Полный текст (588 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
حقوق الابن على أبيه
كنا قد تحدثنا عن حق الابن على أبيه، وسأكمل هنا بقية حقوق الابن على أبيه لأكمل أيضاً حقوق الوالدين على أبنائهما، من أجل أن يعلم أنه لو صلح البيت لصلحت الأسرة، ولو صلحت الأسرة المسلمة لصار المجتمع كله صالحاً، فيخرج من بيننا أناس صالحون، وشباب صالح ونساء صالحات.
стр. 72
اختيار الأم الصالحة
وقد سبق أن ذكرنا من أن تختار له أماً صالحة، لا أماً غنية فقط، بل إن اخترتها غنية فلا بد من أن يكون عندها دين، أو جميلة، فلا بد من أن يكون عندها دين، أو ذات نسب، فلا بد من أن يكون عندها دين، لحديث: (فاظفر بذات الدين تربت يداك).
فالمهم أنك تتزوج امرأة صالحة ونبتة طيبة من بيت طيب، فهذا هو أول حق لابنك قبل أن يوجد، وسوف يطالبك الابن بهذا الحق يوم القيامة إن لم تختر له الأم الصالحة.
وليس بصحيح ما يقوله بعض البعيدين عن الله، حيث يقول الواحد منهم: لا ينفع أن آخذ امرأة لا أحبها، والبنت تقول: حين أحبه أوافق عليه والأولى هو أن تختبر أخلاقه نتيجة الفوضى والانحراف، ونقول هنا ما قاله عمر بن الخطاب، فسيدنا عمر جاءه رجل يقول له: أريد أن أطلق زوجتي، فسأل عن السبب، فقال: أنا لا أحبها.
فضربه عمر بالدرة وقال: أولم تبن البيوت إلا على الحب، فأين الرعاية والتذمم؟! يقول: البيوت لا تبنى على الحب فحسب، فالحب لا بد من أن يكون موجوداً، فيجب أن يكون الود والتعاطف والمودة بينك وبين امرأتك، فإن ولى الحب يبقى شيء مهم، وهو أن لك حقوقاً وعليك واجبات، وزوجتك لها حقوق وعليها واجبات.
ولو أن كل واحد منا أدى ما عليه وأخذ ما له لصلحت الأمور، أما أن تبتعد عن الله وتبتعد عن طريق الله وتبتعد عن مجالس العلم، وتبتعد عن تقوى الله، وتبتعد عن قيام الليل وصيام النهار وقراءة القرآن، وتريد امرأتك أن تكون صالحة، فمعنى ذلك أن تغالط نفسك، فأصلح ما بينك وبين ربك يصلح الله لك ما بينك وبين زوجتك، والزوجة كذلك ما بينها وبين ربها، لا أن تقعد تشتكي من زوجها، فكلما ذهبت إلى أمها أخبرتها بما يصنع زوجها، فهذه خيانة من الخيانات، فليس من حقك أن تذهبي إلى أمك لتقصي عليها أسرار بيتك ومشاكلك، فهذه خيانة.
قال أهل العلم: إن الأم لها حق خاص، لحديث: (من أولى الناس بالحقوق على الرجل يا رسول الله! قال: أمك، قال: وعلى المرأة؟ قال: زوجها)، فمن أكبر الحقوق على المرأة حق زوجها، ومن أكبر الحقوق على الرجل حق أمه.
كما قال أهل العلم: إن المرأة ليس من حقها أن تذهب إلى أمها لتخبرها عما تطبخ، فكم من خيانة في البيوت! وقد سمى الرسول ﷺ تلك خيانة، والله قد سماها خيانة أيضاً فقال تعالى: ﴿اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم:١٠].
قالوا: إن زوجة لوط وزوجة نوح كانتا تخرجان أسرار زوجيهما النبيين فسمي ذلك في الإسلام خيانة.
وفي الحديث: (إن من أكبر الخيانات أن يحدث الرجل زوجته حديثاً فتصبح لتحدث به جيرانها)، فتقعد مع الجيران لتكلمهم، وقال: (ومن أكبر الخيانات عند الله أن تسر المرأة لزوجها بحديث فيصبح ليحدث به جلساءه)، فسمى رسول الله ﷺ هذا خيانة.
فأنت تختار زوجة صالحة من أجل أن يتأسس البيت على أساس صالح، فهذا هو الحق الأول لابنك عليك، وقد خرج الإمام الشافعي رضوان الله عليه لطلب العلم، فقال: يا أمي! أوصيني؟ قالت: لا تكذب.
وما أكثرت عليه، فلم تقل: اجمع المال، وانتبه لا تأمن زوجتك، بل قالت له: لا تكذب.
وسافر الإمام الشافعي، فخرج عليهم قطاع طريق ليأخذوا ما معهم، فقال أحد اللصوص للشافعي: هل معك شيء؟ قال: معي أربعون ديناراً.
فاللص ظن أن الشافعي يضحك عليه، فتركه، فجاء لص آخر فقال له: أمعك شيء؟ قال: معي أربعون ديناراً، فأخذوه إلى رئيسهم، فقالوا: هذا نسأله: أمعك مال؟ فيقول: معي أربعون ديناراً! فقال له: معك أربعون ديناراً؟ قال: نعم، فقالوا له: أين تضعها؟ فقال لهم: أديروا وجوهكم.
وأخرج المال، ثم قال: لقد عاهدت أمي على ألا أكذب وأنا أخاف أن أحيف بعهد أمي.
فشق شيخ اللصوص ثوبه، وقال: أنت تخاف أن تحيف بعهد أمك وأنا قد حفت بعهد الله، أشهد الله أني قد تبت على يديك، وكان اللصوص كلهم تابعين له، فقالوا له: لقد كنت شيخنا في المعصية وفي الحرام، وأنت الآن شيخنا في التوبة.
وقد حدث أن المحكمة الشرعية في السعودية أقامت حد قطع اليد على شاب، وقبل أن يقطع المتولي للقطع، قال له الشاب: اقطع أولاً لسان أمي، فقال: لماذا؟ قال: لقد سرقت دجاجة من دجاج الجيران وأنا صغير، فزغردت أمي وقالت: لقد صار ابني رجلاً، ففرحتها هي التي جعلتني أستمر في السرقة.
فالأم حين تكون صالحة يصلح بها المجتمع، وأما إذا كانت بخلاف ذلك فإنها حين يكبر الأولاد تقول لهم: سأطلعكم على أمور لم أقلها لكم وأنتم صغار، وأبوكم هذا قد أرهقني منذ ثلاثين سنة.
فتكره الأولاد في أبيهم.
فيا امرأة! اصبري واحتسبي إذا كان زوجك ليس صالحاً وقد صبرت طول هذه المدة، فمن صبرت على سوء خلق زوجها أعطاها الله مثلما أعطى آسية امرأة فرعون في الجنة، ومن صبر على سوء خلق زوجته أعطاه الله مثلما أعطى أيوب على صبره.
стр. 73
حقوق المولود عند ولادته
والحق الثاني اختيار الاسم، ثم الأذان في أذن وإقامة الصلاة في الأذن الثانية، ثم حلق الشعر والتصدق بوزنه فضة أو ذهباً، ثم الختان، ثم العقيقة.
стр. 74
حق الطفل في التربية والتعليم والرفق
إن الصبي إذا بلغ خمس سنين فإننا دائماً نقول: الحمد لله على أن أولادنا من الذكاء بمكان، فإنهم حين يرون إعلاناً في التلفزيون يحفظونه، والواجب على الآباء ألا يُشغلوا عن الأولاد بمسألة الرزق، فلا بد من رعاية الولد ولا تتركه للبطالة وأسباب الانحراف والمخدرات والفشل في الدراسة وفي الجامعات وفي المعاهد.
ويجب علينا أن نتدارس ذلك من الآن من أجل أن نغرس في أبنائنا القواعد والمثل من كتاب الله ومن شرع حبيبنا ﷺ .
فالولد إذا بلغ أربع أو خمس سنين وبدأت كلماته تظهر واضحة، فإنني آتي له بالذي يحفظه القرآن، وهذه مسألة مهمة.
والأب غالباً لا يجيد تعليم ولده، حتى إنك تجد المدرس المتخصص في مادة معينة يأتي لابنه بمدرس، فتقول له: أنت الكيمياء كلها وتأتي لابنك بمدرس الكيمياء، فالأب بطبيعته يكون عصبياً على ابنه يريد أن يشربه العلم بسرعة، فالعصبية هذه لا تنفع.
لقد حلف لي أحدهم بالله على أنه قال لآخر: يا فلان! صوتك دائماً منخفض، ألا تعلي صوتك قليلاً؟! فقال له: أنا نشأت في بيت كان من عادة أهله أن الأب أو الأم أو الإخوان إذا تعلم أحدهم نطلب منه أن يعيد الكلام مرة أخرى؛ لأن الصوت منخفض.
فانظر إلى هذا الرفق في البيت، فالإسلام يريد أن يكون الإنسان رقيقاً في بيته.
ولذلك يروى أن سيدنا عمر جاءه رجل وقال له: أريد أن توليني ولاية.
فقال له: مر علي غداً.
فـ عمر يريد أن يمتحن الرجل ليعلم أيصلح لذلك أم لا، وعمر خبير في علم النفس، فقال للخادم: أدخله مباشرة.
فجاء الرجل وطرق باب أمير المؤمنين، فأدخله الخادم، فوجد الرجل منظراً غريباً، لقد رأى أمير المؤمنين الذي يخاف منه العالم كله يحبو على يديه ورجليه وقد أركب على ظهره بعض ولده، وكأنه قطار أو سيارة، فهذا هو عمر بن الخطاب صاحب مقولة: (إذا كنت في أهلك فكن صبياً، وإذا كنت بين إخوانك فكن رجلاً) يعني: اضحك مع امرأتك، واضحك مع أولادك وانبسط معهم، وإذا كان تبسمك في وجه أخيك صدقة فما بالك به في وجه زوجتك؟! إن كثيراً من الناس لا يضحكون إلا أمام الغريب وفي المكاتب، فالأستاذ فلان في مكتبه لطيف، وحين يرجع بيته تقول زوجته: عياذاً بالله رب العالمين، فأنا أريدك أن تنبسط في بيتك كما كان رسول الله ﷺ وصحابته.
