← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37045

شرح كتاب الفوائد

عمر عبد الكافي

Полный текст (186 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلة شرح كتاب الفوائد [١] إن العبد هو الفقير إلى الله المحتاج إليه، فعليه أن ينصف ربه فيعترف بجهله وفقره وحاجته إلى ربه.

стр. 2

آثار التقصير في كتابة تاريخ أعلام المسلمين الحمد لله رب العالمين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فنسأل الله أن يجعل هذه الجلسة خالصة لوجهه الكريم، وألا يجعل للشيطان فيها حظاً أو نصيباً، وألا يدع لنا رب العباد ذنباً إلا غفره، ولا مريضاً إلا شفاه، ولا عسيراً إلا يسره، ولا كرباً إلا أذهبه، ولا هماً إلا فرجه، ولا ضالاً إلا هداه، ولا مظلوماً إلا نصره، ولا ظالماً إلا قصمه، ولا عيباً إلا ستره، ولا مديناً إلا سدد عنه دينه، ولا ميتاً إلا رحمه، ولا مسافراً إلا رده غانماً سالماً. اللهم إنك تعلم أن في قلب كل واحد منا كرباً، فأذهب -اللهم- كروبنا، وفرج همومنا، وأذهب أحزاننا، وحقق آمالنا، وأذهب آلامنا، وثبت يقيننا، وقو حجتنا، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك. اللهم إنا نسألك أن تطرد عن بيوتنا شياطين الإنس والجن، وأن تطرد عن أبنائنا وبناتنا وأزواجنا وذرياتنا شياطين الإنس والجن، وأن تجعلنا -يا أرحم الراحمين- من عبادك المتقين؛ إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير. لقد طلب إلي بعض الإخوة أن نقرأ بعض الموضوعات من كتاب عظيم للإمام ابن القيم، وهو كتاب الفوائد، وهو من أعظم الكتب التي يقتنيها المسلم. والإمام ابن القيم رضوان الله عليه هو التلميذ النجيب لشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن تيمية لم يأخذ حظه في التاريخ الإسلامي، فلم يكتب عنه في التاريخ الإسلامي، كما ظلم كثيرون في تاريخ الإسلام، فما كتب عنهم أحد. يمتاز الغربيون بشيء معين، وهو أن عندهم أن الرجل قد يكون ربع عظيم، أو ثلث عظيم، فيجعلون منه عبقرياً من العباقرة، فلو أن في الغرب رجلاً كـ ابن تيمية أو كـ صلاح الدين أو كـ ابن القيم أو كـ الشافعي أو نحو هؤلاء العظماء الذين كانوا في حياتنا، وأثروا الفكر الإنساني والفكر الإسلامي، وحافظوا على الكتاب والسنة، لو كان هؤلاء عند الغربيين الأوربيين أو الأمريكان أو غيرهم لألفت فيهم الكتب، فـ نابليون ألف فيه باللغة الفرنسية ألف ومائة كتاب، تحدثت تلك الكتب عن نابليون وحياة نابليون، فصار نابليون أحد أعلام الثورة أو التاريخ أو الحضارة الفرنسية. حتى إنه من كثرة ما كتبوا عن عظمائهم كتبنا نحن عنهم في كتب التاريخ لأبنائنا، ولقد عملت إحصائية منذ سنوات في مراحل التعليم المختلفة للكتب الدراسية التي تتحدث عن الشخصيات وعن الموضوعات التي تهم التلاميذ، فوجدت ما يقرب من ثلاث وسبعين صفحة في الكتب تدرس لأبنائنا في المرحلة الثانوية تتحدث عن أوربا وعن الحضارة الأوربية. ووجدت قرابة تسع وستين صفحة تتحدث عن الحملة الفرنسية وآثارها السياسية والاقتصادية والعسكرية، والعلمية، ووجدت ما يتحدث عن النهضة الإيطالية في قرابة مائة وسبع صفحات. وأما ما كتب عن عمر بن عبد العزيز في القصة التي كان تدرس في سنة من السنوات فثلاث صفحات، وما كتب عن الصحابة رضوان الله عليهم ثلاث وعشرون صفحة، وما كتب عن سيدنا رسول الله ﷺ لا يزيد على خمس وثلاثين صفحة. فأولادنا يدرسون عظمة الأوروبيين، ولا يدرسون عظمة آبائهم وأجدادهم، فلو سألنا أحدهم عن صلاح الدين الأيوبي فإنه قد لا يعرفه، وكذلك لو سألناه عن سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة. والأولى أن تدفع الجوائز المشجعة في حياة هؤلاء الرجال، فأبناؤنا قد لا يعرفون شيئاً عن أبي بكر الخوارزمي، أو عن الرازي، أو عن الشوكاني صاحب نيل الأوطار، أو عن الإمام محيي الدين النووي صاحب رياض الصالحين، أو عن الإمام الترمذي صاحب السنن، أو عن ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية، أو عن الحسن بن الهيثم، أو جابر بن حيان، وغير هؤلاء الذين أثروا العلم الإنساني، وأخذت عنهم أوروبا، واستيقظت بهم في الظلام. فأين تاريخ هؤلاء العظماء من السلف الصالح الذين أثروا وحافظوا على الكتاب والسنة، وحافظوا لنا على هذا التاريخ العظيم. وقد زارني أخ في الله، واطلع على المكتبة، فرأى كتباً بلون واحد تقع في واحد وأربعين جزءاً، فقلت له: هذا كتاب يقع في واحد وأربعين جزءاً، وهو أحد كتب الإمام ابن تيمية. وابن تيمية ألف ما يقرب من ثلاثمائة واثنين وأربعين كتاباً، وكان قواماً بالليل صواماً بالنهار، مجاهداً في سبيل الله، وكان من أكبر المقاتلين، مع كل هذا لا ندري عن ابن تيمية إلا الشيء اليسير. فنحن نجهل تاريخنا، ولا نعرف شيئاً عن نسيبة بنت كعب، أو عن السيدة زينب زوجة عبد الله بن مسعود، أو عن السيدة أم كلثوم بنت السيدة فاطمة الزهراء التي تزوجها عمر بن الخطاب، لا نعرف من تاريخها شيئاً، ولا نعرف تاريخ رقية أو أم كلثوم أو زينب بنات سيدنا الحبيب المصطفى ﷺ ، وكذلك عاتكة بنت عبد المطلب وصفية بنت عبد المطلب وسائر عمات الرسول ﷺ ، لا ندري عنهن شيئاً. وقد يقول البعض: إن هذا تقصير العلماء؛ لأنهم لم ينظروا إلى عظمة هذا التراث وعظمة هذا التاريخ الذي يعتز الإنسان به. وإني لأذكر رسالة الملك جورج الذي كان حاكم إنجلترا إلى هشام الثالث ملك المسلمين بالأندلس، حيث قال فيها: من الملك جورج الخامس ملك إنجلترا والدنمارك إلى أمير المؤمنين، أما بعد: فإنه قد بلغنا ما تقدمت فيه بلادكم في نواحي العلم المختلفة، ولقد أرسلنا إليكم بعثة علمية تتعلم في بلادكم لمدة عامين ترأسها الأميرة روبانت بنت أختنا، ولعل البعثة خليقة عندكم بالتكريم اللائق. وفي آخر الرسالة كتب: خادمكم المطيع: جورج الخامس ملك إنجلترا. فسبحان من يغير ولا يتغير، والله سبحانه أعطى الناس في الكون أسباباً، فلو صار الإنسان وفق هذه الأسباب واتبع الخطوات التي أعطاها الله له لنجح؛ لأن الله سوف يعطيه الثمرة، أما أن نكبر الأمر الصغير، ونصغر الأمر الكبير، ونهتم بأمور لا علاقة لها بالدين، فذلك هو التخلف بعينه، فإن الله -كما قال لنا الصادق الأمين ﷺ يحب من الأمور معاليها، ويكره سفسافها. فربنا لا يحب إلا معالي الأمور، ويكره الحق سفساف الأمور.

стр. 3

آثار الذنوب والطاعات في نظر ابن القيم إن الإمام ابن القيم رضوان الله عليه هو -كما قلنا- التلميذ النجيب للإمام ابن تيمية، وقد كان ابن القيم ﵀ يمشي مع تلميذ له على شاطئ في العراق، فسأله سؤالاً، فظل الإمام يتحدث، وتلميذه يبكي، ثم قال: ألقاك غداً إن شاء الله. وبعد ثلاثة أيام اكتشف التلميذ أن الإجابة هي عبارة عن كتاب سماه الإمام ابن القيم (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)، والذي يقرأ كتاب (الجواب الكافي) للإمام ابن القيم يتوب عن الذنوب حقيقة، واقرءوا وجربوا؛ لأنه يبين ما تعمله الذنوب وما تعمله الحسنات، فالذنوب تجعل ظلمة في الوجه، وظلمة في القلب، وعدم قبول عند الناس، وعدم رضا من الله، وبها تدعو الملائكة على المذنب، ومن نتائج الذنوب الذنب بعد الذنب، فالذنب يجلب الذنب، إلى أن تخف وطأة الضمير أو يقظة الضمير، ويعتاد القلب على المعصية. وأما الطاعة فنور في الوجه، وضياء في القلب، ومحبة في قلوب الناس، ودعاء الملائكة لك، وذكر الله للطائع، ففي الحديث: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، ومن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذرعاً، ومن تقرب إلي ذارعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة). فالله الغني يتقرب إلى عبده الفقير، وإن تقرب الفقير إلى الغني أمر عادي، وتقرب الصغير إلى الكبير كذلك، أما أن الغني يتقرب ويتودد إلى الفقير، والقوي يتودد إلى الضعيف فتلك مسألة أخرى. فالله -وهو الغني- يتودد إلينا نحن الفقراء، والله -وهو القادر- يتودد إلينا نحن الضعفاء، أليس في هذا عجب؟! يقول الله ﷻ : (إني والإنس والجن في نبإ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري، خيري إلى العباد نازل وشرهم إلي صاعد، أتودد إليهم بالمغفرة وأنا أغنى الأغنياء عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أشد ما يكونون حاجة لي، أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل طاعتي أهل محبتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، من تاب إلي منهم فأنا حبيبه، ومن لم يتب فأنا طبيبه، الحسنة عندي بعشر أمثالها وقد أزيد، والسيئة عندي بواحدة وقد أعفو). فالله يخلق ويُعبَد غيره، يرزق ويُشْكَر غيره، مع أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وخيره إلى العباد نازل وشر العباد إليه صاعد. إن ولدك إذا عصاك فإنك قد لا تقبله في بيتك، وأنت تعصي الله ليل نهار، ولا يطردك من ملكه، ولا يغضب على العبد أبداً، فإذا كان العبد طائعاً وقال: (يا رب!) قال: لبيك يا عبدي. وإن كان عاصياً وقال: (يا رب!) قال: لبيك لبيك لبيك يا عبدي. فسبحان الله، ولا إله إلا الله. إنها رحمة عظيمة، فالناس يعصون ربهم وهو يرزقهم، وإذا عاد العبد إلى ربه لا يعاتبه على ما مضى، فكأن العبد يقول: يا رب! لقد أذنبت. فيقول الله: عبدي وأنا قد علمت. فيقول: يا رب! أنا قد تبت. فيقول له: وأنا قد قبلت. فيقول: يا رب! لن أعود، فيقول: وأنا سوف أشد عضدك في طاعتي لكي لا تعود. ويروى أن رجلاً قال لموسى ﵇: يا موسى! عبدت الله عشرين سنة، وعصيته عشرين سنة، وأريد أرجع، فهل ينفع ذلك؟ فقال الله له: يا موسى! قل له: أطعتنا فأثبناك، وعصيتنا فأمهلناك، وتركتنا فما تركناك، ولو عدت إلينا على ما كان منك قبلناك. فالعبد إذا عاد إلى الله قبل الله توبته، اللهم اقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، ويسر أمرنا، واغفر ذنبنا وزلتنا يا أرحم الراحمين.

