← Сира

Сира · id 37043

مقتطفات من السيرة

عمر عبد الكافي

Полный текст (588 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

سلسلة مقتطفات من السيرة [٢٢] إن سيرة النبي ﷺ مليئة بالآداب الإسلامية، والأخلاق التي تكون سبباً في الدنو من منزلة الرسول ﷺ ، وقد أنزل الله عليه كتاباً مفصلاً وحاكياً قصص الأمم السابقة لتكون عبرة لأولى العقول والأبصار.

стр. 492

من آداب العالم مراعاة حال السائل إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. نسأل الله في مفتتح جلستنا هذه أن يجعل برحمته اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل يا ربنا بيننا شقياً ولا محروماً، ولا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة وفي هذا الشهر العظيم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا قصمته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا رددته لأهله غانماً سالماً. اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافنا واعف عنا، وسامحنا وتقبل منا، وصلنا بك ولا تقطعنا عنك، اللهم انظر إلينا نظرة رضا، اللهم ارض عنا، اللهم ارض عنا، اللهم ارض عنا، اللهم إن لم ترض عنا فاعف عنا، واطرد عن بيوتنا شياطين الإنس والجن، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وكن لنا ولا تكن علينا، نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، ومن الخوف إلا منك، نعوذ بك ربي أن نقول زوراً، أو نغشى فجوراً، أو نكون بك من المغرورين، نعوذ بك من عضال الداء، وشماتة الأعداء، وخيبة الرجاء، وزوال النعمة، وفجأة النقمة، نعوذ بك من الهم والحزن، ونعوذ بك من العجز والكسل، ونعوذ بك من الجبن والبخل، ونعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال. اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار، واجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك معافين، غير فاتنين ولا مفتونين. اللهم اكشف عنا الكرب الخاص والعام، اللهم اكشف عنا الكرب الخاص والعام، اللهم آمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم اكشف السوء عن المسلمين، اللهم اكشف الكرب عن المسلمين، وأوقع اللهم الكافرين بالكافرين وأخرجنا من بينهم سالمين، لا تسل قطرة دم مسلمة إلا في سبيلك، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، وصل الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. كان الإمام علي كرم الله وجهه يحمد الله دائماً ويقول: الحمد لله الذي نطقت بوحدانيته الكائنات، فالسماء تقول: سبحان من رفع سمكي فسواني، والأرض تقول: سبحان من مهدني لمن يسير على ظهري، والبحار تقول: سبحان من أجراني لقصادي وورادي، والعاصي يقول: سبحان من اطلع علي وأنا أعصيه فسترني، فلما رآني سترني وغطاني، والعارف يقول: سبحان من سلك بي الطريق إليه فوحدته وعرفته. لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اجعلنا يا ربنا من الحامدين لك ليل نهار، آمين يا رب العالمين! مجالس العلم هي أفضل ما للمسلم من زاد إلى الآخرة، فإن السفر طويل، وإن الزاد قليل، ومن أراد كثرة الزاد فما عليه إلا أن يرتع في مجالس العلم، ولمجالس العلم آداب، منها ما يخص العالم ومنها ما يخص المتعلم، ونجملها على سبيل الإجمال لا الحصر، فنقول: إن من الآداب التي تجب أن تكون موجودة في العالم أن ييسر على الناس ولا يعسر عليهم؛ فما خير الرسول بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ولا يوجد أمران خير الرسول بينهما إلا واختار الأسهل للأمة وقاله، ﷺ . ثم إن لكل فتوى بيئة، فالذي يفتي به في دولة مسلمة لمسلم لا يستطيع أن يفتي به لمسلم يعيش في دولة كافرة، والذي يفتي به في مكان فيه أمن وأمان لا يمكن أن يفتي به في مكان فيه قهر واستعلاء وظلم، وليس معنى هذا أن الدين يتلون أو أنه يتغير، فلقد كان النبي ﷺ يصف الدواء مشخصاً للداء، يدخل عليه شاب يقول له: (أأقبل وأنا صائم يا رسول الله؟! قال: لا). ويدخل عليه رجل كبير السن: (أأقبل وأنا صائم يا رسول الله؟! قال: نعم، قبل) فالرسول يعرف حالة هذا ويعرف حالة هذا، والشاب لا تؤمن منه الفتنة، والشيخ الكبير ربما تؤمن منه الفتنة عندما يقبل زوجته فلا يحدث نفسه بشيء، فالرسول يضمن للعجوز صومه، ولا يضمن للشاب صومه، فيمنع هذا من التقبيل، ويجيز لهذا التقبيل، رغم أن السؤال واحد وفي وقت واحد، وليس معنى هذا أن الدين برأيين وإنما يُراعى فيه مقتضى الحال والبيئة والظروف؛ لأن الإسلام يراعي الظرف الذي أنت فيه. يأتي رجل فيقول: (عظني يا رسول الله؟! فيقول له: أفش السلام)، ويدخل ثانٍ فيقول: (عظني يا رسول الله؟! فيقول له: بر والديك)، والثالث يقول له: (أطعم الطعام) وللرابع: (صل بالليل والناس نيام) وهكذا، رغم أن السؤال واحد. وعندما نريد تفسير ذلك فإننا نجد أن الأول لمح فيه الحبيب بفراسة النبوة وبنورها الكبر، ومن أجل أن يحد من كبره قال له: سلم على الناس؛ لأن من الكبر ألا تسلم على الناس، فالرسول يريد أن يعلم الرجل التواضع، فقال له: (أفش السلام) أي: سلم على الناس وأنت ماشٍ، يعلمه كيف يتواضع ﷺ . والثاني: رآه عاقاً، فقال له: بر والديك. والثالث: رآه بخيلاً فقال له: أطعم الطعام. والرابع: كان ينام طوال الليل، فقال له: صل بالليل والناس نيام. فالرسول ﷺ يصف الدواء لحالة الداء، والدواء قد ينفع إنساناً ولا ينفع آخر. فالمؤمن الصادق يقول في نفسه: الدواء نفع فلاناً وما نفع فلاناً؛ لأن سر الشفاء وضع لفلان في دوائه، ولم يوضع لفلان في دوائه، فالقضية قضية السر من الله سبحانه بالشفاء، ولذلك قال الإمام الغزالي: من أيقن أن الدواء يشفي من المرض فقد أشرك بالله، إنما الدواء وسيلة وسبب وقدر من أقدار الله يجريه رب العباد في الوقت المطلوب. ومن الناس من يكون محتاجاً ويدعو الله فتستجاب دعوته، والآخر يقول: لقد مللت من الدعاء، فالأول دخل في إطار استجابة الدعاء، لأنه اختار الوقت المناسب، ودعا بإخلاص، وأيقن في الإجابة، وأمنت الملائكة على دعائه، وأكل من الحلال حتى استجيب دعاؤه، عندئذ كانت الإجابة موافقة للدعاء. والثاني دعا في وقت غير مناسب، ولم تؤمن الملائكة، ولم يأكل حلالاً، ولم يضطر ويلح بالمسألة ثم لم يوقن بالإجابة؛ فلم تكن هناك إجابة. إن الذي يعلم الناس يجب أن يراعي مقتضى الحال، فقد يكون عندك ولد كلما دخل امتحاناً يحصل على مائة بالمائة، وفي شهر جاء بسبعة وتسعين في المائة، وأخوه الثاني يرسب في كل شهر، وفي شهر نجح وأتى بخمسين في المائة، فيقول الأب للذي أتى بخمسين في المائة: أنت أصبحت جيداً وعظيماً، وليس هناك أحسن منك، والذي أتى بسبعة وتسعين في المائة يقول له: أنت لست بجيد، يقول ذلك لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين. إذاً: فهذا يقال له كلام، وهذا يقال له كلام، كما قيل: العبد يقرع بالعصا، والحر تكفيه الإشارة، حتى إنك لو غمزت له بعينك لفهم.

стр. 493

الأدب مع الله تعالى

стр. 494

سيدنا يوسف نسي ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين ذكر الله في القرآن الكريم أن يوسف ﵇ دخل معه السجن فتيان ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦] أي: أنت رجل وجهك يشع منه النور. ففسر يوسف لكل واحد منهما رؤياه: فالأول سينجو ويكون له شأن في القصر، والآخر سيصلب فتأكل الطير من لحمه ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف:٤١]. قال تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ [يوسف:٤٢] أي: استيقن أنه سينجو ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف:٤٢] أي: اذكرني عند الملك وقل له: هناك شخص مظلوم مرمي في السجن منذ سنين فانظر إليه نظرة، قال ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٤٢] فأنسى الشيطان يوسف ذكر مولاه وربه الحقيقي ، فكان من نتيجة هذا أن لبث في السجن بضع سنين.

стр. 495

الشجرة تخفي سيدنا زكريا على قاتليه يروى أن زكريا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام جرى وراءه بنو إسرائيل يريدون أن يقتلوه، لكن عندما تكون أنت في خدمة الله يصير الكون كله في خدمتك، فإن سيدنا زكريا ﵇ وهو يجري فتحت له شجرة ساقها فدخل فيها فأغلقت عليه، فبحثوا عنه فلم يجدوه. فقال لهم إبليس: إنه في هذه الشجرة، فقالوا: كيف نخرجه؟ قال لهم: هاتوا منشاراً وانشروا من فوق الشجرة فتقسموه نصفين وتستريحوا منه، فبدءوا ينشرون إلى أن وصل المنشار بقرب رأس سيدنا زكريا ﵇، فآلمه المنشار فقال: آه، فقال الله له: (يا زكريا! لو قلت: آه مرة أخرى لمسحت اسمك من ديوان الأنبياء، فاصبر). إذاً: أنت ما دمت وكلت أمرك لله فلا تلتجئ إلى أسباب واهية، فالأسباب مجرد عوامل تشجعك على قضاء الأمر أو عدم قضائه، ولكن الأهم أن تعتمد أنت على من يقول للشيء: كن فيكون.

стр. 496

أدب إبراهيم ﵇ في دعائه ربه كان سيدنا إبراهيم في قمة الأدب مع الله، قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٧٩ - ٨٠]. مع أن سياق النص الذي خلقني فهو يهديني، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا أمرضني فهو يشفيني، لكنه عند المرض قال: وإذا مرضت أنا، أي: أنا الذي أدخل على نفسي المرض بأن أتعرض للهواء، أو آكل كثيراً، ولا أنام جيداً، وأسهر كثيراً. إذاً: سيدنا إبراهيم ﵇ كان في قمة الأدب حين قال: وإذا مرضت أنا.

стр. 497

أدب الرجل الصالح مع ربه في قصته مع موسى ﵇ ذكر الله الرجل الصالح صاحب سيدنا موسى في كتابه، قال الرجل الصالح: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] ثم قال: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا﴾ [الكهف:٨٢] فعند الخير والكنز قال: فأراد ربك، وعند السفينة قال: فأردت أن أعيبها. وهذا من أدبه مع الله .

стр. 498

أدب الجن الذين آمنوا في خطابهم عن الله سبحانه في سورة الجن قال الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]. فقوله: ﴿أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠] الرشد والخير والإرادة منسوبة إلى الله، وقوله: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الجن:١٠] أريد: فعل مبني للمجهول، فما تجرءوا أن يقولوا: أراد ربك شراً بمن في الأرض. وانظر إلى أدب النبي ﷺ في سيرته العطرة وهو يدعو الله ويقول: (وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت) يعني: أنا على عهدك ووعدك على قدر استطاعتي، فمقدرتي أن أقوم الليل كله، أو نصفه أو ثلثه، وهذا أدب. ومن الأدب العالي جداً يقول النبي ﷺ : (اللهم إني ألجأت ظهري إليك، ووجهت وجهي إليك، رغبة ورهبة إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت). انظروا إلى الأدب في قوله: ألجأت ظهري إليك، شخص ألجأ ظهره لله هل يستطيع أحد أن يضربه، ويقال: من له ظهر لا يضرب على بطنه، فما بالك بالذي ألجأ ظهره إلى الله؟!

