← Тафсир

Тафсир · id 37041

تفسير القرآن الكريم - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (3 275 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

حكمة الإعتاق في القتل الخطأ قيل في حكمة هذا الإعتاق: إنه لما أخرج نفساً مؤمنة من جملة الأحياء بالقتل خطأً، لزمه أن يدخل نفساً مؤمنة مثلها في جملة الأحرار؛ لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها، فانظر تقدير الإسلام لحرية الإنسان حيث جعل إخراج العبد المؤمن أو الأمة المؤمنة من الرق إلى الحرية كفئاً ومقابلاً لإخراجه النفس المؤمنة من الأحياء إلى عالم الأموات. والرق أثر من آثار الكفر، والكافر حكمه حكم الميت؛ لأن الكافر لا حياة له، يقول ﵎: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢] يعني: من كان كافراً فأحييناه بالإيمان، فالكافر في حكم الميت، حتى إن بعض العلماء فسروا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] بأنهم الكفار؛ لأنهم مثل أصحاب القبور، حتى لو كان الكافر يرى في صورة الحي رائحاً وغادياً، لكنه في الحقيقة ميت والعياذ بالله. فالرقيق ملحق بالأموات؛ لأن الرق أثر من آثار الكفر، والسبب الأصلي في الرق هو الكفر، إذ بالجهاد في سبيل الله يؤسر الكفار، فيكونوا أرقاء بسبب هذا. وهذه عقوبة من الله ؛ لأنهم أبوا أن يكونوا عبيداً لله باختيارهم، وليس هذا فحسب بل سعوا في قتال الفئة المؤمنة التي تدعوهم إلى التوحيد، فعاقبهم الله بأن جعلهم عبيداً لعبيد أمثالهم مع إبقائهم على قيد الحياة. فهذا بلا شك أحسن مما يحصل الآن من المجازر التي تحصل في الحروب، ودفن الجنود أحياء وغير ذلك من الأوضاع الشنيعة، فالإسلام استبقاهم أحياء، لكن لما أبوا العبودية لله عاقبهم الله بأن صاروا عبيداً لعبيد أمثالهم، لكنهم من المؤمنين. فإذا حصل أن يسترق الإنسان كافراً ثم يسلم هذا الكافر هل يزول عنه حكم الرق؟ لا يزول؛ لأن الحق اللاحق لا يرفع ولا يزيل الحق السابق؛ ولأن سبب الرق ومنبعه هو الكفر، فالرق أثر من آثار الكفر، والكفر موت حكماً كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٢]. ولهذا منع الكافر العبد من أن يتصرف تصرف الأحرار، وهذا فيما يتعلق بحق الله في هذا الذي قتل أخاه المؤمن خطأً، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)، فالواجب عليه في حق الله تحرير رقبة مؤمنة، أما في حق البشر أولياء هذا الميت (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) يعني: الواجب عليه دية لحق ورثة المقتول، وتكون الدية عوضاً لهم عما فاتهم من قتيلهم، فيؤتى بالدية وتوزع على الورثة الشرعيين لهذا القتيل، كما توزع الأنصبة الشرعية للورثة.

стр. 632

مقدار دية المقتول ومن تدفع لهم وكيفية توزيعها عليهم قد بينت السنة مقدار الدية، وذلك فيما رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: (أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتاباً وفيه: أن في النفس الدية مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار). وروى أبو داود عن جابر عن النبي ﷺ : (أنه فرض في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة). وفي الموطأ: (أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم) وهذه الدية إنما تجب على عاقلة القاتل لا في ماله. يعني: أن هذه الدية التي تعطى لورثة القتيل وتوزع عليهم حسب إرثهم، لا يدفعها القاتل خطأ نفسه بل تكون واجبة على عاقلته، والعاقلة هم: القرابة والعصبة من الذكور.

стр. 633

تفسير سورة النساء [٩٤]

стр. 634

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله) قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء:٩٤]. في الآيات السابقة بين الله ﵎ كفارة القتل الخطأ، ثم بين حكم القتل العمد، ثم هنا يحذر ﵎ عما يؤدي إلى القتل العمد، فإذا كانت الآية الكريمة قد تناولت القتل العمد، فهنا بيان لأمر يؤدي إلى القتل العمد، وهو عدم الاكتراث وقلة المبالاة وعدم التحرز في الأمور التي تؤدي إلى وقوع هذا القتل العمد. ((يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم)) يعني: إذا ذهبتم. ((في سبيل الله)) يعني: مجاهدين في سبيل الله إلى أرض العدو. ((فتبينوا)) يعني: اطلبوا بيان كل ما تأتون وما تذرون، ولا تعجلوا فيه بغير تدبر ولا روية. ((ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً)) نهي عما هو نتيجة لترك المأمور به، وتعيين لمادة مهمة من المواد التي يجب فيها التبين، فبعدما حثنا الله على التبين والتثبت وعدم التعجل في الأمور، عين مادة مهمة وموضعاً مهماً من المواضع التي يتأكد فيها التبين والتثبت والاهتمام، وهي: ((وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)) يعني: لا تقولوا لمن أظهر الانقياد لدعوتكم وقال: لا إله إلا الله، أو سلم عليكم فحياكم بتحية الإسلام: لست مؤمناً في الباطن، وإنا لن نقبل ظاهرك؛ لأن باطنك يخالفه، وإنما قلت ذلك باللسان لتطلب الأمان من القتل فقط. فيقول الله ﵎: من انقاد لدعوتكم وأعلن ذلك بقوله: لا إله إلا الله، أو قال لكم: السلام عليكم، لا تقولوا له: لست مؤمناً في الباطن، وإن أظهرت لنا هذا في الظاهر لتتقي به أو لتطلب الأمان، بل اقبلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه، يعني: إذا كنت ترى المسلم يقاتل الكفار وظل يطارد رجلاً من الكفار ثم في النهاية حصره المسلم في مكان ورفع السيف ليقتله فقال الكافر: لا إله إلا الله، في هذه الحالة يجب عليه أن يكف عن قتله، حتى لو كان الظاهر أنه إنما قال ذلك ليلوذ بالكلمة ليحقن بها دمه، ما دام قالها فيجب الكف عن قتله. ((تبتغون عرض الحياة الدنيا)) يعني: تطلبون بقتله عرض الحياة الدنيا كالمال الذي معه كغنيمة، وهذا العرض من أعراض الحياة الدنيا هو سريع النفاد وجملة ((تبتغون)) حال من فاعل ((لا تقولوا)) فهي منبئة عما يحملهم على العجلة وترك التأني، ((تبتغون)) يعني: والحال أنكم تبتغون عرض الحياة الدنيا. ((فعند الله مغانم كثيرة)) تعليل للنهي عن أخذ ماله لما فيه من الوعد الضمني يعني: كأنه قيل: لا تبتغوا ماله فعند الله مغانم كثيرة يغنمكموها ويغنيكم عن ارتكاب ما ارتكبتموه. ((كذلك كنتم من قبل)) هذا تعليل للنهي عن القول المذكور، فيعلل الله هذا النهي الذي أتى في هذه الآية عن أن نقول للرجل الذي يظهر الإسلام أو شعيرة من شعائر الإسلام: لست مؤمناً، يقول تعالى: ((كذلك)) يعني: لا تقتلوه ولا تتعرضوا له بل اقبلوا ظاهره وكلوا سريرته إلى الله؛ فإنكم كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم. ((فتبينوا)) أي: كنتم مثل هذا الرجل الذي ألقى إليكم السلام في أول إسلامكم، ولا يظهر منكم للناس غير ما ظهر منه لكم من تحية الإسلام ونحوها. ((فمن الله عليكم)) بأن قبل منكم تلك المرتبة، وعصم بها دماءكم وأموالكم، ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم. والفاء في قوله: ((فتبينوا)) فصيحة، يعني: إذا كان الأمر كذلك فاطلبوا بيان هذا الأمر البين وقيسوا حاله بحالكم، فهذه المرحلة أنتم أنفسكم مررتم بها من قبل، وما كان يظهر منكم إلا مثلما ظهر من هذا الرجل من شعائر الإسلام، فقيسوا حاله بحالكم، وافعلوا به ما فُعِلَ بكم في أوائل أموركم، من قبول ظاهر الحال، من غير وقوف على الباطن، فنحن البشر حينما يتعامل بعضنا مع بعض إنما نقف عند حد الظاهر، أما البواطن وما في القلوب فهذا ما لا سبيل إلى الاطلاع عليه. كل أحكام الدنيا إنما تبنى على ما يظهره الناس بعضهم لبعض، أما تواطؤ الظاهر والباطن فهذا لا يطلع عليه إلا الله . ((إن الله كان بما تعملون خبيراً)) يعني: فلا تتهاونوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك.

стр. 635

سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) قال ابن كثير في سبب نزولها: أخرج الإمام أحمد عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: (مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي ﷺ يرعى غنماً له فسلم عليهم فقالوا: لا يسلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه إلى النبي ﷺ فنزلت هذه الآية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا))) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب الحديث المعروف عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، وروى البخاري عن عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: (كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته فأنزل الله في ذلك هذه الآية). وقال البخاري: قال حبيب بن أبي عمرة عن سعيد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ للمقداد: (إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته؟ فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل) هكذا ذكره البخاري معلقاً مختصراً. إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه خوفاً من الكفار؛ لأنه يعيش بينهم، فلما أتى المسلمون ليغيروا على هؤلاء الكفار أراد أن يعلم إخوانه أنه ليس مع هؤلاء الكفار وإنما هو مسلم مثلهم، فيبادر ويعاجل بإظهار شعيرة من شعائر الإسلام كأن يقول: السلام عليكم، التي هي تحية المسلمين، أو أن يقول: لا إله إلا الله، أو يعتصم بالركوع أو السجود أو غير ذلك مما يظهره من شعائر الإسلام، فإذا أظهر إيمانه فما قبلت ظاهره وقتلته، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل، ألم تمر أنت بنفس المرحلة، مرحلة الاستضعاف في مكة وكنت تستخفي بإيمانك؟ فهذا ما رواه البخاري تعليقاً عن ابن عباس مرفوعاً. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: (بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح المكان، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فأهوى إليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلاً شهد أن لا إله إلا الله، والله لأذكرن ذلك للنبي ﷺ ، فلما قدموا على رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله! إن رجلاً شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد، فقال: يا مقداد! أقتلت رجلاً يقول: لا إله إلا الله؟! فكيف لك بلا إله إلا الله غداً؟! قال: فأنزل الله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا))، فقال رسول الله ﷺ للمقداد: كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل). وقوله: ((كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم)) أي: قد كنتم من قبل في هذه الحال كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه من قومه كما تقدم في الحديث المرفوع آنفاً، وكما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال:٢٦]. وقال ابن أبي حاتم: إن أسامة أقسم ألا يقتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل الذي سبق الإشارة إليه، حيث قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، وكيف اشتد النبي ﵌ في الإنكار على أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، فأسند ابن أبي حاتم: (أن أسامة حلف لا يقتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل، وبعد ما لقي من رسول الله ﷺ من العتاب والتوبيخ في قتل هذا الرجل). يقول: قال بعض المفسرين: وبهذا القسم واليمين الذي حلفه اعتذر إلى أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه حين تخلف عن المشاركة مع علي في قتال معاوية وجيشه قال: (إني حلفت ألا أقتل أحداً يقول: لا إله إلا الله) وبعض العلماء يقول: وإن كان عذراً غير مقبول؛ لأن القتال مع الإمام واجب عند خروج البغاة، وكان عليه أن يكفر عن يمينه. قال الحاكم: إلا أن أمير المؤمنين أذن له لما ذكر له هذا القسم.

