Полный текст (186 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ثمرات الشهوة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة].
الشهوات نوعان: شهوة حيوانية، وشهوة غريزية.
فالشهوات الحيوانية مثل: الشره في الأكل وغيره، والإنسان عندما يتبع شهواته فإنها تورده موارد الهلكة، وإن كان من الممكن الامتناع عن الأكل.
أما الشهوات الغريزية فهي مثل: ظلم الناس، وهي من الصفات السبعية، كالهجوم على الناس والنهش في أعراضهم، فالذي يغتاب شخصاً ويحاول الآخرون أن يسكتوه وهو لا يسكت، فهو كالكلب أمامه جثة وينهش فيها، لأنه يأكل من عرض أخيه، بل إن الكلب لا يمكن أن ينهش لحم الكلب الحي أو الميت، وإنما ينهش لحماً آخر من غير بني جنسه.
فالمؤمن يستطيع أن يمتنع عن شهوة الكلام والتحدث، وبعض الناس يريد أن يعرض عليك مشكلة ويكفيه دقيقة أو دقيقتان لكي يعرضها عليك، ولكنه يظل يعرضها ويستغرق ساعة في عرضها، حتى يقنعك بالموضوع، والموضوع غلط من أوله إلى آخره.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإنها إما أن توجب ألماً وعقوبة].
فمثلاً: لو أن أحد الناس عنده شهوة شرب الخمر، فسوف تحصل له أمراض وبلايا، فهذا هو الألم، وفوق الألم عقوبة شرب الخمر، وكذلك بالنسبة للتدخين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإما أن تقطع لذة أكمل منها].
يعني: لو امتنعت عن هذه الشهوة، فإن الله سيعطيني لذة أكمل منها، فمثلاً: لو أن أحداً دعاك إلى عرس في يوم الخميس، فتقول له: عندي درس في يوم الخميس في المسجد، فذلك ذهب إلى المشوار الفوضوي، وأنت بحثت عن شيء أكمل منه وهو ذكر الله .
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإما أن تضيع وقتاً إضاعته حسرة وندامة].
وذلك عندما تنكشف الأوراق، فالوقت من الأشياء التي سيحاسبنا عليها الله.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما أن تثلم عرضاً توفيره أنفع للعبد من ثلمه].
فمثلاً: لو أن شخصاً يحب أن ينظر للنساء في الطرقات، وفجأة يراه أبوها أو أخوها فيقول له: عيب يا أستاذ! ويشتمه أو يقول له كلمة غير لطيفة، أو يكلمه في التلفون ويهزئه، ويقول له: بالله عليك! ألم يكن من باب أولى أن توفر العرض؟ إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل إذا كان العرض لا يدنس الشرف فأي رداء سيلبسه جميل؛ لأنه يخاف على عرضه، مثل الذي يخاف على ثوبه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإما أن تذهب مالاً بقاؤه خير له من ذهابه].
فمثلاً: الذي يصرف كل شهر خمسين جنيهاً في السجائر، فلو أخرج منها عشرة جنيهات صدقة، وعشرة جنيهات لأقاربه، وثلاثين جنيهاً يشتري بها حلوى للأولاد لكان خيراً له وأفضل، فإن كان غنياً وأنفق ماله في غير محله فهو مسرف، لأن هذا المال ليس ماله وإنما المال مال الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧]، فالمبذر أخو الشيطان، وإن كان فقيراً فهو سفيه، والسفيه يقول الله تعالى فيه: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:٥].
وما هو ذنب زوجته وأولاده عندما لا ينفق عليهم ولا يكسوهم؟ وتراه يقول: لقد حصلنا على قيمة السجائر من باب الله، والأفضل أن يشتري لأولاده أشياء عينية كبذلة أو حذاء أو بنطلون أو قطعة قماش لزوجته، أو يدفع لأولاده مصاريف المدرسة، ولو أعطاه مالاً فيمكن أن يستخدمه في معصية الله.
فالنصيحة لمن يخرج زكاة المال، أن يراعي هذه المسألة جيداً، فإذا كان الفقير مدخناً لا يعطى نقوداً، وإنما يعطى أشياء عينية: كملابس، ولحم، ودجاج، وسمك، وبعض الفاكهة، وثياب، ومصاريف المدرسة، وإيجار درس خصوصي، فلو أعطي نقوداً فإنه سوف يصرفها فيما يغضب الله فيدخن، ويترك زوجته وأولاده ولا يعطيهم شيئاً.
ومن بلاء التدخين أن الشخص قبل أن يدخن لا يقول: باسم الله.
فالمسلم لا يضع ماله إلا فيما ينفعه، لأن الشهوة تضيع على الإنسان مالاً بقاؤه خير من إنفاقه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإما أن تضع قدراً وجاهاً قيامه خير من وضعه].
أي: لو كان هناك شخص يحترمه جميع الناس ويذكرونه بكل خير، ثم يكتشفون في نهاية المطاف أنه يرتشي -مثلاً- فيصبح شكله أمامهم مخزياً جداً.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة].
أي: أن يكون هناك شخص يعيش مع زوجته وأولاده بأمان، وذات مرة وجدته زوجته يعمل أشياء غير أخلاقية، فأصبحت تتشاجر معه، وتبعد أولاده عنه، وأصبح الأولاد يكرهونه، فتجده يحدث نفسه ويقول: لقد كانت حياتي آمنة مستقرة، لكن هذه المعصية نغصت علي حياتي وأولادي وزوجتي وأضعت فيها مالي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما أن تجلب هماً وغماً وحزناً وخوفاً لا يقارب لذة الشهوة].
أي: فرب شهوة ساعة تورث صاحبها حزناً وغماً طويلاً، فالناس الذين يعصون الله متضايقين، ويحسون دائماً باختناق ويريدون أن يخرجوا ويغيروا المكان الذي هم فيه، ويحسون بأنهم يريدون أن يستنشقوا هواءً نقياً؛ وكل ذلك لأنهم لا يعلمون أن المعصية تضيق الصدور، والطاعة تشرح الصدور، قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإما أن تنسى علماً ذكره ألذ من نيل الشهوة].
فالمعاصي تنسي العلم، وتزيل النعم، ومن أكبر النعم العلم، يقول الشاعر: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدي لعاصي قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما أن تشمت عدواً وتحزن ولياً].
فالعدو يشمت في العاصي، ويقول مثلاً: اختلس الأموال فدخل السجن، أما الولي أو الصديق فإنه يقول: يا خسارة! فلقد ضيع حياته لأجل شيء كهذا، اللهم اختم لنا بخير يا رب العباد! قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة].
فالنعم قد تكون آتية، ولكن المعاصي تزيلها، وتزيل بركتها، فالمعاصي تزيل بركة الأولاد والزوجة والزوج والذرية والمال والعمر، فكل بركة من البركات فإنها تزول بمعصية العبد لله رب العالمين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما أن تحدث عيباً يبقى صفة لا تزول، فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق].
فالإنسان عندما يرتكب المعاصي، فالعيوب تلصق فيه، وكفى بالكذاب أن أي كذبة في البلد تنسب له، حتى وإن لم يكن قالها، وتجد الناس يؤكدون بأنه هو الذي قالها، لأن الناس تعودوا أنه يكذب.
وأحياناً تجد رجلاً من صفاته قضاء مصالح الناس، فمن قصدهم بمصلحة نسبت إليه، وشكره الناس ودعوا له، مع أنه لم يقدم لهم شيئاً، لكن الله يجري النعم على أيادي أناس، ويجري النقم على أيادي آخرين.
اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر يا رب العالمين! قال رسول الله ﷺ : (إن من الناس مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وإن من الناس مغاليق للخير، مفاتيح للشر، فيا سعادة! من كان مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، ويا بؤس وشقاوة! من كان مغلاقاً للخير مفتاحاً للشر).
стр. 107
الأخلاق المحمودة والمذمومة
стр. 108
حد الغضب المحمود
قال المصنف رحمه الله تعالى: [للأخلاق حد متى جاوزته صارت عدواناً، ومتى قصرت عنه كان نقصاً ومهانة.
فللغضب حد وهو الشجاعة المحمودة].
الغضب المحمود هو أن يغضب الشخص عندما تنتهك حرمة من حرمات الله، كأن يرى مسلماً يؤذى ويظلم ولا أحد يستطيع أن ينصره.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والأنفة من الرذائل والنقائص وهذا كماله، فإذا جاوز حده تعدى صاحبه وجار وإن نقص عنه جبن ولم يأنف من الرذائل].
فالشجاعة عندما تزيد عن حدها تكون تهوراً، وعندما تنقص عن حدها تكون جبناً، وخير الأمور الوسط، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣].
стр. 109
حد الحرص المحمود
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وللحرص حد].
الحرص أن يكون الإنسان حريصاً دائماً على المال وعلى الصحة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهو الكفاية في أمور الدنيا وحصول البلاغ منها، فمتى نقص من ذلك كان مهانة وإضاعة، ومتى زاد عليه كان شرهاً ورغبة فيما لا تحمد عقباه].
إذا كان الإنسان طماعاً ومسرفاً فهو مذموم، فإن الله لا يحب المسرفين.
стр. 110
حد الحسد المحمود
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وللحسد حد وهو المنافسة في طلب الكمال، والأنفة أن يتقدم عليه نظيره].
المنافسة هي الحسد المحمود، كمن يحسد عالماً -أي: يغبطه- ويتمنى أن يكون مثله، أو يحسد رجلاً غنياً ويتمنى أن يكون لديه أموال مثله.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فمتى تعدى ذلك صار بغياً وظلماً يتمنى معه زوال النعمة عن المحسود، ويحرص على إيذائه، ومتى نقص عن ذلك كان دناءة وضعف همة وصغر نفس].