стр. 499

وقفات مع سيرة عمر ﵁ من عجائب العظماء رضوان الله عليهم من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، أن الواحد منهم لا يهتم برؤية إنسان أبداً. دخل عمر بن الخطاب بيت المقدس ولقي القادة المسلمين منتظرين له بالحلل، فجاءهم راكباً على بغلة من المدينة هو وخادمه يركب قليلاً وسالم قليلاً، وقد قال عمر لـ سالم: أنت تركب وأنا أمشي، وأسمعك جزءاً من القرآن، ثم أنا أركب وأنت تمشي وتسمعني جزءاً من القرآن. لكن الشباب الصائع الفاشل في الدراسة في هذا الزمان يضع شريطاً أجنبياً في سيارته، ويزعجنا ويصدع آذاننا باللهو. فلما تعبت الدابة قال عمر لـ سالم: كم أنفقنا في حجنا؟ قال له: تسعة عشر درهماً يا أمير المؤمنين! قال له: هذا إسراف يا سالم! قال سالم: تعبت الدابة فماذا نصنع؟ قال عمر له: المسافة التي بقيت أنا أعرفها؛ لأن سيدنا عمر في الجاهلية كان يتولى أمر السفارة لقريش، فمن طبيعة تعامله أنه كان يسافر، وفرق بين فلان مسئول في الخارجية دبلوماسي يكلمك بنعومة ولا تأخذ منه إجابةً أبداً، إلا إذا سألته: ماذا عملت في المباحثات؟ قال: كل شيء على ما يرام، فتقول له: على ماذا اتفقتم بالضبط؟ فيقول لك: في الجدول المعلن نتيجة القرارات المتخذة في الأمور المعتمدة، وكلهم مثل الثعابين هكذا. يقول رجل يهودي قبل اندلاع حرب الخليج بيسير: يجب أن تعمل أمريكا على أن يعود العرب مرة أخرى حفاة عراة كما كان أجدادهم. هذه وجهة نظر الغرب فينا، ونحن لابد أن نسأل الله أن ينصرنا، فإنه لما هان الإسلام عندنا أصبحنا عند الأعداء كالذباب، لكن هرقل في الروم، وكسرى في فارس إذا سمعا اسم عمر بن الخطاب يهتزان خائفين، ويبعث إليه أربعة رسل: اذهبوا وانظروا هذا الذي يرعبنا وأنصفوه لي. وهكذا جاء رسل كسرى إلى المدينة المنورة يسألون عن بيت أمير المؤمنين وكان كسرى يسميه ملك العرب، واليوم يقولون: الزعيم العربي الأوحد، ولا توجد كلمة زعيم إلا عند العرب للأسف، ولقد سمعت عن الزعيم بوش أنه موظف مسكين لا يستطيع أن يكح إلا إذا استأذن من مجلس الكونجرس: هل أكح؟ فإن قالوا له: كح يكح، لا تكح لا يكح. في سنة تسعة وسبعين ذهب وفد من مصر بلغ عددهم مائة شخص وقابلوا أعضاء الكونجرس فأضافوهم على طعام، وقبل أن يخطب قاطعه عضو في الكونجرس وقال له: قف، الطعام الذي أكلوه هؤلاء المصريون من أين هو بالضبط؟ قال له: ماذا تعني؟ قال: يعني: نحن لا ندفع ضرائب الأمريكان وتأتي الوفود لتأكلها، نحن ندفعها لخدمة الشعب الأمريكي. فقال لصاحب المراسم: أجبه، فقال له: هذا الطعام تبرعت به الشركة الفلانية، شركة من شركات الدعاية، هي التي أطعمت الوفد الرسمي المصري، فقال له: أكمل خطبتك. ولو عدنا إلى التاريخ لعرفنا أن سعداً قال لـ عمر بن الخطاب حين قام يخطب: لا سمع ولا طاعة، فقال عمر: لماذا يا سعد؟! قال: لأنك تلبس ثوبين ونحن نلبس ثوباً واحداً، فقال عمر: قم يا عبد الله بن عمر! وأخبرهم من أين جاء الثوب الثاني، فقال عبد الله: إن أبي رجل طوال، فأعطيته ثوبي ليرقع به ثوبه. وكان البيت الذي يملكه أمير المؤمنين عمر كوخاً صغيراً عليه صوف غنم، فانظروا إلى البساطة في المعيشة، وانظروا إلى العظمة في التخويف؛ لأنه عند الله عظيم، فجاء الرسل الأربعة فسألوا عنه، فقال عبد الله بن عمر: إنه ليس موجوداً. فقالوا: أين نلقاه؟ قال: قد تلقونه نائماً تحت النخل! فوجدوه واضعاً يده اليسرى تحت رأسه، ويده اليمنى على عينيه لتقيه حر الشمس، وناصباً رجله اليسرى وواضعاً رجله اليمنى فوقها، ويغط في نوم عميق. فقالوا: هل هذا عمر؟ قال: نعم، هذا عمر. فجلس رسول كسرى يعد الرقع التي في ثوب عمر بن الخطاب فوجدها سبع عشرة رقعة، ويترجم حافظ هذا المنظر العجيب ويقول: وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عُطلاً وهو راعيها وعهده بملوك الفرس أن لهم سوراً من الجند والأحراس يحميها رآه مستغرقاً في نومه فرأى فيه الجلالة في أسمى معانيها تحت ظل الدوح مشتملاً ببردة كاد طول العهد يبليها فقال قولة صدقة أصبحت مثلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها فقال: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر. رضوان الله على عمر ورضوان الله على صحابة رسول الله ﷺ ، وصلى الله وسلم على المعلم الأول والقدوة الأعظم أستاذنا ﷺ وأستاذ البشرية كلها. نعود إلى قصة حضور أمير المؤمنين عمر ومولاه سالم بيت المقدس، قال سالم: الدابة تعبت، فماذا نعمل؟ قال له: نريحها ثلث الطريق، وأركب أنا ثلث الطريق، وأنت تركب الثلث الباقي، قال له: اقتراح جيد يا أمير المؤمنين! فأراحوا الدابة الثلث، وركب سيدنا عمر الثلث، وبقى الثلث الباقي عند سالم رضوان الله عليه، ركب سيدنا سالم حتى إذا ما رأى مشارف بيت المقدس قال: يا أمير المؤمنين! سأنزل الآن، قال: ولم؟ قال: لقد دخلنا إلى بيت المقدس وأرى البطارقة والقساوسة وقواد المسلمين في الانتظار على أبواب المدينة، قال: لا، ما أنت أحوج بالثواب مني، وما أنا بأغنى منك عن الثواب. وكان البطارقة والقساوسة لا يعرفون عمر، فأخذوا يسلمون على من يركب الدابة ويقولون: مرحباً أمير المؤمنين! فقال لهم: هذا أمير المؤمنين، فسجد كبير القساوسة وبكى، وقال: قرأنا في كتبنا المقدسة أن من يتسلم مفاتيح بيت المقدس حاكم عادل يدخل إلى المدينة ماشياً وخادمة راكب بثوبه سبع عشرة رقعة، فعدوا الرقع التي في ثوب عمر فوجدوها سبع عشرة رقعة. فالإسلام يدعى إليه بالقدوة لا بمحاضرات، ولا بكلام فارغ، والإسلام ينتصر بالقدوة، وكل واحد قدوة في مكانه، رب الأسرة قدوة، وربة البيت قدوة، والشاب قدوة، والطالب قدوة، والأستاذ قدوة، والمدير قدوة، والطبيب قدوة، والوزير قدوة، والرئيس قدوة، وكلهم قدوة، فإن افتقدنا القدوة افتقدنا الإسلام، والإسلام فطرة، والفطرة دائماً تتوافق مع الإنسان في حياته. من منا يحب الخيانة؟ لا أحد. من منا يحب الغش؟ لا أحد. من منا يحب الانحراف؟ الفطرة نفسها لا تحب. وإذا رأيت منحرفاً أو مختلساً أو مرتشياً فاعلم أنه مبتلى وادع الله له، واسأل الله له العافية. قل: اللهم عافه واعف عنه؛ لأنك إذا رأيت شخصاً مبتلى في جسده، أو شخصاً مشلولاً، أو كفيفاً، أو شخصاً فيه عاهة، فقل: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيراً من خلقه. فمن باب أولى أنك عندما ترى مبتلى في الدين تدعو بهذا الدعاء، وهذا من أكبر الابتلاءات، فاحمد الله على عافية الدين، واحمد الله على أنك تحب مجالس العلم، وأنك تحب المسجد وتحب ذكر الله، اللهم حبب إلينا بيتك ومجالس العلم يا رب العالمين!

стр. 500

ذكر ما يتعلق بالرؤيا من أحكام فمن الواجب أن يراعي العالم حالة من يسأل: دخل رجل على ابن سيرين ﵀ فقال له: يا ابن سيرين! رأيت في الرؤيا أنني أؤذن، قال: سوف تحج هذا العام إن شاء الله. فخرج ودخل شخص آخر فقال: يا ابن سيرين! رأيت في الرؤيا أنني أؤذن، قال له: سوف تتهم بسرقة. فقيل له: هي رؤيا واحدة، فما معنى هذا؟ فقال: رأيت على الأول سمات الصلاح ففسرتها بقوله : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧]، أما الثاني فلم أرَ عليه سمات الصلاح، ففسرت ذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف:٧٠]. إذاً: الرؤيا واحدة، ولكن اختلفت التأويلات والتفسيرات. ذهب رجل إلى أبي حنيفة وقال له: يا أبا حنيفة! رأيت الرسول ﷺ في المنام، قال: وكيف رأيته؟ قال: رأيته عرياناً فغطيته، قال: ليتك ما غطيته، قال له: لماذا؟ قال: لقد غطيته حقيقة. فمات الرجل منتحراً. فهذا الرجل رأى الرسول ﷺ عرياناً، فمن باب أولى عندما ترى الرسول ﷺ في الرؤيا عرياناً تغطيه. ويذكر أن سيدنا أبا حنيفة وعمره إحدى عشرة سنة رأى رؤيا، رأى أنه ينبش قبر رسول الله ﷺ ، فقام مذعوراً خائفاً، فذهب إلى أستاذه حماد، فقال له: رأيت في الرؤيا أني أنبش قبر رسول الله ﷺ ، فقال له: أبشر يا أبا حنيفة! سوف تنقب عن سنة الرسول ﷺ فتعلمها للناس. فليس كل من هب ودب يفسر الرؤيا، ومن الناس من يدعي أن رؤيا السمك في المنام همٌ والبلح غم ونحو ذلك، فمن الذي أتى بهذا الكلام أساساً؟! فالذي يفسر الرؤيا لابد أن يكون حافظاً لكتاب الله، وعنده علم التنزيل، إذ إن علم التنزيل علم خاص لا يتضمن علوم القراءات فقط، بل فيه الناسخ والمنسوخ والمتشابه والمكي والمدني ومن ثم ترتيب الآيات والتنجيم في القرآن، أي: نزول القرآن مفرقاً، كل هذا اسمه علوم التنزيل، فعلوم التنزيل علم خاص بكتاب الله ، ولابد للذي يفسر الرؤيا أن يكون كذلك. وليس كل رؤيا تراها؛ لأن هناك رؤيا وهناك حلماً، وهناك كابوساً، والرؤيا من الرحمن، ولابد أن أكون نائماً وأنا متوضئ وعلى طهارة وعلى ذكر، وخالي الذهن من الموضوع الذي رأيته إلا الاستخارة، أي: رؤيا خير تبشرني بالخير، قال رسول الله ﷺ : (الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة). والحلم ما كان مرتبطاً بتفكيرك، كأن تكون منتظراً بعثة أو عريساً لابنتك، أو منتظراً نقوداً أو بيعةً معينة أو ثروةً معينة، فتكون مشغولاً بذلك، هذا الانشغال تراه في منامك، وهذا يسمى حلماً وليس رؤيا؛ لأنه موافق لتفكيرك ولوضعك قبل النوم. وهناك شيء في منام الإنسان يسمى الكابوس، فقد تكون نائماً على طهارة وخير وبركة وذكر، ولكن هناك شيء يرعبك، كأن يكون البيت سقط عليك، أو المخبر يدق الباب، أو صاحب الضرائب قابلك وسلم عليك وابتسم ابتسامة صفراء، أو يكون عندك خمسة أولاد ونظرت في الرؤيا فوجدت زوجتك حاملاً، هناك أناس يخافون من هذا مع أن هذا خير وبركة. فالكابوس أو الرؤيا المزعجة لا تحكيها لأحد، وينبغي لك حين تقوم أن تتفل على يسارك ثلاثاً، أي: تنفخ وليس المعنى: تبصق، ثم تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، هذا في الرؤية المزعجة، ولا تكن كلما قابلت واحداً تقول له: أنا رأيت رؤيا مزعجة، لكن لا أريد أن أحكيها، بل لابد أن تنساها، وما قدره الله سوف يكون، سيدنا الحبيب ﷺ كان كلما صلى مع الصحابة الصبح يقول: (أيكم رأى رؤيا) فمن حظ الصحابة أنهم أول ما تقع أعينهم على وجه رسول الله ﷺ ، فما وقعت العينان على رؤية وجهه ﷺ إلا وفرحت، وانشرح صدر من يراه، وما رآه الحزين إلا وسر ﷺ . وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال لأصحابه في غزوة أحد: (رأيت كأن في سيفي ثلمة -أي: كأن في سيفي مكاناً مكسوراً أو مخدوشاً- وكأنني أدخلت يدي في درع حصينة، وكأن بقراً تذبح بين يدي، وكان أبو بكر جالساً فقال: أتأذن لي في تأويلها يا رسول الله؟! قال: أول يا أبا بكر! قال له: أما الثلمة فرجل من آل بيتك يقتل، وأما الدرع الحصينة فعودتك سالماً إلى المدينة بإذن الله، وأما البقر التي تذبح فقتلانا وقتلاهم، قال: هكذا نزل علي جبريل بتأويلها يا أبا بكر!). وهذا دليل على فضل أبي بكر ﵁، فقد قال عنه رسول الله ﷺ : (ما سبقكم أبو بكر بصلاة ولا صيام ولا زكاة، ولكن سبقكم بشيء وقر في قلبه).