стр. 636

المقصود من قوله تعالى: (يأ أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) قال الرازي: اعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة في تحريم قتل المؤمنين، وأمر المجاهدين بالتثبت فيه؛ لئلا يسفكوا دماً حراماً بتأويل ضعيف. وفي (الإكليل) استدل بظاهرها على قبول توبة الزنديق إذا أظهر الإسلام، وعلى أن الكافر يحكم له بالإسلام إذا أظهر ما ينافي اعتقاده، على قراءة السلام إذا قرأناها: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم). وفي الآية وجوب التثبت في الأمور خصوصاً القتل. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري: في الآية دليل على أن من أظهر شيئاً من علامات الإسلام لم يحل دمه حتى يختبر أمره؛ لأن السلام تحية المسلمين، وكان تحيتهم في الجاهلية بخلاف ذلك، فكانت هذه علامة. وأما على قراءة السلم: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم) السلم المراد به: الانقياد، والانقياد علامة من علامات الإسلام.

стр. 637

ثمرة الآية الكريمة وفوائدها وأحكامها قال بعض المفسرين أيضاً: ثمرة الآية الكريمة وجوب التثبت والتأني فيما يحتمل الحظر والإباحة؛ لقوله: ((فتبينوا)) وهذه قراءة الأكثر بالنون، وقراءة حمزة والكسائي: (فتثبتوا) أي: هي من الثبات، ويدخل في هذا أحكام كثيرة من الاعتقادات والأخبار والأحكام وسائر الأعمال. الحكم الأول: وجوب التثبت والتأني، وعدم العجلة في الأمور. الحكم الثاني: أنه يجب الأخذ بالظاهر، فمن أظهر الإسلام أو شيئاً من شعائر الإسلام لا يكذب، بل يقبل منه، ويدخل في هذا الملحد والمنافق، وهذا هو مذهب كثير من العلماء، ويدخل في هذا قبول توبة المرتد خلافاً لـ أحمد، وقبول توبة الزنديق وهذا قول عامة الأئمة. وقال مالك: لا تقبل؛ لأن عين مذهبهم أنهم يظهرون خلاف ما يبطنون. أيضاً تدل هذه الآية على أن التوصل للسبب المحرم من المال لا يجوز، وقد ذكر العلماء صوراً مختلفة في التوصل إلى المباح بالمحظور، والمقصود بذلك قوله: ((تبتغون عرض الحياة الدنيا)) هذا هو محل الشاهد لهذا المعنى المذكور، وإظهار الإسلام يحقن النفس والمال، فالقتل توصل بمحظور إلى محظور. وقوله تعالى: ((لمن ألقى إليكم السلام)) أو السلم ((لست مؤمناً)) السلم هو: الاستسلام، وقيل: إظهار الإسلام، وقيل: السلام بالألف بمعنى: التحية. قال أبو منصور: فيه الأمر بالتثبت عند الشبهة والنهي عن الإقدام عندها، وكذلك الواجب على المؤمن التثبت عند الشبهة في كل فعل وكل خبر؛ لأن الله تعالى أمر بالتثبت في الأعمال بقوله: ((فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)) وقال في الخبر: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] فأمر بالتثبت في الأخبار عند الشبهة كما أمر في الأفعال حيث قال لنبيه ﷺ : ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]. وفي الآية دليل فساد قول المعتزلة؛ لأن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لمن قال أنه مسلم: لست مؤمناً ((ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً)) والمعتزلة يقولون: إن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن، فهم يعاندون القرآن الكريم، مع أن من يقصدونه لا يقول: إني مسلم، مرة واحدة كحال هذا الذي تكلمت عنه الآية، لكنه يقولها ألف مرة. فإذا نهى أن يقولوا: لست بمؤمن، أمرهم أن يقولوا: أنت مؤمن، فيقال لهم: أأنتم أعلم أم الله؟ على ما قيل لأولئك.

стр. 638

حقيقة بدعة التوقف والتبين وآثارها وحكمها هذه الآية تعتبر عمدة رائد الخوارج المعاصرين شكري مصطفى صاحب بدعة التوقف والتبين، فإنه لسوء فهمه وتحريف معاني كلام الله بنى مذهبه على فهمه الضال لهذه الآية الكريمة وأخواتها، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث ليستدل به على ما ذهب إليه، إلا وكان في نفس الآية والحديث ما يدل على نقيض ما ذهب إليه. فكل إنسان مبتدع أو ضال يستدل بآية من القرآن أو بحديث من أحاديث الرسول ﵊؛ ليؤكد به بدعته وضلالته، فيشاء الله أن يكون في نفس هذا الدليل رد عليه وإبطال نفس هذه البدعة، ونظائر ذلك كثير جداً. فهو إذاً أتى ببدعة التوقف والتبين، وخلط خلطاً عجيباً في الكلام في هذا الموضوع، فهو يقول: إن الناس الآن اختلط بعضهم ببعض وهم مشتركون في المظهر، هذا يسلم وهذا يسلم هذا يصلي وذاك يصلي، لكن حقيقة ما في باطن هؤلاء الناس وموقفهم الحقيقي من التوحيد ومن الإسلام يحتاج للاختبار والتبين، فنحن نتوقف عن الحكم بإسلام الشخص مهما أظهر من شعائر الإسلام في هذا المجتمع إلى أن نتبين هل هو مسلم أم غير مسلم؟! ووضع حداً وسماه: الحد الأدنى للإسلام، واعتبر الحد الأدنى للإسلام إقامة الفرائض، وخلط في ذلك خلطاً شديداً، وكان يكثر من ضرب المثل بالحرير الصناعي والحرير الطبيعي مبيناً أن الاثنين في الظاهر ملمسهما واحد لكن في الحقيقة هذا يختلف عن هذا. وهل من العقل أن الإنسان إذا أراد أن يقارن شيئاً بشيء فإنه يأتي بأوجه الشبه؟ لا، حتى الذي يدرس أي علم من العلوم ويعمل مقارنة بين شيئين، فإنه في هذه المقارنة يذكر وجوه الافتراق لا وجوه الشبه، كذلك أنت عندما تأتي لتفرق بين المسلم والكافر أتقول: هذا يصلي وهذا يصلي، وهذا يصوم وهذا يصوم، وغير ذلك من شعائر الإسلام بزعمه؟! لا، وإنما لما تأتي تقارن تأتي بوجوه الافتراق وليس بوجوه الاتفاق، فالمسلم يقول: لا إله إلا الله، والكافر لا يقول: لا إله إلا الله المسلم يلقي السلام المسلم يصلي المسلم يزكي، وهكذا، والكافر لا يفعل هذه الأشياء!! أما هذا فجعل كل الناس في المجتمع الأصل فيهم أنهم كفرة مهما أظهروا من الإسلام. وخطورة هذه البدعة لم تقف عند حد الترف الفكري، وإنما انتقلت إلى ما هو أكبر وهو التطبيق العملي، واستحلال دماء المخالفين بصورة بشعة جداً، تماماً كما كانت صفة الخوارج الذين يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان. فهنا في نفس هذه الآية ما يدل على بطلان ما ذهبوا إليه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)) فيفهم من الآية أن نثبت له صفة الإيمان وأحكام الإيمان. ثم انظر إلى قوله تعالى: ((كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا)) أي: كنتم مستضعفين قبل ذلك وتكتمون إيمانكم أيضاً، أليس هذا كله في حق المؤمنين، أم في حق الكافرين؟! في الحقيقة الكلام يطول في هذا وأعتقد أننا قد غطينا قضية التوقف والتبين من قبل في سلسلة بحوث الكفر والإيمان. فليس هناك شيء في الإسلام أن مسلماً ما متوقف في وصفه بأنه مسلم أو غير مسلم.

стр. 639

تفسير سورة النساء [٩٧ - ١٠٣]

стр. 640

تفسير قوله تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:٩٧]. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ﴾ يجوز أن يكون ماضياً بمعنى: توفتهم، ﴿الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾، قد يراد بالظلم هنا الكفر، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، وقد يراد به المعصية، كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر:٣٢]، ويصح إرادة المعنيين هنا. روى أبو داود عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله) وهناك أحاديث أخرى بنفس المعنى، منها قوله: (برئت الذمة ممن أقام مع المشركين في بلادهم)، فالمسلم عليه أن يجتهد في البعد عن الكافر فلا يساكنه ولا يعيش معه، ولذلك قال ﵊: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين، لا تتراءى نارهما). وقال ﷺ : (لا يقبل الله من مشرك بعدما أسلم عملاً حتى يفارق المشركين إلى المسلمين). الهجرة مستمرة إلى أن تقوم الساعة من بلاد المعصية والفسوق إلى بلاد الطاعة، ومن بلد الظلم إلى بلد العدل، ومن بلد البدعة إلى بلد السنة، ومن بلد الكفر إلى بلد الإسلام، فالهجرة تكون أيضاً من المعاصي. ﴿وقَالُوا﴾، يعني: الملائكة تقول لهم تقريراً لهم بتقصيرهم وتوبيخاً لهم: ﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾ أي: في أي شيء كنتم في أمور دينكم؟ ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾، أي: كنا في أرض الأعداء مستضعفين غير قادرين أن نجهر بالأذان أو أن نقيم شعائر الإسلام، عند ذلك تبكتهم الملائكة وتقول لهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾، يعني: أم تكونوا قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة؟ وهذا دليل على أن الرجل يجب أن يهاجر إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه. والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر، فإذا علم المرء أنه في غير بلده أقوم بحق الله حقت عليه الهجرة. مثال ذلك: لو تعرف بلداً أفضل من مصر من حيث إظهار الدين، فعليك أن تتحول إليه إذا كنت مستطيعاً، وهكذا كل إنسان في أي مكان، أما عند العجز فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها. ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ النفر المذكورون. ((مَأْوَاهُمْ)) أي: مصيرهم ((جَهَنَّمُ))؛ لأنهم هم الذين أضعفوا أنفسهم، إذ لم يلجئهم الأعداء إلى مساكنتهم في ديارهم. ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، أي: جهنم. ثم استثنى سبحانه من أهل الوعيد ما بينه بقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٩٨]. ونحن في هذا الوقت عندنا جهة رسمية تتعلق بالهجرة اسمها: هيئة الجوازات والهجرة والجنسية. فالهجرة إذا أطلقت الآن يكون معناها: الهجرة من بلاد المسلمين إلى بلاد الكفار، سواء أستراليا أو كندا أو أمريكا أو غير ذلك. وعندما نقول: فلان مهاجر، فإننا نعني أنه مهاجر من بلاد المسلمين إلى بلاد الكفار، فانعكس المفهوم، وبدل ما كانت الهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين صار العكس الآن، وصار المسلمون يهاجرون إلى بلاد الكفار!

стр. 641

تفسير قوله تعالى: (إلا المستضعفين من الرجال وكان الله عفواً غفوراً) قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [النساء:٩٨ - ٩٩]. ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾، لعمىً أو عرج أو مرض أو هرم أو فقر. ﴿وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾، أي: النساء والصبيان فإنهم معذورون في ترك الهجرة؛ لأنهم ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾، يعني: في الخروج، إذ لا قوة لهم على الخروج ولا نفقة. ﴿وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، يعني: لا يعرفون طريقاً إلى دار الهجرة. ﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ أن يتجاوز عنهم بترك الهجرة. وقوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، استدل به على وجوب الهجرة من دار الكفر إلا على من لم يطقها. وعن مالك قال: الآية تقتضي أن كل من كان في بلد تغير فيه السنن فينبغي أن يخرج منها.