فلما رأى الرجل ذلك وقف مستغرباً، فنظر سيدنا عمر إلى الرجل وقال له: ما لك يا أخا الإسلام؟! فماذا تصنع مع أهلك؟ فقال له: أنا إن دخلت بيتي فر الواقف واستيقظ النائم ووقف الجالس.
فقال: من لا يرحم لا يُرحم، فإذا كنت هكذا مع أبنائك، فكيف تكون مع أبناء المسلمين؟! لا حاجة لنا في ولايتك.
стр. 75
تأدبيه لست وضربه لثلاث عشرة وتزويجه لست عشرة
جاء في حديث عن عبد الله بن عباس ﵄ عن سيدنا رسول الله ﷺ أنه قال: (أدب ابنك لست)، فحين يبلغ ابنك ست سنين تبدأ تؤدبه، فتعرفه بأن هذا غلط وهذا صحيح، فإذا تفل في وجه عمه فلا تقل: ابني هذا كبر وصار رجلاً، بل قل له: احترم عمك، فعمك مثل أبيك، فسلم عليه.
لقد كنا في الأرياف نقوم في الصبح فنقبل يد الأب والأم والأخ الأكبر، وقد ذهبت هذه العادة.
وقد قال ﷺ في حق الأم: (الزم قدميها فثم الجنة)، فحين يقعد الولد أو البنت عند أرجل الأب والأم فهناك الجنة، فالجنة تحت أقدامهما.
وكذلك يعلمه على أن يقبل يد الأخ الأكبر، ولكن ليس الأخ الذي لا يصلي.
فرب الابن الأول ليكون قدوة لإخوانه، فإذا كان الولد الكبير منحرفاً يشرب السجائر، ويشهد النوادي، فإن الأولاد الصغار يكونون مثله، وحين يكون الأكبر مستقيماً يكون الأولاد كلهم على حالة من الاستقامة.
فرسول الله ﷺ يقول: (إذا بلغ ابنك ستاً فأدبه، واضربه على الصلاة والصيام لثلاث عشرة)، فحين يبلغ ثلاثة عشر عاماً فاضربه إن لم يصل أو لم يصم، فإذا بلغ الست عشرة فزوجه، وخذ بيده وقل: أدبتك وعلمتك وربيتك وزوجتك، اللهم إني أسألك بره في الدنيا وأعوذ بك من عذاب يأتي من خلفه في الآخرة.
فأرشد إلى تزويجه لست عشرة سنة، وفي زماننا لا يتزوج الرجل إلا بعد أن يكاد يشيب؛ لأننا نضع عقبات أمام الحلال، فيصير الحرام سهلاً، ولكن لو سهلنا أمر الحلال لصار الأمر ميسوراً.
ولا أريد بذلك أن يتخذ أولادنا الصغار ذلك حجة على آبائهم؛ فإنما أعني الولد ذا الست عشرة سنة الذي يعمل، لا أن تبقى إلى الخامسة والعشرين وأنت تأخذ حاجتك من أبيك ثم تريد أن يزوجك أبوك.
فإذا بلغ الخمس فأت بمن يحفظه القرآن ويعلمه ليتقن لسانه اللغة العربية؛ لأن هناك مشكلة نعانيها في إتقان العربية، وأحد أسباب ذلك المدارس الأجنبية، ففي العشرينات والثلاثينات والأربعينات لما فتحوا المدارس الأجنبية كانت مدارس للتبشير الكنسي، وكانت هذه خطة اللورد كرومر عام ألف وتسعمائة وأربعة، فعلمن المناهج العلمية في مصر، وخطب اللورد كرومر عام ألف وتسعمائة وأربعة وقال: طالما كان في مصر هذا المبنى -الذي هو الأزهر- وهذا الكتاب -الذي هو المصحف- فلن تستعمر مصر أبداً.
فكانوا مدركين ماذا يعملون، فعلمنوا التعليم، وفصلوا بين التعليم الديني والتعليم الدنيوي، فجعل الدين للأزهري فقط، مع أنه ليس هناك شيء اسمه ديني ودنيوي، فالدين هو الدنيا والدنيا هي الدين؛ لأنه يجب على الولد أن يتعلم هذا مع هذا في وقت واحد، لا أن تلقى حصة الدين في الحصة السابعة ويأخذ حصة الرياضة في الحصة الأولى.
ومنهج الدين نفسه الذي في الكتاب لا يسمن ولا يغني من جوع.
فأقول: إن ابنك أو بنتك إذا وصل إلى أربع أو خمس سنين فأت بمن يحفظه القرآن؛ من أجل أن يتكلم باللغة العربية جيداً، فيعرف مخارج الحروف، ويعرف أحكام التلاوة، ويعرف الحلال والحرام، فالقرآن كله بركة، وسوف يبارك الله في الولد، وفي الأثر: لاعبه سبعاً، وأدبه سبعاً، وصادقه سبعاً.
стр. 76
اختيار الرفقة الصالحة للولد
فإذا دخل الولد المدرسة فعلي أن أرى زملاءه، وهذه مسئوليتك أمام الله، فاذهب وزر المدرسة وانظر من يجلس بجانبه، فاعرف أباه، فلعله من أصحاب المخدرات، وقد يكون أبوه ساباً للدين والعياذ بالله، وقد يكون هو ابن فنانة، وقد تقول: والولد ما ذنبه؟! أقول: الولد يكتسب ممن هم حوله، فلقد ذهبت إلى إحدى مدارس اللغات، وبينما كنت في المحاضرة سألني تلميذ في ثالث ابتدائي عمره تسع سنين، فقال لي: البيرة حلال أم حرام؟ فقلت: البيرة هذه أتعرف شكلها؟! قال: نعم.
فقلت له: هي حرام، فقال: من الذي قال؟ فقلت له: الدين.
فقال: هات لي نصاً! فالولد يسألني عن البيرة وعن النص، فما هو الذي جعل الولد تأتي في عقله مسألة البيرة غير أنه رآها في التلفزيون أو في وسائل الإعلام المنحرفة أو رآها في بيته أو رآها في الشارع.
فنحن نضيع أبناءنا دون أن ندرك، فالمرأة تقول لابنها الذي دخل في أول ابتدائي: انتبه -يا حمادة- أن يعطيك أحد وردة تشمها.
وهي بذلك تكني عن المقصود، وإذا بالولد يقول: تقصدين الهروين والكوكايين؟ فقالت له: نعم، فقال لها: لا، هذا في الثانوي، وأما منهجنا فمنهج السجائر.
فهذه كارثة؛ لأن هذا هو نتاج المجتمع الذي نحيا فيه.
إن الأوروبيين يقولون لنا: ما هي حكاية رجم الزاني؟! إنها عملية وحشية جداً.
فنقول لهم: إنكم تنظرون إلى آخر المسألة لا إلى أولها، فالإسلام يفرض على أتابعه أن يكون المجتمع كله صالحاً، فيكبر الولد في مجتمع ليس فيه مخدرات ولا خمر ولا دور سينما ولا ملاه ولا سرقات، والحدود فيه تقام، والنساء في الشوارع إما منقبات أو مخمرات، فلا أحد يرى عورات النساء في المجلات.
ثم إن الإسلام يحتم على الدولة أن تعين من بيت المال الشاب الفقير الذي لا يستطيع الزواج، فتزوجه وتوجد له سكناً وعملاً.
فالإسلام يوجد له مجتمعاً جيداً، وعملاً، ويقيه من الانحراف ومن الانحلال ومن الحرام، وييسر أمر زواجه، فبعد هذا كله لو انحرف وزنى فإنه يصنع شيئاً لا يليق به.
إذاً: لا ننظر إلى القضية من آخرها، وإنما ننظر إلى أولها.
كما يعيبون علينا -أيضاً- بأن المرأة في الإسلام مظلومة في قضية الميراث، ونقول: لا تنظروا إلى المسألة من آخرها، بل انظروا إليها من أولها، فالرجل إذا أراد الزواج فإنه يجهز البيت، ويأتي من الأثاث بما يقدر عليه، ويقدم المهر للزوجة، وبعد هذا كله تأتي الزوجة معززة مكرمة، فتقعد في البيت، وفي فترة الحياة الزوجية كلها ينفق عليها؛ لأن القوامة للرجل.
فالأب إذا ترك مبلغاً من المال قدره ثلاثون ألف جنيه مثلاً، وكان له ولد وبنت، فإن الولد يأخذ عشرين والبنت تأخذ عشرة، فالولد إذا أراد الزواج كلف بما سبق ذكره، فيذهب ما ورثه، وأما البنت فتأخذ عشرة آلاف وهي غير مكلفة بقرش ولا بعشرة، كما أنها تأخذ المهر، وقد يكون ثلاثة أو أربعة آلاف، فيصير بيدها مال كثير، فلا تنظر إلى النتائج من آخرها، فالنتائج مبنية على مقدمات.
قلنا: إن الصبي إذا دخل المدرسة فلا بد من معرفة أصحابه، وكذلك البنت حين تدخل الجامعة، وإن من العجيب أن يقال: هذا بيت محافظ، ويعني بذلك أن البنت لا يأتي إليها زملاؤها في البيت، ولكن ليس عيباً أن تذهب إلى زميلها إلى بيت أهله، فحين تجري الدياثة في دماء المسلمين ماذا تقول عن الإسلام، وماذا تقول عن الرجولة والشهامة، فكيف تذهب البنت إلى الجامعة من أجل أن تكلم زميلها؟! فلتكلم زميلتها.
إن البيت المسلم هو الذي يتكون منه الوطن المسلم والأمة المسلمة، فلو ربينا أولادنا على المثل، وعلى تاريخ الصحابة، وكيف كانوا يعيشون خلف رسول الله ومع رسول الله ﷺ ، وكيف كانت بيوتهم، لصلحت أحوالنا جميعاً.
