← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37045

شرح كتاب الفوائد

عمر عبد الكافي

Полный текст (186 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الخصام دليل الجهل قال ابن القيم ﵀: [إذا خرجت من عدوك لفظة سفه فلا تلحقها بمثلها]. قال الشافعي ﵀: يبارزني السفيه بكل قبح فأكره أن أكون له مجيباً يزيد سفاهة فأزيد حلماً كعود زاده الإحراق طيباً أما نحن اليوم فقد أصبحنا نصنع كما يقال: يقول لي كلمة أرد عليه كلمتين، وإن قال كلمتين أرد عليه خمس كلمات، والأمل من مجالس العلم أن ترقى بنا وبأخلاقنا. ثم يبين ابن القيم ﵀ قبح الخصام فيقول: وكأن الخصام له نسل، وإنما قال ذلك؛ لأن الرجل بذيء اللسان يكون ابنه مثله وحفيده كذلك، على العكس ممن يحرص أن يكون كلامه موافقاً للشرع، إما ذكر وإما فتيا، كما أن من يحرص على ذلك تجده دقيقاً بألفاظه، حذراً من مغبة المعارضة لنص من كتاب أو سنة، فهذا أبو هريرة أتاه فلم يفهم الرجل، فكرر قال له يا أبا هريرة! أأصلي بعد صلاة الصبح؟ يريد: أنا صليت الصبح أأصلي سنة أخرى بعدها، فأعاد عليه صل بعد شروق الشمس، ففهم الرجل، ولكنه تعجب من الجواب فسئل أبو هريرة: لم لم تقل له: لا تصل؟ قال: أخشى أن أدخل تحت دائرة قول الله تعالى ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق:٩ - ١٠]. وأخذ ابن القيم ﵀ يبين أن الخصام دليل الجهل فقال: [حميتك لنفسك أثر الجهل بها] والمعنى: حين تدافع عن نفسك، فدفاعك ثمرة من ثمرات الجهل الذي عندك ثم قال: [فلو عرفتها حق معرفتها أعنت الخصم عليها]، أي أنك لو عرفت حقيقة نفسك الأمارة بالسوء لتركت من ينقدك يزيد في نقده، فلو عرفت الحقيقة لأحجمت عن الانتصار لها، إذ النفس لا تنتصر إلا للشر. ثم يقول ذاماً الغضب: [إذا اقتدحت نار الانتقام من نار الغضب -أي: اشتعلت- ابتدأت بإحراق القادح]. فالانتقام حين يأتي نتيجة خلاف أو شجار يحدث بسببه عند الرجل غضب ومن ثم يثمر انتقاماً، فكأن نار الغضب أشعلت شعلة الانتقام، فإذا ما أشعلتها ابتدأت بإحراق القادح، ومثل ذلك كما تقدم كمثل الحسود فالحسود كرجل غضبان أخذ طوبة فضربها على حجر فانكسر جزء منها واتجه إلى الحائط ثم عاد إلى جوار الرجل، فأخذها ورمى الحائط فعادت إلى عينه، فازداد غيظه، فأخذ الحجر مرة أخرى ورمى الحائط وكل مرة يعود الحجر عليه بالأذى، فلا شفى غضبه، ولا سلم الضرر. يصدق فيه قول الشاعر: كالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله فالحسود غالباً معرض للأمراض من سكر وضغط وغيرها.

стр. 37

السعادة والتوفيق قال ابن القيم ﵀: [من سبقت له سابقة السعادة -أي: كتب من السعداء عند الله- دل على الدليل قبل الطلب] تقدم أن من صفة الله أنه: حنان منان، والمنان هو الذي يعطي النوال قبل السؤال فالله يمتن على عباده بنعم قد لا يذكرونها من طول الألفة. فلم نسمع أن رجلاً طلب الله أن يرزقه الأكسجين، أو يهيئ له مخرجاً للفضلات، وكل ذلك وغيره أعطيه قبل أن يسأل. فالإنسان حين يعدد النعم يجد أن الله قد أعطاه قبل أن يسأل فعندما يحب الله عبداً، وهو معنى قوله: (سبقت له سابقة السعادة) وفق إلى مجالس العلم، واهتدى إلى العبادة والطاعة وهذا معنى قوله: دل على الدليل قبل الطلب، ثم يؤكد ابن القيم هذا المعنى فيقول: [إذا أراد القدر شخصاً بذر في أرض قلبه بذرة التوفيق] أي: عندما يحب الله عبداً يضع في قلبه بذرة التوفيق، [ثم سقاه بماء الرغبة والرهبة] أي: جعل عنده ترغيباً وترهيباً، [ثم أقام عليه بأطوار المراقبة] أي: جعل في قلبه رقيباً عليه من داخله، [واستخدم له حارس العلم]، فالعلم لابد أن يحرس العمل، فإن خلا العمل من العلم وقع العبد في الخطأ، يطوف حول قبر الحسين سبع مرات، والأصل أن لا يطاف إلا حول الكعبة ومن طاف حول قبر فقد أشرك بالله، وهذه مسألة لا نقاش فيها. ثم يقول: [فإذا الزرع قائم على سوقه] فالمعنى: إذا أراد القدر شخصاً بالخير، بذر في أرض قلبه بذرة توفيق فيكون موفقاً لكل خير. ثم قال: [من اتقى الله عاش سعيداً وسار في بلاد الله آمناً مطمئناً] حتى وإن كانت حوله الأهوال، فإن قلبه مليء بالطمأنينة. ولذلك المؤمن بطبيعته يستشري منه الخير لمن حوله، مثال ذلك: عندما يكون أحد راضياً في البيت وبالذات الزوجة فإنها توزع الرضا على بقية أفراد الأسرة؛ لأن الزوجة هي ميزان البيت، لو كانت الزوجة ليست راضية فالبيت كله يكون في حالة قلق؛ لأنها إذا كانت راضية وزوجها زعلان فإنها تهون عليه وتلاطفه وتقول له: ربنا يكرمك، وعكس ذلك لو كانت المرأة ساخطة. لذلك طلب سيدنا زكريا من ربنا أن يرزقه ابناً وطلب فيه صفة واحدة: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم:٦]، والرضي هو: الإنسان الراضي المرضي عنه من الله ومن الخلق؛ لشدة رضاه يوزع الرضا على من حوله، اللهم اجعلنا منهم يا رب. وفي الأثر: يا داود! أنت تريد وأنا أريد فإن رضيت بما أريد أعطيتك ما تريد، وإن لم ترض بما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد، فإني فعال لما أريد. كما أن معنى قولي: (أنا مسلم) أنني سلمت أمري لله، كما قال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١]. أي: صار مسلماً أمره لله، وإذا كان هذا الإسلام حقيقياً ينتقل إلى درجة الإيمان، وإذا كان الإيمان حقيقياً ينتقل إلى درجة الإحسان، التي نحسب أن الحسن البصري كان عليها عندما كان يقول: أدعو الله فأرى يد الله تكتب لي الإجابة. وفي زمننا هذا برغم كل المصائب التي نراها فإن الله بفضله وكرمه يعد للأمة أناساً عندهم حالة الالتصاق بأمر الآخرة، حتى أن الدنيا عند أحدهم لا تساوي شيئاً، وتراه في ظاهر الأمر إنساناً عادياً جداً، ولكن لديه قوة، ولا قوة إلا بالعلم وبالعمل وبالإخلاص وبالعبادة الحقة، فمثل هؤلاء هم الذين يمنعون الصواعق عن هذه الأرض، فاللهم أكثر منهم يا رب العباد واحشرنا في زمرتهم يا أرحم الراحمين يا رب العالمين. وقوله: ثم سقاه بماء الرغبة والرهبة، يؤكد على ضرورة أن أكون راغباً إلى الله وفي نفس الوقت خائفاً منه، قال تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]، خوفاً من عذابه، وطمعاً في نعيمه، فيبقى بين حالتي: الرجاء والخوف، وقوله: (ثم أقام عليه بأطوار المراقبة)، يبين أن القلب لابد من مراقبة لخواطره والسعي لإزالة حجارته، قال سيدنا علي ﵁: غرس الزهد بقلبي شجره ثم نحى بعد جهد حجره أي أنه عمل مجهوداً إلى أن أزال من القلب حجره فصار القلب ليناً، فما تحجرت قلوبنا إلا من عدم التقوى والطاعة التي فيها. فالأبيات: غرس الزهد بقلبي شجرة ثم نحى بعد جهد حجره وسقاها إثر ما أودعها كذب الدمع بدمع أهدره وإذا ما رأى طيراً مفسداً حائماً حول حماها زجره أي أنه حين يرى طائر الطمع، أو طائر الدنيا يحوم حول الزهد زجره وأبعده، ثم يقول: نمت في ظل ظليل تحتها روع القلب ونحى ضجره ثم بايعت إلهي تحتها بيعة الرضوان تحت الشجره

стр. 38

أهمية العمل للآخرة قال ابن القيم ﵀: [الجسد سبعة: الأرواح في الأشباح كالأطيار في الأبراج]، أي: أن الروح في الجسم مثل الطير في البرج أو في القفص. [وما أعد للاستفراخ ليس كمن هيئ للسباق] فالتي نحضرها من أجل أن تلد، غير التي نحضرها من أجل غرض آخر، فالحمام الزاجل الذي ينقل الرسائل يختلف عن الحمام الذي يبيض ويفقس البيض فقط، فهذا الصنف للتجارة وللبيض وللفرخ، لكن الأول مهيأ لشيء أفضل، ومثل ذلك أيضاً: الأولاد في الفصل، يصل عددهم إلى أربعين طالباً، ولا يؤخذ منهم لأوائل الطلبة إلا طالب واحد لنضعه في فصل المتفوقين مع أن هناك الكثير من الناجحين لكن ما أعد للتفوق غير ما أعد للنجاح، فمن يجهز للتدريس غير الذي يجهز ليمسك أزمة الأمور في الدولة، والحال [من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه من العمل وبأي شغل يشغله] فلو أن لك ولدين فأنت تدرك ميزات أحدهما عن الآخر، فلا يعد من الغريب أن تبعث أحدهما كل يوم ليأتي بالعيش من الفرن، فأنت تعلم أنه أجلد من أخيه، قادر على الوقوف في الطابور، مستعد لأي صراع أو شجار يحدث، وليس من الغريب أن تبعث الآخر إلى المناسبات العامة، فأنت تدرك لطفه في التعامل، وكياسته في ذلك. ومراد ابن القيم ﵀ من هذا أن الله حين يستخدمك في أمر الدنيا تصبح عنده لا تساوي شيئاً؛ لأن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وأنه حين يستخدمك في أمر الآخرة فأنت كريم عند الله يريد إكرامك بما فيها من النعيم. اللهم استخدمنا في أمر الآخرة. سأل أحدهم الحسن البصري: ما مكانتي عند الله؟ فقال له: اعرف مكانة الله عندك تعرف مكانتك عند الله. أي: إذا كان الله عندك كل شيء فأنت عند الله كل شيء، إذا كان الله عندك من الأشياء التي لا تتذكرها إلا نادراً فأنت عند الله لا شيء. ثم يؤكد ابن القيم ﵀ على أهمية العمل للآخرة فيقول: [كن من أبناء الآخرة ولا تكن من أبناء الدنيا فإن الولد يتبع الأم] فالحال أنهما اثنتان لا ثالث لهما: الدنيا والآخرة فمن كان من أبناء الدنيا فهو تبع لها، ومن كان من أبناء الآخرة فهو تبع لها، ثم يبين حقارة الدنيا فيقول: [الدنيا لا تساوي نقل أقدامك إليها، فكيف تعدو خلفها؟]، فالدنيا لحقارتها لا تستحق أن تأتي إليها، فكيف تلهث وتجري وراءها، [فالدنيا جيفة والأسد لا يقع على الجيف] وإنما يقع على الجيف الكلب، ويذكر أن سيدنا علياً كان يمشي مع بعض الصحابة، فوجد ستة كلاب قد اجتمعت على جيفة من الجيف، فقال: هذه هي الدنيا وطلابها كلاب فمن أراد أن يحب الدنيا فليكن كلباً من هذه الكلاب. والحق أنه وبسبب الدنيا أخوض في عرض أخي المسلم، وأخوض في ماله، وآخذ حقه، فالدنيا مبنية على الصفات الكلبية، لكن الأسد لا يأتي إلى الجيفة، بل إن الأسد حين يأتي ليشرب من البئر لو شم رائحة كلب شرب منه لرفض أن يشرب. إذا وقع الذباب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه وتمتنع الأسود ورود ماء إذا كان الكلاب ولغن فيه وابن القيم ﵀ يقول لك: أنت أسد والدينا جيفة لا ترد عليها إلا الكلاب، فاربأ بنفسك عنها. ثم يقول: [الدنيا مجاز -أي: ممر أو مجاز غير حقيقة- والآخرة وطن، والأوطار إنما تطلب في الأوطان] الأوطار: جمع وطر، والوطر هو الحاجات، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب:٣٧]. فلو أنك سافرت مع ابنك فقال لك الابن: أنا أريد منزلاً، أو أريد قصراً، فأنت ستجيبه: إذا رجعنا من سفرنا اشترينا لك ما تريد فالأوطار تطلب في الأوطان، والذي يريد أن يتنعم، يتنعم في الوطن الأساسي له، وهو الجنة، أما سكنت في الدنيا في بيت واسع جداً، أو قصر منيف، فما يلبث أن يخرب القصر ولو بعد حين، ولابد أن يموت صاحبه ولو بعد حين، أما في الآخرة فينادي: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، فيزداد أهل الجنة سعادة، ويزداد والعياذ بالله أهل النار شقاء.

стр. 39

أصناف الاجتماع بالإخوان قال ابن القيم ﵀: [الاجتماع بالإخوان قسمان: أحدهما اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت وهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت]، وإن كان لا يحض على الحرام أو لا يتكلم به فيه، فإنه يضيع أثمن ما يمتلك الإنسان وهو الوقت. [الثاني الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر، فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها]، اللهم اجعلنا منهم يا رب! فكلما جلس أصحابه تواصوا بالحق والصبر. قال: [ولكن فيه آفات ثلاث إحداها: تزين بعضهم لبعض، والثانية: الكلام والخلطة أكثر من الحاجة]، وهذا بالذات يلاحظ من شكاوي النساء في المسجد. فما أن تجلس امرأتان معاً، حتى تبدآن في نثر الأخبار، وما أن ينتهي الحديث عن موضوع حتى يفتح موضوع آخر، مستغلات ما أودع فيهن الله من ذاكرة عملاقة، إذ يصل عدد خلايا المخ البشري إلى ألف بليون خلية -كل خلية عبارة عن (ركوردر) يسجل الأحداث، فلو استعضنا عن كل خلية بمسجل من أصغر حجم لنقوم بدور المخ في تسجيل الأحداث لاحتجنا إلى مسجلات تشغل مساحتها القاهرة الكبرى والجيزة وأسيوط، كل هذه موضوعة في حيز سبعة سم!! فمن منا شكر هذه النعمة وقال: أحمدك يا رب! لما علمت ولما لم أعلم، وأستغفرك لما أعلم ولما لا أعلم؛ لأنني أعمل ذنوباً لا أعرفها، وإن عرفتها أنساها. فبينما كنت أزور أخاً لي مريضاً قال أحد الجالسين: يا أخي! بذمتك هذا كلام، فقلت له: قل لا إله إلا الله، فاستغرب مما قلته له، فقلت له: أليس المسلم لو قال لأخيه: في ذمتك جعله من أصحاب الذمة، فيكون حوله من مسلم إلى نصراني أو يهودي؟ قال: نعم، قلت: فكفارتها إذاً: لا إله إلا الله. يقول ابن القيم: [الثالثة: -من الآفات في المجالسة الطيبة- أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود] فيكون الاجتماع لمجرد أن يرى فلاناً ويجلس معه ولم يقصد مرضاة الله سبحانه. ثم يقول: [وبالجملة فالأرواح الطيبة لقاحها من الملك والخبيثة لقاحها من الشيطان، وقد جعل الله بحكمته الطيبات للطيبين والطيبين للطيبات وعكس ذلك أيضاً]. أي: أن الخبيثات للخبيثين، والمعنى أن النفس الطيبة يجعل لها الروح الطيبة أو الجسم الطيب يجعل له الروح الطيبة، والروح الخبيثة توضع في الجسم الخبيث، وتقدم أن قوله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦] ليس خاصاً بالأزواج والزوجات، فهذه آسية امرأة فرعون من الطيبات ولم يكن فرعون طيباً، وهذه زوجة سيدنا نوح ﵇ لم تكن من الطيبات وكان هو من الطيبين، بل المعنى: الطيبون من الناس للطيبات من الحسنات، والطيبات من الحسنات للطيبين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من السيئات والخبيثات من السيئات للخبيثين من الناس. يذكر أحدهم قصة عجيبة فيقول: رأيت امرأة كفلقة القمر تبتسم في وجه رجل أمام خيمة وهو يعبث بوجهها ويشيح بيده وهو دميم الخلقة، فلم أستطع الصبر فقلت لها: من هذا؟ قالت: زوجي، فقلت لها: وما الذي يصبرك عليه؟ فقالت: ربما فعل حسنة في حياته فجازاه الله عليها بي، وأنا فعلت سيئة فجازاني الله عليها به.

стр. 40

خطوات السير إلى الله قال ابن القيم ﵀: [بين العبد وبين الله والجنة قنطرة تقطع بخطوتين، خطوة عن نفسه وخطوة عن الخلق، فيسقط نفسه ويلغيها فيما بينه وبين الناس، ويسقط الناس ويلغيهم فيما بينه وبين الله، فلا يلتفت إلا إلى من دله على الله وعلى الطريق الموصلة إلى الله]. وممن جسد هذا المعنى العظيم في حياته: سيدنا عطاء بن أبي رباح، صديق الحسن البصري وأحد كبار التابعين، فقد كان يمشي ذات مرة تحت بيت وإذا بامرأة ترمي من سطحه رماداً، فلما رمته أتى على رأس الرجل وعلى ثوبه وهو ذاهب ليلقي الدرس للناس، فسجد لله سجدة شكر!! فلما سئل عن ذلك قال: من استحق النار وصولح على الرماد فيجب أن يشكر الله، لما كانت النار لها رماد، وهو أخف منها ضرراً، وقد استحق النار بعمل عمله فصولح بالرماد بدلاً منها أليس هذا جديراً أن يشكر الله عليه؟ فكان عطاء بهذا العمل يسقط نفسه ويلغيها فيما بينه وبين الناس، ويسقط الناس ويلغيهم فيما بينه وبين الله، وإلا لن يصل عن طريق الناس إلى الله إلا في حالة واحدة، وهي الدلالة على الله، فلا يلتفت إلا لمن دله على الله وعلى الطريق الواصلة إليه.