стр. 642

ثمرة الآيات الكريمات وسبب نزولها وقال بعض المفسرين: ثمرة الآية وجوب الهجرة من دار الكفر، ولا خلاف أنها كانت واجبة قبل الفتح، ولذلك قال تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال:٧٢]، وقيل: نسخت بعد الفتح، والصحيح عدم النسخ. ومعنى قوله ﵇: (لا هجرة بعد الفتح) أي: لا هجرة من مكة؛ لأن مكة نفسها صارت دار إسلام. قال جار الله الزمخشري: وهذا يدل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب، وعلم أنه في غير بلده أقوم بحق الله حقت عليه الهجرة، ثم قال ﵀: قال في التهذيب: وعن القاسم بن إبراهيم: إذا ظهر الفسق في دار ولا يمكنه الأمر بالمعروف فالهجرة واجبة، والله المستعان! وهذا بناءً على أن الدور ثلاث: دار إسلام. ودار فسق. ودار حرب. وقال ﵊: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)، وقال أيضاً: (لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو). والذي يستطيع الانتقال إلى بلد الإسلام، لكن وجوده في بلاد الكفار فيه إظهار للدين ونشاط في الدعوة إلى الله ، بحيث يثبِّت المسلمين هناك على الإسلام، ويتسبب في دخول الكفار إلى الإسلام، فهذا بقاؤه هناك يكون أنسب له وأفضل له من تحوله إلى بلاد المسلمين، إذا كان لا يتأثر بهذه الفتن، وهذه حالات استثنائية. وقد روى البخاري والنسائي وغيرهما عن ابن عباس قال: (نزلت في جماعة أسلموا ولم يهاجروا، وخرجوا مع المشركين يكثرون سوادهم على رسول الله ﷺ ، فقتلوا يوم بدر مع الكفار).

стр. 643

كلام السيوطي في تفسير قوله تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة وكان الله عفواً غفوراً) يقول السيوطي: [﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾، بالمقام مع الكفار وترك الهجرة. قالوا لهم موبخين (فيم كنتم) أي: في أي شيء كنتم في أمر دينكم؟ ((قَالُوا)) معتذرين، (كنا مستضعفين) عاجزين عن إقامة الدين، ((فِي الأَرْضِ)) أرض مكة. (قالوا) لهم توبيخاً: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾، من أرض الكفر إلى بلد آخر كما فعل غيركم. قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾، يعني: الذين لا قوة لهم على الهجرة ولا نفقة. ﴿وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، طريقاًَ إلى أرض الهجرة. ﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء:٩٩]].

стр. 644

تفسير قوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة) قال ﵎: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٠٠]. قوله تعالى: ((وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا))، يقول السيوطي: مهاجراً. ((كَثِيرًا وَسَعَةً)) في الرزق. ((وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ))، في الطريق كما وقع لـ جندع بن ضمرة. ((فَقَدْ وَقَعَ)) ثبت ((أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)). ((وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)). يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) يعني: في طاعة الله ، ((يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا)) أي: طريقاً يراغم فيه أنوف أعدائه القاصدين إدراكه، ((كَثِيرًا وَسَعَةً)). وفسرها السيوطي كما رأينا ((مُرَاغَمًا)) أي: مهاجراً، ولا تعارض؛ لأن المقصود بأنه سيجد سبيلاً وطريقاً أو مأوىً يستطيع فيه أن يراغم أعداء الله ﵎. وقد ذكرنا من قبل في عدة مناسبات أن الله يحب من وليه أن يغيظ عدوه، بأن يلزم طاعته ﵎ فيكون أقوى وأعز من أعداء الله ﵎، كما قال ﵎: ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة:١٢٠]، كذلك قال ﵎: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]. والنبي ﷺ سمى سجدتي السهو: (المرغمتين)؛ لأنهما ترغمان أنف الشيطان وتغيظانه. قوله: ﴿يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ أي: يجد مكاناً يستطيع فيه أن يقيم دينه ويظهره ويغيظ أعداءه الذين يقصدون أن يدركوه ويردوه عن هجرته، أو عن طاعته لله . ((كَثِيرًا وَسَعَةً)) أي: في الرزق، أو سعة في إظهار الدين، أو سعة وانشراحاً في الصدر؛ لأن خوفه يتبدل أمناً إذا هاجر من بين ظهراني المشركين. ((وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا))، أي: من مكة. ((إِلَى اللَّهِ)) أي: إلى طاعة الله أو إلى مكان أمر الله بالهجرة إليه. ((وَرَسُولِهِ)) أي: إلى رسوله ﷺ ، يعني: بالمدينة. ((ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ)) يعني: في الطريق قبل أن يصل إلى المقصد. ((فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)) يعني: فقد ثبت أجره على الله ، ولا يستغرب هنا أن نفسر قوله تعالى: ((وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ)) يعني: من مكة، ((مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ)) يعني: للمدينة؛ لأن الهجرة في حياة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هكذا كانت، يعني: من مكة إلى المدينة أو من خارج المدينة إلى المدينة. ((فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)) يعني: فلا يخاف فوات أجره الكامل؛ لأنه لم يكن فقط يتمنى أماني أو أحلام يقظة وإنما هو نوى وجزم وعزم، ثم تحرك وخرج من بيته بنية الهجرة إلى الله ، فمثل هذا يثاب ثواباً كاملاً؛ لأنه نوى وشرع أيضاً في العمل. أما عدم إتمام العمل بسبب إدراك الموت إياه في الطريق مثلاً فهذا ليس تقصيراً منه إذا لم يتم العمل، لكن كان عليه أن يسعى والتمام على الله . ((وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)) سيغفر له ما فرط منه من الذنوب التي من جملتها القعود عن الهجرة إلى وقت الخروج، ويرحمه الله بإكمال ثواب هجرته.

стр. 645

سبب نزول قوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً) هنا بعض التنبيهات فيما يتعلق بسبب نزول هذه الآية، أخرج ابن أبي حاتم وأبو يعلى بسند جيد عن ابن عباس ﵄ قال: (خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجراً، فقال لأهله: احملوني فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم)، هناك روايات أخرى تدل على أنه كان قد مرض، ومع شدة مرضه خشي أن يموت في مكة دون أن يهاجر، فقال لأهله: احملوني فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله ﷺ ، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي ﷺ ، فنزل الوحي: ((وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)). وجاءت عدة روايات في سبب نزول هذه الآية.

стр. 646

ثمرة قوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً) ثمرة هذه الآية: أن من خرج للهجرة ومات في الطريق فقد وقع أجره على الله. قال الحاكم: لكن اختلف العلماء في الأجر الذي وقع له، فقال بعضهم: أجر قصده، أي يؤجر على النية، وقيل: أجر عمله دون أجر الهجرة، يعني: يثاب على القدر الذي قطعه من الهجرة، وقيل: بل له أجر الهجرة كاملة كأنه قد هاجر بالفعل، وهذا هو الظاهر في سبب نزول هذه الآية الكريمة، وقد جاء في معنى هذه الآية أحاديث وافرة منها ما في الصحيحين وغيرهما عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) قال ابن كثير: وهذا عام في الهجرة وفي جميع الأعمال. ومنها الحديث الثابت في الصحيحين: (في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم أكمل بذلك العابد المائة، ثم سأل عالماً هل له من توبة؟ فقال له: ومن يحول بينك وبين التوبة، ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد أخرى يعبد الله فيه، فلما ارتحل من بلده مهاجراً إلى البلد الأخرى أدركه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقال هؤلاء: إنه جاء تائباً، وقال هؤلاء: إنه لم يصل بعد، فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أقرب فهو منها، فأمر الله هذه أن تتقارب، وهذه أن تتباعد فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة). وفي رواية: (أنه لما جاءه الموت نأى بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها). يعني: أراد أن يجتهد في الاقتراب من هذه القرية الصالحة بقدر المستطاع، حتى إنه لما نزل به الموت أخذ يزحف بصدره حتى يقترب ويقطع أقصى مسافة ممكنة حتى ينقذ روحه من النار. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عتيك ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (من خرج من بيته مجاهداً في سبيل الله فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله).

стр. 647

تفسير قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض) قال ﵎: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء:١٠١]. قوله: ((وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ)) أي: إذا سافرتم في الأرض، والضرب في الأرض يعبر به عن السفر. ((فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ)) إثم.