стр. 501

فضل طلب العلم وطلابه قال رسول الله ﷺ : (من الشجر لشجرة كالرجل المؤمن، خبروني ما هي؟). فالمؤمن مثل شجرة من الأشجار كلها منافع، فقال عبد الله بن عمر وكان عمره سبع عشرة سنة: (فنظرت إلى وجه أبي -أي: هو عمر بن الخطاب - وإلى وجه أبي بكر فوجدتهما صامتين، فخطر ببالي أنها النخلة، ولكني رأيت الشيخين وقد هابا رسول الله فكيف لا أهابه أنا قال: فسكت، فقال الرسول ﷺ : هي النخلة)، وكاد أن يقولها عبد الله بن عمر، ولو قالها لفرح رسول الله ﷺ ، ليس كالمدرس في هذه الأيام، فلا تراه إلا وهو يقول لطالبه إذا أجاب: لن تفلح أو كذا، نسأل الله أن يهدي المدرسين والمدرسات الأحياء منهم والأموات، لأن الميت من مات قلبه، قال الشاعر: ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء إنما الميت من يعيش كئيباً كاسفاً باله قليل الرجاء فمن صفات العالم أن يرق حاله بالمسلمين، وأن يعاملهم كما يعامل أبناءه، فيكون طليق الوجه، لا يصرخ في وجه أحد بل يكون مؤدباً معهم وحنوناً وقدوة. إن صفات المريد بإيجاز قال فيها أهل العلم: أن يصير المريد بيد شيخه كالميت في يد المغسل يطيعه ويجله ويحترمه ويحبه في الله، وقد قلت سابقاً: إن الإمام الذي لا ترتاح له لا تصلِّ خلفه؛ لأنك تصلي وراءه وأنت تغتابه، والغيبة حرام، فما بالك عندما تكون الغيبة في الصلاة؟ فالغيبة في الصلاة أشد وأنكى. إذا وافقت أخلاق العالم أخلاق المتعلمين بارك الله في مجلس العلم، وهكذا التقى المعلمون والمتعلمون في هذا المجلس لمرضاة الله ، ولم يأتوا ليروا فلاناً ويسلموا على فلان ومشتاقين لفلان، وإنما أتوا لابتغاء مرضاة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة:١٨]. ويقول الله في الحديث القدسي: (أكاد أهم عذاباً بأهل الأرض فأنظر إلى المتزاورين في، وإلى المتحابين في، وإلى المتجالسين في، وإلى عمار بيتي فأرفع عذابي عن أهل الأرض). (ما من عبد يتطهر في بيته ويتوجه إلى بيت من بيوت الله إلا تبشبش الله في وجهه كما يتبشبش أهل الغريب عندما يعود إليهم غريبهم)، وقال رسول الله ﷺ : (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع). فنحن نريد النوايا أن تتغير، والنيات أن تكون صادقة، فلو كشف عنا الحجاب لرأينا الملائكة تحيط بمجلسنا، فإن لله ملائكة سياحين في الأرض يبتغون مجالس العلم، قال رسول الله ﷺ : (إن لله ملائكة تتعاقب فيكم بالليل والنهار) فمع غروب الشمس ساعة درس العشاء تنتظر ملائكة النهار وملائكة الليل وتحضر مجالس العلم، فيصعدون إلى ربهم ويشهدون لمن حضر مجلس العلم أنه قد حضر، (فيقول الله: وأشهدكم أني قد غفرت لهم). ويقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون:٩]. فالأزواج والأولاد أعداء لنا؛ لأنهم يلهوننا عن ذكر الله، فيكون الرجل مثل النحلة ينام بالليل متعباً، ويصبح الصبح ليبحث عن رزقه، وعندما تطأ أقدامي أي بلد أوربي أنظر إلى الناس وهم ذاهبون إلى العمل في الصباح ويعودون وهم منهكو القوى كل يوم، فلا أرى إلا حيوانات سائمة. فترى الأم تأتي بكلب، والأب يأتي بكلب، ويقعد الصديق مع صديقه الكلب ويكتب ثروته كلها للكلب، لكن المسلمين إذا عجز الطب عندهم ربط المريض أملاً بينه وبين ربه، فتراه يتوضأ ويصلي لله ويقول: يا رب! الأمل عندك، فيقول الله له: وأنا سوف أعطيك الشفاء من عندي. إذاً: سبب عدم وجود الأمراض النفسية هو الصلة بالله ، وإني أشكركم لأنكم استقبلتموني، فلست أنا صاحب فضل، بل أنتم أصحاب فضل علي؛ لأنكم تتركون أنفسكم لي لأزرع فيكم خيراً، فمن أفضل الناس من ترك نفسه لك لتزرع فيها خيراً، ومن أسوأ الناس من ترك إليك لتزرع فيها شراً، فأنتم أحب الناس إلى قلبي؛ لأنكم تتصدقون علي بنفوسكم كي أزرع فيها خيراً إن شاء الله. اللهم اجعلنا من الذي يستمعون القول فيتبعون أحسنه. إنك أيها المسلم! في يوم الجمعة تكون نشيطاً، فإذا ذهبت للعمل يوم السبت قل نشاطك، وفي يوم الأحد قل نشاطك أكثر، وفي يوم الإثنين بعد العصر تكون قلقاً وهكذا ضاع كل نشاطك، لماذا؟ لأن أهل العلم قاسوها وقالوا: إن القلب الذي يمتنع عن مجلس علم كل ثلاثة أيام يبتلى بالسقم ومرض البعد عن الله ، فلا تكفي جلسة علم من الجمعة إلى الجمعة، فلابد أن يكون هناك جلسة علم في وسط الأسبوع على الأقل، فحاول أن ترتب أمورك على أن يبقى لك درس علم عند أي عالم تثق به، ليس بمبتدع ولا مزيف، وإنما يقول: قال الله قال الرسول، يقول أمير المؤمنين علي ﵁ لابنه الحسن: زاحم العلماء بالمناكب، فإن رحمة الله لا تفارقهم لحظة. فلا تفرط في جلسات العلم أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن القلب تعتريه حالات فتقل الشحنة فيه ويقل الإيمان.

стр. 502

الحث على تعاهد كتاب الله والإكثار من العمل الصالح التقى أبو بكر ﵁ بـ حنظلة غسيل الملائكة، فقال له أبو بكر: كيف حالك يا حنظلة؟! قال: والله قد نافق حنظلة يا أبا بكر! قال له: لماذا؟ قال: نكون مع رسول الله ﷺ فنشعر أننا نطير في السحاب، فإذا عدنا إلى بيوتنا عافسنا الأزواج والذرية والطعام والشراب فعدنا إلى ما كنا فيه. قال له: وأنا كذلك يا حنظلة! أبو بكر أصبح منافقاً من وجهة نظره؛ لأننا منذ قليل قلنا: حسنات الأبرار سيئات المقربين. فدخل الاثنان على رسول الله ﷺ وقالا: نافقنا يا رسول الله! لكن رسول الله ﷺ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] فما من مسلم يشاك بشوكة إلا يجد ألمه في قلبه ﷺ ، وقال ﷺ لجبريل: (يا جبريل! من لأمتي من بعدي؟ فسأل جبريل ربه فقال: نبئ محمداً أننا لن نسوءه في أمته وسوف نرضيه، فقال: لا أرضى وأحد منهم في النار، يقول الله : يا جبريل نبئه أن كل من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله لن يخلد في النار). أي: لا يدخل الجنة مباشرة، فإن كان عليه عقوبات يقضي مدة العقوبة نسأل الله أن يدخلنا وإياكم الجنة بدون سابقة عذاب، من كرمه وفضله ومنه وجوده. عاملنا بفضلك يا ربنا! ولا تعاملنا بعدلك. فقال رسول الله ﷺ لـ أبي بكر وحنظلة ﵄: (يا أبا بكر! يسروا ولا تعسروا، يا أبا بكر! لو أنكم تدومون على ما تكونون به عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولزارتكم في بيوتكم). يعني: لو أن هذه الحالة الإيمانية تبقى عالية جداً لكانت الملائكة تقابلكم في الطريق وتسلم عليكم وتزوركم في بيوتكم، قال: (ولكن يا أبا بكر! ساعة وساعة) يعني: ساعة مع إيمان عال جداً، وساعة مع الدنيا وما فيها. لكن المصيبة أن نقول: ساعة لربك وساعة لقلبك، والله يا مسلم إن أربعاً وعشرين ساعة تكون لقلبك، وتبحث عن وقت لربك فلا تجد إلا الصلاة تصليها ولا تزال مشكوكاً في أمرها. قال الصحابة: كان عمر يخفف بنا في صلاة المغرب والعشاء -وهو أمير المؤمنين يصلي بهم- فكان يقرأ من مائة إلى مائة وخمسين آية من سورة البقرة ويقول: لقد خففنا كما أمرنا الرسول ﷺ ، أما نحن ففي رمضان تجد المصلين يقولون للإمام: كن رحيماً وخفف قليلاً، وتراهم يحفظون الأحاديث فيقول أحدهم: (الطبق يستغفر للاعقه)، ويقول رسول الله ﷺ : (من صلى بالناس فليخفف) فليخفف بالنسبة لتخفيفك أنت أم تخفيف سيدنا عمر أم تخفيف الحبيب المصطفى ﷺ ؟ يقول: (كان ﷺ يخفف في صلاته، فكان بلال يقيم صلاة الظهر، فنترك أعمالنا، فنذهب إلى البقيع لقضاء الحاجة، ثم نتوضأ وندخل المسجد فندرك الرسول ﷺ في الركعة الأولى) هذا هو التخفيف، والمصيبة أنه يرد عليك ويقول: يا أستاذ! هذا زمن غير الزمن الأول، فكن حلواً! جاء رجل في العام الماضي بعد يوم عشرين من رمضان فقال: ماذا يا مولانا! خير؟! فقلت له: خيراً إن شاء الله، قال: أنت نسيت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] أم ماذا؟ لقد كنت حسناً عندما كنت تقرأ آيتين وتقلب، ثم تقرأ آيتين وتقلب، فقلت: ماذا ستقلب يا بني؟! حتى الأسلوب نفسه لا أدب فيه، وكأنه يشتم. فهذا الشخص لو عرف الفائدة التي في سورة الإخلاص لما قال ذلك، إن الحرف في كتاب الله عشر حسنات، فعندما تقول: الم، يعني: ثلاثون حسنة، وتقول: بسم الله الرحمن الرحيم فيها تسعة عشر حرفاً، وعدد زبانية جهنم تسعة عشر ملكاً، ويقولون: إن الذي ينطق البسملة، فكل حرف يمنع عنه واحداً من زبانية جهنم، وهذا من ملح التفسير وليست من أصول العلم. إن الله يقول: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١] فالصبح مثنى، والمغرب ثلاث، والعشاء والظهر والعصر أربعاً أربعاً، فيقولون: الذي يواظب على الصلاة ويصلي الصبح فكأنما يصير ملكاً من الملائكة له جناحان, والذي يحافظ على المغرب جيداً يصير كأنما هو ملك له أجنحة ثلاثة، ومن صلى الرباعية فكأنما صار ملكاً له أربعة من الأجنحة. أقول: هل هناك أحد يكره أن يكون ملكاً؟ يقول الرجل: هذا ابني مثل الملك، من أخلاقه وهدوئه وأدبه. فحرف في المصحف بعشرة والصلاة بمائة، يقولون لـ أبي حنيفة: في كم تختم القرآن يا أبا حنيفة؟! قال: في الصلاة أم في خارج الصلاة؟ فهو استغرب من السؤال فانظر إلى الرد، يريد أن توضيح السؤال، يقولون له: أنت تختم القرآن في كم؟ قال: في الصلاة أم خارج الصلاة؟ قالوا له: في الصلاة، قال لهم: في صلاة الليل أم في صلاة النهار؟ فهذا هو العالم الذي يصلى خلفه، ليس أيَّ عالم يأتي ليؤدي واجباً ويذهب. قالوا: في صلاة الليل، قال: في الليلة أصلي بعشرة أجزاء، فأختم المصحف في صلاة الليل كل ثلاثة أيام مرة. عاش أبو حنيفة من سنة (٨٠هـ) إلى سنة (١٥٠هـ) أي: عمر سبعين سنة، فكان يقوم نصف الليل وعمره عشر سنين، واستمر على ذلك حتى أصبح عمره ثلاثين سنة، فكان عبد ينام العشاء ويقوم في نصف الليل يصلي حتى الفجر. وفي السنوات الباقية من حياته كان يتوضأ العشاء ويصلي بها صلاة الصبح بالمسلمين، حتى لا يلقى الله منافقاً يوم القيامة. قالوا للحسن البصري: كيف تختم القرآن؟ قال: أختم المصحف في كل جمعة مرة، وفي كل شهر مرة، وفي كل سنة مرة، وفي عمري مرة، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: أختمه في كل جمعة مرة قراءة ترتيل، وفي كل شهر مرة، أتمهل في القراءة كل يوم من أجل يبدأ التدبر. ويختمه في عمره مرة كلما يمر على آية يتوقف عندها، وينظر ما هو الحلال وما هو الحرام، وما هو المحكم وما هو المتشابه، والمختلف في التفسير. قال الحسن البصري لـ ابن سيرين: والله أراك تفسر الرؤى كأنك من آل يعقوب، يعني: كأنك من سلالة يوسف. فقال له ابن سيرين: وأنا أراك تفسر القرآن كأنما رأيت التنزيل مع رسول الله ﷺ . فنريد أن نقول: إن مجالس العلم خير كلها، ولا شيء يعدل مجلس العلم، فقد ثبت على مر السنين إخوة كثيرون كانوا معنا، وصلتهم يد الردى وصاروا تحت أطباق الثرى، ورآهم إخوة نحسبهم على خير، -وإن كان هذا لا يقعد قاعدة- لكن أقول: إن هذه من ضمن الرؤى التي تدل على أن إخواننا الذين نحسبهم على خير رءوا إخوانهم الذين سبقوهم يقولون: قولوا لفلان أن يطيل قليلاً في دروس العلم؛ لأننا وجدنا فيها الخير كله. نسأل الله أن يجعلها خالصةً لوجهه الكريم، وأن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