стр. 4

بيان حقيقة إنصاف المرء ربه

стр. 5

الإقرار بالجهل في العلم يقول الإمام ابن القيم في كتابه (الفوائد): (طوبى لمن أنصف ربه). وطوبى درجة عليا في الجنة. ومعنى (أنصف ربه): أقر له بالجهل في علمه، كما كان ابن عطاء الله يدعو دائماً: يا ربي! أنا الجهول في علمي، فكيف لا أكون جهولاً في جهلي؟! وأنا الفقير في غناي، فكيف لا أكون فقيراً في فقري؟! ولذلك قال لنا أهل العلم: إن المسلم بطبيعته يتأدب مع الله ، فعندما يشعر بالفقر يقول: يا غني أغنني، وعندما يشعر بضعفه يقول: يا قادر يا ناصر انصرني، ويا قوي قوني فإني ضعيف، فقو في رضاك ضعفي، وخذ إلى الخير بناصيتي. فمن أنصف ربه أقر له بالجهل في علمه؛ لأننا إن أقررنا بالجهل علمنا رب العباد، كما روي في الأثر: ما يزال الرجل يتعلم ويتعلم، فإن ظن أنه علم فقد جهل.

стр. 6

الإقرار بالآفات في العمل يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: طوبى لمن أنصف ربه، فأقر له بالجهل في علمه وبالآفات في عمله. فحين أصلي لا أقول: أديت الذي علي، بل أصلي وأخاف أن ترد علي الصلاة فلا تقبل؛ لأن مالي حرام، أو لأن القميص حرام، أو لأن القلب مليء بالغل والحقد على الناس، أو لأن الزوجة تخون زوجها في إخراج أسرار بيته، أو أن الزوج يخون زوجته فينشر أسرارها، أو لأن المصلي يخون الأمانة، أو يخون الوظيفة فيأخذ ما ليس من حقه، ثم يقف بين يدي الله ويقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. فأنا أصلي وأنا خائف ألا تقبل الصلاة، وأقرأ القرآن وأخاف ألا يتقبل الله مني، وعندي رجاء في القبول، ولكن يجب علي أن أغلب الخوف على الرجاء، فنحن في زمن غلب فيه الناس جميعاً الرجاء على الخوف، لأن الواحد منهم ينظر إلى من هو أقل منه في الدين، وينظر إلى من هو أفضل منه في الدنيا. فإذا صلى الجمعة، ثم خرج فرأى عظيماً بماله كبر في نفسه، ولا ينظر إلى من يصوم الإثنين والخميس، ولا ينظر إلى من يقوم الليل، ولا ينظر إلى من يتقرب بالصدقة، ولا ينظر إلى من يصل الرحم، ولا ينظر إلى من يفعل الخير أو يتوارى بين الناس تواضعاً وخجلاً. فالإنسان يجب عليه أن يقر لله بالجهل في علمه، وبالآفات في عمله. وكان عمر بن الخطاب يقول: اللهم إني أسألك من العمل أخلصه وأصوبه. فيقولون: يا أمير المؤمنين! ما أخلصه وما أصوبه؟ فيقول: أخلصه ما كان لله ، وأصوبه ما كان على الكتاب والسنة. فلا يصح أن أخرج من البيت لأصلي ركعتين عند السيد البدوي، فالصلاة هي عبادة، ولكنها هنا ليست لله ، فاللازم علي وأنا أصلي أو أؤدي العمل أن يكون العمل على منهج الكتاب والسنة، فلا يصح الطواف حول قبر الحسين كما يطاف حول الكعبة، وقد قال ﷺ : (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إن صنعتم كما صنعوا لعنكم كما لعنهم). وبعث علي بن أبي طالب على ألا يدع قبراً مشرفاً إلا سواه، ولا صنماً إلا كسره.

стр. 7

الإقرار بالعيوب في النفس يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (طوبى لمن أنصف ربه، فأقر له بالجهل في علمه، وبالآفات في عمله، وبالعيوب في نفسه)، فيقول: سوف أفرغ وقتي لإصلاح عيوبي. ليس هناك امرؤ يقول: فيَّ عيب. فكل يرى العيب في غيره، ولا يراه في نفسه. فيجب علي أن أقتنع بأنني ذو عيوب، وأتعهد بإصلاح عيوب نفسي، ولو فعل ذلك كل واحد لبلغنا مبلغاً عظيماً، فمن منا لم تأت عليه أوقات لم يؤد فيها زكاة ماله، أو لم يصم رمضان، أو لم يقم بالنوافل، أو قطع رحمه؟! ومن منا يبيت مظلوماً تدعو له الملائكة، ولا يبيت ظالماً تدعو عليه الملائكة؟!

стр. 8

دوران العبد بين رؤية عدل الله ورؤية فضله إن كل واحد منا يرى أنه المظلوم، وأنه هو المسلم الوحيد، وأنه على الطريق الصحيح، ولكن لن يستطيع الإنسان أبداً أن يضحك على نفسه دائماً، كما قال أحد الحكماء: إنك تستطيع أن تخدع بعض الناس كل الوقت، وتستطيع أن تخدع كل الناس بعض الوقت، ولكن لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت. وكذلك لا تستطيع أن تخدع نفسك التي بين جنبيك في بعض الوقت؛ لأنك صادق مع نفسك، حتى وإن قبلت الكذبة ثم صدقتها، فإنك سوف تفيق يوماً، وتعود إلى نفسك يوماً فتوقن بأنك قد فرطت في جنب الله، فتقر لله بأنك جاهل في علمك، وأنك مفرط، وأن عملك مليء بالآفات، وأن نفسك مليئة بالعيوب، وأنك ظالم في معاملة الله ، فإن أخذك بالذنوب رأيت عدله، وإن لم يؤاخذك بها رأيت فضله، وهناك فرق بين عفو الله عن العبد وبين الاستدراج. فالاستدراج معناه: أن عبداً من العباد مقصر في جنب الله، ومع تقصيره ينصب عليه الخير ليل نهار، فهذا استدراج، فالله تعالى يقول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٤ - ٤٥]، والعياذ بالله رب العالمين. إذاً: إذا رأيت العبد مقيماً على المعاصي والخير ينصب عليه فاعلم أنه مستدرج. فالعبد الصالح إن آخذه الله بذنوبه رأى عدله، وإن لم يؤاخذه بها رأى فضله، وإن عمل حسنة رآها من منته عليه، فيقول: من فضل الله علي أنه وفقني لصلاة الجماعة، ومن فضل الله علي أنني تصدقت، ومن فضل الله علي أنني وصلت الرحم، ومن فضل الله علي أنني صمت الإثنين والخميس. وهكذا يرى فضل الله في كل طاعة من الطاعات، وهذه هي المنة الأولى. المنة الثانية: أنه تقبلها منه، وفي الحديث: (إن الله ليقبل صدقة أحدكم بيمينه، فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه). فالله تعالى إذا قبل طاعتي كان ذلك منه منة علي، وإن ردها فلكون مثلها لا يصلح أن يتقرب به إلى الله، وذلك أن على أبواب السماوات ملائكة، فعلى باب كل سماء ملك من الملائكة، فحين يصعد عمل العبد يقول الملك الأول: إن صاحب هذا العمل مغتاب، والله أمرني بألا يمر عمل من عندي صاحبه مغتاب، وعند باب السماء الثانية يقول الملك: أنا الملك الموكل بالنميمة، وصاحب هذا العمل نمام، وفي السماء الثالثة ملك، فيقول: أنا الملك الموكل بالحقد، وصاحب هذا العمل حقود، وفي السماء الرابعة يقول الملك: أنا الملك الموكل بالحسد، وصاحب هذا العمل حسود، وهكذا إلى السماء السابقة، فيقول حملة العرش: ردوا عليه عمله، فالله لا يقبل عمل مغتاب، ولا نمام، ولا حقود، ولا حسود، ولا آكل أموال اليتامى، ولا مقامر، ولا عاق والديه. وقد يكون في عمله جزء ليس لله، والله سبحانه أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن أشرك في عمل مع الله غيره تركه الله وشركه. ولذا يرى العبد نفسه مقصراً، فإن قبل الله عمله كان ذلك بمحض جوده وإحسانه، فلا يرى ربه إلا محسناً، ولا يرى نفسه إلا مسيئاً. نسأل الله سبحانه أن تكون جنة أبداً إن ربنا على ما يشاء قدير، فاللهم تقبلنا في عبادك الصالحين، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، اللهم تب علينا توبة صادقة نصوحاً، نقول جميعاً: تبنا إلى الله، تبنا إلى الله، تبنا إلى الله، تبنا إلى الله، ورجعنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا، وعزمنا عزماً أكيداً على أننا لا نعود لمثل هذا أبداً، وبرئنا من كل دين مخالف لدين الإسلام، والله على ما نقول وكيل. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 9

سلسلة شرح كتاب الفوائد [٢] العمر لا يقاس بطول السنين، بل العبرة أن توضع فيه البركة، وذلك بأن يستثمره العبد في الطاعة وما يبقى جارياً على المسلمين بعد موته فيستمر ثوابه كذلك، ولا يتهاون المرء في معصية الله فتجتمع عليه الصغائر فتهلكه.