لقد كان مجتمع الصحابة يمثل البنوة الصالحة، فسيدنا أنس بن مالك ذهبت أمه تشكوه إلى رسول الله ﷺ فقالت له: إنه لا يرضى أن يأكل معي يا رسول الله، فقال له: لماذا يا أنس؟ قال: أخاف أن تمتد يدي إلى جزء في الصحفة وقعت عليه عين أمي، فأكون عاقاً لها.
وكان أبو هريرة حين يخرج من البيت يسلم على أمه وهو ماشٍ، فيقول: السلام عليك يا أماه، رحمك الله كما ربيتني صغيراً.
وحين يرجع يقول كذلك، فترد أمه عليه بقولها: وعليك السلام يا أبا هريرة، رحمك الله كما بررتني كبيراً.
ولم يكونوا كحالتنا اليوم، حيث تعتب المرأة على زوجها من لحظة زواجه لتحطم نفسيته وتدفعه بكلامها إلى أن يكره زوجته، فتقول: يا بني! إن البؤس دخل إليك من ساعة زواجك بهذه.
والأصل أن تقول: يا ابني! اصبر عليها، فقد يكون لها ظروف خاصة، أو حالة مرض.
ويجب على الزوج أن يغض طرفه عن بعض عيوب زوجته؛ لأننا لسنا ملائكة نحن ولا زوجاتنا.
стр. 77
أسباب انحراف الأولاد
стр. 78
الخلافات بين الزوجين
وهنا أمر نريد ذكره، وهو: لماذا ينحرف الأولاد؟ وما هي أسباب انحراف الأولاد ومن ثم انحراف الكبار؟ فحين تجد محامياً خائناً تعرف أنه أثناء دراسته في الجامعة أو المدرسة كان غشاشاً، فنجح بالغش، فتجده محامياً خائناً، وكذلك حين تجد المهندس غير الكفؤ أو الطبيب الجشع.
وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه فأقول: إن انحراف الكبير جاء من الصغر، فما هي أسباب الانحراف؟ إن أول سبب في انحراف الأولاد: الخلافات بين الزوجين: فإذا كان بينك وبين زوجتك خلاف فأغلق عليها الغرفة، وتحدث أنت وهي حتى تصلا إلى حل، وقد يصل هذا الخلاف إلى طلاق، فتقع الطامة الكبرى، حيث يأتي الأب بزوجة، وربما تزوجت الأم بزوج آخر، فيعيش الولد إما مع امرأة أبيه، وإما مع زوج أمه.
وهنا تثور الثائرة؛ لأننا لسنا مسلمين كما ندعي، ولسنا مؤمنين حقيقة، فالتقوى ليست في قلوبنا بما يرضي الله.
فالكارثة أن زوجة الأب لا تتعامل بما يرضي الله، وزوج الأم لا يتعامل بما يرضي الله، فلو تعاملت معهم زوجة الأب بما يرضي الله لقالت: هؤلاء مثل أولادي، وسأعاملهم معاملة حسنة.
فهنا يجب أن نراجع أنفسنا في مسألة الخلافات، ولا ننسى أن نتعاهد على أنه لا ينام أحدنا وهو غاضب من الآخر.
إن هناك بيوتاً تعاني العجب، فامرأة تحلف وتقول لي: إن زوجي خاصمني منذ سنتين، فهل هذه معيشة؟! وهل هذا بيت؟! وهل هذا سكن؟! وهل تلك مودة؟! إن أكثر ما تستطيع أن تهجر فيه زوجتك هو أربعة أشهر، وفوقها لا يحل لك، فلو كان هناك قضاء إسلامي وذهبت الزوجة إلى القاضي المسلم وأثبتت أنك هجرتها منذ أربعة أشهر فإنه قد يطلقها عليك؛ لأنك زوج غير كفؤ، فكيف يعيش المسلم في هذا النكد المستمر؟! وكيف يخرج لعمله؟! وكيف تعيش الزوجة وكيف تصلي؟! يجب أن تنزل السكينة في بيوت المسلمين، ولن تنزل السكينة إلا إذا كان الزوج والزوجة على طريق الله .
فخلافات الأب والأم يجب أن نبتعد بها عن الأبناء، وخلافات الزوج والزوجة لا يصح أن تصل إلى أهلها أو أهله؛ لأن هذه خيانة عند الله، ويجب أن نكتم ذلك في بيتنا، فالبيت لا تخرج منه المشكلة، ولنحل المشاكل ولنواجهها ولا نهرب منها.
قد يكون الزوج غيوراً أكثر من اللازم، والحل هنا مقدور عليه، والكارثة الكبرى أن الزوجة هي التي تكون غيورة أكثر من الزوج، وهنا تقع الطامة الكبرى، فالزوجة حين تكون غيورة توقعها غيرتها في الشك، فالشك يحيل حياتها وحياة زوجها إلى جحيم، فقد صور لنا الإعلام على مدى سبعين سنة من أيام يوسف بيه أن الزواج بالثانية نهاية البيوت.
فالمسلسلات التي تأتي الآن تقنع النساء بأن مجرد تفكير الزوج في زوجة أخرى تقع به الكارثة والطامة التي تحيل البيت إلى نكد، ففهموا المرأة المصرية بأن الزوجة الثانية هي نهاية المطاف، وفَهَّموا الزوجة المصرية بأنها عدوة لضرتها، وصيروا أمر البيوت على طريقة غريبة جداً، فيقولون: إذا كانت البنت قد بلغت عشرين سنة فقد اكتملت شخصيتها، وعليه فهي التي تقول رأيها.
فنزعوا حياءها بعد أن كان عندها حياء، فأين حياء العذارى؟! لقد كان الحديث عن الزواج في مجلس فيه بنت عمرها سبعة عشر عاماً يجعلها تترك الجلسة وتدخل؛ لأنه عيب أن يتكلموا عن الزواج والبنت قاعدة.
وأما اليوم فقد صارت هي التي تفتح هذا الموضوع؛ لأن الحياء ذهب، والحياء من الإيمان، فلو كان هناك إيمان لصار هناك حياء، فاليوم لا حياء عند الكبير ولا عند الصغير، فيجب أن يكون البيت هو المرفأ، فالرجل يرجع من شغله إلى بيته من أجل المشاكل بعد الشغل، فبعدما تنتهي من عملك ارجع إلى بيتك من أجل أن تجد واحة الأمان والراحة.
وبعضهم يقول لك: أنا لا أرجع إلى البيت إلا للنوم مباشرة.
فهل البيت فندق! إن البيت له حقوق عليك، والبيت له حرمات يجب أن نراعيها، وإلا فلن يكون هناك مجتمع مسلم، ولن توجد فائدة من دروس العلم.
وهنا مسألة أحب التنبيه عليها، وهي: أن بعض الناس يقولون: إذا دخل فلان أو فلانة عندنا، فإنهما حين يخرجان تحصل مشاجرة بين الرجل وزوجته.
وهناك شكاو تأتي إلينا بهذا الشكل، والإسلام لا يوجد فيه طيرة، ولا يوجد شيء في الإسلام اسمه: (عيني ترف)، و (يدي تأكلني)، ونحو ذلك.
فما يحدث للعين أمر فسيولوجي طبيعي، فاذهب إلى دكتور العيون، وانظر ما الذي حصل فيها من كثرة النظر، فغض بصرك وهي لن ترف، فما هي علاقة الرف بالمصائب التي تنزل عليك؟ إن المصائب سببها أنك تقي، فالله يريد أن يمتحنك، أو أن أعمالك سيئة فسلط البلاء عليك.
وكذلك حين تأتيك نعمة تراها أنت نعمة، فيمكن أن تكون نقمة، فالمال قد يكون نقمة، والولد قد يكون نقمة، وكذلك الزوجة والبيت والدابة، فالنعمة التي تأتي إليك تقربك من الله هي نعمة، والشيء الذي يأتي إليك فيبعدك عن الله يكون نقمة، فالمال الذي يشغلك عن الله يكون نقمة، وكذلك الولد الذي يشغلك عن الله، والبيت الجديد الذي يشغلك عن الله.
فما يقربك من الله نعمة، وما يبعدك عن الله فهو نقمة، فأول أسباب الانحراف خلافات الزوج والزوجة التي تصل إلى الطلاق.
стр. 79
الرفقة السيئة
السبب الثاني: الرفقة السيئة: حيث يكون الولد جيداً لا يعرف سيئ الأعمال، فتجده فجأة تفوح منه رائحة السجائر وبعض الناس يخرج علبة سجائر من جيبه ثم يقول: خذ يا حمادة.
فتقول له: عيب عليك أن تعلمه.
فيقول لك: هو على كل حال سيدخن، فتدخينه أمامي أفضل! والصواب أنهما على خطأ، والتدخين حرام، وقد أفتى تسعمائة وخمسون عالماً في أحد المؤتمرات بحرمة التدخين.
فهذه العادة السيئة تتسرب إلى البيت، إما عن طريق الأب أو الأم، وإما بصحبة أولاد مدخنين يقولون له: يا ولد! تريد أن تكون رجلاً؟ فيقول: نعم، فيقولون: خذ نفساً من السيجارة، فيأخذ منها فيبدأ يسعل، فيقولون له: لا تخف، فأولها هكذا.
كحال الولد الذي جاء إلى الجامع، فاقترب منه الإخوة المصلون وكلموه بكلام طيب، وهو أسلوب أهل المسجد، مع أنه يخوف منهم دائماً، فيقولون لك: هؤلاء متطرفون، فالولد رجع إلى أبيه يقول له: يا أبي! إن الذين عند الشيخ فلان طيبون جداً ومرحون.
فقال له: يا بني! هي تبدأ هكذا!! فالرفقة الصالحة مهمة، ففي الحديث: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)، والإخوان في الله كاليدين تغسل إحداهما الأخرى.
стр. 80
الإعلام السيئ
ومن وسائل الانحراف التي تسبب لأولادنا الانحراف -والعياذ بالله رب العالمين-: الإعلام، وأشده مصيبة التلفزيون، فلو أن إبليس وجنوده اجتمعوا من أجل أن يفتنوا المسلمين ولن يصلوا إلى ما يصل إليه التلفزيون، فهو فساد دخل عليك من تحت الباب، ونحمد الله على أن مفتاح التلفزيون في يدك، فيمكن أن تفتحه ويمكن أن تقفله، فالموضوع بيدك أنت.