стр. 648

مفهوم القصر في الآية وحكمه حال الخوف وحال الأمن قوله: ((أَنْ تَقْصُرُوا)) في أن تقصروا من الصلاة الرباعية إلى ركعتين. ((إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ)) أن ينالوكم بمكروه. ((الَّذِينَ كَفَرُوا)) هذا بيان للواقع إذ ذاك، والمقصود من هذه الآية بيان الواقع الذي كان موجوداً زمن نزول الآية، وعلى هذا لا مفهوم لهذه الآية، بمعنى: ليس خوف المكروه شرطاً في جواز القصر، لكن الواقع أثناء نزول القرآن في ذلك الزمن، وهو زمن البعثة أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يخافون أن يفتنهم الذين كفروا، أي: أن ينالوهم بمكروه في أثناء أسفارهم. فالصحيح أن هذه هي الظروف المناسبة عند نزول هذه الآية، لكن ليس معنى ذلك: أن الإنسان لا يقصر إلا إذا خاف أن يفتنه الذين كفروا، بل يقصر إذا سافر في الأرض عموماً. إذاً: هذه الآية ليس معناها: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا. أي: لا تقصروا إن أمنتم الذين كفروا، فهذا المفهوم غير معتبر، فهو مجرد بيان للواقع الذي كان يعيشه الصحابة، والقصر غير مقيد بهذا الشرط، فالشرط هنا ملغي، كما في قوله ﵎ في سورة النور: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور:٣٣]، هل معنى ذلك أنهن إن لم يردن تحصناً يجوز لهن الزنا؟ لا، فليس هذا المفهوم معتبراً، بل هو ملغي، كذلك هنا هذا المفهوم غير معتبر، يعني: ليس خوف المكروه شرطاً في جواز القصر. وقد بينت السنة فيما رواه ابن خزيمة موقوفاً على ابن عباس بإسناد صحيح أن المراد بالسفر: السفر الطويل، وهو أربعة برد والبريد اثنا عشر ميلاً، وهي مرحلتان أي: مسيرة يومين بالسير المعتدل. ويؤخذ من قوله: ((فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ)) أنه رخصة لا واجب، وعليه الشافعي. ((إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا))، يعني: بيني العداوة، ظاهرين في عداوتهم. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ)) أي: سافرتم. ((فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ)) أي: إثم. ((أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ)) يعني: أن تنقصوا الرباعية إلى اثنتين. ((إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ)) أي: أن يقاتلكم الذين كفروا في الصلاة. ((إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا)) يعني: ظاهري العداوة، فلا يراعون حرمة الصلاة فيظهرون عداوتهم إذا رأوكم تصلون فلم يردعهم ذلك عن أن ينالوكم بأذى، فذهب جمهور العلماء إلى أن الآية المراد بها مشروعية صلاة السفر، وليست في صلاة الخوف. فمعنى قوله ﵎: ((فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ)) هو قصر الكمية، وذلك بأن تجعل الرباعية ثنائية، قالوا: وحكمها للمسافر في حال الأمن كحكمها في حال الخوف؛ لتظاهر السنن على مشروعيتها مطلقاً، حيث جاءت السنة لتثبت مشروعية قصر الصلاة في كل الأحوال سواء كان في حالة الخوف أو في حالة الأمن. روى الترمذي والنسائي وابن أبي شيبة عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ خرج من المدينة لا يخاف إلا الله رب العالمين، فصلى ركعتي)، يعني: كان آمناً. وروى البخاري وبقية الجماعة عن حارثة بن وهب ﵁ قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ آمناً ما كان بمنى ركعتين) وهذا في البخاري. وروى البخاري والبقية عن أنس ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً). وقوله تعالى: ((إِنْ خِفْتُمْ)) خرج مخرج الغالب حال نزول الآية، يعني: أنهم حال نزول الآية كان الغالب أنهم إذا انطلقوا في أرجاء الجزيرة مسافرين فإنهم لا يأمنون أن يفتنهم الذين كفروا، إذ كانت أسفارهم بعد الهجرة في مبدئها مخوفة، بل الغالب أنهم ما كانوا يضربون في الأرض إلا في حالة الغزو، ولم يكونوا يخرجون للتجارة ولا للسياحة ولا للنزهة، إنما كانوا يخرجون وقد حشدهم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في السرايا والغزوات. وسائر الأحياء حرب للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. وهذه إحدى الحالات التي لا يعمل فيها بالمفهوم، بل يلغى؛ لأنه خرج مخرج الغالب، والأمثلة على ذلك كثيرة كما في قوله ﵎: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الأنعام:١٥١]، هل معنى ذلك أن الإنسان يمكن أن يقتل ولده بسبب آخر غير الإملاق والفقر؟ لا، لا يمكن؛ وذلك لأن هذه الآية خرجت مخرج الغالب، يعني: كان الأغلب في سبب قتل الأولاد عندهم خوف الإملاق. ومثل قوله ﵎: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء:٢٣]، هل معنى ذلك: أنه لابد أن يكن الربائب في حجور أزواج الأمهات؟ لا، بل يمكن أن تكون بنت الزوجة التي هي الربيبة لا تعيش مع أمها عند زوج أمها، بل تحرم على الرجل بعد الدخول على أمها، فهذا المفهوم أيضاً خرج مخرج الغالب. ومثل قوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠]، هل معنى ذلك: أن هذه الآية لها مفهوم؟ لا، بل هذا خرج مخرج الغالب، بمعنى: أن أغلب الربا إنما يكون أضعافاً مضاعفة، لكن هل يصح أن يؤخذ من مفهوم الآية أنه يجوز للإنسان أن يتعامل بالربا إذا كانت نسبته ضئيلة كما يقول المضللون وعلماء السوء؟! هؤلاء يخدعون الناس بقولهم: إن الربا لو كانت نسبته يسيرة فليس بحرام؛ لأن ربنا قال: ((أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً)) [آل عمران:١٣٠]، فهذا من نفس الباب. يدل أيضاً على أن المراد بالآية صلاة السفر ما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن عن يعلى بن أمية قال: (سألت عمر بن الخطاب ﵁ قلت له: قوله تعالى: ((فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا))، وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر رضي الله تعالى عنه: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)، (صدقة) يعني: حكم ثابت مستمر. وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي حنظلة الحذاء قال: (سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال: ركعتان، فقلت: أين قوله: ((إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)) ونحن آمنون؟ فقال: سنة رسول الله ﷺ . وروى ابن مردويه عن أبي الوداك قال: (سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر فقال لي: هي رخصة نزلت من السماء فإن شئتم فردوها)، يعني: هل من الأدب أن تردوها على الله ، فهذا يدل على أن القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات، وأن ذلك كان مفهوماً عندهم بمعنى الآية. قالوا: ومما يدل على أن لفظ القصر كان مخصوصاً في عرفهم بنص عدد الركعات، يعني: ((وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ)) عرف لدى الصحابة أن كلمة ((تَقْصُرُوا)) تطلق على قصر العدد في الصلاة، وهذه اللغة هي التي تعارفوا عليها رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ولذلك لما صلى النبي ﷺ الظهر ركعتين قال له ذو اليدين: (أقصرت الصلاة أم نسيت؟) لأنه صلى الأربع اثنتين. هناك مذهب آخر في هذه الآية لبعض السلف وهو: أن هذه الآية ليست في صلاة القصر في السفر وإنما هي في صلاة الخوف، فيكون المقصود بالقصر في قوله: (أن تقصروا من الصلاة) ليس قصر كمية عددية وإنما قصر كيفية كما رخص ذلك في السفر، وكما سيأتي إن شاء الله تعالى؛ لأن كمية صلاة السفر ركعتان، فهي باقية على ما كانت عليه في الأصل، حيث إن الصلاة كانت ركعتين في الأصل، فأقرت في السفر وزيدت في الحضر، فإذاً هي باقية على ما هي عليه، وهذا مذهب عمر. قال: ولهذا قال تعالى: ((إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا))، وقال بعدها: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢] إلى آخر الآية، فأوجز في الآية الأولى وأشار إلى مشروعية صلاة الخوف، ثم بين المقصود من القصر هنا وهو قصر الكيفية، وذكر صفته وكيفيته.

стр. 649

تفسير قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) قال ﵎: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء:١٠٢]. قوله: ((وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ)) يعني: إذا كنت يا محمد حاضراً فيهم، وأنتم تخافون العدو. ((فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ)) يعني: فأقمت لهم صلاة الخوف، وهذا جرى على عادة القرآن في الخطاب، فلا مفهوم له، أي: ليس حضوره ﷺ شرطاً لإقامة صلاة الخوف كما سنبين إن شاء الله تعالى عما قريب. وبعض الناس يقولون: إنه لا تصلى صلاة الخوف إلا في حياة الرسول ﵊؛ لأن الله قال: ((وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ))، فإذا لم يكن فهم بعد موته ﵊، ألا يصلي الإمام الناس؟ بلى يصلي، وهذا نفس الاستدلال الذي استدل به بعض مانعي الزكاة في تأويلهم الفاسد لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]، قالوا: هذا فقط في حياة الرسول ﵊، أما إذا مات الرسول ﵊ فنحن لا ندفع لغيره؛ لأن الأمر إنما هو إلى الرسول بنفسه، وسيأتي الرد على ذلك إن شاء الله. ((فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ)) يعني: طائفة تقوم معك وطائفة تتأخر. ((وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ)) يعني: هؤلاء الذين يصلون معك يأخذون أسلحتهم معهم في الصلاة. والمقصود بالأسلحة هنا: الأسلحة التي لا تتعارض مع الصلاة، كالأسلحة الخفيفة التي يسهل حملها أثناء الصلاة دونما مشقة تعيق عن أداء الصلاة. ((فَإِذَا سَجَدُوا)) سجدوا هنا بمعنى: صلوا. ((فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ))، يعني: تكون الطائفة الأخرى من ورائكم، يحرسونكم إلى أن تقضوا الصلاة، ثم تذهب هذه الطائفة لتحرس. ((وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ)) أي: معهم إلى أن تقضوا الصلاة، وقد فعل النبي ﷺ ذلك ببطن نخل كما رواه الشيخان. في هذه الآيات بالذات كما جاء في كتب التفسير أن الصحابة كانوا متحركين في جهة القبلة، والأعداء كانوا في الجهة المقابلة، فكيف تكون صفة هذه الصلاة وهم بهذا الاتجاه؟ يقف صف يصلي وهو مستقبل القبلة مع النبي ﵊، والصف الآخر يقف وراءه يحرسهم، وهو معنى قوله: ((فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ)) وسيأتي بيان تفصيل صلاة الخوف في الأحاديث. ((وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ))، يعني: تمنوا لو تغفلون عن الأسلحة حال قيامكم إلى الصلاة. ((فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً))، يعني: بأن يحملوا عليكم فيأخذوكم، هنا تعليل بالأمر لهؤلاء الذين يصلون بأن يأخذوا معهم الأسلحة.

стр. 650

حكم حمل السلاح في صلاة الخوف وعدمه قوله تعالى: ((وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ))، يعني: فلا تحملوها، وحملها عند عدم العذر يفيد وجوب حمل الأسلحة، لكن إن كان هناك عذر فلهم ألا يحملوا هذه الأسلحة، وهذا أحد القولين للشافعي. والقول الثاني: أن حمل السلاح سنة وليس بواجب أثناء الصلاة، ورجح الشافعي المذهب الثاني. ((وَخُذُوا حِذْرَكُمْ))، يعني: خذوا حذركم من العدو واحترزوا منه ما استطعتم. ((إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا))، أي: عذاباً ذا إهانة.

стр. 651

تفسير قوله تعالى: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله) قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣]. قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ﴾ يعني: إذا فرغتم منها. ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بالتهليل والتسبيح. ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾، يعني: في كل حال؛ لأن الإنسان لا يخلو من حال من هذه الأحوال، إما أن يكون قائماً وإما قاعداً وإما مضطجعاً. ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ﴾، أي: إذا أمنتم. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، أي: أدوها بحقوقها. ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ ((كِتَابًا)) أي: مسطوراً. ((مَوْقُوتًا)) أي: مقدراً وقتها فلا تؤخر عنه.

стр. 652

أقوال المفسرين في تفسير آية صلاة الخوف وما بعدها يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((وَإِذَا كُنتَ)) أي: مع أصحابك شهيداً وأنتم تخافون العدو. ((فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ))، أي: أردت أن تقيم بهم الصلاة، بالجماعة التي لوفور أجرها يتحمل مشاقها. ((فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ))، أي: إذا أنت أردت أن تقيم لهم الصلاة فاقسمهم طائفتين، تصلي بطائفة، ولتقف الطائفة الأخرى بإزاء العدو ليحرسوكم منهم، وإنما لم يصرح به لظهوره. ما الفائدة من قوله: ((فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ))؟ هذا لأن المعنى واضح جداً وظاهر أي: لكي يحرسوكم أثناء الصلاة. ((وَلْيَأْخُذُوا)) أي: الطائفة التي قامت معك تصلي، ((وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ)) أي: معهم؛ لأنه اقرب للاحتياط. ((فَإِذَا سَجَدُوا)) يعني: هؤلاء القائمون معك بعد أداء سجدتي الركعة الأولى وإتمام الركعة يفارقونك. يعني: بعد أن يتموا الركعة الأولى يفارقون النبي ﵊ ويتمون هم صلاتهم. وتقوم إلى الثانية منتظراً الطائفة الثانية. يعني: الإمام يكبر تكبيرة الإحرام بالطائفة الأولى ويصلون معه الركعة الأولى، والطائفة الأخرى تقف خلفهم للحراسة. ((فَإِذَا سَجَدُوا)) يعني: إذا فرغوا من الركعة الأولى بأن سجدوا السجدتين في الركعة الأولى يقومون هم، ويظل الإمام منتظراً مكانه حتى يتموا صلاتهم، ثم يقوم إلى الركعة الثانية. ((فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ)) يعني: هؤلاء الذين فرغوا ينصرفون إلى مقابلة العدو للحراسة. ((وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ)) الطائفة الأخرى التي هي واقفة في اتجاه العدو تأتي لتصلي ركعتها الأولى معك، والتي هي بالنسبة للإمام تكون الثانية، فإذا جلست منتظراً قاموا إلى ثانيتهم وأتموها ثم جلسوا ليسلموا معك. في الأولى يطيل الإمام القيام إلى أن تفرغ الأولى من إتمام صلاتها بالإتيان بالركعة الثانية، وتحلق به الثانية. كذلك الإمام سوف يجلس للتشهد والمجموعة الثانية تكون بقي عليها ركعة، فينتظر جالساً إلى أن يفرغوا هم من الركعة الثانية ثم يدركوه في الجلوس ويسلموا معه. ولم يبين في الآية الكريمة حال الركعة الرابعة الباقية لكل من الطائفتين؛ اكتفاءً ببيانه ﷺ لهم؛ لأن الرسول ﵊ بين ذلك بياناً شافياً كافياً في الأحاديث. ((وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ)) يعني: تيقظهم؛ لأن العدو يظن أن المسلمين قائمون في الحرب، في أثناء الركعة الأولى، فهو سيتصور أنهم جميعاً واقفون مستعدون للحرب، فإذا قاموا إلى الثانية فمجموعة سوف تسجد ومجموعة تقوم، هنا سيفهم العدو أنهم الآن في الصلاة، وقد ينتهز الفرصة في الهجوم عليهم، فلذلك خص هذا الموضوع بزيادة التحذير فقال ﵎: ((وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ))، وكرر هذا المعنى من قبل حيث قال: ((وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ))، وهنا قال: ((وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ)). ثم جاء بمزيد من البيان حيث قال: ((وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً)) هنا كأنه شيء حسي كالآلة سيؤخذ والإنسان يمسكه كما يمسك السلاح ((وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ)). قال الواحدي: فيه رخصة للخائف في الصلاة بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة. وقال أبو السعود: وتكليف كل من الطائفتين بما ذكر لما أن الاشتغال في الصلاة مظنة لإلقاء السلاح والإعراض عن غيرها، ومظنة لهجوم العدو، كما ينطق به قوله تعالى: ((وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا))، أي: تمنوا، ((لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ)) أي: حوائجكم التي بها ((فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً)) أي: يحملون حملة واحدة فيقتلونكم، فهذا هو سبب الأمر بأخذ السلاح، والأمر بذلك للوجوب. ثم قال تعالى: ((وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ)) أي: لا حرج ولا إثم عليكم. ((إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ)) أي: إذا كان في حالة مطر يثقل معها حمل السلاح. ((أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى)) يثقل عليكم حمله بسبب المرض ((أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ)). أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: (نزلت ((إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى)) في عبد الرحمن بن عوف كان جريحاً). ثم أمروا مع ذلك بالتيقظ والاحتياط فقيل: ((وَخُذُوا حِذْرَكُمْ)) لئلا يهجم عليكم العدو غيلة. ((إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا)) أي: عذاباً شديداً يهانون به، وهذا تعليل للأمر بأخذ الحذر، أي: أعد لهم عذاباً مهيناً بأن يخذلهم وينصركم عليهم، فاهتموا بأموركم ولا تهملوا في مباشرة الأسباب كي يحل بهم عذابه بأيديكم. وقيل: لما كان الأمر بالحذر من العدو موهماً لتوقع غلبته واعتزازه نفى ذلك الإيهام بأن الله تعالى ينصرهم ويقيهم عدوهم لتقوى قلوبهم. تكرر في الآية التحذير: ((وَخُذُوا حِذْرَكُمْ))، ((وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا))، ((فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً))، كثرة التحذير قد يوقع في قلوب بعض المؤمنين أن الكفار قد ينتصرون عليهم أو قد ينالون منهم، أو أن غلبتهم متوقعة، فلما وجد هذا الاحتمال نفى الله ذلك الإيهام، وذلك بأن الله تعالى هو الذي ينصرهم وأنه سيقيهم عدوهم، ((إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا)). ومن أسباب تعذيب الكافرين أن الله يعذبهم بأيدي المؤمنين، ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة:١٤]، فهذا العذاب المهين ليس فقط في الآخرة لكنه سيكون على أيديكم، فلا تهملوا في الأخذ بالأسباب والاحتياط وأخذ الحذر والسلاح.

