Полный текст (588 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
مكان ميلاد الرسول ﷺ
مكان ميلاد رسول الله مكة، ومكة أشرف الأماكن على وجه الأرض؛ ففيها الكعبة، والكعبة تحت البيت المعمور، ولو وقع حجر من البيت المعمور لسقط على سقف الكعبة، والبيت المعمور تطوف حوله الملائكة، ورآه الحبيب ليلة المعراج، وأخبر أنه يدخل فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة يسبحون بحمد ربهم لا يرجعون إليه إلى يوم القيامة، وأبونا آدم قبل أن ينزل إلى الأرض كان يطوف حول البيت المعمور ويسبح مثل الملائكة، فلما أهبط إلى الأرض، قال: يا رب اجعل لي مكاناً في الأرض كالبيت المعمور أطوف حوله مسبحاً بحمدك، فدلته الملائكة على مكان الكعبة.
واكتشف العلماء بالقمر الصناعي من فوق الأرض أن الكرة الأرضية البيضاوية مركزها الكعبة المشرفة.
والرسول ﷺ عندما هاجر التفت إلى مكة وقال: (يا مكة تعلمين أنك والله أحب بلاد الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت أبداً).
عاش فيها ثلاثاً وخمسين سنة، أربعين قبل البعثة وثلاث عشرة سنة بعد البعثة، واضطر ﷺ أن يخرج منها مهاجراً إلى يثرب، وبعدما فتح مكة ظن الصحابة أنه سوف يمكث فيها، ولكن قال: (عودوا إلى المدينة؛ لا هجرة بعد الفتح وإنما جهاد ونية) وعاد بالصحابة إلى المدينة، حتى عمه العباس بن عبد المطلب عاد أيضاً معه رضوان الله عليه إلى المدينة.
стр. 37
زمن ميلاد النبي ﷺ
أما زمن ولادته ﷺ فقد كان في ربيع الأول، شهر من شهور الله المكرمة عند الله ، قبل فجر يوم الثاني عشر من ربيع الأول لم تشعر آمنة بآلام الطلق، وهي أيضاً أثناء الحمل لم تشعر بآلامه، أيعقل أن يكون الرسول ﷺ ثقيلاً على أحد وأولهم أمه؟ وبعد ذلك قبل أن تضع بأيام سمعت هاتفاً وهي يقظة يقول: لقد حملت بخير خلق الله.
وقيل: إن هذا الهاتف كان يأتي لكل أم أنجبت نبياً.
قال ﷺ : (إذا حملت المرأة سقطت عنها كل يوم مائة ألف سيئة، فإذا فاجأها الطلق تساقطت ذنوبها كما يتساقط ورق الشجر في اليوم الشاتي، فإذا وضعت وأرضعت كان لها بكل مصة من صدرها -أو من ثديها- كعتق رقبة من ولد إسماعيل، فإن أسهرها ابنها فكأنما قامت لله تصلي والناس نيام).
إذاً: ألا تفرح المرأة بالحمل؟! كذلك من فوائد دراسة السيرة: أن أمهات الصحابة وزوجاتهم في بيت واحد، سيقال: وهل يعقل أن امرأة تعيش مع أم زوجها وتصبر؟ هناك من النساء إلى يومنا هذا تعيش مع أم زوجها وتصبر، ونسأل الله أن يبارك في النساء الصالحات؛ لأنها تعرف أن إكرامها لأم زوجها إكرام لزوجها، والزوج عندما ينظر أن امرأته تكرم أمه سيكرمها.
فأتمنى من الزوجات الأخوات اللاتي يصلين عندنا دائماً بفضل الله ألا أسمع عنهن إلا كل خير، فأنا أريدهن أن يكن عنواناً للزوجة الصالحة؛ لأنهن إذا لم يكن عنواناً صالحاً، فمن سيكون؟!
стр. 38
ذكر الأشخاص الذين لهم تعلق بميلاد النبي ﷺ
أما الأشخاص الذين لهم تعلق بميلاد الحبيب ﷺ ، فالحامل آمنة بنت وهب، وآمنة من مصدر أمن يأمن، فهي ستنجب للبشرية أمنها، وهذا حصل، فهو أمان البشرية كلها ﷺ ، قال الكاتب الإنجليزي برناردشو لو كان محمد بن عبد الله على قيد الحياة لحل لنا مشاكل العالم كلها ريثما صنعنا له (فنجاناً) من القهوة.
يعني: أنه ﷺ خلال عشر دقائق سيحل جميع مشاكل الدنيا؛ لأنه مؤيد من ربه .
وعندما ولد ﷺ وجدوا الحبل السري مقطوعاً، ووجدوه مختوناً، فقد نزل مطهراً مكتملاً؛ حتى لا يرى سوأته أحد ﷺ .
وهذه الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف كانت قابلته، يعني: تلقته بيديها، هنيئاً لك يا شفاء يا أم عبد الرحمن فقد كان أول ما استهل على يديها، والشفاء اسمها جميل؛ لأنها تلقت الشفاء، وأضيئت الحجرة عند ولادته إلى درجة أن الشفاء أغمضت عينيها من شدة الضوء، ونزل ﷺ على يديه ورجليه رافعاً رأسه إلى السماء، وتقول الشفاء: سمعت قائلاً يقول: يرحمك الله.
فهو نزل بالرحمة وهو رحمة.
وجاء عبد المطلب وحضنه، وأخذه وطاف به حول البيت سبعاً، فقيل له: ما أسميته يا عبد المطلب؟ قال: سميته محمداً، فقيل له: ما هذا الاسم الغريب يا عبد المطلب؟ قال: لكي يحمده الله في السماء ويحمده الناس في الأرض.
فهو محمد في السماء ومحمود في الأرض، ولذلك قال ﵊: (أنا محمد وأحمد؛ والماحي الذي يمحو الله به الكفر، والحاشر الذي يحشر الناس بين يديه، والعاقب فلا نبي بعدي) ﷺ .
وقال ﵊: (أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى، ورؤيا أمي التي رأتها) فهو دعوة إبراهيم عندما قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٢٩].
وبشرى عيسى عندما قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦].
ورؤيا أمه، فقد رأت أنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام.
لقد بحث العلماء في النسب الشريف من ناحية أبيه وجده وجد جده إلى عدنان الجد الأعلى، إلى سيدنا إبراهيم، ومن ناحية أمه آمنة بنت وهب فوجدوا أنها تلتقي مع عبد الله والد النبي ﷺ في جدهم كلاب الذي هو والد قصي بن كلاب بن مرة فـ كلاب هذا هو الجد الأعلى لـ آمنة وعبد الله، وأم السيدة آمنة من بني زهرة، وأم عبد المطلب من بني مخزوم، وأم كعب جده الأعلى من خزاعة، فهو من خير بطون العرب من جميع الاتجاهات.
والسيدة آمنة أرضعته ثلاثة أيام، وثويبة مولاة أبي لهب التي أعتقها أبو لهب فرحاً بابن أخيه يوم الإثنين، فلما أعتقها خفف الله عنه الحساب كل يوم إثنين في النار؛ إكراماً لفرحته بمقدم رسول الله، فكيف بالذي يحب الرسول ﷺ محبة ليس لها نظير؟ قال سيدنا الشافعي: يا رب قلت لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٤] لمن قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، فماذا تصنع بمن قال: سبحان ربي الأعلى.
وجاء شخص إلى هارون الرشيد وقال له: يا أمير المؤمنين إني أريد أن أكلمك وأنصحك وأغلظ عليك في النصيحة، فقال له هارون الرشيد: لا تفعل، فقد أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، أرسل موسى وهارون وهما خير منك إلى فرعون وهو شر مني، فقال لهما: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٤] فكيف تغلظ علي في النصيحة؟! وأوقف رجل عبد الملك بن مروان وهو يمشي بالموكب، فقال له الحرس: ابتعد يا رجل، فقال له: يا أمير المؤمنين إن نملة استوقفت سليمان فكلمته فكلمها، وتبسم ضاحكاً من قولها، ولست أنت عند الله أعظم من سليمان، ولست أنا عند الله أحقر من النملة.
انظروا إلى طريقة ترتيب الكلام، وتعلمون قصة الأعرابي الذي كان لا يعرف في القرآن شيئاً، لكنه لما صلى وراء الإمام وقرأ الإمام الآية وأخطأ في نهايتها، قرأ قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨]، فقال الإمام: والله غفور رحيم، فالأعرابي الذي لا يحفظ القرآن، قال: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨] فالإمام تذكر وأكمل الآيات بعد ذلك، فبعد ذلك قال الإمام: من رد عليّ جزاه الله خيراً، قال له الأعرابي: أنا، قال له: بارك الله فيك، أتحفظ القرآن؟ قال له: لا، قال: أتحفظ هذه السورة؟ قال: لا، قال: أتحفظ هذه الآية؟ قال له: هذه أول مرة أسمعها، قال: فكيف عرفت؟ قال: يتحدث الله عن السارق والسارقة ويتحدث عن الحد وقطع اليد، ولو كان الله غفوراً رحيماً في هذه المسألة بالذات لما حكم على السارق والسارقة بقطع اليد، لكنه لما عز في عليائه حكم على السارق بقطع اليد، فتكون نهاية الآية: ((عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) وليس غفوراً رحيماً؛ فالأعرابي يفهم اللغة بالسليقة.
يقول الجاحظ: دخلت على معلم فوجدته يعلم طفلاً: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ﴾ [لقمان:١٣]، قال: ﴿يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف:٥]، فقلت له: لقد أدخلت آية في آية، ما الذي جاء بيوسف إلى لقمان؟ ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان:١٣]، والشيخ يقول له: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ [يوسف:٥] أدخل يوسف في لقمان، فقال الشيخ: إن أباه يدخل شهراً في شهر ولا يدفع الأجرة، وأنت تعيب علي إدخال سورة في سورة؟! فإذاً: ثويبة أرضعته بعدما أرضعته أمه ثلاثة أيام ويقال: خمسة أيام، فـ ثويبة أرضعته إلى أن جاءت حليمة، وأم أيمن من اليُمْن وهي التي حضنته، وكان عمرها ثمانين سنة، وكانت لا تترك الرسول ﷺ يخرج في غزوة من الغزوات إلا وخرجت معه، فكانت إذا رأت بعض الصحابة تزحزحوا قليلاً إلى الوراء، قالت: اسبتوا سبت الله أقدامكم -بالسين- كانت لا تخرج لسانها؛ لأنها كانت أعجمية لم تكن عربية، فيقول لها الرسول ﷺ : (يا أم أيمن يا أماه! ادعي الله لهم بالنصر ولا تقولي: سبت)؛ لأن السبت يعني: القيد، ولذلك يسمى اليوم الذي بعد الجمعة: السبت؛ لأن اليهود لم يكونوا يتحركون فيه، فهذا اسمه القيد.