إنك حين تسأل البنت الصغيرة في المدرسة: ماذا تريدين أن تكوني يا ابنتي؟ تقول: أنا أريد أن أكون مذيعة.
لماذا؟ تقول: من أجل الأحمر والأخضر، ومن أجل أن أجمل شعري عند الكوافير.
فإن قلت لها: لماذا لا تريدين أن تكوني مثل خالتك فلانة المحجبة؟ فإنها تقول: لا، فشكلها موحش جداً.
وهذه كارثة.
والمرأة في البيت التي ليست محجبة تقول لك: أنا أشاهد التلفاز على النية، ولا يضرني ذلك إذا كان بيني وبين ربنا عمار، وأي عمار ذلك وقد خربت ما بينك وبين الله؟! والذي يغضبني من الأمهات في البيوت أن المرأة قد يكون لها ثلاثة أولاد صغار مزعجون، فتريد أن تلهيهم من أجل أن تعمل، فتقول لهم: تعالوا.
وتفتح لهم التلفزيون، فيجلس الأولاد ينظرون وهم يخزنون ما فيه، فالولد عبارة عن كمبيوتر يخزن.
ولكي تعرف مصيبته أذكر لك أن أحد الأساتذة قال لي: رجعت إلى البيت، ولي ابن في رابع ابتدائي، يقول: إن ابنه قال له: اسكت يا أبي، فقد كان هناك قلة أدب في التلفزيون قبل أن تأتي، قال له: ماذا؟ فقال له: لا أقدر أن أقول لك، فقال له: لا بد من أن تقول، فقال له: رأيت رجلاً يقبل امرأة.
فالأب يريد أن يصل إلى فهم الولد لذلك، فقال له: وما العيب في هذا؟ يريد أن يرى ما هو العيب عنده وما هو الذي ليس عيباً عنده، فقال: يا أبي لا أقدر أن أقول لك، فقال له: قل.
فقال له: يقبلها في البلكونة، فقال: وهذه فيها عيب؟! قال له: لا، لا بد أن يقبلها تحت السلم.
فإذا كان الولد في رابعة ابتدائي يقول هكذا فماذا يكون حين يكبر؟! إنه إذا كان التلفزيون موجوداً في البيت وستضطر إلى فتحه للطفل فافتح له برنامج أطفال، وافتح له نشرة أخبار، وافتح له مواضيع ثقافية، وافتح له برنامجاً عن عالم الحيوان، وحين يأتي وقت المسلسل لا تنظر أنت ولا هو، وعليه فإن الأولاد حين يتخرجون من الجامعة ستجدهم يقولون: التلفزيون عندنا برنامج أطفال أو نشرة أخبار.
لقد عاش لله أجدادنا من غير تلفزيون، ونستطيع أن نعيش بغير هذا الجهاز الخطير الذي يودي بحياة أبنائنا وأسلوب معيشتهم إلى خطر كبير.
стр. 81
الأسئلة
стр. 82
حكم الصلاة قبل المغرب
السؤال
ما حكم الصلاة قبل صلاة المغرب؟
الجواب
لا صلاة قبل صلاة المغرب.
стр. 83
حكم إمامة ابن الحادية عشرة
السؤال
لي أخ في الحادية عشرة يقرأ القرآن بتلاوة جيدة، فهل يصح له الصلاة بنا جماعة في المنزل؟
الجواب
يصح، ولكن أتمنى أن تأتوا إلى المسجد، لأنه إذا كنا سنصلي في البيوت فلن يعمر أحد بيوت الله.
стр. 84
حكم عزف الموسيقى الوطنية
السؤال
أنا امرأة متحجبة، وهوايتي المفضلة عزف موسيقى وطنية، فهل ذلك حرام؟
الجواب
نعم حرام.
стр. 85
حكم الصلاة عن الميت
السؤال
توفى والدي منذ سنوات ثلاث ولم يكن يصلي، وأنا أصلي والحمد لله، ومنذ وفاته وأنا أصلي كل فرض مرتين عني وعن والدي، فهل يجوز ذلك؟
الجواب
لا يجوز ذلك؛ إلا إذا كان الأب قد مات وعليه زكاة، فإني أزكي عنه، أو عليه صيام، فإني أصوم عنه، أو لم يحج، فإني أحج عنه، أما أن أصلي عن أبي أو عن أمي اللذين ماتا فلم يرد بهذا نص، بل هناك نص يقول: (لا صلاة عن الميت).
стр. 86
حكم إنشاء مزرعة الدواجن في حال تغذيتها بما فيه دم
السؤال
رجل ينوي إنشاء مزرعة للدواجن، ويعرف أن أحد مكونات غذائها هو الدم، فهل يمضي في إنشاء المزرعة؟
الجواب
أنصحه بألا يمضي.
стр. 87
حكم بيع التماثيل
السؤال
رجل ورث تمثالين يقدر ثمنهما بحوالي ثمانين ألف جنيه، هل بيعهما والاستفادة من ثمنهما حلال أو حرام؟
الجواب
ما يحرم اقتناؤه يحرم بيعه.
стр. 88
حكم رفع الصوت بالدعاء في خطبة الجمعة
السؤال
يحدث في أثناء الدعاء في خطبة الجمعة صخب شديد، فهل هذا يتعارض مع الخشوع؟
الجواب
يجب أن ندعو الله سبحانه بهدوء، فنحن ندعو سميعاً بصيراً، ولا داعي للخروج عن الخشوع في الصلاة.
стр. 89
حكم دخول الحائض المصلى
السؤال
ما حكم دخول الحائض المصلى وذهابها إلى مجالس العلم؟
الجواب
لا يجوز للحائض أن تدخل المسجد.
стр. 90
حكم صبغ الأظافر بعد الوضوء
السؤال
ما حكم وضع طلاء الأظافر بعد الوضوء؟
الجواب
إذا أرادت المرأة أن تتوضأ مرة أخرى فإنه يجب أن تزيل طلاء الأظافر الذي على أظافرها من أجل أن تتوضأ مرة أخرى.
стр. 91
حكم صبغ شعر المرأة
السؤال
هل صبغ الشعر حلال أم حرام؟
الجواب
لا يوجد نص يحرمه؛ لأن شعر المرأة لا يجوز أن يراه أحد.
стр. 92
ما يقال عند رف العين
السؤال
هل هناك دعاء يقال عند رف العين؟
الجواب
نقول: اللهم لا يأتي بالخير إلا أنت.
стр. 93
الموقف من انحراف الوالدين
السؤال
لي أب وأم لا يصليان، ويتكلمان في الناس دائماً، وأشعر بأنه لا توجد بركة في المنزل، وعندما أحدث أمي تسخر مني، وأقول لها: اتركي عنك الكلام في الناس، فتقول: دع الشيوخ ينفعونك، فهل علي مسئولية؟
الجواب
ما عليك إلا النصح والقدوة الحسنة، ونسأل الله أن يثيبك ويهدي والديك وإخوانك.
стр. 94
حكم ذهاب النساء للتعزية ولبسهن السواد
السؤال
ما الحكم في طريقة عزاء السيدات وفرشهم في الشوارع؟
الجواب
لا يوجد شيء في الشرع أن يذهبن للعزاء في الشوارع أو في غير الشوارع، لكن إذا كانت المرأة صديقتها أو قريبتها فإنه يجوز لها أن تعزيها، وإذا ذهبت للعزاء فلا تلبس الأسود.
والمصيبة أن الرجال في البيوت ضاعت القوامة منهم، فحين تذهب المرأة لتعزي أو تخرج لطلعة رجب لا أحد يقدر أن يمنعها، وفي الشرع لا عزاء للمرأة، ولا صلاة جنازة للمرأة، ولا تذهب المرأة لتسلم، واليوم تجد الجنازة ذاهبة وخلفها خمس سيارات فيها نساء لابسات الأسود.
فقرابة الميت يباح لهن الحداد ثلاثة أيام، والزوجة تحد على زوجها أربعة أشهر وعشراً في العدة، أما التي تذهب للعزاء فما علاقتها بلبس الأسود، وقد تقول: هذا عيب، فلو ذهبت بلون آخر لنظر الناس إلى نظرة استغراب، وأقول: فلينظروا؛ لأن الثياب السوداء عادة أخذناها من الفراعنة، وهي عادة ما أنزل الله بها من سلطان، فيا ليت النساء يتركن هذا، ولا داعي للجلوس في تلك الأماكن.
والمشكلة أنهم يأتون بواحدة لتقرأ القرآن بالميكرفون، وأتمنى أن يدخل رجل شهم ويأخذ الميكرفون فيضربها به على رأسها ضربتين، ويخرجها ويغلق البيت.
стр. 95
كيفية نية قضاء الفائتة
السؤال
كيف أنوي صلاة الفريضة الفائتة؟
الجواب
تقول: هذه صلاة الظهر التي علي، وهكذا في بقية الفروض.
стр. 96
حكم النذر لأهل الله
السؤال
نذرت نذراً لأهل الله أن أذبح خروفاً لله، وأنا أريد أن أعطي نقوداً لجامع بدلاً من الخروف، فما الحكم؟
الجواب
لا أعرف ماذا تعني بأهل الله، فإذا كان النذر لله فأوف به، أما إذا كان للحسين أو للسيدة أو للسيد، فهذا نذر حرام لا يوفى به.
стр. 97
حكم الذهاب إلى من يرشد إلى مكان الضائعة
السؤال
لي أخت تغيبت عن المنزل منذ أربعة شهور، ولا نعرف عنها أي شيء، وقد نصحنا بعض أهل الخير الذهاب إلى الشيوخ لكي يرشدونا، مع العلم أنهم لا يأخذون نقوداً؟
الجواب
ما علاقة الشيخ بذلك، بل ادعوا الله بأن تعود إليكم أختكم.