стр. 10

استثمار الحياة لما بعد الموت أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد. اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه هي الوقفة الثانية مع الإمام ابن قيم الجوزية رضوان الله عليه، وسمي ابن قيم الجوزية؛ لأن الجوزية مدرسة كان والده قيماً عليها، فهو ابن قيم الجوزية، وقد أجرى الله على يديه خيراً كثيراً. وإن العمر لا يقاس بالسنوات، فقد دخل غلام على عمر بن عبد العزيز فقال له: يا غلام! ليتكلم من هو أكبر منك سناً فقال: يا أمير المؤمنين! لو كان الأمر بالسن لكان هناك في المجلس من هو أحق منك بالخلافة. فليست القضية قضية سن، ولكن القضية في الإسلام هي البركة في العمر، ونحن ندعو دائماً فنقول: اللهم بارك لنا في أعمارنا. فالبركة في العمر مهمة، فليس المطلوب أن يعيش الإنسان حياة طويلة، ولكن المطلوب أن يعيش حياة عريضة يترك فيها خيراً، كما قال الصادق الأمين ﷺ : (عيشوا مع الناس بخير، حتى إن غبتم حنوا إليكم، وإن متم ترحموا عليكم). فحين يغيب المسلم العامل يحن الناس إليه، وحين يموت يترحم الناس عليه، ولكن الفاجر -والعياذ بالله- حين يغيب يحمد الناس الله، وحين يموت يفرح الناس بموته، وهذا دليل على سلب الرحمة منه. قال الله : ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار:٥]، فما أخره الإنسان هو الذي يستمر ثوابه بعد موته إلى يوم القيامة، حتى إن الإنسان ليجد في كتاب حسناته حسنات لم يعملها، فيقول: يا رب! هذه حسنات ما فعلتها في الدنيا! فيقول الله : هذه أعمال قد تركتها بعد موتك. وقد جاء في الحديث أن الإنسان المسلم قد يترك خلفه عشرة أمور يستمر ثوابه فيها بعد موته، فمن بنى مسجداً أو وضع فيه لبنة بقي له أجره إلى يوم القيامة، وكذلك إذا غرس نخلاً، أو شجراً، فأكل منه طائر، أو حيوان، أو إنسان، أو استظل به مخلوق، فيكون له ثواب غرسها إلى يوم القيامة. ثم إنه ما من شيء إلا يسبح بحمد الله، فالشجر وهو أخضر يسبح، فهذا التسبيح ثوابه لمن زرع. فالثواب يعود إليه إذا اتقى الله ، وإذا توكل على الله، وإذا رضي وقنع بما آتاه الله. وقد صار الفلاحون اليوم -مع الأسف الشديد- هم البعيدين كل البعد عن الطريق وعن الالتزام، وكثير منهم حاقد وحاسد وناقم وغير راض، ولا يتقي الله، فبعد أن كان يستيقظ ويبدأ يومه بصلاة الفجر صار من الساهرين أمام التلفزيون والفيديو وغيرهما، فلا يستيقظ إلا متأخراً، ولا يذهب إلى عمله إلا متأخراً. وقد كان الفلاح لا يرجع إلى البيت حتى يخرج حق الفقير قبل أن يعود إلى البيت، وهذا تفسير الحرفي لقول الله : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]، وربنا كان يبارك له في زرعه، فما كانت الأرض تصاب بالآفات، ولم نسمع عن الآفات إلا بعد انقلاب اثنين وخمسين، حيث انتشرت الآفات في مصر انتشاراً غريباً، حتى كثر أساتذة المبيدات، وكثرت شركات المبيدات، وكثرت أمامها الحشرات والآفات الضارة، وصار كل ذلك نقمة على الفلاح ونقمة على الدولة ونقمة على المسئولين، ونقمة على العصاة؛ لقوله ﷺ : (وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا). فربنا جعل الزكاة تطهيراً للمال، وجعلها تزكية للنفس، ووقاية من الشح، وليس المراد أن يقي الإنسان نفسه من الشح بالمال فقط، فهناك من له جاه يستطيع أن يخدم به غيره، وهناك من عنده صحة يستطيع أن يخدم بها الناس، وهناك من عنده علم يستطيع أن يعلمه الناس. فمن علم علماً من العلم المفيد فإن ثوابه يصل إليه بعد موته، ومن غرس نخلاً، أو بنى مسجداً، أو كتب مصحفاً، أو تسبب في طباعة مصحف، أو علم القرآن كان له ثواب ما صنع يصل إليه بعد موته إلى يوم القيامة. وكذلك من ترك صدقة جارية، فعمل مستشفى خيرياً، أو مستوصفاً، أو شارك في بناء مدرسة، أو شارك في بناء مسجد، أو وضع لمسجد مراوح أو ماء، أو أسدى مشغلاً لليتامى ثم ملكهم إياه، فكل هذه صدقات جارية يجري للعبد ثوابها بفضل الله . فمن وفق لإيجاد مشغل لليتامى يعملون فيه، ثم ملكهم إياه؛ كان عمله خيراً كبيراً، فبدل أن كان يتصدق عليهم صاروا يتصدقون على غيرهم. وكذلك لو أنشأ أحد معهداً لتحفيظ القرآن الكريم، فحفظ فيه عدد كبير، فكل حافظ للقرآن يأخذ الثواب، والذي علمه يأخذ نفس الثواب، والذي بنى المعهد يأخذ نفس الثواب، والله هو المتقبل. ومن الأعمال التي يصل ثوابها دعاء الولد الصالح، ونحن بحاجة إلى أن نربي الولد الصالح، فلابد من أن يكون هذا الولد قد أخذ مجهوداً من أبيه، ومجهوداً من أمه، في تربيته؛ وما الفائدة إذا كنت تبني وغيرك يهدمهم؟! فكثير من عوامل الهدم تحيط بأبنائنا، فأنت تتحدث مع الولد عن الصدق وعن الأمانة، وعن القول الطيب، فيذهب إلى المدرسة ويسمع كلمة السوء، فيسمع السب واللعن من أساتذته، فلا يرى قدوة صالحة فيمن يدرسه وفيمن يعلمه، ويعود إلى بيته فيرى أمه تخرج بالحجاب الشرعي، وفي المدرسة يرى حال المدرسات، ويفتح التلفزيون فيجد المذيعة على حالة من التبرج عظيمة، فيحكم على أمه بالجنون، ويحكم على سائر المجتمع بالاستقامة. فالذين تتصل أعمالهم بعد موتهم في قبورهم منهم من بنى مسجداً، ومنهم من كتب مصحفاً، ومنهم من أنجب ولداً صالحاً يدعو له، ومنهم من غرس نخلة أو شجر، ومنهم من حفر بئراً، أو حفر نهراً، فهذه الأمور تصل إلى العبد بعد موته، ولذا يترحم الناس عليه، ولذا لا يسمع مسلم ذكر الصحابة والتابعين إلا وقال: ﵃، كما يقال عن كل صالح: ﵀، فقد كان رجلاً صالحاً. فالميت مستريح أو مستراح منه، فإذا مات الفاجر أو الكافر أو المنافق تقول الملائكة: الحمد لله الذي أراح منه البلاد والعباد، والعياذ بالله رب العالمين. وأسوأ الناس عند الله يوم القيامة رجل يكرم اتقاء شره، لأنه ذو منصب، أو ذو لسان طويل، فيكرم لدفع شره، فهذا هو أسوأ العباد عند الله. فيجب أن نعيش مع الناس كما قال ﷺ : (عيشوا مع الناس بخير حتى إن غبتم حنوا إليكم، وإن متم ترحموا عليكم)، فاللهم اجعلنا منهم يا أكرم الأكرمين.

стр. 11

التحذير من صغائر الذنوب يقول ابن القيم: (إياك والمعاصي). والمعاصي: جمع معصية، وتنقسم المعاصي إلى قسمين: كبائر وصغائر، والكبائر: ما ورد فيها نص بتحريمها، كأكل الحرام، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وعقوق الوالدين، والأدهى من هذا كله هو الشرك بالله ، نسأل الله أن يعصمنا وإياكم من كل شرك. وتكون الكبائر أحياناً بالإصرار على الصغائر، ولذا قيل في الصغائر ثلاث جمل، أولها: لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر إلى عظمة من تعصيه. قال أهل العلم: إن المؤمن يرى نفسه مع ذنبه كرجل قاعد في ظل جبل ضخم جداً يخاف أن يقع عليه، والمنافق والفاجر يرى ذنبه كذبابة وقعت على وجهه فهشها. فالمؤمن يخاف من الذنب، وقد قال الحسن البصري: المؤمن يزرع ويخشى الفساد، والمنافق يقلع ويرجو الحصاد، فالمؤمن يعمل الخير ويخاف ألا يتقبل رب العباد منه، فيصلي الصلاة ويحج ويخاف ألا يقبل ذلك منه؛ لأن الله لا يسأل عما يفعل. ولذلك روي أن إبليس قال لسيدنا عيسى: يا ابن مريم! أأنت تتوكل على الله حق التوكل؟ فقال له: نعم. فقال له: وعندما تنزل بك مصيبة ينجيك منها؟ قال له: نعم، فقال له: ارم نفسك من فوق هذا الجبل وانظر هل ينجيك الله أم لا! فقال سيدنا عيسى: يا لعين! إن الله هو الذي يمتحن عبده، وليس للعبد أن يمتحن ربه. فليس للعبد أن يمتحن الرب، ولكن الله هو الذي يمتحن عبده. الجملة الثالثة: لا صغيرة مع إصرار؛ لأن الصغيرة مع الإصرار ستتحول إلى كبيرة، وتتمة هذه الجملة: ولا كبيرة مع استغفار. الجملة الثالثة: لا صغيرة إن واجهك عدله، ولا كبيرة إن واجهك فضله. فإياك والمعاصي؛ فإنها أذلت أعزة من الخلق، فربنا قال للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة:٣٤] فسجدوا إلا إبليس ما سجد، فخرج من العز إلى الذل؛ لأن للطاعة عزاً، وللمعصية ذلاً، ولذلك تجد المحتجبة بعد عشرين أو ثلاثين سنة فخورة أمام البنات، تقول: الحمد لله على أني بلغت الحلم وأنا محجبة. وكذلك الرجل الذي يصلي منذ بلوغه، فالإنسان يفرح بالطاعة.

стр. 12

سلسلة شرح كتاب الفوائد [٣] الدنيا سجن المؤمن، وهي حياة قصيرة لا تستحق أن يعيرها الإنسان اهتمامه، وطلابها كلاب تتهارش على جيفة سرعان ما تنفك عنها، ولذلك فالعاقل من التزم الكتاب والسنة وطرق أبواب الخير واستعان بالله على ذلك.

стр. 13

الدنيا سجن أهل الإيمان أحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فنسأل الله أن يجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل بيننا شقياً ولا محروماً، وأن يفك برحمته كرب المكروبين، وأن يقضي دين المدينين، وأن يشرح كل صدر ضيق، وأن يفرج هم كل مهموم، وأن يذهب كرب كل مكروب، وأن يتوب على كل ضال، ويهدي كل عاص، ويتولانا وإياكم برحمته، وأن يغفر لنا ويرحمنا. كما نسأله أن يلحقنا بالصالحين، وأن يجعلنا للمتقين إماماً، وأن يجعل هذه الجلسات خالصة لوجهه الكريم، وألا يجعل للشيطان فيها حظاً أو نصيباً، ونسأله أن يبعد عن أبنائنا وبناتنا وذرياتنا شياطين الإنس والجن، وأن يكرمنا بكرمه؛ إنه أكرم الأكرمين. كما نسأله أن يعاملنا بما هو أهله، وألا يعاملنا بما نحن أهله، إنه أهل التقوى وأهل المغفرة، وأن يغفر لنا وأن يسترنا في الدنيا والآخرة، وإذا سترنا في الدنيا فلا يفضحنا على رءوس الأشهاد يوم القيامة، آمين آمين. إن الإنسان في هذا الزمن قد لا يسلك الطريق السوي الصحيح إلا إذا جلس مع أهل الصلاح وأهل التقوى، فاللهم اجعلنا من أهل الصلاح والتقوى، وأذهب غيظ قلوبنا، واشف صدور قوم مؤمنين، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا. وإن الدنيا ليست دار تكريم، فربنا ما جاء بنا إليها من أجل أن يكرمنا، بل الدنيا دار ابتلاء، فهي -كما روي في الحديث الصحيح-: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر). فالمؤمن مسجون في الدنيا يشعر أن عليه قيوداً شتى تمنعه عن صنع أشياء معينة، فلا يستطيع أن يشفي غيظه بما يغضب الله ، كمؤمن تشتمه امرأته، أو تتطاول عليه، فهو يستطيع أن يرد اللطمة لطمتين، وأن يرد الصاع صاعين، وأن يدس لها السم في الطعام، أو أن يذبحها بسكين، ولكنه لا يستطيع أن يشفي غيظه بإغضاب الله ، بل يصبر على الأذى، وهي -كذلك- تصبر على الأذى، وفي هذا ثواب عظيم عند الله. فالمهم ألا نشكو لكل صغير وكبير، وألا نشكو لكل من هب ودب، وألا تصير حياتنا عبارة عن شكوى دائمة، فالذي يشكو دائماً إنما يشكو الذي يرحم إلى الذي لا يرحم، فلتكن شكوانا كلها لله رب العالمين، كما قال تعالى عن يعقوب ﵇: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦]. فالدنيا دار ابتلاء، وليست دار تكريم؛ لأنها قنطرة ومعبر، وليست بدار إقامة. فالمرء في الدنيا يعيش سبعين أو ثمانين أو مائة سنة ولا ينعم، فالدنيا ليست بدار نعيم، ولذلك لما أعطى الله فرعون كل شيء نسي الله رب العالمين، فأعطاه الصحة والجاه والمال والملك، فاستخف قومه فأطاعوه، ومكثوا سنوات طويلة يبنون له قبره الذي يسمى بالهرم، ومع ذلك ما شكر الله . فالإنسان منا قد يتمرد على نعم الله، ويذكر النعمة وينسى المنعم، وهذا سبب شقائنا في الحياة، أي أننا نذكر النعمة وننسى المنعم سبحانه. والله تعالى يجعل العبد الطيب أو الصالح كثير الابتلاءات، من أجل أن يرتبط بربه دائماً، فيرفع يديه إلى السماء وقلبه متوجه إلى السماء وجوارحه كلها متجهة إلى الله رب العالمين تدعو الله أن يخفف من وطأة البلاء، وأن يغفر الذنب، وأن ييسر الأمر، وأن يهب برحمته فضلاً كبيراً.