стр. 503

الصلاة فضلها وتغليظ عقوبة تاركها أولاً: تحدثنا عن الصلاة، وكيف أن الله توعد الذي يسهو عن صلاته، وكيف أن الله لا يقبل الذي يسهو في صلاته، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥]. قال أهل العلم: من السهو عن الصلاة: أن يجمع الظهر مع العصر، أو العصر مع المغرب، أو المغرب مع العشاء بدون عذر، فإنما يدخل يوم القيامة وادياً يسمى وادي ويل، هذا الوادي تستعيذ النار منه كل يوم مائة مرة من شدة حره. فقال أحد الصحابة لـ عمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين! فما بالك بمن لا يصلي؟! قال: قال رسول الله ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر). وقال ﷺ : (الصلاة عماد الدين، من أقامها أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين). وقال ﵊: (من أسبغ وضوءه، وأتم ركوعها وسجودها، لفت كما يلف الثوب الأبيض، وترتفع إلى الله قائلة لصاحبها داعية: حفظك الله كما حفظتني، ومن لم يسبغ وضوءها، ولم يتم ركوعها ولا سجودها، تلف كما يلف الثوب الخلق، ويضرب بها وجه صاحبها وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني). وقال: (ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رأسهم شبراً، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: عاق لوالديه)، فالعاق لوالديه يحافظ على الصلاة في جماعة، فيقول الله: قبلت صلاة الجماعة إلا صلاة فلان، فيقول: لماذا يا رب؟! يقول الله: عاق لوالديك، والعقوق حده كلمة أف، فكم تسمع كلمة أف من ولدك في اليوم؟ ففي الأكل ستمائة أف، سبحان الله! وهناك عقوق من نوع آخر، وهو عقوق الوالدين لأولادهم، دخل رجل على أمير المؤمنين عمر وقال: يا أمير المؤمنين! ولدي يعقني، فدعا عمر ولده وقال: يا فلان! لم تعق أباك؟ قال: يا أمير المؤمنين! قال ﷺ : (تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس) فاختار أبي أمة تزوج منها فأنجبتني، فأنا أعير بها أمام أصحابي. وتجلى أن امرأة فنانة مطربة، سألوا ابنها: هل أنت سعيد أن والدتك فلانة؟! قال: بالطبع، الحمد لله أن أمي فلانة، أنا فخور بها، ولو لم أكن ابنها لتمنيت أن أكون ابنها. فمن حق ابنك عليك قبل أن يخلق أن تختار له الأم الصالحة. ثم قال عمر: وماذا بعد؟ قال له: إن الرسول ﷺ يقول: (علموا أبناءكم القرآن) وأبي ما علمني، فانظروا إلى هذا الذي يبحث عن حقوقه. فقال عمر: وماذا بعد؟ قال: (أحسنوا تسمية أبنائكم) وأبي سماني جعراناً. جعران وخربوش وخيشة وحمار وقط وحيوان وخروف، وكأن الأسماء انعدمت، لقد كان في الزمان القديم عندما يريدون أن يلاعبوا أولادهم يقول الواحد منهم: سيدة أبيها، وسيدة الأهل، وعين أبيها دخلت، وعين أبيها خرجت، ومنهم من يقول: أنا عندي سيدة الناس، وهذا أحسن من سيسي وميمي وفيفي، وهناك سيدة محترمة عمرها سبعون سنة اسمها (ميمي هانم). قال: أحسنوا تسمية أبنائكم، وأبي سماني جعراناً، فأعير به أمام أصحابي، قال عمر: يا هذا؟ أنت عققت ولدك وولدك لم يعقك، أي: يقول: إن العقوق انقلب الآن. ومن العقوق أيضاً: أن البنت يهديها الله وتتحجب، وتلبس خماراً، فيعترض الأب والأم، وهذا عقوق من الوالدين. ويتقدم لها زوج صالح لا يرضون به؛ لأنه ملتحٍ، أو صاحب مساجد، ويقولون عنه: هؤلاء الذين هدموها، هؤلاء الذين خربوها! فمن الذين عمروها؟! نحن لنا أربعون سنة أو خمسون سنة لم نعمرها؟ أبداً، إنما الذي يعمرها هم الشباب الصالح، قال النبي ﷺ : (إن الشاب الذي ينشأ في طاعة الله يباهي الله به ملائكته). يأتي الله بالأغنياء وبالفقراء وبالشباب يوم القيامة، هؤلاء الثلاثة أصناف الذين لم يطيعوا الله سبحانه، فيقال: أنتم يا أغنياء! ما منعكم أن تصلوا وتصوموا؟ فيقولون: شغلتنا أموالنا يا ربنا! فيقال: أأنتم كنتم أغنى أم سليمان بن داود؟ يقولون: لا، سليمان كان أغنى، فيقول الله: ما شغله غناه عن ذكري لحظة. ويقول للشباب: أأنتم أجمل شباباً وفتوة أم يوسف؟! يقولون: بل يوسف، فيقول الله: ما شغله شبابه عن ذكري. فيقال: وأنتم يا فقراء؟ فيقولون لم نجد ما نأكل، كنا نركض وراء لقمة العيش، فيقال: أأنتم أفقر أم عيسى ومحمد؟ فيقولون: بل عيسى ومحمد، قال: ما شغلهما فقرهما أبداً عن ذكري لحظة. إذاً: أصبح الرسل علينا حجة، ولذلك قال رسول الله ﷺ في الصلاة: (من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً، ومن لم يحافظ عليها حشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف)، ذكر رسول الله ﷺ هؤلاء الأربعة المجرمين لأن الذي يشغلك عن الصلاة إحدى هذه الأربع: الملك، الوزراة، الغنى، التجارة، فمن شغله ملكه عن الصلاة فهو مع فرعون والعياذ بالله رب العالمين. ومن شغلته وزارته فهو مع هامان، ولذلك جمعهم الله في قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:٨] فالجندي يقول: أنا مسكين وعبد مأمور، وستظل عبداً مأموراً إلى متى؟! كن عبداً لله، ولا توطئ هامتك إلا لله؛ فمن دخل على غني أو على عظيم فتضعضع له لغناه أو لعظمته فقد ذهب ثلثا دينه. فعليك ألا توطئها إلا لله ، ولأهل التقوى والاستقامة وأهل العلم، هؤلاء الذين نحترمهم ونجلهم، ولكبار السن أيضاً، فأول ما تنظر إلى شخص قد شاب رأسه فكن مؤدباً معه في الكلام، ولا ترفع صوتك عليه، بل ضعه في منزلة والدك. دخل رجل على أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك فقال هشام: عظني أيها الرجل؟! قال: يا أمير المؤمنين! اتخذ كبير المؤمنين أباً، وأوسطهم أخاً، وأصغرهم ابناً، فبر أباك، وصل أخاك، واعطف على ابنك. فالحاكم يكون كبير السن أباً له يبره، والذي مثله في السن أخوه فيصله، والذي أصغر منه ابنه يعطف عليه، فالأمور بهذه الطريقة ستستقيم. فإن قيل: الذي يسرح في صلاته ماذا يفعل؟ الجواب لنتخيل أنك شاعر، والشاعر هذا مرهف الحس، ويحب أن يؤلف الشعر في جو رومانسي، كذلك الفنان نفس القضية، تخيل أن هذا الشاعر يريد أن يقول قصيدة أو يؤلف قصيدة، أو الفنان يريد أن يعمل شيئاً، أو المخترع يريد أن يخترع شيئاً، فجاء تحت شجرة عليها عصافير، وكلما يفكر في الموضوع فإن صوت العصافير يشغله، فيخرجه من التفكير الذي هو فيه، فيشد نفسه ويعود إلى الفكرة مرة أخرى وإذا بصوت العصافير يشغله، فهنا يختار أحد الأمرين: إما أن يترك المكان، وهو لا يستطيع أن يترك المكان، أو يقطع الشجرة، ولو قطع الشجرة فإن العصافير ستهرب، فيأتي آخر ويقول: صدر قرار جمهوري بمنع قطع الشجرة. فيقول أهل العلم: شجرة الشهوات عليها عصافير الهوى، فشغلتك عن الله في الصلاة، ومن أجل أن تكون صادق النية وفكرك مع الله اقطع شجرة الشهوات لتقع عصافير الهوى ويصير قلبك مع الله.

стр. 504

فضل الزهد والورع والتقوى يقول الإمام علي ﵁: غرس الزهد بقلبي شجرة، فالزهد زرع في قلب سيدنا علي شجرة، حتى وإن كان أغنى الأغنياء فهو زاهد، حتى وإن كان يملك الملايين لكنه زاهد، والشخص لا يوجد معه شيء لكنه شره ليس بزاهد، هناك نوعيات هكذا، قال الإمام علي ﵁: غرس الزهد بقلبي شجره ثم نقى بعد جهد حجره وسقاها إثر ما أودعها كبد الأرض بدمع فجره وإذا ما رأى طيراً مقبلاً حائماً حول حماها زجره نمت في ظل ظليل تحتها روح القلب ونحى ضجره ثم بايعت إلهي تحتها بيعة الرضوان تحت الشجره كلام سيدنا علي كلام عالم، إذ جعل الزهد بقلبه شجرة، ثم أنزل الأشياء السيئة التي عليها، ورقق القلب بالبكاء والخشية والتباكي، ولما رأى الطير مقبلاً صاحب هوى ودنيا وحرص وبعد عن الله، أخذ يطرده حتى تكون الشجرة صافية وسليمة، فلما كان كذلك، بايع الله هناك تحت الشجرة كما بايع صحابة رسول الله ﷺ في بيعة الرضوان. جاء رجل فقال: يا علي! عندي مرض، قال: ما مرضك؟ قال له: البعد عن الله، قال له: عليك بعروق الصبر، وعصير التواضع، وضع ذلك في إناء التقوى، وأوقد عليه بنار الحزن، واسكب عليه من ماء الخشية، وتمضمض بالتقوى والورع، وأبعد نفسك عن الحرص والطمع، تشف من مرضك بإذن الله. فهذه الوصفة: تقوى، وتواضع، وصبر، وتوكل، وصدق نية، وحزن على ما مضى من الذنوب، ليس حزناً على الأرض التي ضاعت. دخل رجل أسود على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! قرأت في القرآن: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] أيمنعني سوادي من دخول الجنة؟ فتبسم الحبيب ﷺ وقال: (بل أنت في الفردوس الأعلى)، ففاز بها هذا هذا الرجل الأسود؛ لأنه كان يريد أن يطمئنه من الحبيب المصطفى ﷺ ، فقال له: أنت في أعلى درجة. ولذلك الأم لما وجدت ابنها في أحد قالت له: يا رسول الله! حارثة ابني في النار فأبكي عليه الدهر كله، أم في الجنة فأصبر واحتسب! انظر إلى الأم العاقلة، إن كان في النار فسأبكي عليه، وهذا صحيح، لأن نهايته سيئة، وإن كان في الجنة فلماذا أبكي عليه؟! فقد انتقل من دار إلى دار التكريم، قال: (إن الجنة درجات، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى منها يا أم حارثة). وأم قتادة ﵂ كانت بعد أن يغادر الصحابة المسجد تقوم بتنظيفه، فعندما كان الرسول ﷺ ماشياً في البقيع وجد قبراً جديداً، فقال: (قبر من هذا؟ قالوا: يا رسول الله! قبر أم قتادة، قال: ولم لم تعلموني بها؟ قالوا: يا رسول الله! ماتت في حر الظهيرة أمس، وخشينا عليك من شدة الحر، قال: أما علمتم أن من صليت عليه صلاة الجنازة وجبت له شفاعتي يوم القيامة؟! فصف الصحابة صفوفاً وصلى ثم قال: يا أم قتادة! السلام عليك ورحمة الله، أي الأعمال خيراً وجدتِ عند ربك؟ ثم أطرق بأذنه، وقال: أتسمعون ما أسمع؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: لو سمعتم ما أسمع لسمعتم أم قتادة تقول: خير ما وجدت عند الله في كتاب حسناتي تعمير بيوت الله . فتعمير بيوت الله يكون بالزيارة والنظافة والتعبد فيها، فلا يدخل المسجد من أجل أن يسرق أو يفتري، ولا يدخل الجامع من أجل أن يؤذي، أو يدخل الجامع من أجل أن يجعل المسجد وسيلة ارتزاق أبداً، ومادام العالم والمتكلم والمحدث يأخذ أجراً على ما يقول فإنه يشك في علمه، إلا إذا لم تكن له إلا هذه المهنة، لكن يجب أن يكون متواضعاً وقنوعاً وراضياً بالقليل وسيبارك الله له. لكن المساجد ليست وسيلة ارتزاق، وإنما هي بيوت الله ، يجب أن نعمرها بالتقوى وبالإيمان والعمل الصالح.