стр. 41

الصحابة والإقبال على الله قال ابن القيم ﵀: [صاح بالصحابة واعظ ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء:١]، فجزعت للخوف قلوبهم، فجرت من الحذر العيون، فسالت أودية بقدرها]. كناية عن كثرة الدموع، لا كما نحن اليوم لا نبكي إلا في رمضان، ومن أغرب ما حدث لي، أن رجلاً مسلم يعيش في أمريكا اتصل بي وقال: لي: أنت الشيخ عمر؟ قلت: نعم أنا الشيخ عمر! فقال: أنا الدكتور فلان أصبح لي ٢٢ سنة عايش في أمريكا جئت بالصدفة وصليت معك الفجر اليوم، فوجدتك تبكي والناس أيضاً يبكون، ثم صليت الجمعة فوجدت الناس في الدعاء وفي الصلاة يبكون وأنت تبكي، وفي العشاء أيضاً كذلك، هلا أخبرتني لماذا كنتم تبكون؟ فقلت له: أنا عن نفسي كان أحدهم يضغط على رجلي، أما غيري من الناس فلا أعلم لماذا كانوا يبكون!! وإنما قلت له ذلك، لأني حقيقة احترت فيما أقوله له، فاستعنت بالمجاز!! ثم قال ابن القيم ﵀: [تزينت الدنيا لـ علي -سيدنا علي بن أبي طالب - فقال: أنت طالق ثلاثاً لا رجعة لي فيك، وكانت تكفيه واحدة -وإنما طلقها ثلاثاً من أجل ألا ترجع له مرة أخرى ولو بمحلل- لكنه جمع الثلاث لئلا يتصور الهوى جواز المراجعة، ودينه الصحيح وطبعه السليم يأنفان من المحلل كيف وهو أحد رواة حديث: (لعن الله المحلل والمحلل له). ما في هذه الدار موضع خلوة فاتخذه في نفسك -أي: اجعل الخلوة في داخلك- ولابد أن تجذبك الجواذب فاعرفها وكن منها على حذر، لا تضرك الشواغل إذا خلوت منها، وأنت فيها، نور الحق أضوأ من الشمس فيحق لخفافيش البصائر أن تعشو عنه] أي: كما أن الخفاش لا يرى الشمس فإن الظلمة والمنحرفين لا يرون شمس الحق وإن كانت طالعة قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم فالعين التي فيها رمد تقول: الشمس لم تطلع، والفم الذي فيه مرض يشرب الماء وليس له طعم. ثم يشرع ابن القيم ﵀ يصف الطريق إلى الله فقال: [الطريق إلى الله خال من أهل الشك، ومن الذين يتبعون الشهوات، وهو معمور بأهل اليقين والصبر، وهم على الطريق كالأعلام: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]]، اللهم اجعلنا منهم يا رب العباد، ورضي الله عن ابن قيم الجوزية ورحمه.

стр. 42

سلسلة شرح كتاب الفوائد [٥] إن الذي يريد أن يفوز بنعيم الأبد وسعادة الآخرة لابد أن يطهر نفسه ظاهراً وباطناً ويتخلص من الأدواء والأخلاط والمعاصي وذل الشهوات، وذلك بأن يستعمل دواء الصبر على الاستقامة والمحافظة على الطاعة، ومعاودة التوبة كلما أذنب أو وقع في هفوة.

стр. 43

ركيزة كتاب الفوائد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فنسأل الله أن يجعل هذه الجلسة خالصة لوجهه الكريم، وأن يجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل بيننا شقياً ولا محروماً. اللهم تب على كل عاص، واهد كل ضال، واشف كل مريض، وارحم كل ميت، واشرح صدر كل ذي صدر ضيق. اللهم اغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، واجعل -اللهم- خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك. اللهم اطرد عن بيوتنا وذرياتنا شياطين الإنس والجن، واجعل بيوتنا ذاكرة لك آناء الليل وأطراف النهار، وأكرمنا بالإيمان يا أرحم الرحمين. اللهم كما رزقتنا الإسلام من غير أن نسألك ارزقنا الجنة ونحن نسألك، اللهم أدخلنا الجنة دون سابقة عذاب. ما زلنا مع ابن قيم الجوزية رضوان الله عليه تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه العظيم الذي كله فوائد، وهو كتاب الفوائد، ولعل هذا الكتاب بفضل الله قد شرح الله به صدوراً كثيرة، وأضاء لنا علامات على طريق الهداية لعلها تكون معالم بداية في السير إلى الله . ولعلنا نقول: إن كتاب الفوائد يتحدث -علاوة على مسألة العقيدة- عن صلاح القلوب، فالذي يلاحظ كلمات ابن قيم الجوزية رضوان الله عليه وجزاه الله عن الإسلام خيراً، يجد أنه يركز على مسألة صلاح القلوب؛ لأن القلب إذا صلح صلح الجسد، فهو كالسلطان الذي تصلح الرعية بصلاحه وتفسد بفساده: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).

стр. 44

أنواع الطهارة وقد قلنا: إن الطهارة تنقسم إلى أقسام أربعة: طهارة الظاهر من النجاسات، وطهارة الجوارح من المعاصي، وطهارة المعدة من الحرام، ثم طهارة القلب من الأنجاس والأخباث والرذائل التي تعلق بالقلب، ولا يطهر القلب الذي اختلط حلاله بحرامه، وصار الذي يدعو إلى الله ويأخذ بأيدي الناس إلى طريق قويم يتهم باتهامات شتى. ولكننا نحاول أن نسلك إلى الله طريقاً مستقيماً وصراطاً قويماً، فقد قدر علينا أن نسبح ضد التيار، والسباحة ضد التيار ليست أمراً ميسوراً، وإنما هي أمر له تبعاته وله عقباته، والطريق ليس ممهداً بالورود، بل هو كما قال ابن قيم الجوزية: طريق تعب فيه آدم، وناح من أجله نوح، وقاسى فيه الضر أيوب، ولاقى أنواع الأذى محمد ﷺ . وإن الجنة حفت بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، فأصبح دخول النار سهلاً؛ لأنها محاطة بالشهوات، محاطة بما تحبه النفس وبما تشتهيه. وطريق الجنة محفوف بالمكاره، والمكاره أشياء تكون دائماً ضد النفس الإنسانية، والنفس الإنسانية دائماً تحب الراحة، ولذلك سئل ابن قيم الجوزية مرة عن قصة الطريق إلى الله، فذكر قصة حدثت أمامه بين أحد المرجئة وابن تيمية شيخ الإسلام، فقد قال لـ ابن تيمية: يا ابن تيمية! كم تتعب نفسك؟! يعني: ليست لك راحة، وليس لك ليل تنام فيه، وليس لك نهار ترتاح فيه، فكل حياتك للناس وللدعوة. قال: راحتها أريد. يعني: كل هذا التعب من أجل الراحة. فهذا إنسان فقه ما وراء الموت وما عند الله ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤] فدار الآخرة هي الدار الحقة، فالله يقول: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٨]، فهذه النفس يقول الله لها: ارجعي، وما قال لها: تعالي، أو: اجلسي، ولكن قال: ((ارْجِعِي))، والرجوع يكون إلى المكان الأساسي الذي هو البيت، فربنا عندما يقول للنفس المؤمنة: ((ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ)) يدل قوله على مكانها الأساسي، فالدنيا كلها دار ضيافة، والضيافة أيام قليلة، ثم نعود إلى رب العباد، فاللهم ارجعنا إليك مؤمنين مسلمين مخبتين منيبين يا رب العالمين.

стр. 45

الصبر بذرة أولي العزم من الرسل يقول ابن القيم ﵀: لما خرج رسول الله ﷺ من حصر العدو دخل في حصر النصر، فعبثت أيدي سراياه بالنصر في الأطراف، فطار ذكره في الآفاق، فصار الخلق معه ثلاثة أقسام: مؤمن به، ومسالم له، وخائف منه. يعني: إذا بحثت حول الرسول ﷺ بعد انتصار الإسلام فستجد هذه الأقسام الثلاثة: قسم مؤمن به، وقسم مسالم له ومعاهد من أجل ألا يحاربه ولا يحارب ضده، وقسم خائف منه. يقول ابن القيم: ألقى بذر الصبر في مزرعة: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]، وكأن الصبر له جذور، وجذور الصبر تنتج الإيمان، وتنتج رضاً، وتنتج يقيناً، وتنتج ثقة بالله ، كما قالت السيدة عائشة في أبي بكر: لقد كنت ضعيفاً في بدنك، قوياً في أمر الله كالجبل الأشم لا تزيلك العواصف ولا تزحزحك. وكأن الرسل لهم مزرعة، وكل رسول يبذر الصبر فيها، ووالله لا يصلح الإيمان بدون صبر أبداً، كما قال سيدنا علي: سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري سأصبر حتى يحكم الله في أمري سأصبر حتى يعلم الصبر أنني صبور على شيء أمر من الصبر يعني: أنه سيكون صابراً إلى درجة أن يصير الاسم صفة. فالرسل لهم مزرعة، وابن القيم يتكلم عن مزرعة الدعوة، فكل رسول يأتي بواجبه، والرسول بذر كما بذر أولو العزم. قال تعالى: ((فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ))، ولما بذر أولو العزم من الرسل الصبر حصدوا النصر، ففي الحديث: (إن النصر مع الصبر). فإذا كانت هناك امرأة أتعبها زوجها وأرادت أن تنتصر في الدنيا والآخرة فبالصبر، وقد قال سيدنا علي: من أصيب بمصيبة فصبر كان له الأجر وقد نفذ أمر الله، ومن أصيب بمصيبة فلم يصبر كان عليه الوزر وقد نفذ أمر الله. فالصبر مسألة مهمة جداً، وهو يعطي ثقة للإنسان، فبعدما تذهب الأزمة يكون الإنسان فخوراً أمام نفسه، فيقول: الحمد لله، ولكن عندما ينهزم يشعر بالإحباط.

стр. 46

عاقبة صبر رسول الله ﷺ يقول ﵀: ألقى بذر الصبر في مزرعة: ((فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ))، فإذا أغصان النبات تهتز بخزامى: والحرمات قصاص. والخزامى عبارة عن نباتات في جزيرة العرب لها رائحة طيبة. إذاً: والحرمات قصاص، فدخل مكة دخولاً ما دخله أحد قبله ولا بعده، دخلها وحوله المهاجرون والأنصار لا يبين منهم إلا الحدق، أي: أعينهم، وهذا دليل على أنهم كانوا متغطين بالأسلحة والدروع، فدخلوا مكة منتصرين بفضل الله بعد أن خرجوا منها مقهورين. وكان الصحابة على مراتبهم، والملائكة فوق رءوسهم، وجبريل يتردد بينه وبين ربه، وقد أباح له حرمه الذي لم يحله لأحد سواه. فربنا أباح مكة لسيدنا الحبيب ساعة، ولم يبحها لأحد من بعده فأخبر ﷺ بأن مكة بعد ذلك حرام، فلا أحد يستطيع أن يدخلها، فالبيت له رب يحميه، ولو أن المسلمين كلهم لم يستطيعوا أن يدافعوا عن البيت الحرام فإن ربنا سيدافع عنه؛ لأن هناك ملائكة تطوف ليل نهار تحرس البيت الحرام. يقول: فلما قايس بين هذا اليوم -الذي هو يوم فتح مكة- وبين يوم: ((وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ)) يوم اجتمعوا ليروا ما يعملونه به، فأنزل تعالى قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]. والمكر من العبد صفة غير جيدة، فمكر العبد لف ودوران؛ لأنك عندما تمكر تلف وتدور، ولكن المكر من الرب تدبير وإحاطة. ويعني بذلك قياس يوم خروجه من مكة بيوم دخولها، وشتان بين اليومين، فدائماً ينصر الله الرسل، وفي البدايات تكون القوى العامة هي الغالبة، والعبرة بالنهاية. فسيدنا موسى خرج من مصر كما قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢١]، وعندما عاد دخل على فرعون وقال له: ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه:٤٦ - ٤٧]، ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه:٤٧] وكل ذلك كلام قوي. وهكذا الحبيب المصطفى خرج من مكة؛ لأن الله أذن له بالهجرة؛ لأنها ليست مكاناً للدعوة، وذهب إلى المدينة ورجع بعد ثمان سنوات منتصراً فاتحاً ولحيته تمس قربوس سرجه خضوعاً وذلاً لمن ألبسه ثوب هذا العز الذي رفعت إليه فيه الخليقة رءوسها ومدت إليه الملوك أعناقها، فدخل مكة مالكاً مؤيداً منصوراً وعلا كعب بلال فوق الكعبة بعد أن كان يجر في الرمضاء على جمر الفتنة.

стр. 47

إعزاز الله تعالى رسوله يوم الفتح يقول رحمه الله تعالى: فأخرجوه ثاني اثنين، فدخل وذقنه تمس قربوس سرجه خضوعاً وذلاً لمن ألبسه ثوب هذا العز الذي رفعت إليه فيه الخليقة رءوسها ومدت إليه الملوك أعناقها، فدخل مكة مالكاً مؤيداً منصوراً، وعلا كعب بلال فوق الكعبة بعد أن كان يجر في الرمضاء على جمر الفتنة، فنشر بزاً طوى الخوف من يوم قوله: أحد أحد، ورفع صوته بالأذان فأجابته القبائل من كل ناحية فأقبلوا يؤمون الصوب فدخلوا في دين الله أفواجاً، وكانوا قبل ذلك يأتون آحاداً، كما قال تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:٢]. ويروى: أن الحجاج قال يوماً لمن معه: ائتوا بأعرابي يأكل معي فجاء الأعرابي، فقال له: تعال فاجلس لتأكل معي، فقال له: دعاني من هو خير منك، قال له: من؟ قال: دعاني ربي إلى الصيام فصمت، فأنا صائم اليوم. قال له: كل اليوم وصم غداً، قال: هل يضمن لي الأمير أن أعيش إلى الغد، فقال له: إنه طعام طيب، فقال: والله ما طيبه خبازك ولا عجانك ولا طباخك، ولكن طيبته العافية، فقال له: إن اليوم شديد الحرارة، فقال: لقد صمت ليوم هو أشد منه حراً، قال: أتحفظ شيئاً من القرآن يا أعرابي؟ قال له: نعم، قال له: اقرأ، قال له: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] ورأيت الناس يخرجون من دين الله أفواجاً. فقال له: ويحك، يدخلون في دين الله. فقال: كان ذلك في عهد النبي وعهد صحابته، أما في عهدكم أنتم فيخرجون من دين الله. وهذه كلمة حق عند سلطان جائر.

стр. 48

مقام رسول الله بعد الفتح يقول: فلما جلس الرسول ﷺ على منبر العلم وما نزل عنه قط مدت الملوك أعناقها بالخضوع إليه، فمنهم من سلم إليه مفاتيح البلاد، ومنهم من سأله الموادعة والصلح، ومنهم من أقر بالجزية والصغار، ومنهم من أخذ في الجمع والتأهب للحرب، ولم يدر أنه لم يزد على جمع الغنائم وسوق الأسارى إليه. يعني أن الذي كان يجمع من أجل أن يحارب الرسول لم يدر أنه لا يجمع إلا الغنائم لرسول الله ﷺ والأسرى.

стр. 49

إلى الرفيق الأعلى قال: فلما تكامل نصره وبلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاءه منشور: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح:١ - ٣]. فهو منشور، والمنشور في آخره توقيع: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:١ - ٢] جاءه رسول ربه ليخيره بين المقام في الدنيا وبين لقائه، فاختار لقاء ربه شوقاً إليه، فتزينت الجنان ليوم قدوم روحه الكريمة لا كزينة المدينة يوم قدوم الملك. وإذا كان عرش الرحمن قد اهتز لموت بعض أتباعه واستبشاراً بقدوم روحه، فكيف بروح سيد الخلائق؟!

стр. 50

لا تستهن بمعصية قال: فيا منتسباً لغير هذا الجناب، ويا واقفاً بغير هذا الباب ستعلم يوم الحشر أي سريرة تكون عليها يوم تبلى السرائر يعني: أن يوم تمتحن ضمائر العباد، فانظر ما الذي أوقفك بغير بابه، وما الذي جعلك بعيداً عن جنابه، ولعل الجملة مأخوذة من كلام سيدنا عمر عندما كان يقول: يا رب! لائذ ببابك عائذ بجنابك، لا تطردني من رحابك. قال رحمه الله تعالى: يا مغروراً بالأماني! لعن إبليس وأهبط من منزل العز لترك سجدة واحدة أمر بها. يعني: أن إبليس امتنع عن سجدة، فأخذ بسببها بالغضب والعياذ بالله، يريد أن يوضح لنا أنه قد يحبط عمل العبد من غير أن يعرف، ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، فالعمل قد يحبط وأنا أرفع صوتي على صوت رسول الله، وهذا مثال، فالرسول يقول ويأمر، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، فتقول: لا، اترك هذا الكلام. فإبليس أهبط من منزل العز بترك سجدة أمر بها، ونحن كم أمرً ضيعناه؟! قال: وأخرج آدم من الجنة بلقمة تناولها. حيث قال الله تعالى له: لا تأكل من الشجرة، فوضع في فمه أول لقمة فأخرج منها. قال: حجب القاتل عنها بعد أن رآها عياناً بملء كف من دم. يعني أن القاتل المسيل لدم بمقدار الكف لن يدخل الجنة والعياذ بالله رب العالمين، فكيف بمن يقتل الشعوب؟! وقد قيل: ربما الزاني يتوب ربما الماء يروب ربما يحمل زيت في ثقوب ربما يهدى العاصي فيعفو عنه غفار الذنوب لكن لن يبرأ الحكام في كل بلاد العرب من دم الشعوب يقول: حجب القاتل عنها بعد أن رآها عياناً بملء كف من دم، وأمر بقتل الزاني أشنع القتلات بإيلاج قدر الأنملة فيما لا يحل، وأمر بإيساع الظهر سياطاً بكلمة قذف أو بقطرة من سكر. فلو كنا نطبق الأحكام فسمعنا في الشارع شخصاً يقول لآخر: يا ابن كذا، فإنا نأتي به فنقول له: أمعك أربعة شهود على هذا الكلام الذي تقوله؟ فإن قال: لا، قلنا: اجلدوه ثمانين جلدة، فهذا حد القذف. ولو أن شخصاً شرب ملعقة خمر فإنا نجلده ثمانين جلدة. يقول: لا تستهن بالأعمال، القضية عسيرة. قال: وأبان عضواً من أعضائك بثلاثة دراهم. يعني: عندما تسرق ثلاثة دراهم تقطع يدك. قال: فلا تأمنه أن يحبسك في النار بمعصية واحدة من معاصيه ولا يخاف عقباها. فقد دخلت امرأة النار في هرة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب، وإن الرجل ليعمل بطاعة الله ستين سنة، فإذا كان عند الموت جار في الوصية فيختم له بسوء عمله فيدخل النار. وفي موسم حج قريب كان رجل يطوف، وبعد أن أكمل الطواف دخل في حجر إسماعيل وسجد سجدة تحت الميزاب، وأطال السجدة، وكان أمير مكة يصلي، فرأى هذا الرجل قد أطال كثيراً، فلمس الرجل فوقع ميتاً على الأرض وقد فاضت روحه، فاهتم الأمير بالمسألة، وقال: أريد أن أعرف اسم هذا الرجل، فعلم أن هذا الرجل جزائري، فبعث إلى اثنين من أهله ليأتيا على حسابه إلى مكة، فقال الأمير: احكوا لي حكاية هذا الرجل. فقالا: إن هذا الرجل له اثنتان وستون سنة، وقد أحيل على المعاش منذ سنتين، ولم يركع ركعة لله، وقبل موسم الحج قام في الليل فجأة وقال: أنا تبت إلى الله، وبدأ يصلي، فلما وقف يصلي دخلت النورانية قلبه، فقال: أريد أن أحج، فقالوا: كيف تحج، إنك في عمرك لم تصل؟! فقال: أنا أريد أن أحج، أريد أن يتوب الله علي، ولعل الله يكرمني فأموت هنالك في جانب الكعبة. فالأعمال بخواتيمها، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب. فالعمر بآخره والعمل بخاتمته، ومن أحدث قبل السلام بطل ما مضى من صلاته، ومن أفطر قبل غروب الشمس ذهب صيامه ضائعاً، ومن أساء في آخر عمره لقي ربه بذلك الوجه. كم جاء الثواب يسعى إليك، فوقف بالباب، فرده بواب (سوف) و (لعل) و (عسى). ومعنى هذا الكلام كحال شخص منكم مر على صاحبه، فقال: يا فلان! إن هنالك درساً في النادي الأهلي ليس له نظير، وهناك شيخ في المنطقة الفلانية، فقال له: سآتي في الأسبوع الآتي. فهذا هو بواب (سوف) و (لعل)، فضاع عليه الخير.