وبعد ذلك جاءت حليمة السعدية وأخذت رسول الله ﷺ وأرضعته، وأرضعت معه الحمزة عمه، وأبا سلمة المخزومي ابن عمته.
فالسيدة حليمة عندما أتت مع غيرها أخذت كل واحدة منهن ولداً وتركن اليتيم ﷺ ، وبقيت حليمة لم تجد ولداً لترضعه فقالت لزوجها: ما رأيك أن نأخذ هذا اليتيم، ربما يجعل لنا فيه خير، بدل أن نرجع بدون ولد، فأخذت الرضيع وما أحسن حظ حليمة فمجرد أن وضعته على الأتان، فإذا بها تسرع وتسبق الدواب، وقد كانت قبل ذلك ضعيفة؛ لأن البركة بدأت، وإذا بظلة مظللة لها ورضيعها وهم في عز الظهيرة، فقالوا: إن هذا الأمر ليس أمراً عادياً، وهم عائدون كانت أرضهم جدباء، ولم يصبحوا الصبح إلا والمطر ينزل والعشب ينبت، وكانت غنم حليمة هزيلة لا يوجد في ضرعها ولا نقطة لبن، وإذا بغنم حليمة مليئة باللبن، ثم بعد ذلك هذا الطفل اليتيم لا يبكي كما يبكي الأطفال، إنه ليس طفلاً عادياً، بل كلما نظرت إليه السيدة حليمة تجده باسماً.
فالسيدة حليمة تلحظ الخير كله في وجود هذا الطفل الهاشمي، أكمل ثلاث سنوات عندها، فجاء أخو سيدنا الحبيب من الرضاعة الذي هو ابن السيدة حليمة وقال: يا أماه جاء رجلان فأخذا محمداً فأضجعاه تحت الشجرة وشقا صدره وأخرجا منه شيئاً وغسلاه بشيء كان في الطست، ثم غادراه بعد أن أغلقا صدره وهو ممتقع اللون تحت الشجرة، فالسيدة حليمة خافت عليه فقامت بإرجاعه إلى أهله، فهذه هي حادثة شق الصدر، قال الله : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١].
قد يقول قائل: ماذا أخرج منه جبريل؟ لقد أخرج منه الحقد والحسد وحب الدنيا وملأه بالحكمة والإيمان، وكان من الممكن أن الله يشرح صدره من غير شق، لكن فُعل به ذلك؛ ليُعلم أنه ليس مخلوقاً عادياً، وليس هذا فحسب، بل كان بين كتفيه خاتم النبوة، وخاتم النبوة كحبة الخردل أو كالدينار، وهو دائرة مكتوب فيها بنفس لون جلد الحبيب ﷺ : لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
فخافت السيدة حليمة على رسول الله ﷺ فأرجعته لأمه؛ لأن هذه أمانة، وهو من خير أبناء قريش، فلقد ورث كما يرث أي إنسان، وكل إنسان يرث ثلاثة أنواع من الوراثة: وراثة خَلقية، ووراثة خُلقية، ووراثة عامة أو خاصة، أما الوراثة الخلقية كأن يخرج الولد شبيهاً بأبيه، وتخرج البنت شبيهة بأمها، أو يخرج الولد فيشبه الأم في عينيه ويشبه الأب في شعره، وهذه تسمى الوراثة النسبية.
وهناك وراثة خُلقية، كأن يرث الولد عن أبيه الكرم، أو يرث عن أبيه الفداء والتضحية والجهاد، أو يرث عن أ
стр. 39
ذكر وصف النبي ﷺ
إن علماء السيرة وصفوا سيدنا الحبيب ﷺ أعظم وصف، ومن الصحابة من وصف خلقته ﷺ وشكله العام، كالصحابي الجليل هند بن أبي هالة وهو ابن السيدة خديجة من زوجها الأول، فـ أبو هالة كان متزوجاً السيدة خديجة وأنجب منها هنداً، وهند اسم يطلق على الرجل والمرأة.
قال الحسن بن علي ﵁: صف لي رسول الله ﷺ يا خال! وهذا من أدب الحسن، فـ هند ابن السيدة خديجة ﵂، وفاطمة أيضاً بنت السيدة خديجة، فهو أخو السيدة فاطمة من أمها، فلما أراد الحسن من هند بن أبي هالة أن يصف له رسول الله ﷺ قال له: يا خال.
والصحابي الجليل هند استشهد في موقعة الجمل وهو يحارب في صف علي كرم الله وجهه، والكلام الذي وصف به النبي ﷺ كلام عربي.
قال: (كان ﷺ فخماً مفخماً)، أي: تنظر إليه فتحترمه وله هيبة، (يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة التمام)، وهذا كوصف خالد بن الوليد ﵁ له، قال: كان ﷺ نضاح المحيا، أي: كمن هو خارج من الحمام بعد أن اغتسل، قالوا: يا خالد! حتى في المعركة؟ قال: حتى في المعركة، فأنت حين تنظر إلى العسكري بعد التدريبات، أو عندما يلبس البدلة العسكرية حدث عنه ولا حرج، ويجوز للعسكري أن يصلي بالبيادة، ويجوز له أن يصلي في النعل، فيمسحه هكذا على الأرض بيديه ويذهب للصلاة، بل إن ابن مسعود ﵁ كان يكره أن يخلع المصلي حذاءه فيقول: لو أن الله يسلط عليها سارقاً يسرق نعله، حتى يحرم أن يخلعها مرة أخرى.
قال: (أطول من المربوع وأقصر من المشذب)، والمربوع: الرجل الطويل العادي، فلا هو بالطويل البين ولا بالقصير البين، ومع أنه كان متوسط الطول ﷺ ، لكن إذا سار معه أحد أطول منه رأى الرائي أن الرسول ﷺ أطول.
قال: (عظيم الهامة) أي رأسه ﷺ مرفوع، ومؤخر رأسه فيه شيء من الضخامة.
قال: (رجل الشعر إن انفرقت عقيصته فرقها)، رجل الشعر أي: مسترسل ناعم، لو فرقه بيده هكذا افترق، وكان شعره كله أسود.
سيدنا أبو بكر ذات مرة كان يسوي للرسول ﷺ شعره، فقال: عددت لك سبع عشرة شعرة قد شابت يا رسول الله! ولم يزل كذلك ﷺ حتى انتقل للرفيق الأعلى، وقد كان العربي في ذلك الزمن لا يشيب إلا بعد سن السبعين والثمانين، وكان الرسول ﷺ قد شاب وعمره ثلاث وأربعون سنة، فلما سئل عن ذلك قال: (شيبتني هود وأخواتها)، وأخوات هود: التكوير والانفطار والنبأ والانشقاق، وما شاكل هذه السور التي تتحدث عن يوم القيامة وما فيه من الرعب ومصارع السابقين.
قال: (يجاوز شعره شحمة أذنيه)، لطول شعره ﷺ .
قال: (أزج الحواجب) أي: أن الحواجب مقترنة ببعضها وملتصقة.
قال: (أزهر اللون)، أي: أبيض مع شيء من الحمرة، فليس بأبهق، إذ يقال عن الأبهق: عدو الشمس.
قال: (واسع الجبين) أي: جبهته ﷺ واسعة.
قال: (أقنى العرنين)، يعني: أنفه ﷺ طويلة فلا هي عريضة ولا معكوفة ولا مائلة، وإنما أقنى العرنين ﷺ .
قال: (له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أن الشمس تطل من جبينه) لضيائه وإشراقه ﷺ .
قال: (كث اللحية، سهل الخدين)، يعني: ليس كلثوماً، والكلثوم: ذات الوجه المدور الممتلئ.
وكان سيدنا الحبيب ﷺ سهل الخدين.
قال: (ضليع الفم) أي: كان ﷺ إذا تكلم خرج الكلام من كل فمه.
وتصفه السيدة عائشة فتقول: (كأن كلماته حبات در انتظمت في عقد)، أي: كالحبات في العقد منتظمة واحدة فواحدة.
قالت: (كان لا يسرد كلامه كسردكم) أي: كان يخرج منه الكلام واضحاً يفهمه الأعرابي.
حتى إن الأعرابي إذا نظر إلى وجهه ﷺ يقول: (والله ما هذا بوجه كذاب).
قال هند ﵁: (مفلج الأسنان)، أي: أسنانه ليست ملتصقة ببعضها، ولم يكن على أسنانه بقايا أكل ﷺ ، وكان رغم ذلك يستاك قبل الصلاة، قال رسول الله ﷺ : (ولولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).
ومن الناس من إذا لم يجد السواك أدخل إصبعه في فمه وهذا غلط؛ فالإصبع ليس بسواك إنما السواك بالمسواك؛ لأن المسواك فيه مواد كيميائية قادرة على قتل أي نوع من البكتيريا في فمك بفضل الله رب العالمين، ومن كانت نفسيته ضعيفة لا تتحمل الفرشة، لو استخدم السواك لكان الشفاء إن شاء الله.
قال: (دقيق المسربة)، أي: شعر ما تحت السرة.
قال: (كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادن متماسك)، بادن يعني: ليس نحيفاً، ومتماسك أي: ثابت جسمه عند مشيه لا يهتز.
قال: (سواء البطن والصدر) يعني: صدره مستو مع بطنه.
قال: (عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس)، أي: العظم الذي في ناحية الصدر.
قال: (أنور المتجرد) أي: إذا انكشف عضو من جسمه أضاء، ﷺ .
قال: (عاري الثديين والبطن) أي: عار من الشعر.
قال: (طويل الزندين) أي: الذراعين.
قال: (رحب الراحة) أي: يده واسعة.
قال: (سائل الأطراف) أي: أصابعه منسالة، فلا إصبع صغيرة ولا إصبع طويلة.
قال: (مسيح القدمين) أي: أن رجليه لينتان وناعمتان، وبواطن أصابعه منحطة على الأرض.
قال: (إذا زال زال قلعاً) يعني: إذا مشى كأنه يأخذ رجليه من رمل، وكأنما تطوى له الأرض طياً، وكأنما ينصب من علو، ولذلك كان يرأف بالصحابة رضوان الله عليهم، فكان يأمرهم أن يمشوا قدامه ويقول: (دعوا ظهري لملائكة ربي).
قال: (يمشي هوناً، إذا التفت التفت جميعاً) يعني: كان يلتفت بجميع جسمه إذا أراد أن يكلم أحداً.
قال: (خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة).
هذا وصف سريع لـ هند بن أبي هالة لسيدنا الحبيب المصطفى ﷺ .