الحسد المذموم كمن يحسد عالماً ويتمنى زوال النعمة عنه، ولا يحب أن يشارك العلماء في دروس العلم وفي الصلاة، ويبتعد عنهم.
فالأفضل أن يكون وسطاً بين الحسد الزائد الذي إذا زاد صار بغياً وظلماً؛ لأنه يتمنى معه زوال النعمة، وحسد المنافسة وهو ألا يكون عنده روح المنافسة، فتجده لا يحب أن يشارك في دروس العلم، ولا في صلاة الجماعة، ولا في طلب العلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال النبي ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة -يعني: العلم- فهو يقضي بها ويعلمها الناس).
فهذا حسد منافسة يطالب الحاسد به نفسه أن يكون مثل المحسود، لا حسد مهانة يتمنى به زوال النعمة عن المحسود].
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل يا مولانا بيننا شقياً ولا محروما، فك الكرب عن المكروبين، سد الدين عن المدينين، اقض حوائجنا وحوائج المحتاجين، اللهم لا تجعل لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ابناً عاقاً إلا جعلته باراً بوالديه، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا رددته لأهله غانماً سالماً، اللهم اكشف الكرب عن المسلمين، وأوقع الكافرين في الكافرين، وأخرجنا من بينهم سالمين، اللهم لا تسل قطرة دم إسلامية إلا في سبيلك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك.
стр. 111
سلسلة شرح كتاب الفوائد [١٢]
إذا أراد العبد أن يعرف قيمته عند الله فلينظر فيما أقامه الله فيه، ولا ينظر إلى ما آتاه من الدنيا أو أنعم عليه من الجسد، فقد كان أصحاب رسول الله ﷺ أعظم الأمة فضلاً لما أقامهم الله فيه من صحبة نبيه ونصرة دينه.
стр. 112
قيمة العبد عند مولاه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إذا كنت تريد أن تعرف قيمتك عند مولاك، فانظر فيما أقامك].
يعني: الإنسان إذا أراد أن يعرف مكانته عند رئيسه أو مسئوله أو مديره أو صاحب العمل الذي يعمل معه، ويرى هل يضعه في أخطر القضايا وأعظمها؟ أو يضعه في القضايا البسيطة العادية التي يقدر عليها كل أحد؟ ومثل ذلك مثل رجل عنده ولدان، ولد محب للعلم والمعرفة، وولد لا يحب العلم والمعرفة، فالولد المحب للعلم والمعرفة يتوسم أبوه فيه النبوغ والصلاح وحبه للثقافة، فإذا كان هناك ندوات أو مؤتمرات أو مناقشات علمية، فإنه يدعو ولده المحب للمعرفة للاستماع إليها، بينما ابنه الآخر يدعوه إذا كان هناك مبارات كرة قدم أو رياضة معينة، فكل واحد من الأبناء ينظر إلى الدعوة التي دعاها أبوه فيعرف قيمته عند والده.
ولله المثل الأعلى، فإذا كنت تعرف مقامك عند مولاك فانظر فيما أقامك، هل أقامك في طاعة الله ، في مجالس العلم، أو في تفريج كربات المسلمين؟ أم أقامك بعيداً عن هذا الخط؟ فلينظر الإنسان أين أقامه مولاه ، فكلما أقمت في مكان طيب وفي مكانة طيبة وفي منزلة طيبة، فمنزلتك عند الله طيبة، كما قيل للحسن ﵁: يا بصري! كم أنا عند الله؟ فأجابه الحسن: كم الله عندك؟ أي: إذا كان ربك عندك كل شيء فأنت عند ربك كل شيء، وإن كان الله آخر شيء، فأنت عند الله -والعياذ بالله- آخر شيء.
والمسلم الذي لا يخشع في صلاته، مثله كمثل الشاعر الذي يجلس تحت شجرة لكي يكتب قصيدة ما أو يؤلف مقطوعة ما، أو عالم يبحث قضية مهمة، وعلى هذه الشجرة عصافير تزقزق وتغرد، فتشوش على تفكير هذا الإنسان الذي هو جالس تحت الشجرة، فكلما يصل لحل قضية أو إلى نتيجة معينة، أو يصل إلى البحر والروي الذي يؤلفه، فيجد العصافير تشغله بأصواتها، فيعود يؤلف من جديد، فإذا أراد أن يتخلص من العصافير الواقفة فوق الشجرة فليقطع الشجرة.
قال أهل العلم: الشجرة شجرة الهوى، والعصافير عصافير الشهوات، فعندما تستنبت شجرة الهوى في قلب العبد، وعصافير الشهوات تعشعش في قلبه، فإن صلاته مشوشة، وعبادته مشوشة، وقيام الليل مشوش، والعمل كله مشوش، فإذا أراد أن تخلص نيته لله، فليقطع شجرة الهوى من قلبه لتطير عصافير الشهوات من فوق فروعها وأغصانها.
فالمسلم دائماً يخلص العلائق أو الحواجز أو القناطر التي بينه وبين الله لكي يكون مع الله تعالى فيكون الله معه.
اللهم اكشف عنا الحجب التي بيننا وبينك يا أكرم الأكرمين!
стр. 113
فضائل بعض الصحابة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [من كلام عبد الله بن مسعود ﵁].
كانت أعظم صفة يوصف بها أن الرسول ﷺ كان يقول فيه: (من أراد أن يسمع القرآن غضاً كما أنزله جبريل، فليسمعه من عبد الله بن مسعود).
وكما قلنا سابقاً أن العشرة المبشرين بالجنة الذين ذكروا في الحديث هم: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأقواهم في دين الله عمر، وأشدهم حياءً عثمان، وأعلمهم بالدين علي، والحق أين ما كان عند سعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير بن العوام حواريا رسول الله ﷺ ، وعبد الرحمن بن عوف تاجر من تجار الرحمن، وسعيد بن زيد حبيب من أحباء الرحمن، وأبو عبيدة بن الجراح أمين الله وأمين رسوله).
فهؤلاء هم العشرة المبشرون بالجنة، ولكن ليس معنى ذلك أنهم فقط هم الذين بشروا بالجنة؛ فالجنة اشتاقت إلى عمار بن ياسر؛ لأن رسول الله ﷺ كان يقول: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة)، فهذا تبشير بالجنة.
وكذلك عندما قال رسول الله ﷺ لـ بلال بن رباح: (يا بلال! كنت أسمع قرع نعليك في الجنة، فماذا كنت تفعل؟) فمعنى هذا أن بلال بن رباح في الجنة.
وقال رسول الله ﷺ : (سبعون ألفاً من أمتي يدخلون الجنة بدون حساب، فقام عكاشة فقال: ادع الله لي أن أكون منهم، قال: أنت منهم يا عكاشة)، فـ عكاشة من أهل الجنة.
وسيدنا عبد الله بن مسعود وإن لم يكن ذكر في حديث العشرة المبشرين بالجنة، لكنه كما نعلم كان نحيف الساقين، فلما صعد إلى الشجرة انكشفت ساقاه، فضحك الصحابة من نحافتهما ودقتهما، فتنبه رسول الله ﷺ وقال: (أتضحكون من دقة ساقي ابن مسعود! والذي نفسي بيده! إنها في الميزان يوم القيامة أثقل عند الله من جبل أحد).
فسيدنا عبد الله بن مسعود هو الصحابي الوحيد المأذون له بالدخول على رسول الله ﷺ في أي وقت، بينما كان أبو بكر وعمر يطرقان الباب أولاً، وينتظران حتى يأذن لهما النبي ﷺ عن طريق أنس، أما عبد الله بن مسعود فكان يدق الباب فيفتح له أنس ويدخل من غير أن يؤذن له؛ لأنه مأذون له في الدخول على رسول الله ﷺ في كل وقت، ولذلك سمي ابن مسعود صاحب سر رسول الله.
يقول عبد الله بن مسعود: سبعون سورة من كتاب الله أعلم أين نزلت، في سهل أم في جبل، في مكة أم في المدينة، في ليل أم في نهار؟ وكان عندما يقرأ عليه رسول الله ﷺ السورة يحفظها من أول مرة، فقرأ عليه ﷺ مرة سورة الأنعام، وهي السورة الوحيدة في القرآن من كبار السور التي نزلت دفعة واحدة، فلما قرأها الرسول على ابن مسعود قال: أتستطيع أن تعيدها علي يا ابن مسعود؟ فأعادها كما سمعها.
والحسن البصري من تلاميذ عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن مسعود وسيدنا علي من تلاميذ النبي ﷺ ، كما قال الشاعر: وكلهم من رسول الله ملتمس غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم وعندما نقرأ في كتب الحديث: رواه العبادلة الأربعة، فـ عبد الله بن مسعود أول راو فيهم، وهم: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فهؤلاء أعلم العبادلة أو أعلم الصحابة بعد عمر وعلي في الفقه ﵃ جميعاً.
وعندما تولى سيدنا عمر الإمارة قال: من أراد أن يسأل عن القرآن، فليسأل عبد الله بن مسعود، ومن أراد أن يسأل عن المواريث فليسأل علي بن أبي طالب، ومن أراد أن يسأل عن العلم فليسأل معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليسألني أنا، فإن الله قد جعلني له خازناً وخاتماً.
وكان عبد الله بن مسعود له زوجة اسمها زينب، فعندما كانت تحب أن تستفتي في مسألة، لا تستفتي عبد الله بن مسعود، بل كانت تذهب إلى رسول الله ﷺ ، وعندما تصل يدخل أنس إلى رسول الله، فيقول له: يا رسول الله! زينب بالباب؟ فيبتسم الرسول ويقول: يا أنس! أي الزيانب؟ لأنه كان يوجد أكثر من امرأة اسمها زينب، فمن ذلك ابنته زينب، وزينب خالة عبد الرحمن بن عوف.