стр. 51

أحوال عجيبة في بعض طالبي الفلاح قال رحمه الله تعالى: كيف الفلاح بين إيمان ناقص وأمل زائد ومرض لا طبيب له ولا عائد، وهوى مستيقظ وعقل راقد، ساهياً في غمرته، عاملاً في سكرته، سابحاً في لجة جهله، مستوحشاً من ربه، مستأنساً بخلقه، ذكر الناس فاكهته وقوته، وذكر الله حبسه وموته، لله منه جزء يسير من ظاهره وقلبه ويقينه لغيره. يقول: كيف يطلب الفلاح بين إيمان ناقص، وكيف تعرف أن الإيمان ناقص؟ انظر إلى كلمات الشكوى من الدنيا كم مقدارها، وكلمات الشكوى من الذنوب كم مقدارها، والإيمان الناقص تعرفه بشدة تحت الأزمات. وكيف يطلب الفلاح مع أمل زائد، فكله أمل، كما قال تعالى: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ [المعارج:٣٨]، ومرض لا طبيب له ولا عائد، وهو مرض البعد عن الله، وهوى مستيقظ، وعقل راقد لا يفكر. إخواني! لو أن شخصاً مسافراً إلى الإسكندرية مدة يومين فإنه يحجز ويجهز التذكرة ويجهز أمتعته ويذهب إلى المحطة مبكراً؛ لأنه ذاهب إلى الإسكندرية يومين، فكيف بذاهب إلى مكان لن يرجع منه مرة أخرى؟! يقول: سابحاً في لجة جهله، فعنده جهل؛ لأن المعاصي تعمي وتصم، مستوحشاً من ربه مستأنساً بخلقه، فعندما يجلس في درس علم يقول: ما هذا؟! إن وراءنا شغلاً، ولو جلس أمام المباراة أو أمام المسرحية ثلاث ساعات لجلس وهو مرتاح؛ لأن هذه جامعة هوى النفس. وذكر الناس فاكهته وقوته، وذكر الله حبسه وموته، فإن قيل له: هناك درس علم، يقول: هناك فلانة بطلة المسلسل الأخير. يقول: لله منه جزء يسير من ظاهره، وليس له جزء يسير من قلبه، بل جزء يسير من ظاهره. ولذلك نجد أنفسنا كاذبين في الصلاة حين نقول: الله أكبر، فما معنى (الله أكبر)،؟! إنه تعالى أكبر من كل شيء. فعندما آتي إلى الصلاة وتأتيني المشكلة والأولاد والمال والمرأة والجار والبيت يكون قد صار هناك في الصلاة شيء أكبر من الله. يقول: لله منه جزء يسير من ظاهره، وقلبه ويقينه لغيره.

стр. 52

حكمة تأخير خلق آدم ﵇ قال ابن القيم رحمه الله تعالى: كان أول المخلوقات القلم ليكتب المقادير قبل كونها، وجعل آدم آخر المخلوقات، وفي ذلك حكم. فلماذا كان آدم آخر المخلوقات؟! فالله خلق الأرض وما فيها، والسماء وما فيها، والبحار والمحيطات والجن والحيوانات والأشجار والهواء والماء، وبعد هذا كله خلق آدم ﵇؛ وذلك كله من باب تمهيد الدار قبل الساكن، فهذا أولاً. ثانياً: أن خلق السماوات والأرض والقمر والبر والبحر كان من أجل الإنسان، فلنا مكانة عند الله، ألسنا نحن الخلفاء؟! ولكن -يا ترى- هل نحن خلفاء بالحق أو بالباطل؟! نسأل الله أن يجعلنا خلفاء بالحق. ثالثاً: أن أحذق الصناع يختم عمله بأحسنه وغايته، كما يبدؤه بأساسه ومبادئه. فأنت تجهز لابنك الشقة بعمل الخرسانة ونحوها، وآخر شيء هو ما يعمله النقاش، فأجمل شيء في الشقة البياض والنقش الذي فيها. فـ ابن القيم يقول: أحذق الصناع يختم عمله بأحسنه. رابعاً: أن النفوس متطلعة إلى النهايات والأواخر دائماً، ولهذا قال موسى للسحرة: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [يونس:٨٠]، فلما رأى الناس فعلهم تطلعوا إلى ما يأتي بعده. ولذلك في الإعلام عندما يصعد الممثلون ليحيوا الجمهور يصعد بعدهم البطل، فالنفوس متطلعة للنهايات، فلما رأى الناس فعلهم تطلعوا إليه. خامساً: أن الله سبحانه أخر أفضل الكتب والأنبياء والأمم إلى آخر الزمان، وجعل الآخرة خيراً من الأولى، والنهايات أكمل من البدايات. فانظر إلى التوافق الغريب، وأكاد أقول: إن هذا إلهام من الله لـ ابن القيم. فكم بين قول الملك للرسول: اقرأ، فيقول: ما أنا بقارئ، وبين قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]. فانظر إلى البداية كيف كانت والنهاية كيف هي، ففي البداية يقال له: اقرأ، فيقول: ما أنا بقارئ. في سنة ثمانية وسبعين كان هناك إحصائية تقول: عندما نتحلل إلى عناصرنا الأساسية نعود إلى عناصر الصوديوم والكالسيوم والحديد والفسفور والكبريت والماء والدهون، فوجدوا ابن آدم فيه كمية من الكالسيوم أو الجير تكفي لتبييض عش دجاج صغير، وفيه كمية من الدهون تصنع أربع قطع صابون من القطع المتوسطة، وفيه كمية الفسفور تصنع ثلاثين رأس عود كبريت، وفيه كمية من الماء تبلع عشرة جالونات ماء، وكمية من الكبريت تكفي لتطهير جلد كلب من البراغيث، فقوموا هذه المواد بالفلوس فوجدوا أنها تساوي جنيهاً ونصفاً، فأنت كمادة لا تساوي كيلو من اللحم كمادة، ولكنك بالروح تساوي عند الله شيئاً عظيماً، وانظر إلى حديث رسول الله: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). وفي منطق الناس يقال: بطل كمال الأجسام! والله يقول: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]، ولقد كان سيدنا ابن مسعود نحيفاً، ولما ضحك الصحابة من دقة ساقه قال الحبيب: (أتضحكون من دقة ساق ابن مسعود؟! والذي نفسي بيده إن ساق ابن مسعود في الميزان يوم القيامة أكبر عند الله من جبل أحد). سادساً: أنه سبحانه جمع ما فرقه في العالم في آدم، فهو العالم الصغير، وفيه ما في العالم الكبير. ولذلك قال الإمام علي: وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر فالعالم كله موجود في ابن آدم، فإذا ارتقى صار سماء، وإذا سفل صار أرضاً. سابعاً: أنه خلاصة الوجود وثمرته، فناسب أن يكون خلقه بعد المخلوقات. فهو ثمرة الموجودات كلها. ثامناً: إن من كرامته على خالقه أنه هيأ له مصالحه وحوائجه وآلات معيشته وأسباب حياته، فما رفع رأسه إلا وذلك كله حاضر. فربنا هيأ الأرض بالذي فيها من أجل آدم. تاسعاً: أنه سبحانه أراد أن يظهر شرفه وفضله على سائر المخلوقات، فقدمها عليه في الخلق، ولهذا قالت الملائكة: ليخلق ربنا ما شاء، فلن يخلق خلقاً أكرم عليه منا. فلما خلق آدم وأمرهم بالسجود له ظهر فضله وشرفه عليهم بالعلم والمعرفة، فلما وقع في الذنب ظنت الملائكة أن ذلك الفضل قد نسخ ولم تطلع على عبودية التوبة الكامنة، فلما تاب إلى ربه وأتى بتلك العبودية علمت الملائكة أن لله في خلقه سراً لا يعلمه إلا هو.

стр. 53

آدم وتكريم الله له قال ابن القيم ﵀: [العاشرة: أنه سبحانه لما افتتح خلق هذا العالم بالقلم من أحسن المناسبة أن يختمه بخلق الإنسان، فإن القلم آلة العلم، والإنسان هو العالم، ولهذا أظهر الله سبحانه فضل آدم على الملائكة بالعلم الذي خص به دونهم، وتأمل كيف كتب سبحانه عذر آدم قبل هبوطه إلى الأرض، ونبه الملائكة على فضله وشرفه، ونوه باسمه قبل إيجاده بقوله: (إني جاعل في الأرض خليفة)، وتأمل كيف وسمه بالخلافة وتلك ولاية له قبل وجوده، وأقام عذره قبل الهبوط بقوله: (في الأرض)، والمحب يقيم عذر المحبوب قبل جنايته. يقول: هذا لم يقصده، فالأم وهي من أشد الناس حباً لولدها، لو عصاها وأراد الأب تأديبه، تشفع له وتقول: هو لا يقصد معصيتي. ويذكر أن شاعراً عربياً أحب امرأة سوداء فسطر حبه شعراً فقال: أحب لحبها السودان حتى أحب لحبها سود الكلاب والسودان: جمع أسود. ومن ذلك ما ذكر أن كثير عزة دخل على عبد الملك بن مروان فقال له: أنت كثير عزة؟ قال له: نعم، قال له: ألم تر أحداً أكثر منك عشقاً وحباً؟ قال له: نعم رأيت يا أمير المؤمنين، قال له: من؟ قال له: ذات مرة مررت بالصحراء فوجدت رجلاً مختبئاً خلف صخرة، فسألته: ما لك؟ فقال: زوجتي وأبنائي منذ ثلاثة أيام ما دخل أجوافهم طعام، فقلت له: ما العمل إذاً؟ قال: ننصب شركاً لعل غزالة أو ظبياً يقع فيها، فما لبثنا إلا يسيراً حتى وقع في الشرك ظبي عينيه مثل المها -والمها بقر الوحش، وكم أعجب وأنا أسمع الآباء يسمون بناتهم مها- فذهب إليها الرجل وفك شركها وتركها تذهب، فقلت له منكراً: لماذا أطلقتها؟ قال: إن عينيها تشبه عيني ليلى، ثم قال: أيا مثل ليلى لا تراعي فإنني لمن مثل ليلى ما حييت طليقاً والتاريخ بمثل هذه اللطائف مليء، وأعجب كثيراً عندما أجد أن القائمين على أمر التربية والتعليم لا يدرسون كل هذا التاريخ، وإنما يقع اختيارهم على أصعب ما فيه، مما يجعل الطلاب يكرهون النصوص والأدب، مثلاً في الثالث الثانوي تدرس عوامل نهوض الأدب في العصر الحديث السينما المسرح وغيرها من الأشياء التي لا تساعد على بناء جيل متشبع ناضج. قال ابن القيم ﵀: [فالمحب يقيم عذر المحبوب قبل جنايته، فلما صوره ألقاه على باب الجنة أربعين سنة] ففي الحديث (أن الله لما صور آدم من طين وضعه على باب الجنة أربعين سنة، فكان إبليس يمر عليه ويقول: لابد أن هذا قد خلق لشيء ما) يعني: هناك علة لخلق هذا. ثم قال: [لأن دأب المحب الوقوف على باب الحبيب، رمي به في طريق ذل لم يكن شيئاً، لئلا يعجب -أي: يداخله العجب- وفي الحديث (كان إبليس يمر على جسده ﵇ فيعجب منه، ويقول: لأمر قد خلقت، ثم يدخل من فيه ويخرج من دبره، ويقول: لئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت علي لأعصينك) ولم يعلم أن هلاكه على يده، فقد رأى طيناً مجموعاً فاحتقره، فلما صور الطين صورة دب فيه داء الحسد، فلما نفخ فيه الروح مات الحاسد، فلما بسط له بساط العز عرضت عليه المخلوقات فاستحضر مدعي ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ [البقرة:٣٠] يعني الملائكة في قولهم: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة:٣٠] إلى حاكم ﴿أَنْبِئُونِي﴾ [البقرة:٣١]]. أي: أن هناك قاضياً يجلس في مجلس القضاء وهناك مدع أتى بدعواه وهي: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠]، إلى حاكم ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة:٣١]، والمعنى: لماذا تخلق ونحن نعبدك؟ فكان الرد: قولوا لي هذه أسماء ماذا إذاً؟ [وقد أخفى الوكيل عنه بينة ﴿وَعَلَّمَ﴾ [البقرة:٣١]، أي: ﴿آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١]، فالمدعي وهم الملائكة لم يروا أمر التعليم من الله لآدم. ولذلك ادعوا، ولو عرفوا أن الله علمه، ما كانوا سيدعون، ولذلك من رحمة الله بآدم أن لقنه الحجة وعلمه إياها [فنكسوا رءوس الدعاوى على صدور الإقرار، فقام منادي التفضيل في أندية الملائكة ينادي: اسجدوا، فتطهروا من حديث دعوى ((ونحن)) بماء العذر في آنية ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾ [البقرة:٣٢]، فسجدوا على طهارة التسليم، وقام إبليس ناحية لم يسجد؛ لأنه خبث، وقد تلوث بنجاسة الاعتراض، وما كانت نجاسته تتلافى بالتطهير؛ لأنها عينية، فلما تم كمال آدم قيل: لابد من خال جمال على وجه ﴿اسْجُدُوا﴾ [البقرة:٣٤]. فجرى القدر بالذنب؛ ليتبين أثر العبودية في الذل. يا آدم! لو عفا لك عن تلك اللقمة لقال الحاسدون: كيف فضل ذو شره لم يصبر على شجرة] أي: لو أن الله سامحك وعفا عنك لقيل: مخلوق لم يستطع أن يصبر حين قلت له: لا تأكل، فأكل، فالله يريد أن يبين العز في أن آدم يعصي ثم يرجع فيقبل الله توبته، وفي الحديث: (يا ابن آدم! لو جئتني بقراب الأرض ذنوباً وجئتني لا تشرك بي شيئاً جئتك بقرابها مغفرة). ثم يقول: [لولا نزولك ما تصاعدت صعداء الأنفاس ولا نزلت رسائل: (هل من سائل)]. يريد بالرسائل ما جاء في الحديث: (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يكون ثلث الليل الآخر فينادي: هل من سائل فأعطيه، هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له) [ولا فاحت روائح (ولخلوف فم الصائم أحب إلى الله من ريح المسك)]، أي: لولا ما حصل من أبينا آدم، لم يكن هذا العز كله قد ظهر لنا، فتبين حينئذ أن ذلك التناول لم يكن عن شره، [يا آدم! ضحكك في الجنة لك وبكاؤك في دار التكليف لنا] أي: أنت عندما تضحك فالضحك لك، لكن عندما تبكي فبكاؤك لنا؛ لأنه يكون لك في ميزان الحسنات [ما ضر من كسره عزي إذا جبره فضلي] فمن كسره عز الله وجبره فضل الله ما ضره شيء. [إنما تليق خلعة العز ببدن الانكسار، أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي] فالله وهو الرب تعالى يقول: أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي [مازالت تلك الأكلة تعاوده حتى استولى داؤه على أولاده] أي أن كل واحد يريد أن يرتكب المحرم كما صنع أبوهم، [فأرسل إليهم اللطيف الخبير الدواء على أيدي أطباء الوجود: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣]] أي: لما حصل المرض بعث لهم الدواء على يد الخبير ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] [فحماهم الطبيب بالمناهي، وحفظ القوة بالأوامر، واستفرغ أخلاطهم الرديئة بالتوبة فجاءت العافية من كل ناحية]. اللهم عافنا فيمن عافيت يا رب. [فيا من ضيع القوة -الإيمانية- ولم يحفظها، وخلط في مرضه وما احتمى] أي: تناوشته الأمراض كمن أصيب بالفشل الكلوي، ومرض الكبد، والرئة والقلب وغيرها -والأمراض هي الذنوب، فالمعنى: لا ينظر للحرام فقط، بل يسمع الخبيث، ويقول الخبيث، ويذهب إلى أماكن الخباثة، بل هتك الأستار كلها. [وما احتمى ولا صبر على مرارة الاستفراغ، لا تنكر قرب الهلاك، فالداء مترام إلى الفساد، لو ساعد القدر فأعنت الطبيب على نفسك بالحمية من شهوة خسيسة ظفرت بأنواع اللذات وأصناف المشتهيات، ولكن بخار الشهوة غطى عين البصيرة، فظننت أن الحزم بيع الوعد بالنقد] أي فكرت أن النقد الذي هو الحاضر أنفع من الوعد الذي هو التأخير، فكأن النقد الدنيا والوعد الآخرة، فيا خسارة من باع الآخرة بالدنيا. [يا لها من بصيرة عمياء جزعت من صبر ساعة، واحتملت ذل الأبد، سافرت في طلب الدنيا وهي عنها زائلة، وقعدت عن السفر إلى الآخرة وهي إليها راحلة، إذا رأيت الرجل يشتري الخسيس بالنفيس، ويبيع العظيم بالحقير، فاعلم بأنه سفيه].

стр. 54

سلسلة شرح كتاب الفوائد [٦] القرآن كلام الله وحبله المتين، وقد تجلت فيه صفات الله وبانت فيه عظمته ومنته على خلقه بالهداية والتوفيق وما أعد لهم جزاء أعمالهم.