стр. 14

قاعدة الحياة والرزق والموت والقضاء هناك أربع ركائز هامة يجب أن تكون نصب عينيك، وهي: أنه لا راحة في الدنيا، ولا حيلة في الرزق، ولا شفاعة في الموت، ولا راد لقضاء الله. فإذا عرفت هذه الأمور الأربعة وأيقنت بها استرحت، وإذا غبت عنها بقيت مريضاً تحب الدنيا، كشارب البحر لا يزيده الشرب إلا ظمأ وعطشاً، فالذي يحب الدنيا يبقى نهماً مهموماً، حتى يقعده المرض، فإن تولى منصباً هابه الناس، لا لذاته، وإنما لأجل الكرسي الذي كان يجلس عليه، ولو اتقى الله لأحبه الناس، سواء أكان فوق الكرسي أم تحته. فإن نحي عن منصبه أصيب بالاكتئاب، لأنه صار فرداً عادياً بعد أن كان هو الوكيل أو المدير، فإذا به يصير منزوياً في المجتمع؛ لأنه إنسان ما قدم لنفسه خيراً. فرب العباد قال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩] فهو لما نسي الله نسيه الله، ولذلك جاء أنه في آخر الزمن يغربل الله العباد غربلة، فلا يبقى منهم إلا حثالة كحثالة الشعير لا يبالي الله بهم، فإذا دعا صلحاؤهم لم يستجب لهم.

стр. 15

صبر السلف وأثره على الخلف إن من الجدير بنا أن نصلي على سيدنا رسول الله ﷺ الذي علم الأجيال، وهو الذي علمه ربه ، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته. وأن نترضى عن صحابته، وعن التابعين وتابعيهم بإحسان الذين نشروا العلم، وحافظوا عليه مع ما لاقوا في سبيله، فلو أنهم حين حوربوا سكنوا واستكانوا وخافوا ما وصل العلم إلينا، وما انتشر العلم أبداً. الإمام مالك رضوان الله عليه من شدة تعذيبه خلعت ذراعه، فكان رضوان الله عليه لا يستطيع أن يضع في الصلاة يداً على يد، فكان يرسل يديه، حتى ظن أتباعه أن إرسال اليدين سنة من السنن في الصلاة. وأحمد بن حنبل رضوان الله عليه سجن ثلاثة عشر عاماً ليقول كلمة، وربنا يقول: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣]. لقد حوربوا في أقواتهم وفي أرزاقهم، وما زال أهل الحق يحاربون إلى يومنا وإلى أن تقوم الساعة، ولكن ستظل طائفة من الأمة قائمة على الحق لا يضرها من ضل إذا اهتدت. فـ أحمد بن حنبل إمام أهل السنة رضوان الله عليه كان يضرب فيغشى عليه، فيفيق فيجد تلاميذه من حوله يبكون بكاءً مراً، ويتعجبون فيقولون له: يا إمام! كنت تضرب وتضحك، ونحن كنا نراك ونبكي! فكان يقول لهم: أنتم كنتم ترون هذا الجلاد، أما أنا فكنت أرى يد رب العباد. فهذا هو الفرق بين المؤمن ومدعي الإيمان، وهو الفرق بين الإنسان الذي لا ينحني أبداً إلا لله وبين غيره؛ لأن الأعمار مكتوبة، ولذلك يقول ﷺ : (خير الشهداء حمزة -عمه- ورجل دخل على حاكم ظالم فوعظه، فإن قتله فبأجل الله ، وإن لم يقتله عاش على الأرض مكتوباً عند الله شهيداً). وهكذا كان أبو حنيفة ﵁ عندما أراد أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور أن يوليه أمر القضاء، فدخل على أمير المؤمنين فقال له: والله إني لا أحسن القضاء. فقال: عجباً يا أبا حنيفة! أتكذب؟! فقال: يا أمير المؤمنين! إن كنت كاذباً فكيف تولي قضاء المسلمين كاذباً؟! وإن كنت صادقاً في أني لا أحسن القضاء فصدقني. وقد كان لي أستاذ يقول: كنت أدرس في الأزهر، فكان شيخ الأزهر يسأل: لِمَ لَمْ يعين فلان؟ فيقول: لأنه مخلص. فكأن الإخلاص ليس من مسوغات التعيين في زماننا. فـ أبو حنيفة رضوان الله عليه عذب وسجن، وهكذا الإمام الشافعي، وهكذا ابن تيمية، وهكذا ابن قيم الجوزية. وقد نقلت لنا كتب التاريخ أن أبا حازم دخل على هشام بن عبد الملك فخلع حذاءه ببابه وقال: السلام عليك، كيف أنت يا هشام؟ فقال: يا أبا حازم! أغضبتنا في أمور ثلاثة: خلعت حذاءك ببابنا، ولم تسلم علينا بإمرة المؤمنين، ولم تكنني، فلم تقل: يا أبا فلان ولكن ناديتني باسمي. فقال له: يا هذا! إني أخلع حذائي أمام ربي خمس مرات في اليوم والليلة فلا يغضب، فلم تغضب أنت؟! ولم أنادك بإمرة المؤمنين لأنه ليس كل المؤمنين قد وافقوا على أنك أمير لهم، أأحشر أمام الله منافقاً يوم القيامة؟! فلو كان ابن القيم وغيره على مثل حالنا ما انتشر العلم، ولكنهم تعبوا في تحصيل العلم، فهذا عبد الله بن مسعود جلس في الكعبة يقرأ سورة الرحمن، فضربه كفار قريش، حتى كان أبو جهل يحرف كعب حذائه على أنفه حتى استوى أنف عبد الله مع وجهه. فلو كانت أم عبد الله بن مسعود أو امرأته مثل أمهاتنا وزوجاتنا لضاع الدين، ومع ذلك لا تزال طائفة قائمة تقول الحق لا تخشى في الله لومة لائم مع ما يحدث لها من مآس.

стр. 16

أحوال المرء في الأنس بالله تعالى يقول ابن القيم: (من فقد أنسه بالله بين الناس ووجده في الوحدة فهو صادق). وصاحب هذه الحال أحد السبعة الذي يظلهم الله في ظلة يوم لا ظل إلا ظله ففي الحديث: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه). فهذا الرجل قعد وحده فبكى، فذلك دليل على أن قلبه معمر بذكر الله، اللهم عمر قلوبنا بذكرك يا رب. قال: (ومن وجده بين الناس وفقده في الخلوة فهو معلول) أي: مريض. يقول: إن وجدت أنسك بالله مع الناس وفقدته وأنت منفرد فأنت مريض؛ لأنك في المسجد تصلي بهدوء، وفي البيت تنقر الصلاة، وأمام الناس أنت رجل طيب وصالح، ومع أهل البيت رجل آخر، إذاً: فهذا شخص نستطيع أن نقول عنه: منافق؛ لأنه يظهر للناس بوجه ويكون مع الله بوجه آخر. قال: (ومن فقده بين الناس وفي الخلوة فهو ميت مطرود، ومن وجده في الخلوة وفي الناس فهو المحب الصادق). فالمحب الصادق هو الذي يجد الأنس مع الله، سواء أكان في جماعة أم كان وحده في الليل والنهار، فالله جعل هذا الإنسان محباً صادقاً، كما قالت رابعة: فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني بين العالمين خراب إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب

стр. 17

أشرف أحوال الاختيار أشرف الأحوال ألا تختار لنفسك حالة سوى ما يختاره لك الله، فإذا كنت تريد أن تدخل في المكان الفلاني، أو تتزوج ابنتك فلاناً، أو يتزوج ابنك بنت فلان، أو تحصل على المسألة الفلانية؛ فدع ذلك كله لله ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨]. فإن قلت: ماذا أختار؟ قال لك الإمام ابن القيم: اختر ألا تختار، ولو كان لابن آدم واد من ذهب لتمنى ثانياً، ولو كان له اثنان لتمنى ثالثاً، ولن يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. فكن مع الله في حالة من الرضا، فاللهم اجعلنا من الراضين يا رب.

стр. 18

لا تغتر بمجالسة الصالحين إن مصابيح القلوب الطاهرة في أصل الفطرة منيرة فالقلوب التي لا تعرف غشاً ولا نفاقاً ولا حسداً ولا بغضاء، فأصل الفطرة منيرة قبل الشرائع، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور:٣٥]. يقال: إن قس بن ساعدة بليغ العرب كان من الموحدين، ولكنه لم ير الرسول ﷺ . وكذلك النجاشي، فقد كان موحداً ولم ير رسول الله ﷺ ، وصلى عليه رسول الله صلاة الغائب، وترحم عليه. وكفر ابن أبي وقد صلى خلف رسول الله ﷺ ، فهو في النار يوم القيامة، وهو القائل: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨]. يعني بالذليل رسول الله ﷺ ، وحاشاه ﷺ ، وفي غزوة أحد خذل المسلمين حين أخذ الرسول ﷺ برأي الشباب، وهو الذي تولى كبر الفرية في قضية اتهام السيدة عائشة أم المؤمنين ورميها بالزنا لما رجعت مع صفوان بن المعطل عقب غزوة بني المصطلق، فقال: هذه أمكم قد زنت مع فلان. وقد جاء ابنه إلى رسول الله ﷺ يستأذنه في قتله، فقال: لا، لكي لا يقال: إن محمداً يقتل أصحابه. فلما مات وبلغ الرسول ﷺ موته قام ليصلي عليه، فوقف عمر فأخذ بثوبه وقال: أتصلي عليه وقد قال كذا وكذا يوم كذا وكذا؟ فقال له: (إن ربي قد خيرني، وإني لو أعلم أنني لو استغفرت له أكثر من السبعين غفر له لاستغفرت). ولما صلى رسول الله ﷺ عليه نزل جبريل وهو عند المقبرة بقوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]. فأعلم النبي ﷺ حذيفة بن اليمان أمين سر رسول ﷺ بأسماء سبعة عشر منافقاً في المدينة، فلو أن واحداً منهم مات بعد رسول الله ﷺ فإن حذيفة يقول للمتولي مكان الرسول: لا تصل عليه؛ لأن هذا من السبعة عشر، ولم يكن أحد يعرف أحداً من السبعة عشر أبداً إلا حين يموت فيترك حذيفة الصلاة عليه. ولما تولى عمر بن الخطاب إمارة المؤمنين قال لـ حذيفة: أستحلفك بالله، أسماني لك رسول الله ﷺ ؟! فـ عمر بن الخطاب يخاف أن يكون من المنافقين، فهو يتهم نفسه بالنفاق، ونحن نسأل الله السلامة. فهذا عمر الذي قال فيه رسول الله ﷺ : (لو كان بعدي نبي لكان عمر)، وقال: (لولا أنت لهلكنا يا ابن الخطاب)، وقال: (كان فيمن قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي فهو عمر). وأخبر ﷺ بأنه دخل الجنة فرأى قصراً وجارية تتوضأ على نهر، فقال: لمن القصر؟ فقيل: لـ عمر، فأراد دخول القصر فتذكر غيرة عمر فلم يدخل. فمصاحبة عبد الله بن أبي لرسول الله ﷺ يؤخذ منها ألا تغتر بصحبة الصالحين، فلقد صحب عبد الله بن أبي ابن سلول رسول الله ﷺ وما انتفع بصحبته. ولا تغتر بكثرة العبادة، فما كان امرؤ أعبد من إبليس، ولا تغتر بالعلم، فما كان امرؤ أعلم من بلعام بن باعوراء الذي ذكر في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦]. فقد كان يعبد ربنا بصدق، فلما عصى الله وأخلد إلى الأرض كان من الغاوين، فكن مع الله يخف الله المخلوقات منك.