стр. 114
زهد عبد الله بن مسعود
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال رجل عنده: ما أحب أن أكون من أصحاب اليمين، أحب أن أكون من المقربين].
الرجل الذي كان في مجلس عبد الله بن مسعود يقول: أنا لا أحب أن أكون من أصحاب اليمين، أحب أن أكون من المقربين، مثل الذي يقول: أنا لا أريد أن أنجح فقط، ولكن أريد أن أكون من الأوائل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فقال عبد الله: لكن ههنا رجلاً ود أنه إذا مات لم يبعث، يعني نفسه].
التابعي هو الذي عاصر جيل الصحابة، والصحابي هو الذي رأى رسول الله ﷺ ومات على ذلك، فكل من لحق أحداً من الصحابة يسمى: تابعياً، والرسول ﷺ يقول: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
فالرجل الذي جلس عند عبد الله بن مسعود كان يقول: أنا لا أحب أن أكون من أصحاب اليمين، أحب أن أكون من المقربين، فأجابه عبد الله بن مسعود بأنه يوجد هاهنا رجل يود أن لا يبعث، فهذا يدل على شدة خوفه من الله .
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وخرج ذات يوم فاتبعه ناس، فقال لهم: ألكم حاجة؟ قالوا: لا، ولكن أردنا أن نمشي معك.
قال: ارجعوا فإنه ذلة للتابع، وفتنة للمتبوع].
كان عبد الله بن مسعود يخاف على نفسه من الفتنة، فقفل الباب عليهم عندما سألهم: ألكم حاجة؟! فعندما لم تكن لهم حاجة، أمرهم بألا يتبعوه، لأنه ذل لهم وفتنة له.
ولذلك عندما كان أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان في الحج، وكان يريد أن يصل إلى الحجر الأسود، فمن الزحمة لم يستطع أن يصل، فلما أتى علي زين العابدين أمر الناس بأن يوسعوا لأمير المؤمنين، ثم انصرف، فعندما سأل أمير المؤمنين: من هذا الذي فعل هذا؟ فقالوا له: هذا زين العابدين علي بن الحسين، قال: والله! هذا هو العز كله.
والمقصود بالعز هنا أن الناس تحبك لله، لكن عندما تحبك الناس لمالك، فلو ضاع المال ضاعت المحبة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال: لو تعلمون مني ما أعلم من نفسي، لحثوتم على رأسي التراب].
وهنا تساؤل: إذا كان هذا من أصحاب رسول الله ﷺ ، والرسول يضمن له الجنة، ومات وهو راض عنه، وعنده من العلم ما عنده، ورغم ذلك يقول: لو تعلمون مني ما أعلم من نفسي، لحثوتم على رأسي التراب؟ قال أهل العلم: إن الله من رحمته أنه إذا أحب عبداً رفع من أمامه كل عمل صالح، فلا يرى نفسه عمل صالحاً قط.
ولكن بعض الناس يحضر مجلس علم أو محاضرة كل أربع سنين، فيجد نفسه يرى أنه فعل شيئاً كبيراً، وذلك الآخر الذي يصلي بخشوع مرة في اليوم، وتجده يقول: لقد صليت بخشوع هذا اليوم، ويرى أنه أفضل الناس.
لكن هذا عندما أحبه الله رفع من أمامه العمل الصالح، فيجد نفسه لم يعمل شيئاً، ولذلك يقول: أنا إنسان سيئ، ويقولها بصدق، لا يقولها نفاقاً ولا رياءً.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال: حبذا المكروهان: الموت والفقر].
أي: أنه كان يحب شيئين يكرههما الناس: الموت والفقر.
وقال أبو ذر: أحب الجوع والمرض والموت، فقالوا له: لماذا؟ فقال: أنا إن جعت رق قلبي، وإن مرضت خف ذنبي، وإذا مت لقيت ربي.
لكن إذا كان عند الإنسان المال والصحة فإنه ينسى هذا كله، نسأل الله السلامة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال: إنكم في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة؛ فمن زرع خيراً فيوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شراً فيوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مثل ما زرع لا يسبق بطيء بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له].
وهذا كما قال ﷺ : (اعلم أن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص، ولا يمنعه عنك كراهة كاره).
فمثلاً: لو كان هناك رجل يعيش في ظلام وقفلت عليه الأبواب، وأراد أن يرى نور الشمس، فإن عليه أن يطرق باب الله والوقوف على باب الله، مثلما تكون عندك مشكلة مصيرية، وحل هذه المشكلة عند مسئول أو وزير مثلاً، فأنت تجلس عند بيته ليلاً ونهاراً، وحتى لو سافر فإنك ستنتظره إلى أن يأتي حتى يحل لك مشكلتك؛ فلن تفارق بابه حتى يحل لك مشكلتك، ولله المثل الأعلى، فإذا أردت أن يقضي الله حاجتك فأنخ راحلتك بباب الله، واطرق الباب ولابد أن يفتح لك باباً، ولكن ادع الله دعاء مستنجد لا دعاء ناج، ادع الله كالمضطر، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣]، فلا بد من الذل لله.
стр. 115
التحقق بأوصاف الله
يقول ابن عطاء الله: تحقق بأوصافك يمنحك أوصافه.
يعني: تحقق بذلَّك يمنحك من عزه، تحقق بفقرك يعطك من غناه، تحقق بضعفك يعطك من قوته، تحقق بأنك تائه يعطك من هداه، فإن الله يرشد الحائرين الضالين.
فإذا أقنعت نفسك أنك ضعيف فهو يقويك، أو فقير فهو يغنيك، أو تائه فهو سيرشدك وهكذا.
وكان ابن عطاء الله دائماً يقول: يا رب! أنا الجهول في علمي فكيف لا أكون جهولاً في جهلي، أنا الفقير في غناي، فكيف لا أكون فقيراً في فقري.
يعني: برغم العلم الذي عندي فأنا جاهل، فإذا كنت جاهلاً أصلاً فماذا سأكون؟ وأنا رغم غناي فأنا فقير، كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤].
قال أهل العلم: إن لله صفات جلال وصفات جمال.
فعلى المسلم أن يتصف بصفات الجمال مثل: الشكر: شكور، والرحمة: رحيم، والمغفرة: غفور، والود: ودود، والصبر: صبور.
أما صفات الجلال فلا يتصف بها أبداً، مثل: القهار، المتكبر، المعز، المذل، المانع، فلا بد للإنسان أن ينقهر ويخضع لهذا الصفات ولا يتصف بها، لأن الله هو القهار والمخلوق ليس قهاراً، وهو الجبار والمخلوق ليس جباراً.
ولذلك فإن المسلم يتصف بصفات الله الجمالية لا بصفاته الجلالية.
وإذا زرت المدينة المنورة فإنك تجد حلاوة المدينة وحلاوة المسجد النبوي الشريف، وتشعر بصفات الله الجمالية: الرءوف الرحيم، وعندما تذهب إلى الكعبة تجد رهبة، لأن هذا بيت الله القهار، بيت الجبار، وهذه من صفات الجلال.
فإذا تحققت بصفات الجمال، نصرك الله بصفات الجلال.
فإذا كنت رحيماً وودوداً وشكوراً وصبوراً، فالله يعطيك من أوصافه الجلالية، ويجعلك تقهر العدو وتنتصر عليه وتغلبه.
هكذا العبد يتخلق بأخلاق الله في صفات الجمال، يمنحه الله برحمته من صفات الجلال.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إنما هما اثنتان: الهدي والكلام، فأفضل الكلام كلام الله، وأفضل الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة].
والبدعة تكون في العبادة لا في العادة، مثل اللباس الذي نلبسه يعتبر عادة، والأكل عادة، لكن بإمكانك أن تقلب الأكل أو اللبس إلى عبادة.
فمثلاً: الذي يلبس البنطال أو الثوب أو الجبة أو القميص فهذه الأشياء اعتيادية، وأهم شيء أن يستر عورته، وعورة المرأة كل جسدها ما عدا الوجه والكفين، وفي بعض الآراء: جميع جسدها، وعورة الرجل: من السرة إلى الركبة.
ولكن إذا أردت أن تجعل هذه العادة عبادة، فعندما ترتدي لباساً فقل: الحمد الله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به أمام الناس.
وتستشعر نعمة الله، حتى أن رسول الله ﷺ يقول: (ما كسي عبد ثوباً جديداً ولبسه، فما أن يبلغ إلى ركبتيه وهو يعلم أن الذي كساه إنما هو الله رب العالمين، إلا وغفر الله له).
فعندما يلبس العبد ثوباً جديداً يستر به نفسه، واستشعر أن الذي كساه هو الله غفر الله له.
وفي الحديث يقول ﷺ : (إذا وضع أحدكم يده في جيبه، ليخرج كيس نقوده، فيخطئه -أي: أراد أن يخرجه من جيبه اليمين، فإذا هو في جيبه الشمال- فإذا ارتجف قلبه، تساقطت ذنوبه كما يتساقط ورق الشجر في اليوم الشاتي).
فالله يسوق إليك المغفرة، ويريد أن تستغفره.
إذاً: البدعة تكون في العبادة، وهي: إضافة شيء في الدين ليس فيه.
فمن ذلك: ما يقوله بعض المؤذنين بعد أن يكملوا الآذن، فيقولون: الصلاة والسلام عليك يا كحيل العينين، ويا أسود الشعر ويا أبيض الوجه، ويا أول خلق الله وآخر خلق الله.
فهذه بدعة في الدين؛ لأنه أضاف في الدين ما ليس منه.
فهل نحن أشد حباً لرسول الله ﷺ من سيدنا بلال؟! فلماذا سيدنا بلال لم يقل هذا الكلام؟! فهل سنكون أفضل منه؟ وهو الذي قال له رسول الله ﷺ (يا بلال! إني أسمع دف نعليك في الجنة، فقل لي يا بلال ماذا تصنع؟!).