стр. 505

الثلاثة الذين لا يقبل الله صلاتهم إن أول الثلاثة الذين لا يقبل الله صلاتهم: عاق لوالديه، وتعرفون الصحابي علقمة الذي لم يستطع أن ينطق الشهادتين، فقال رسول الله ﷺ : أله أم؟ قالوا: نعم، يا رسول الله! فأتوا بها فسألها رسول الله ﷺ : ما لـ علقمة يموت لا يستطيع أن ينطق الشهادتين؟ قالت: يا رسول الله! كان إذا أتى بالأكل يدخل على زوجته أولاً. فقال لها: ارضي عنه يا أم علقمة! قالت له: لا يا رسول الله! فكرر رسول الله ﷺ ذلك، فقالت: لا يا رسول الله! قال: يا بلال! يا أبا الدرداء! يا أبا ذر! يا عمر! اجمعوا حطباً، قالوا: لماذا يا رسول الله! قال: نحرق علقمة، فرق قلب أم علقمة، فقالت: رضيت عنه يا رسول الله! فذهبوا إلى علقمة فوجدوه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. والثاني: مدمن الخمر، والمخدرات كالخمر، كذلك البريل، فإنهم قد حللوها ووجدوا فيها نسبة من الكحول، فلا يجوز شراء البريل، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، فالبيرة والبريل هي مثل الخمر تماماً، وقد قال رسول الله ﷺ : (ما أسكر كثيره فقليله حرام) فقد يقال: هذه تباع في السعودية، فنقول: وهذا هو مصدر الشك، فقد شككت فيها حين علمت أنها تباع في السعودية فأخذناها إلى المعمل فقالوا: بيرة. فإن قيل: إن البيرة مفيدة لغسيل الكلى، فنقول: إن علماء الطب يقولون: إن هذه البيرة تقوم بغسل الكلى أولاً، ومن ثم تعمل ترسبات فيها -والعياذ بالله رب العالمين- ثم على المدى الطويل تصيب الشخص بفشل كلوي. وأضف إلى ذلك مدمن التدخين، ففي مصر يدخن سكانها كل يوم بمليوني جنيه سجائر، بلاد أثقلتها الديون وشعبها يدخن بمليوني جنيه سجائر، وللأسف الشديد الذي لا يدخن في مصر يدخن بالرغم عن أنفه ثلاث عشرة سيجارة كل يوم، والمصيبة أن الذي يدخن يأخذ سمومها مباشرة منها، والذي لا يدخن يأخذ سمومها عن طريق الاستنشاق. وإن النبي ﷺ يقول: (لا ضرر ولا ضرار) فأنت أيها المدخن! تنشر الفساد في الأرض، كذلك إن كنت غنياً وتدخن فأنت مسرف، والمسرفون إخوان الشياطين، وإن كنت فقيراً فأنت سفيه، والله يقول: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:٥] فإذا وجدت شخصاً يدخن فلا تتصدق عليه. ولكي تعرف من غير إثباتات أن السجائر حرام من شربك لها دون أن تقول: باسم الله، لكنك في الأكل تقول: باسم الله، وعندما تدخل بيتك تقول: باسم الله، وهل قد تصدقت على شخص بسيجارة وقلت له: هذه السجارة؟! وهل ستلقى ذلك في ميزان الحسنات؟! والثالث: الديوث: وهو الذي علم القبح على أهله ويسكت عليه، كأن تكون زوجته متبرجة، وابنته بلغت الحلم وهي متبرجة، فهو يعلم أن الشر في أهله ويسكت على ذلك، فهؤلاء لا ترتفع صلاتهم فوق رءوسهم شبراً. ويضاف إلى هؤلاء المخاصم لأخيه، أو المقاطع لرحمه، كأن يكون مقاطعاً لعمته ولخالته وأخيه المسلم، ويأتي ببراهين وحجج حتى نقول له: معه حق، فقد ورد في الحديث: (أن الرحم تعلقت بجدار العرش، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا يكفيك أن من وصلك وصلته، وأن من قطعك قطعته). أيها الإخوة الكرام! يجب علينا أن نحافظ على الصلاة؛ لأنها هي التي بقيت الذي بقيت لنا في الدين، فنصلي بثقة وخشوع، لله ، ونتم ركوعها وسجودها، ونكثر من صلاة الجماعة في المساجد، أما النوافل فهي في البيوت، وعندئذ يتقبل الله منا صلاتنا. اللهم تقبل منا صلاتنا وعبادتنا، اللهم اقبلنا وتقبلنا، اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل يا ربنا بيننا شقياً ولا محروماً، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، اللهم أكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وصلنا بك ولا تقطعنا عنك، واطرد عن أبنائنا وبناتنا وذرياتنا وأزواجنا وزوجاتنا شياطين الإنس والجن. اللهم عمر بذكرك بيوتنا آناء الليل وأطرف النهار، واجعلنا من البيوت الذاكرة لك يا أكرم الأكرمين! واجعلنا من الذين إذا سمعوا أحسنوا فيما سمعوا وطبقوا ما سمعوا يا أكرم الأكرمين! وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 506

سلسلة مقتطفات من السيرة [٢٣] يقول النبي ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) فيجب على المؤمن أن يتابع الرسول في كل صغيرة وكبيرة سواء الصلاة أو نحوها من العبادات، ومن أهم الأشياء التي يجب معرفتها في الصلاة، صلاة الجماعة وكيفية التعامل مع الإمام، وما يجوز في الصلاة وما لا يجوز.

стр. 507

التحذير من البدع واللعب بالدين أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. اللهم لا تدع لنا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً رحمته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا قطعته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا شيطاناً إلا طردته. اللهم اطرد عن بيوتنا شياطين الإنس والجن، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، اللهم اجعل هذه الجلسات في ميزان حسناتنا يوم القيامة، اللهم ثقل بمجالس العلم موازيننا يوم القيامة، اللهم أظلنا بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك معافين غير فاتنين ولا مفتونين، وغير خزايا ولا ندامى ولا مبدلين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد: هذه بمشيئة الله هي الحلقة الثالثة والعشرون من سلسلة حديثنا عن السيرة العطرة على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التسليم من رب الأرض والسماوات. روى الإمام الدارقطني وابن حبان في صحيحه أن سويداً الأسدي رضوان الله عليه قال: (كنت سابع سبعة وفدنا على رسول الله ﷺ يعني: معه إخوته الستة وهو سابعهم، دخلوا على سيدنا الحبيب ﷺ : (فقال: من القوم؟ قالوا: نحن المؤمنون) يعني يفتخر أنه مسلم، ولا يحرج من الناس أن يقول: والله أنا أحضر درس علم؛ لأن الذين في المكتب يقولون له: نحن عندنا فيديو، ومسرحية في الموضوع الفلاني، وهو كذلك لا يحرج، بل العكس، يجب أن يعتز بإيمانه ويحمد الله على هذه النعمة؛ لأن نعمة الإيمان لا تساويها نعمة، حتى قيل: أيما رجل أو امرأة حفظ كتاب الله، ثم ظن أن أحداً أعطي خيراً منه فقد استقل نعمة الله عليه، لكن المصيبة أن يحفظ العبد القرآن ويتاجر به، ويأخذ القرآن ويجعله وسيلة من وسائل التجارة، والمسلم من الواجب عليه دائماً أن يستغل نعم الله في منفعة عباد الله، حتى قالوا: إن الذي يأخذ على القرآن أجراً والعياذ بالله لا ثواب له فيما قرأ. ثم الكارثة الكبرى في البدعة التي تحدث حول قراءة القرآن، تجد في دور المناسبات العشرات جالسين يكتمون أنفاسهم من رائحة الدخان التي تنبعث من داخل الدار، بل إن المسجد فيه ملائكة تحضر مجالس الذكر، وأشك -والعياذ بالله- أن تكون دور المناسبات فيها الملائكة؛ لما يحدث فيها من المظاهر الكاذبة والسرقات والفوضى، وأتمنى من الذي يكتب لنا تقريراً أن يتقي الله في كتابته، ونحن لا نخاف إلا من الله ، لكن القضية أن دور المناسبات عبارة عن عنوان للبدع التي سوف يجد الإنسان فيها كلاب النار والعياذ بالله! كما قال ﷺ : (أهل البدع هم كلاب أهل جهنم). أهل البدع الذين يخترعون في الإسلام اختراعات ليست في الكتاب ولا في السنة، هؤلاء والعياذ بالله كلاب على أهل جهنم في جهنم، نسأل الله السلامة لنا ولكم. يقرأ قارئ من الناس القرآن والناس يتكلمون ولا يبالون، القرآن يقرأ وكل شخص يتحدث مع الثاني وكل هذا الإنفاق من مال اليتيم أو الصغار الذين مات أبوهم، يأتي عمهم ويصرف أربعمائة أو خمسمائة جنيه أو ما كثر أو قل على قدر الحاجة، ثم إذا به يطالب اليتامى بمصاريف الجنازة، ويقول: إنني أعطيت صاحب المحل مائة، والمقرئ أخذ أربعمائة، ودار المناسبات أخذت مائتين، وصاحب القهوة أخذ أربعين، والعمال أخذوا إكرامية على الرجل الذي مات! فصار الموت صورة من صور التجارة! وللأسف الشديد أن المصريين آلوا على أنفسهم أن يدخنوا قبل أن تأتي علامات الساعة الكبرى وإن من علامات الساعة الدخان كما في سورة الدخان، وقد ذكرنا أن علامات الساعة الكبرى ست وهي: طلوع الشمس من مغربها، ثم ظهور الدابة، ثم ظهور الدخان، وهو دخان يغشى الناس كما في سورة الدخان، قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ﴾ [الدخان:١٠ - ١١] فهو دخان مظلم، ما هذا الدخان يا رسول الله؟ قال ﷺ : (يأتي على رأس المؤمن كالزكمة) أي: كالزكام في الشتاء، وعلى رأس الكافر والفاجر والمنافق قال: (كنيران تغلي) نسأل الله السلامة، يكون به دوخة من صعوبة هذا الجو الصعب، هذا من ضمن علامات الساعة الكبرى، نسأل الله السلامة. كذلك ظهور المسيخ الدجال، وكان النبي ﷺ يحذر صحابته منه ويقول: (إن ظهر وأنا بينكم فأنا حجيجه دونكم)، يعني: أنا أكفيكم مشكلته لا تخافوا، (وإن ظهر من بعدي فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مؤمن) يعني: الله سيحافظ على المؤمنين الباقين على الإيمان، الذين لا تزلزلهم العواصف ولا القواصف، لأن اعتمادهم على الله . المسيخ الدجال أكثر أتباعه اليهود والمنافقون والنساء، سبعون ألف من يهود أصبهان، والمنافق الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام والعياذ بالله! والنساء لضعف عقولهن، يقول النبي ﷺ : (حتى يعود الرجل إلى بيته فيربط أمه وأخته وزوجته وابنته مخافة أن يخرجن فيتبعن المسيخ الدجال). أما صفته: فقال النبي ﷺ : (رجل جعد قطط)، أي: رجل طويل شعره جعد (له عين طافية كالعنبة)، أي: له عين بارزة إلى الخارج، شكلها مثل العنبة (المؤمن يقرأ على جبهته كافر)، يعني المؤمن ينظر إلى صورته فيقرأ على جبهة: كافر، قال: (يقرأ المؤمن عليه فواتح سورة الكهف)، أربع آيات من أول الكهف. ولذلك مما ينبغي للمسلم ليلة الجمعة ويوم الجمعة أن يقرأ سورة الكهف، فعندما تقرأ فواتح سورة الكهف لن يسلط عليك بإذن الله، فهو معه قوة سحرية وإمكانيات يستطيع أن يؤثر بها في الناس! ولذلك ذكر النبي ﷺ أن السماء لا تنزل مطراً لأنه لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، حيث يتقاتل الناس فلا يدري القاتل لم قتل، ولا المقتول فيم قتل، يسأل القاتل: لم قتلته يا أخي؟ قال: لا أعلم، ويسأل المقتول: لم قتلت يا فلان؟ كذلك تظهر الفاحشة وترتكب علناً في الطريق والعياذ بالله يعني: مقدماتها ظاهرة. إذاً: المسيخ الدجال لا ينزل المطر من السماء في وقته، والأرض لا تخرج النبات، إذاً: لا يوجد أمن غذائي، وهذه أكبر فتنة يتعرض المسلمون لها، فتنة صعبة، فينظر الدجال إلى السماء فيقول لها: يا سماء! أمطري، فتمطر، ويا أرض أنبتي! فتنبت الأرض زرعاً، ويقول: إن معي جنة وناراً، من آمن بي أدخلته الجنة، ومن كفر بي أدخلته النار، وجنته نار، وناره جنة، فجاء الرجل الأعرابي ودخل على سيدنا الحبيب ﷺ فسمعه يذكر الدجال، قال: لابد أن أكلمه، فمنعه سيدنا عمر وقال له: اسكت، إن الرسول حزين على المسلمين الذين بعثهم في سرية وغدر بهم المشركون وقتلوهم، فيقول الأعرابي: لابد أن أكلمه ولن أتركه حتى يضحك، فدخل على سيدنا الحبيب، وقال: (سمعتك تقول: إن المسيخ الدجال يأتي ولا طعام في الأرض، أفأدعي أنني قد آمنت به فأضرب في ثريده بيدي حتى تمتلئ بطني ثم أكفر به مرة أخرى؟ فضحك النبي ﷺ وقال: بل يطعمك الله بما يطعم به عباده المؤمنين) أي: لا تخف إن الله سيغنيك من فضله، قال: إن الله يطعم المؤمنين يومئذ بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، يلهمونه كما يلهمون النفس، يقول: سبحان الله ويشبع، الحمد الله ويشبع، فيستغني عن المسيخ؛ لأنه مع الله رب العالمين. فيظل المسيخ يعيث فساداً في الأرض، فينتشر في بقاع الأرض، إلا أماكن ثلاثة فهو ممنوع من دخولها، وهي مكة والمدينة، وبيت المقدس، ويقف على حدود المدينة، فيخرج إليه المنافقون منها؛ لأنه يوجد منافقون في المدينة، وهناك منافقون في مكة، فهؤلاء يخرجون إليه ويسمعون له، فتنفي المدينة خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد. وبعضهم يقول لك: أرض السعودية المقدسة، والأرض المقدسة إنما هي مكة والمدينة وبيت المقدس، ولها حدود وضحتها الكتب، وأنت داخل على مكة تعرف أن هذا بداية أرض الحرم التي لا يجب أن نقتل صيدها، ولا أن نقطع حشيشها، أي: النبات الذي فيها، ولا أن نغلو فيها، والسيئة فيها مضاعفة، والحسنة فيها مضاعفة. يمكث المسيخ الدجال في الأرض أربعين يوماً، والناس يكونون في شدة الكرب حتى ينزل المسيح ابن مريم ﵇ عند المنارة الشرقية شرقي دمشق، ثم بعد ذلك يعرفه الناس، فيدخل على المسلمين في المسجد، فتقام الصلاة ويقدمه إمام المسلمين للصلاة فيقول: كلا، إنما جئت تابعاً لمحمد، فيصلي سيدنا عيسى مأموماً خلف إمام المسلمين. ثم يتتبع المسيخ الدجال حتى قال ﷺ فيما رواه الإمام مسلم: (يلقاه على باب لد) واللد: هذه مدينة في فلسطين، فعندما يراه المسيخ الدجال يذوب كما يذوب الملح في الماء، فيقتله هناك. ثم يظهر يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، وينهد السد الذي عمله ذو القرنين، ينساحون بعد ذلك في الأرض، ويشربون بحيرة طبرية، -وهي في فلسطين، ماؤها عذب- وينشرون الفساد في الأرض، فعندئذ يدعو المسلمون وراء سيدنا عيسى، فالله يقول لعيسى: يا عيسى! حرز بعبادي جانب الطور، وكل عباد الله يذهبون ناحية جبل الطور في صحراء سيناء، عندئذ يدعو عيسى ومن معه على هؤلاء القوم الذين هم يأجوج ومأجوج، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون كلهم أمواتاً، فعندئذ يملأ نتنهم الأرض؛ لأنهم آلاف مؤلفة وأعداد كبيرة لا يعلم عددها إلا الله، تأتي طيور لها أعناق كأعناق ا