стр. 40
بعض النقاط المستنبطة من مولد النبي ﷺ
الأولى: إن محمداً ﷺ لما ولد جاء أماناً لأهل الأرض، وبه دمر الله كيان الوثنية.
النقطة الثانية: أكرمنا الله به بأن جعلنا خير أمة أخرجت للناس، وجعلنا أتباعاً له ﷺ .
النقطة الثالثة: جعل كلمة محمد رسول الله مقرونة بشهادة التوحيد، فمن يقل: أشهد أن لا إله إلا الله فقط، لا تنفعه يوم القيامة؛ لأنه لم يقرنها بمحمد رسول الله ﷺ .
النقطة الرابعة: النبي ليس رحمة للمسلمين فقط، بل هو رحمة للعالمين ﷺ .
стр. 41
سلسلة مقتطفات من السيرة [٤]
إن للآباء حقوقاً على أبنائهم، من حيث برهم وطاعتهم والدعاء لهم، كما أن للأبناء حقوقاً على آبائهم من حيث البحث لهم عن الأم الصالحة، واختيار الاسم الحسن، وحسن التربية، وتعليمهم أمور دينهم وحثهم عليها وغير ذلك.
стр. 42
حقوق الأولاد على الآباء
إن الأولاد من رزق الله وفضله علينا، ولهم حقوق علينا كما أن لنا حقوقاً عليهم.
وقد يقول قائل: لماذا الولد يكون وديعاً وطيباً ولطيفاً في طفولته، حتى إذا كبر ودرس وأكمل الدراسة في الجامعة وتوظف؛ نسي والديه وانقلب عليهما؟! فما الذي يجعل الولد عاصياً بعدما كان مطيعاً؟! نسأل الله الهداية لأبنائنا وبناتنا، اللهم تب على كل عاق واهده يا أكرم الأكرمين.
والعقوق مسألة منتشرة نواجهها في البيوت، ولا توجد أسرة أو عائلة تخلو من ولد عاق أو بنت عاقة، فما هو الذي قلب الموازين وجعل هذا الولد البار المطيع يصبح عاقاً؟ وما الذي يجعل أولادنا بعد أن كانوا في المساجد يصادقون الأشرار ويشربون السجائر، أو يتعاطون -والعياذ بالله- المخدرات؟ إن المولود منذ أن ينزل من بطن أمه تصبح له عندنا حقوق قد نغفل عن بعضها، وقد نتذكر البعض الآخر، فدروس السيرة العطرة ونحن نمر عليها نعرف بها ما هو حق الابن على أبيه، وما هو حق الأب والأم على أبنائهما، وعندما نعرف قصة زواج الحبيب المصطفى ﷺ من السيدة خديجة فإننا نتوقف وقفة طويلة عند البيت المسلم والزوجة المسلمة والزوج المسلم، وكيف يتعامل المسلم مع الزوجة العنيدة ذات العشرة السيئة، وكيف تتعامل الزوجة الطيبة المستقيمة الصبورة مع زوج غاضب متهور، أو زوج بخيل يسيء معاملتها؟ وكيف يعالج الإسلام المشكلة إذا حدثت في البيت المسلم قبل أن تستفحل وقبل أن ينتشر الأمر في العائلة؟ والأمر طالما هو في يدك وفي داخل حجرتك فحله ميسور، وأما مشكلة الزوج والزوجة حين تخرج من عتبة الدار فإنها تقلب الحياة الزوجية رأساً على عقب، وإذا بأطراف كثيرة تتدخل: إخوانها وأهلها وإخوانه وأهله، وأمها وأمه، وأبوها وأبوه، وكذلك الأقرباء: الخالات والعمات، فظن في ذلك شراً ولا تسأل عن الخبر.
فكل هذه عبارة عن دروس سأقف عندها ونستفيض في الشرح؛ فلو أن المسلم اتقى الله وأدى حق زوجه، والمسلمة كذلك اتقت الله وأدت حق زوجها، لوثقنا أن نصر الله آت وأن كرمه آت، وأن فضله سبحانه سوف يتنزل علينا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦].
стр. 43
إتمام الزواج بطريقتي العرف والدين ونتائج كل طريقة
إن الداء كله في التكذيب بما جاء في الكتاب والسنة، وأقول دائماً: إن أمر الزواج وطريقة إتمامه ينقسم إلى شيئين: الدين، والعرف، فالناس يأخذون من الدين ما يعجبهم، وما دام الدين في مصلحتهم يطبقونه، وإن لم يكن الدين في مصلحتهم لا يطبقونه، بل يطبقون العرف، وهذا من المسلم ليس بجيد، فنحن نريد مسلماً صادقاً مع نفسه.
يقول: أنا سوف أتزوج بالدين، فإذا عارضته خطوة من خطوات الزواج ليست لها نص في الكتاب ولا في السنة لا يطبقها، لكن نحن نأخذ من الدين الذي يعجبنا ونرفض الشيء الذي لا يعجبنا أو الشيء الذي ليس في مصلحتنا، وهكذا المسلم المزيف، ونحن نريد مسلماً حقيقياً إذا أراد أن يقول فقوله من كتاب الله، وإذا أراد أن يفعل ففعله من كتاب الله، وإذا أراد أن يتحرك فحركته كلها من الكتاب والسنة المطهرة.
وقد درست بيوت الصحابة على مر السنين، ولربما عشت سنوات طويلة في بيوت الصحابة أدرسها، وقد أكرمني الله سبحانه لما نزلت إلى مكة أو المدينة، وتلمست الكتب المفصلة في التاريخ لبيوت الصحابة وتواريخهم، وتعايشت مع أساتذة التاريخ وعلمائه، وخرجت بحقيقة لم تكن غريبة علي، وقد أكدتها لي الأحداث والسير: أن بيوت الصحابة كان عنوان كل بيت منها كتاب الله وسنة حبيبه ﷺ ، فلا يوجد في بيت من بيوت الصحابة مشكلة يومية كما هو مألوف لدينا، وقد كان الصحابي تأتي إليه زوجته وتقول له: يا أبا فلان! ألك اليوم حاجة؟ فإن كان قضى حاجته، وإن لم يكن قالت له: هل تأذن لي أن أقوم لربي الليلة؟ فبيت بهذا الشكل لا يتوقع وجود الشر فيه.
فالرجل يذهب ليصلي الفجر خلف رسول الله ﷺ ، ثم يتجه بعد صلاة الفجر إلى عمله، فإن كان فلاحاً أخذ الفأس، وإن كان نجاراً أخذ أدوات النجارة وهكذا، وقد كان نساء الصحابة على شاكلة واحدة، إذ كانت المرأة تقول لزوجها: أبا فلان! أستحلفك بالله ألا تدخل علينا حراماً؛ فإننا نصبر على حر الجوع ولكن لا نصبر على حر جهنم يوم القيامة.
لا بد أن خللاً ما يحدث في البيوت حتى تكون نتيجته هذه الهزة التي حدثت بين الزوج والزوجة في هذا العصر الحديث، ذهبت مرة إلى إحدى المراكز المتخصصة فسألت: هل عندكم إحصائية؟ قالوا: في ماذا؟ قلت: أريد أن أطرح سؤالاً على الزوج المصري المسلم والزوجة المصرية المسلمة بعد مرور سنوات، وهو: لو عادت بك الحياة مرة أخرى أتتزوج فلانة هذه امرأتك؟ وأنت يا فلانة! لو رجعت بك الحياة مرة أخرى وجاء هذا الزوج وطرق بابك هل ستقبلين به؟ فقيل لي: هذا سؤال غريب، وبحث غريب جداً، وعلى كل سوف نجري البحث في ذلك، فأجروا البحث في خلال أربعة أشهر، وكنت على اتصال دائم معهم، وكانوا يقولون: يا شيخ! لا تتعجل الأمور هذا بحث اجتماعي، فذهبوا وسألوا وشكلوا بحثاً عشوائياً من مناطق شتى من القاهرة الكبرى، والقاهرة الكبرى تمثل مصر، ومصر تمثل العالم الإسلامي، فهي شريحة من شرائح المسلمين في العصر الحديث، فوصلت النتيجة لكن ما كنت أتوقع أنها بهذه الكآبة، إذ إن النتيجة تقول: ستون بالمائة من الأزواج والزوجات يرفضون تماماً أن تعاد الحياة، يعني: لو جاء الزوج يطرق الباب ليراجع زوجته سوف يطردونه.
وتسعة وعشرون بالمائة يعاودون التفكير في ذلك ويضعون شروطاً، فالزوجة تشترط أنه لا يتزوج عليها، وتشترط أنها تزور أمها يوماً بيوم، وهكذا تشترط شروطاً معينة.
والنسبة الباقية هن اللاتي فوق الستين سنة.
فلا بد أن خللاً ما حدث في البيت المسلم، وهذا الخلل غير طبيعي حصل في بيوت المسلمين حتى وصل المسلمون إلى هذه الحالة؛ لأننا نأخذ من الدين ما يعجبنا وندع ما لا يعجبنا.
стр. 44
بعض أحوال المسلمين اليوم تجاه دينهم
جاء رجل فطرق باب الحبيب المصطفى ﷺ وسأله سؤالاً، فأجابه فلم تعجبه الإجابة، فطرق باب أبي بكر وسأله نفس السؤال فلم تعجبه الإجابة، وأبو بكر أجاب بما أجاب به الرسول ﷺ ، فذهب السائل إلى عمر بن الخطاب وقال: عندي لك سؤال، قال: اسأل، فسأله، قال: أسألت أحداً قبلي؟ قال له: نعم، قال: من؟ قال: الرسول وأبا بكر، قال: وجئت لتسألني؟! قال له: نعم، قال: أراك لا تريد إجابة رسول الله ﷺ ولا إجابة أبي بكر؟ قال: نعم، قال: إذاً: انتظر، فدخل عمر ﵁ وجاء إليه رافعاً سيفه ليقتله، ففر الرجل مذعوراً.
وفي هذا الزمان يأمر الرسول ﷺ بالتحجب، والقرآن كذلك، فتقول المرأة: لم أقتنع بعد، فلو ظهر عليها سيدنا عمر ماذا ستفعل؟ إن سيدنا أبا بكر جهز جيوشاً جرارة ضد من كان ينطق بالشهادتين، ويقيم الصلاة في وقتها، ويصوم رمضان، ويحج البيت، ويعتمر، ويفعل التكاليف الشرعية إلا أنه يمنع الزكاة، فماذا سيفعل أبو بكر لو مشى في شارع من شوارع القاهرة ووجد نفراً من الناس وسأل واحد منهم: هل تصلي يا فلان؟! فقال: لا، فيقول له: لماذا؟ قال: هؤلاء المصلون لا يعجبونني!! إذاً: ماذا كان سيصنع أبو بكر في هؤلاء الذين لا يصلون، مع أن الصلاة مقدمة على الزكاة؟ لا بد أن أمراً ما قد حدث في البيوت.