والمبتدع يقول: أنا عملت أفضل من بلال.
وعندما تدخل مسجد رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فإما أن تجد رجلاً يذكر الله، أو يقرأ في المصحف، أو يصلي، وتجد المذيع يقول: ونبدأ شعائر يوم الجمعة بقراءة القرآن، كأنها شعيرة من الشعائر، فهذا يزيد من عنده، والرسول ﷺ يقول: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)؛ لأنه يؤلف من عنده، فالزيادة في الدين كالنقص فيه، وهذه قاعدة أصولية؛ فأنت عندما تزيد في الدين فأنت تنقص فيه؛ لأن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
فالدين مكتمل، فلا يحق لأحد أن يزيد إلا الله، ولا يحق لأحد أن ينسخ إلا الله.
فما دام الدين قد اكتمل، فلا زيادة فيه، والرسول ﷺ تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، أما أن تبتدع وتؤلف فهذا ليس من الإسلام في شيء.
стр. 116
حكم ذهاب النساء إلى الكوافير
ذهبت امرأة إلى النبي ﷺ وابنتها عروس، -والمرأة عندما تكون ابنتها عروساً تتصرف بطريقة غريبة وتفكر تفكيراً غير منطقي- فقالت المرأة لرسول الله: إن ابنتي عروس وأصابتها الحصباء -مرض جلدي- فتساقط شعرها -أي: أصبحت صلعاء- أفأصل شعرها؟! فلو سألت هذا السؤال امرأة من هذا العصر وهي لا تعرف بقية الحديث، ستجيبك على الفور: نعم، كيف ستذهب إلى زوجها وهي صلعاء؟! ولكن الرسول ﷺ يقول: (لعن الله الواصلة والمستوصلة)، والواصلة: هي التي تسمى في عصرنا الحاضر (كوافيرة)، والمستوصلة: هي المرأة التي تذهب إليها لتصل شعرها.
وإذا كان رسول الله قد لعن المرأة التي تصل شعر المرأة الأخرى بشعر آخر، فكيف إذا كان الذي يفعل ذلك رجلاً، كيف سيكون حاله؟ والمصيبة الكبرى أن العريس قبل أن يزفوا إليه عروسه يذهب بها إلى (الكوافيرة) وقد تكون رجلاً، وهذه قلة أدب من وجهة نظري، ولا أرها إلا دياثة، فليس من المعقول أن يذهب أحدنا بعروسه قبل أن يلمسها إلى رجل آخر بحجة أنه ماهر في فنون التجميل؟!!! سبحان الله.
وتجد بعض الناس يظنون أننا نعقد المسألة، ونحن لا نعقدها؛ لأن هناك حلالاً وحراماً، وهذه كلها زيادات في الدين.
وتجد بعض الآباء يتحججون بأنهم لا يريدون أن يكدروا على ابنتهم ليلة عرسها، فتفعل ما تشاء.
ولكن لتعلم أيها المؤمن! أنه في أيام رسول الله قامت حرب بسبب أن عورة امرأة مسلمة انكشفت أمام اليهود، وذلك عندما أراد أحد اليهود منها أن تخلع خمارها لكي يروا وجهها فلم ترض، فأراد أن يسخر منها فأمر أحد الصبيان أن يربط طرف ثوبها برأس ثوبها، فعندما أرادت أن تنهض بانت عورتها وأرجلها، فجلست على الفور وسترت نفسها، وعندما رأى أحد المسلمين هذا المنظر، لم تتحمل الدماء العربية الإسلامية، فقتل اليهودي، فاجتمع اليهود على المسلم فقتلوه، فبلغ ذلك الرسول ﷺ فحاصر بني قينقاع سبعة عشر يوماً، وأجلاهم عن المدينة؛ لأنهم كشفوا عورة امرأة مسلمة.
وفي زماننا هذا نحن الذين نعري زوجاتنا بأيدينا، فتجد الرجل يقول لزوجته: غيري ملابسك هذه لكي نخرج، وقد تكون لابسة في بيتها ومحتشمة، ولا يرى شيئاً منها، ولكن عندما تغير ملابسها لكي يخرجوا للنزهة، فإنها تلبس أجمل ما لديها من ملابس، ولو رآها زوجها في الطريق لما عرفها.
فلا شهامة ولا أخلاق إسلامية ولا دماء عربية، ولا غيرة على محارم الله .
والمصيبة الكبرى عندما تجد المرأة أمام المرآة تجمل نفسها لكي يذهبوا بها للسهرة، فتسأل زوجها عن رأيه في شكل شعرها وفي تجميل وجهها، وفي أحمر شفاهها، أشياء غريبة جداً، فتجد الرجل هو الذي يجهز زوجته لكي تخرج ويراها الناس وهي في كامل زينتها.
سيدنا عثمان ﵁ عندما شعر بأنهم سيقتلونه، قال لامرأته نائلة: ادخلي فاحتجبي، إن قتلي أهون عندي من أن يرى شعرك أجنبي.
فالعرض غال جداً، ولكن لا حياة لمن تنادي، وما علينا إذا لم تفهم البقر.
نسأل الله السلامة، فربما هؤلاء الناس يأكلون لحم خنزير.
إذاً: فالمسلم تنقسم معاملاته إلى عبادات وعادات، فالبدعة تكون في العبادة وليست في العادة، فالرسول ﷺ لم ينه عن الأكل على طاولة قط، لأنها عادة.
وكذلك عندما كان يأكل رسول الله ﷺ فإنه كان يفرد رجله اليمين ويجلس عليها، وأحياناً يفرد رجله الشمال ويجلس عليها، ويأكل بثلاثة أصابع، ولكن أنت إذا أكلت بهذه الطريقة أو بطريقة أخرى فهذا جائز؛ لأن هذه عادة وليست عبادة.
وإذا أردت الوصول إلى درجة عليا وطبقت أفعال الرسول في كل شيء فسمعاً وطاعة، لكن هذه أمور عادات وليست أمور عبادات؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (خذوا عني مناسككم).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلا يطولن عليكم الأمد، ولا يلهينكم الأمل، فإن كل ما هو آتٍ قريب، ألا وإن البعيد ما ليس آتياً].
البعيد الحقيقي هو الذي لن يعود، والقريب هو كل ما سيأتي أو سيعود يوماً ما وإن طال الأمد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ألا وإن الشقي من شقي في بطن أمه، وإن السعيد من وعظ بغيره].
يعني: أحياناً نسمع أن ولداً شتم أمه أو ضرب أباه، فتفسير هذه الحادثة أن الأب طلق زوجته ثلاث تطليقات، وهو رجل كثير الحلف بالطلاق، فبعد أن طلقها ثلاث تطليقات أو أكثر من ذلك أنجب هذا الابن، فهو ابنه وابنها، لكنه ابن حرام والعياذ بالله؛ لأن الواجب على الزوج ألا يطأ زوجته ولا يقربها لأنها أجنبية، فبعد أن تنقضي شهور عدتها يتقدم لها شاب عادي ويتزوجها، وبعد أن يعاشرها سنة أو سنتين أو عشراً أو عشرين سنة، أو أقل أو أكثر، وبعد ذلك طلقها أو توفي، فيجوز أن يتزوجها زوجها الأول، أما أن يأتي المحلل ويتزوج ويطلق في يوم واحد، ولا يكون هناك شهور عدة، ولم يدخل بها، فهذا هو الديوث الذي قال عنه رسول الله ﷺ : (ألا أدلكم على التيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: المحلل والمحلل له، لعن الله المحلل والمحلل له).
فالابن الذي يشتم أباه أو يضرب أمه فهو قد شقي في بطن أمه؛ لأنه ليس ولد حلال، والعياذ بالله.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ألا وإن قتال المسلم كفر وسبابه فسوق].
قتال المسلم كفر، ومن سب أخاه المسلم فهو فاسق.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، حتى يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويعوده إذا مرض، ألا وإن شر الروايا روايا الكذب، ألا وإن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل].
فلا يكون المؤمن كذاباً، والكذب لا ينفع أن يكون في مزاح ولا في غيره.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا أن يعد الرجل صبيه شيئاً ثم لا ينجزه].
مثل أن يعد الأب ابنه بقوله: إذا نجحت فسوف أعطيك كذا، وإن سكت فسوف أعطيك كذا، ولا يفي بوعده.
اللهم اجعل كتاب الفوائد فائدة لنا في الدنيا والآخرة، واجعلنا يا ربنا! جميعاً من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ووفقنا يا أرحم الراحمين! إلى ما تحبه وترضاه، وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك معافين، غير فاتنين ولا مفتونين، اجعل اللهم جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوما، ولا تجعل يا ربنا بيننا شقياً ولا محروما، لا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أزلته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا رددته لأهله غانماً سالماً، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا شيطاناً إلا أبعدته عنا وطردته، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، اجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك؛ إنك يا ربنا على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم على البشير النذير، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 117
سلسلة شرح كتاب الفوائد [١٣]
أحسن الكلام كلام الله، وأحسن القصص قصص القرآن، ففيه شفاء القلوب وعلاج الأبدان، ولذلك فحامل القرآن يعيش مع الله متأدباً بآداب كتاب الله، ليله قيام ونهاره صيام.
стр. 118
من كلام عبد الله بن مسعود ﵁
أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر:٢٣]، وقد ذكر فيه الكثير من القصص التي تحمل العظات والعبر، وتنطوي على الدروس التربوية والدعوية، وهي قصص صادقة وردت بأبلغ عبارة وأحسن كلام، ومن أعظمها قصة سيدنا يوسف ﵇، وقد أفرد الله تعالى لها سورة كاملة في كتابه الكريم، وقال في مقدمة هذه السورة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف:٣].