стр. 55

فضل العلماء على الأمة أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فأسأل الله أن يجمعنا وإياكم في مستقر رحمته، وأن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم احشرنا في زمرة المحبين فيك يا رب العباد، واجعلنا من المتجالسين فيك ومن المتزاورين فيك، وتقبلنا في عبادك الصالحين، واشرح اللهم صدر كل ذي صدر ضيق، واشف كل مريض، وتب على كل عاص، واهد كل ضال، وارحم كل ميت، وانصر كل مظلوم، واستر كل عيب، واغفر كل ذنب، واجعل خير أعمالنا خواتيهما، وخير أيامنا يوم نلقاك، وخذ بيد أبنائنا وبناتنا إلى كل خير، اللهم وفقهم يا رب العباد إلى ما تحبه وترضاه، واجعلهم من المحسنين الطائعين المؤمنين وأبعد عنهم شياطين الإنس والجن وأكرمهم بكرمك يا أكرم الأكرمين، إنك يا مولانا على ما تشاء قدير. إن العلماء الذين أوصلوا لنا هذا العلم أو شرح الله قلوبهم بهذا الكلام الذي نقرؤه ونتعلم منه، إنما هم أناس رضي الله عنهم ورضوا عنه، وهم أناس كالشجرة الطيبة التي غرس أصلها رسول الله ﷺ وتحدث عنها القرآن، كما قال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥]. وهم أناس أدركوا أهمية الإسلام وأهمية الإيمان وأهمية التقوى وأهمية الاستقامة، وأدركوا أنهم في الدنيا ضيوف وسوف يعود الضيف إلى بيته، وسوف تعود النفس إلى بارئها، وأدركوا أن الدنيا عارية مسترجعة، وأمانة مردودة، فأدوها كما استلموها، فكان الواحد منهم إذا استلم الدنيا لم يكثر فيها من الذنوب، وإنما يكثر فيها من الخير، فتحقق فيهم قول رسول الله ﷺ : (عيشوا مع الناس معيشة حتى إذا غبتم حنوا إليكم، وإذا متم ترحموا عليكم). فكان حقيقاً بهم أن الناس حين يغيبون عنهم يحنون لهم، وإذا غاب الواحد منهم ترحموا عليهم، فها نحن نترحم على ابن قيم الجوزية، والأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وأصحاب الكتب الستة: البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبي داود، كما نترحم ونترضي ونستلهم سحائب الرضوان على صحابة الحبيب ﷺ ورضي الله عنهم جميعاً، وهذه كما قال : ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار:٥]، وقد أخروا أعمالاً طيبة، وتركوا تاريخاً صالحاً يترحم عليهم بسببه. ثم هم أدركوا أيضاً مدى عداوة الشيطان، ونستطيع أن نضرب مثالاً نبين فيه مدى عداوة الشيطان لنا، وكيف يحاربنا في عقيدتنا وفي ديننا، وكيف أنه لا يستريح إلا إذا أغضب العبد ربه، أو انحرف المسلم عن طريق الصواب، فنقول: لو أن إنساناً جلس في بيته فنظر فوجد في الغرفة حية أو عقرباً أو شيئاً من هذا القبيل، فهل إذا جن عليه الليل سينام، أم أنه لن يستريح إلا إذا قتل هذه الحية؟ قطعاً أنه لن ينام، ولن يستطيع أن يغمض عينيه، فهو يخشى أن تدخل الحية غرفة الأولاد فتلدغ أحد أولاده، ولذا لا يستطيع أن ينام إلا إذا قتل هذه الحية، فإن قتلها اطمأن بعد ذلك. وهكذا الشيطان، فإنا لو أدركنا أن إبليس في بيت كل إنسان، وفي قلب كل إنسان، وأن خطره أعظم من هذه الحية لن يهدأ لنا بال إلا بعد أن نقتله، وقتله كثرة الذكر، وكثرة الطاعة، والإخلاص، والتقوى، والتوكل على الله، وصدق النية، والصبر عند المصيبة، وشرح الصدر، وتحمل أذى الناس، فكل هذه الأمور تزيد الإيمان؛ والإيمان كما هو معلوم يزيد وينقص تزيده الطاعات وتنقصه المعاصي، والمسلم دائماً يحب أن يرفع الرصيد عند الله . فرضي الله عن ابن قيم الجوزية وعن علماء المسلمين وعن السلف الصالح، اللهم احشرنا في زمرتهم يوم القيامة يا أكرم الأكرمين.

стр. 56

لذ بالقرآن يقول ابن القيم عن كتاب الله (القرآن): [القرآن كلام الله] قال ﷺ : (فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه). قال الحسن البصري رضوان الله عليه: هنيئاً لك يا ابن آدم إن أردت أن تكلم الله فأحرم بالصلاة، وقد تقدم أن في الصلاة مدلولات غريبة! فنحن حين نعدد فرائض الصلاة نقول: النية، ثم: تكبيرة الإحرام، وقولنا تكبيرة الإحرام مشعر بفريضة الحج، فإني حين أعتمر أو أحج أحرم، فكأن المصلي يذهب بجسده وروحه إلى هذا المكان الذي يجب ألا يدخله إلا محرماً، وكأن العبد في دخوله إلى الصلاة لا يصح له الدخول على الله إلا بعد الإحرام، أما هيئتها وهي رفع اليدين إلى حذو المنكبين فهي مشعرة أن المؤمن قد ألقى الدنيا خلف ظهره واستقبل الله بقلبه، وغيرها من أسرار الصلاة. فأنا بعد أن ألقيت الدنيا خلف ظهري واستحضرت الله بكياني ووجهي أدخل في الصلاة، فهنيئاً لك يا ابن آدم؛ إن أردت أن تكلم الله فأحرم بالصلاة. ثم قال الحسن: وإن أردت أن يكلمك الله فاقرأ القرآن، وفي الحديث: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، إذا قرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، يقول الله : حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣]، قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، قال الله: مجدني عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، قال الله: هذه بيني وبين عبدي، فإذا أكمل إلى قوله تعالى: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، قال الله: هذه لعبدي ولعبدي ما سأل). إذاً: فأنا إذا أردت أن أكلم الله أحرم بالصلاة، فإذا أحرمت بالصلاة فأنا أكلم الله ، والكلام مع الله يستلزم طهارة أمور أربعة: طهارة الثوب والبدن من النجاسات، وطهارة الجوارح من المعاصي، طهارة القلب من الأحقاد والآثام والأمراض، طهارة السر عما سوى الله . إذا أراد الأب أن يسجل ابنه في المدرسة، سيقال له: نريد شهادة الميلاد، ومهنة الأب وعنوان السكن، ورقم التلفون، والزي المدرسي والمصروفات وسيارة النقل، وغيرها من المطالب وكل هذه الأمور لابد أن تسجل وتوضع في الملف، كل ذلك لمجرد أن الابن يدخل المدرسة، فما بالنا بمن يلقى الله ؟ إذاً لابد أن يكون طاهر البدن طاهر الثوب. ولذلك ينبغي على العبد وهو داخل على الله في الصلاة ألا يضع في ذهنه أن الأمر دقيقتين ثم ينصرف، بل لابد أن يكون قد هيأ نفسه تهيئة كاملة، كان علي ﵁ يصفر وجهه ويهتز جسده إذا جاء وقت الصلاة فيسأل: ما لك يا أمير المؤمنين؟ فيقول: لقد جاء وقت الأمانة التي عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملناها وأشفقن منها وحملتها أنا إني كنت ظلوماً جهولاً. وإذا أردت أن يكلمني الله، فإني اقرأ القرآن، فالقرآن يرفع مستوى العقيدة لدينا، ويرفع مستوانا نحن الضعفاء أن الله يكلمنا، ولذلك قال ابن مسعود: اقرأ القرآن وكأنه عليك قد نزل، وكان يقرأ القرآن كأنه أنزل عليه، وظل تلميذه الحسن البصري يترقى ويتعلم على يده ﵁ حتى بلغ مبلغاً عظيماً، عبر عنه فقال: قرأت القرآن على يد عبد الله بن مسعود فلما حفظته وتدبرت بعض ما فيه من معان ترقى بي الحال فصرت كأني أسمعه من رسول الله، فلما ترقى بي الحال كنت كأني أسمع الله يبلغ جبريل ليبلغ محمداً ﷺ . وفي الدعاء وصل به إلى أن قال: والله إني لأدعو الله وأرى يد الله تكتب لي الإجابة. فقد كان عنده يقين بإجابة ربه له، وفي الحديث (ادع الله وأنت موقن بالإجابة) ولا يحقرن الإنسان نفسه فإن رحمة الله عظيمة وخيره عميم. يذكر أن أحد العلماء الصالحين في مصر في عهد التابعين ﵃ مات جاره فدعوه ليصلي عليه، فأبى، وكان جاره هذا لا يترك موبقة ولا كبيرة ولا محظوراً إلا وارتكبه والعياذ بالله، وكان مجاهراً بالمعصية. فذهبوا وصلوا على الرجل ودفنوه، فرآه هذا العالم في المنام في أول ليلة مات فيها يرفع في الجنة، ففوجئ من ذلك وقال: ما الذي أوصلك إلى هذا المكان؟ فقال له: لو كنت من الذين يملكون خزائن رحمة الله إذاً لأمسكت خشية الإنفاق. فلما أتى الصبح ذهب إلى زوجته وقال لها: أستحلفك بالله ماذا كان يصنع زوجك، فقالت: والله ما كان يصنع خيراً قط إلا أنه في كل ليلة جمعة يجمع يتامى الحي ويجلس معهم على مائدة واحدة يطعمهم في أفواههم ويقول: ادعوا لعمكم عسى أن يغفر الله له. فرحمة الله واسعة، وفي الحديث: (لا يحقرن أحدكم من المعروف شيئاً)، كما لا ينبغي للمسلم أن يرجئ العمل فيقول: أنتظر حتى يكون عندي قوة وأصلي عشر ركعات، بل لو عنده قوة يصلي بها ركعتين فليصل ولا يرجئ وهكذا في قراءة القرآن وغيرها من الأعمال. ولا يعني ذلك عدم الاهتمام بالمواظبة، وإنما التنبيه على أنه لو فتح باب خير دخل العبد فيه ولا ينتظر، فهي فرصة قد لا تعوض. ومن رحمة الله بعباده أنه جعل للعباد كفارات، وهم الذين لا يسلمون من المعاصي الكفارات، وفي الحديث قال: (من الحج إلى الحج كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر)، بل ومن العمرة إلى العمرة، ومن رمضان إلى رمضان، ومن الجمعة إلى الجمعة كفارة. وليس ذلك فحسب، بل من الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينها. ولذلك كان عباد الله الصالحون يشعرون عندما يقرءون القرآن برحمة الله وبغضب الله، فكان الصحابة ﵃ يقولون: كنا والقرآن ينزل على رسول الله ﷺ نرى الجنة والنار، وليس المراد برؤيتها أنهم يروها رأي العين، ولكن المعنى أن قلوبهم تحس بريح الجنة، وعظمة نعيمها، وتحس بقبح النار وعذابها، حتى كأن تلك القلوب قد رأتها. ومما علمنا أهل العلم -جزاهم الله عنا خيراً- أن الرضا بما ابتلي العبد به صورة من صور الجنة في الدنيا أي: أن الذي عنده حالة من الرضا فقد أعطاه الله جزءاً من الجنة في الدنيا، قال الحسن ﵁: يا بئس أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا فيها أحلى ما فيها الرضا، عن الله وبالله ، فالذي ينبغي على الإنسان أن يكون راضياً؛ فإن من رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط. فاللهم اجعلنا من الراضين يا رب العالمين.

стр. 57

تجلي صفات الله في كتابه قال ابن القيم ﵀: [القرآن كلام الله] ولذلك أهل العلم يقولون عن القرآن: كلام الله لفظ قائم، ومعنى في هذا اللفظ، ورضاك بينهما ماض، بين اللفظ وبين المعنى، أي: أن اللفظ يأتي مع المعنى، فنحن ندرك عند قراءة القرآن أن هذا أمر وهذا نهي، وهذا وعد وهذا وعيد، وهذا تبشير وهذا نذير وهكذا. ثم يقول: [القرآن كلام الله، وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته] فنحن نجد صفات الله كلها في كتاب الله . [يتجلى تارة في جلباب الهيبة والعظمة والجلال، فتخضع الأعناق، وتنكسر النفوس، وتخشع الأصوات، ويذوب الكبر كما يذوب الملح في الماء]، أي أن الله يتكلم عن بعض صفاته عن الهيبة، وعن العظمة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠]، ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١٢] لفظ يجعل العبد يخاف! ثم يقول ابن القيم ﵀: [ما قرئ القرآن على جبار إلا وتصاغر]، بشرط أن الذي يقرأ القرآن يقرؤه من قلب صادق، ولعلنا نذكر الشيخ: محمد رفعت رحمة الله عليه، فقد منع من التسجيل في الإذاعة؛ لأنه استضيف ذات مرة في قصر عابدين ليقرأ إذا جاء الملك، فأول ما دخل الملك قرأ قوله تعالى من سورة النمل: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل:٣٤]، فغضب الملك جداً، ومنع الشيخ أن يسجل القرآن بهذا الصوت الملائكي الجميل، ﵀ ورحم الله كل من حفظ القرآن حياً وميتاً، اللهم احفظ علينا القرآن ونعمنا به في الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين. ثم يقول ابن القيم ﵀: [وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال، وهو كمال الأسماء وجمال الصفات وجمال الأفعال]، أي: أن الله يعطينا دون أن نسأل، ولو أن الله أعطانا بحسب الدعاء فقط لانقطعت عنا النعم التي تغمرنا. فنعمة التنفس -الشهيق والزفير- بعدد ١٦ مرة في الدقيقة، ونبضات القلب من ٧٠ إلى ٨٠ مرة في الدقيقة! أعضاء آلية لا يتدخل العبد فيها ولا يدعو الله تعالى أن يمنحه إياها، ولا يشعر الإنسان بهذه النعمة إلا إذا أصيب بمرض يعيق عملها، كالأزمة الربوية، أو أمراض القلب. وهكذا غيرها من الأعضاء في بدن الإنسان، لا يعرف المرء أهميتها إلا إذا أصيب بمرض يعيق عملها، ومع أنه لا يسأل كل تلك النعم فإنه يعطاها بلا مسألة من الكريم سبحانه، وفي الحديث: (أن أعرابياً دخل على رسول الله فقال: يا رسول الله! من يحاسبنا يوم القيامة؟ قال: إن الذي يحاسبنا هو الله، قال: والله إذاً لا أبالي ما دام أن الله هو الذي يحاسبنا فهو الكريم وإن الكريم إذا رأى ستر وإذا قدر عفا). وفي الحديث القدسي: (يا عبدي لا تشكني إلى عوادك)، أي: عندما تمرض أو تحل بك أزمة فلا تشكني إلى الذي أتى يزورك (فكم من ذنب منك يصعد إلي بالليل والنهار ولم أشكك إلى ملائكتي)، بل إن الله ينسي الأرض وينسي الليل وينسي النهار وبقية الشهود العشرة التي ستشهد علينا بالحسنات أو بالسيئات يوم القيامة، اللهم اغفر لنا يا أرحم الراحمين كل ذنوبنا يا أكرم الأكرمين. ومعنى قوله: [وجمال الأفعال]، أي: أن كل الذي يأتي من عند الله خير، أما من أين يأتي الشر؟ فإنه منك أنت، لا ينسب الشر إلى الله إنما الخير كل الخير من الله . ولذلك قد أرى أن صورة من الصور، أو حالة من الأحوال سيئة، كأن يحصل لك موقف مع زوجتك، أو أبيها أو ابنك، أو غيرهم، فالصورة الظاهرية أنه ابتلاء، لكن الصورة الحقيقية أنها نعمة يسوقها الله في صورة بلية! قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض الناس بالنعم فقد تأتي البلية بصورة نعمة وتأتي النعمة في صورة بلية، فتجد من رزقه كفاف قد أعطي صحة وعافية فإذا فتح عليه باب المال فتح عليه باب المرض، وهكذا. وللتقريب نضرب هذا المثال: لو أن الدكتور قال لك: لا ينفع مع أصبع ابنك هذا إلا أن يقطع، فهل أنت حين توافق الطبيب قاس على ابنك أم رحيم به؟ لا شك أنك رحيم، وترى أن صلاح الولد في كلام الطبيب وأن الأصبع لابد أن يقطع أو الذراع أو الرجل، أما الابن الصغير فإنه يرى أن أباه قاس عليه يوافق الدكتور أن يقطع له أصبعه! ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، فالله يعلم أن في هذه البلية صلاحك، وأن المرض في ميزان حسناتك، وأن المصيبة إن احتسبتها رفعت درجتك.