стр. 98
حكم قراءة المرأة القرآن بصوت مرتفع بمسمع من الرجال
السؤال
هل يجوز للمرأة أن تقرأ القرآن بصوت مرتفع على مسمع من الرجال مثلما يفعل المقرئون؟
الجواب
لا تقرؤه على مسمع الرجال، ولكن إذا كانت ستتعلم لتصحح القراءة فقد أجاز ذلك البعض، ولو كان هناك امرأة تعلمها فذلك أفضل.
стр. 99
حكم مصافحة الأجنبي
السؤال
إذا سلمت على رجل أجنبي، فهل ينتقض الوضوء؟
الجواب
يحرم أن يصافح الرجل امرأة يحل له أن يتزوجها.
стр. 100
بيان معنى صلاة الاستخارة
السؤال
أرجو توضيح صلاة الاستخارة؟
الجواب
صلاة الاستخارة سببها أن تحتار في أمر ما ولا تصل فيه إلى نتيجة، كأن يتقدم خاطب لبنتك، أو جاء لك عمل غير عملك، ولا تدري أتوافق أم ترفض، فتستخير الله بأن تصلي قبل النوم ركعتين، فتقرأ في الركعة الأولى الفاتحة والكافرون، وتقرأ في الثانية الفاتحة والإخلاص، ثم تدعو بعد التسليم بالدعاء المحفوظ، ولو من ورقة، أو قل: اللهم خر لي واختر لي الخير يا رب أينما كان، إنك على كل شيء قدير، وتنام.
وليس شرطاً أبداً أن ترى رؤيا، فلا يوجد علاقة بين الرؤيا والاستخارة أبداً، لكن إلى أن ينشرح صدرك أو يضيق، أو ييسر الأمر أو لا ييسر، أو تفتح الأبواب للموضوع أو تغلق، فإن دخلت في الاستخارة وخرجت منها كما دخلت وما وصلت إلى حل، فهنا تحكم العقل وتعمل بالحسابات الظاهرية.
ولا تستخر وقد عزمت، كأن تريد أن تسافر إلى الخارج بأي طريقة، فتقول: أستخير، فهذا غير صحيح، وإنما تدخل في الاستخارة وأنت متأرجح بين تنفيذ الأمر وعدم تنفيذه.
стр. 101
سلسلة مقتطفات من السيرة [٦]
ولد النبي ﷺ في عام الفيل يتيماً بلا أب، ثم ماتت أمه وهو صغير فكفله جده عبد المطلب حتى مات، وأوصى بكفالته لأبي طالب فكفله أبو طالب ورباه وأحسن إليه وزوجه بخديجة ﵂، ودافع عليه من كفار قريش بعد نزول الوحي.
стр. 102
موقف أعداء الإسلام من المسلمين
الحمد لله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فنسأل الله : ألا يدع لنا ذنباً إلا غفره، ولا مريضاً إلا شفاه، ولا عسيراً إلا يسره، ولا كرباً إلا أذهبه، ولا هماً إلا فرجه، ولا ديناً إلا سدده وقضاه، ولا ضالاً إلا هداه، ولا مظلوماً إلا نصره، ولا ظالماً إلا قصمه، ولا عيباً إلا ستره، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحه.
اللهم اشرح لنا صدورنا، اللهم اشرح لنا صدورنا، اللهم اشرح لنا صدورنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، اجعل ثأرنا على من ظلمنا، اللهم من أراد بنا شراً فاجعل اللهم كيده في نحره.
اغفر لنا والمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
ارزقنا يا مولانا قبل الموت توبة وهداية، وعند الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ونعيماً، أكرمنا ولا تهنا، أعطنا ولا تحرمنا، زدنا ولا تنقصنا، كن لنا ولا تكن علينا، آثرنا ولا تؤثر علينا، نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، ومن الخوف إلا منك، ونعوذ بك ربي أن نقول زوراً، أو نغشى فجوراً، أو نكون بك من المغرورين.
نعوذ بك من عضال الداء، وشماتة الأعداء، وخيبة الرجاء، وزوال النعمة، وفجأة النقمة، اللهم أغننا بالافتقار إليك، اللهم أغننا بالافتقار إليك، ولا تفقرنا بالاستغناء عنك، اغفر لنا وارحمنا، عافنا واعف عنا، سامحنا وتقبل منا.
اللهم تب على كل عاص، واهد كل ضال، واشف كل مريض، وارحم كل ميت، فرج كرب المكروبين.
اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ثقل بهذه الجلسات موازيننا يوم القيامة، اجعلها خالصة لوجهك الكريم، أنر بها على الصراط أقدامنا يوم القيامة، اللهم أنر لنا الطريق على الصراط يوم القيامة، أظلنا بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظله.
اللهم اسقنا من حوض الكوثر شربة لا نظمأ بعدها أبداً، نسألك أن نصحب رسول الله في جنة الفردوس الأعلى يا أكرم الأكرمين، اللهم لا تحرمنا من النظر إلى وجهك الكريم، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسيلما ًكثيراً.
أيها الإخوة الأحباب! هذه بمشيئة الله هي الحلقة السادسة في حدثينا عن السيرة العطرة لسيدنا رسول الله ﷺ ، وهذه الليلة هي ليلة مولد خير إنسان عرفته البسيطة، وخير خلق الله عرفته السماوات والأرض، سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ ، اللهم احشرنا في زمرته، وأوردنا حوضه، واحشرنا تحت لوائه، وحببنا فيه في الدنيا وفي الآخرة جواراً وقربة يا أكرم الأكرمين! ويا رب العالمين! ويأتي مولد رسول الله ﷺ هذا العام وفي كل قلب مسلم كرب وغصة، وألم وأسى، مما وصلت إليه أحوال المسلمين، ولا يجب أبداً على المسلمين أن يظهروا مظاهر الاحتفال؛ لأن هناك ما يهمهم، وما يؤلمهم، فهناك معتد ومعتدى عليه، وهنا مسلم لا يحب أخاه المسلم، وهجوم من جميع الأطراف على جميع الأطراف بالكلام وبعدم الاقتناع، حتى خاض الناس في أهل العلم الذين يأخذون بأيدي الناس إلى الصراط المستقيم، ونسأل الله سبحانه العصمة والمغفرة والرحمة، إن لم نكن أهلاً لرحمتك فرحمتك أهل أن تصل إلينا.
اللهم عاملنا بفضلك ولا تعاملنا بعدلك، اللهم إن عاملتنا بفضلك رحمتنا، وإن عاملتنا بعدلك أهلكتنا ولك الحق علينا، يا أكرم من سئل، ويا خير من أعطى، ويا أكرم الأكرمين! يأتي المولد النبوي، والغرب الصليبي والشرق الشيوعي قد أعدا عدته لكي يستأصلا شأفة المسلمين، كل على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم قد اجتمعوا على شيء واحد، وهو عداوة الإسلام، وعداوة نبي الإسلام، وعداوة القرآن الكريم.
وللأسف الشديد نحن الذين مكناهم من هذا الأمر، فلو تمسك حكام المسلمين ومحكوموهم قيادة وشعوباً بالكتاب والسنة لما خرجت هذه الجرذان من جحورها لتتغلب علينا، ما غلب المسلمون أعداءهم ًبالعدد ولا بالعدد، رغم قلة عددهم وعتادهم إلا بطاعة المسلمين لله وبمعصية أعدائهم له.
نحن جئنا في زمن كشَّر الجميع عن أنيابه ضد الإسلام، وضد نبي الإسلام، وأعلن أغلب أعضاء الكنجرس الأمريكي أنهم لا يخافون أبداً من الشيوعية، وقالوا بالتعبير الواضح: لقد تقلمت أظافر الشيوعية، فلم يصر للشيوعية مكانة على الأرض، وإنما القوة التي يخافون منها أو الزحف القادم الذي يعملون حسابه هو الزحف الإسلامي.
فيستغلون أي فرصة للإيقاع بين المسلم وأخيه المسلم، وبين الدولة المسلمة والدولة المسلمة، وإقناع المسلمين بأشياء ليس طعناً في الإسلام ظاهراً، ولكن يظهر لمل ذي عقل وفقه أن هناك عداء مستحكماً ضد الإسلام والمسلمين وضد بلاد الإسلام.
هناك خطة لتجويع العالم الإسلامي، وخطة لنهب ثروات العالم الإسلامي، وخطة موضوعة سواء من الغرب الصليبي أو الشرق الشيوعي أو من اليهود والصهيونية العالمية في جميع مؤتمراتهم، فلا يجتمعون إلا وتقطر قلوبهم حقداً على الإسلام، يريدون إيقاف الزحف الإسلامي أو المد الإسلامي.
وأكثر ما يخيف أعداء الإسلام أن المسلمين بدءوا ينتبهون في بقاع الأرض للتربية الإسلامية في البيوت، فقال الأعداء: إن تربية الولد والبنت على الإسلام وعلى الكتاب والسنة دليل على أن المسلم عندما يتمسك بإسلامه لا يستطيع أحد مهما بلغ من قوة، ولا تستطيع قوة مهما بلغت من حجم أن تغلب مسلماً أو مسلمين يشهدون بحق: أن لا إله إلا الله، ولا خالق للكون ولا مدبر له ولا مصرف له إلا الله رب العالمين.
стр. 103
واجب المسلمين تجاه كتب هيكل وطه حسين
والعداء مستحكم لنبي الإسلام، وعلى مر الزمن تتلمذ على أيديهم أناس، مثل الدكتور: محمد حسين هيكل ﵀ وغفر الله لنا وله، والدكتور طه حسين وأحمد لطفي السيد وغيرهم ممن تربوا تربية غربية، وأثر هذا الفكر الغربي فيهم ومن على منوالهم، وللأسف الشديد فقد امتلأت كتبهم بالمغالطات التاريخية.
ويجب على من يتصدر للتاريخ ألا يحكم فيه هواه، فالتاريخ حقائق مجردة كالكيمياء وكالرياضة وكقوانين الطبيعة، وعندما تسرد رأياً خاصاً يجب أن تعلم الناس أن هذا رأي خاص لك، أما أن تنقل أنه حقيقة تاريخية فهذا كلام سيئ.