ونقف في هذا اليوم مع ابن القيم ﵀ في كتابه الفوائد وهو يتحدث عن هذه العظمة فيقول رحمه الله تعالى: [لو أن شخصاً أقسم بالطلاق أن يحكي لشخص أحسن قصة ولم يحك له قصة يوسف ﵊ فإن امرأته تكون طالقاً؛ لأن الله يقول: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣]]، فعندما يحكي الرجل قصة ويقول: هذه أحسن قصة ويقسم بالطلاق، فإن الطلاق يكون واقعاً.
وأحسن القصص عند الله القرآن الكريم، فلو أن شخصاً حكى لك حكاية وقال: أقسم بالله العظيم سأحكي لك حكاية لم تسمع أعظم منها، ويحكي حكاية من غير القرآن ومن غير قصة سيدنا يوسف، فلابد أن يكفر عن يمينه، وإن حلف بالطلاق فتكون امرأته طالقاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأشرف الحديث ذكر الله، وخير القصص القرآن، وخير الأمور عواقبها].
ولذلك يقال: والعاقبة عندكم في المسرات.
قال: [وشر الأمور محدثاتها، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى].
أي: الذي يقل ويكفيك أحسن من الذي يكثر ويطغيك، وقليل تشكره خير من كثير لا تطيقه، فأنت تأخذ قليلاً من القمح وتستطيع أن تأخذه، أما إذا أخذت كمية كبيرة وتريد أن تحمله فإنك لا تستطيع أن تحمله، إذاً: ما قل وكفى خير مما كثر وألهى.
قال: [ونفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها].
أي: عندما تنجي نفسك خير من أن تأخذ كرسي الوزارة.
قال: [وشر المعذرة حين يحضر الموت].
أي: أسوأ الاعتذارات عندما يأتي الموت، فلا ينفع هذا الاعتذار.
قال: [وشر الضلالة الضلالة بعد الهدى].
ولذلك لابد أن تدعو الله وتقول: اللهم إني أعوذ بك من السلب بعد العطاء؛ لأن الله عندما يعطي شخصاً شيئاً ثم يسلبه منه فهذه مصيبة، وليس لها عوض، اللهم ثبت تقوانا وإيماننا يا رب العباد.
قال: [وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، وخير ما ألقي في القلب اليقين، والريب من الكفر] فالريب -أي: الشك- درجة من درجات الكفر والعياذ بالله.
قال: [وشر العمى عمى القلوب] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
قال: [والخمر جماع الإثم] أي: أم الكبائر.
قال: [والنساء حبائل الشيطان].
قال الله في السارق: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، وقال في الزنا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور:٢]، ففي السارق بدأ بالرجل أولاً؛ لأنه في الغالب هو الذي يسرق، وفي الزنا بدأ بالمرأة؛ لأنها هي التي تفتن في الغالب.
قال: [والشباب شعبة من الجنون، والنوح من عمل الجاهلية].
قال رسول الله ﷺ : (من ناحت على ميت ولم تتب كأنما أخذت حربة تحارب بها رب العباد، أو كمن هدمت الكعبة بيديها، ومن ناحت على ميت ولم تتب بعثت يوم القيامة ناشرة شعر رأسها، عليها سرابيل من قطران، تأخذها الملائكة إلى النار، ويتولون لها: ادخلي النار ونوحي على أهلها كما تنوحين في الدنيا)، فهل هناك أسوأ من هذه الجنازة، وهل هناك أسوأ من هذه المندبة؟! وعندما يموت الميت تحضر الملائكة مباشرة وتؤمن على أي قول يقال، فإن قيل: اللهم صبرني، تقول: اللهم صبره يا رب! وإن قيل: اللهم أنزل علي السكينة، تقول: اللهم أنزل عليه السكينة فتنزل، وإن قيل: وامصيبتاه! تقول الملائكة: مصيبة دائمة إن شاء الله، وإن قيل: يا ذا الحزن! تقول: حزن دائم إن شاء الله، وإن قيل: أين نذهب؟ ليس لنا أحد، تقول: اللهم لا تجعل له أحداً يا رب العباد، وهكذا تؤمن الملائكة على الدعاء.
قال رسول الله ﷺ : (إذا حضرتم الميت فلا تقولوا إلا خيراً؛ فإن الملائكة تؤمن على دعائكم).
فالمصيبة أن هذا الكلام يسمع فإذا حصل الموت فإنهم يقولون هذا الكلام، ففي الحديث أن رسول الله ﷺ وأصحابه مروا على امرأة جالسة بجانب القبر تبكي وتنتحب، فقال لها رسول الله ﷺ : (اصبري يا أمة الله ولك الجنة، قالت له: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، فقيل لها: أتدرين من هذا؟ قالت: لا، قالوا: هذا رسول الله ﷺ ، فجرت وراءه، وقالت: أصبر يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : إنما الصبر عند الصدمة الأولى).
قال: [ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبراً، ولا يذكر الله إلا هجراً].
دبراً: أي: متأخراً، ومعلوم أن الإمام إذا صعد على المنبر انتهى الموضوع بالنسبة للمتأخر وضاع ثواب الجمعة، لكن الصحابة كانوا يجعلون يوم الجمعة عيداً، فقد ورد أن رسول الله ﷺ يصلي الفجر ويمكث في المسجد حتى الضحى، ثم يخرج فيغتسل، وينظر ماذا يريد أهل بيته، ثم يعود إلى المسجد؛ ففي يوم الجمعة يجمع المسلمون في بيت الله.
قال: [ومن أعظم الخطايا اللسان الكذاب، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يغفر يُغفر له، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله].
يعني: يبدله خيراً.
قال: [وشر المكاسب كسب الربا، وشر المأكل مال اليتم، وإنما يكفي أحدكم ما قنعت به نفسه، وإنما يصير إلى أربعة أذرع].
أربعة أذرع يعني: ثلاثة متر، والمقصود: القبر، فكل الأتعاب والراحة في الدنيا تنتهي، ولا يأخذ أحد في القبر أكثر من ثلاثة أمتار: متران طولاً ومتر عرضاً، ففي هذه المنطقة المظلمة يضعون الميت ويقفلون عائدين، فهم مسافرون يبكون على مسافر قد وصل.
وقد قيل لبعضهم: لم خلق الله الذباب؟ قال له: ليذل به المتكبرين.
стр. 119
آداب حامل القرآن
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون].
فالذي يحفظ القرآن هل ينام؟! سئل الإمام أبو حنيفة: في كم تختم القرآن؟ فتبسم وقال: في الصلاة أم في غير الصلاة؟ قالوا: في الصلاة، قال: في صلاة الليل أم في صلاة النهار؟! قال: [أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون].
ولماذا يفرح؟ أليس قارئ القرآن يعرف ما حل بقوم نوح وقوم لوط وعاد وثمود وغيرهم؟ ويعرف ماذا يحدث للناس في النار ودركات جهنم وما فيها من العذاب؟ قال: [وببكائه إذا الناس يضحكون].
أي: دائماً تجد على عينيه آثار الدموع من أثر الخشية.
قال: [وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكياً محزوناً حكيماً حليماً سكيناً، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافياً، ولا غافلاً ولا صخاباً ولا صياحاً، ولا حديداً].
يعني: لا يكون كثير الصياح ولا يكون قاسياً في المعاملة وإنما يكون ليناً.
стр. 120
التواضع وأثره وتأثير الملك والشيطان في سلوك الناس
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [من تطاول تعظماً حطه الله، ومن تواضع تخشعاً رفعه الله].
فـ قارون تعالى على قومه وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، فقال الله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص:٨١].
قال: [وإن للملك لمة، وللشيطان لمة]، يعني: الملك له معك جولة، والشيطان كذلك له جولة.
قال: [فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق، فإذا رأيتم ذلك فاحمدوا الله].
يعني: عندما تلقى الطمأنينة في نفسك، وحضورك لمجلس العلم، وتريد أن تفتح المصحف لا تغلقه، وتريد أن تصلي باستمرار، وتريد أن تعمل خيراً وتريد أن تصل الرحم، فكل هذه ساعة لمة الملك.
قال: [ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق، فإذا رأيتم ذلك فتعوذوا بالله.
إن الناس قد أحسنوا القول، فمن وافق قوله فعله فذاك الذي أصاب حظه، ومن خالف قوله فعله فذاك إنما يوبخ نفسه.
لا ألفين -يعني: لا أجدن- أحدكم جيفة ليل قطرب نهار].
يعني: نائماً مثل الجيفة المنتنة، والقطرب: ذكر النحل، يعني: في النهار مثل النحلة ذاهباً للعمل وآتياً منه، لكن يأتي في الليل فيقوم بين يدي الله سبحانه ولا ينام، قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل:٢٠] وقد كان الرسول ﷺ أغلب أوقاته صلاة، فجربوا ركعتين في جوف الليل والناس نائمون ولا أريد إيحاءات ولا كلمات تشير إلى أن بعضاً منكم يقوم الليل؛ لأن هذا سر بين العبد وربه.
وكل واحد منا له باب يدخل به على الله، فمنا من بابه في الصيام مثلاً، والآخر بابه كثرة قراءة القرآن، والآخر بابه الصدقات، وذاك بابه صلة الرحم، وهذا بابه حضور مجالس العلم، وهذا بابه المذلة لله، وهذا بابه كثرة الذكر، وهذا بابه قيام الليل، وهذا بابه العطف على الأرملة واليتامى، فكل واحد له باب.
قال: [من لم تأمره الصلاة بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بها من الله إلا بعداً].