стр. 58

قيمة السلعة بقيمة مشتريها والثمن المبذول فيها وعن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١]، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: [تعرف قيمة السلعة بقيمة مشتريها]، فأنت حين ترى إنساناً يشتري بناء أو منزلاً فاخراً بمال كثير تدرك أن هذا الرجل ثري، ثم يقول: [والسلعة تعرف بقيمة مشتريها، وبالثمن المبذول فيها، وبالمنادي الذي ينادي عليها، فإذا كانت السلعة هي النفس، والمشتري هو الله، والثمن هو الجنة، والمنادي سيدنا الحبيب ﷺ ]، وقطعاً فإن الله لن يشتري نفساً أمارة بالسوء، وإنما يشتري النفس المطمئنة، لأن الإنسان الذي باع إنما يبيع شيئاً ليس بكاسد، وما دام باع فسيسلم البيع أو السلعة قبل ما تفسد، فأنت سلم نفسك الآن لله رب العالمين؛ فقد تكون هذه الأيام أفضل من الأيام الآتية. نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن. إن قلب العبد بين أصبعين من أصابع الرحمن، فالعبد ما دام قد باع نفسه لله فليضمن أن المشتري هو الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]، و (اشترى) فعل ماض، والأنفس والأموال هما في الأصل ملك لله، فلا يوجد كما يقال: دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، وإنما: دع ما لقيصر لله، وما لله لله؛ لأن كل شيء لله. ولذلك فإن النبي ﷺ كان يريد أن يحرق البيوت على أناس تخلفوا عن صلاة الجماعة، ولذلك لا يتخلف عن صلاة العشاء وصلاة الصبح إلا المنافقون، وهذه من علامات النفاق؛ لأن الظهر يأتي علينا وكلنا في أعمالنا، فيصلي بعض الناس لكي يقول عنه زملاؤه أو مديره في العمل: إنه يصلي. فالكارثة أننا نصلي الظهر والعصر في الشغل لكي يقول الناس: إننا ملتزمون، لكن لا يخرج من بيته يصلي الفجر، وربما يخرج إلى المسجد ويوقظ حارس العمارة ويقول له: لماذا لا تفتح لي الباب وأنت تعرف أنني أخرج كل يوم لصلاة الفجر؟ حتى يسمع الجيران أنه يصلي الفجر. فالذي لا يصلي الفجر منافق، فمن لا يصلي صلاة الفجر والعشاء في المسجد فهذا دليل على النفاق، والعياذ بالله. ولذلك قال رسول الله ﷺ : (بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة)، فالذي يمشي إلى المسجد في الظلام في الدنيا، سيمشي بنور الله يوم القيامة، لأن الله لا بد أن يعوضه عن هذا يوم القيامة، وكذلك حرم عليه الخمر في الدنيا، وجعل في الجنة أنهاراً من خمر، وهذه الخمر ليس فيها سكر، ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ [الصافات:٤٧]، أي: لا تغتال العقول ولا تذهبها. وكذلك الحرير حرمه الله على الرجال في الدنيا وأباحه لهم في الجنة، فإنهم يلبسون الحرير ويجلسون عليه، فإذا كانت المقاعد في الجنة بطائنها من إستبرق وهو الحرير، فكيف بظاهرها؟ فإذا حرمت على نفسك الحرير في الدنيا فالله يعوضك بالحرير في الجنة، وإذا حرمت على نفسك الخمر في الدنيا فالله لن يضيع عليك شيئاً، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٤٣]. إذاً: إذا رأى العبد أن الناس قد فرحوا بالدنيا وما فيها فليفرح هو بالله، وبلقاء الله، أو يفرح بصدقة عملها، أو مصلحة لشخص قضاها، أو يفرح أن فلاناً تصالح مع زوجته ولا يفرح لخراب البيوت كما يحصل من بعض الناس، وبعض الناس يظل يسعى إلى خراب البيوت حتى يخربها بقصد أو بدون قصد. فالأم المفوهة عندما تأتي إليها ابنتها غاضبة من زوجها تقول لها: انتبهي! على زوجك، فإنك لو أطعته ستدخلين الجنة، ولو صبرت عليه سيكرمك الله، فتقول لها كلاماً يطيب نفسها، ولا تحرضها ضد زوجها، فالأم تكون ناصحة وحنونة، ولا تكون هي التي تصب الزيت على النار، وتقول لها: لا تعودي لزوجك حتى يأتي إلى هنا ويعتذر ويأتي معه أبوه وأمه. فلماذا نوسع المشكلة؟ ولماذا لا نضيق عليها؟ أعرف آباء إذا رجعت ابنته من عند زوجها غاضبة منه وقد طردها من بيته، يقول لها: ارجعي إلى بيت زوجك وسآتي وأصلح بينكما في بيت زوجك، فترجع إلى بيت زوجها. وقد حصل هذا الموقف لرجل فاضل عنده بنات متزوجات، وإحدى بناته أتت من بيت زوجها وهي غاضبة، فأمها أثارتها على زوجها، وهي تقول: لقد أغضبني وضربني وو وهو لم يعمل بها شيئاً، والزوجات أحياناً قد يكذبن على النفس، وليس معنى هذا أن الزوجات غير طيبات. ولكن الذي أريد أن أقوله أن الأب الناصح والأم الناصحة لا يوسعون القضية، فقال لها أبوها: ارجعي إلى بيتك. فقالت له: لقد قال لي اذهبي إلى بيت أهلك فقال لها: أنا لا أقبل أن ابنتي تأتي إلي وتقول مشكلتها وزوجها غير موجود، فاذهبي إلى بيت زوجك وسوف آتي وأرى ماذا حصل؟ فعادت إلى بيت زوجها، وبينما هي تطرق الباب فتح زوجها الباب وكان يظن أن أباها معها، فقال: تفضل يا عم! فقالت له: لقد أتيت بمفردي، فاستغرب وقال: لقد ذبحني عمي بهذا التصرف، وفي الليل أتى حموه إليه ومعه زوجته، فأتت البنت تشتكي فقال لها: أريد أن أسمع زوجك أولاً، فقال له: خيراً ماذا حصل؟ فقال له: أنا رجل قليل الأدب لأنني أخرجت زوجتي من البيت، وانتهى الموضوع، فلم يجد الأب رداً على كلامه. ونحن للأسف الشديد نريد جنازة يحصل فيها لطم، ويوجد ناس من الحزن وكثرة الاكتئاب يتابع صفحة الوفيات بالجرائد، ويتذكر ويبكي، ويبحث عن أي شيء يجلب له الحزن، فهذه أشياء غريبة. وبعض الناس لابد أن يشتكي، حتى من أي شيء.

стр. 59

سلسلة شرح كتاب الفوائد [٧] إذا لم يسلك العبد مسلك الطاعة وانخرط في المعصية فإن ذلك بسبب إعراض الله تعالى عنه، فليراجع حساباته، فإن الله لا يعرض عنه إلا بسبب من عنده، فعليه إذاً أن يستجيب لله وللرسول وأن يسلك أسباب القبول.

стр. 60

إعراض الله عن العبد قال المصنف رحمه الله تعالى: [حتى وإن لم تسلك مسلك الطاعة]. فمثلاً لو أن أحداً ذهب ليشتري خبزاً لأولاده، وبينما هو في الطريق قابله صديقه وقال له: يا أخي! أريد منك مساعدة لأطفال يتامى وأن نشتري لهم أحذية وملابس، ولقد جمعنا مبلغاً قدره أربعون جنيهاً وما زلنا بحاجة إلى عشرة جنيهات، وهو يثق فيه، فقام الرجل وأعطاه وشكره على أنه جعله يفعل الخير، فربنا وضع له الخير في طريقه دون أن يقصده، فـ (يثاب المرء رغم أنفه). والنوع الآخر -والعياذ بالله- يضع الله المعصية في طريقه وهو لم يسر إليها، حتى إنها لتأتي إليه في بيته، فتجد الرجل جالساً مع زوجته وأولاده فيتصل صديق له ويقول له: تعال الآن فلدينا جلسة ممتعة، وستخسر كثيراً إن لم تحضر وستفوتك المتعة، فيقول له الرجل: لقد وعدت زوجتي وأولادي أن أجلس معهم هذا اليوم، فتجد صديقه يرغبه في تلك الجلسة حتى يخرجه من بيته، وبعد أن يخرج من البيت تحزن زوجته وأولاده فينامون وهم مغمومون، ويقولون: أليس لنا حقاً في أبينا؟ ولماذا لا يهتم بنا؟ وتنتج المشاكل في هذا البيت؛ لأن الشيطان دخل عليهم من هذا الباب. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا تظن أبداً إذا عصى العبد ربه أن الشيطان غلب]. فالشيطان لا يغلب، قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦]، فليس عصيان العبد دليلاً على أن الشيطان غلب ولكن الولي أعرض عن العبد، فلو أن رجلاً قُتل أخوه ستجدونه يحزن حزناً شديداً، لأن أخاه كان ظهره الذي يستند عليه لكنه ضاع، فما بالك عندما يكون ظهره الله ؟! فبعض الناس تجده مريضاً بأمراض كثيرة، فلو أن الله هو ظهره فلن يخسر شيئاً، وعندما يتخلى الله عن العبد فلن يكسب العبد شيئاً، نسأل الله أن يكون لنا ذخراً وسنداً في حياتنا؛ إن ربنا على كل شيء قدير.

стр. 61

من كانت الدنيا همه صار خادماً لغيره [وإن أصبح العبد وأمسى والدنيا همه حمله الله همومها وغمومها وأنكادها، ووكله إلى نفسه]. تجد بعض الناس كما يقال: عنده قدرة على تصدير الهم إلى غيره، بل إني أعرف امرأة توفي ابنها وهو يشرب الشاي، فمن حزنها حرمت على نفسها شرب الشاي، وعندما تنسى ابنها قليلاً وتتسلى قليلاً تذهب وتقرأ في صفحة الوفيات، وتتذكر ابنها وتبكي، فهي تبحث عن الحزن أينما كان، لكن العبد لو وكل أمره إلى الله لما حزن هذا الحزن الذي لا داعي له. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإذا أصبح المسلم وأمسى والدنيا همه]. كلنا هذا الرجل المسلم، همه المال والمرتب والمكافأة والبيت وغير ذلك. قال: [حمله الله همومها وغمومها وأنكادها] كان سيدنا علي ﵁ ماشياً مع الصحابة فوجد جيفة لحيوان ميت والكلاب حولها، فقال: الدنيا جيفة قذرة، فمن أراد أن يأخذ منها فلينهش مع هذه الكلاب. قال: [ووكله إلى نفسه فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق]. أي: فبدلاً من أن يحب الله يحب الخلق والعياذ بالله. قال: [ولسانه عن ذكره بذكرهم]. فينسى الله والعياذ بالله، ويقضي حياته وهو يذكر الناس. قال: [وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم] وأمثال هؤلاء: حمزة البسيوني أو حسن طلعت أو شمس بدران كانوا يُؤمرون بتعذيب الناس، حتى إن حسن طلعت مدير السجن كان يقول: كل أحد يخاف مني، ولو أن جبريل أتى ناحية السجن فإنه سوف يأتي إلي ويلقي لي التحية العسكرية أولاً! وبعد النكسة حُبس في نفس السجن الذي كان يديره في يوم من الأيام، والذي كان يعذب المسجونين فيه! قال الله تعالى: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥٨]. وقال رسول الله ﷺ : (البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت كما تدين تدان). وهذه آية من آيات الله أراها كل يوم، وهي أن شاباً كان أبوه من مدراء السجون في الستينات، وكان يأمر المسجونين المسلمين عندما يمشون أمامه أن يضعوا أيديهم وراء ظهورهم، ويخفضوا رءوسهم؛ من باب الإذلال، وابنه الآن عمره ثلاثون عاماً، ولكنه من بداية حياته جاءه مرض، فلا يستطيع أن يحتفظ بتوازن جسمه إلا إذا وضع يديه وراء ظهره وخفض رأسه، وأنا أراه كل يوم يمر من أمام منزلي ويركب الحافلة. سبحان الله! ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر:٥]، ومثل هذه الحكم تعتبر أقوى درس في العقيدة، كما تدين تدان. وكتب في إحدى الصحف: أن رجلاً كان يصنع فخاراً فكبر في السن وأصبح ابنه يساعده، فقام هذا الرجل بحمل بعض الفخار على ظهره فتعثر لكبر سنه، فوقع الفخار من على ظهره وانكسر، فإذا بابنه ينهال عليه ضرباً وهو في الأرض، فاجتمع الناس وأرادوا أن يفتكوا بالولد، ولكن والده صاح وقال: اتركوه، لقد ضربت أبي في نفس هذا المكان! من يزرع خيراً يجن خيراً، ومن يزرع شراً فلن يحصد إلا من جنس ما زرع، والحياة كتاب مقروء ويجب على المؤمن أن يعتبر، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣]، فالحق ظاهر وواضح، فإن عملت خيراً ستلقى خيراً، وإن عملت شراً ستلقى شراً، والعياذ بالله، والعرق دساس. فالله عندما يصبح العبد ويمسي والدنيا أكبر همه يشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم، ويؤتى يوم القيامة بالأتباع والمتبوعين، فيقولون: هؤلاء يا رب! هم الذين أضلونا وقالوا لنا: اعملوا كذا وكذا، يقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨]، فيقول رب العزة: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف:٣٨]، أي: لكل واحد منكم ضعف من العذاب، والمخدوم تهرّب من الخادم، والخادم يريد أن يعلق المشكلة برقبة من يعلوه، والمسلم لا يعصي الله بطاعة مخلوق، والرسول ﷺ يقول: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، فإذا قال لي المخلوق شيئاً يخالف ما قال الله فلا طاعة له مهما كان، سواء كان أباً أو أماً أو ابناً أو زوجة أو قريباً أو قريبة أو رئيساً أو مرءوساً أو مديراً أو غفيراً أو وزيراً، لا طاعة لهم ما دام هذا يخالف أمر الله، فلو أن الوزير قال لمدير مكتبه: اذهب بهذه الهدايا (لفلان بيه) مثلاً وهو يعلم أنها رشوة وليست هدية وقام بتنفيذ الأمر فهو رائش، ولن ينفعه هذا الوزير يوم القيامة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٦ - ١٦٧]. سبحان الله! وقال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، حتى إن الشيطان يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢] ويقول: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦]. فالعبد يجب أن يعمل ما يرضي الله؛ لأنه قد يأتيه الموت وقد تأتيه لحظة النهاية وقد يأتي الختام ولا يكون الختام حسناً والعياذ بالله. اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وخذنا من الدنيا مسلمين يا رب العالمين. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره]. إن كير الحداد عبارة عن منفاخ، فهو يظل ينفخ فيه طوال اليوم لكي ينفع غيره؟ وهذا مثله. فأي قيمة لرجل يقف وراء رجل مثله، ويقدم له الكرسي ويأخذ له النظارة في جيبه، وهكذا سبحان الله! يقول رسول الله ﷺ : (هل أدلكم على رجل من أهل النار؟ قالوا: من يا رسول الله؟! قال: رجل جالس وبين يديه رجال قيام). ويقول عمر بن الخطاب: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا. سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ دخل عليه سعد بن أبي وقاص ولقيه يعجن العجين، فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين وأين الخادم؟! قال: أرسلناه ليشتري شيئاً من السوق، فكرهنا أن نحمله شيئين في وقت واحد. مع أنه خادم، وهذه مهنته، ولكن عمر بن الخطاب ﵁ لم يرد أن يكلفه فوق طاقته، حتى لا يكلفه الله ما لا طاقة له به. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فكل من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته، بلي بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته]. إذاً: الخالق والمخلوق لا يشتركان في العبودية، وجمع المتضادات من المستحيل، فلا أحد يستطيع أن يجمع الليل مع النهار، ولا البارد مع الحار، ولا أن يجمع الأبيض مع الأسود، ولا يمكن أن يجتمع الطيب مع الرديء، كذلك إما أن تعبد الخالق أو أن تعبد المخلوق. فلا يجمع الإنسان في قلبه إلا الخالق، فيذلل الله له المخلوقات وييسرها. أتى إلي ذات مرة شخص وقال لي: المصلحة الفلانية لن يقوموا بعملهم لي إلا إذا أخذوا مبلغ كذا وحددوا المبلغ، فهل أدفع؟ قلت له: لا تدفع، فقال لي: سأتضرر من ذلك كثيراً، فقلت له: لا تخف لن يحصل لك شيء، فذهبت معه إلى ذلك الرجل الذي بيده المصلحة ولم أكن أعرفه أبداً، ولكنني استعنت عليه بالله ، وقلت له: أريد أن تنجز لي هذه المصلحة؟ فقال لي: القانون رقم ١٤٧ يقول، ولا يوجد قانون أصلاً، فقلت له: ما هو المطلوب بالضبط؟ قال لي: المطلوب ليس لي، فقلت له: لمن؟ قال: للعمال المساكين في هذا المكتب، فقلت له: هذه إما رشوة وإما صدقة، فقال لي: اعتبرها صدقة، فقلت له: لماذا أتصدق عليك وأنت ترتدي هذه البدلة الجديدة التي تقدر بـ٢٠٠ جنيه؟ اذهب وبعها واشتر بدلة من وكالة البلح بـ٣٠ جنيهاً، وبعد ذلك سأتصدق عليك عندما أرى بنطال بدلتك ممزقاً وتستحق الصدقة، فقال لي: هل أتيت هنا لكي تهيننا؟ قلت له: لن أخرج من هنا إلا بعد أن توقع على هذه الورقة، وإذا لم تمضها سوف أتصل الآن برئيس الوزراء وسأجعله يأتي إلى هنا، فأمضى الورقة وظن أني أعرف وساطات كبيرة، وأنا لا أعرف أحداً ولا أعرف رقم الوزير ولا أعرف حتى اسمه، ولا أعرف هل كان سيرد علي أو لا يرد؟ ولكنني وجدت نفسي أقول له هكذا، حتى أمضى على الورقة. سبحان الله! فاستعن بالله ولا تعجز، فهو مخلوق مثلك. كذلك أعرف رجلاً ظلمه أحد المسئولين الكبار، فجاء وقال لي: ماذا أفعل؟ هذا الرجل ظلمني ونقلني من مكتبي إلى مكتب أقل درجة، فقلت له: لا تيأس هكذا، فقال: ماذا أفعل؟ قلت له: ادخل عليه، وقل له: لو ظلمني أحد فإنني سآتي إليك وأشكوه، لكن أنت الذي ظلمتني فأنا سأشكوك إلى الله. فقال لي: يا أخي! هذا لا يصلي، ولا يعرف الله، فقلت له: أنت قل له هذا الكلام فقط، وأنت معتقد أنه لا يملك لنفسه ولا لك لا نفعاً ولا ضراً، فذهب الرجل وقال لهذا المسئول ذلك الكلام، فرد عليه المسئول وقال له: بيني وبينك حد الله، وأمر بأن يردوه إلى مكانه الذي كان فيه، وأمر له بترقية كذلك! إذاً: ما الذي يجعلني أخاف من أي إنسان، إذا أنا خفت من الله فإنني أشعر أن جميع الناس لا أخاف منهم، لكن إذا خفت من هذا وخفت من هذا، فأين الخوف من الله؟! والله لو خفنا من الله، لأخاف الله منا المخلوقات، ويسر لنا الأمور، وذلل لنا الطاعات، ووفر لنا الأوقات، وبارك لنا في الأولاد والعمر، وبارك لنا في الكلمة، وبارك لنا في كل شيء، فلا بد من الخوف من الله ؛ يقول الل

стр. 62

غاية الجهل في الشكوى قال المصنف رحمه الله تعالى: [الجاهل يشكو الله إلى الناس، وهذا غاية الجهل بالمشكو والمشكو إليه]. فكم جاهل بيننا بل كلنا جهلة؛ لأننا نشتكي من الزمن والأيام والدهر، والله يقول في الحديث القدسي: (لا تسبوا الدهر فأنا الدهر، وأنا الذي أصرفه بيدي)، وتجد الناس يقولون: الأيام هذه أيام صعبة، والأيام هذه ليس فيها خير، وهذا سب لله والعياذ بالله؛ فالدهر وأيام الأسبوع وأشهر السنة منذ أن خلق الله السموات والأرض لم تتغير، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة:٣٦]، فالأيام والسنون لم تتغير، ولكن الناس هم الذين تغيروا. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإنه لو عرف ربه لما شكاه] فكيف نشكو من اسمه: الكريم؟! وكيف نشكو من اسمه: الرحيم، والغفور والودود والناصر والمعين والولي والقيوم؟! قال: [ولو عرف الناس لما شكا إليهم، ورأى بعض السلف رجلاً يشكو إلى رجل فاقته وضرورته، فقال: يا هذا! والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك، وفي ذلك قيل: وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم والعارف إنما يشكو إلى الله وحده]. فسيدنا يعقوب قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦]. قال: [وأعرف العارفين من جعل شكواه من نفسه لا من الناس] يعني: يشتكي نفسه لله، ويقول: يا رب! أنا لست صالحاً ولست مطيعاً، أصلح لي نفسي يا رب! اجعلني راضياً وقنوعاً، وانزع من قلبي الحسد، واجعلني صابراً، واجعلني تقياً، واجعلني زاهداً، واجعلني مصلياً، واجعلني قارئاً للقرآن، وارزقني العلم، وحفظني القرآن، وفهمني تلاوته. وتجده يدعو الله ويشكو نفسه إليه ، ولكن تجد أكثر الناس هذه الأيام يسأل الله الدنيا ويقول: يا رب! أعطني مالاً ووفر لي كذا، وسخر لي كذا وهذه كل طلباته، سبحان الله! قال: [فهو يشكو من موجبات تسليط الناس عليه، فهو ناظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠]، وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]، وقوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]]. وهذه الآية نزلت في غزوة أحد. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فالمراتب ثلاث: أخسها أن تشكو الله إلى خلقه، وأعلاها أن تشكو نفسك إليه، وأوسطها أن تشكو خلقه إليه].