стр. 653

تابع تفسير قوله تعالى: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً) قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣] قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ﴾ يعني: إذا أتممتم الصلاة، دون صلاة الخوف على ما فسر. ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ أي: فداوموا على ذكره تعالى في جميع الأحوال، فإن ما أنتم عليه من الخوف والحذر مع العدو جدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه. أمر تعالى بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف، وإن كان مشروعاً بعد غيرها، يعني: أن ذكر الله يكون بعد صلاة الخوف آكد، لما وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب وغير ذلك مما ليس يوجد في غيرها، كما قال تعالى في الأشهر الحرم: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦]، فهل ظلم النفس بالمعاصي مباح فيما عدا الأشهر الحرم؟ لا، بل هو محرم، لكن هنا آكدية بحرمة ذلك الزمان، كذلك في هذه الحالة المسلمون حاجتهم إلى الذكر أوكد. ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ﴾ أي: سكنت قلوبكم بالأمن وذهب عنكم الخوف. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أي: على الحالة التي كنتم تعرفونها فلا تغيروا شيئاً من هيئتها. ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أي: فرضاً مؤقتاً، لا يجوز إخراجها عن أوقاتها.

стр. 654

ما يتعلق بقوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) من أحكام وأقوال فيما يتعلق بظاهر قوله تعالى: ((وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ)) هناك من لم ير صلاة الخوف بعده ﷺ ، حيث زعموا أن صلاة الخوف كانت خاصة بعهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: إن الله اشترط كونه فيهم، فقال: ((وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ)) ومفهومها: أنه بعد وفاته ﵊ لا تشرع صلاة الخوف، ولا يخفى أن الأئمة والخلفاء بعد الرسول ﵊ يقومون مقامه، فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له ﷺ ، كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] هذه ليست خاصة بالرسول ﵊، بل الإمام عليه بعد ذلك أن يقوم بنفس الوظيفة في جمع الزكاة. وقد قال ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على مفهوم قوله تعالى: ((وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ)). وقد روى أبو داود والنسائي والحاكم وابن أبي شيبة وغيرهم عن سعيد بن العاص أنه قال: (كنا في غزوة ومعنا حذيفة فقلنا: أيكم شهد مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فأمرهم حذيفة فلبسوا السلاح، ثم قال: إن هاجكم هيج فقد حل لكم القتال، فصلى بإحدى الطائفتين ركعة والأخرى مواجهة العدو، ثم انصرف هؤلاء فقاموا مقام أولئك، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة أخرى ثم سلم بهم)، وكانت الغزوة بطبرستان، قال بعضهم: وكان ذلك بحضرة الصحابة رضي الله تعالى عنهم فلم ينكره أحد، فحل محل الإجماع. وروى أبو داود: (أن عبد الرحمن بن سمرة صلى بكابل صلاة الخوف).

стр. 655

تفسير سورة النساء [١٢٧ - ١٣٤]

стр. 656

تفسير قوله تعالى: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن) قال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النساء:١٢٧]. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في الآية وهي قوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾، قال: (كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبداً، فإن كانت جميلة وهويها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبداً حتى تموت، فإذا ماتت ورثها، فحرم الله ذلك ونهى عنه). هذا فيما يتعلق بقوله ﵎: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ [النساء:١٢٧]). قوله: ((ويستفتونك في النساء)) أي: يطلبون منك الفتوى في شأن النساء عامة، فبين تعالى أن ما لم ينزل حكمه ويبين فسيأتي فيما بعد: ((قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ)) يعني: ويفتيكم أيضاً فيما قد سبق تبيينه من الأحكام. ((فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ)) من المهر أو الميراث. ((وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ)) وترغبون عن أن تنكحوهن. ثم قال تعالى: ((وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ)) هذا عطف على يتامى النساء، إذا قلنا: إنه عطف على يتامى النساء يكون المعنى صحيحاً، (وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء) وما يتلى عليكم أيضاً في حق المستضعفين من الولدان، وهو قوله ﵎: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:١١] إلى آخره، وقد كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء، فكما كانوا يحرمون النساء من الميراث كانوا أيضاً يحرمون المستضعفين من الولدان، وإنما يورثون الرجال القوام. قال ابن عباس في الآية: (كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات، وذلك قوله تعالى: ((لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ))، فنهى الله عن ذلك، وبين لكل ذي سهم سهمه، فقال : ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]). أتت صفة الذكر والأنثى عامة، يعني: سواء كان الولد ذكراً أو أنثى صغيراً أو كبيراً، فللذكر عموماً صغيراً أو كبيراً مثل حظ الأنثيين. وكذا قال سعيد بن جبير. فهذا معنى قوله: (والمستضعفين من الولدان) يعني: وما يتلى عليكم في المستضعفين من الولدان. ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾، (وأن تقوموا لليتامى) بالجر عطف على ما قبله، يعني: وما يتلى في حق هؤلاء اليتامى كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء:٢]، فهذا هو ما يتلى علينا في شأن اليتامى، وأمرنا أن نقوم بحقهم بالقسط، ونحو ذلك مما لا يكاد يحصر في الأمر برعاية حق اليتامى. قال سعيد بن جبير: كما أنها إذا كانت ذات جمال ومال نكحتها واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات مال وجمال فانكحها واستأثر بها. والخطاب هنا للولاة أو للأولياء.

стр. 657

الأحكام المستنبطة من قوله تعالى: (ويستفتونك في النساء) واستنبط من هذه الآية أحكام منها: جواز نكاح الصغيرة؛ لأن اليتيم هو الصغير الذي لم يبلغ. وفي الحديث عنه ﷺ قال: (لا يتم بعد احتلام)، رواه أبو داود. وعن الأصم أراد البوالغ قبل التزوج، يعني: ذهب الأصم إلى أن تسمية المرأة باليتيمة باعتبار ما كان، وأن المقصود باليتيمة البالغة وليست الصغيرة؛ وذلك لقوله ﵎: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦]. المقصود باليتامى هنا: الذين كانوا يتامى إلى عهد قريب، لكن لشدة قرب العهد باليتم بقي عليهم وصف اليتامى، فسماهن باليتم لقرب عهدهن باليتم. والأول أظهر؛ لأنه الحقيقة. وقالوا أيضاً: مما يدل على أن المقصود باليتيمة البالغة قوله ﵌: (تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها)، رواه أهل السنن. قالوا: والاستئمار لا يكون إلا من البالغة. وقد ورد قول الشاعر: إن القبور تنكح الأيامى النسوة الأرامل اليتامى يعني: هذه شواهد تدل على أن كلمة اليتامى قد تطلق على النساء الكبار البوالغ. فسمى البالغات يتامى لانفرادهن عن الأزواج، وكل شيء منفرد لا نظير له يقال له: يتيم، كما تقول: الدرة اليتيمة يعني: التي لا ثانية لها، وهذه المسألة فيها أقوال للعلماء ونكتفي بما أشرنا إليه.

стр. 658

تفسير قوله تعالى: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً) قال ﵎: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء:١٢٨]. (وإن امرأة) امرأة اسم مرفوع بفعل يفسره قوله تعالى: (خافت) يعني: إن خافت امرأة. (وإن امرأة خافت) يعني: توقعت. (من بعلها) يعني: من زوجها. (نشوزاً) يعني: ترفعاً عليها بترك مضاجعتها، والتقصير في نفقتها؛ لبغضها وطموح عينه إلى أجمل منها. (أو إعراضاً) أي: أو إعراضاً عنها بوجهه. (فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً) وفي قراءة (أن يصّالحا بينهما صلحاً) وأصلها أن يتصالحا، فأدغمت التاء في الصاد وشددت فصارت (أن يصّالحا بينهما صلحاً). (بينهما صلحاً) في القسم والنفقة، يعني: في المبيت وفي النفقة. هذا الصلح يكون فيه نوع من التنازل من جانب المرأة كي تبقى زوجة له، وتضحي ببعض حقوقها عليه كي لا يطلقها ويعدل إلى غيرها. فتترك له شيئاً طلباً لبقاء الصحبة، فإن رضيت بذلك وإلا فعلى الزوج أن يوفيها حقها أو يفارقها. إما أنها ترضى بهذا الصلح الذي فيه التنازل عن بعض حقوقها، فإن لم ترض بذلك فعليه أن يوفيها حقها كاملاً أو يفارقها. (والصلح خير) (خير) هنا أفعل تفضيل، يعني: والصلح خير من الفرقة والنشوز والإعراض. وعن ابن عباس ﵄: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. قال تعالى في بيان ما جبل عليه الإنسان: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾، يعني: شدة البخل، فهي جبلت عليه فكأنها حاضرة لا تغيب عنه، وكأن الشح صفة لازمة للإنسان أو للنفس البشرية، فهذا تعبير عن شدة لصوق هذه الصفة بالإنسان. والمعنى: أن المرأة لا تكاد تسمح بنصيبها من زوجها بسبب وجود هذا الشح، فلا تكاد أبداً تسمح بنصيبها من زوجها، كذلك الرجل لا يكاد يسمح لها بنفسه إذا أحب غيرها. (وإن تحسنوا) أي: عشرة النساء. (وتتقوا) أي: تتقوا الجور عليهن. (فإن الله كان بما تعملون خبيراً) يعني: فيجازيكم به.