وبعض الإخوة من الملتزمين والملتزمات إذا وجدوا شخصاً غير ملتزم هجموا عليه هجوماً شرساً؛ فبعض العلماء شبه مثل هذا الداعية بماسك السكين، فإما أن يجرحك وإما أن يجرح نفسه.
стр. 45
الناس رجلان: مبتلى ومعافى
من كان بعيداً عن الدين قال فيه الحبيب ﷺ : (إنما الناس رجلان: مبتلى ومعافى، فاحمدوا الله على العافية، وارحموا أهل البلاء) فاحمدوا الله على العافية في الصحة والدين والزوجة والأولاد، وليدع أحدكم بهذا الدعاء: (اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة).
وقد أمرنا النبي ﷺ أن نرحم أهل البلاء، فلو أن كفيفاً يقوده مبصر ووقع الكفيف في حفرة فإننا نلوم المبصر؛ لأنه هو العارف فعليه التوجيه، ومن أهل البلاء الذي لا يصلي، فأنت عندما تريد أن تنصحه لا تهاجمه بالكلام القاسي؛ ولذلك كان الحبيب المصطفى ﷺ يقول فيه ربه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
ويذكر أن أحد الأمراء الجائرين -وكثير ما هم- كان من لا ينضم إليه فقد وقع في الأذى، فقال له أحدهم مرة: لقد أوتيت أيها الأمير! ما لم يؤت رسول الله ﷺ ، قال: وما هو؟ قال: قال الله في الرسول ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]، وأنت فظ غليظ القلب ورغم ذلك ما انفضضنا من حولك! وفي الحديث: (سوف يأتي زمان على أمتي يكرم المرء اتقاء لشره) يعني: تكرمه وهو لا يستحق الكرم، وإنما تكرمه من أجل أن تستريح من أذاه، وكم من أناس بهذا المنطق، والويل كل الويل لمن يكرم اتقاء فحشه وشره.
стр. 46
وضوح الحلال والحرام بين الناس
إن في الحياة الدنيا حلال وحرام، حلال يوصلنا إلى الجنة، وحرام -والعياذ بالله- يوصل إلى النار، ولا مكان بين الجنة والنار، فلا منزلة ولا درجة بين الحلال والحرام؛ ولذلك سئل الحسن البصري: ما رأيك في الغناء والموسيقى؟ قال: إذا تميز يوم القيامة أهل الحق عن أهل الباطل، فأهل الغناء والموسيقى مع من سيكونون؟ فالقضية في الإسلام واضحة، الحمد لله أن الله سبحانه فطر الناس على معرفة الخير والشر من دون تساؤل، فليس هناك من يقول: هل الرغيف الشامي حلال أم الرغيف البلدي؟! وكلاهما رغيف، ولا أحد يشك في الخبز هل هو حلال أو حرام، لكنه إذا قال: البيرة حلال أم حرام؟ فهذا هو الذي يحيك في صدره، وكذلك السجائر؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وخشيت أن يطلع عليه الناس)، فأنت تتردد في مسألة الشبهة وتتردد في مسألة الحرام فتسأل عن ذلك، لكن من المستبعد أن يسأل المرء عن شيء قد وضح أنه حلال أو حرام، فاللحمة والخضار والفول لا يسأل عنه؛ لأن هذا حلال بالفطرة التي فطر الله الناس عليها، فالإنسان لا يسأل إلا عما يتردد في ذاته، اللهم أحسن لنا فطرتنا، واجعلنا من العاملين بكتابك وسنة رسولك، يا أكرم الأكرمين! إنك على ما تشاء قدير.
كان المدرس في الزمان القديم كل الناس يهابونه، ورحم الله أحمد شوقي حين قال: قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا أعلمت أشرف أو أجل من الذي يبني وينشئ أنفساً وعقولا قال الله ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى:٤٩ - ٥٠]، إن الرجل قد يرزقه الله بنين وبنات، وقد يرزقه بنين فقط، وقد يرزقه بنات فقط، وقد لا يرزقه لا بنين ولا بنات، فيذهب إلى الطبيب فيقول له: أنت سليم وامرأتك سليمة، لكن الله لم يرد بعد، وهو لا يزال عنده أمل، اللهم لا تحرم أحداً من الذرية الصالحة.
ونحن كلنا كعرب نحب الذرية الذكور، مع أن البنات إشارة إلى الجمال والحنان والرقة، فالبنت هي التي تعطيك عائلة وترعاك.
стр. 47
الرضا بقضاء الله وقدره
ثبت في الصحيح أن أم سليم مرض ابنها فذهب أبوه أبو طلحة إلى المسجد لصلاة المغرب، ففاضت روح ابنه إلى بارئها وغطته أم سليم، فلما رجع أبو طلحة قال: كيف حال الغلام؟ قالت: هو أسكن ما كان، وهذا الكلام فيه تورية، فقدمت له طعام عشائه وتزينت له، وقبيل الفجر قالت له: يا أبا طلحة! قال: نعم، قالت: لو أن جيراننا استودعهم قوم أمانة وجاء أصحاب الأمانة ليأخذوا أمانتهم، فرفض جيراننا إعادة الأمانة إلى أصحابها، قال: لقد أخطأ جيراننا، إن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، فقالت: إن ابننا كان أمانة عندنا فأخذها صاحبها.
فخرج يصلي خلف الحبيب ﷺ وأعلمه بموت ابنه، فقال رسول الله ﷺ : يا أبا طلحة! أعرستم الليلة؟ قال: نعم، قال: اللهم بارك لهما فيه، فأنجب أبو طلحة سيدنا عبد الله بن أبي طلحة الذي أنجب أحد عشر ولداً كلهم كانوا من حفظة كتاب الله.
فيا أخي المسلم! إن رزقك الله الابن أو البنت فافرح في كلا الأمرين، وإن لم يرزقك لا بهذا ولا بذاك فاصبر إلى أن يأتي رزق الله.
ويروى أن أبا حمزة -شيخ أعرابي- تزوج امرأة فأنجبت له ثمان بنات، فغضب وهجرها، وكان يبيت في بيت من بيوت جيرانه، فمر عليها يوماً وهي ترقص ابنتها وتقول: ما لأبي حمزة لا يأتينا يظل في البيت الذي يلينا غضبان ألا نلد البنينا والله ما هذا بعيب فينا وإنما نأخذ ما أعطينا ونحن كالأرض لزارعينا ننبت ما قد زرعوه فينا إذاً: إذا رزقك الله بابنة فلا تضجر؛ لأن رزق البنت ضعف رزق الولد، يقول الله عندما تهبط البنت من بطن أمها: (ضعيفة خلقت من ضعيفة، أشهدكم يا ملائكتي أن من عالها أعوله حتى يموت)، وقال ﷺ : (من ربى ثلاث بنيات فأحسن تربيتهن كن حصناً له من النار أو أدخلناه الجنة، قالوا: واثنتان يا رسول الله؟! قال: واثنتان، قالوا: وواحدة؟! قال: وواحدة) وذلك لأن تربية البنت يحتاج إلى تركيز ومجهود وانتباه، فلا يجوز أن يغفل الأب إلى أن يلاقي بنته تذهب إلى الجامعة وهي لابسة البنطلون، وتشرب السجائر، ولابد للأب أن يمهد لها الحجاب من سن السابعة أو الثامنة أو التاسعة، وبعدها تلاقي أمها لابسة النقاب والخمار والحجاب، وكذلك خالتها وعمتها وأختها الكبيرة، فتنشأ البنت في بيئة مسلمة، لكن إن رأت أمها واقفة أمام الباب نازعة خمارها أو نقابها فهي ستفعل مثلها: وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه فالأب والأم يعودان الطفل على شيء وإن لم يظهر، إذ إن الولد عبارة عن كمبيوتر ترجمان لترجمة أحداث تقع أمامه، فإذا وجد البيئة سيئة أمامه، ووجد الأب يرفع صوته على أمه، ووجد الأم هي المسيطرة في البيت، والخلاف بينهما في كل لحظة، فإنه ينشأ على هذه الصفات السيئة، حتى إن كثيراً من البيوت التي تحدث فيها المشاكل تجد الولد يقول: أنا يا عم! إذا كبرت لن أتزوج، وعمره خمس سنين، فتقول له: لماذا؟ يقول: الزواج هم ومشاكل؛ يقول ذلك لأنه لم ير من الزواج إلا هذا، فنصيحتي لك يا أخي المسلم أنه إذا حصل شجار بينك أنت وامرأتك وتريد تعاتبها، فخذها في داخل الغرفة بعيداً عن أولادك ولا تتح لجو الفساد أن ينتشر في البيت.
стр. 48
حقوق الأبناء على الآباء
стр. 49
اختيار الأم الصالحة واختيار الاسم الحسن للمولود
أول حق لابنك أو لابنتك عليك كما قلنا من قبل: أن تختار له الأم الصالحة، فهو حق يتعلق برقبتك يوم القيامة، ويقول لك: أبي أين حقي في الأم الصالحة؟ ويستحب البشارة بالابن أو البنت، قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١]، وقال تعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ﴾ [مريم:٧]، فالتبشير يكون بالشيء مستحب.
دخل رجل على الحسن البصري فقال: ليهنك الفارس يا أبا سعيد! يعني: هنيئاً لك بالفارس، فضحك الحسن فقال: ما أدراك أفرس هو أم حمار؟ وكان عياش بن أبي ربيعة رجلاً خطيباً، فقالت له عمته: يا عياش! أريد أن أزوج ابنتي فتعال وقل خطبة النكاح، فلما جيء بها لم يستطع أن يتكلم، فقال: قال ﷺ : (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)، فقالت أم البنت: أماتك الله يا رجل! أتيت بك لتخطب خطبة النكاح فتقول: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)؟! إذاً: لابد أن يختار الأب لابنه الأم الصالحة، فإذا جاء الولد يسميه اسماً طيباً، وقد نهى النبي ﷺ عن أسماء معينة تدل على التبشير أو التنفير.
فقد نهى ﷺ عن اسم رباح، ويكره أن تسمى ولدك محسناً.
وكثير من الناس يسمون بناتهم بأسماء لا يفهم معناها مثل: رولا، وبعضهم يسمي بناته بأسماء غير جيدة مثل: ناهد، ونهاد، وميادة، وقد كره الفقهاء هذه الأسماء؛ لأنها أسماء لها معانٍ ليست طيبة، بل تدل على الميوعة، فاختر لبناتك أسماء لطيفة، والأسماء كثيرة والحمد لله رب العالمين، فإن اللغة العربية واسعة في مسألة الأسماء.