стр. 63

الرغبة في الآخرة مرهونة بالزهد في الدنيا قال المصنف رحمه الله تعالى: [لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا] وهذا صحيح، قيل لـ أبو حازم: لماذا نكره الآخرة ونحب الدنيا؟! كأن يحدث أحدنا نفسه ويقول: لو مت فسوف أترك المال والثروة والبيت والسيارة والمنصب، والمركز الاجتماعي، والأموال في البنوك، والترشيح للوزارة، والترشيح للإدارة، فتجده يكره الموت. فقال أبو حازم: تكرهون آخرتكم وتحبون دنياكم؛ لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم أخراكم، والإنسان لا يتمنى أن ينتقل من العمران إلى الخراب. فلو عَمَّر الإنسان الآخرة فإنه سوف ينتقل إلى العمران وسوف يفرح بذلك، ومثل ذلك: الأم التي تظل تربي ابنتها وبعد ذلك تزوجها، فتنتقل إما إلى زوج صالح أو إلى زوج غير صالح والعياذ بالله رب العالمين. إذاً: مجرد أنها ترى أن زواجها أفضل لها، فما بعد الزواج أفضل لها، والبنت تجدها فرحة لأنها ستتزوج؛ ولأنها ذاهبة إلى مكان هي مقتنعة أنه مكان أفضل. فكذلك المسلم لو اقتنع أن الآخرة عنده أفضل فسوف يعمل لها. قال: [ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين: النظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخستها وألم المزاحمة عليها]. إننا نجد أنفسنا عندما نكون واقفين في طابور نشتري شيئاً أو نحجز شيئاً، فكل واحد يريد أن يذهب الأول، فيقول: لو أعرف أحداً في هذه المصلحة لكنت دفعت المبلغ وذهبت، ولو أعرف فلاناً لكنت أنهيت هذه المسألة اليوم، وهكذا نزاحم على الدنيا ونتعب كثيراً. قال: [وألم المزاحمة عليها والحرص عليها، وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد، وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب من الحسرة والأسف، فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها، وهم في حال الظفر بها، وغم وحزن بعد فواتها، فهذا أحد النظرين]. أي: أن الإنسان لكي يحب الآخرة ويزهد في الدنيا، لا بد أن ينظر لحقيقة الدنيا، مثلما نظر إليها رسول الله ﷺ عندما رأى امرأة عجوزاً وعليها أساور ومجوهرات وحلياً وزينة، وكانت تناديه: يا محمد! يا محمد!، ولم يرد عليها الرسول ﷺ ولم ينظر إليها، فقالت: إن نجوت مني فلن ينجو مني أصحابك. فقال رسول الله ﷺ لجبريل: من هذه يا جبريل؟! قال: هذه هي الدنيا. يقول الشاعر: إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق فالدنيا ترفع أناساً وتخفض آخرين، وكم من أولاد أعزاء ذهب عليهم العز، والذي كان لديه مال ذهب ماله، والذي كان في مركز اجتماعي ذهب مركزه. والله يبتلي العبد في الدنيا لكي يضرع إلى الله، ويعلم أن الدنيا ليست دار مقر بل دار ممر، فنحن نفرح في السفر؛ لأننا قربنا أن نصل، وعندما نتعب في الدنيا، فمن الواجب ألا نحزن؛ لأننا نعلم أننا أوشكنا على الوصول إلى الله رب العالمين. قال المصنف رحمه الله تعالى: [النظر الثاني: النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولا بد، ودوامها وبقائها، وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات، والتفاوت الذي بينها وبين ما هاهنا، فهي كما قال الله سبحانه: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٧]، فهي خيرات كاملة دائمة، وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة، فإذا تم له هذان النظران آثر ما يقتضي العقل إيثاره وزهد فيما يقتضي الزهد فيه]. أي: أن العاقل يعلم أن الباقية وما فيها من المسرات أحسن من الفانية التي فيها المكدرات، ومن فينا لم يمر عليه يوم إلا وهو في هم جديد؟ والدنيا هكذا دار عمل واختبار، والجاهل من يلعب ويلهو ويتفاخر، يقول تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الحديد:٢٠]، فالدنيا مثل ذهاب السكرة وحضور الفكرة، والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، فإذا ما انتبهوا ندموا ولن ينفع الندم بعد ذلك، إذ تأتي الإنسان حالة من النوم في الدنيا، وينتبه للأسف عندما يموت، وبمجرد أن ينتبه يقول: وا حسرتاه، لم أصل، ولم أزك، ولم أذهب لدروس العلم، ولم أعمر المساجد، ولم أتصدق، ولم أؤد حق الله في المال، فيحزن ويندم، لكنه ندم لا محل له.

стр. 64

كيفية الاستجابة للرسول قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤]]. أي: أن الله ورسوله يدعواننا لما يحيينا، والدنيا وأهلها يدعونا لما يميتنا ويميت قلوبنا، والله يحول بين المرء وقلبه، ويمنعه من قلبه، بدليل أن القلب الذي يرضى تجده يسخط في نفس اللحظة، فمثلاً تجد أصهار العريس يكونون فرحين به ويرحبون به، ويقولون له: لا تحمل هماً، الكثير علينا والقليل عليك، فيواسونه بكلام طيب وجميل، فيخرج من عندهم فرحاً ووالدته تقول له: لم أرَ مثل هؤلاء الناس في الطيبة وحسن الخلق، وبعد ذلك يحصل بعض الإشكالات عند تجهيز العروس، فتجد أهل العروس يسخطون ويقولون: مالنا ولهذا الزواج، فالعريس عقله غير مكتمل، وأمه بذيئة الكلام، فتجدهم يسخطون بعدما كانوا راضين. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فتضمنت هذه الآية أموراً: أحدها: أن الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ورسوله]. يعني: لكي تكون حياة المسلم نافعة فعليه أن يقول: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥]. وقوله: (لِمَا يُحْيِيكُمْ) أي: يحييكم للحق، وأحييت نفسه للحق فصار مستقيماً. وقال قتادة: هو القرآن فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الجهاد من أعظم ما يحييهم الله به في الدنيا، وفي البرزخ وفي الآخرة، ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا. والعياذ بالله. قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]. وهذا يفسر كلام ابن القيم في قوله تعالى: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]، أي: دعاكم للجهاد فجاهدوا، فأنت عندما تموت في سبيل الله تحيا عند الله وفي الآخرة حظ المجاهدين والشهداء من حياتها ونعيمها أعظم من حظ غيرهم، وفي الحديث: (من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق)، وأنا أحث أولادنا الذين يدخلون الجيش على أن يضعوا في أذهانهم أن الأيام التي ستقضونها في المعسكر هي رباط في سبيل الله، ولا تظنوا أنها صعوبة وأوامر، بل هي لحظات وأنت ترابط في سبيل الله . قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢]]. يمشي في الناس بالنور وهم في الظلمة، فالناس الذين يرتكبون المعاصي في ظلام، وأهل الإيمان في نور، قال تعالى: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف:١٠١]، فالآية تحذير عن ترك الاستجابة لله ولرسوله. إذاً: ميزان العمل هو الاستجابة لما قاله الله وقاله رسوله ﷺ ، أي: سمعنا وأطعنا.

стр. 65

حث ذوات الحجاب على الصبر والثبات هناك أختان من الأخوات شكتا إلي أمرهما وقالتا: إنهما سمعا محاضرتي، فذهبتا وحجبتا بناتهما عندما بلغن الحلم، ولكن العائلة بأكملها هاجت على هاتين الأختين، وقالت: كل هذا بسبب الأختين اللتين تذهبان لتسمعا الدرس في المسجد عند الشيخ. وأنا أقول تقوية للعقيدة: هاتان الأختان الفاضلتان على حق، وفي نور والباقي في ظلمة، وهما على صواب والباقي على خطأ، وقد كتب الله عليهما كما كتب علينا جميعاً أن نسبح ضد التيار، إذ التيار كله يمشي في الاتجاه الخاطئ، فالتيار كله منحرف وبعيد عن رحمة الله، فنحن لا نخاف ولكن نتوكل على الله، ونطبق ما يريده الله منا، وكما قال رسول الله ﷺ : (من أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس)، وهناك هجوم شرس وغريب هذه الأيام على الأخوات المحجبات والمنقبات ولا أعرف لماذا؟ ماذا أغضب اللاتي يمشين عاريات في الشوارع من أمر المحجبات والمنقبات؟ قد نقول: إن الشباب غير المؤدب يغضبون عندما يرون الفتاة تمشي بالحجاب والنقاب؛ لأنهم لا يرون وجهها. ولكن عندما تغضب النساء اللاتي يمشين عاريات في الشوارع من أمر النساء المحجبات، فما هو السبب؟ أعتقد أن هذا حقد داخلي؛ ولكن لم يعرف النساء كيف يعبرن عنه؛ لأنهن يرين تلك الفتاة أن ربنا هداها للحجاب، فهن يحقدن عليها ولكن لا يعرفن كيف يعبرن عن حقدهن، وفطرتهن تجعلهن يحقدن عليها، فهن يردن أن يصلن إلى هذا المستوى الرفيع من الحجاب، ولكنهن لا يعرفن كيف يصلن إليه، فتجد الواحدة منهن تبرر لنفسها وتقول: أهم شيء النية، وهذا بيني وبين ربي، وأنا متحشمة في اللبس، ولا يظهر مني سوى الذارع والرجلين والرقبة والشعر والوجه، وتجد جسمها كما قال رسول الله ﷺ : (كاسيات عاريات)، فتجدهن كاسيات في عرفهن، عاريات في الحقيقة. يقول رسول الله صلى الله عليه سلم: (سوف يأتي زمان على أمتي يقف على أبواب المساجد رجال كأشباه الرجال، لهم نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات شعورهن كأسنمة البخت، العنوهن فإنهن ملعونات). فهي مطرودة من رحمة الله أساساً، فلماذا تحقد على التي تتحجب؟! فاسكتي، وابحثي عن عيوبك. وإذا سألتها: وما أدراك أن هذه المحجبة أو المنقبة امرأة غير صالحة؟! هل تعاملت معها؟! فتجدها تقول لك: الأمر هكذا، أي محجبة فهي غير صالحة! حصل نقاش سيئ جداً للأسف الشديد في إحدى المحاضرات السابقة، وكان هناك بعض الأخوات جالسات، وتجد المرأة التي تعارض مثل (الحيزبون) كما يقولون، أي: المرأة التي وصل عمرها إلى السبعين، وتريد أن تصغر نفسها إلى عشرين عاماً، كما قال الشاعر: عجوز ترجّى أن تكون فتية وقد لحب الجنبان واحدودب الظهر تدس إلى العطار ميرة أهلها وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر فالمفترض أن الإنسان مادام أنه كبر في السن فليتق الله؛ لأن الله يكره العاصين، وكرهه للشيخ العاصي أشد، ونحن لا نعيب على هؤلاء ولم ندخل في قلوب الناس، فإن سيدنا أسامة عندما قتل الرجل، سأله رسول الله ﷺ : (لماذا قتلته؟ فقال: يا رسول الله! إنه قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله خوفاً من السيف. فقال رسول الله ﷺ : أشققت عن قلبه يا أسامة؟! وماذا تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة؟!). أي: ماذا ستفعل أمام كلمة لا إله إلا الله؟

стр. 66

برنامج لمحاسبة النفس نحن لسنا مكلفين بالدخول إلى قلوب الناس، فلا نجلس في بيوتنا ونتهم الناس: هذا كذا، وهذا يفعل كذا، وهذا أظنه كذا، بل أتهم نفسي أفضل من أن أتهم غيري، وأبحث عن جروحي وأعدد عيوبي، وأنا أريد منكم عندما ترجعون إلى بيوتكم أن تأتوا بورقتين وهما رمزان للعدد الكبير، وكل واحد منكم يكتب عيوبه التي لا يراها، فمثلاً لا يقول أحد في نفسه: أنا أصلي وأصوم وأزكي. لا أقصد هذا، ولكن نأتي بالتدرج حتى نستفيد جميعاً: أولاً: الرأس وما وعى، وأول شيء في الرأس العقل، هل هذا العقل ينشغل بإساءة الظن بالناس؟! أو أنه موقر للناس وثقة ولا يتدخل بأحد، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، فأرى هل هذه موجودة أم لا؟ هل أقتفي آثار الناس، وأقول: فلانة أين ذهبت، وفلان أين ذهب؟ وفلانة عندما طلقت حصل لها كذا. ثاني شيء في الرأس: العينان، هل أرى بهما الحرام، هل أنظر بهما إلى الناس باستهزاء وسخرية، هل أستخدم هاتين العينين فيما يغضب الله ؟ ثالث شيء في الرأس: الأذنان، هل أسمع بهما غيبة ونميمة وأغاني وفوضى، وكلاماً من كلام الدنيا ولهواً، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣]، والمستمع شريك للمتكلم. رابع شيء في الرأس: اللسان، هل أشهد الزور؟ هل أقول الحق؟ هل أقرأ بلساني القرآن دائماً؟ هل لساني هذا لا يخطئ وليس كثير الحلف، هل لساني لا يكذب؟ هل لساني لا يغتاب ولا ينم؟ فإنك ستجد غيبة ونميمة وشهادة زور وغير ذلك. واليدان، هل تمسك المصحف؟ هل تتصدق؟ هل تعمل؟ أم أنك تستخدم هذه اليدين فيما لا يرضي الله ؟ هل ضربت شخصاً بها ذات مرة؟ وبعد ذلك المعدة، هل هذه البطن تأكل حلالاً أم تأكل حراماً، وأكل الحلال هذا كيف يكون وأين ومتى وبقدر ماذا؟ ونفس القضية في الفرج. وبعد ذلك القدمان، هل أذهب بهما إلى مكان جيد أو إلى مكان غير جيد؟ هل أذهب بها لأعمر بيوت الله، أم أذهب إلى أماكن أخرى لا ترضي الله ؟ وبعد ذلك الجسد كله، هل أنا عاق لوالدي، إلخ. هذا جانب الجوارح، وبعد ذلك جانب المعاملات: يصارح نفسه، زوجتي يوم القيامة هل سأكون ظالماً لها أم لا؟ أنظر هل أنا أعاملها كما كان يعامل الرسول صلى الله عليه سلم زوجاته، هل يتبسم في وجهها؟ هل يربت على يديها؟ هل يساعدها في عمل البيت أم يحملها فوق طاقتها؟ هل يلاحظ أنها في بعض أيام الشهر تكون نفسيتها متعبة، نتيجة التغيرات التي تحدث في جسمها وتكون عصبية؟ وهل تحملها أو لا؟ فأسال نفسي هل أنا ظالم أم غير ظالم؟ ثم بعد ذلك أبي وأمي هل أزورهما؟ أهل الخصومات والأقارب مثل الخالة والعمة هل أصلهم أم لا؟ أصدقائي الذين أجلس معهم، هل أنصحهم أم أتركهم؟ ثم بعد ذلك جانب الله ، هل يا ترى أنا أخاف من الله كثيراً؟ كم مقدار خوفي من الله ؟ هل عندي أمل في رحمة الله أم عندي قنوط؟ ثم بعد ذلك القرآن، كم أقرأ من القرآن؟ هل أنا أتفكر في آيات القرآن أم مجرد قراءة؟ صلاتي كيف شكلها؟ هل أؤديها بركوع وخشوع وسجود وتواضع وعلى مهل؟ هل فيها صلة بالله؟ ثم بعد ذلك مالي، من أين اكتسبته، وهل أنفقته في الزكاة وفي الصدقة وفي الإكثار من الحسنات؟ تربية الأولاد، هل أربيهم على ما يرضي الله أم لا؟ البنت التي كبرت ماذا عملت بها؟ هل جئت لأولادي بمن يحفظهم القرآن؟ كل هذه العيوب تكتب في ورقة، واعمل لها منهاج عمل في جدول، وبعد ذلك ابدأ في الإصلاح، والعيب الذي تصلحه فألغه من الورقة، وإذا عاد العيب فاكتب العيب مرة أخرى. فهذا لو جاء يوم القيامة قال الله لمن يريد أن يحاسبه من الملائكة: يا ملائكتي! اتركوه لقد حاسب نفسه قبل أن نحاسبه، ووزن أعماله قبل أن توزن عليه، ادخلوه الجنة برحمتي. فطالما أنت تعالج عيوبك أولاً بأول، فهذا هو الدين العملي، ولا بد أن تحول الدين إلى عمل، فالدين ليس كلاماً ولا دردشة.

стр. 67

سلسلة شرح كتاب الفوائد [٨] الإيمان له ظاهر وباطن، فباطنه تصديق القلب وظاهره تصديق اللسان وعمل الجوراح، ولابد من الإتيان بكل ذلك، ومن أعمال القلب التوكل على الله والاعتماد عليه، لكن مع الأخذ بالأسباب المشروعة.