إن الصلاة قد تقرب صاحبها إلى الله وقد تبعده من الله، والصلاة التي تقرب إلى الله هي التي تخلو من الكذب والغيبة والنميمة وقلة اليقين، فالصلاة عبارة عن يقين بالله بأن أكون بما في يد الله أكثر ثقة مني بما في يدي، إذاً: يكون عند العبد توكل على الله وصدق ويقين، ويعرف أن الله سوف يرزقه في الوقت الذي يريد وفي المكان الذي يريد.
قال: [ومن أنزل همه بالله زال، ومن أنزل همه بالناس زاد].
أي: من أنزل همه بالله زال باللام، ومن أنزل همه بالناس زاد بالدال.
قال: [من اليقين ألا ترضي الناس بسخط الله].
أي: لا ترض الناس وتغضب الله، والذي يعد فرحاً لابنه في الفندق فإنه يغضب الله سبحانه.
قال: [ولا تحمد أحداً على رزق الله] أي: عندما يرزقك الله لا تفكر أن هذا شخص أتى به إليك.
قال شقيق البلخي لحاكم أسوان: أين كنت؟ قال: كنت عند عالم في الشام يقول كلاماً جيداً، قال: أخبرني ماذا قال؟ قال: لو كانت السماء من فضة والأرض من حديد، لا السماء تمطر قطرة من مطر ولا الأرض تنبت نبتة من زرع، وفيما بين المشرق والمغرب عيال ما حملت هم رزقهم، لعلمي أن الله سوف يرزقهم، فماذا قال له شقيق: لا تجلس معه مرة أخرى إن هذا عالم سوء، قال له: كيف ذلك؟ قال له: كيف يجري ذكر الرزق على لسانه أولم يقرأ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]، يعني: مسألة ذكر الرزق ليست جيدة، لأنها قاعدة أننا مادمنا موجودين فرزقنا جار، فهو قانون بديهي مثل ألف وباء، ولو فر ابن آدم من الرزق كما يفر من الموت لأدركه الرزق كما يدركه الموت، ولو ركب ابن آدم الريح ليلحق برزقه لركب الرزق البرق فسبقه ثم دخل في فمه، ولو رجا الإنسان الجنة كما يرجو الغنى لفاز بهما جميعاً، ولو خاف من النار مخافته من الفقر لنجا منهما جميعاً، ولو خاف من الخالق كما يخاف من المخلوق لسعد في الدنيا والآخرة.
ولا يعرف المؤمن إلا بالعقيدة، فما حالة المسلمين في هذا الزمان إلا لأن العقيدة ضعيفة، فتسمع الشخص يقول: نخاف من الناس ومن كلامهم فإنهم يستهزئون منا.
إن الذي يريد أن يستهزئ فليستهزئ، فإن هذا كله بثوابه إن شاء الله طالما أنك ترضي الله ، اللهم اجعلنا من الذين يحاولون أن يرضوك يا رب العباد وترضى عنهم يا أكرم الأكرمين! قال: [ولا تلم أحداً على ما لم يؤتك الله].
لو أنه جيء لك ببعثة، فإذا بالمدير الذي أنت تتبعه كان سبباً في أنك لم تسافر، فهل تقول: هو الذي لم يجعلني أسافر، أو أن الله هو الذي لم يأذن؟ فإذا أخذت في نفسك عليه؛ فإن ذلك لضعف يقينك، ولو كان عندك قوة يقين لرضيت بأن قدر الله يجري مجراه، كذلك لو أن صبياً يريد أن يقطع الشارع فصدمته سيارة، وانكسرت رجله، وإذا لم تصدمه السيارة، هل كانت رجله ستنكسر؟ نعم كانت ستنكسر بإرادة الله وفي نفس الوقت.
كذلك لو أن الولد مات في حادث سيارة لو أن السيارة لم تصدمه هل كان سيموت أم لا؟ نعم، كان سيموت بقدر الله.
وعلى سبيل المثال: لو أن هناك رجلاً جالساً في المطار ومنتظراً ميعاد الطائرة، وهو رجل أعمال، وأخرج الشنطة ليتفقد بعض الأشياء، فاندمج في حساباته وإذا بالطائرة تطير فغضب وحزن؛ لأنه كان عنده اجتماع في روما أو في أي مكان، فمكث قليلاً مشغولاً، حتى دخل المطار وجلس بداخله وأكمل إجراءاته والطائرة فاتته، وقدر الله لهذه الطائرة أن سقطت عندما فارقت المطار بقليل ومات من فيها، وذلك الرجل مازال جالساً، فأتى شخص آخر يهزه فإذا به وجده قد مات، فقد قدر أن يموت معهم في نفس الوقت ولكن ليس في الطائرة، فعندما يأخذونه وهو ميت يقولون: الحمد لله أننا وجدنا جثته، اللهم الطف بنا فيما جرت به المقادير.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن رزق الله لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهة كاره] عندما يريد شخص أن يجلب لك مصلحة أو مناقصة، وأنت تكره ذلك ولا تريده، فوالله لو كان ذلك من نصيبك فإن الدنيا كلها لو وقفت ضدك لا تستطيع أبداً أن تمنع شيئاً قد كتبه الله لك.
قال: [وإن الله بقسطه] يعني: بعدله، وحلمه.
[جعل الروح والفرح في اليقين والرضا].
والروح: الراحة.
[وجعل الهم والحزن في الشك والسخط].
قال: [ما دمت في صلاة فأنت تقرع باب الملك، ومن يقرع باب الملك يفتح له].
قال: [إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها]؛ لأن الذنوب تنسي العلم وتضيع النعم.
قال: [كونوا ينابيع العلم مصابيح الهدى أحلاس البيوت سرج الليل جدد القلوب] يعني: قلوبكم جديدة بالإيمان باستمرار.
قال: [خلقان الثياب، تعرفون في السماء وتخفون على أهل الأرض.
إن للقلوب شهوة وإدباراً فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها ودعوها عند فترتها وإدبارها].
عندما تلقى قلبك مقبلاً على الطاعة فأكثر من الطاعات، وعندما تلقى القلوب كلت وملت وتعبت ولا تريد فاتركها.
قال: [إنكم ترون الكافر من أصح الناس جسماً وأمرضه قلباً، وتلقون المؤمن من أصح الناس قلباً وأمرضه جسماً، وأيم الله -يعني: والله- لو مرضت قلوبكم وصحت أجسامكم لكنتم أهون على الله من الجعلان] والجعلان: جمع جعل، أي: دويبة.
стр. 121
حقيقة الإيمان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يحل بذروته ولا يحل بذروته -يعني: أعلى شيء في الإيمان- حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى، والتواضع أحب إليه من الشرف، وحتى يكون حامده وذامه عنده سواء] يعني: الذي يشكرك والذي يشتمك يستويان عندك، إذاً: أنت بلغت ذروة الإيمان، ونحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه، إن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها وكراهية من أساء إليها.
قال ابن مسعود: لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلباً.
قال عطاء بن أبي رباح: انظر إلى المرآة كل يوم وأخشى أن يسود وجهي من ذنوبي.
وقد عاش عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب خمسين سنة من البيت إلى المسجد، ولم يريا قفا مصلٍ طوال خمسين سنة.
قال: [وما منكم إلا ضيف وماله عارية -عارية يعني: أمانة- والضيف مرتحل والعارية مؤداة إلى أهلها، يكون في آخر الزمان أقوام أفضل أعمالهم التلاوم].
أي: أحسن شيء عندهم أنهم يلوم بعضهم بعضاً.
وقد سماهم ابن مسعود الأنتان.
قال: [إذا أحب الرجل أن ينصف من نفسه، فليؤت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه].
أي: أريد أن آخذ من معاملة الناس لي المعاملة التي أحب أن يعاملوني بها.
قال: [من استطاع منكم أن يجعل كنزه في السماء حيث لا يأكله السوس ولا يناله السراق فليفعل، فإن قلب الرجل مع كنزه].
قال: [لا يكن أحدكم إمعة، قيل: وما الإمعة؟ قال: يقول: أنا مع الناس إذا اهتدوا اهتديت وإن ضلوا ضللت، ألا ليوطنن أحدكم نفسه على أنه إن كفر الناس لا يكفر.
اعبد الله لا تشرك به شيئاً وزل مع القرآن حيث زال، ومن جاءك بالحق فاقبل منه وإن كان بعيداً بغيضاً، ومن جاءك بالباطل فاردد عليه وإن كان حبيباً قريباً].
يعني: لو جاءني الحق من عدو أقبله، والباطل إن جاءني من حبيبي أرده؛ لأنه لا داعي له انتهى كلام ابن مسعود ﵁.
стр. 122
ذكر ما جاء في التوبة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الجنيد: دخلت على شاب فسألني عن التوبة فأجبته، فسألني عن حقيقتها، فقلت: أن تنصب ذنبك بين عينيك حتى يأتيك الموت فقال لي: مه -أي: اسكت- ما هكذا حقيقة التوبة، قلت: فما حقيقة التوبة عندك يا فتى؟! قال: أن تنسى ذنبك، وتركني ومضى، فقلت: القول ما قال الفتى، قال: كيف؟ قلت: إذا كنت معه في حال، ثم نقلني من حال الجفاء إلى حال الوفاء، فذكري للجفاء في حال الوفاء جفاء].
فأنا عندما أكون مع الله في حالة من المعصية فهي حالة جفاء، أي: بيني وبين الله جفاء وبعد، فلما أتوب وأطيع فإن هذه حالة من حالات الوفاء، فهو يخبر أنه لما كان في حالة الجفاء نقله إلى حالة الوفاء، فذكر الجفاء في حالة الوفاء جفاء، يعني: ما دام تائباً فلا يذكر الذنب؛ لأنه عندما يتوب توبة صادقة يمحو الله الذنب فلا تشهد عليك الأرض ولا الجوارح ولا السماء ولا الليل ولا النهار ولا الشمس ولا القمر؛ لأنه لا يوجد ذنب، اللهم تب علينا توبة خالصة نصوحاً يا أكرم الأكرمين! واجعلنا من التائبين، إن ربنا على ما يشاء قدير.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 123
سلسلة شرح كتاب الفوائد [١٤]
لا قبول للعمل إلا بالإخلاص، وعلامة الإخلاص أن يستوي عندك المدح والذم، وإذا انتفى الإخلاص حبط الأجر، وجاء الشرك الذي يبنى على أربعة أركان، وهي الكبر والحسد والشهوة والغضب، والتي منشؤها من الجهل بالله وبحقيقة النفس.