دخل رجل على عمر بن الخطاب فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، قال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ما اسمك يا رجل؟ قال: اسمي حرقة، قال: ابن من؟ قال: ابن ضرام، قال: من أين جئت؟! قال: من ذات اللظى، قال: أين ذات اللظى؟ قال: في حرة واقد، قال: الحق أهلك فقد احترقوا، فرجع فوجد الخيمة قد اشتعلت.
وتعرف الجاحظ أديب العربية على رجال أسماؤهم أسماء جهنم، فقال: وأين مالك؟ قالوا له: ومن مالك؟ قال: ألستم خزنة جهنم؟!! ويذكر أن امرأة أنجبت طفلاً وسمته غضبان، وكان كثير الغضب، وكانوا يعيرونه بهذا الاسم، فانتحر ومات؛ لأنه غضبان.
فاختر لابنك اسماً جيداً، والأسماء ميسورة لكن ليس كل اسم في القرآن يسمى به، فلا يمكن أن تسمي ولدك أبا لهب، فليس كل اسم في القرآن نسمي به، وليس كل ما تقرأه في كتب اللغة أو في كتب التراث أو في كتاب الله يصلح أن يكون اسماً؛ لأن من أجداد النبي ﷺ كلاباً وكعباً ومرةً، ونهى النبي عن اسم مرة أيضاً.
стр. 50
العقيقة عن المولود
في اليوم السابع من ميلاد المولود أو الرابع عشر أو الواحد والعشرين يعق عن الذكر أو الأنثى، والعقيقة مأخوذة من العقوق: وهو الإلقاء، كأنك تلقي الجنس الذي نزل به الولد بأن تذبح عن ابنك شاتين أو خروفين، وعن ابنتك شاةً أو خروفاً.
فإن قيل: هل يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية؟
الجواب
يشترط في العقيقة ألا يكون فيها عيب، ويستحب جمع الأحباب والفقراء للأكل منها، وتذبح على اسم فلان وتقول: بسم الله نذبح عقيقة فلان ابن فلان، أو فلانة بنت فلان.
وهناك معلومة لابد أن يتنبه لها الناس وهي: أننا ننادى يوم القيامة بأسماء آبائنا لا بأسماء أمهاتنا.
وقد قال ﷺ : (الولد مرتهن بعقيقته حتى يعق عنه أبوه).
ويسن في العقيقة ألا يكسر عظمها، هكذا فعل رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ يحلق لأبناء فاطمة في اليوم السابع، ويتصدق بوزن هذا الشعر فضة أو ما يوازيها للفقراء والمحتاجين.
стр. 51
الأذان في أذن المولود وتحنيكه
أول ما يخرج الجنين من بطن أمه يجب أن يؤذن في أذنه ويقام في الأذن الأخرى، لكن لا يؤذن بشدة، حتى لا يضر طبلة الأذن.
وابن القيم ﵀ علق تعليقاً طيباً على ذلك، قال: الحكمة من الأذان في أذن المولود والإقامة في الأذن الأخرى: أن الشيطان ينتظر الولد حال نزوله من بطن أمه فيستقبله، فقبل أن يمسه الشيطان يسمع المولود أذان الله فيهرب الشيطان عند ذلك، فلا يلمس الابن أو البنت بسوء إن شاء الله، ويكون هذا أول شيء سمعه عند خروجه من بطن أمه.
ثم يحنك المولود، وهو أن يأتي بتمرة ويمضغها المحنك ويضعها في فم المولود، ولابد أن يكون المحنك أحد الصالحين أو ممن نتوسم فيهم الخير، فلا يكون المحنك ممن يدخن، ولا يكون موظفاً مرتشياً والعياذ بالله، وعند مضغ التمرة يؤخذ منها وتوضع في الحلق وأسفله، هكذا كان يصنع رسول الله ﷺ ، وقد ثبت علمياً أن هذا يفيد الطفل صحياً، وحتى وإن لم تظهر لنا علة فعلينا أن نطبق ما سمعناه وما رأيناه من سيدنا رسول الله ﷺ .
إذاً: نحلق الشعر ونتصدق بوزنه فضة، وبعدها نحنك الولد، ونسميه اسماً طيباً، ونعق عنه في اليوم السابع أو الرابع عشر أو الحادي والعشرين.
стр. 52
الختان للذكور
الختان واجب عند جمهور الفقهاء على الصبي، فقد أوجب الإسلام عليك أن تختن ابنك الصبي الذكر، حتى قال الإمام مالك: إن من لم يختتن لا يصلي إماماً بالناس، ولا تؤكل ذبيحته.
أما مسألة ختان البنات فلم يرد في ذلك حديث واحد صحيح، ومنهم من يقول: الختان واجب على الذكور مكرمة للإناث، وهذا ليس بحديث، بل أقصى ما صنعه علماء الحديث أنهم قالوا: إن هذا حديث ضعيف، فليس هناك حديث صحيح في جواز ختان الأنثى.
стр. 53
الفرق بين بول الصبي الرضيع وبول الصبية
هناك فرق بين الابن والبنت، فالابن الذي لا يزال يرضع من والدته ولم يأكل إذا بال على ثوبك تنضح الثوب بالماء، وتمسح على مكان البول، وأما البنت التي لا تزال ترضع من ثدي أمها ولم تأكل إذا بالت على الثوب فلابد من غسله، وذلك لقول النبي ﷺ : (ماء الصبي ينضح، وماء الصبية يغسل).
وقد أثبت العلماء الفرنسيون في مؤتمر لهم: أن بول البنت يختلف تركيبه كيميائياً عن بول الابن، وأن نسبة القلوية في بول البنت زائدة عن نسبة القلوية في بول الابن، وثبت أن هذه الزيادات في التركيبة تترك أثر رائحة في الثياب، والذي ابتكر هذا الأمر رجل كافر لا يعرف الله ولا رسوله، لكننا لا نملك إلا أن نصلي على المعصوم من الخطأ ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، فإذا قال فقد صدق ﷺ .
стр. 54
تعليم الطفل الإسلام وتربيته على ذلك
إن للابن حقاً عليك وهو: أن تعلمه أولاً وأخيراً الإسلام، فكما أنك حريص على نجاحه في الدراسة، وعلى قبوله في المدرسة كذلك تكون حريصاً جداً على أن تعلمه القرآن وتأتي بمن يحفظه كتاب الله.
فإن قيل: هل لي ثواب إذا كنت لا أحفظ القرآن وأتيت بمن يعلم ابني القرآن ويحفظه؟ ف
الجواب
نعم، يقف الابن الحافظ للقرآن على باب الجنة ويرفض أن يدخل إلا بصحبة أبيه وصحبة أمه، فيدخلان معه، فيقول الله: أرضيت يا عبدي؟! فيقول: لا، أعطهما من فضلك بفضل ما علماني القرآن، فيقول الله لجبريل: ألبسهما حلة الشرف وتاج الكرامة، إن عدد درجات الجنة كعدد آيات كتاب الله، فالقرآن ٦٢٣٦ آية، وعدد درجات الجنة ٦٢٣٦ درجة، فكلما قرأ حافظ القرآن آية ترقى درجة، حتى تكون منزلته عند آخر آية يقرؤها.
فطوبى للذي يحفظ القرآن ويعمل به، اللهم اجعلنا من الحافظين لحروفه، والعاملين بحدوده، والمقيمين له آناء الليل وأطراف النهار، ولا تجعلنا من الذين يهتمون برسمه فقط وبتلاوته فقط، وإنما تلاوة وعملاً يا أكرم الأكرمين! آمين يا رب العالمين! القرآن يا إخواننا فيه أسرار وعجائب، وفيه أشياء عظيمة لا يعلمها إلا من رزقه الله حب تلاوة كتاب الله وحفظه، يقول ﷺ : (لاعبه سبعاً، وأدبه سبعاً، ثم اترك له حبله على غاربه) فتصاحبه حين يكون عمره أربع عشرة سنة، وهذا السن هو سن المراهقة، وسن المراهقة هو سن التغير الفسيولجي للولد، فالأب يصاحب ابنه، والأم تصاحب ابنتها، والبنت لا تأخذ النصيحة من زميلاتها، وإنما تأخذ النصيحة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
فيا أخي المسلم! إن بداية هلاك أولادك بهلاكك أنت إذا كنت تدخن، فابدأ بنفسك أولاً في الإقلاع عن التدخين، وقد قام المكتب القومي بإحصائية للتدخين والمدخنين فوجدوا الآتي: أن المصري الذي لا يدخن يدخن رغم أنفه كل يوم ثلاث عشرة سيجارة، والمدخن يأخذها من الفلتر منقاة، وللأسف بعد أن تدخل السموم في رئتي المدخن يخرجها مسممة، فلا يضر نفسه فقط، بل يضر معه من لا يدخن، قال النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار)، كما أنه لا يمكن لأحد أن يتصدق بسيجارة ويقول: هذه سيجارة لله؛ لأنك لا تريد أن تتصدق بشيء أنت مشكوك في أمره، قأؤكد قائلاً: إن التدخين حرام، إن التدخين حرام، إن التدخين حرام، وأجمع على تحريمه علماء زادوا عن الخمسمائة في مؤتمر للإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وفي عام ١٩٨٧م أقر العلماء في هذا المؤتمر جميعاً حرمته، وذلك بعد أن وضح علماء الطب والبيولوجيا أضرارها، وأحالوها لعلماء الفقه، فأقر علماء الفقه جميعاً من دون استثناء حتى المدخنين منهم على تحريمه اللهم تب على كل مدخن يا رب! فاجعل من نفسك قدوة صالحة في البيت، واعلم أن القميص الأبيض إذا نفخت فيه دخاناً من سيجارتك فإنك تغير لون القميص، فكيف بالرئتين التي جعل الله لها شعباً كي تأخذ الأكسجين المنقى وتضخه، وتفصل الدم المؤكسج إلى دم غير مؤكسج، ألا يكفينا تلوث السيارات وتلوث البيئة التي نحن فيها، وتلوث الأخلاق؟ فإننا نريد أن نعدل الأخلاق، ثم نعدل الأشياء المادية، اللهم تب علينا جميعاً يا أكرم الأكرمين!
стр. 55
البحث للطفل عن أصدقاء صالحين ثم التعرف على من يصاحب
من حق الابن عليك أن تختار له الرفقاء الصالحين، ولا بد أن تعرف من يصاحب، قال الشاعر: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فإن المقارِن بالمقارَن يقتدي وحين يعود الأب ابنته على الحجاب ليس معناه أنه يحمي نفسه فقط، بل يحمي المجتمع أيضاً، فإذا كن النساء لا يتحجبن فكيف يغض الشاب بصره عن مئات من النساء!! فنسأل الله أن يعين الشباب، وأن يعصمنا جميعاً من الخطأ، فالرجل عندما يحجب امرأته ويحجب ابنته وأخته وأهله يريد رفقاً وخيراً بالمسلمين.