стр. 68

الإيمان ظاهر وباطن أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاةً وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وبارك عليه صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: ندعو الله في بداية هذه الجلسة الطيبة أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، اللهم اجعلها خالصة لوجهك الكريم، اللهم لا تجعل للشيطان فيها حظاً أو نصيباً، اللهم ثقل بها موازيننا يوم القيامة، وأضئ لنا بها طريقنا على الصراط يوم القيامة، وثبت بهذا العلم يوم القيامة أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام، اللهم أظلنا بظلك يوم لا ظل إلا ظلك، اللهم أظلنا بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم إن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك معافين، غير فاتنين ولا مفتونين، وغير خزايا ولا ندامى ولا مبدلين، وإن أردت بعبادك فتنة يا أرحم الراحمين! فأبعدنا عن الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم اختم لنا بالإسلام جميعاً يا أرحم الراحمين! اجعل اللهم جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل بيننا يا مولانا! شقياً ولا محروماً، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ما زلنا مع كتاب الفوائد لـ ابن قيم الجوزية ﵁، واليوم سنتحدث في الفقرة الأولى عن الإيمان: فالإيمان هو الرتبة الأعلى للمسلم، وذلك عندما يسلم الإنسان قلبه لله يصير مؤمناً، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً، كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]. إذاً: عندما يمحص الله العبد ويختبره عندئذ يكون الإيمان، وفي الحديث: (قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه، ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره) حلوه ومره، والمؤمن من أمنه الناس على دينهم وأعراضهم وأموالهم، والمؤمن هو الإنسان الذي يقدم ذكر الآخرة -أي: معاده- على معاشه، أو يهتم بأمر المعاد على أمر المعاش، اللهم اجعلنا من أهل الآخرة ونحن نعيش في الدنيا يا أرحم الراحمين! قال المصنف رحمه الله تعالى: [الإيمان له ظاهر وباطن]. إذاً: الإيمان ليس له قسمان، وإنما له صورتان، والصورتان متكاملتان وليس بصورتين مختلفتين، فالإيمان له ظاهر وله باطن. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وظاهره: قول اللسان وعمل الجوارح]. قال الأصوليون: الإيمان له أركان ثلاثة: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان، ونحن سنأخذ القول باللسان والعمل بالجوارح، فلو أن شخصاً قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأكل ذبيحتنا، واستقبل قبلتنا، فلا أستطيع أن أقاتله، لقول رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني أنفسهم ودماءهم إلا بحقها وحسابهم على الله ولعلنا نذكر أسامة ﵁ لما رفع السيف على مشرك، فنطق المشرك بالشهادة فقتله أسامة، فلما عاتبه النبي ﷺ في ذلك قال: يا رسول الله! ما قال: لا إله إلا الله إلا خوفاً من السيف، فقال رسول الله ﷺ : (أشققت قلبه لتعرف ما فيه؟ ماذا تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة). إذاً: نقطة دم تراق من مسلم قضية خطيرة وخطيرة، نسأل الله العصمة والرحمة، ونسأل الله أن يزيل هذه الغمة عن المسلمين جميعاً؛ إن مولانا على ما يشاء قدير. إذاً: الإيمان ظاهر وباطن، فالظاهر بالقول: من قال: لا إله إلا الله باللسان، وبعد ذلك عمل بالجوارح فصلى مع الناس، وحج مع الناس، وصام مع الناس، فعند ذلك نقول عن هذا الإنسان: عنده إيمان، أما أن نقول: هذا منافق، وهذا فاسق، وهذا فاجر، فلسنا حكاماً على الناس، وإنما الذي يحكم على الناس هو رب الناس، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول قولاً لطيفاً: كنا نحكم عليكم والوحي ينزل، أما ولا وحي فمن فعل خيراً أو قال خيراً ظننا به خيراً، فمن فعل شراً أو قال شراً ظننا به ما فعل وما قال. إذاً: نحن لنا ظاهر الأمور، ولا يجب أن نبحث عن بواطن الأمور حتى في الفقه، فمثلاً: قال العلماء: إذا ذهب الرجل ليصلي في المسجد، وبينما هو في الطريق ونزل عليه ماء من حائط أو نحوه، فمن الواجب أن لا يسأل عن هذا الماء هل هو طاهر أم غير طاهر، والحكم عليه أنه ماء طاهر. هذا هو الإسلام، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، فعندما نتقصى الأثر، ونقول: هذا سبق صحفي، وخبر غريب في العائلة، وفلان أول من نشر هذا الخبر،، وهكذا، فإنه ليس بمؤمن أبداً من صنع هذا الصنيع. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وباطنه: تصديق القلب، وانقياده ومحبته، فلا ينفع ظاهر لا باطن له، وإن حقن به الدماء وعصم به المال والذرية]. أي: لا ينفع عند الله، فلسنا حكاماً على قلوب الناس، فلا يأتي شخص ويقول: أنا أعلم أن هذا الشخص كذاب. كيف علمت هذا؟ وكيف عرفت هذا؟ إذا ثبت لك عملياً بحواسك الظاهرية بالعين وبالأذن وباللمس وبالإثباتات وبالورق وبالشواهد وبالقرائن وبالأدلة، فساعتئذ أقول: هذا كاذب، فليس هناك ضرورة أبداً إلى أن أذهب وراء السطور وأبدأ بتقصي حقائق الأمور على طريقة المخابرات. سيدنا عمر ﵁ لما سمع أصواتاً غريبة، وتسور الجدار، وجد ثلاثة يحتسون الخمر، فإنه من الممكن أن يقال الآن: من حق الإمام أن يتجسس لصالح الرعية، ولكن لنرى موقف عمر بن الخطاب ﵁ عندما قال: يا أعداء الله! ظننتم أن الله لا يراكم، وإن الله قد فضحكم، فقالوا: يا عمر! يا أمير المؤمنين! إن كنا قد عصينا الله في واحدة فأنت قد عصيته في ثلاث، قال: وما هي؟ قالوا: يقول الله: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩]، وأنت لم تأت البيوت من أبوابها. والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢]، وأنت تجسست. والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧]، وأنت لم تستأذن ولم تسلم. فقال لهم: أتعاهدونني على عدم شرب الخمر؟ قالوا: نعاهدك يا أمير المؤمنين! وقد تابوا إلى الله . إذاً: سيدنا عمر ﵁ لم يبح له وهو الحاكم العام أن يتجسس على بيوت الناس، ومن تطلع على عورات المسلمين ليفضحهم تتبع الله عورته وفضحه ولو في جوف بيته. وكذلك التلصص على التلفونات وعلى الحيطان بطريقة أو بأخرى، ويجعل الناس يعيشون في حالة رعب، فإن هذا إنسان نزعت منه الرحمة ونزعت منه الشفقة والإيمان، ويعد مجاهراً بالمعصية؛ لأنه يدخل عينيه وأذنيه في أعراض الناس. إلا في حالة الحروب للأمن العام، فقد قال عمر بن الخطاب لـ سعد بن أبي وقاص: تحسس جيشك ليلاً ولا تتجسس عليهم، والتحسس هو الدخول بإذن، ويعلم الجيش أن القائد يفتش وأنه مستيقظ، أما التجسس هو الدخول بين الناس بدون أن يشعر به أحد، وهذا حرام. إذاً: أتحسس الأخبار، وأدخل بين الجيش وأعلمهم أنني مهتم بهم، وأفاجئهم في أي وقت، لكن لا أتجسس عليهم. قال عمر: إن تجسست عليهم فضحتهم، وإن فضحتهم فضحك الله يوم القيامة. وهذا هو القائد العام لجيش المسلمين. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يجزئ باطن لا ظاهر له]. أحياناً نجد أبناءنا في البيت عندما نقول لأحدهم: اقرأ القرآن، فيقول لك عناداً: لن أقرأ، وبعد ذلك يدخل إلى غرفته، وعندما تأتي أمه أو يأتي أبوه يقفل المصحف؛ لأنه لا يريد أن يأمره أحد وهو عدو الأمر، وبالذات من الأب والأم، فهو يقرأ القرآن ويصلي، لكن لا يريد أن يحس أبوه وأمه أنه ما قرأ إلا لأنهم أمروه، وبعض الناس عندما تأمره بالصلاة وبالصيام يقول لك: دعنا من الصلاة والصيام، بيني وبين ربي عمار، فهذا هو الباطن الذي لا ظاهر له، فلا بد أن أحس أنك مسلم، فعندما أجدك بين أناس يشربون الخمر، هل تعتقد أني سأظن أنك تدعوهم إلى الله؟! ولذلك قيل: لا يضع الواحد منكم نفسه موضع الشبهة، إياكم ومواطن الشبهات، فالمكان الذي فيه شبهة لا داعي للتواجد فيه. إذاً: أنت كمسلم لا تضع نفسك في مكان معصية وتقول: ليس لي شأن بهذا، فمثلاً لو ذهبت إلى عرس وكان فيه راقصة، وتبرر لنفسك وقلت: أنا لم أكن أنظر إلى الراقصة، وكنت أعطيها ظهري! لماذا تذهب أصلاً؟ ولماذا لم تعد إلى بيتك عندما وجدت الراقصة؟ فيقول لك: هذا ابن أخي؟ فأقول له: حتى لو كان ابن أخيك، هل لا يتزوج إلا بوجودك؟ اذهب وسيستمر العرس ولن يتوقف. وأحياناً يقول لك: أنا أستقبل الناس والضيوف، فأقول له: عد إلى بيتك وأخوك سيقوم بالواجب، سيقول لك: أخي سيغضب، فأقول له: فليغضب، قاطعه في الله، واغضب منه في الله، وهكذا يكون المسلم. فأنا أريد أن أقول: إن المسلم لا بد أن يظهر للناس الخير؛ لأنك عندما تظهر للناس الخير على قدر المستطاع، فالناس يذكرونك بخير، فتجدهم يقولون: بارك الله في فلان، بارك الله في فلانة، ما شاء الله عليها! لكن عندما ترى امرأة تلبس بنطالاً بطريقة غريبة، وشعرها مسترسل ومتلون، ووجهها كأنه لوحة فنية، وتمشي في الشوارع، وبعد ذلك تقول: بيني وبين ربي عمار! فكيف يكون ذلك؟! وقد يكون، لكن ظاهر الأمر أنه لن يكون. إذاً: الإيمان له جانبان: ظاهر وباطن، فالظاهر لا ينفع من غير باطن، والباطن لا ينفع من غير ظاهر، إلا في حالات: أن إنساناً لو أظهر إيمانه في مكان ما وفي وقت ما، قد يستهزأ بالدين، وقد يسخرون منه، وقد يسبون الله عدواً بغير علم، وقد يخاف على نفسه، وقد يكون في دولة كافرة فيها أناس ملحدون، فهذه استثناءات، ولكل

стр. 69

التوكل نوعان قال المصنف رحمه الله تعالى: [التوكل على الله نوعان: أحدهما: توكل عليه في جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية، أو دفع مكروهاته ومصائبه الدنيوية]. يعني أنت تتوكل على الله لكي يعطيك من عنده ما تبغي من حوائج الدنيا وما فيها، فتدعو الله وتقول: أنا متوكل عليك يا رب! أن تأخذ بيد أولادي، وأن تهدي زوجتي، وأن تهدي جاري، وأن تجعل زوجة ولدي تحب ولدي وترعاه، وتهدي ابنتي مع زوجها، وأن تجعل زوجها حنوناً عليها، كل هذا توكل على الله. وعندما يزوج الرجل ابنته يوصي زوجها وحماها، ويقول له: لقد أعطيتك فلذة كبدي فاهتم بها، إنها طيبة وحنونة، ولا تغضبها حتى لا نغضب منك، وكذلك يوصي ابنته ويقول لها: انتبهي لزوجك وأهل زوجك وبيتك. فهذا نوع من التوكل لكي يقضي لنا الله حوائجنا الدنيوية، والإنسان يعمل الذي يقدر عليه والله هو الذي يتولى الأمور. قال المصنف رحمه الله تعالى: [والثاني: التوكل عليه في حصول ما يحبه هو ويرضاه من الإيمان واليقين، والجهاد والدعوة إليه]. وللأسف أنا لي عشرون سنة في الدعوة، ولم أجد أحداً من الذين عرفتهم متوكلاً على الله في هذه الناحية. ولكي أوضحها أكثر لا بد أن أوضح معنى التوكل، وسأضرب لكم مثالاً، لو أنك تعرف شخصاً وتثق به ثقة تامة، وهذا الشخص عندما تطلب منه أن يعمل لك مصلحة أو ينفعك بمنفعة فإنه ينجزها، فعندما نطلب منه قضاء مصلحة أو توصيل أمانة، فنحن ننسى أن نسأله ما إذا كان قد قضى هذه المصلحة أو وصل هذه الأمانة أم لا، لأننا واثقون ومتأكدون أنه سيقضيها، فهذا هو التوكل، لكن عندما أطلب منه عمل مصلحة ما، ثم أظل أسأله كل وقت عما إذا كان قضاها أم لا، فهذا لا يسمى توكلاً. ولله المثل الأعلى. فمعنى: أن أتوكل على الله: أن أترك أمري لله وأنساه، لأنني تركته عند من لا ينسى، ولذلك قال الله سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]؛ لأننا لو توكلنا على بشر فقد يموت، وقد ينسى، وكلاهما موت، فموت الشخص يعني أني فقدت من أثق فيه، ونسيانه موت لموضوعي عنده، فتجد شخصاً يكون له قريب في منصب كبير، فتجده يحتمي بهذا القريب ولا يخشى أحداً، لكن عندما ينزل هذا القريب من منصبه، فلن يكون له ظهر كما كان من قبل. فالواجب أن نتوكل على من لا يذهب ولا يموت ولا ينسى، فإذا توكل المسلم على الله كفاه. كان هناك رجل يسرق الأحذية من المساجد، فعندما يختار الحذاء النظيف ليسرقه ويخفيه وراء عباءته، يقول: من توكل على الله كفاه ويذهب، فعندما يسمعه الناس يقول هذه الكلمة لا يشكون فيه أبداً، فعندما أراد أن يخرج من المسجد تعثر في عباءته، فكان الجزاء من جنس القول. والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]، أي: يكفيني ربي، فعندما نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، أي: أملنا وكفايتنا هو الله ، يقول تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]؛ ولذلك عجبت لمن ابتلي بالخوف من الناس، كيف يغفل عن قول الله : (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، ألم يقل الله بعدها: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٤]. وللأسف أن أغلب الناس يفهم أن كلمة: (حسبنا الله) نقولها في وجه الشخص عندما نكون مقهورين منه، وهذا خطأ، ولكن عندما تكون خائفاً من شخص أو خائفاً من حدث معين فقل: حسبي الله ونعم الوكيل، أي: الله حسبي، الله معي، ليس لي إلا الله، الله ظهري، الله سندي، الله متولي أمري، وهو الولي ، وهذا من الإسلام، فعندما أقول: أنا مسلم، أي: مسلم أمري لله . فالتوكل الأول خاص بالحوئج الدنيوية، كأن يقول الأطباء عندما يقومون بعملية لشخص: نحن عملنا الذي نقدر عليه، والباقي على الله، وهو كله على الله أولاً وأخيراً. قال المصنف رحمه الله تعالى: [والثاني: التوكل عليه في حصول ما يحبه هو ويرضاه من الإيمان، واليقين، والجهاد، والدعوة إليه]. فمثلاً: فلان يصلي ويصوم ويزكي ويعمل الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لكنه ينسى أن يتوكل على الله في أن يعينه على الصلاة، ويعينه على قيام الليل، ويعينه على الجهاد في سبيل الله، ويعينه على الحق، ويعينه على الدعوة إلى الله، ويعينه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعينه على الصدقة، ويعينه على الطاعة، ويعينه على الخصال، ويعينه على الدنيا، ويعينه على العيال، وهذا هو التوكل الأهم. قال: [وبين النوعين من الفضل ما لا يحصيه إلا الله، فمتى توكل عليه العبد في النوع الثاني حق توكله كفاه النوع الأول تمام الكفاية]. يعني: أنني لو توكلت على الله في أمر الآخرة، فالله يعطيني الدنيا والآخرة. قال: [ومتى توكل عليه في النوع الأول دون الثاني كفاه أيضاً]. أي: أن الله سيعطيني الدنيا وما فيها، لأنه يملك الدنيا والآخرة. قال: [لكن لا يكون له عاقبة المتوكل فيما يحبه ويرضاه، فأعظم التوكل عليه التوكل في الهداية وتجريد التوحيد ومتابعة الرسول]. أي: تجريد التوحيد لله ومتابعة الرسول ﷺ . قال: [وجهاد أهل الباطل]. وهذا أصعب شيء، وكما نقول دائماً: أصعب شيء هو السباحة ضد التيار، فتجد المجتمع يمشي من الألف إلى الياء، وتجد رجلاً مسلماً على الطريقة الصحيحة يمشي من الياء إلى الألف، فلو كان عندكم من الشفافية أو من مكبرات الصوت الإلهية وتضعونها على قلوب من يرانا ونحن داخلون إلى هذه القاعة، لسمعتم عجباً، وهذا ليس شفافية ولا فراسة ولكن من الواقع واليقين، ومن الرسائل التي تصلني من الناس، إذ يبعثون جوابات يقولون فيها: لقد أفسدت علينا أولادنا، أولادنا أصبحوا يقومون يصلون الفجر في المسجد، ونحن نخاف عليهم أن يحتجزهم رجال الأمن؟!، وبناتنا بعد أن كان شعرها أصفر وأخضر تحجبت، ما هذا الفساد الذي صنعته في أولادنا؟! سبحان الله! أفسدنا أولادهم، اللهم إن كان هذا هو الفساد فاجعلنا من هؤلاء المفسدين، واحشرنا في زمرة هؤلاء المفسدين. فغير المؤمن عندما يرى المؤمن فإنه يكون حاقداً عليه، لأنه يتمنى أن يكون مثله لكنه لا يعرف كيف يفعل ذلك، فتجد المرأة المؤمنة يتعبها زوجها، وأولادها متعبون، وتجدها باسمة الوجه، لأنها عندها يقين في الله ، ولذلك آسية امرأة فرعون، عذبها فرعون وشد شعرها شعرة شعرة، وهي تقول: الله! وهو يقول لها: أين الله؟! وبعد ذلك قطع من جسمها أصابعها ويديها ورجليها، وهي لا تمتنع عن قول: لا إله إلا الله، فلما اغتاظ منها قال: اقطعوا لسانها، فقالت: يا رب! لم يبق لي ما يؤنسي مع قلبي في ذكرك إلا لساني، اللهم خذني عندك وابن لي بيتاً في الجنة، ونجني من فرعون وعمله. فقال العلماء: بينما هم يقطعون لسانها، كان جسمها في الفرش، وروحها في العرش. فعندما يصل الإنسان إلى هذا المنطلق، يكون كما قال الإمام أحمد بن حنبل: أنتم ترون يد الجلاد، وأنا أرى يد رب العباد. قال: (وجهاد أهل الباطل) ونحن الآن في زمن كثير فيه أهل الباطل، وقد وصل الأمر إلى هذا. قال: [فهذا توكل الرسل وخاصة أتباعهم، والتوكل تارة يكون توكل اضطرار وإلجاء، بحيث لا يجد العبد ملجأً ولا وزراً إلا التوكل]. يعني: ليس له إلا باب التوكل، وسأضرب لكم مثالاً قريباً: لو أن شخصاً أرغم شخصاً عل عمل الخير، فقال له: ما رأيك في أن نزور رجلاً مسكيناً، فيقول له: ولم لا؟ ويخجل أن يقول له: لا، وبعد أن يذهب، يقول له: هذا المريض يريد نقل دم، وهو لا يملك النقود، فالرجل لا يريد أن يدفع شيئاً، فيقول: انظروا إلى فصيلتي، قد تكون مطابقة واسحبوا مني دماً، وهو واثق أن الفصيلة مختلفة، ويفاجأ بأن الفصيلة نفس فصيلة المريض، وهذا من حظه، وهذا كما يقول المثل العامي: (إن جالك الغصب عِدُّه جَمَايل)، فلو أن أحداً أوقعك في خير، فافعله، ولا تعاتبه ولا تتهرب منه، ولكن اعمل الخير وأنت مثاب على ذلك. فحينما تفعل الخير وأنت مضطر كما يقال: يثاب المرء رغم أنفه، فيأتي إليك الثواب رغم أنفك، تخيل عندما يأخذ الرجل الثواب غصباً عنه، كموظف يجمع مبالغ من الموظفين لموظف مسكين؛ لكي يعمل عملية لزوجته، فيجد بعض الموظفين لا يريدون أن يدفعوا شيئاً، فيقول له: ادفع أي شيء، ويظل يلح عليه حتى يجعله يدفع ربع جنيه، فربما هذا الربع الجنيه يثقل موازينه يوم القيامة، فالمرء يثاب رغم أنفه. والعبد يجب عليه أن يفرح عندما يضع الله أمامه باباً من أبواب الطاعة دون أن يسير إليها، ولو خير لاختار أن يبتعد، لأن الإنسان شحيح في وقته وماله وصحته وأولاده، لكن عندما يوقعه أحد في الخير رغم أنفه يفرح، ويقول: ليتنا نجد من يرغمنا على الخير. يقول: (التوكل تارة يكون توكل اضطرار) يعني: قد طرقت جميع الأبواب، فتجد مثلاً الأب يقول: عرضت ابنتي على ثلاثين طبيباً وكلهم عجزوا عن علاجها، وبعد كل ذلك يقول: ربنا يتولاها برحمته، لكن بعد أن يئس من كل الأبواب المفتحة، ويذكر أنه احتضر أبو بكر فقالوا له: أنطلب لك الطبيب يا أبا بكر؟! قال: لا، إنما الطبيب قد جاء، وقال: سوف تحل عند رسولي الليلة، فالطبيب الأساسي هو الله ؛ ولذلك شعر أبو بكر أنه قد حانت وفاته، يقول الإمام الشافعي: طلبوا إلي طبيب الورى وروحي تناجي طبيب السماء طبيبان ذاك ليعطي الدوا وذاك ليجعل فيه الشفاء فترى الناس يأتونه بطبيب الأمراض، وروحه تنادي الطبيب الأول الأوحد الشافي المعافي لا إله إلا هو، فالطبيب يضع الدواء والله يضع الشفاء في الدواء. قال المصنف رحمه الله تعالى: [كما إذا ضاقت عليه الأسباب، وضاقت عليه نفسه، وظن ألا ملجأ من الله إلا إليه، وهذا لا يتخلف عنه

стр. 70

سر التوكل وحقيقته قال المصنف رحمه الله تعالى: [وسر التوكل وحقيقته هو اعتماد القلب على الله وحده، فلا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب من الاعتماد عليها والركون إليها، كما لا ينفعه قوله: توكلت على الله، مع اعتماده على غيره]. أي: لا ينفعني أن أتوكل على الله، وأنا أفكر في أحد آخر ينفعني. قال: [فتوكل اللسان شيء وتوكل القلب شيء آخر، كما أن توبة اللسان مع إصرار القلب شيء، وتوبة القلب وإن لم ينطق اللسان شيء آخر، فقول العبد: توكلت على الله، مع اعتماد قلبه على غيره، مثل قوله: تبت إلى الله، وهو مصر على معصيته مرتكب لها]. فلا تنفع التوبة مع الإصرار على المعصية وارتكابها، فالعبد يقول: أنا متوكل على الله، لكن قلبي في حالة من الأرق والتعب والتفكير والخوف.