стр. 19

العظة والعبرة في رعاية الله لموسى وغيرها من القواعد العظيمة كم في قصص القرآن من عظات وعبر، ومن تلك القصص قصة موسى ﵇ حين التقطه آل فرعون وهو رضيع، حيث جاء طفلاً خالياً عن أم إلى امرأة خالية عن ولد، ثم أتي بأمه لترضعه ولتأخذ على إرضاعه أجراً، وذلك لأنهم لما أخذوا موسى وعرضوا عليه المراضع، لم يقبل واحدة منهن، قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [القصص:١٢ - ١٣] لأن الله أوحى إليها: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص:٧]، فقال تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:١٣]. فلما التقم ثدي أمه عرض عليها أن تقيم في بيت فرعون؛ فقالت: عندي أولاد. فانظر إلى التوكل على الله كيف يعمل! فكم ذبح فرعون في طلب موسى من ولد؟! وذلك لأجل رؤيا فسرت بأن من بني إسرائيل من سيأخذ ملكه، فأمر بقتل كل مولود من بني إسرائيل، ولسان القدر يقول: لن نربيه إلا في حجرك. فكن متوكلاً على الله كما كانت أم موسى ﵇؛ إذ المراد من القصة أخذ العبرة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١] أي: أصحاب العقول الناضجة المفكرة.

стр. 20

حقيقة الدنيا إن الدنيا كامرأة بغي لا تثبت مع زوج، فلا ترض بالدياثة. والدنيا كجيفة، وطلابها كلاب، فمن أحب الدنيا فليجعل من نفسه كلباً، وكل رجل إما أن يكون من أهل الجنة أو من أهل النار، فإن كان من أهل الجنة فكيف تحسده على الدنيا؟! إذ كم تساوي الدنيا عند الله بالنسبة إلى الجنة؟! وإن كان من أهل النار فكيف تحسده على هذا المآل الذي سوف ينزع منه مهما كانت دنياه؟! فالسير في طلب الدنيا سير في أرض مسبعة، والسباحة فيها سباحة في غدير التمساح، فالمفروح به منها هو عين المحزون عليه، فآلامها متوالية من لذاتها وأحزانها. إن طائر الطبع يرى الحبة، وعين العقل ترى الشَّرَك، غير أن عين الهوى عمياء لا ترى. والذين يؤمنون بالغيب هم الذين غضوا أعينهم عن الشهوات: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] وهؤلاء يقال لهم: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات:٤٦].

стр. 21

الهلاك في إعراض الله عن عبده كيف يسلم من له زوجة لا ترحمه، وولد لا يعذره، وجار لا يحمله، وصاحب لا ينصحه، وشريك لا يوافقه، وعدو لا ينام عن معاداته، ونفس أمارة بالسوء، ودنيا متزينة، وهوى مُرد في ضياع دنيا، وشهوة غالبة، وشيطان مزين، فكل هؤلاء أعداؤه، فإن تولاه الله وجذبه إليه انقهرت له هذه كلها، وإن تخلى عنه ووكله إلى نفسه اجتمعت عليه فكانت الهلكة. ولا تظن أن الشيطان غلب، ولكن الولي أعرض، فالشيطان ضعيف، وإنما غلب لأن الله قد أعرض عن العبد.

стр. 22

عاقبة الإعراض عن تحكيم الكتاب والسنة لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم، وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ومحق في عقولهم، وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى ربي عليها الصغير وهرم عليها الكبير، فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البدعة مقام السنة، والعقل مقام النص، والهوى مقام الاتباع، والضلال مقام الهدى، والمنكر مقام المعروف، والجهل مقام العلم، والرياء مقام الإخلاص، والباطل مقام الحق، والكذب مقام الصدق، والمداهنة مقام النصيحة، والظلم مقام العدل، فصارت الدولة والغلبة لهذه الأمور وأهلها هم المشار إليهم، وكانت قبل ذلك بأضدادها، وكان أهلهم هم المشار إليهم. فإذا رأيت دولة هذه الأمور قد أقبلت، وراياتها قد نصبت، وجيوشها قد ركبت؛ فبطن الأرض -والله- خير من ظهرها، وفي الحديث: (سوف يأتي زمان على أمتي يمر فيه الرجل بقبر أخيه فيقول: يا ليتني كنت مكانه). فحينئذٍ تكون شعف الجبال خيراً من السهول، ومخالطة الوحوش أسلم من مخالطة الناس. اقشعرت الأرض، وأظلمت السماء، وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة، وذهبت البركات، وقلت الخيرات، وهزلت الوحوش، وتكدرت الحياة من فسق الظلمة، وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة، وشكى الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والخبائث، وهذا -والله- منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه، ومؤذن بليل بلاء قد ادلهم ظلامه، فاعدلوا عن طريقكم هذا بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوحاً، وكأنكم بالباب وقد أغلق، وبالرهن وقد غلق، وبالجناح وقد علق، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. فاشتر نفسك اليوم، فالسوق قائمة والثمن موجود، والبضائع رخيصة، وذلك بصلة رحم، وبصدقة، وبزكاة، فأبواب الخير مفتوحة، وسيأتي على تلك السوق والبضائع يوم لا تصل فيه إلى قليل أو كثير منها، ذلك يوم التغابن، يوم يعض الظالم على يديه، ويقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً.

стр. 23

حال العمل الخالي من الإخلاص العمل بغير إخلاص كالمسافر يملأ جرابه رملاً يثقله ولا ينفعه، فكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا التعب والنصب، فالذكر، والدعاء، ومجالس العلم، وقراءة القرآن، وقيام الليل، كل ذلك إذا لم يكن بإخلاص كان صاحبه كالمسافر الذي يحمل على دابته فوق طاقتها، ولا يوفيها علفها، فما أسرع ما تقف به!

стр. 24

لذة العافية بعد مر الصبر إن من لمح حلاوة العافية هانت عليه مرارة الصبر، ومثال ذلك في مريض أجرى له الطبيب عملية، فهو يصبر على ألم العملية من أجل عافية البدن. إن الفوز هو دخول الجنة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥]، وبينك وبين الفائزين جبل الهوى، فهواك نزل بين يديك ونزلت أنت خلفه، وأولئك تركوا الهوى وراءهم. ومن جعل الغراب له دليلاً يمر به على جيف الكلاب فالدنيا مضمار، وقد انعقد الغبار وخفي السابق بين راكب وراجل، وأصحاب حمر معقرة. سوف تعرف إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار

стр. 25

سلسلة شرح كتاب الفوائد [٤] لقد خلق الله الإنسان وجبله على الطمع والشره، وجعل فيه حب الشهوات، فهي تصطاده وتصده عن السير إلى الله إن ترك للنفس زمامها وحرص على الدنيا وأطماعها، وقد جعل الله علاج النفس بمحاربتها والانقطاع إليه سبحانه.

стр. 26

شراهة الطبع وفائدة الحمية يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (في الطبع شره). فالإنسان بطبعه طماع لا يقنع بالقليل، ولا يسمع كلام الحبيب ﷺ عندما يقول: (ما قل وكفى خير مما كثر وألهى) وقليل تشكره خير من كثير لا تطيقه، وقليل يكفيك خير من كثير يطغيك. أي: أن الوقاية خير من العلاج. وفي الحديث يقول ﷺ : (إياك وما يعتذر منه) يعني: ليس هناك داع إلى فعل عمل أحتاج إلى الاعتذار منه، وقد قال الإمام الشافعي: من واجب الناس أن يتوبوا، ولكن ترك الذنوب أوجب. فحين أذنب يجب علي أن أتوب، ولكن من أفضل العمل ألا أذنب، وفي الحديث: (ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه)، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. والدهر في تقلبه عجيب، ولكن الأعجب منه غفلة الناس.

стр. 27

لص الحرص لا يمشي إلا في ظلام الهوى إن لص الحرص لا يمشي إلا في ظلام الهوى، والحريص هو الذي يمسك ما معه إلى درجة البخل، فالحرص مطلوب، ولكن لو زاد على حده أفسد. فالإنسان قد يبخل بوقته، فيخاف من أن ينفق من وقته، أو ينفق من ماله، أو ينفق من علمه، أو ينفق من جاهه، فهو بخيل بوقته على الله، وبخيل بماله على الله، وبخيل بجاهه على الله، فـ ابن القيم يقول: لص الحرص لا يمشي إلا في ظلام الهوى. وفي المثل الجاري: الطيور الشريرة لا تطير إلا ليلاً، كالخفاش والبومة، وهكذا اللص لا يمشي إلا في الظلمات، فلص الحرص لا يمشي إلا في ظلام الهوى، والمراد به ظلمة القلب، فالقلب يتنور بالإيمان وبالتقوى، وبذكر الله ومجالس العلم.

стр. 28

فخ التلف في الاستلذاذ بالمشتهى إن حبة المشتهي تحت فخ التلف، فتفكر في الذبح. كحال الطائر الذي يقصد الحبة فيقع في فخ الصياد. ومثال ذلك في المرشحين في الانتخابات، فكل واحد منهم يريد أن يأخذ كرسياً في البرلمان. وقد قيل: إني بليت بأربع ما سلطوا إلا لجلب مشقتي وعنائي إبليس والدنيا ونفسي والهوى كيف الخلاص وكلهم أعدائي فحبة المشتهي تحت فخ التلف، فتفكر في الذبح، والناصح المؤمن يعلم هذا، فالنهاية والعاقبة مع الصبر هي حلاوة النجاة، ولذلك يروى أن إبراهيم بن أدهم قال: مررت بصومعة راهب في الشام، فقلت: أيها الراهب! منذ كم أنت هاهنا؟ فقال: يا إبراهيمي -أي: أنه على ملة إبراهيم- منذ سبعين سنة. فقلت: وما الذي يصبرك على هذا الشقاء؟! فقال: أتباعي لهم يوم في السنة يأتون فيه إلي هنا ليحتفلوا بي، فيزينوا المكان، ويذبحوا الذبائح، ويجمعوا الناس، فأنا أصبر السنة كلها من أجل هذا اليوم. فقلت: متى هو؟ قال: بعد أسبوع. فقعد إبراهيم بن أدهم أسبوعاً، فإذا بهم قد أتوا بالهدايا والذبائح، فأخذ الرجل بضع حبات من تمر فقال لرجل: ساومهم على شرائها. فقال: من يشتري من الراهب؟ فقالوا جميعاً: نشتري، فبكم الحبة؟ فقال أحدهم: أنا أشتريها بعشرة دنانير. وقال آخر: أنا أشتريها بمائة. فوزع على كل واحد حبة بمائة دينار. ثم قال الراهب لـ إبراهيم بن أدهم: يا إبراهيمي! أرأيت كيف أني أصبر العام كله لأجل يوم، وأنت لا تريد أن تصبر العمر من أجل نعيم لا نهاية له في جنة عرضها السموات والأرض؟! يا إبراهيمي! أرأيت كيف يعتز مخلوق بعطية مخلوق فيشتريها، والله سبحانه قد اشترى منك نفسك ومالك، فهل بعت لله يا إبراهيمي؟! وهناك مقالة قالها الحسن البصري، فقد قال: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى والآخرة من خزف يبقى لكان الخزف الذي يبقى خيراً من الذهب الذي يفنى، فكيف والآخرة ذهب يبقى والدنيا خزف يفنى؟! أي: فالكارثة أن الدنيا عبارة عن خزف فان، والآخرة عبارة عن ذهب باق، ونحن نفضل الخزف الفاني على الذهب الباقي.

стр. 29

البخل فقر غير مأجور عليه إن البخيل فقير لا يؤجر على فقره. قال علي بن أبي طالب: عجباً للبخيل يعيش عيشة الفقراء، ويحاسب حساب الأغنياء. وفي الحديث أن المرء يسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه. ويضرب المثل في البخل بـ مادر، فيقال: أبخل من مادر، وقد قيل له: ممن تعلمت البخل؟ فقال: من قبيلتي كلها.