فـ محمد حسين هيكل الذي له كتاب (منزل الوحي)، وأنصح بعدم قراءته إلا لمن تمكن من معرفة التاريخ الإسلامي، أو كانت له خلفية بالتاريخ الإسلامي، وكذلك كتب طه حسين؛ لأن هؤلاء عبارة عن أبواق لهذا العالم الغربي أو لجماعة المستشرقين الذين كانوا يطعنون في الإسلام وفي نبي الإسلام ﷺ .
ويجب أن ننتبه أننا مستهدفون، ومسألة أن إنتاجنا مشكوك في إنتاجيته، هذه حقيقة للأسف موجودة على الساحة، نتيجة تقصيرنا في ناحيتين: الناحية الأولى: في صلتنا بالله .
الناحية الثانية: في اتخاذ الأسباب المعطاة لنا.
стр. 104
اقتصاد الدول الإسلامية
وهنالك عملوا إحصائية اقتصادية بحتة، من السوق الأوروبية المشتركة في إمكانيات العالم الإسلامي الاقتصادية، وجدوا أنه لو اجتمعت الدول الإسلامية، وعملت السوق الإسلامية المشتركة، فإن أرصدة العالم الإسلامية تستطيع أن تحتوي جزيرة الذهب التي هي رصيد أمريكا وجميع دول أوروبا الغنية، ودول أوروبا وأمريكا تملك عشر ما يملكه العالم الإسلامي، لكن اكتشفوا أن العالم الإسلامي بنسبة (٩٨%) منه مديون للدول الغنية، وصارت هذه الدول الإسلامية أفقر الدول وأكثر الدول تخلفاً، حتى لا يذكر الإسلام اليوم في بقعة من بقاع الأرض إلا ويذكر بجواره التخلف أو التطرف أو البعد عن المدنية والحضارة.
رغم أن العظماء والعلماء أو المفكرين منهم قالوا كلاماًَ غير ذلك.
ولما سألوا ابنة إستالين عندما هربت من الاتحاد السوفيتي إلى الغرب الرأسمالي، قالوا لها: كيف تتركين بلدك وبلد آبائك وأجدادك، وأنت بنت إستالين من أكبر دعاة الشيوعية؟ قالت: الحياة بدون دين كحياة الإنسان بعيداً عن الماء والهواء.
وقال موليير الفرنسي: كيف لا أومن بوجود الله ولولا الله لخانتني زوجتي وسرقني خادمي؟ أي: لو لم يوجد هناك رب لكان المجتمع عبارة عن غابة، وقد صار غابة بالفعل؛ لبعد الناس عن الدين فـ ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود:٤٣] والذين سيرحمهم الله هم الذين سيتمسكون بكتاب الله .
فالمسلمون عندهم قوى، وثروات بشرية وغيرها، لكن الأعداء بدءوا يحاربوننا فيها، ويفرضون علينا تحديد النسل وتنظيم الأسرة من أجل أن ينتصروا علينا بأعدادهم وبعلمهم.
أقول لأبنائنا في المدارس وفي معاهد العلم: تفوقوا.
وأقول لإخواننا الصناع والحرفيين: اعملوا بجد.
وأقول للموظف: اتق الله في عملك، يبارك الله لك في القليل، فاللهم بارك لنا في القليل وارزقنا من الحلال، وكثره لنا يا أكرم الأكرمين! وأبعدنا عن الحرام يا أرحم الراحمين! وبغضنا إليه حتى وإن كان كثيرا ًإنك يا مولانا على ما تشاء قدير.
وليس الكلام السابق نظرة تشاؤم في مولد رسول الله ﷺ ، ولكن يجب على الدعاة البيان، وهم أمناء على رسالة رسول الله ﷺ ، فما خلف النبي درهماً ولا ديناراً، وإنما ورث علماً للناس، والعلماء ورثة الأنبياء، وكما أخذ الله ميثاقاً على النبيين، أخذ ميثاقاً على العلماء أن يبينوه للناس ولا يكتموه، فاللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
نعيش هذا الدرس كله بإذن الله مع سيدنا الحبيب المصطفى، والمعيشة مع الحبيب المصطفى تشرح الصدر، وتشعر الإنسان بالأمل؛ فقد ولد نبي الله ﷺ وهو يتيم الأب، وماتت أمه وهو صغير، ثم يكفله جده، ثم يموت فيكفله عمه، وعمل في رعي الأغنام وهو ابن أحد عشر عاماً، فإذا كنا نحبه حقاً فإن الواجب علينا أن نتأسى به.
стр. 105
النبي ﷺ يتعلم الفصاحة والبيان في بني سعد
وقد أخذته السيدة حليمة السعدية إلى بني سعد، وهناك في بني سعد تعلم أشياء أربعة: تعلم اللغة العربية والفصاحة والبلاغة، فهذه القبيلة عربية أصيلة، وتعلم فيها لهجات العرب، لذلك لما كان يأتي إليه وفد من أي قبيلة كان يكلم الوفد بلهجته، رغم أنه ما تعلم في معهد ولا مدرسة، فقد كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة:٢] ﷺ .
وقال بعض العلماء عن سيدنا الحبيب ﷺ إنه علمه ربه، وأتوا بأدلة أن الرسول ﷺ تعلم على مر الوقت.
وهذه القضية ليست بحاجة إلى تفسير أو تأويل؛ لأن الرسول ﷺ ما ولد في أمة متقدمة ومتحضرة كفارس أو كالروم، وما خرج من حدود مكة أبداً، إلا ما كان قبل بعثته حينما ذهب متاجراً للسيدة خديجة إلى الشام ورجع.
لذلك أنصح الذين يقرءون كتب محمد حسين هيكل أو طه حسين أو غيرهما أن يدققوا قليلاً، أو يقرءوا في سيرة ابن هشام أو ابن إسحاق، أو السيرة النبوية لـ أبي الحسن الندوي، أو البداية والنهاية لـ ابن كثير، من أجل أن يأمنوا على تاريخهم وعلى دينهم في هذه المراجع الطيبة.
فإن الدكتور هيكل يقول: إن محمداً ذهب إلى الشام، ثم تجادل مع الرهبان هناك، وتعلم منهم أشياء.
ويجاب عليه: بأن الرسول ما علمه إلا ربه، قال له ربه: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣].
وقال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢] أي: كنت قبل هذا لا تعرف أن تقرأ ولا تعرف ما معنى الإيمان.
وفي نهاية قصة سيدنا يوسف قال له: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [يوسف:١٠٢].
وعندما اختلف بنو إسرائيل في كفالة السيدة مريم يريدون من ذلك أخذ الثواب الذي لكفالة اليتيم، فأتوا إلى نهر الأردن، وعملوا القرعة، وهي عبارة عن قطع أو ألواح من الخشب، وكل واحد يكتب عليها اسمه، ويلقونها في نهر الأردن، فأي لوح أو قطعة من الخشب تصل أولاً فصاحبها هو الذي يتكفل باليتيم، يقول ربنا لحبيبه ﷺ : ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران:٤٤].
فهل كان رسول الله ﷺ عند زكريا وأقاربه والأحبار والرهبان من بني إسرائيل عندما ألقوا القرعة في نهر الأردن؟ فقد كان في عالم الغيب.
وفي آخر قصة سيدنا يوسف قال له: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [يوسف:١٠٢]، لماذا؟ قال تعالى في سورة أخرى: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان:٣٢]، أي: من أجل أن نثبت العقيدة عندك يا حبيب الله، ولتعلم أن الله سبحانه ينصر رسله.
стр. 106
بركة النبي ﷺ في كفالة عمه أبي طالب
فالرسول ﷺ لم تأت على لسانه كلمة: يا أبي أبداً، وبعد ست سنوات ماتت أمه، وما قال: أمي، إلا سنوات قليلة؛ لأجل أن يبقى قلبه معلقاً بالله، ومن أجل ألا يتدخل أحد من البشر في تربيته، ويعيش يتيماً في بيت عمه أبي طالب، وقد كان كثير العيال، وكان الأكل لا يكفيهم، فعندما يأكل معهم الحبيب المصطفى، فإن العيال يشبعون ويفضل أكل، فكان أبو طالب يقول: انتظروا حتى يأتي ابني محمد.
إذاً: أبو طالب كان يرى أن الخير كله والبركة كلها في سيدنا رسول الله ﷺ .
وقد تعلم الرسول ﷺ في بني سعد الفصاحة والبيان واللغة العربية، والرماية، وركوب الخيل، وتعلم السباحة في بئر كانت عندهم، ومر ذات يوم على بئر فتبسم، فقيل: ما يضحكك يا رسول الله؟! قال: هنا تعلم نبيكم السباحة.
والسباحة رياضة طيبة يقرها الإسلام، وهناك رياضات لا يقرها الإسلام.
وقد كان من طبيعة العرب أنهم يأخذون أبناءهم إلى البادية في جو الصحراء النقي من أجل أن يتعلم ما تقدم ذكره.
ثم عاد إلى أمه وذهبت به لتزور أخواله في بني النجار، ثم ماتت، ودفنت في الأبواء، وكان لا يزال يذكر عطفها وحنوها عليه فيبكي ﷺ .
وبقي ست سنوات في كنف جده عبد المطلب، وكان عبد المطلب الرئيس العام لقريش، أو زعيم قريش، وكانوا يضعون له فراشاً أو سجاداً عند الحجر الأسود، ولا يقترب من هذا الفراش أحد من أبنائه الكبار، فيحيطون بهذا الفراش، ويأتي عبد المطلب فيجلس، فعندما كان يأتي سيدنا محمد وكان عنده من العمر سبع سنوات كان جده يجلسه على الفراش، ويقول: دعوا ابني هذا، فإن له شأناً عظيماً، ثم يضعه بجواره ويمسح على ظهره، ويقول: إن فيه خيراً عظيماً.
أي: إنه ليس ولداً عادياً وإنما هو إنسان سوف تكون له مكانته.
ويبقى سنتين في كفالة جده، وكان جده لا يتركه، وكان ينام معه، وكان عبد المطلب يقول: ينام معي في الليلة الظلماء وكأن الشمس في حجرتي.