стр. 71

سلسلة شرح كتاب الفوائد [٩] أساس الخير كله أن يعلم المرء أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فيتوكل عليه ويتجه بالدعاء إليه عند كل حاجة تنزل به، مع التحلي بالصبر على البلاء والصبر على الطاعة، ويحذر من الغفلة حتى لا يخرب قلبه.

стр. 72

أساس الخير قال المصنف رحمه الله تعالى: [أساس كل خير: أن تعلم أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن]. فما شاء الله سيكون، والذي لا يشاؤه ربنا لن يحصل. قال: [فتتيقن حينئذ أن الحسنات من نعمه فتشكره عليها]. فالحسنات من نعم الله على العبد، وليس لأنه يعمل الخير، وإنما لأن الله يتفضل عليه بها، وهو الذي ساقه إلى الخير أصلاً، وهو الذي يثيبه عليها. قال: [وتتضرع إليه ألا يقطعها عنك]. ما أجمل أن تتوالى الحسنات والرصيد يكثر. فالأمة ما زال فيها خير رغم ما أرى من صور سيئة، وما زال عندي تفاؤل أن المسلمين فيهم خير، وهذا مصداق حديث الحبيب المصطفى ﷺ عندما قال: (أمتي كالغيث لا يدرى الخير في أولها أم في آخرها). جاءني رجل بعد عصر الجمعة الماضية، وأخبرني أنه رأى في نومه كأنه عندي في المسجد، وبعد ذلك رأى أنه واقف على المنبر ويتحدث عن الرسول ﷺ ، وبعد أن نزل من المنبر، إذا بالرسول ﷺ يصلي بالناس، فاعتدل بعد أن انتهت الصلاة وسلم على هذا الرائي، وقال له: لحضورك مجالس العلم وصدقك فيها ستحل عندنا الليلة، فالرجل خاف، وأتى إلي مرعوباً وقال: ماذا يعني بقوله ﷺ : ستحل عندنا الليلة؟ قلت له: إنك بفضل الله أصبحت مطالباً بأن تكون الآخرة هي أكبر همك؛ لأن المسلم عندما يترقى في درجات الإيمان والتقوى يكون بهذا المنطق، وبعد ذلك قال لي: هل سأموت؟ قلت له: لا إله إلا الله، أنا سأموت وأنت ستموت وكلنا سنموت يوماً من الأيام، ولكن لا أحد يدري متى يموت! وأنت يجب عليك أن تنوي الخير. فقال لي: يوجد شيء ينغص علي حياتي، فقلت له: ما هذا الشيء؟ قال: وصية أريد أن أعرضها عليك، فعرضها علي، فقلت له: لا، عدل هذه الوصية وأخبرني أنك أنهيتها، فاتصل لي وقال: لقد عملت مثلما قلت لي وأنهيت هذه الوصية، وبينما أنا آتٍ لصلاة العشاء بلغت أن الرجل مات قبل أمس. فهذا إنسان يعطيه الله إشارات أنه قادم على الله؛ لأن الله عندما يريد بابن آدم خيراً يبعث له في آخر أيامه ملكاً يأخذ بيده. قال: [وتتضرع إليه ألا يقطعها عنك]. يعني: مجلس مثل هذا المجلس، لا بد أن ندعو الله طالما نحن على قيد الحياة ألا يقطعه عنا؛ لأنه نبع خير. قال: [وأن السيئات من خذلانه وعقوبته، فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها]. فالحسنات من نعمه، والسيئات من خذلان الله للعبد، فالله عندما يخذل عبده يسلط عليه الشيطان ونفسه، قال أبو بكر الصديق: إني بليت بأربع ما سلطوا إلا لجلب مشقتي وعنائي إبليس والدنيا ونفسي والهوى كيف الخلاص وكلهم أعدائي إذا كان أبو بكر الصديق يقول: إبليس والدنيا ونفسي والهوى! فكيف بنا نحن؟! فعندما يوفق الله العبد يجعله ينتصر على هؤلاء الأربعة يخذلهم له، وعندما يخذل الله العبد بعمله السيئ -والعياذ بالله- يسلط عليه الدنيا والنفس والشيطان والهوى، فينتصرون عليه. إذاً: الحسنات من نعم الله والسيئات من خذلان الله، فالواجب على العبد أن يدعو ربه أن يباعد بينه وبين الخذلان والعياذ بالله. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك]. بعضهم يقول: أنا أسبح سبعمائة ألف مرة، وأعمل كذا وكذا، وليست القضية هكذا، ولكن القضية أنك تسأل الله أن يتقبل، ولذلك سيدنا سليمان كان طائراً يوماً ببساط الريح، وكان هناك فلاح يفلح في الأرض، وسمي الفلاح فلاحاً؛ لأنه يفلح الأرض، وللأسف الشديد عندما يكون هناك جاهل يريد أن يشتم شخصاً يقول له: أنت فلاح!، يا ليتنا كنا فلاحين، نزرع أرضنا لكن حكومة الثورة المباركة والانقلاب المبارك سنة ١٩٥٢م، قالت: نحن دولة صناعية لا زراعية، اجلس أنت مع الصناعة، فمصر ليست للصناعة ولا للزراعة، ولكن نحن ساءت حالتنا منذ أن اضطهدنا الزراعيين، وحتى الآن لا يستطيعون أن يعرفوا من هو الفلاح ومن هو العامي، وربما لن نعرفه حتى نموت، وربما نعرفه في الآخرة إن شاء الله. فبينما الفلاح كان يحرث الأرض فوجد شيئاً يظلله فرفع رأسه، فإذا به بساط سيدنا سليمان، وذلك في وقت لم تكن فيه طائرات ولا صواريخ، ولم يكن هناك شيء يطير إلا الطيور، فالهواء سخره الله لسيدنا سليمان، والريح غدوها شهر ورواحها شهر، فتخيل لو أن سيدنا سليمان الآن موجود في القاهرة، ودرجة الحرارة تنخفض لعشر درجات، فنقول له: يا نبي الله سليمان! القاهرة باردة في الليل، فيقول: أيتها الريح التي في أسوان ادخلي على القاهرة، فتدخل الريح إلى القاهرة ويصبح الجو دافئاً، ويأتي إلى منطقة أخرى حارة فيقول: أيتها الريح التي في شمال سويسرا أدخلي على هذه المنطقة الحارة، فهذا ملك عظيم أعطاه الله سيدنا سليمان، ريح غدوها شهر ورواحها شهر. قال سليمان ﵇: أيها الفلاح الفقير؛ لتسبيحة واحدة أو تحميدة واحدة أو تكبيرة واحدة أو تهليلة واحدة، خلف هذا المحراث خير لك من ملك آل داود؛ لأن ملك داود سيزول، لكن التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل سيبقى معك في كتاب الحسنات إلى يوم القيامة. يا إخواني! يوم القيامة يبحث المرء عن الحسنة بكل الطرق، وأفضل ما يوضع في الميزان يوم القيامة خلق حسن، فعامل الناس بخلق حسن، اللهم حسن أخلاقنا يا رب! كما حسنت خلقتنا يا أكرم الأكرمين! إذاً: يجب أن تدعو الله أن يحول بينك وبين المعاصي، وألا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى النفس. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد أجمع العارفون على أن كل خير فأصله بتوفيق الله للعبد] أي: أن الله إذا وفق العبد فسوف يعمل خيراً. قال: [وكل شر فأصله خذلانه لعبده، وأجمعوا أن التوفيق ألا يكلك الله إلى نفسك، والخذلان أن يخلي بينك وبين نفسك]. ولذلك كان رسول الله ﷺ يقول: (اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك، وأصلح لي شأني كله، فإن وكلتني إليك وكلتني إلى عزة وقوة، وإن وكلتني إلى نفسي وكلتني إلى ضعف وشهوة، ولكن لا إله إلا أنت). إذاً: عندما يكل الله العبد له يكله إلى عزة وقوة، وعندما يكله إلى نفسه يوكله إلى نفس ضعيفة وأمارة بالسوء، ودائماً تحض الإنسان على الشر، والعياذ بالله رب العالمين. قال: [فإذا كان كل خير فأصله التوفيق، وهو بيد الله لا بيد العبد، ومفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجأ والرغبة والرهبة إليه، فمتى أعطي العبد هذا المفتاح فقد أراد أن يفتح له، ومتى أضله عن المفتاح بقي باب الخير مرتجاً دونه]. إذاً: لو أعطاك الله مفتاح الدعاء والافتقار وصدق اللجوء إليه والرغبة إليه والرهبة منه، فلقد أعطاك مفتاح التوفيق، فابحث أنت عن المفتاح الذي يحمل الرءوس الخمسة: الدعاء والافتقار، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣] أي: أذلة لله، ولذلك قبض الحجاج على ابن أخ لأحد الصالحين، فبحث فوجد ملابس قديمة لعبده فلبسها، فقيل له: ما هذا الذي تلبسه؟ قال: أقوم أصلي لله وأدعوه. فما دعا العبد ربه بصدق إلا استجاب الله له.

стр. 73

مفاتيح الدعاء مفاتيح الدعاء هي الافتقار إلى الله، وصدق اللجوء إليه، والرغبة فيه ، والرهبة منه، فهذه الخمسة لا بد من حفظها، واصطحابها عند دعاء الله . فمتى أعطي هذه فقد أعطي المفتاح، ويوشك أن يفتح له، ومتى أضله ربه عن المفاتح بقي باب الخير دونه مقفلاً، قال أمير المؤمنين عمر: إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه، يعني: هو لا يهم الإجابة؛ لأن الإجابة مضمونة بشروط الدعاء المعروفة. فعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته في ذلك يكون توفيق الله سبحانه له وإعانته إياه، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخذلان ينزل عليهم على عكس ذلك. احتاج إبراهيم بن أدهم يوماً إلى دينار وهو قاعد على شاطئ البحر، فقال: يا رب! يا من تقول للشيء: كن فيكون أريد ديناراً، قال: فخرجت الأسماك من البحر في كل فم سمكة دينار، فهذا يعني أن تكون الأسماك خادمة لـ إبراهيم بن أدهم. وأستاذه سهل بن عبد الله عند أن أخذت الحدأة اللحمة من يده، ذهب إلى المسجد، فلما رجع إذا بالحدأة والغراب كانا يتصارعان، فوقعت قطعة اللحم وأخذتها امرأته وطبختها، فقال: الحمد لله الذي حمل عني هم حمله! وكأنه أرسل له شغالاً سيرلنكياً بدون أجرة، وأنت اليوم تذهب لتدفع تأميناً للسفارة وتأتي فتجد بنتاً ملحدة، تبقى مكشوفة عند امرأتك وامرأتك مكشوفة عندها، فهذا حرام، فعلى المرأة المحجبة أن تستحي فلا تتكشف أمام المسيحية واليهودية. وعندما تأتي المرأة المسلمة لصاحبتها المسيحية فعليها أن تحتجب، كأنها داخلة على رجل، والخذلان -والعياذ بالله- ينزل عليهم على حسب تضييعهم، فالله سبحانه أحكم الحاكمين، يقول الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨]؟ بلى، وهو أعلم العالمين، يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به. قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:١٤]؟ وهو الذي يضع الخذلان في مواضعه اللائقة به، فمثلاً: واحد دائماً يجهز المجلس والطاولة والبيرة والفلم، ونحو ذلك، ويخطط للمعصية ويرتب وينظم فهذا وضع له الخذلان، والثاني يبتعد عن المعصية، فهذا يوضع له التوفيق فالله هو العليم الحكيم، وما أتي من أتي إلا من قبل إضاعة الشكر، وإهمال الافتقار والدعاء، ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء، وملاك ذلك كله -يعني: الجامع لهذا كله- الصبر، فانظر الدين كيف يتكامل مع بعضه: العقيدة واليقين والصبر، وأصعب شيء على الناس الصبر على الطاعة، فهو أقسى أنواع الصبر على النفس؛ لأنه صبر على شيء هي تكرهه، ولذلك قال أحد الصالحين: جبلت نفسي على الطاعة فاستعصت علي يوماً، قال: فقهرتها بصلاة مائة ركعة، يعني: أدبها بالتي هي ضدها. إذاً: فملاك ذلك الصبر، فإنه من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس فلا بقاء للجسد.

стр. 74

قسوة القلب ما ضرب عبد بعقوبة - والعياذ بالله - أعظم من قسوة القلب، والبعد عن الله، وهناك من يقول: ما هو ربنا موسع علي، فالأولاد في نجاح في المدارس والجامعات، وعندي السيارات والأموال، وعندي الجاه والسلطان، وعندي شركات عديدة باسمي، وما إلى ذلك، أما حالته الإيمانية فحدث ولا حرج، وهذا لا يهتم له ويغتم، لأنه ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله، ولذلك قالوا لأحد الصالحين: أحقاً ما سمعنا أنك ترى الرسول كل ليلة؟ فتبسم وقال: لو حجب عني رسول الله ليلة لما عددت نفسي من الموحدين! خلقت النار لإذابة القلوب القاسية، وفي الحديث: (من أراد جليساً فالله يكفيه، ومن أراد أنيساً فالقرآن يكفيه، ومن أراد الغنى فالقناعة تكفيه، ومن أراد وعظاً فالموت يكفيه، ومن لا يكفيه هذا ولا هذا فالنار تكفيه). إذاً: فالنار عملها إذابة القلوب القاسية، يقول الشاعر - وأظنه المجنون قيس بن الملوح -: أمر بالحجر القاسي فألثمه لأن قلبك قاسٍ يشبه الحجرا يعني: كلما يمر على حجر يتخيله قلب ليلى فيقبله؛ لأن كليهما في القسوة سواء. والقلب القاسي هل يدخل الجنة؟ يقول الله عن قلوب أهل الجنة: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، فقلوبهم قلوب توجل منه ، أما القلوب التي فيها قسوة فتذوب وتصهر في الآخرة بالنار، إذاً: فأبعد القلوب من الله القلوب القاسية هذا كلام العارفين. فإذا قسا القلب قحطت العين، يعني: أنها لا تدمع، وانقطاع دمع العين عبارة عن علامة من علامات قسوة القلب.

стр. 75

أسباب قسوة القلب وقسوة القلب من أربعة أشياء، إذا جاوزت قدر الحاجة، أي: الأكل، والنوم، والكلام، والمخالطة. فالأكل إن زاد عن حده وكذلك النوم والكلام والمخالطة للناس قسا القلب، وكما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب، فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنفع فيه المواعظ. فمن أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته، لأن الشهوة حظ النفس، والطاعة رضا الله، والقلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها، والقلوب آنية الله في أرضه، يعني: كما أن المرأة لها أوانٍ في البيت فالقلوب أيضاً في الأجساد هي عبارة عن آنية الله في الأرض، فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها، وأحب الأواني الإناء العريض الخفيف الحمل، الرقيق الصلب، فلا يكون رقيقاً ينكسر بسهولة، ولذلك قال الله عن آنية أهل الجنة: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان:١٦]، والقوارير هي من الزجاج، لكنه قال: (من فضة) فهي قوارير من فضة، هذه هي الأكواب التي يشرب فيها أهل الجنة، اللهم اسقنا شربة هنيئة في الجنة بدون سابقة عذاب. إذاً فالأواني التي يشرب فيها المؤمنون في الجنة في نقاء الزجاج، وفي صفاء الفضة. وكثير من الناس شغلوا قلوبهم بالدنيا، ولو شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة، ولرجعت إلى أصحابها بفرائد الحكم، وطرف الفوائد، وكأن ابن القيم يتكلم عن نفسه، فيقول: الناس شغلوا قلوبهم بالدنيا، ولو شغلوها بالله لكانت القلوب مليئة بالحكم، يكون حينها كلام الله أحسن ما يجده، إذاً: فإذا غذي القلب بالتذكر، وسقي بالتفكر، ونقي من الدغل، رأى العجائب وألهم الحكمة، حتى أن الصالحين كانوا يشمون رائحة الذنوب، فلما يجلس أحدهم مع آخر يعرف صوابه من خطئه، ويشم رائحة طيبة من العارفين، ورائحة سيئة من العاصين المخالفين، وليس كل من تحلى بالمعرفة والحكمة وانتحلها كان من أهلها، بل أهل المعرفة والحكمة هم الذين أحيوا قلوبهم بقتل الهوى، وأما من قتل قلبه وأحيا الهوى، فالمعرفة والحكمة عارية على لسانه، فخراب القلب من الأمن، والغفلة وعمارته من الخشية والذكر.
следующие страницы →