إذاً: لابد أن أعرف عن ولدي من يصاحب، وعن ابنتي من صديقتها.
نسأل الله العصمة لأبنائنا وبناتنا، وأن يبعد عنهم شياطين الإنس والجن.
стр. 56
بر الأبناء بالآباء
إن الأب والأم إذا بكيا مرة منك فأنت عاق، فما عاقبة العقوق؟ قيل: لو يفعل العاق ما يفعل من أبواب الخير فلن يدخل الجنة، ولو يفعل البار بوالديه ما يفعل من أبواب الشر فلن يدخل النار، ولا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا بر الوالدين.
والوالدان لهما ثلاث حالات: إما أن يكونا على قيد الحياة، أو يكونا قد فارقا الحياة، أو يكون أحدهما على قيد الحياة والآخر قد مات، فإن كانا على قيد الحياة فاسجد لله شكراً؛ لأن الأمر لا زال فيه سعة، وإن كان أحدهما قد مات فاحمد الله أنك لحقت أن تبر بالآخر، فإن علقمة عندما أراد أن ينطق بالشهادة عند الموت لم يستطع، فذهبوا إلى الرسول ﷺ فقال: أأحد من والديه حي؟ قالوا: نعم، أمه، فدعاها النبي ﷺ فقال: ما بال ولدك لا ينطق الشهادتين، قالت: لأنني لست راضية عنه، فقد كان يدخل بالطعام على زوجته وأولاده قبلي، فقال رسول الله ﷺ : ارضي عنه يا أم علقمة، قالت: لا، فقال النبي ﷺ : اجمعوا لي حطباً، فقالت: لماذا يا رسول الله؟! قال: لنحرق علقمة، فرق قلب أم علقمة لابنها فقالت: قد رضيت عنه يا رسول الله! فذهبوا إليه فوجدوه يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم ذهبت روح علقمة إلى بارئها.
وأتى رجل إلى النبي ﷺ وطلب منه أن يأذن له بالقتال معه في غزوة أحد، فقال له النبي ﷺ : (أأحد من والديك حي؟ قال: كلاهما حيان، وتركتهما يبكيان، قال: ارجع فالزم أقدامهما فثم الجنة، وأضحكهما كما أبكيتهما).
فمن بر الوالدين ألا يبكي أحدهما منه، ولا يوجد أحد منهما غاضب، لكن إذا كان الأب غاضباً من ابنه؛ لأنه يكثر من الذهاب إلى المسجد فهذا غضب في الهوى، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأعلم أباً كان يغلق باب البيت الرئيسي ويأخذ المفتاح معه؛ حتى لا يستطيع ولده الذهاب لصلاة الفجر، فجئت لأكلمه فقال: أنا خائف عليه، فقلت له: لماذا لا تخاف عليه حين يذهب إلى النادي؟! اتركه يذهب إلى المسجد ولا تخف عليه، فإنه في حفظ الله، وما دام أن هناك عالماً ناصحاً فاهماً يعلمه فلا تخف عليه أبداً.
وبر الأم أهم من بر الأب، فإنه إذا ماتت أم العبد قال الله: عبدي ماتت التي كنا نكرمك من أجلها، فاعمل صالحاً نكرمك من أجله.
اللهم اجعلنا بررة بآبائنا أحياء وأمواتاً يا أكرم الأكرمين!
стр. 57
الأسئلة
стр. 58
حكم التعامل مع بنك ربوي في بيع بالتقسيط
السؤال
بعض النقابات تتعامل مع بنك ناصر الاجتماعي، وبنك ناصر يأخذ الأدوات المنزلية ويبيعها بالتقسيط بنسبة تصل إلى خمسة وأربعين بالمائة، فما حكم ذلك؟
الجواب
إذا كانت بنسبة فائدة فهذا حرام.
стр. 59
حكم الصلاة لله ركعتين بعد أذان المغرب قبل إقامة الصلاة
السؤال
أنا أدخل المسجد بعد أذان المغرب والإمام لم يقم الصلاة بعد، فهل يجوز لي أن أصلي ركعتين؟
الجواب
يجوز، أجازه البعض من العلماء.
стр. 60
علاقة الخاطب بمخطوبته
السؤال
ما علاقة الخاطب بمخطوبته؟
الجواب
الخاطب غريب عن مخطوبته مثله مثل أي شخص، فلا يرى شيئاً من جسمها، ولا يسلم عليها، ولا يقعد معها في خلوة، إلى أن يعقد قرانه بها.
стр. 61
حكم زكاة الذهب الذي تلبسه المرأة
السؤال
ما حكم زكاة الذهب الذي تملكه المرأة؟
الجواب
لا زكاة عليه ما دامت تلبسه.
стр. 62
حكم تغطية المرأة قدميها في الصلاة
السؤال
ما حكم تغطية المرأة القدمين في الصلاة؟
الجواب
الإمام أحمد بن حنبل أوجب تغطية القدمين في الصلاة، وأباحها بعض الفقهاء.
стр. 63
حكم أعياد الميلاد
السؤال
ما حكم أعياد الميلاد: هل هي بدعة، أم ليست ببدعة؟
الجواب
لا أقول: إنها بدعة مضلة، لكن لا داعي لأعياد الميلاد.
стр. 64
حكم دعاء الأم على الولد
السؤال
أمي تتكلم في أعراض الناس فأقول لها: حرام يا أمي، فتدعو علي وتقول: منك لله، فهل هذا الدعاء مستجاب؟
الجواب
لا، ليس مستجاباً.
стр. 65
حكم غيرة الرجل
السؤال
ماذا تعمل المرأة إذا كان زوجها غيوراً جداً، وغيرته هذه تسبب مشاكل؟
الجواب
تدعو الله سبحانه أن يهدئه قليلاً، والغيرة إن لم تكن في موضعها فإنها تدخل إليه الشك -والعياذ بالله- وتتحول حياته إلى جحيم.
أسأل الله أن يهدئ من غيرة هذا الرجل شديد الغيرة على زوجته.
والغيرة على الحرمات مستحبة ومطلوبة، لكن هي مسألة قياسية، فإن زادت عن حدها المطلوب فقد توصل إلى التهم.
стр. 66
الأساليب المتاحة للأم في تأديب ولدها
السؤال
ما حكم ضرب الأم لولدها الذي يبلغ من العمر ست سنين ضرباً مبرحاً، حتى إنها كسرت أسنانه، وهي متألمة من ذلك؟
الجواب
لابد أن يكون الضرب ضرباً خفيفاً، وانتبه أن تضرب أحداً على وجهه، وعليك أن تكون قدوة حسنة في تأديب امرأتك، وذلك بعد أن تعظها وتهجرها في المضجع، هذه هي الخطوات الإسلامية، أما ولدك فلا يجوز لك ضربه على وجهه أبداً، وإذا أدبت فأدب بأساليب أخرى.
وجزاكم الله خيراً.
اللهم لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم، اغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 67
سلسلة مقتطفات من السيرة [٥]
تربية الأولاد على الأخلاق الفاضلة والسلوك الحسن من أعظم وسائل بناء المجتمع الصالح، وقد اهتم الإسلام بالطفل منذ اختيار الزوجة الصالحة لتكون له أماً إلى تعليمه الصلاة وضربه عليها عندما يقارب البلوغ، فيجب على الوالدين مراعاة أولادهما في التربية، وإبعادهم عن أسباب الانحراف والفساد.
стр. 68
الاختلاف سنة من سنن الله
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله وسلم عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، أما بعد: فإن دراسة السيرة النبوية الشريفة ليست سرداً للأحداث ولا إملاءً للقصص، ولكنها تذكر لكي يأخذ المسلم العبرة منها والعظة في زمن تلاطمت فيه الأحداث، وتشابكت فيه الأمور، وتشعبت فيه القضايا، فلم يستطع الإنسان في هذه الأيام أن يستبين الصواب من الخطأ، وقد يغلق على العالم وعلى الإنسان الحكيم المسلم أموراً كثيرة قد لا يصل فيها إلى نتيجة، مع ما نشعر به جميعاً من أن اعتصامنا أولاً وأخيراً، وتمسكنا أولاً وأخيراً يجب أن يكون بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ .
ولعله مما يعزي الإنسان حديث من أحاديث المعصوم ﷺ ، فقد سأل الله أموراً أربعة، فأعطاه ثلاثة ومنعه من الرابع، وهذا الحديث علمه مهم؛ لكي تهدأ النفوس، ولتعلم أن هذا الخلاف الكائن على الساحة، وأن هذا الاختلاف الغريب بين المسلم والمسلم ليس إلا تحقيقاً لسنة الله في الكون.
فقد سأل الرسول ﷺ ربه ألا يجعل هلاك أمته بسنة عامة، أي: لا يحصل للأمة مجاعة فتهلك كلها، وهذه بفضل الله، فما يزال في الأمة خير كثير، وإن كان الغني فينا مبذراً والفقير غير صابر، والذي يعطى غير شاكر، فما يزال في الأمة خير، وهذه قضية مسلم بها، وهو أن الأمة الإسلامية المحمدية لن تهلك بمجاعة.
قال ﷺ : (فأعطانيها)، يعني: أنه سأل ربنا ألا يهلك الأمة بسنة عامة فأعطاه سؤله.
قال: (وألا يسلط عليهم أحداً من غير جلدتهم فيستبيح بيضتهم)، فلن يسلط على الأمة الإسلامية أحداً من أعدائها يضيعها، حتى وإن استقرت أمريكا في المنطقة أو الاتحاد السوفيتي أو اليهود أو غيرهم، فلن يكون هلاك الأمة على يد أجنبي.
قال: (فأعطانيها)، وليس هناك أكثر من هذا فلن تهلك الأمة بمجاعة، ولن يسلط عليها العدو.
قال ﷺ : (وسألت الله : ألا يهلكهم كما أهلك الأمم التي من قبلهم)، يعني: قوم عاد وقوم ثمود وغيرهم.
قال: (فأعطانيها)، وهذا من كرم الله أيضاً.
قال: (وسألت ربي أن لا يلبسهم شيعاً وألا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها) فالنبي ﷺ سأل الله للأمة ألا تفترق، وألا يضرب بعضهم بعضاً، ولا يعيب بعضهم على بعض، قال: (فمنعنيها).