стр. 30

تقديم عطش الضر على شرب المنة يقول ابن القيم: الصبر على عطش الضر ولا الشرب من شرعة المن. والمراد الصبر على الأذى والابتعاد عن منة الآخرين عليك، كصبر المرء على قلة ذات اليد عن أن يمن عليه مان بعطيته. وأكبر المن أن نمن على الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧]. فلله المن، وليس لك أنت؛ لأن المنة أولاً وأخيراً لله رب العالمين لا شريك له.

стр. 31

لا تسل غير الله وقديماً قالوا: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. وهذا مثل عند العرب معروف، أي: لا تقتات بعرضها، واليوم تجدهم يحاولون جعلك تتعاطف مع الراقصة، فيقولون: بدلاً من أن تسأل الناس تعمل في الرقص بشرف. والمراد من هذا المثل -تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها- ألا تسأل سوى مولاك، فسؤال العبد غير سيده تشنيع عليه، فحين تذهب إلى جارك فتقول له: يا عم! أعطني جنيهاً يكون معنى ذلك أن أباك بخيل، فحين تطلب من غير الله تكون مثل العبد الذي يطلب من غير سيده، فلا تسأل غير سيدك، ولا تسأل سوى مولاك، فسؤال العبد غير سيده تشنيع عليه.

стр. 32

ثمار غرس الخلوة قال ابن القيم: غرس الخلوة يثمر الأنس. فأنت عندما تخلو بالله وحدك تأنس به تعالى. ويقول: استوحش مما لا يدوم معك، واستأنس بمن لا يفارقك. فالذي لا يدوم معي هو الدنيا، فأحصلها بالوحشة منها؛ لأنها لا تدوم. واستأنس بمن لا يفارقك، وذلك بالعمل الصالح. وقد روي أن موسى ﵇ قال: يا رب! ما أفضل الأعمال عندك؟ فقال: يا موسى! أن تذكرني ولا تنسى، فإنك إن ذكرتني شكرتني، وإن نسيتني كفرتني، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢].

стр. 33

من ذاق عرف لإخواننا الصوفية جملة لطيفة قوية، وهي: (من ذاق عرف). فالذي يذوق الشيء هو الذي يعرف قيمته، فحين تكلم عاصياً على حلاوة العبادة، أو تكلمه على لذة المناجاة في جوف الليل وهو لا يصلي أصلاً فإنه لا يدرك ما تعنيه بالضبط، فمن ذاق شيئاً عرفه، فالذي يذوق طاعة الله يعرفها. وأعجب الأشياء أن تعرفه تعالى ثم لا تحبه، وأن تسمع داعيه ثم تتأخر عن الإجابة، وأن تعرف قدر معاملته ثم تعامل غيره، وأن تذوق ألم الوحدة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته، وأن تذوق العذاب عند تعلق القلب بغيره ولا تهرب منه إلى نعيم الإقبال عليه والإنابة إليه. والأعجب من هذا علمك أنك لابد لك منه، وأنك أحوج شيء إليه، وأنت عنه معرض. أي أنك عارف بأنك لن تجد غيره، وأنك محتاج إليه، فليس هناك إلا هو ومع ذلك تعرض عنه، فلو فكر الإنسان في هذا لسلك في حياته مسلكاً آخر، ولو جئنا بكل فقرة من كتاب الفوائد لكان فيه صحوة للغافلين؛ لأن كتب ابن القيم فيها الدواء الشافي لكل قلب بعيد عن الله .

стр. 34

خطر الحرص وتتبع الشهوات يقول ابن القيم: [لص الحرص لا يمشي إلا في ظلام الهوى]؛ لأن اللص لا يمشي إلا في الليل، المثل الإنجليزي يقول: الطيور الشريرة لا تطير إلا ليلاً، فالخفاش لا يطير إلا في الليل والبومة لا تطير إلا في الليل، وهكذا اللص لا يسير إلا خلسة، فهو دائماً يمشي في الظلمات، وكأن ابن القيم يريد أن يقول: إن الهوى يحدث في القلب ظلمة فالمطلوب أن ينور القلب بالإيمان وبالتقوى وبذكر الله وبمجالس العلم، فهذه إذاً العوامل التي تضيء القلب، فلا تجعله حريصاً، وطالما وجدت مدارس العلم ونحن نستمع إليها فإن النور يقهر الظلام ويحل مكانه. [وحبة المشتهي تحت فخ التلف] يريد بحبة المشتهي: ما يشتهي أن يأخذه أحد من حاجة معينة، وكأن المشتهي طائر يريد أن يلتقط حبة من شرك، ونضرب مثلاً بالمرشحين في الانتخابات، فكل واحد منهم يريد أن يأخذ كرسياً في البرلمان، يحصل له بسببه حصانة ومركز مرموق، وهذا وأمثاله ما عبر عنها ابن القيم بحبة المشتهي. أما كونها تحت فخ التلف، فهو فخ منصوب فالمرشح في مثل هذه الانتخابات يصرف أموالاً طائلة من أجل أن يصل إلى ما يريد. فـ ابن القيم ﵀ بقوله: حبة المشتهي تحت فخ التلف، يناديك: يا مؤمن! تيقن أنك لو أخذت حبة المشتهي ونزلت في الفخ سيمسكك الصياد، وإذا أمسكك فسوف يذبحك، والصياد يتمثل في: إبليس والدنيا، قال سيدنا أبو بكر الصديق: إني بليت بأربع ما سلطوا إلا لجلب مشقتي وعنائي إبليس والدنيا ونفسي والهوى كيف الخلاص وكلهم أعدائي فالمؤمن يضع في ذهنه النهاية والعاقبة، مثله كمثل الطالب المجد طوال السنة تراه يسهر طوال الليل، يبذل الجهد تلو الجهد وفي آخر السنة تطغى حلاوة التفوق على ألم الاستذكار، فالذي جعله صابراً على هذا حلاوة النجاح. قيل لـ إبراهيم بن أدهم: يا إبراهيم! من أين تعلمت العلم؟ قال: تعلمته من رجل أسير، قيل: أنت يا إمام المسلمين تعلمت من رجل أسير!! قال: بل قال لي جملة واحدة، ثم قال: مررت بصومعة راهب في الشام فقلت: أيها الراهب! منذ كم وأنت ههنا؟ قال له: يا إبراهيم! منذ سبعين سنة، فقلت له: سبعين سنة وأنت في هذه الصومعة، ما الذي يصبرك على هذا الشقاء؟ قال: أتباعي لهم يوم في السنة يأتون فيه إلي ليحتفلوا بي، فيزينوا المكان ويذبحوا الذبائح ويجمعوا الناس فأنا أصبر السنة كلها لأجل ما يحدث في هذا اليوم، فقلت له: ومتى سيكون ذلك؟ قال: هذا بعد أسبوع، فقلت: سأجلس معك إلى أن يأتي هذا اليوم. فقعد إبراهيم بن أدهم يرقب اليوم حتى أتى، فرأى الناس يفدون على الراهب ويزينون المكان ويذبحون الذبائح مبتهجين. فدنا الراهب من إبراهيم وأعطاه كيساً فيه بضع حبات من قمح وقال له: ساومهم على شرائها فقال إبراهيم: من يشتري حبات الراهب؟ فقالوا جميعاً: نشتري، بكم الحبة؟ قال أحدهم: أنا أشتري الحبة بعشرة دنانير، وقال آخر: أنا أشتريها بمائة، فوزع على كل واحد منهم حبة بمائة دينار. ولا عجب فنحن نرى اليوم البابا في الفاتيكان يخرج من الشرفة ثم يرش ماء البركة بزعمه فمن وقعت على وجهه قطرة منه فقد غفر له بزعمهم ورضي عنه الرب. ثم قال الراهب: يا إبراهيم! أرأيت كيف أني أصبر العام كله من أجل يوم وأنت لا تريد أن تصبر العمر من أجل جنة عرضها السموات والأرض، يا إبراهيم! أرأيت كيف يعتز مخلوق بعطية مخلوق فيشتريها والله سبحانه قد اشترى منك نفسك ومالك فهل بعت لله يا إبراهيم؟ وبذلك نكون قد أدركنا معنى قول ابن القيم: حبة المشتهي تحت فخ التلف فتفكر للذبح، المؤمن الناصح يرى الفخ، لكن المؤمن العاصي يرى الحبة، وقد هان الصبر، وقد تقدم قول الحسن البصري: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لفضل العاقل الخزف الباقي على الذهب الفاني، فما بالكم ونحن نفضل الخزف الفاني على الذهب الباقي!! يفرض جدلاً أن الدنيا ذهب، لكنه فاني، والآخرة عبارة عن قليل من الخزف لكنه باقي، نجد أن العاقل يفضل الباقي ويختاره على الفاني وإن كان ذهباً. لكن الحقيقة أن الدنيا عبارة عن خزف فان والآخرة عبارة عن ذهب باق، وللأسف أنا نفضل الخزف الفاني على الذهب الباقي. [البخيل فقير لا يؤجر على فقره] أي أنه سبب فقر نفسه، قال علي بن أبي طالب: عجباً للبخيل يعيش عيشة الفقراء ويحاسب حساب الأغنياء. فهو في الدنيا من رآه ظن أنه مسكين، لكن الله يحاسبه على أنه غني، وحساب الغني في القيامة يطول، وفي الحديث أن المرء يسأل (عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه)، فالبخيل فقير لا يؤجر على فقره. قيل لـ مادر -رجل يضرب به المثل في البخل فيقال: أبخل من مادر -: ممن تعلمت البخل؟ قال: من قبيلتي، قالوا: كيف ذلك؟ قال: كنت أخرج وإخواني للصيد، فإذا ما انتهينا وضع كل منا صيده في القدر فكان كل واحد منهم يربط قطعة اللحم التي يملكها فيظل ممسكاً بها حتى لا تختلط. قال ابن القيم: [الصبر على عطش الضر ولا الشرب من سلعة المن] قوله: عطش الضر: هو الإنسان يحرم من نعمة معينة، وإنما سماه ابن القيم: عطش الضر؛ لأنه يتضرر منه، كأن لا يوجد للإنسان ولد يرثه، أو كان عنده بنتان ويريد ذكراً، أو كان عنده ولد عاق وكان يتمنى ولداً طائعاً، أو كان لا يمتلك نقوداً ويتمنى أن يصبح عنده نقود، أو كان يرغب أن يصبح وزيراً ولم يحصل ذلك، وغيرها من النعم المسلوبة. أما سلعة المن، فالمراد العطية يعطيها ثم يمن على من أعطاه بها، فالصبر على عطش الضر خير من الشرب من سلعة المن، ومن العجيب ما يقع فيه البعض في لحظات الضعف الإيماني إذ يمنون على الله -والعياذ بالله- في الركيعات التي يؤدونها حتى يقول قائلهم: أنا أصلي من ثلاثين سنة ولا يوجد عيل إلا في منزلي!! وغيرها من المقولات التي لا ينبغي أن يكررها مسلم إذ المنة كلها لله وحده، قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧]. فالمنة أولاً وأخيراً لله رب العالمين لا شريك له. ثم يقول مؤكداً معنى قوله: الصبر على عطش الضر ولا الشرب من سلعة المن: [تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها] وهذا مثل عربي معروف، أي: أن الحرة تجوع ولا تتاجر بعرضها، لكن أصحاب الفن والسينما يجعلونك تتعاطف مع الراقصة، فتجد من يقول: هذه مسكينة غدرها زوجها وليس لها حظ، وتظل هي تبكي وتقول: فأنا بدلاً من أن أسرق أو أشحت أشتغل بشرف!! ولعمري عن أي شرف تتحدث هذه الراقصة. وقد فوجئت قبل أيام بخبر في الأخبار: أنه في يوم السبت الماضي قبضت شرطة الآداب على ثلاث رقاصات يرقصن من غير ترخيص، وهذه أول مرة أعرف في الحقيقة أن هناك تراخيص تمنح للراقصات، ولا أدري أي جهة تمنح التراخيص. ثم يحث ابن القيم على التوجه لله وحده فيقول: [لا تسأل سوى مولاك، فسؤال العبد غير سيده تشنيع عليه]، ومثل ذلك أن ابنك يذهب لجارك ويقول له: يا عم! أعطني جنيهاً فيقول الجار في نفسه: إن جاري بخيل، فأنت بدلاً من أن تقول: يا رب! تقول: يا عبد الله، إذاً أنت تشنع على الله. فمثلك حين تطلب من غير الله كمثل العبد الذي يطلب من غير سيده فيشنع على السيد بالبخل.