стр. 508

شرح حديث سويد الأسدي فسيدنا سويد الأسدي قال: (كنت سابع سبعة وفدنا على رسول الله ﷺ فقال: من القوم؟ قلنا: المؤمنون فقال: لكل شيء حقيقة وفي -رواية أخرى- لكل حق حقيقة فما هي حقيقة إيمانكم قالوا: خمس عشرة خصلة، خمس آمنا بها، وخمس عملنا بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية إن شئت أبقيناها وإن شئت تركناها)، انظر إلى الأدب عند هؤلاء! والمعنى: إن وجدتها صواباً أبقيناها، واليوم بعض الناس يقول لك: أنا أصلي، لكن الغيبة لا أستطيع أن أتركها، خذ الإسلام كله، إن الإسلام كله دستور عمل، قولوا: سمعنا وأطعنا، لا تأخذ الشيء الذي تهواه وتترك الشيء الآخر، يقول لك: أنا أريد أن أعرف حقوق الزوج على زوجته، فنقول: كذلك اسأل ما هي واجبات الزوج نحو زوجته؟! ما هي حقوق المرأة؟! لماذا تسأل فقط في الذي يهمك؟! يقول لك: كلمنا عن بر الآباء، ولماذا لا أكلمك أيضاً عن بر الأبناء؟! ابنك لابد أن يبرك، لكن كذلك أنت لابد أن تبره أيضاً، لا تكن عاقاً له، عندما تمنعه عن المسجد فهذا عقوق، وعندما تزوجه بالمرأة التي تريدها أنت وهي ليست محجبة فهذا عقوق، فعندما تزوجه اتق الله وحافظ على بيته، لا تزوجه بامرأة سفيهة اللسان أو عاصية لزوجها، أنت مسلم يجب أن تعوض السعادة في أبنائك ما لم تحققها أنت في نفسك. قال: (ما هي هذه الخمسة التي آمنتم بها؟) والحديث ضعفه بعض علماء الحديث، ولكن تقوى بآثار أخرى، وذكره الإمام أحمد في المسند ووصل إلى درجة الصحة، قال: (أما الخمسة التي آمنا بها يا رسول الله فنحن نؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر)، كل هذه غيب، الله بالنسبة لبعض الناس غيب، لكن بالنسبة للمؤمن ليس بغيب. وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد الله لا يغيب أبداً عن المؤمن، بالعكس أنت ترى آثاره في كل وقت وحين، وترى آثار رحمته، انظر إلى آثار رحمة ربك، سترى رحمة الله موجودة في كل شيء، عندما يشفي المريض وعندما يغني الفقير، وعندما يحل المشكلة، وعندما يسهل العسير، وعندما يهدي العاصي، وعندما يتوب على المسلم، كل هذه من آثار رحمة الله . عندما تنام وتصحو كل يوم هي آية من آيات الله، بل إنها من أكبر الآيات، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] يعني: هذا النوم صورة من صور الموت، وقال الحبيب: (النوم أخو الموت). بل كان النبي ﷺ يقول كل ليلة: (أيقظوا صواحب الحجرات، رب نائمة في الدنيا بائسة في الآخرة، رب طاعمة في الدنيا جائعة في الآخرة، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه). تخيل أن شخصاً يسمع الرسول يقول هكذا كل ليلة هل يصحو أو لا؟ يوقظ النساء، ثم يذهب إلى سيدنا علي، وحبيبته فاطمة فيقول: يا علي! يا فاطمة! ألا تصليان؟ فسيدنا علي يقول: يا رسول الله! إن أرواحنا بيد الله، إن شاء أيقظها وإن شاء أمسكها، فيخرج الرسول من عندهما وهو يضرب كفاً في كف ويقول: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً)، أتجادل يا علي؟! قم ويكفي! لكنه كان حبيبه وكان يدلعه ويقول له: يا أبا تراب! ولذلك قيل: إن جماعة كانوا جالسين فكان أحدهم من سلالة الوليد بن المغيرة الذي قيل فيه: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] قال: أنا ابن العظيم في القريتين، والآخر جالس عند أبي جعفر المنصور الذي هو أمير المؤمنين، فقال: وأنا ابن أمير المؤمنين، وآخر رجل مسكين ليس له فخر فقال: وأنا ابن من أمر الله الملائكة أن تسجد له، من الذي غلب؟! انظروا إلى هؤلاء الناس كيف كانوا يفكرون! فسيدنا سويد الأسدي قال له: أين أول علامة من علامات الإيمان بالله؟ قال: إننا نشهد لله في كل وقت وحين، الصغير والكبير! ثم بعد ذلك قال: وكذلك نؤمن بالملائكة، والإيمان بالملائكة غيب، لكن عندما تقرأ في القرآن أن الله خلق الملائكة وجعلهم أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، إذاً: هل هذا غيب أم شهادة؟ صار الغيب شهادة؛ لأننا نصدق ما جاء في كتاب الله، يعني: الذي يقوله يكون حقاً وحقيقة. نؤمن بالرسل ولا نفرق بين أحد منهم، لا تقل: فلان لا يعجبني، فلست أنت الذي تختار ما يعجبك، أنت لا تفرق بين أحد من رسل الله، ثم بعد ذلك الإيمان بالكتب المنزلة، وهي: التوراة والإنجيل والزبور وصحف موسى وصحف إبراهيم وهكذا. كذلك نؤمن باليوم الآخر إيماناً عملياً، فإنك لو سألت شخصاً: هل هناك يوم آخر أم لا؟ سيجيب: نعم، فتقول: وهل تجهزت له؟ هل جهزت نفسك؟ يقول لك: لا، الشخص بقدر استطاعته، وليس هذا فحسب، إننا نريدك أن تكون مثل التلميذ المستعد للامتحان، فعندما يأتي إليك ملك الموت تكون جاهزاً للقاء الله! فهذه هي الخمسة التي آمنتم بها، فما هي الخمسة التي عملتم بها؟ (قالوا: نحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان، ونحج البيت إن استطعنا إلى ذلك سبيلاً).

стр. 509

خصال الجاهلية التي أقرها الإسلام فسيدنا سويد الأسدي قال: (كنت سابع سبعة وفدنا على رسول الله ﷺ فقال: من القوم؟ قلنا: المؤمنون فقال: لكل شيء حقيقة وفي -رواية أخرى- لكل حق حقيقة فما هي حقيقة إيمانكم قالوا: خمس عشرة خصلة، خمس آمنا بها، وخمس عملنا بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية إن شئت أبقيناها وإن شئت تركناها)، انظر إلى الأدب عند هؤلاء! والمعنى: إن وجدتها صواباً أبقيناها، واليوم بعض الناس يقول لك: أنا أصلي، لكن الغيبة لا أستطيع أن أتركها، خذ الإسلام كله، إن الإسلام كله دستور عمل، قولوا: سمعنا وأطعنا، لا تأخذ الشيء الذي تهواه وتترك الشيء الآخر، يقول لك: أنا أريد أن أعرف حقوق الزوج على زوجته، فنقول: كذلك اسأل ما هي واجبات الزوج نحو زوجته؟! ما هي حقوق المرأة؟! لماذا تسأل فقط في الذي يهمك؟! يقول لك: كلمنا عن بر الآباء، ولماذا لا أكلمك أيضاً عن بر الأبناء؟! ابنك لابد أن يبرك، لكن كذلك أنت لابد أن تبره أيضاً، لا تكن عاقاً له، عندما تمنعه عن المسجد فهذا عقوق، وعندما تزوجه بالمرأة التي تريدها أنت وهي ليست محجبة فهذا عقوق، فعندما تزوجه اتق الله وحافظ على بيته، لا تزوجه بامرأة سفيهة اللسان أو عاصية لزوجها، أنت مسلم يجب أن تعوض السعادة في أبنائك ما لم تحققها أنت في نفسك. قال: (ما هي هذه الخمسة التي آمنتم بها؟) والحديث ضعفه بعض علماء الحديث، ولكن تقوى بآثار أخرى، وذكره الإمام أحمد في المسند ووصل إلى درجة الصحة، قال: (أما الخمسة التي آمنا بها يا رسول الله فنحن نؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر)، كل هذه غيب، الله بالنسبة لبعض الناس غيب، لكن بالنسبة للمؤمن ليس بغيب. وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد الله لا يغيب أبداً عن المؤمن، بالعكس أنت ترى آثاره في كل وقت وحين، وترى آثار رحمته، انظر إلى آثار رحمة ربك، سترى رحمة الله موجودة في كل شيء، عندما يشفي المريض وعندما يغني الفقير، وعندما يحل المشكلة، وعندما يسهل العسير، وعندما يهدي العاصي، وعندما يتوب على المسلم، كل هذه من آثار رحمة الله . عندما تنام وتصحو كل يوم هي آية من آيات الله، بل إنها من أكبر الآيات، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] يعني: هذا النوم صورة من صور الموت، وقال الحبيب: (النوم أخو الموت). بل كان النبي ﷺ يقول كل ليلة: (أيقظوا صواحب الحجرات، رب نائمة في الدنيا بائسة في الآخرة، رب طاعمة في الدنيا جائعة في الآخرة، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه). تخيل أن شخصاً يسمع الرسول يقول هكذا كل ليلة هل يصحو أو لا؟ يوقظ النساء، ثم يذهب إلى سيدنا علي، وحبيبته فاطمة فيقول: يا علي! يا فاطمة! ألا تصليان؟ فسيدنا علي يقول: يا رسول الله! إن أرواحنا بيد الله، إن شاء أيقظها وإن شاء أمسكها، فيخرج الرسول من عندهما وهو يضرب كفاً في كف ويقول: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً)، أتجادل يا علي؟! قم ويكفي! لكنه كان حبيبه وكان يدلعه ويقول له: يا أبا تراب! ولذلك قيل: إن جماعة كانوا جالسين فكان أحدهم من سلالة الوليد بن المغيرة الذي قيل فيه: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] قال: أنا ابن العظيم في القريتين، والآخر جالس عند أبي جعفر المنصور الذي هو أمير المؤمنين، فقال: وأنا ابن أمير المؤمنين، وآخر رجل مسكين ليس له فخر فقال: وأنا ابن من أمر الله الملائكة أن تسجد له، من الذي غلب؟! انظروا إلى هؤلاء الناس كيف كانوا يفكرون! فسيدنا سويد الأسدي قال له: أين أول علامة من علامات الإيمان بالله؟ قال: إننا نشهد لله في كل وقت وحين، الصغير والكبير! ثم بعد ذلك قال: وكذلك نؤمن بالملائكة، والإيمان بالملائكة غيب، لكن عندما تقرأ في القرآن أن الله خلق الملائكة وجعلهم أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، إذاً: هل هذا غيب أم شهادة؟ صار الغيب شهادة؛ لأننا نصدق ما جاء في كتاب الله، يعني: الذي يقوله يكون حقاً وحقيقة. نؤمن بالرسل ولا نفرق بين أحد منهم، لا تقل: فلان لا يعجبني، فلست أنت الذي تختار ما يعجبك، أنت لا تفرق بين أحد من رسل الله، ثم بعد ذلك الإيمان بالكتب المنزلة، وهي: التوراة والإنجيل والزبور وصحف موسى وصحف إبراهيم وهكذا. كذلك نؤمن باليوم الآخر إيماناً عملياً، فإنك لو سألت شخصاً: هل هناك يوم آخر أم لا؟ سيجيب: نعم، فتقول: وهل تجهزت له؟ هل جهزت نفسك؟ يقول لك: لا، الشخص بقدر استطاعته، وليس هذا فحسب، إننا نريدك أن تكون مثل التلميذ المستعد للامتحان، فعندما يأتي إليك ملك الموت تكون جاهزاً للقاء الله! فهذه هي الخمسة التي آمنتم بها، فما هي الخمسة التي عملتم بها؟ (قالوا: نحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان، ونحج البيت إن استطعنا إلى ذلك سبيلاً).