стр. 659

أقوال المفسرين في تفسير النشوز والإعراض والصلح بين الزوجين يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ أي: زوجها. (نشوزاً) أي: تجافياً عنها وترفعاً عن صحبتها بترك مضاجعتها والتقصير في نفقتها. (أو إعراضاً) أي: إعراضاً عنها بوجهه، أو أن يقل محادثتها ومجالستها كراهة لها، أو لطموح عينه إلى أجمل منها. (فلا جناح عليهما) يعني: حينئذ لا حرج عليهما. (أن يصلحا بينهما صلحاً) يعني: أن يحصل نوع من الصلح بينهما بحط شيء من المهر أو النفقة، فتحط هي عنه إن كان لها مؤخر صداق، وتصالحه على أنها تخفف له أو تسامحه بقدر منه، أو تعفو عنه في قدر من المهر أو النفقة، أو تهبه شيئاً من مالها من أجل الإصلاح، أو تضحي ببعض الوقت المخصص لها طلباً لبقاء الصحبة، لكن بشرط أن يكون ذلك عن رضاً وطواعية منها، وإلا إن لم يكن رضاً فعلى الزوج أن يوفيها حقها إذا استبقاها، أو يفارقها إذا لم تقبل ذلك الصلح. قال في الإكليل: الآية أصل في هبة الزوجة حقها من القسم وغيره. استدل به من أجاز لها بيع ذلك. (والصلح خير) أي: من الفرقة والنشوز والإعراض. وعامة الناس يستدلون على كراهة الطلاق بالحديث الضعيف المشهور: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)، وهذا لا يصح عن النبي ﷺ ، ويغني عنه ما في القرآن من مواطن يستنبط منها كراهة الطلاق كهذه الآية: ((فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ)) الصلح خير من النشوز وخير من الإعراض وخير من الطلاق وخير من الفرقة، فهذا يفيد ضمناً كراهة الطلاق، كذلك مما يفيد كراهة الطلاق قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، هذا حث على إمساكها وعدم طلاقها. قال ابن كثير: بل الطلاق بغيض إليه ، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)، وسبق أن أشرنا إلى ضعف هذا الحديث. وفي هذه الآية حث الزوج على الصبر على الزوجة حتى لو كره صحبتها، وأن الأفضل له أن يصبر والصلح خير من الفرقة، وخير من سوء العشرة، وخير من الخصومة، أو خير من الطلاق والفرقة، وقد كان من كرم أخلاقه ﵌ أنه كان يكرم صواحب خديجة بعد موتها، فانظر إلى حسن العشرة كيف يمتد إلى ما بعد وفات أم المؤمنين خديجة ﵂، وكان ﵊ يكرم كل من كانت تحب خديجة أو تقربه منها، حتى إن صواحبها من النساء كان ﵊ يكرمهن بعد موتها رضي الله تعالى عنها. فعن عائشة ﵂ قالت: (ما غرت على امرأة للنبي ﷺ ما غرت على خديجة وقد هلكت قبل أن يتزوجني لما كنت أسمعه يذكرها). (هلكت) بمعنى: ماتت. قال : ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾ [غافر:٣٤]، أي: حتى إذا مات، وقال تعالى: ﴿امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء:١٧٦]، أي: مات. فـ عائشة رضي الله تعالى عنها لما كانت تسمع النبي ﷺ الله عليه وسلم يذكر خديجة بعد موتها كانت تغار هذه الغيرة من كثرة ما كان النبي ﵌ يذكرها بالخير ويثني عليها، وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في صدائق خديجة وصواحب خديجة رضي الله تعالى عنها من الشاة قدراً يكفيهن وينفعهن. وعنها أيضاً ﵂ قالت: (ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة من كثرة ذكر رسول الله ﷺ إياها، قالت: وتزوجني بعدها بثلاث سنين، وأمره ربه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب). وعن عائشة ﵂ قالت: (ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة وما رأيتها)، مع أنها لم ترها لكن كانت تغار منها، وكان النبي ﷺ يكثر من ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها ثم يبعثها في صدائق خديجة فربما قلت له في بعض الأحيان: (كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها الولد)، فيذكر مناقبها فيقول: كانت كذا وكانت كذا وكانت كذا، وكان لي منها الولد. وعنه ﵌ أنه قال: (إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه)، وهذا فيه لزوم وثبات على الإحسان لمن كان له أدنى صلة ممن يحبه من أب أو زوج أو غير ذلك، وفي هذا ما لا يحصر من المحاسن والفضائل. والصلح فيه من أنواع الترغيب، ففي الحديث: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً). واستدل بعموم الآية من أجاز الصلح على الإنكار. قوله تعالى: (وأحضرت الأنفس الشح) فيه بيان لما جبل عليه الإنسان، أي: جعلت حاضرة له مطبوعة عليه لا تنفك عنه أبداً. كأن الشح ختم على النفوس. فلا تكاد المرأة تسمح بالنشوز والإعراض وحقوقها من الرجل، ولا الرجل يسمح أيضاً بإمساكها مع القيام بحقوقها على ما ينبغي إذا كرهها أو أحب غيرها. وقوله تعالى: (والصلح خير) هذا للترغيب في المصالحة. وقوله تعالى: (وأحضرت الأنفس الشح) لتمييز العذر في المشاحة والحث على الصلح؛ لأنها تعطي الإنسان عذراً إذا حصل أثناء المفاوضات لهذا الصلح نوع من الخصومة والاختلاف، فإذا تلا قوله تعالى: (والصلح خير) رغب في الصلح، فإذا حصل أثناء الصلح مشاحة واختلاف منهم في الاتفاق، ثم تذكر قوله تعالى: (وأحضرت الأنفس الشح) فيكون فيها نوع من المواساة للطرف الذي يلقى الخصومة من الآخر. يقول: فإن شح نفس الرجل وعدم ميلها عن حالتها الجبلية بغير استمالة مما يحمل المرأة على بذل بعض حقوقها إليه لاستمالته، وكذا شح نفسها بحقوقها مما يحمل الرجل على أن يقتنع من قبلها بشيء يسير، ولا يكلفها بذل الكثير، فيتحقق بذلك الصلح. قوله تعالى: (وإن تحسنوا) أي: في العشرة. (وتتقوا) النشوز والإعراض، ونقض الحق. (فإن الله كان بما تعملون) من تحمل المشاق في ذلك. (خبيراً) فيجازيكم ويثيبكم. ويلاحظ هنا أن خطاب الأزواج أتى بطريق الالتفات، يقول : ((وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ))، فهذا كلام يقال للغائب، ثم التفت من الغيبة إلى الخطاب فقال: ((وَإِنْ تُحْسِنُوا)) وهذا فيه تنبيه، ففي خطاب الأزواج بطريق الالتفات، وقوله: (وإن تحسنوا) عبر عن رعاية حقوقهن بالإحسان. (وتتقوا) ولفظ التقوى المنبئ عن كون النشوز والإعراض مما يتوقى منه، وتتقوا النشوز وتتقوا الإعراض عنهن، وترتيب الوعد الكريم عليه في قوله: (فإن الله كان بما تعملون خبيراً) هذا فيه الاستمالة والترغيب في حسن المعاملة. وفي البخاري عن عائشة ﵂ في هذه الآية قالت: (الرجل تكون عنده المرأة المسنة ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها بعد ما أسنت فتقول: أجعلك من شأني في حل، فنزلت هذه الآية في ذلك). فتبقى زوجة له ويمسكها على أن تتسامح عن بعض حقوقها أو عن حقوقها حسبما يصطلحان). وروى ابن أبي حاتم عن خالد بن عرعرة قال: (جاء رجل إلى علي ﵁ فسأله عن قول الله : ((وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ))، قال علي: يكون الرجل عنده المرأة فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو كبرها أو سوء خلقها أو قذذها فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئاً حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج). وكذا رواه أبو داود الطيالسي وابن جرير. وروى ابن جرير أيضا عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن هذه الآية فقال: (هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها، فيتزوج المرأة الشابة يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز). وروى سعيد بن منصور عن عروة قال: (أنزل في سودة (وإن امرأة) إلى آخر الآية). وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت ففرقت -يعني: خافت- أن يفارقها رسول الله ﷺ ، ضنت أن تخسر ارتباطها بالنبي ﵌، وعرفت من حب رسول الله ﷺ عائشة ومنزلتها منه، فوهبت يومها من رسول الله ﷺ لـ عائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ . وروى الحاكم عن عروة عن عائشة أنها قالت له: (يا بن أختي كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم في مكثه عندنا -يعني: كان يعدل بينهن في القسم- وكان قل يوم إلا وهو يطوف على نسائه، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت، وفرقت -أي: خافت- أن يفارقها رسول الله ﷺ : يا رسول الله! يومي هذا لـ عائشة فقبل ذلك رسول الله ﷺ منها، قالت: فنزل في ذلك قول الله تعال

стр. 660

تفسير قوله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء) قال ﵎: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٢٩]. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا) تسووا. (بين النساء) في المحبة. (ولو حرصتم) على ذلك. (فلا تميلوا كل الميل) إلى التي تحبونها في القسم والنفقة. (فتذروها) أي: تتركوا الممال عنها. (كالمعلقة) التي لا هي أيم، ولا هي ذات بعل. يعني: لا هي مزوجة ولا هي مطلقة. (وإن تصلحوا) بالعدل في القسم. (وتتقوا) الجور. (فإن الله كان غفوراً) لما في قلبكم من الميل. (رحيماً) بكم في ذلك.