ثم يموت جده عبد المطلب، وقبل أن يموت أوصى ابنه أبا طالب أن يتكفل بسيدنا محمد، وقد كان عدد أبناء عبد المطلب عشرة، وقد قال: لو رزقت بعشرة لذبحت واحداً، ولم يؤمن منهم إلا اثنان: حمزة والعباس، أسلم حمزة في السنة السادسة من البعثة، وبعد ثلاثة أيام من إسلامه أسلم عمر بن الخطاب، فـ حمزة كان ترتيبه في الدخول للإسلام برقم (٣٩)، وعمر كان ترتيبه ورقمه (٤٠).
ولأن المسلمين كانوا يشتكون من أبي جهل عمرو بن هشام ومن عمر بن الخطاب، فقال رسول الله ﷺ : (اللهم أعز الإسلام بأحب العمرين عندك: عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام)، فتحققت الدعوة في سيدنا عمر، ونزل جبريل يوم أن أسلم وقال: يا رسول الله! إن أهل السماء قد كبروا عندما أسلم عمر.
أما المسلمون اليوم فإنهم أصفار تنضم إلى أصفار، فعددهم ألف مليون مسلم، ولو بصق كل واحد منا بصقة لأغرقنا إسرائيل، ولو نفخ كل واحد منا نفخة لطيرنا إسرائيل، وإذا كانت هذه النفخة لا تخرج من قبل موصول بالله فلا تطير أمامها ولا نملة؛ لأن الله لا ينصر الناس بالمناظر ولا الغلبة بالصدر وبالذراع، إنما الغلبة بالإيمان.
كما غلب سيدنا داود ﵇ جالوت، وذلك لما بعث الله طالوت ملكاً كان من ضمن جنوده سيدنا داود، وكان عمره خمس عشرة سنة، فوضع حجراً في مقلاع، وسمى الله وضرب بمقلاعه فطار الحجر فقتل جالوت، قال تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة:٢٥١] قال الله له: يا داود! أنت عليك أن تضرب وأنا علي أن أقتل، أنت تأخذ بالأسباب، وأنا المسبب.
стр. 107
ميلاد المسيح ﵇
وكانت السيدة مريم في شبابها تتعبد الله في المحراب، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧] اللهم ارزقنا يا رب من حيث لا نحتسب يا رب العالمين.
أما لحظة الولادة فإنها أشد من حالة مريم وهي بدون حمل، ولذا فإن المرأة تضع وحولها فريق من المساعدين والمساعدات.
أريد أن أقول: إن القرآن عبارة عن دستور المسلم، وما علينا إلا أن نتخذ الأسباب، قال تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٢ - ٢٣] أي: ألجأها ألم الوضع إلى جذع النخلة، ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ [مريم:٢٣ - ٢٤] وفي قراءة: (فناداها مَنْ تحتها) وكلتاهما صحيحتان، وقراءة ابن عباس (مَن) بمعنى: الذي، أي: أن عيسى هو الذي نادى، ولذلك قال أهل العلم: الذي نادى من تحتها حقيقة هو عيسى ليس جبريل؛ لأنها لما جاءت به وهو رضيع قال لها قومها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم:٢٨ - ٢٩] فلو لم تعهد منه الكلام من قبل لما أشارت إليه، إذاً: بدليل أنها سمعته يتكلم قبل ذلك فأشارت إليه من أجل أن ينقذها من هذا الموقف ويشفع لها ويشهد معها.
فلما أشارت إليه استغرب اليهود وقالوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم:٢٩].
فأنطق الله عيسى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٣٠] فأثبت عبوديته لله؛ ليرد على جميع الفرى والأكاذيب القائلة أنه ابن الله أو أنه هو الله.
﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم:٣٠] وآتاني فعل ماض، ومعناه: أعطاني، فالله عندما يتحدث ليس هناك ماض أو مستقبل، فإن الزمان ملك لله ، وإذا أراد الله شيئاً كان، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٩٦] وهو لا يزال غفوراً رحيماً، وفي قواعد اللغة العربية أن كان لا تدل على الماضي فقط، وإنما تدل على الماضي والحاضر والمستقبل، أي: كان الله غفوراً رحيماً في الماضي وما زال غفوراً رحيماً في الحاضر، وسوف يظل بمشيئته وبفضله ورحمته غفوراً رحيماً في المستقبل، فاللفظ له مدلولات في اللغة العربية.
وقوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٤ - ٢٥] أي: قال لها سيدنا عيسى ﵇: لا تخافي ولا تحزني، والقرآن لا يأتي بمترادفات فالخوف شيء والحزن شيء آخر، مثل قوله تعالى وهو يمن على قريش: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٤]، فإذا أمن شعب في لقمة عيشه وحريته سوف تأتي نتيجة طيبة من هذا الشعب، أما أن تحارب الناس في لقمة عيشها وفي أمنها فستكون هنالك نتيجة سيئة.
ذكر لي أحد الأساتذة أنه في كل يوم جمعة يضع حباً للعصافير في البلكونة ليحصل على ثواب، وفي يوم من الأيام وضع الحبوب ففوجئ بأن العصافير لا ترضى أن تنزل، اكتشف أنه نسي باب البلكونة مفتوحاً، فالعصافير فكرت أنه عمل لها فخ من أجل أن يمسكها، فتأمين الناس من الخوف أمر مهم فإن العصفورة إذا لم يأمن لا تنزل، ولذلك قال ابن القيم: طائر الطبع -أي: الهوى- يرى الحبة، وعين العقل ترى الفخ فتقول: حذار! حذار! فالعاصي يرى المعصية حلوة، فينظر إلى امرأة ماشية، أو إلى فيلم، أو يسمع نكتة، أو حاجة جيدة، لكن لو فكر بقبله فإنه سيرى الفخ، وسيعلم أن الشيطان يضحك عليه، ويضع السم في العسل.
وقوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٥] أمرها الله تعالى بأن تهز جذع النخلة وهي متعبة بآلام الوضع والولادة، وقد رزقها سابقاً وصحتها جيدة وبدون مجهود، وفي هذا درس للمسلمين بأن يأخذوا بالأسباب ويستعينوا بالله ولا يعجزوا، فالمزارع عليه أن يبذر الحب ويقول: يا رب! ولا يكون طوال السنة نائماً، كالطالب الذي لا يذاكر فيرسب فيحتج بالقضاء والقدر، فالمطلوب منه أن يتخذ السبب ويذاكر جيداً.
وقوله تعالى: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥] ما الحكمة من ذكر الرطب في هذه الآية مع أن الشام مليئة بالتفاح والحوامض وغيرها؟ فقد وجد علماء الكيمياء العضوية أن الرطب فيه مركب يوقف النزيف عند المرأة بعد الوضع، وهذا المركب لا يوجد إلا في الرطب فقط أما التمر والبلح الناشف فلا.
فعلى المؤمن أن يطرق السبب والله عليه فتح الأبواب، والذي يمسك باب الله يعطيه مفتاحه، والذي يريد الغنى في الآخرة ربنا عنده الدنيا والآخرة، والذي يريد الدنيا الله يعطيه الدنيا، والذي يريد الآخرة يعطيه الله الدنيا والآخرة؛ لأن الله يقول: يا دنيا! من خدمك فاستخدميه، أي: الذي يبقى عبداً لك فاستعبديه، ومن استخدمك فاخدميه.
فالإنسان إما في حالة حزن أو هم أو غم، والحزن هو ألم النفس على الماضي، والغم هو ألم النفس في الحاضر، والهم هو ألم النفس من الخوف من المستقبل، لكن المؤمن بفضل الله ما فات منه لا يندم عليه.
стр. 108
قصة الرجل والعصفورة
قال العرب في قصة رمزية: صياد اصطاد عصفورة، فقالت له: ماذا ستعمل بي؟ أنا لا أسمن من جوع، وإذا بعتني لا أساوي شيئاً، لكن أقول لك ثلاث حكم، حكمة وأنا لا زلت على يدك، وحكمة وأنا على الشجرة، وحكمة وأنا على الجبل، فأطلقها، فقالت: الحكمة الأولى: لا تندمن على ما فات، فطارت ووقفت على الشجرة.
ثم قالت له: الحكمة الثانية: لا تصدقن كل ما يقال لك أنه يكون رغم أنه لا يكون، أي: لا تصدق بالأمر المستحيل يا مسكين! لو ذبحتني لوجدت في حوصلتي قطعة من الذهب تزن مائة مثقال، فعض على إصبعه.
ثم قال: هات الثالثة.
فقالت: من أين الثالثة؟ هي الأولى والثانية معك، قلت لك: لا تندمن على ما فات، وأنت ندمت، وقلت لك: لا تصدقن بكل ما يقال أنه يكون رغم أنه لا يكون، أنا لا أزن مثقالاً واحداً فكيف يكون بجوفي مائة مثقال من الذهب؟ فالمسلم لا يندم على ما فات، فإن ما فات قدر، واحمد الله أن مرت الأزمة بخير، سواء كانت أزمة مالية أو أزمة صحية أو غيرهما، فالمسلم يتعود على الأزمات ويصبر عليها.
فـ أبو طالب أخذ الحبيب المصطفى، فصار الرسول ﷺ في كفالة عمه، وكان عمه كثير العيال، وكان عمر الحبيب ﷺ إحدى عشرة سنة وهو يرعى غنماً لقريش على قراريط في مكة، والقراريط أقل من الدراهم، فالفرد المسلم لابد أن يكون منتجاً وعاملاً وعنصراً فاعلاً في المجتمع.
стр. 109
سبب حلف الفضول
وقيل: أن رجلاً من اليمن أعطى العاص بن وائل المال، ولم يرض أن يعطيه حقه، فاستجار اليمني بصناديد قريش، وهم أبو جهل وأبو لهب وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف وغيرهم من عظماء قريش.