стр. 124
ذكر ما جاء في الإخلاص ومحبة المدح والطمع فيما عند الناس
الحمد لله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: ندعو الله أن يجعل جمعنا هذا برحمته جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً.
اللهم لا تجعل بيننا شقياً ولا محروماً، فك اللهم الكرب عن المكروبين، اللهم فك الكرب عن المكروبين، اللهم فك الكرب عن المكروبين.
واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم أمواتنا وأموات المسلمين، وإن أردت بعبادتك فتنة فاقبضنا إليك معافين غير فاتنين ولا مفتونين، وغير خزايا ولا ندامى ولا مبدلين.
اللهم لا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة وفي هذا الشهر العظيم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا قصمته، ولا صاحب حاجة إلا قضيتها له، ولا ضالاً إلا هديته ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا غانماً سالماً لأهله رددته.
اللهم اطرد عن بيوتنا شياطين الإنس والجن، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، كن لنا ولا تكن علينا، ثقل بهذه المجالس موازيننا يوم القيامة.
اللهم ثقل بها موازيننا يوم القيامة، اللهم اجعلها خالصةً لوجهك الكريم، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، اجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: ما زلنا مع ابن قيم الجوزية ﵀ في كتابه العظيم الفوائد، فاللهم اجعله لنا فوائد في الدنيا والآخرة يا أكرم الأكرمين! يقول ابن القيم ﵀: [لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة النفس والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت].
إن ابن القيم يجمع بين المتضادات، والمتضادات لا تجتمع أبداً، فهو يريد أن يقول: إنك لا تجمع الماء مع النار، ولا تجمع الضب مع الحوت، ولا تجمع الأسود مع الأبيض، كذلك لا تستطيع أن تجمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء، يعني: إن أحببت أن يمدحك الناس ويثنوا عليك فأنت لست مؤمناً.
إذاً: هذه علامة جديدة من علامات المخلص، فالإنسان المخلص سواء مدحه الناس أو لم يمدحوه فإنه لا يتغير، وإنما هو مجبول على الإخلاص لله .
وإخلاص العبد فيه ثلاث صفات: أن العبد لا يطلع عليه فيعجب به، ولا الشيطان يطلع على إخلاص العبد فيفسده ولا الملك المقرب يكتبه، إنما المطلع الوحيد على إخلاص العبد هو الله.
فـ ابن قيم الجوزية يضيف علامة جديدة من علامات إخلاص القلب لله ، أن الإنسان وهو يعمل لله لا يريد ثناءٍ من العبد ولا مدحاً، بل بالعكس يحب عدم المدح أكثر من المدح؛ ولذلك قال الحبيب ﷺ : (إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب)، وكان سيدنا أبو بكر إذا مدحه أحدهم يقول: اللهم اغفر لي ما لا يعلمون واجعلني خيراً مما يظنون، يعني: هناك أشياء لا يعرفها الناس عنه، ولذلك من كرم الله أن جعل الستر، ومن كرمه سبحانه أن العبد الذي يستره الله في الدنيا لم يفضحه يوم القيامة وهذا من ستر الله أيضاً، وهذا دليل على أن الله سيكرم العبد؛ لأنه إن ستره في الدنيا فلن يفضحه على رءوس الأشهاد يوم القيامة، اللهم يا من سترت في الدنيا! لا تفضحنا على رءوس الأشهاد يوم القيامة آمين يا رب العالمين! هكذا كان يدعو أبو بكر في صلاته، فإن فضيحة الآخرة مسألة لا علاج لها، نسأل الله السلامة، ونسأل الله أن يسترنا وإياكم دنيا وأخرى، وأن يجعل كل أعمالنا مستورة عنده عيبها وشرها وانحرافها، إنه سبحانه على ما يشاء قدير.
وقد صلى الصحابة على رسول الله ﷺ حين مات زرافات ووحداناً، يعني: جماعات وفرادى، وقال رسول الله ﷺ : (لا تطروني)، يعني: لا تمدحوني، وقد كان بعض الصالحين إذا مُدح يقول: اللهم أنت أعلم مني بنفسي فاغفر لي ما لا يعلمون واجعلني خيراً مما يظنون، وأخذوا هذا الدعاء من أبي بكر رضوان الله عليه.
ولذلك يقول الله : يا ابن آدم إذا أصبتك بمصيبة شكوتني إلى عوادك وزوارك، وكم من عمل قبيح منك يصعد إلي في الليل والنهار فلا أشكوك إلى ملائكتي.
فالله يعاملنا بهذا اللطف ونحن نتعامل معه بهذا الأسلوب، هو لا يشكونا إلى ملائكته، قال أحد الصالحين: ابن آدم لو سمعت وصفك من غيرك لاحتقرت الموصوف وأنت لا تعرف أنه أنت، أي: لو أن شخصاً وصف لك نفسك لقلت: إن هذا سيئ، قال سبحانه: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ [المعارج:٣٨]، وطلب الجنة بلا عمل إثم من الآثام، قال أنس بن مالك ﵁: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، فالإيمان تصديق بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان.
إذاً: لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة النفس والثناء والطمع فيما عند الناس، فالإنسان إذا كان يطمع فيما عند الناس، فليس عنده إخلاص، فإنه لو كان عنده إخلاص لا يطمع إلا فيما عند الله، فإذا طمع الإنسان فيما عند الله، فقد طمع في الخير كله، ومادام ربنا بيده خزائن ومفاتيح السماوات والأرض، فاللهم افتح لنا أبواب رحمتك يا أكرم الأكرمين! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولاً فاذبحه بسكين اليأس].
بدأ ابن القيم أسلوبه بهذه الطريقة، يقول: أتريد أن تكون مخلصاً مقدماً على الإخلاص؟ اذبح الطمع الذي يعتريك بسكين اليأس من الناس والأمل في الله.
ومادام أنني يئست من الناس فإن أملي يكون في الله فقط.
قال: [فأقبل على الطمع أولاً فاذبحه بسكين اليأس وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة].
دخل رجل على هارون الرشيد ﵀، فرأى القصور والجواري، وكانت ثياب هذا الرجل ليست مناسبة للمقام، فقال هارون الرشيد: إنك لرجل زاهد، قال الرجل: يا أمير المؤمنين! أنت أزهد مني، قال: كيف ذلك؟ قال: أنا زهدت في دنيا فانية، وأنت زهدت في آخرة باقية! وللأسف الشديد نجد أن تاريخ المسلمين كتبه علماء الغرب المستشرقون الذين يكنون للإسلام كل شر، فصوروا لنا هارون الرشيد أنه لا يسمع إلى العلماء، مع أنه كان مجلسه مجلس علم وفقه وأدب وقد دخل عليه هذا وقال له أمير المؤمنين ما قال، ورد الرجل على أمير المؤمنين ولم يغضب أمير المؤمنين، لكن لو أن واحداً من زماننا هذا قال لرئيس دولة ذلك فلا ندري ما الذي سيحصل لهذا المسكين؟! فذاك يقول: أنا ابن رجل من القريتين عظيم، والثاني: يقول: أنا ابن أمير المؤمنين، لكن لسان حال هذا المسكين يقول: أما أنا فابن من أمر الله الملائكة أن تسجد له.
قال الشاعر: ومما زادني فخراً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن أرسلت أحمد لي نبياً يعني: يا رب أنا من ضمن عبادك، وأرسلت أحمد لي نبياً، وأنا أتبعه ﷺ .
стр. 125
الأشياء التي تجعل عاشق الدنيا يزهد في الآخرة
فإن قيل: ما الذي يجعل عاشق الدنيا يزهد في الآخرة؟
الجواب
عاشق الدنيا والعياذ بالله يشرب خمراً، فأنت أيها المسلم! إن حرمت على نفسك الخمر فإن الله يرزقك في الآخرة بخمر لا يسكر العقول، لكن عاشق الدنيا يقول: يا فلان! عصفور في اليد ولا عشرة على الشجرة، واليوم هو اليوم وغداً يموت.
فإن قلت له: إنك يا أخي! إن لم تصل الآن فستصلي في جهنم؟ فإنه يقول: يا فلان! لا تشددوا علينا، وهكذا.
فإذا كنت تريد أيها المؤمن أن تكون مخلصاً فازهد في المدح والثناء زهد عشاق الدنيا في الآخرة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص، فإن قلت: وما الذي يسهل علي ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؟ قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقيناً أنه ليس من شيء يطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره، ولا يؤتي العبد منها شيئاً سواه].
يعني: الشيء الذي أزهد فيه يؤثر عند الناس، أي: أطمع فيما في يد الله ؛ لأن الذي في يد الناس قد يزول، ولكن ما عند الله لا يزول.
فقد تقول: عنده أولاد وليس عندي أولاد، وعنده أموال وليس عندي شيء، وعنده خير وليس عندي خير، وهذا لا ينبغي، إذ إن الحسد لا يكون إلا في اثنتين: مسألة العلم وهو يعلم في ابتغاء وجه الله، ومسألة المال ينفقه في سبيل الله، فتقول: أريد أن أكون مثل فلان كي أنفق مثله، وبذلك لا يحسد مسلم مسلماً أبداً، وإنما يغبطه أي: يتمنى أن يكون عنده ما عند صاحبه ولا يتمنى زواله منه.