стр. 35

الأنس بالله يقول ابن القيم: [غرس الخلوة يثمر الأنس]. أي: أنك حين تخلو بالله وحدك تشعر بالأنس، فالثمرة التي تجنيها من الخلوة مع الله الأنس والطمأنينة، وإن وصفك الناس أنك منعزل، أو قالوا: هذا انعزالي: هذا طريقه من البيت إلى الجامع لا عمل له. والحقيقة أن ذلك ليس عيباً. ثم يؤكد هذا المعنى فيقول: [استوحش مما لا يدوم معك واستأنس بمن لا يفارقك] يريد بقوله: مما لا يدوم معك الدنيا وما فيها، فالدنيا وما فيها ستفارقك قطعاً، فحقها أن تلاقيها بالوحشة لا بالأنس، وقوله: واستأنس بمن لا يفارقك، يريد أن تستأنس بالله وبالعمل الصالح. ثم يبين العزلة المستحبة فيقول: [عزلة الجاهل فساد وأما عزلة العالم فمعها حذاؤها وسقاؤها] وذلك لأن الجاهل حين يعتزل من غير أن يتعلم يجهل كيفيات العبادة، وأوقاتها، وماهيات القربات، لكن العالم حين يعتزل الناس قد أخذ عدة عزلته، ثم يستطرد مع العزلة فيقول: [إذا اجتمع العقل واليقين في بيت العزلة، استحضر الفقه وجرت بينهم مناجاة: أتاك حديث لا يمل سماعه. ]. أي: إذا اجتمع عقل المؤمن مع يقينه في الله في بيت العزلة، حيث يبتعد فيه عن السوء والصحبة، إذ إن الأرواح تحن لأشكالها، فلو أن إحدى الأخوات خرجت من هنا فوجدت بنتاً في الأسفل ترتدي البنطلون وقد وضعت على وجهها مساحيق الزينة، وبجوارها أخرى عليها جلبابها فإنها قطعاً ستجلس إلى الثانية دون الأولى، فهي لا تتنسم نسيم الراحة إلا مع أختها، ولا تأنس وتطمئن إلا إليها، أما الأولى فإنها لا تأنس معها؛ لأن المؤمن إلف ألوف، كما أنه لو دخل مؤمن إلى مجلس فيه مائة منافق، وبينهم مؤمن واحد لجلس بجوار المؤمن وهو لا يعرفه؛ لأن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف. والعزلة التي يريدها ابن القيم هي عن السوء والصحبة، وإعمال الفكر في خلق الله . وقوله: (أتاك حديث لا يمل سماعه)، يريد به القرآن، فالقرآن هو الوحيد الذي لا يمل سماعه، فأنت لو شاهدت مسرحية ضاحكة لأول مرة ستضحك من مشاهدها، لكنك لو تشاهدها مرة ثانية لن تضحك كالأولى بل ربما تضجر، وهكذا القصائد والأفلام وغيرها تمل من كثرة التكرار، لكن القرآن لا يمل أبداً، فلو قرأت مثلاً سورة يوسف مائتين مرة فإنك في كل مرة تكتشف معنى جديداً، ولذلك كان من معجزات القرآن أنه لا يخلق على كثرة الرد، ومعنى: لا يخلق: لا يبلى، ومنه الثوب الخلق أي: الثوب القديم، فمعنى قولنا: لا يخلق القرآن على كثرة الرد، أي: لا يصبح القرآن قديماً بالياً من كثرة قراءته، بل يبقى غضاً طرياً كأني أسمعه لأول مرة. ثم يستطرد ابن القيم ﵀ في وصف القرآن فيقول: [أتاك حديث لا يمل سماعه شهي إلينا نثره ونظامه]. فما من مؤمن صادق يحدث له ضيق صدر يقوم فيتوضأ ويقرأ أي صفحة من القرآن إلا ذهب عنه الضيق، أما لو كان لا يزال في أول الطريق فنقول له: اقرأ سورة يوسف؛ لأن سورة يوسف ما قرأها حزين إلا وفرحه الله. وينبه هنا على أنه لابد أن يكون عنده استعداد لتلقي كلمات الله، ولابد حين يقرأ أن يخلي ذهنه من الشواغل، بل يصب تركيزه على تدبر كلمات الله، فإنه إن فعلها تحصل له أثرها بإذن الله.

стр. 36

الخصام دليل الجهل قال ابن القيم ﵀: [إذا خرجت من عدوك لفظة سفه فلا تلحقها بمثلها]. قال الشافعي ﵀: يبارزني السفيه بكل قبح فأكره أن أكون له مجيباً يزيد سفاهة فأزيد حلماً كعود زاده الإحراق طيباً أما نحن اليوم فقد أصبحنا نصنع كما يقال: يقول لي كلمة أرد عليه كلمتين، وإن قال كلمتين أرد عليه خمس كلمات، والأمل من مجالس العلم أن ترقى بنا وبأخلاقنا. ثم يبين ابن القيم ﵀ قبح الخصام فيقول: وكأن الخصام له نسل، وإنما قال ذلك؛ لأن الرجل بذيء اللسان يكون ابنه مثله وحفيده كذلك، على العكس ممن يحرص أن يكون كلامه موافقاً للشرع، إما ذكر وإما فتيا، كما أن من يحرص على ذلك تجده دقيقاً بألفاظه، حذراً من مغبة المعارضة لنص من كتاب أو سنة، فهذا أبو هريرة أتاه فلم يفهم الرجل، فكرر قال له يا أبا هريرة! أأصلي بعد صلاة الصبح؟ يريد: أنا صليت الصبح أأصلي سنة أخرى بعدها، فأعاد عليه صل بعد شروق الشمس، ففهم الرجل، ولكنه تعجب من الجواب فسئل أبو هريرة: لم لم تقل له: لا تصل؟ قال: أخشى أن أدخل تحت دائرة قول الله تعالى ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق:٩ - ١٠]. وأخذ ابن القيم ﵀ يبين أن الخصام دليل الجهل فقال: [حميتك لنفسك أثر الجهل بها] والمعنى: حين تدافع عن نفسك، فدفاعك ثمرة من ثمرات الجهل الذي عندك ثم قال: [فلو عرفتها حق معرفتها أعنت الخصم عليها]، أي أنك لو عرفت حقيقة نفسك الأمارة بالسوء لتركت من ينقدك يزيد في نقده، فلو عرفت الحقيقة لأحجمت عن الانتصار لها، إذ النفس لا تنتصر إلا للشر. ثم يقول ذاماً الغضب: [إذا اقتدحت نار الانتقام من نار الغضب -أي: اشتعلت- ابتدأت بإحراق القادح]. فالانتقام حين يأتي نتيجة خلاف أو شجار يحدث بسببه عند الرجل غضب ومن ثم يثمر انتقاماً، فكأن نار الغضب أشعلت شعلة الانتقام، فإذا ما أشعلتها ابتدأت بإحراق القادح، ومثل ذلك كما تقدم كمثل الحسود فالحسود كرجل غضبان أخذ طوبة فضربها على حجر فانكسر جزء منها واتجه إلى الحائط ثم عاد إلى جوار الرجل، فأخذها ورمى الحائط فعادت إلى عينه، فازداد غيظه، فأخذ الحجر مرة أخرى ورمى الحائط وكل مرة يعود الحجر عليه بالأذى، فلا شفى غضبه، ولا سلم الضرر. يصدق فيه قول الشاعر: كالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله فالحسود غالباً معرض للأمراض من سكر وضغط وغيرها.

стр. 37

السعادة والتوفيق قال ابن القيم ﵀: [من سبقت له سابقة السعادة -أي: كتب من السعداء عند الله- دل على الدليل قبل الطلب] تقدم أن من صفة الله أنه: حنان منان، والمنان هو الذي يعطي النوال قبل السؤال فالله يمتن على عباده بنعم قد لا يذكرونها من طول الألفة. فلم نسمع أن رجلاً طلب الله أن يرزقه الأكسجين، أو يهيئ له مخرجاً للفضلات، وكل ذلك وغيره أعطيه قبل أن يسأل. فالإنسان حين يعدد النعم يجد أن الله قد أعطاه قبل أن يسأل فعندما يحب الله عبداً، وهو معنى قوله: (سبقت له سابقة السعادة) وفق إلى مجالس العلم، واهتدى إلى العبادة والطاعة وهذا معنى قوله: دل على الدليل قبل الطلب، ثم يؤكد ابن القيم هذا المعنى فيقول: [إذا أراد القدر شخصاً بذر في أرض قلبه بذرة التوفيق] أي: عندما يحب الله عبداً يضع في قلبه بذرة التوفيق، [ثم سقاه بماء الرغبة والرهبة] أي: جعل عنده ترغيباً وترهيباً، [ثم أقام عليه بأطوار المراقبة] أي: جعل في قلبه رقيباً عليه من داخله، [واستخدم له حارس العلم]، فالعلم لابد أن يحرس العمل، فإن خلا العمل من العلم وقع العبد في الخطأ، يطوف حول قبر الحسين سبع مرات، والأصل أن لا يطاف إلا حول الكعبة ومن طاف حول قبر فقد أشرك بالله، وهذه مسألة لا نقاش فيها. ثم يقول: [فإذا الزرع قائم على سوقه] فالمعنى: إذا أراد القدر شخصاً بالخير، بذر في أرض قلبه بذرة توفيق فيكون موفقاً لكل خير. ثم قال: [من اتقى الله عاش سعيداً وسار في بلاد الله آمناً مطمئناً] حتى وإن كانت حوله الأهوال، فإن قلبه مليء بالطمأنينة. ولذلك المؤمن بطبيعته يستشري منه الخير لمن حوله، مثال ذلك: عندما يكون أحد راضياً في البيت وبالذات الزوجة فإنها توزع الرضا على بقية أفراد الأسرة؛ لأن الزوجة هي ميزان البيت، لو كانت الزوجة ليست راضية فالبيت كله يكون في حالة قلق؛ لأنها إذا كانت راضية وزوجها زعلان فإنها تهون عليه وتلاطفه وتقول له: ربنا يكرمك، وعكس ذلك لو كانت المرأة ساخطة. لذلك طلب سيدنا زكريا من ربنا أن يرزقه ابناً وطلب فيه صفة واحدة: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم:٦]، والرضي هو: الإنسان الراضي المرضي عنه من الله ومن الخلق؛ لشدة رضاه يوزع الرضا على من حوله، اللهم اجعلنا منهم يا رب. وفي الأثر: يا داود! أنت تريد وأنا أريد فإن رضيت بما أريد أعطيتك ما تريد، وإن لم ترض بما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد، فإني فعال لما أريد. كما أن معنى قولي: (أنا مسلم) أنني سلمت أمري لله، كما قال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١]. أي: صار مسلماً أمره لله، وإذا كان هذا الإسلام حقيقياً ينتقل إلى درجة الإيمان، وإذا كان الإيمان حقيقياً ينتقل إلى درجة الإحسان، التي نحسب أن الحسن البصري كان عليها عندما كان يقول: أدعو الله فأرى يد الله تكتب لي الإجابة. وفي زمننا هذا برغم كل المصائب التي نراها فإن الله بفضله وكرمه يعد للأمة أناساً عندهم حالة الالتصاق بأمر الآخرة، حتى أن الدنيا عند أحدهم لا تساوي شيئاً، وتراه في ظاهر الأمر إنساناً عادياً جداً، ولكن لديه قوة، ولا قوة إلا بالعلم وبالعمل وبالإخلاص وبالعبادة الحقة، فمثل هؤلاء هم الذين يمنعون الصواعق عن هذه الأرض، فاللهم أكثر منهم يا رب العباد واحشرنا في زمرتهم يا أرحم الراحمين يا رب العالمين. وقوله: ثم سقاه بماء الرغبة والرهبة، يؤكد على ضرورة أن أكون راغباً إلى الله وفي نفس الوقت خائفاً منه، قال تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]، خوفاً من عذابه، وطمعاً في نعيمه، فيبقى بين حالتي: الرجاء والخوف، وقوله: (ثم أقام عليه بأطوار المراقبة)، يبين أن القلب لابد من مراقبة لخواطره والسعي لإزالة حجارته، قال سيدنا علي ﵁: غرس الزهد بقلبي شجره ثم نحى بعد جهد حجره أي أنه عمل مجهوداً إلى أن أزال من القلب حجره فصار القلب ليناً، فما تحجرت قلوبنا إلا من عدم التقوى والطاعة التي فيها. فالأبيات: غرس الزهد بقلبي شجرة ثم نحى بعد جهد حجره وسقاها إثر ما أودعها كذب الدمع بدمع أهدره وإذا ما رأى طيراً مفسداً حائماً حول حماها زجره أي أنه حين يرى طائر الطمع، أو طائر الدنيا يحوم حول الزهد زجره وأبعده، ثم يقول: نمت في ظل ظليل تحتها روع القلب ونحى ضجره ثم بايعت إلهي تحتها بيعة الرضوان تحت الشجره