стр. 661

شبهات وردود حول تعدد الزوجات كتب القاضي كنعان في الحاشية عن قوله تعالى: ((وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ))، يقول: الإنسان لا يستطيع أن يعدل بين زوجاته في محبة القلب، وهذا شيء لا خلاف فيه، ولكن لا عذر له في عدم العدل في البيتوتة والنفقة بجميع أنواعها. يعني: يجب عليه أن يعدل في هذه الحقوق، وهي القسم الذي هو المبيت، والنفقة، فإذا أتى مثلاً بهدية لواحدة فيعطي الجميع. ثم يقول: فعدم المساواة بينهن في ذلك ظلم -يعني: من الظلم ألا يعدل بينهن في النفقة وفي القسم- والظلم ظلمات يوم القيامة، والرسول ﷺ كان الأسوة الحسنة للزوج العادل المحسن إلى أهله، وبه يجب أن يأتسي المسلمون، فقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كان النبي ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)، وأحسب أن هذا الحديث ضعيف، والله تعالى أعلم. وإذا صح فيكون معناه: ما أملك وهو النفقة والقسم فسأعدل أما غير ذلك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك وهو ميل القلب ومحبته، وقد حذر ﷺ من عدم العدل بين الزوجات فقال: (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط)، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. ولقد أباح الله تعالى للمسلم القادر أن يجمع في عصمته أربع زوجات، بعد أن كان التعدد في الجاهلية مطلقاً لا حد له، ونبه إلى وجوب الاكتفاء بواحدة، أو بملك اليمين عند الخوف من عدم العدل بينهن، فقال تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [النساء:٣]. أما الذين لم تعجبهم إباحة التعدد فإنهم رفضوا الحلال وأباحوا لأنفسهم وللناس الحرام، فشرعوا للناس قوانين تمنع التعدد وتعاقب عليه، وتبيح الزنا ولا تعاقب عليه إذا حصل برضا الطرفين، وعامة القوانين تعبر بالاغتصاب عن فعل الفاحشة بدون تراض، أما إذا كان الزنا بالتراضي فليس بجريمة، فالله المستعان! وفي تونس حوكم بعض الناس بتهمة أنه ارتكب جريمة الزواج من امرأة ثانية، فالمحامي كما يقولون كان حاذقاً واستطاع بحذقه كما يزعم الناس أن يخرجه من هذه الجريمة مثل الشعرة من العجين، إذ أثبت المحامي أنها عاشقة وليست زوجة، وخليلة وليست حليلة، والله المستعان! ويجب على النساء اللائي فيهن نوع من الأنانية أن يفهمن أن الذي ينتفع بتعدد الزوجات هو قسم كبير جداً من النساء وليس فقط الرجال، مع أنه معروف أن المرأة جبلت على الغيرة الشديدة، لكن هذا أصلح وأنسب وأفضل للمرأة. فإذاً: هناك قسم كبير من النساء يكون التعدد أنسب لظروفهن، وأفضل لهن من أن تبقى بلا زوج. فالقضية ليست قضية القومية النسائية كما يحاولون أن يصوروا أن الرجال في جانب والنساء في جانب، قوم الرجال ضد قوم النساء، والحقيقة أن هذا التعدد فيه مصلحة حتى للنساء، بل إن كثيراً من المجتمعات الإسلامية الآن لم يعد لها مخرج على الإطلاق من الفتن التي تموج بها إلا بتعدد الزوجات. وحصل هذا حتى في بعض المجتمعات الكافرة حيث أباحوا تعدد الزوجات باعتباره مخرجاً من الضياع الذي صارت فيه هذه المجتمعات، ولاشك أن القضية حساسة تحتاج أن نتناولها من كل جوانبها، ونرجو فيما بعد أن تكون هناك فرصة للتفصيل إن شاء الله. يقول القاضي كنعان: فشرعوا للناس قوانين تمنع التعدد وتعاقب عليه، وتبيح الزنا ولا تعاقب عليه إذا حصل برضا الطرفين، فأي الحكمين خير للمرأة: أن تكون زوجة شريفة، أم أن تكون خليلة، ثم إن الإسلام لم يفرض التعدد. يعني: التعدد ليس بواجب بل مجرد حكم مشروع لم يفرض فرضاً؛ لأن بعض الناس وخاصة أعداء الإسلام في الخارج يحاولون التشنيع على الإسلام، فإذا تكلمت مع أي واحد منهم عن رأيه أو فكرته عن الإسلام فتراه ما يعرف عن الإسلام سوى أن الإسلام يوجب على المسلم أن يتزوج بأربع نساء. ولهم كثير من الافتراءات في هذا ومنها: أن الرجل المسلم لا يضع العصا عن عاتقه، وأنه يجب عليه أن يضرب زوجته في الصباح وفي المساء كل يوم كما يزعمون ويفترون، وهم يقولون هذا للتنفير عن دين الله والصد عن سبيل الله . حتى إن تعدد الزوجات في مجتمعاتنا نادر جداً، والذي يحيي هذه الشريعة نادر جداً في المجتمع، حيث إن ظروف الناس حالت دونها، بل تجد أحياناً الشباب لا يتزوج حتى واحدة إلا بعد الأربعين أو الخامسة والثلاثين. إذاً: أين مشكلة تعدد الزوجات؟! هي كلها عبارة عن أزمات مصطنعة وليست طبيعية؛ لترويج الفواحش في المجتمع، حيث يضيقون على الناس من جهة ثم يفتحون النوافذ إلى الحرام من جهة أخرى، فالله المستعان!! يقول: والإباحة معلق بإرادة الرجل والمرأة، فلماذا تقبل المرأة أن تكون ضرة لمرأة أخرى؟ فإذا كان التعدد غير لائق كما يزعمون ويزعمن فإن بإمكان النساء وحدهن منعه؛ وذلك بامتناعهن عن القبول بزوج متزوج، وهذا ما لا يفعلنه. إذاً: التعدد ليس فريضة بل مجرد شيء مشروع للرجل له أن يفعله أو لا يفعله، وكذلك المرأة لها أن تفعله أو لا تفعله، فإذا كانت القومية النسائية متفقه كلها على إنكار موضوع التعدد، فالنساء يستطعن أن يمنعن التعدد تماماً؛ وذلك بأن يرفضن الزواج من الرجل المتزوج. معلوم أن التعدد فيه مصلحة لطائفة كثيرة جداً من النساء، ويكون أنسب لهن وأفضل لظروفهن. وهذه الآية مما يشغب به كثير من الذين يحرفون كلام الله عن مواضعه حينما يقولون: القرآن جمع بين المتناقضات والعياذ بالله، وبعض الناس يتكلفون فيقولون: إن الله علق إباحة التعدد على القيام بالعدل، وقالوا: إن هذا الشرط المذكور في هذه الآية يستحيل أن يتحقق، فهو علق على شرط لا يتحقق وغير مستطاع وهو العدل، واستدلوا بهذه الآية: ((وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ))، بينما في الحقيقة العدل في الآية الأولى غير العدل في هذه الآية. فقوله ﵎ في صدر سورة النساء: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣]، العدل هنا هو الذي يملكه الإنسان، كالعدل في المبيت وفي النفقة، هذه الأشياء الرجل لا عذر له إذا أخل بها، أما العدل هنا في قوله : ((وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا)) فالمقصود به: الميل القلبي الذي لا يملكه الإنسان. كان ﵊ يقول في عائشة: (إن الله رزقني حبها)، فإذا كانت المحبة رزقاً فالله يبسط الرزق لمن شاء ويقدر. فهذا الأمر ليس من كسبه وهو فوق طاقته، لكنه مأمور بالعدل الذي يستطيعه وهو العدل في النفقة وفي القسم، أما العدل في الميل القلبي فهذا يعذر الإنسان فيه، ((وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ)) أي: تسووا بينهن في جميع الوجوه، بحيث لا يقع ميل ما إلى جانب إحداهن في شأن من الشئون، فإنه وإن وقع القسم الصوري ليلة وليلة، فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع، كما قاله ابن عباس وغيره. (ولو حرصتم) يعني: ولو حرصتم على إقامة العدل وبالغتم في ذلك لن تستطيعوا؛ لأن الميل القلبي يقع بلا اختيار. وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)، يعني: لا تلمني في ميل القلب، رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وذكرنا أنه ضعيف. (فلا تميلوا كل الميل) يعني: إذا ملتم إلى واحدة منهن، فلا تبالغوا في الميل إليها. ولا تتمادوا في ذلك، ولكن ثبتوا أنفسكم فلا تميلوا كل الميل؛ لأنك إذا ملت كل الميل ستضيع العدل الواجب الذي تملكه وتستطيعه وهو القسم. (فتذروها) أي: تذروا التي ملتم عنها. (كالمعلقة) أي: بين السماء والأرض، لا تكون في إحدى الجهتين، فهي لا ذات زوج ولا مطلقة. وروى أبو داود الطيالسي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شدقيه ساقط)، هذه الرواية هنا بلفظ: (شدقيه) لكن الأصح والله أعلم أنها (شقيه) أي: جانبه. (وإن تصلحوا) أي: نفوسكم بالتسوية والقسمة بالعدل فيما تملكون. (وتتقوا) أي: الحيف والجور. (فإن الله كان غفوراً رحيماً) فيغفر لكم ما سلف من ميلكم.

стр. 662

تفسير قوله تعالى: (وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته) قال ﵎: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ [النساء:١٣٠]. قوله: (وإن يتفرقا) أي: الزوجان بالطلاق. (يغن الله كلاً) عن صاحبه. (من سعته) أي: من فضله؛ بأن يرزقها زوجاً غيره، ويرزقه غيرها. ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾، أي: لخلقه في الفضل. ﴿حَكِيمًا﴾، فيما دبره لهم. والمعنى: إن يتفرق الزوج والمرأة بالطلاق بأن لم يتم الصلح بينهما، فالشرع لا يقبل أن تبقى المرأة كالمعلقة، ولعلكم تلحقون ذلك بحكم الإيلاء المذكور في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة:٢٢٦] فمن حلف أن لا يقرب المرأة ولم يحدد أجلاً فالشرع يقول: هذا الوضع الذي هو إلى الأبد دون تحديد ليس في الإسلام، لكن ينظر المولي ويمهل أربعة أشهر ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة:٢٢٦]، أي: إن رجعوا وأصلحوا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٦ - ٢٢٧]، فيقول تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا) أي: لم يتم الصلح بينهما، ففي هذه الحالة إذا اختارا الفرقة (يغن الله كلاً) منهما (من سعته) ويجعله مستغنياً عن الآخر. وقوله: (من سعته) أي: من غناه وجوده وقدرته، وفيه زجر لهما عن المفارقة رغماً لصاحبه، بمعنى ألا يكون هناك إرغام من أحد الطرفين للآخر، فالله سيعوضه بعد الطلاق، وهذه الآية فيها تعزية ومواساة وتسلية لهما. ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ [النساء:١٣٠] أي: واسع الفضل ﴿حَكِيمًا﴾ [النساء:١٣٠] أي: في جميع أفعاله وأقداره وشرعه.

стр. 663

تفسير قوله تعالى: (ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً) قال ﵎: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:١٣١ - ١٣٢]. قال تعالى: ((وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)) الكتاب هنا بمعنى: الكتب. ((مِنْ قَبْلِكُمْ)) أي: اليهود والنصارى. ((وَإِيَّاكُمْ)) يا أهل القرآن. ((أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)) بأن خافوا عقابه وذلك بأن تطيعوه. ((وَإِنْ تَكْفُرُوا)) وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا بما وصيتم به. ((فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)) خلقاً وملكاً وعبيداً فلا يضره كفركم. ((وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا)) أي: عن خلقه وعبادتهم. ((حَمِيدًا)) أي: محموداً في صنعه بهم. ((وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)) كرره تأكيداً لتقرير موجب التقوى. ((وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)) أي: شهيداً بأن ما فيهما له.

стр. 664

وجه تكرار قوله تعالى: (ولله ما في السماوات وما في الأرض) الآيات في الحقيقة هنا شيء يلفت النظر في هذه الجملة من الآيات، يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] ثم قال: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء:١٣١]، ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:١٣٢]. ذكره ثالثاً إما لتقرير كونه تعالى غنياً حميداً، فإن جميع المخلوقات تدل بحاجتها على غناه، وبما أفاض عليها من الوجود وأنواع الخصائص والكمالات على كونه حميداً. وإما تمهيداً للاحقة (إن) الشرطية، وهو بيان كونه تعالى قادراً على جميع المقدورات، أي: له سبحانه ما فيهما من الخلائق خلقاً وملكاً، فهو قادر على الإفناء والإيجاد، فإن عصيتموه أيها الناس! فهو قادر على إعدامكم وإفنائكم بالكلية، وعلى أن يوجد قوماً آخرين يشتغلون بعبادته وتعظيمه، فذكر هذه الكلمات في هذا المقام ثلاث مرات؛ لتقرير ثلاثة أمور في سياقها كما بينا. وقال الرازي: إذا كان الدليل الواحد دليلاً على مدلولات كثيرة؛ فإنه يحصل ذكر ذلك الدليل ليستدل به على أحد تلك المدلولات، ثم يذكر مرة أخرى ليستدل به على الثاني، ثم ثالثاً ليستدل به على المدلول الثالث. وهذه الإعادة أحسن وأولى من الاكتفاء بذكر الدليل مرة واحدة؛ لأنه عند إعادة ذكر الدليل يخطر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول، فكان العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجلى، فظهر أن هذا التكرير في غاية الحسن والكمال. وأيضاً: فإذا أعدته ثلاث مرات، وفرعت عليه في كل مرة إثبات صفة أخرى من صفات جلال الله، تنبه الذهن حينئذ؛ لكون تخليق السماوات والأرض دالاً على أسرار شريفة، ومطالب جليلة؛ لأنه كلما ذكر هذا الجزء من الآية احتف بذكر صفات لله غير المذكورة في المرة السابقة. ففي الأولى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، ثم قال: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾، ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. فعند ذلك يجتهد الإنسان في التفكر بما في السماوات والأرض؛ لأن هناك إشارة إلى أنه ينبغي عليكم أن تتفكروا فيما هو في السماوات والأرض، والاستدلال بأحوالها وصفاتها على صفات الخالق . ولما كان الغرض الكلي من هذا الكتاب الكريم صرف العقول والأفهام عن الاشتغال بغير الله إلى الاستغراق في معرفة الله، وكان هذا التكرار مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده، لا جرم كان في غاية الحسن والكمال. ((وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)) أي: رباً حافظاً توكل بالقيام بجميع ما خلق.