стр. 69
ضرورة اعتبار الجماعات الإسلامية وسائل للدعوة
فالأمة سيحصل فيها اختلاف، فلا تغضب ولا تحزن حين تجد الأمة فرقاً؛ فما تجده على الساحة من اختلاف ينبغي أن تنظر إليه بعين قلبك لا بعين بصرك، فلا تعتبر هذه المجموعات فرقاً متناحرة، بل اعتبرها وسائل دعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذه المسألة أساس الدعوة كلها، فندعو بالحكمة؛ لأن الله قال لرسوله هذا، فقد قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، كان السائب بن عبد الله رجلاً من بني مخزوم، وكان رجلاً عنيداً، وبنو مخزوم بطبيعتهم أناس لا يقادون بسهولة، وهم عشيرة خالد بن الوليد، وحالهم كما قال الشاعر: إذا بلغ الرضيع لنا فطاماً تخر له الجبابر ساجدينا ونشرب إن وردنا الماء صفواً ويشرب غيرنا كدراً وطيناً فهو لما يشرب يشرب صفواً.
سنبدأ ظالمين وما ظلمنا ولكنا سنبدأ ظالمينا فـ السائب بن عبد الله المخزومي لما وقع في الأسر ساقه الصحابة مصفداً بالأغلال؛ لأنه كان مقاتلاً صنديداً، فلما رآه النبي ﷺ وهو يتصفح وجوه الأسرى صافحه وقال: مرحباً بأخي وشبيهي.
وكان فيه شبه من الرسول ﷺ .
فلما قال ﷺ هاتين الكلمتين، قال: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم قال: والله لقد جئت وما أحد على وجه الأرض أبغض إلى قلبي منك، وسوف أعود إلى أهلي وما أحد على وجه الأرض أحب إلى قلبي منك، وما أرض أحب إلى قلبي من أرض أنت فيها يا رسول الله، فهذا أثر الحكمة والموعظة الحسنة.
ولقد كان صحابة الحبيب المصطفى لكل واحد منهم شخصية مستقلة، فـ أبو بكر كان ليناً هيناً ودوداً، وكان من رحمة الله أنه هو الذي خلف رسول الله بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
فقد كان المسلمون بحاجة إلى من يعاملهم برقة ويعاملهم بالتي هي أحسن، فكان أبو بكر على نفس منوال الحبيب، وأما عمر بن الخطاب فإنه -مع إيمانه وقوته وقدرته- كان عنيفاً في الحق.
فرسولنا ﷺ رأى فيه أصحابه الرأفة والرقة، فقد أرسلت إليه السيدة زينب بنته تقول: إن ابني ينازع، فاحضر إلينا.
فهي تريد أن يكون حاضراً عند خروج روح ابنها الذي كان عمره بضع سنوات.
فأسرع الرسول ﷺ مع بلال وعمار وعلي وبعض من الصحابة، فوضع الرسول حفيده في حجره وضمه إلى صدره، فخرجت روح الولد، فأجهش الرسول بالبكاء، فاستغرب سعد بن أبي وقاص ظاناً أن هذا ليس من الصبر، فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: (يا سعد! هذه رحمة وضعها الله في قلب من يحب من عباده، ومن لا يرحم لا يرحم).
فالبكاء مسألة رحمة وليس عنواناً للجزع، وقد دخل سيدنا عمر على نساء قاعدات في مأتم وفيهن واحدة تعدد محاسن الميت والنساء يرددن بعدها، فناول عبد الرحمن بن عوف الدرة وقال: اضرب هذه؛ فإنها تأمر بالجزع وقد نهى الله عنه، وتنهى عن الصبر وقد أمر الله به.
فتلك طريقة الصحابة في دعوتهم، فـ أبو بكر لين، وعمر شديد في الحق.
وأما أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد فقد كان على يديهما فتح الشام، فلما دخلا دمشق وقع أمر عجيب، فالمكان الذي دخل منه أبو عبيدة دخله بالصلح، فدخل عن طريق السلم والمعاهدة، والمكان الذي دخل منه خالد بن الوليد دخله بالحرب؛ لأن خالداً كان مفطوراً على الجندية، فـ خالد جندي، وأبو عبيدة داعية إلى الله، وأبو ذر رجل ناسك، وعثمان بن عفان رجل قائم بالليل، وسيدنا بلال رجل عابد لله ، وسيدنا عمر بن الخطاب رجل أمين قوي، فهذه العناصر الطيبة من الصحابة إذا وضع كل واحد منها على حدة قلت: هذا هو الإسلام، وحين تجمعهم كلهم تقول أيضاً: هذا هو الإسلام.
стр. 70
أهمية التعاون والاحترام بين المسلمين
وأنا أريدك أن تنظر إلى الساحة الآن فلا تغضب، والذي يُغضِب هو شيء واحد فقط، وهو أن يعيب بعضنا بعضاً، فلا يعيب بعضنا على بعض، بل نعمل بما اتفقنا عليه، فقد اتفقنا على التوحيد والصلاة والصيام وحج البيت، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الرحم، والاستقامة، والبعد عن الانحراف، والدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه.
لقد ذهب الشافعي ليصلي في الكوفة موضع رفات أبي حنيفة، ووقف ليصلي، فصلى الصبح ولم يقنت، والإمام الشافعي يرى القنوت في صلاة الصبح، فقام من الركوع وسجد، وبعدما سلم قالوا له: أنسيت يا إمام؟! فقال: لا، ولكني احترمت قبر أبي حنيفة، كل الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة.
ولم يقل: أنا الذي أفهم واترك عنك فلاناً، وأنا الذي أعرف.
ولقد قال أبو حنيفة: علمنا هذا صواب يحتمل الخطأ، وعلم غيرنا خطأ يحتمل الصواب، فمن رأى غيرنا فله ما رأى ولنا ما رأينا.
فقضية الخلاف قضية يجب أن لا توصلنا إلى ما نحن فيه أبداً، وأن المساجد لله.
فالعالم الذي في المسجد يقول: قال الله وقال الرسول، ويأتي بالدليل من الكتاب والسنة، وأحسبه على خير وأظنه كذلك فأقول له: سمعاً وطاعة.
فإذا نظرت إلى الساحة اليوم فوجدت فيها اختلافاً كثيراً فلا تحزن؛ فهذه سنة الله في خلقه، وسنة الله في الأمة، فنسأل الله أن ينزع من قلوبنا الغل والحقد والحسد، وألا يجعل في قلوبنا ضغينة على مسلم، وأن يجعلنا إخوة متحابين في الله متزاورين في الله متجالسين في الله، إن ربنا على ما يشاء قدير.
стр. 71
حقوق الابن على أبيه
كنا قد تحدثنا عن حق الابن على أبيه، وسأكمل هنا بقية حقوق الابن على أبيه لأكمل أيضاً حقوق الوالدين على أبنائهما، من أجل أن يعلم أنه لو صلح البيت لصلحت الأسرة، ولو صلحت الأسرة المسلمة لصار المجتمع كله صالحاً، فيخرج من بيننا أناس صالحون، وشباب صالح ونساء صالحات.
стр. 72
اختيار الأم الصالحة
وقد سبق أن ذكرنا من أن تختار له أماً صالحة، لا أماً غنية فقط، بل إن اخترتها غنية فلا بد من أن يكون عندها دين، أو جميلة، فلا بد من أن يكون عندها دين، أو ذات نسب، فلا بد من أن يكون عندها دين، لحديث: (فاظفر بذات الدين تربت يداك).
فالمهم أنك تتزوج امرأة صالحة ونبتة طيبة من بيت طيب، فهذا هو أول حق لابنك قبل أن يوجد، وسوف يطالبك الابن بهذا الحق يوم القيامة إن لم تختر له الأم الصالحة.
وليس بصحيح ما يقوله بعض البعيدين عن الله، حيث يقول الواحد منهم: لا ينفع أن آخذ امرأة لا أحبها، والبنت تقول: حين أحبه أوافق عليه والأولى هو أن تختبر أخلاقه نتيجة الفوضى والانحراف، ونقول هنا ما قاله عمر بن الخطاب، فسيدنا عمر جاءه رجل يقول له: أريد أن أطلق زوجتي، فسأل عن السبب، فقال: أنا لا أحبها.
فضربه عمر بالدرة وقال: أولم تبن البيوت إلا على الحب، فأين الرعاية والتذمم؟! يقول: البيوت لا تبنى على الحب فحسب، فالحب لا بد من أن يكون موجوداً، فيجب أن يكون الود والتعاطف والمودة بينك وبين امرأتك، فإن ولى الحب يبقى شيء مهم، وهو أن لك حقوقاً وعليك واجبات، وزوجتك لها حقوق وعليها واجبات.
ولو أن كل واحد منا أدى ما عليه وأخذ ما له لصلحت الأمور، أما أن تبتعد عن الله وتبتعد عن طريق الله وتبتعد عن مجالس العلم، وتبتعد عن تقوى الله، وتبتعد عن قيام الليل وصيام النهار وقراءة القرآن، وتريد امرأتك أن تكون صالحة، فمعنى ذلك أن تغالط نفسك، فأصلح ما بينك وبين ربك يصلح الله لك ما بينك وبين زوجتك، والزوجة كذلك ما بينها وبين ربها، لا أن تقعد تشتكي من زوجها، فكلما ذهبت إلى أمها أخبرتها بما يصنع زوجها، فهذه خيانة من الخيانات، فليس من حقك أن تذهبي إلى أمك لتقصي عليها أسرار بيتك ومشاكلك، فهذه خيانة.
قال أهل العلم: إن الأم لها حق خاص، لحديث: (من أولى الناس بالحقوق على الرجل يا رسول الله! قال: أمك، قال: وعلى المرأة؟ قال: زوجها)، فمن أكبر الحقوق على المرأة حق زوجها، ومن أكبر الحقوق على الرجل حق أمه.
كما قال أهل العلم: إن المرأة ليس من حقها أن تذهب إلى أمها لتخبرها عما تطبخ، فكم من خيانة في البيوت! وقد سمى الرسول ﷺ تلك خيانة، والله قد سماها خيانة أيضاً فقال تعالى: ﴿اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم:١٠].
قالوا: إن زوجة لوط وزوجة نوح كانتا تخرجان أسرار زوجيهما النبيين فسمي ذلك في الإسلام خيانة.
وفي الحديث: (إن من أكبر الخيانات أن يحدث الرجل زوجته حديثاً فتصبح لتحدث به جيرانها)، فتقعد مع الجيران لتكلمهم، وقال: (ومن أكبر الخيانات عند الله أن تسر المرأة لزوجها بحديث فيصبح ليحدث به جلساءه)، فسمى رسول الله ﷺ هذا خيانة.
فأنت تختار زوجة صالحة من أجل أن يتأسس البيت على أساس صالح، فهذا هو الحق الأول لابنك عليك، وقد خرج الإمام الشافعي رضوان الله عليه لطلب العلم، فقال: يا أمي! أوصيني؟ قالت: لا تكذب.