стр. 510

الصبر عند البلاء ما هي الخمسة التي تخلقتم بها في الجاهلية؟ قالوا: (الصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والثبات عند اللقاء، وترك شماتة الأعداء، والتوكل على رب الأرض والسماء) ما أحسن هذا الكلام! فسيدنا الحبيب أعجب بها، فانظروا إلى كلامه الجميل: قال: (حكماء وعلماء من فقههم كادوا أن يكونوا أنبياء). لنأت إلى الخمسة التي أتوا بها، (أولاً: الصبر عند البلاء): فعلام يكون الصبر؟ على ضد راحة النفس؛ الصبر على ألم، على مرض، على مضايقة شخص، على ضنك معيشة، على بلاء، على مشاكل مسلمين، فهذا كله يجب أن يستكمل الإنسان الإيمان بالصبر!

стр. 511

الشكر عند الرخاء ثانياً: (والشكر عند الرخاء). بالنسبة للصبر عند البلاء هذه سهلة، أتعرفون ما الأصعب منها؟ الشكر عند الرخاء؛ لأن الناس عندما يوسع الله عليهم حالهم كما قال الله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء:٨٣]. سيدنا أيوب ﵇ مكث مبتلى ثماني عشرة سنة لا يتحرك، إنك إن ابتليت تقول: ما هذا؟! ألم ينفع الطب؟ احضروا لي دكتوراً، أعطوني دواء، إنني قد ضقت من رقدة السرير، يا رجل! خفف قليلاً، إن هذا من الذنوب التي عليك، فهي تمحى بصبرك على المرض، فإبليس دخل على أيوب وقال: يا أيوب! لو كنت نبي الله حقاً لدعوت الله أن يفرج عنك ما أنت فيه، ألست نبياً؟ قال: يا إبليس! إنني في نعمة لو علمتها لحسدتني عليها، قال: وأين هذه النعمة؟ شخص مشلول لا يتحرك والحشرات تدب عليه، ولا يستطيع أن يذبها عنه؛ لأن الشلل وصل إلى يديه أيضاً. فقال: أنا في نعمة الرضا عن الله، قال لي: يا أيوب! ارض بما قسمت لك تكن أغنى الناس، فأنا راض بما قسم الله لي، يا إبليس! عشت سبعين سنة صحيح البدن، وأستحي أن أطلب من الله الشفاء بعد ثمانية عشر عاماً من المرض أمام سبعين عاماً من الصحة. وامرأته ذهبت تحضر الدواء فتأخرت عليه، فحلف بالله أن يضربها مائة جلدة، وهو لا يستطيع أن يتحرك، لكن نفسية المريض مثل الطفل، يريد من كل أحد أن يداريه، ونسأل الله أن يصبر كل إنسان مريض، ولأن هذا المريض يحتاج إلى رعاية ومتابعة وصبر، وانشراح صدر. والمسلم عندما يموت وهو مريض خير من أن يموت وهو صحيح؛ لأنك عندما تموت وأنت مريض تموت وأنت ذليل لله، تقول: يا رب! اشفني، فيستجيب الله لك الدعاء بأن يشفيك من مرض الدنيا كله ويأخذك إلى رحمته، وأنت لو تعرف الحقيقة لرأيت أن ما عند الله خير مما عندك في الدنيا، وأولادك لهم رب لا يغفل عنهم ولا ينام. فعندما تأخرت زوجته نزل سيدنا جبريل، وقال له: اضرب برجلك في الأرض، قال له: وهل أستطيع أن أتحرك، قال له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص:٤٢]، فضرب برجله فخرج نبع من الماء، قال له: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢]، اشرب واغتسل، فأخذ من الماء الذي نبع تحت رجله، فشرب واغتسل فرجع أيوب مثلما كان، فدخلت امرأته تقول له: يا أخانا! ألم تر أيوب زوجي؟! يقول لها: أنا أيوب، تقول: من أيوب؟ يقول لها: أيوب الذي كان مريضاً. تعالي أنا حلفت أن أضربك مائة جلدة، لماذا تأخرت؟ فهذه المرأة الصابرة أكرمها الله وقال: يا أيوب! خذ عثكولاً من عثاكيل النخل فيه مائة شمراخ واضربها به ضربة واحدة: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤].

стр. 512

الثبات عند اللقاء ثالثاً: (ونثبت عند اللقاء): أي: عندما تكون هناك حرب لا نولي الأدبار، ولكن نثبت؛ ولذلك سيدنا عبد الله بن أم مكتوم الذي نزلت فيه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١] أتى في القادسية وقال لسيدنا سعد: أريد أن أقاتل معكم، قال: ليس على الأعمى حرج، إن الله وضع عنك الجهاد، إنك لست مكلفاً بالقتال! فقال: أريد أن أقاتل فأرزق الشهادة في سبيل الله ثم قال: أنا أمسك راية الجيش وأنا كفيف لا أرى، إن غلبتم فإنني لن أتحرك، طالما يرى المسلمون الراية مرفوعة يقاتلون بإذن الله فرفع الراية يوم القادسية ورزقه الله الشهادة، ومن أخذ الله منه نعمة العينين لا يجد له جزاء يوم القيامة إلا أن يبيح له وجهه الكريم ينظر إليه بكرة وعشياً! يعني: الشخص الذي يأخذ الله منه الحبيبتين يكافئه الله، والله سمى العينين حبيبتين يقول في الحديث القدسي: (ما أخذت من عبدي الحبيبتين إلا ولم أجد له جزاء في الجنة إلا أن أبيح له وجهي، ينظر فيه بكرة وعشياً). (وعينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله، وعين غضت عن محارم الله) فالذي غض بصره عن محارم الله، فإن الله يمنع النار من الوصول إلى عينيه فغضوا أبصاركم عن عورات الناس، يغض الناس أبصارهم عن عوراتكم، ومن غض بصره كشف الله بصيرته، وأعطاه نوراً في البصيرة. كان بشار بن برد كفيفاً، فقال له رجل: أتعرف بيت أبي حنيفة؟ قال له: نعم، قال: صفه لي، قال: اسلك ثلاث منحنيات، وهو في المنحنى الرابع، البيت الثاني على الشمال، بشار يصف للذي يرى بعينيه، فقال له: ربما أتوه، تعال لتقودني، الذي يرى بعينيه يقول لـ بشار الكفيف: تعال دلني وأنا أمشي وراءك، فـ بشار يمشي وهو ماسك بيد الرجل، ويقول: أعمى يقود بصيراً لا أبا لكم قد ضل من كانت العميان تهديه فضحك بشار وقال: ومن جعل الغراب له دليلاً يمر به على جيف الكلاب وقد كان النبي ﷺ أشجع الناس، يثبت عند اللقاء؛ ولذا يقول علي كرم الله وجهه: كنا إذا حمي الوطيس، واحمرت الحدق -يعني: كانت المعركة شديدة- نحتمي بظهر رسول الله ﵊، فكان كل الصحابة يختبئون وراء النبي ﷺ . وكان الصحابة يتعلمون الرماية، وكان يمر عليهم النبي ﷺ ويقول: (ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً) أي: تعلموا الرمي من أجل أن تكونوا متعلمين فنون القتال.

стр. 513

ترك شماتة الأعداء رابعاً: (وترك شماتة الأعداء): والشماتة: أن تستريح أنت بمن شمت فيه، يعني: أن تشمت في شخص أنه حصل له مكروه، هذه هي الشماتة. فلا تعير بالذنب على أخيك فيعافيه ثم يبتليك، والعياذ بالله رب العالمين! وصحابة رسول الله كانوا صابرين عند البلاء، وشاكرين عند الرخاء، وثابتين عند اللقاء، وسابقين عند لقاء الأعداء، ومتوكلين على رب الأرض والسماء.

стр. 514

شرح حديث: (لا تجمعوا ما لا تأكلون ولا تبنوا)

стр. 515

معنى قوله: (لا تجمعوا ما لا تأكلون ولا تبنوا ما لا تسكنون) وفي الحديث: (لا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، وتوكلوا على من أنتم عليه قادمون، وارغبوا فيما أنتم إليه آتون إليه، وازهدوا فيما أنتم عنه راحلون). لا إله إلا الله، انظر إلى كلام الحبيب، انظر إلى أسلوب بلاغة العربي وانظر إلى كلام سيدنا الحبيب، يعني: لا تجمعوا شيئاً أنتم لن تأكلوه؛ لأنك ستموت في الوقت الذي يريده الله. (ولا تبنوا ما لا تسكنون)، يعني: ابنوا ما يكفيكم فقط. ولذلك يقول العلماء: إن الشيء الذي لا تستخدمه مكان للشيطان. والشياطين كل واحد متخصص في شيء، ومنهم واحد متخصص في الوسوسة في الصلاة، وهو الذي اسمه خنزب، فهذا خنزب يجعلك تفسد صلاتك، ويظل يوسوس لك في الصلاة، لكن لا تلتفت إليه، حتى إنه -كما في الحديث-: (ينفخ في مقعدة العبد حتى يخيل إليه أنه أخرج ريحاً). وجاءوا إلى أبي هريرة فسألوه هذا السؤال أصحيح يا أبا هريرة! أن الشيطان يأتي وينفخ في مقعدة الشخص ويخرج رائحة من الدبر؟ قال: نعم، قالوا: إذاً نذهب لنتوضأ؟ قال: مادام أنك لم تشم ريحاً ولم تسمع صوتاً فصلاتك صحيحة، من أجل ألا نفتح باب الوسوسة! وهناك ولد من أولاد إبليس عمله زرع الخلاف بين الزوجين، فيظل أربعة وعشرين ساعة يزرع الخلاف والشقاق. وإبليس كل ليلة يجمع أولاده، وهو على عرشه فوق الماء ويسألهم: ماذا عملتم اليوم؟ فيقول الأول: خرجت وراء فلان حتى شرب خمراً، فيقول له: غداً يتوب، بئس ما صنعت! ويقوم غيره ويقول: ظللت وراء فلان حتى جمع صلاة الظهر مع صلاة العصر، فيقول له: غداً يتوب، بئس ما صنعت! فيقوم آخر ويقول: ظللت وراء فلان حتى أكل درهم ربا، فيقول: غداً يتوب ويكفر عن سيئاته! فيأتي الآخر ويقول: ظللت وراء فلان حتى طلق زوجته، فيقول له: أنت! أنت! أنت الابن حقاً، أنت الذي أدخلت النكد في البيت، وطردت المرأة من مملكتها ومن النعيم الذي كانت فيه، ثم بعد ذلك محاكم ومنازعة، وتتدخل أخوات الزوجة وإذا وصل الأمر إليهن فظن شراً ولا تسأل عن السبب! فالمسلم يجب أن يستعيذ بالله من الشيطان ومن إبليس وجنوده، فاللهم أعذنا من الشيطان الرجيم.