стр. 665

تفسير قوله تعالى: (إن يشأ يذهبكم أيها الناس) قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء:١٣٣]. ((إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ)) أي: يفنكم ويستأصلكم بالمرة. ((وَيَأْتِ بِآخَرِينَ)) يعني: يوجد مكانكم قوماً آخرين من البشر أو خلقاً آخرين مكان الإنس، ولكن الله أبقاكم على ما أنتم عليه من العصيان. إذا نظرنا للإنسانية كلها فسنرى الكفر والإلحاد ومحاربة الله والصد عن سبيله إلى غير ذلك مما يحتف به سكان هذه الأرض، فالمقصود من الآية أن إبقاءكم رغم ما أنتم فيه من العصيان إنما هو لكمال غناه عن طاعتكم، ولعدم تعلق مشيئته المبنية على الحكم البالغة بإفنائكم، لا لعجزه ، وإمهال الله إيانا ليس عجزاً منه عن أن يؤاخذنا، فإن الله قادر على أن يذهب بنا ويأتي بقوم آخرين. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ أي: على إهلاككم بالمرة والإتيان بغيركم. ((قَدِيرًا)) أي: بليغ القدرة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٦ - ١٧]. قال بعض السلف: ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا أمره.

стр. 666

تفسير قوله تعالى: (من كان يريد ثواب الدنيا) قال : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤]. قوله: (من كان يريد ثواب الدنيا) كالمجاهد يجاهد لطلب الغنيمة (فعند الله ثواب الدنيا والآخرة) أي: أنه يستطيع بهذا الجهاد نفسه الذي يفعله أن يطلب ثواب الدنيا والآخرة، كما له أن يطلب أخسهما ويقتصر على طلب الدنيا، فليطلبهما أو ليطلب الأشرف منهما وهو ثواب الآخرة، كما قال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة:٢٠٠ - ٢٠٢]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨]، إلى آخر الآيات. وقال بعضهم: عني بالآية مشركو العرب، فإنهم كانوا يقرون بأن الله تعالى خالقهم ولا يقرون بالبعث يوم القيامة، وكانوا يتقربون إلى الله تعالى؛ ليعطيهم من خير الدنيا ويصرف عنهم شرها. (من كان يريد ثواب الدنيا) هذا كما كان يفعله هؤلاء المشركون، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة، هناك بعث ونشور وجنة ونار، فعليهم أن يرجو جلب الخير في الآخرة، ودفع الشر فيها أيضاً. (وكان الله سميعاً بصيراً) فلا يخفى عليه خافية ويجازي كلاً بحسب قصده.

стр. 667

تفسير سورة النساء [١٤٨ - ١٤٩]

стр. 668

تفسير قوله تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول) قال ﵎: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء:١٤٨]. قوله: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول) يعني: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد، إلا أن يكون مظلوماً فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: (إلا من ظلم) وإن صبر فهو خير له. (وكان الله سميعاً عليماً) سميعاً لما يقال، عليماً بما يفعل.

стр. 669

أقوال المفسرين في معنى قوله: (إلا من ظلم) يقول القاسمي رحمه الله تعالى: قال الله : ((لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ)) أي: لا يحب الله تعالى أن يجهر بالقبيح من القول، (إلا من ظلم) إلا جهر المظلوم بأن يدعو على ظالمه أو يتظلم منه، ويذكره بما فيه من السوء، فإن ذلك غير مسخوط عنده ، حتى إنه يجيب دعاءه؛ لأن الله حرم الظلم كما جاء في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) وقال ﷺ : (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)، رواه مسلم. وقال ﷺ لـ معاذ لما بعثه داعياً إلى الإسلام: (اتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). قوله: (إلا من ظلم) يعني: إلا جهر المظلوم إذا دعا على ظالمه، أو إذا تظلّم به عند القاضي أو الحاكم، وحكى هذا الظلم الذي وقع عليه، فهذا أيضاً لا يدخل في قوله: ((لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ)). ومعلوم أن أنواع الظلم كثيرة كما جاء عن السلف، حيث ذكروا أنواعاً منه، وليس المراد حصر معنى الآية فيه، بل القصد تنبيه المستمع على أنواع من الظلم. فمن ذلك ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في الآية قال: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوماً، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: (إلا من ظلم)، وإن صبر فهو خيرٌ له؛ لأنه إذا دعا عليه فقد أخذ حقه، وإن ادخرها للآخرة فهذا أفضل. وعن مجاهد قال: هي في رجل أضاف رجلاً فأساء قراه فتحول عنه، والقراء: هو ما يؤدى للضيف وعند العرب فضلاً عن المسلمين من المذلة والمعرة أن الضيف يهجر الشخص الذي أضافه، ويتحول عنه ثم يثني عليه. وكلمة الثناء تطلق على الخير، وتطلق على الشر، تقول: أثنى عليه خيراً، وأثنى عليه شراً، للحديث الذي في الجنازة (لما مرت جنازة رجل، فأثنوا عليها خيراً، ولما مر رجل آخر سيئ فأثنوا عليه شراً). والثناء في هذا السياق المقصود به الشر، يعني: شنع عليه، واشتكى منه وجهر بمذمته؛ لأنه قصر في ضيافته؛ لذلك يقول مجاهد: هي في رجل أضاف رجلاً فأساء قراه، فتحول عنه، فجعل يثني عليه بما أولاه، يثني عليه يعني: يذكره بالسوء والتقصير الذي أولاه في الضيافة. وعن مجاهد قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن، فهذا جهر بالسوء. وفي رواية: هو الضيف المحول رحله فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول. قال ابن كثير: وقد روى الجماعة سوى النسائي والترمذي عن عقبة بن عامر ﵁ قال: (قلنا: يا رسول الله! إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرونا فما ترى في ذلك؟ فقال لنا رسول الله ﷺ : إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا منهم، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم). وروى الإمام أحمد عن المقدام بن أبي كريمة عن النبي ﷺ قال: (أيما مسلم ضاف قوماً، فأصبح الضيف محروماً، فإن حقاً على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله)، يصبح من حق الضيف أن يأخذ بقدر قراه. وروى هو وأبو داود عنه أيضاً أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محروماً كان ديناً عليه، فإن شاء اقتضاه، وإن شاء تركه). ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار عن أبي هريرة ﵁: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: إن لي جاراً يؤذيني، فقال له: أخرج متاعك فضعه على قارعة الطريق -أو في وسط الطريق- فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق، فكل من مر به قال: ما لك؟! قال: جاري يؤذيني، فيقول: اللهم العنه، اللهم أخزه، قال: فقال الرجل: ارجع إلى منزلك، والله لا أوذيك أبداً)، وقد رواه أبو داود في كتاب الأدب. وقال عبد الكريم بن مالك الجزري في هذه الآية: ((لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ))، قال: هو الرجل يشتمك فتشتمه؛ لكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه، وإذا شتمك فلك أن تشتمه، (إلا من ظلم) يعني: له أن يجهر بالسوء، فإذا شتمك عياناً، فلك أن تقتص منه بأن ترد بنفس ما شتمك به، إلا إذا كانت كذباً، فلا تكذب مثله، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى:٤١]. وقال: قطرب في معنى الآية: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، أي: إلا من أكره على أن يجهر بالسوء من القول. يعني: أكره كأن وقع تحت التعذيب أو الإكراه، بحيث يجهر بالسوء من القول فهذا يباح له أن يجهر به. وسئل المرتضى عنها، فقال: لا يحب الله ذلك ولا يريده لفاعله. (إلا من ظلم) وذلك مثلما فعل مردة قريش بأصحاب رسول الله ﷺ من التعذيب والضرب حتى يكرهوهم على شتم رسول الله ﷺ ، ففعل ذلك عمار فخلّوه وصلبوا صاحبه، فأجاز لمن فُعِلَ به هكذا أن يتكلم بما ليس في قلبه، وأن يجهر بالسوء مع اطمئنان قلبه بالإيمان، وفي عمار وصاحبه نزل قول الله تعالى في سورة النحل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:١٠٦]، فكانت هذه الآية مبينة بما في قلب عمار من شحنة إيمانية قوية. قوله: ((لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ))، الآية تعم كل أنواع الظلم، وهذا مجرد ضرب أمثلة لهذا الظلم، سواء قلنا: إنها تعني حرمان الضيف من القرى. أو بمعنى: إلا من أكره على النطق بالسوء من القول، إلى غير ذلك مما ذكرنا.

стр. 670

من قال بأن إلا في قوله: (إلا من ظلم) بمعنى لا نقل السمرقندي وغيره عن الفراء في قوله تعالى: ((إِلَّا مَنْ ظُلِمَ)) أن (إلا) بمعنى: لا، أي: ((لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ)) يعني: حتى الذي يظلم لا يحب الله منه أن يجهر بالسوء من القول، يقول القاسمي: هذا من تحريف الكلم عن مواضعه -يعني: تفسير (إلا) بمعنى: لا- فإن الآية صريحة في أنه يجوز للمظلوم أن يتكلم بالكلام الذي هو من السوء في جانب من ظلمه، ويؤيده الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم، عن الشريد بن سويد عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته)، الواجد هو: الشخص الذي عليه دين أو حق للناس وعنده من المال ما يسدد به الدين ويعطي للناس حقوقهم، فهو ليس فقيراً أو معدماً وليس لديه أي عذر، ومع ذلك يماطل ويسوّف، ويتهرب من أداء حقوق الناس، فإذا وقع إنسان في هذه المماطلة والتسويف مع كونه واجداً وغنياً فهذا ليه ومماطلته تحل عرضه وعقوبته، يعني: تحل الشكوى منه والثناء عليه بالشر الذي يفعله، فيحق لك أن تذكره بسوء وتشتكيه إلى القاضي وتقول: فلان ظلمني، فلانٌ ماطلني، فلان يمنعني حقي، فهذا داخل في قوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، فمن حق الذي ظلم أن يشتكي لكن من لم يظلم وجهر بالسوء فهذا يكون مرتكباً لكبيرة الغيبة. والكلام هنا في الرخصة في الجهر بالسوء من القول في حق من ظلم، أما من لم يظلم فجهره بالسوء داخل في الغيبة المحظورة. أفادت الآية جواز الجهر بالدعاء على الظالم، ودلّت على أن من جهر بكلمة الكفر مكرهاً لا يكفر، وهذه الآية تضم إلى الآية التي في سورة النحل ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] وذلك لأن المكره مظلوم، وإذا ثبت بطلان حكم لفظ الكفر مع الظلم، فكذا يلزم في سائر الأحكام من البيع والعتاق والطلاق والإقرار. ثم قال: والمحبة ها هنا بمعنى: الإباحة، لا أن ذلك يريده الله تعالى. يقول القاسمي: هذه نزغة اعتزالية، أي: تأويل فاسد، ثم قال: وتسميته سوءاً بكونه يسوء المقالة فيه، يعني: لأنك إذا اشتكيت من هذا الظالم فهذا الكلام الذي تقوله يسوءه ويؤذيه، وإلا فليس بقبيح في هذه الحال؛ لأن مقابلة الظالم بالجهر بالسوء من القول في حقه إنما هو من العدل؛ وذلك كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، وهذه مجرد مشاكلة في اللفظ للمجاورة، لكن هل السيئة الثانية تسمى سيئة، أم أنها من العدل؟ السيئة الثانية عدل وقصاص وليست قبيحة، كذلك هنا: ((لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ))، هذا أيضاً ليس سيئاً ولا قبيحاً في حال المقابلة وفي حال التشكي وقد ظلم.
следующие страницы →