبتم. ((في سبيل الله)) يعني: مجاهدين في سبيل الله إلى أرض العدو. ((فتبينوا)) يعني: اطلبوا بيان كل ما تأتون وما تذرون، ولا تعجلوا فيه بغير تدبر ولا روية. ((ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً)) نهي عما هو نتيجة لترك المأمور به، وتعيين لمادة مهمة من المواد التي يجب فيها التبين، فبعدما حثنا الله على التبين والتثبت وعدم التعجل في الأمور، عين مادة مهمة وموضعاً مهماً من المواضع التي يتأكد فيها التبين والتثبت والاهتمام، وهي: ((وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)) يعني: لا تقولوا لمن أظهر الانقياد لدعوتكم وقال: لا إله إلا الله، أو سلم عليكم فحياكم بتحية الإسلام: لست مؤمناً في الباطن، وإنا لن نقبل ظاهرك؛ لأن باطنك يخالفه، وإنما قلت ذلك باللسان لتطلب الأمان من القتل فقط. فيقول الله ﵎: من انقاد لدعوتكم وأعلن ذلك بقوله: لا إله إلا الله، أو قال لكم: السلام عليكم، لا تقولوا له: لست مؤمناً في الباطن، وإن أظهرت لنا هذا في الظاهر لتتقي به أو لتطلب الأمان، بل اقبلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه، يعني: إذا كنت ترى المسلم يقاتل الكفار وظل يطارد رجلاً من الكفار ثم في النهاية حصره المسلم في مكان ورفع السيف ليقتله فقال الكافر: لا إله إلا الله، في هذه الحالة يجب عليه أن يكف عن قتله، حتى لو كان الظاهر أنه إنما قال ذلك ليلوذ بالكلمة ليحقن بها دمه، ما دام قالها فيجب الكف عن قتله. ((تبتغون عرض الحياة الدنيا)) يعني: تطلبون بقتله عرض الحياة الدنيا كالمال الذي معه كغنيمة، وهذا العرض من أعراض الحياة الدنيا هو سريع النفاد وجملة ((تبتغون)) حال من فاعل ((لا تقولوا)) فهي منبئة عما يحملهم على العجلة وترك التأني، ((تبتغون)) يعني: والحال أنكم تبتغون عرض الحياة الدنيا. ((فعند الله مغانم كثيرة)) تعليل للنهي عن أخذ ماله لما فيه من الوعد الضمني يعني: كأنه قيل: لا تبتغوا ماله فعند الله مغانم كثيرة يغنمكموها ويغنيكم عن ارتكاب ما ارتكبتموه. ((كذلك كنتم من قبل)) هذا تعليل للنهي عن القول المذكور، فيعلل الله هذا النهي الذي أتى في هذه الآية عن أن نقول للرجل الذي يظهر الإسلام أو شعيرة من شعائر الإسلام: لست مؤمناً، يقول تعالى: ((كذلك)) يعني: لا تقتلوه ولا تتعرضوا له بل اقبلوا ظاهره وكلوا سريرته إلى الله؛ فإنكم كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم. ((فتبينوا)) أي: كنتم مثل هذا الرجل الذي ألقى إليكم السلام في أول إسلامكم، ولا يظهر منكم للناس غير ما ظهر منه لكم من تحية الإسلام ونحوها. ((فمن الله عليكم)) بأن قبل منكم تلك المرتبة، وعصم بها دماءكم وأموالكم، ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم. والفاء في قوله: ((فتبينوا)) فصيحة، يعني: إذا كان الأمر كذلك فاطلبوا بيان هذا الأمر البين وقيسوا حاله بحالكم، فهذه المرحلة أنتم أنفسكم مررتم بها من قبل، وما كان يظهر منكم إلا مثلما ظهر من هذا الرجل من شعائر الإسلام، فقيسوا حاله بحالكم، وافعلوا به ما فُعِلَ بكم في أوائل أموركم، من قبول ظاهر الحال، من غير وقوف على الباطن، فنحن البشر حينما يتعامل بعضنا مع بعض إنما نقف عند حد الظاهر، أما البواطن وما في القلوب فهذا ما لا سبيل إلى الاطلاع عليه. كل أحكام الدنيا إنما تبنى على ما يظهره الناس بعضهم لبعض، أما تواطؤ الظاهر والباطن فهذا لا يطلع عليه إلا الله . ((إن الله كان بما تعملون خبيراً)) يعني: فلا تتهاونوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك.

стр. 635

سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) قال ابن كثير في سبب نزولها: أخرج الإمام أحمد عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: (مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي ﷺ يرعى غنماً له فسلم عليهم فقالوا: لا يسلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه إلى النبي ﷺ فنزلت هذه الآية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا))) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب الحديث المعروف عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، وروى البخاري عن عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: (كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته فأنزل الله في ذلك هذه الآية). وقال البخاري: قال حبيب بن أبي عمرة عن سعيد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ للمقداد: (إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته؟ فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل) هكذا ذكره البخاري معلقاً مختصراً. إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه خوفاً من الكفار؛ لأنه يعيش بينهم، فلما أتى المسلمون ليغيروا على هؤلاء الكفار أراد أن يعلم إخوانه أنه ليس مع هؤلاء الكفار وإنما هو مسلم مثلهم، فيبادر ويعاجل بإظهار شعيرة من شعائر الإسلام كأن يقول: السلام عليكم، التي هي تحية المسلمين، أو أن يقول: لا إله إلا الله، أو يعتصم بالركوع أو السجود أو غير ذلك مما يظهره من شعائر الإسلام، فإذا أظهر إيمانه فما قبلت ظاهره وقتلته، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل، ألم تمر أنت بنفس المرحلة، مرحلة الاستضعاف في مكة وكنت تستخفي بإيمانك؟ فهذا ما رواه البخاري تعليقاً عن ابن عباس مرفوعاً. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: (بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح المكان، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فأهوى إليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلاً شهد أن لا إله إلا الله، والله لأذكرن ذلك للنبي ﷺ ، فلما قدموا على رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله! إن رجلاً شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد، فقال: يا مقداد! أقتلت رجلاً يقول: لا إله إلا الله؟! فكيف لك بلا إله إلا الله غداً؟! قال: فأنزل الله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا))، فقال رسول الله ﷺ للمقداد: كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل). وقوله: ((كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم)) أي: قد كنتم من قبل في هذه الحال كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه من قومه كما تقدم في الحديث المرفوع آنفاً، وكما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال:٢٦]. وقال ابن أبي حاتم: إن أسامة أقسم ألا يقتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل الذي سبق الإشارة إليه، حيث قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، وكيف اشتد النبي ﵌ في الإنكار على أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، فأسند ابن أبي حاتم: (أن أسامة حلف لا يقتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل، وبعد ما لقي من رسول الله ﷺ من العتاب والتوبيخ في قتل هذا الرجل). يقول: قال بعض المفسرين: وبهذا القسم واليمين الذي حلفه اعتذر إلى أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه حين تخلف عن المشاركة مع علي في قتال معاوية وجيشه قال: (إني حلفت ألا أقتل أحداً يقول: لا إله إلا الله) وبعض العلماء يقول: وإن كان عذراً غير مقبول؛ لأن القتال مع الإمام واجب عند خروج البغاة، وكان عليه أن يكفر عن يمينه. قال الحاكم: إلا أن أمير المؤمنين أذن له لما ذكر له هذا القسم.
следующие страницы →