стр. 516

معنى قوله: (وازهدوا فيما أنتم عنه راحلون) ثم قال: (وازهدوا فيما أنتم عنه راحلون): أي: نزهد في الدنيا التي نحن سنرحل فيها، قال رجل لأحد الصالحين: أين العمران يا شيخ؟ أوصلني يا أخي إلى العمران، قال له: تعال ورائي، فظل يمشي وراءه حتى وصل إلى المقابر، قال: يا أخي أقول لك العمران وتحضرني إلى هذا المكان؟ قال: يا هذا، هاهنا العمار، وهناك الخراب، كل الذين هناك يأتون إلى هنا ولا أحد من هنا يعود إلى هناك، يقول له: كل المناظر التي تراها من العمارات وناطحات السحاب كل من يسكنها لابد أن يأتي إلى هنا، فهل هناك شخص لا يأتي إلى هنا؟! كلهم سيموتون. وجاء في سنن الترمذي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: يقال للمؤمن: أتريد أن تعود إلى الدنيا؟ فيقول: ألدار الهموم والأحزان ترجعاني؟ قدماني إلى ربي. ويقول الرسول ﷺ : (يؤتى بأبأس أهل الدنيا فيصبغ في الجنة صبغة فيخرج كالبدر ليلة التمام، فيقال: عبدي! هل رأيت بؤساً قط؟ فيقول: وعزتك وجلالك أني في النعيم منذ أن خلقتني! ويؤتى بأنعم أهل الأرض ممن لم يذكر الله ربه، فيصبغ في النار صبغة، فيخرج كالفحمة، فيقال: عبدي! هل رأيت نعيماً من قبل قط؟ فيقول: وعزتك وجلالك أني في الشقاء منذ أن خلقتني)، يعني: غمسة في الجنة أنست المعذبين عذابهم في الأرض؛ وغمسة في النار أنست أهل العز عزهم الذي كانوا فيه.

стр. 517

معنى قوله: (وارغبوا فيما أنتم عليه قادمون) قال: (وارغبوا فيما أنتم عليه سوف تقدمون): أي: لتكن عندكم رغبة في الذي عند الله ، فإن عنده نعيماً لا يزول، ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، قالوا: صفها لنا يا رسول الله، قال: (إن أدنى أهل الجنة منزلة لرجل ينظر في ملكه ألفي سنة) قال: إنه يبلغ ملكه ألفين سنة وهو يمشي، فإذا بالشجر يسلم عليه، والغلمان الذين إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً يسلمون عليه، والملائكة يسلمون عليه، وثم يؤذن مؤذن فيقول: والآن يسلم عليكم ربكم فيقول: سلام عليكم عبادي، إني قد رضيت عنكم، فهل رضيتم عني؟! يقول تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]، فتنسى كل الهموم التي كنت تعانيها في الدنيا. حتى إن الرسول ﷺ يقول: (يشتهي رجل في الجنة الزرع)، رجل يريد أن يزرع: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ﴾ [الزمر:٣٤] قال: (فيزرع ويخرج الزرع في نفس الوقت فيأكل، فيقول الله: دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء). وكان الأعرابي من أجل البادية في الصحراء جالساً عند النبي ﷺ ، فقال: والله لا يكون إلا قرشي أو أنصاري يا رسول الله، لأن هؤلاء أصحاب زرع؛ فتبسم الحبيب ﷺ !

стр. 518

أحكام صلاة الجماعة

стр. 519

قبول صلاة الجماعة وأجر الذهاب للمسجد ولندخل في موضوع صلاة الجماعة وصلاة الجمعة. صلاة الجماعة لها أحكام مهمة جداً، منها: صلاة المسبوق الذي دخل ووجد فلاناً يصلي. النقطة الثانية: متى أدرك الركعة؟ النقطة الثالثة: إثبات صلاة الجماعة. النقطة الرابعة: لو أني صليت بأهل بيتي في البيت جماعة، هل تكتب لي جماعة أو الجماعة لا تكون إلا في المسجد؟ والجماعة هل تكون بالإمام والمأموم فقط، أو الإمام وعدد معين؟ ومن يؤم الناس؟ وهل على المأموم قراءة أم ليس عليه قراءة؟ وإذا سابق المأموم إمامه في حركة، كأن ركع قبله، هل بطلت صلاته أم لم تبطل؟ وإذا سها المأموم في الصلاة هل عليه سجود سهو أم لا؟ هذه الأسئلة تعرض للإنسان دائماً في مسألة صلاة الجماعة. أولاً: صلاة الجماعة مقبولة بإذن الله، وهذا أول شيء؛ لأن الرسول ﵊ يقول: (ينظر الله في قلب الإمام، فإن وجده صالحاً قبل صلاته وصلاة من معه، فإن لم يجد قلب الإمام صالحاً نظر في قلوب المأمومين فإن كانوا صالحين قبل صلاتهم وصلاة إمامهم). النقطة الثانية: قال: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) فهل إذا صليت في أهل بيتي تكتب لنا جماعة؟ وأبو هريرة ﵁ كان ينظر آخر جامع في البلد فيذهب يصلي فيه، فقيل: لماذا يا أبا هريرة تعمل هذا؟ قال: إن كل خطوة ترفع بها له حسنة وتحط عنه سيئة إلى أن يدخل المسجد. والإنسان إذا توجه إلى المسجد ليصلي فالملائكة تكتب له الحسنات كأنه في صلاة إلى أن تقام الصلاة.

стр. 520

يؤم الناس أقرؤهم تعال إلى صلاة الجماعة، من الذي يؤم؟ أعلم الناس بالسنة وأقرؤهم لكتاب الله وأورعهم، بألا يشتهر بمعصية، يعني: لا يجاهر بمعصية من المعاصي، ثم لا يخالف ما يقول، يقول لك: خذ بالقرآن، وهو ينفخ في دخانه، لا، بل الواجب كما قال سيدنا شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨]. ولو أن هناك ولداً عمره اثنتا عشرة سنة، وهو حافظ للبقرة وآل عمران ورجل آخر عمره ستون سنة وهو حافظ البقرة فقط، من الذي يصلي إماماً؟ الذي عنده سورة البقرة وآل عمران، أقرؤهم لكتاب الله وأعلمهم بالسنة هذا هو الذي يصلي.

стр. 521

قراءة المأموم وراء الإمام هل على المأموم قراءة؟ قلنا: في صلاة الجهر ليس عليه قراءة، كصلاة الصبح أو المغرب، أو العشاء فإنه لا يقرأ، فقراءة الإمام له قراءة. أما في صلاة السر كالظهر والعصر والثالثة من المغرب والثالثة والرابعة من العشاء فإن الفاتحة تقرأ، لكن لا تشوش على أخيك المصلي الذي بجوارك. وهنا مسألة: أنا دخلت المسجد ووجدتهم أقاموا الصلاة، ثم صلوا، متى تحسب لي ركعة، إذا أدركت الإمام قبل أن يركع أو في الركوع، ولكن هناك نقطة: وهي: لابد أن أكبر تكبيرة الإحرام أولاً وأنا واقف، فأقول: الله أكبر وأنا واقف، وبعد ذلك أقول: الله أكبر من أجل الانتقال من الوقوف إلى الركوع، فإذا قلت: الله أكبر مرتين على تؤدة وتمهل وأدركت الإمام في الركوع وسبحت معه فالركعة هذه تحسب إن شاء الله.

стр. 522

سجين الإمام مسألة: أنا دخلت في صلاة المغرب، ووجدت الإمام يقرأ بصوت، فيكون هناك احتمالات، إما أن يكون الإمام في الركعة الأولى وإما أن يكون في الركعة الثانية، وتبين الأمور بعد السجود؛ فإذا سجد السجدة الثانية وجلس فمعناه أنه كان في الركعة الثانية، وإذا قام فمعناه أنه كان في الأولى، فإذا قام وأتى بالركعة الثانية فإذاً: أنا لم تفتني ركعة وبعدما يسلم سأسلم معه. لكن إن قرأ الفاتحة وسورة ثم جلس للتشهد، فإذاً: هو كان في الركعة الثانية، فجلست معه للتشهد، ثم قرأت معه الفاتحة وركعت، وبعد ذلك جلس، وقرأ التشهد الأخير، فأنا كانت بالنسبة لي الركعة الثانية التي هي الثالثة بالنسبة للإمام فهنا: أنتظر حتى يسلم الإمام عن يمينه وعن شماله، وأنتظر قليلاً لا أقوم مباشرة؛ لأنه احتمال أن يكون حصل للإمام سهو في الركعة الأولى التي لم أدركها، فلو سجد للسهو أنا مكلف أن أسجد للسهو رغم أنني لم أكن أصلي معه؛ لأن العلماء يسموني سجين الإمام، أنا مسجون تبع الإمام وعلى ذمته فلا أقوم مباشرة، وإنما أنتظر قليلاً حتى لو سجد للسهو سجدت معه، إذا لم يسجد للسهو أقوم وأقرأ الفاتحة بدون سورة أخرى، فهي بالنسبة لي الركعة الثالثة.

стр. 523

حكم قراءة السورة بعد الفاتحة قد يقول لك: يا سيدنا الشيخ إنني في الركعة الثانية قرأت سورة الفاتحة فقط؟ نقول: صلاتك صحيحة إن شاء الله؛ لأن من رحمة الإسلام أن جعل قراءة السورة سنة وليست ركناً ولا فرضاً؛ لأنه إذا صلى الشخص ثلاث ركعات المغرب؛ أو الركعتين الأوليين بالنسبة للعشاء، أو الظهر أو العصر أو الصبح بدون سورة فصلاته صحيحة إن شاء الله. إذاً: لو أنني دخلت في صلاة الظهر وهي كلها صلاة سرية ووجدت الإمام واقفاً، فدخلت في الصلاة وقرأت، فبمجرد أنني قرأت: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] ركع الإمام مباشرة، أقرأ بقية الفاتحة أو أركع؟ أركع، وهذه هي الحجة التي تمسك بها الأحناف حيث قالوا: المأموم إذا لم يقرأ الفاتحة خلف الإمام وركع معه، أحسبت له ركعة أم لا؟ حسبت له ركعة، وماذا تقولون في حديث: (لا صلاة إلا بأم الكتاب)؟ فتغلب المذهب الحنفي على مذهب الشافعي في هذه النقطة. فهذا بإيجاز من أجل أن يتقرر في الأذهان: أن الركعة التي تدخل فيها هي الركعة الأولى بالنسبة لك.

стр. 524

إذا ركع الإمام فظن المأموم أنه سجد مسألة: الإمام أراد أن يركع فكبر وأتيت فأدركته أنا ولكن سجدت، لأنني ظننت أنه سجد، فأقوم مباشرة عندما أشعر أنه لا يوجد ساجد حولي. المهم: أنت يا مأموم إذا حصل لك هذا الخطأ ارجع إلى الوضع الذي كنت فيه مع الإمام، وأكمل صلاتك معه ولا سجود للسهو عليك، فصلاة الإمام تجبر سهوك.

стр. 525

إذا ركع المأموم قبل الإمام مسألة: إذا قال الإمام: الله أكبر في الركوع، فشخص سبقه وركع قبله ففي هذه الحالة تبطل صلاة المأموم إذا سبق الإمام، أما إذا ساوى الإمام في النزول ففعله مكروه، يعني: لو أنني أساوي الإمام في الحركة هذا مكروه.

стр. 526

استخلاف الإمام إذا انتقض وضوءه مسألة: لنفرض أنك صليت إماماً بالناس فانتقض وضوءك فماذا تعمل؟ أولاً: الواجب أن يصلي خلف الإمام أعلم الناس، يعني: الأقرب للإمام في الفقه والقراءة، وهو يعرف من الذي يصلي في الصف الأول وراءه، فيقول: يا فلان! تقدم وأكمل الصلاة، فيدخل فلان في الوضع الذي وقف فيه الإمام. ولنفرض جدلاً أني ركعت وانتقض وضوئي، فالمأموم الذي خلف الإمام يقوم بتكملة الصلاة. إذاً: الإمام يتنحى ويدخل المأموم ليتم الصلاة، فإن كان الإمام يقرأ فإنه يدخل المأموم ويقرأ، وإن كان الإمام راكعاً يدخل المأموم وهو في الركوع، وإن كانوا في حالة سجود يدخلوا في حالة سجود وتكمل الصلاة. انظر إلى جمال الإسلام وعظمة الفقه، لابد أن نعرف الأحكام من أجل أننا أحياناً ربما يقدم أحدنا للصلاة وهو لا يعرف فهل تقول: لا أستطيع أن أصلي إماماً؟!

стр. 527

الأسئلة

стр. 528

حكم الائتمام بالمأموم المسبوق أو من يصلي النافلة السؤال كنت أصلي السنة فجاء بجواري من يصلي بنية صلاة الفرض، فهل أعدل النية من السنة إلى الفرض؟ الجواب لا تعدل النية، بل أكمل صلاتك، وصلاتكما صحيحة إن شاء الله.

стр. 529

وجوب متابعة النبي ﷺ في الصلاة السؤال هل يجب متابعة النبي ﵊ في كل شيء حتى في التشهد، وغير ذلك؛ فهذا خطأ؟ الجواب هل أنت تفتي أو أنك تنصحني أو أنك تسأل؟ إن كنت تسأل سأجيب عليك، وإن كنت تتعالم علي فلا داعي لهذا، يقول ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) عندما كان يصلي هل كان يقول: اللهم صل على محمد أم على سيدنا محمد؟ لا سيد مع الله في الصلاة.

стр. 530

معنى حديث (ومن مس الحصى فقد لغا) السؤال ما معنى قوله ﷺ : (ومن مس الحصى فقد لغا)؟ الجواب الذي يلعب في أطراف السجاد والخطيب يخطب بطلت جمعته، ومن يلعب بالسبحة أو يلعب بالساعة، أو ينظر ويلتفت في الجامع يميناً وشمالاً ويلعب بالحصير الذي أمامه فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له.
следующие страницы →