وما أكثرت عليه، فلم تقل: اجمع المال، وانتبه لا تأمن زوجتك، بل قالت له: لا تكذب.
وسافر الإمام الشافعي، فخرج عليهم قطاع طريق ليأخذوا ما معهم، فقال أحد اللصوص للشافعي: هل معك شيء؟ قال: معي أربعون ديناراً.
فاللص ظن أن الشافعي يضحك عليه، فتركه، فجاء لص آخر فقال له: أمعك شيء؟ قال: معي أربعون ديناراً، فأخذوه إلى رئيسهم، فقالوا: هذا نسأله: أمعك مال؟ فيقول: معي أربعون ديناراً! فقال له: معك أربعون ديناراً؟ قال: نعم، فقالوا له: أين تضعها؟ فقال لهم: أديروا وجوهكم.
وأخرج المال، ثم قال: لقد عاهدت أمي على ألا أكذب وأنا أخاف أن أحيف بعهد أمي.
فشق شيخ اللصوص ثوبه، وقال: أنت تخاف أن تحيف بعهد أمك وأنا قد حفت بعهد الله، أشهد الله أني قد تبت على يديك، وكان اللصوص كلهم تابعين له، فقالوا له: لقد كنت شيخنا في المعصية وفي الحرام، وأنت الآن شيخنا في التوبة.
وقد حدث أن المحكمة الشرعية في السعودية أقامت حد قطع اليد على شاب، وقبل أن يقطع المتولي للقطع، قال له الشاب: اقطع أولاً لسان أمي، فقال: لماذا؟ قال: لقد سرقت دجاجة من دجاج الجيران وأنا صغير، فزغردت أمي وقالت: لقد صار ابني رجلاً، ففرحتها هي التي جعلتني أستمر في السرقة.
فالأم حين تكون صالحة يصلح بها المجتمع، وأما إذا كانت بخلاف ذلك فإنها حين يكبر الأولاد تقول لهم: سأطلعكم على أمور لم أقلها لكم وأنتم صغار، وأبوكم هذا قد أرهقني منذ ثلاثين سنة.
فتكره الأولاد في أبيهم.
فيا امرأة! اصبري واحتسبي إذا كان زوجك ليس صالحاً وقد صبرت طول هذه المدة، فمن صبرت على سوء خلق زوجها أعطاها الله مثلما أعطى آسية امرأة فرعون في الجنة، ومن صبر على سوء خلق زوجته أعطاه الله مثلما أعطى أيوب على صبره.
стр. 73
حقوق المولود عند ولادته
والحق الثاني اختيار الاسم، ثم الأذان في أذن وإقامة الصلاة في الأذن الثانية، ثم حلق الشعر والتصدق بوزنه فضة أو ذهباً، ثم الختان، ثم العقيقة.
стр. 74
حق الطفل في التربية والتعليم والرفق
إن الصبي إذا بلغ خمس سنين فإننا دائماً نقول: الحمد لله على أن أولادنا من الذكاء بمكان، فإنهم حين يرون إعلاناً في التلفزيون يحفظونه، والواجب على الآباء ألا يُشغلوا عن الأولاد بمسألة الرزق، فلا بد من رعاية الولد ولا تتركه للبطالة وأسباب الانحراف والمخدرات والفشل في الدراسة وفي الجامعات وفي المعاهد.
ويجب علينا أن نتدارس ذلك من الآن من أجل أن نغرس في أبنائنا القواعد والمثل من كتاب الله ومن شرع حبيبنا ﷺ .
فالولد إذا بلغ أربع أو خمس سنين وبدأت كلماته تظهر واضحة، فإنني آتي له بالذي يحفظه القرآن، وهذه مسألة مهمة.
والأب غالباً لا يجيد تعليم ولده، حتى إنك تجد المدرس المتخصص في مادة معينة يأتي لابنه بمدرس، فتقول له: أنت الكيمياء كلها وتأتي لابنك بمدرس الكيمياء، فالأب بطبيعته يكون عصبياً على ابنه يريد أن يشربه العلم بسرعة، فالعصبية هذه لا تنفع.
لقد حلف لي أحدهم بالله على أنه قال لآخر: يا فلان! صوتك دائماً منخفض، ألا تعلي صوتك قليلاً؟! فقال له: أنا نشأت في بيت كان من عادة أهله أن الأب أو الأم أو الإخوان إذا تعلم أحدهم نطلب منه أن يعيد الكلام مرة أخرى؛ لأن الصوت منخفض.
فانظر إلى هذا الرفق في البيت، فالإسلام يريد أن يكون الإنسان رقيقاً في بيته.
ولذلك يروى أن سيدنا عمر جاءه رجل وقال له: أريد أن توليني ولاية.
فقال له: مر علي غداً.
فـ عمر يريد أن يمتحن الرجل ليعلم أيصلح لذلك أم لا، وعمر خبير في علم النفس، فقال للخادم: أدخله مباشرة.
فجاء الرجل وطرق باب أمير المؤمنين، فأدخله الخادم، فوجد الرجل منظراً غريباً، لقد رأى أمير المؤمنين الذي يخاف منه العالم كله يحبو على يديه ورجليه وقد أركب على ظهره بعض ولده، وكأنه قطار أو سيارة، فهذا هو عمر بن الخطاب صاحب مقولة: (إذا كنت في أهلك فكن صبياً، وإذا كنت بين إخوانك فكن رجلاً) يعني: اضحك مع امرأتك، واضحك مع أولادك وانبسط معهم، وإذا كان تبسمك في وجه أخيك صدقة فما بالك به في وجه زوجتك؟! إن كثيراً من الناس لا يضحكون إلا أمام الغريب وفي المكاتب، فالأستاذ فلان في مكتبه لطيف، وحين يرجع بيته تقول زوجته: عياذاً بالله رب العالمين، فأنا أريدك أن تنبسط في بيتك كما كان رسول الله ﷺ وصحابته.
فلما رأى الرجل ذلك وقف مستغرباً، فنظر سيدنا عمر إلى الرجل وقال له: ما لك يا أخا الإسلام؟! فماذا تصنع مع أهلك؟ فقال له: أنا إن دخلت بيتي فر الواقف واستيقظ النائم ووقف الجالس.
فقال: من لا يرحم لا يُرحم، فإذا كنت هكذا مع أبنائك، فكيف تكون مع أبناء المسلمين؟! لا حاجة لنا في ولايتك.
стр. 75
تأدبيه لست وضربه لثلاث عشرة وتزويجه لست عشرة
جاء في حديث عن عبد الله بن عباس ﵄ عن سيدنا رسول الله ﷺ أنه قال: (أدب ابنك لست)، فحين يبلغ ابنك ست سنين تبدأ تؤدبه، فتعرفه بأن هذا غلط وهذا صحيح، فإذا تفل في وجه عمه فلا تقل: ابني هذا كبر وصار رجلاً، بل قل له: احترم عمك، فعمك مثل أبيك، فسلم عليه.
لقد كنا في الأرياف نقوم في الصبح فنقبل يد الأب والأم والأخ الأكبر، وقد ذهبت هذه العادة.
وقد قال ﷺ في حق الأم: (الزم قدميها فثم الجنة)، فحين يقعد الولد أو البنت عند أرجل الأب والأم فهناك الجنة، فالجنة تحت أقدامهما.
وكذلك يعلمه على أن يقبل يد الأخ الأكبر، ولكن ليس الأخ الذي لا يصلي.
فرب الابن الأول ليكون قدوة لإخوانه، فإذا كان الولد الكبير منحرفاً يشرب السجائر، ويشهد النوادي، فإن الأولاد الصغار يكونون مثله، وحين يكون الأكبر مستقيماً يكون الأولاد كلهم على حالة من الاستقامة.
فرسول الله ﷺ يقول: (إذا بلغ ابنك ستاً فأدبه، واضربه على الصلاة والصيام لثلاث عشرة)، فحين يبلغ ثلاثة عشر عاماً فاضربه إن لم يصل أو لم يصم، فإذا بلغ الست عشرة فزوجه، وخذ بيده وقل: أدبتك وعلمتك وربيتك وزوجتك، اللهم إني أسألك بره في الدنيا وأعوذ بك من عذاب يأتي من خلفه في الآخرة.
فأرشد إلى تزويجه لست عشرة سنة، وفي زماننا لا يتزوج الرجل إلا بعد أن يكاد يشيب؛ لأننا نضع عقبات أمام الحلال، فيصير الحرام سهلاً، ولكن لو سهلنا أمر الحلال لصار الأمر ميسوراً.
ولا أريد بذلك أن يتخذ أولادنا الصغار ذلك حجة على آبائهم؛ فإنما أعني الولد ذا الست عشرة سنة الذي يعمل، لا أن تبقى إلى الخامسة والعشرين وأنت تأخذ حاجتك من أبيك ثم تريد أن يزوجك أبوك.
فإذا بلغ الخمس فأت بمن يحفظه القرآن ويعلمه ليتقن لسانه اللغة العربية؛ لأن هناك مشكلة نعانيها في إتقان العربية، وأحد أسباب ذلك المدارس الأجنبية، ففي العشرينات والثلاثينات والأربعينات لما فتحوا المدارس الأجنبية كانت مدارس للتبشير الكنسي، وكانت هذه خطة اللورد كرومر عام ألف وتسعمائة وأربعة، فعلمن المناهج العلمية في مصر، وخطب اللورد كرومر عام ألف وتسعمائة وأربعة وقال: طالما كان في مصر هذا المبنى -الذي هو الأزهر- وهذا الكتاب -الذي هو المصحف- فلن تستعمر مصر أبداً.
فكانوا مدركين ماذا يعملون، فعلمنوا التعليم، وفصلوا بين التعليم الديني والتعليم الدنيوي، فجعل الدين للأزهري فقط، مع أنه ليس هناك شيء اسمه ديني ودنيوي، فالدين هو الدنيا والدنيا هي الدين؛ لأنه يجب على الولد أن يتعلم هذا مع هذا في وقت واحد، لا أن تلقى حصة الدين في الحصة السابعة ويأخذ حصة الرياضة في الحصة الأولى.
ومنهج الدين نفسه الذي في الكتاب لا يسمن ولا يغني من جوع.
فأقول: إن ابنك أو بنتك إذا وصل إلى أربع أو خمس سنين فأت بمن يحفظه القرآن؛ من أجل أن يتكلم باللغة العربية جيداً، فيعرف مخارج الحروف، ويعرف أحكام التلاوة، ويعرف الحلال والحرام، فالقرآن كله بركة، وسوف يبارك الله في الولد، وفي الأثر: لاعبه سبعاً، وأدبه سبعاً، وصادقه سبعاً.
следующие страницы →