стр. 38

أهمية العمل للآخرة قال ابن القيم ﵀: [الجسد سبعة: الأرواح في الأشباح كالأطيار في الأبراج]، أي: أن الروح في الجسم مثل الطير في البرج أو في القفص. [وما أعد للاستفراخ ليس كمن هيئ للسباق] فالتي نحضرها من أجل أن تلد، غير التي نحضرها من أجل غرض آخر، فالحمام الزاجل الذي ينقل الرسائل يختلف عن الحمام الذي يبيض ويفقس البيض فقط، فهذا الصنف للتجارة وللبيض وللفرخ، لكن الأول مهيأ لشيء أفضل، ومثل ذلك أيضاً: الأولاد في الفصل، يصل عددهم إلى أربعين طالباً، ولا يؤخذ منهم لأوائل الطلبة إلا طالب واحد لنضعه في فصل المتفوقين مع أن هناك الكثير من الناجحين لكن ما أعد للتفوق غير ما أعد للنجاح، فمن يجهز للتدريس غير الذي يجهز ليمسك أزمة الأمور في الدولة، والحال [من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه من العمل وبأي شغل يشغله] فلو أن لك ولدين فأنت تدرك ميزات أحدهما عن الآخر، فلا يعد من الغريب أن تبعث أحدهما كل يوم ليأتي بالعيش من الفرن، فأنت تعلم أنه أجلد من أخيه، قادر على الوقوف في الطابور، مستعد لأي صراع أو شجار يحدث، وليس من الغريب أن تبعث الآخر إلى المناسبات العامة، فأنت تدرك لطفه في التعامل، وكياسته في ذلك. ومراد ابن القيم ﵀ من هذا أن الله حين يستخدمك في أمر الدنيا تصبح عنده لا تساوي شيئاً؛ لأن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وأنه حين يستخدمك في أمر الآخرة فأنت كريم عند الله يريد إكرامك بما فيها من النعيم. اللهم استخدمنا في أمر الآخرة. سأل أحدهم الحسن البصري: ما مكانتي عند الله؟ فقال له: اعرف مكانة الله عندك تعرف مكانتك عند الله. أي: إذا كان الله عندك كل شيء فأنت عند الله كل شيء، إذا كان الله عندك من الأشياء التي لا تتذكرها إلا نادراً فأنت عند الله لا شيء. ثم يؤكد ابن القيم ﵀ على أهمية العمل للآخرة فيقول: [كن من أبناء الآخرة ولا تكن من أبناء الدنيا فإن الولد يتبع الأم] فالحال أنهما اثنتان لا ثالث لهما: الدنيا والآخرة فمن كان من أبناء الدنيا فهو تبع لها، ومن كان من أبناء الآخرة فهو تبع لها، ثم يبين حقارة الدنيا فيقول: [الدنيا لا تساوي نقل أقدامك إليها، فكيف تعدو خلفها؟]، فالدنيا لحقارتها لا تستحق أن تأتي إليها، فكيف تلهث وتجري وراءها، [فالدنيا جيفة والأسد لا يقع على الجيف] وإنما يقع على الجيف الكلب، ويذكر أن سيدنا علياً كان يمشي مع بعض الصحابة، فوجد ستة كلاب قد اجتمعت على جيفة من الجيف، فقال: هذه هي الدنيا وطلابها كلاب فمن أراد أن يحب الدنيا فليكن كلباً من هذه الكلاب. والحق أنه وبسبب الدنيا أخوض في عرض أخي المسلم، وأخوض في ماله، وآخذ حقه، فالدنيا مبنية على الصفات الكلبية، لكن الأسد لا يأتي إلى الجيفة، بل إن الأسد حين يأتي ليشرب من البئر لو شم رائحة كلب شرب منه لرفض أن يشرب. إذا وقع الذباب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه وتمتنع الأسود ورود ماء إذا كان الكلاب ولغن فيه وابن القيم ﵀ يقول لك: أنت أسد والدينا جيفة لا ترد عليها إلا الكلاب، فاربأ بنفسك عنها. ثم يقول: [الدنيا مجاز -أي: ممر أو مجاز غير حقيقة- والآخرة وطن، والأوطار إنما تطلب في الأوطان] الأوطار: جمع وطر، والوطر هو الحاجات، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب:٣٧]. فلو أنك سافرت مع ابنك فقال لك الابن: أنا أريد منزلاً، أو أريد قصراً، فأنت ستجيبه: إذا رجعنا من سفرنا اشترينا لك ما تريد فالأوطار تطلب في الأوطان، والذي يريد أن يتنعم، يتنعم في الوطن الأساسي له، وهو الجنة، أما سكنت في الدنيا في بيت واسع جداً، أو قصر منيف، فما يلبث أن يخرب القصر ولو بعد حين، ولابد أن يموت صاحبه ولو بعد حين، أما في الآخرة فينادي: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، فيزداد أهل الجنة سعادة، ويزداد والعياذ بالله أهل النار شقاء.

стр. 39

أصناف الاجتماع بالإخوان قال ابن القيم ﵀: [الاجتماع بالإخوان قسمان: أحدهما اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت وهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت]، وإن كان لا يحض على الحرام أو لا يتكلم به فيه، فإنه يضيع أثمن ما يمتلك الإنسان وهو الوقت. [الثاني الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر، فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها]، اللهم اجعلنا منهم يا رب! فكلما جلس أصحابه تواصوا بالحق والصبر. قال: [ولكن فيه آفات ثلاث إحداها: تزين بعضهم لبعض، والثانية: الكلام والخلطة أكثر من الحاجة]، وهذا بالذات يلاحظ من شكاوي النساء في المسجد. فما أن تجلس امرأتان معاً، حتى تبدآن في نثر الأخبار، وما أن ينتهي الحديث عن موضوع حتى يفتح موضوع آخر، مستغلات ما أودع فيهن الله من ذاكرة عملاقة، إذ يصل عدد خلايا المخ البشري إلى ألف بليون خلية -كل خلية عبارة عن (ركوردر) يسجل الأحداث، فلو استعضنا عن كل خلية بمسجل من أصغر حجم لنقوم بدور المخ في تسجيل الأحداث لاحتجنا إلى مسجلات تشغل مساحتها القاهرة الكبرى والجيزة وأسيوط، كل هذه موضوعة في حيز سبعة سم!! فمن منا شكر هذه النعمة وقال: أحمدك يا رب! لما علمت ولما لم أعلم، وأستغفرك لما أعلم ولما لا أعلم؛ لأنني أعمل ذنوباً لا أعرفها، وإن عرفتها أنساها. فبينما كنت أزور أخاً لي مريضاً قال أحد الجالسين: يا أخي! بذمتك هذا كلام، فقلت له: قل لا إله إلا الله، فاستغرب مما قلته له، فقلت له: أليس المسلم لو قال لأخيه: في ذمتك جعله من أصحاب الذمة، فيكون حوله من مسلم إلى نصراني أو يهودي؟ قال: نعم، قلت: فكفارتها إذاً: لا إله إلا الله. يقول ابن القيم: [الثالثة: -من الآفات في المجالسة الطيبة- أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود] فيكون الاجتماع لمجرد أن يرى فلاناً ويجلس معه ولم يقصد مرضاة الله سبحانه. ثم يقول: [وبالجملة فالأرواح الطيبة لقاحها من الملك والخبيثة لقاحها من الشيطان، وقد جعل الله بحكمته الطيبات للطيبين والطيبين للطيبات وعكس ذلك أيضاً]. أي: أن الخبيثات للخبيثين، والمعنى أن النفس الطيبة يجعل لها الروح الطيبة أو الجسم الطيب يجعل له الروح الطيبة، والروح الخبيثة توضع في الجسم الخبيث، وتقدم أن قوله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦] ليس خاصاً بالأزواج والزوجات، فهذه آسية امرأة فرعون من الطيبات ولم يكن فرعون طيباً، وهذه زوجة سيدنا نوح ﵇ لم تكن من الطيبات وكان هو من الطيبين، بل المعنى: الطيبون من الناس للطيبات من الحسنات، والطيبات من الحسنات للطيبين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من السيئات والخبيثات من السيئات للخبيثين من الناس. يذكر أحدهم قصة عجيبة فيقول: رأيت امرأة كفلقة القمر تبتسم في وجه رجل أمام خيمة وهو يعبث بوجهها ويشيح بيده وهو دميم الخلقة، فلم أستطع الصبر فقلت لها: من هذا؟ قالت: زوجي، فقلت لها: وما الذي يصبرك عليه؟ فقالت: ربما فعل حسنة في حياته فجازاه الله عليها بي، وأنا فعلت سيئة فجازاني الله عليها به.

стр. 40

خطوات السير إلى الله قال ابن القيم ﵀: [بين العبد وبين الله والجنة قنطرة تقطع بخطوتين، خطوة عن نفسه وخطوة عن الخلق، فيسقط نفسه ويلغيها فيما بينه وبين الناس، ويسقط الناس ويلغيهم فيما بينه وبين الله، فلا يلتفت إلا إلى من دله على الله وعلى الطريق الموصلة إلى الله]. وممن جسد هذا المعنى العظيم في حياته: سيدنا عطاء بن أبي رباح، صديق الحسن البصري وأحد كبار التابعين، فقد كان يمشي ذات مرة تحت بيت وإذا بامرأة ترمي من سطحه رماداً، فلما رمته أتى على رأس الرجل وعلى ثوبه وهو ذاهب ليلقي الدرس للناس، فسجد لله سجدة شكر!! فلما سئل عن ذلك قال: من استحق النار وصولح على الرماد فيجب أن يشكر الله، لما كانت النار لها رماد، وهو أخف منها ضرراً، وقد استحق النار بعمل عمله فصولح بالرماد بدلاً منها أليس هذا جديراً أن يشكر الله عليه؟ فكان عطاء بهذا العمل يسقط نفسه ويلغيها فيما بينه وبين الناس، ويسقط الناس ويلغيهم فيما بينه وبين الله، وإلا لن يصل عن طريق الناس إلى الله إلا في حالة واحدة، وهي الدلالة على الله، فلا يلتفت إلا لمن دله على الله وعلى الطريق الواصلة إليه.
следующие страницы →