فأرادوا من العاص بن وائل أن يعيد المال للرجل فرفض، فوقف الرجل في اليوم الثاني عند الحجر الأسود، ونادى: يا معشر قريش! يا من لا تظلمون أحداً، لي ظلامة عند العاص بن وائل، فمن يعيد إلي حقي؟ فقام الحارث بن عبد المطلب عم الرسول ﷺ وكان أكبر أبناء عبد المطلب، فجمع بعضاً من قومه وكان منهم أربعة يسمون بالفضل، وهم: الفضل بن زيد، والفضل بن وائل، والفضل بن عبيد الله، والفضل بن عبد الله، فاجتمعوا وتواعدوا أو تعهدوا بنصرة المظلوم في مكة، سواء كان من مكة أو من خارجها، فسمي بحلف الفضول، وسبب تسميته بحلف الفضول؛ لأنه صاحب فضل في إعادة الحق لأهله؛ أو لأن المجتمعين كان أغلب أسماؤهم الفضل.
فقال أصحاب هذا الحلف: سوف نعيد الحق لأهله ما بل بحر صوفة، وما بقي جبلا ثبير وحراء مكانهما.
والرسول ﷺ قد حضر حلف الفضول وهو ابن أربعة عشر عاماً في دار عبد الله بن جدعان وقال: (ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت إلى مثله لأجبت).
стр. 110
تجارة الرسول في مال خديجة
ولما كان عمر الحبيب المصطفى ﷺ عشرين سنة، أرسلت السيدة خديجة إليه لكي يتاجر لها في تجارته، وذهب أبو طالب إليها وقال: يا خديجة! بلغني أنك تعطين أجيرك بكرين يعني: جملين، وإني أطلب لابن أخي أربعة.
قالت: يا أبا طالب! أنت كبيرنا وزعيمنا وعظيم قريش، فلو جئت لتطلب هذا في بعيد بغيض، أي: لو أن رجلاً ليس بيننا وبينه قرابة ونكرهه، فما بالك وأنت جئت في قريب حبيب؟! فلمح أبو طالب هذه الكلمة، وقال بلسان الحال: ما الذي جعلها تتكلم بهذه اللهجة؟ قيل إن ابن عباس لما دخل على إحدى الصحابيات يعزيها في زوجها فقال: إذا كان زوجك قد مات، فإن زوجتي قد ماتت، قالت: عجباً يا ابن عباس! أتخطبني في عدتي؟ قال الحبيب ﷺ : (كل أرض يذكر فيها اسم الله تتيه على بقية الأراضي بجوارها).
والمسلم عندما يموت يبكي عليه مكانان: موضع سجوده في الأرض ومصعد عمله في السماء، وهناك أناس لا يقفل عملهم بعد الموت، فلا يغلق مصعد العمل بعد الموت، فالذي عمل صدقة جارية، أو لديه علم ينتفع به، أو له ولد صالح يدعو له، أو عمل خيراً في الناس، أو سن في الإسلام سنة حسنة، أو بنى مسجداً، أو بنى معهداً علمياً، أو ساعد في بناء مستشفى، أو زرع نخلة، أو كل ما يستظل به من الناس والطيور والحيوانات، أو عمل سبيل ماء للناس ليشربوا منه، فما يفعل من خير سوف يصعد، ولذلك يقول ربنا: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار:٥].
أي: ما قدمته في الحياة الدنيا وما أخرته بعد الموت، فهذه الآية تدل على أن العمل لا يوقف، اللهم اجعلنا من أهل الخير يا رب العالمين! فالسيدة خديجة وافقت على ما قاله أبو طالب، فتاجر الرسول ببضاعتها إلى بلاد الشام، فبيعت كل قوافل قريش إلا البضاعة التي للسيدة خديجة فإنها لم تبع، فبقي يومان على رحيل القافلة، وكان ميسرة وهو غلام خديجة حزيناً؛ لأن التجارة بارت وستخسر، فشاء الله أن تصاب المزروعات في الشام بمرض وإذا بقافلة السيدة خديجة تشتري بأغلى الأثمان، وهذا من بركة سيدنا محمد ﷺ .
جاء إلي رجل وقال لي: إنه سيفصل من وظيفته، وسيراقب من قبل أجهزة الأمن.
قلت له: إذا أراد الله شيئاً كان، فثق بالله وتوضأ وصل ركعتين خالصاً لوجه الله، واقرأ ياسين بنية قضاء الحاجة، واخلص لله في الدعاء، ففعل ذلك، ففي ذلك اليوم حدثت أحداث في الأمن المركزي، وحصل تغيير في الدولة كلها، وإذا بالرجل قد ترقى في وظيفته، وكان كلما يقابلني يقول: ليس لنا سوى الله.
فباع النبي ﷺ تجارة السيدة خديجة ضعف ما كان ميسرة يأخذ البضاعة، وكان ميسرة ينظر إلى سيدنا الحبيب ﷺ وغصن الشجرة يتدلى إليه، وكان يمشي معه والسحابة تظلل الحبيب المصطفى ولا تظلل ميسرة، وكلما ينظر إليه يرى وجهه منوراً، إلى أن عادا إلى مكة، وظل هكذا ثلاث سنوات وهو يتاجر للسيدة خديجة.
وقد حصلت حادثة لـ خديجة ولها من العمر عشرون سنة، كانت جالسة مع نساء من قريش، فمر من أمامهن حبر من أحبار اليهود زار مكة للتجارة، فلقى هؤلاء النسوة قاعدات، فقال: يا معشر نساء قريش! النبي الخاتم سوف يكون من هنا، فيا سعادة من تزوجته، فحصبنه بالحصى، وذلك من حياء العذارى، فقد كانت البنت في زمن الجاهلية تستحي، وتصوب نظرها إلى الأرض، وبالذات عندما تخبر بخبر الزواج، فتستحي وتجري إلى خدرها؛ لأن هذا الكلام عيب عندها، أما الآن فإن البنت تقعد وتضع رجلاً على رجل وتقول: لكن هذا الرجل لا يعجبني.
والذي عنده حياء عنده دين، والذي ليس عنده دين ليس عنده حياء، فإن الحياء من الإيمان، فمن لا حياء عنده لا إيمان له، قالوا: إذا لم تستح فاعمل الذي يعجبك.
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل أي: ما دام أن المرء لا يدنس عرضه بالكلام السيئ فأي رداء يلبسه فهو جميل، ففي ذلك الزمان كان يوجد حياء العذارى، ولذلك النبي ﷺ قال: (الثيب تستأمر، والبكر تستأذن)، يعني: الدليل على أن البنت موافقة على الزواج إذا سكتت، فالسكوت علامة الرضا، ولو كانت معترضة فإنها ستقول: لا، ولذلك قال الحبيب المصطفى ﷺ : (استأمروا نساءكم في شأن بناتهن) يعني: لست أنت الذي تكلم البنت: ما رأيك في فلان؟ بل اجعل أمها هي التي تقول لها ذلك؛ لأن سرها يكون مع الأم.
أما قولهم: شاوروهن وخالفوهن، فليس هذا من الدين، فلو كان هذا القول صحيحاً فإن فيه تضييع الوقت، فينبغي للمسلم أن يشاور زوجته في أي أمر، فيقول لها: سنعمل كذا ولن نعمل كذا، وعلى المسلم أن يعرف أخلاق زوجته، فإذا كانت تغضب من بعض الأمور فلا يشاورها؛ لأن المشورة سيكون نهايتها لا تحمد.
وأقول للنساء: لا تكرهن أزواجكن في أهلهم، وأقول للرجال: لا تكرهوا زوجاتكم في أهاليهن.
ومن ضمن حقوق زوجتك عليك: أنك لا تمنع زوجتك أن تذهب كل جمعة على الأقل إلى أبويها ما داما أنهما في نفس البلد، ولا تحلف على منعها من ذلك، لا تحلف على ما أحل ولا تحرم ما أحل الله.
فالسيدة خديجة تذكرت هذه الحادثة، وكانت من قبل قد تزوجت من رجلين: رجل مات ولم تنجب منه، والرجل الآخر أنجبت منه هند بن أبي هالة، فبعثت إلى رسول الله صاحبتها نفيسة أو نُفيسة أما نِفيْسة فلا يوجد هذا الاسم في قواميس اللغة العربية، يقال: الشيء النفيس، وهو النادر الغالي الثمين، وليس النِّفيس.
فقالت نفيسة: ألك في الزواج يا محمد؟! وأخذ الفقهاء من هذا: أن المرأة الصالحة تخطب لنفسها إذا كان الرجل فيه صلاح وتقوى.
وبعض الناس يفتح مع زوجته صفحات سوداء في كل يوم، بل الواجب عليه أن يعمق المحبة بينه وبينها فإنها تأتي بالود، وتأتي من الكلام الطيب.
قالت لي امرأة متبرجة أنها كانت تتكسب بالحرام، وقد سمعت مني حديثاً كان هو سبب الهداية، وهو أن السيدة عائشة كانت واقفة والحبيب ﷺ واضع ذراعه على باب حجرة السيدة عائشة وساتر السيدة عائشة بكمه وهي واضعه ذقنها على ذراع الحبيب وتنظر إلى الأحباش وهم يلعبون في المسجد، وكان يقول لها: هل اكتفيت يا عائشة؟ فتقول: انتظر يا رسول الله قليلاً، وكان يكرر عليها: هل اكتفيت؟ فتقول: انتظر يا حبيب الله، فهذا يدل على حنان رسول الله، فالمرأة هذه قالت: جلست أقارن بين حنان الرسول وفضاضة زوجي، وقلت: الإسلام عظيم جداً، وأنا غلطانة أني ما تزوجت رجلاً متديناً، وكان هذا سبب هدايتها، واستقامت على طريق الله، فاللهم اهدنا جميعاً يا رب.
فهذه القصة الصغيرة تنبئ عن حنان الحبيب ورحمته، فعلى المسلم أن يقتدي بالنبي ﷺ في هذا الخلق العظيم فيتعامل مع زوجته برفق وحنان، فإن ذلك سبب في تساقط ذنوبهما كما يتساقط ورق الشجر في اليوم الشاتي، فالزوج يصافح زوجته ويمد يده إليها وإن رفضت أن تمد يدها، فالرجل يكون ودوداً، صاحب القلب الكبير، يدخل عليها بوجه طلق.
следующие страницы →