والذي يسهل عليك الذبح علمك يقيناً أنه ليس من شيء يطمع فيه، إلا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره ولا يؤتي العبد منها شيئاً سواه.
قال: [أما الزهد في الثناء والمدح فيسهله علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين، ويضر ذمه ويشين إلا الله وحده].
يعني: أنا حريص على ثناء الناس وأفرح إذا أثنوا علي، وأغضب عندما يشتمني الناس ويذمونني وأحزن، وهذا خطأ، إذ الذي يفرحك مدح الله لك وثناؤه عليك، والذي يحزنك ذم الله لك، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠]، فعندما يثني الله على العبد فهذا هو حرصه عليه، وعندما يذم الله العبد والعياذ بالله فهذه هي المسألة التي لابد أن نكون منها في خوف ووجل، ويريد ابن القيم أن يقول: إن المسلم بمدح الله له وذم الله له، فإن عمل خيراً يمدحه الله ويقول: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل، وإن عمل شراً يقول: يا جبريل! إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم توضع له البغضاء في الأرض.
مثلاً ليس كل مصل بمصل، قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رءوسهم شبراً: عاق لوالديه، ومدمن الخمر، والديوث)، فهذه المسائل كلها في ذم الله، فالله يمدح المؤمن المستقيم على الطريق ويذم الفاسق المنحرف عن الطريق.
وقد يمدح الناس إنساناً يكون من أهل النار، صحيح أن الرسول ﷺ يقول: (ألسنة الخلق أعلام الحق)، ويقول: (أنتم شهداء الله في الأرض)، لكن الذي يشهد له بشهادة الله ظاهره قول النبي ﷺ : (ربما يعمل أحدكم بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس ستين سنة، ثم لا يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيكون من أهلها فيدخلها، وربما يعمل أحدكم بعمل أهل النار ستين سنة فيما يبدو للناس، ثم لا يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيكون من أهلها فيدخلها).
إذاً: نحن لنا ظواهر الأمور فقط.
قال الأعرابي للنبي ﷺ : (إن مدحي زين وذمي شين)، أي: لو مدحتك سأزينك، ولو ذموتك سأشينك -يعني: أقلل من مقامك- فقال: (ذاك هو الله يعني: المدح الذي يزينني والذم الذي يشينني هو الله، فالناس لا يهم مدحهم ولا ذمهم، إذ إن المهم هو النصر للمؤمن في الأخير في دار الحق إن شاء الله رب العالمين.
إذاً: فازهد في الدنيا، وازهد عندما يقول الناس جميعاً شعوباً وحكاماً: المحجبات والمنقبات وأصحاب اللحى والمساجد هم الذين أودوا بالبلاد في الدواهي، أليس هكذا يقولون؟ بلى، هم يقولون ذلك، حتى أوقعوا في عرف الناس أنهم إذا رأوا في الطريق ملتحياً أو منقبة أو مخمرة أو امرأة محجبة ذاهبة إلى المسجد مباشرة يقولون: هذا تطرف، متطرفة متشددة، ليس هكذا الدين، الدين يسر وليس عسراً.
فإذاًَ: ذم الناس لك على حضورك مجلس العلم أو الاستهزاء بالمحجبة لا يشين بالمسلم ولا بالمسلمة، إنما الذي يشينك ذم الله لك، قال الشاعر: إذا رضيت عني كرام عشيرتي فلا زال غضباناً علي لئامها وإن رضيت عني لئام عشيرتي فلا زال غضباناً علي كرامها يذكر أن صحفياً نصرانياً مشهوراً بنصرته للنصارى كان يذم أحد العلماء قبل أسبوعين في الجرائد، وهذا يدل على أن الرجل سيئ والعياذ بالله، فالمسلم يهمه مدح الله أو ذمه، اللهم اجعلنا من الذين مدحتهم بأعمالهم يا رب العالمين! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فازهد في مدح من لا يزينك مدحه وفي ذم من لا يشينك ذمه، وارغب في مدح من كل الزين في مدحه، وكل الشين في ذمه، ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد السفر في البحر في غير مركب قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠]].
أي: في نصره ومؤازرته؛ لأنه يدافع عن الذين آمنوا.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، فهؤلاء لديهم صبر ويقين، إذاً: الذي ليس عنده يقين ليس عنده صبر، والذي عنده صبر عنده يقين.
يقول أبو بكر ﵁: الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله.
ويقول الإمام علي ﵁: لو كشف عني الحجاب لما ازددت من الله قرباً.
وقيل لـ أبي بكر ﵁: إن صاحبك يزعم أنه ذهب إلى المسجد الأقصى وصعد إلى السماء السابعة، فقال لهم: إن قال ذلك فقد صدق، فقال أبو جهل: إن كنت صادقاً فصفه لنا يا محمد! ولو أن شخصاً ذهب بالليل عشر دقائق ودخل جامعاً كبيراً مثل هذا وليس فيه أنوار ماذا سيصف؟! فنقل جبريل المسجد الأقصى على كتفه أمامه، وأخذ الرسول ﷺ يصف المسجد الأقصى، فسمي أبو بكر يومها بـ الصديق؛ لأنه يصدقه في مسألة غيبية.
يروى أن خزيمة بن ثابت الأنصاري وجد يهودياً واقفاً يقول: يا محمد! أعطني ديني، والنبي ﷺ يقول: لقد قضيتك دينك، فقال اليهودي: لم تقضني ديني، فقال خزيمة ﵁: لقد أخذت دينك أيها اليهودي، فقال رسول الله ﷺ : أرأيتني وأنا أعطيه يا خزيمة! دينه البارحة؟ قال: لا، لقد كنت مسافراً منذ ثلاثة أيام يا رسول الله! ما حللت المدينة إلا الساعة، قال: فلم تشهد على شيء لم تره؟! قال: عجباً يا رسول الله! أأصدقك في خبر السماء وأكذبك في دين يهودي؟! فقال النبي ﷺ : من شهد له خزيمة فهو حسبه.
стр. 126
أركان الكفر
إن أركان الكفر -والعياذ بالله- أربعة، لكن الناس يظنون أن ما بينهم وبين الكفر مثلما بين الشرق الأقصى والمغرب العربي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أركان الكفر أربعة: الكبر والحسد والغضب والشهوة].
стр. 127
مفاسد الكبر
قال: [فالكبر يمنعه الانقياد] أي: الانقياد للحق وللكتاب والسنة، فقد ثبت أن النبي ﷺ قال لرجل يأكل بشماله: (كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت ما منعه إلا الكبر، قال: فما استطاع أن يرفعها بعد ذلك)، وسبب امتناعه وضحه رسول الله ﷺ قال: (ما منعه إلا الكبر)، يعني: الكبر هو الذي جعله يمتنع أو يرفض أن يأكل بيمينه، فالكبر يمنعه من الانقياد.
جاء شخص إلى أناس يحضرون محاضرتي لهم يوم الأربعاء فقال: من الذي يحاضركم كل يوم أربعاء؟ فقالوا له: شيخ اسمه فلان.
فلما دخلت نظر إلي هذا الشخص، واستمع للمحاضرة، وإذا به بفضل الله أصبح صديقاً لي والحمد لله، وأصبح يزورني، فحكا لي كيف أحبني فقال: في الحقيقة أنا جلست أولاً هكذا -يعني: لا تغضب مني- وضعت رجلاً على رجل، فلما وجدت الكلام جيداً ابتدأت أنزل رجلي، ثم بدأت أجتمع معك، ثم بدأت أعدل ظهري، ثم بدأت أجري وراءك في كل منطقة.
قلت: وذلك بسبب التواضع، فقد كان رسول الله ﷺ متواضعاً، ومن تواضعه أنه كان يجعل الصحابة يمشون أمامه ويقول: (خلوا ظهري لملائكة ربي)، وقال ﷺ : (لا تسبقوني في ركوع ولا سجود، قالوا: أوترانا يا رسول الله؟! قال: أتظنون أن قبلتي بين عيني، إني أراكم من وراء ظهري كما أراكم من أمامي).
وثبت أن النبي ﷺ نبأ السيدة عائشة ﵂ بما قالت، فقالت عائشة ﵂: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ [التحريم:٣].
وكان رسول الله ﷺ يدير غزوة مؤتة وهو جالس في المدينة ويقول: قتل زيد رفع الراية جعفر قتل جعفر، رفع الراية عبد الله بن رواحة، وقد وقعت هذه الغزوة في شمال فلسطين، والنبي ﷺ جالس في المدينة يترجم الأحداث.
إذاً: الكبر يمنع العبد من الانقياد، فـ أبو جهل -والعياذ بالله- قال: تسابقنا نحن وبنو عبد مناف، فقالوا: لنا السقاية ولنا السدانة، وقلنا: لنا الراية والجيش في الحرب، فقالوا: منا نبي فأنى ندرك هذا الشرف؟ والله لا نؤمن به أبداً، فما منعه من الإيمان إلا الكبر، قال الله : ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص:٥٧]، فهم يعرفون أن الرسول على هدى، لكن الذي منعهم من الإيمان به هو الكبر.
كان النبي ﷺ جالساً بجانب عمه أبي طالب وهو يموت، وكان يقول له: (قل يا عماه! لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله)، وكان عمه أبو طالب إذا نظر إلى أخيه أبي لهب قال له أبو لهب: يا رجل لا تفتضح أمام العرب بعد أن تموت، فإنهم سيقولون: الرجل غير دينه عند موته، وكان إذا نظر إلى الرسول ﷺ قال له رسول الله ﷺ : (يا عماه! قلها).
ويروى أن العباس قال للنبي ﷺ : يا ابن أخي! ألم تشفع لعمك عند ربك؟ قال: (لقد شفعت يا عماه! قال: وماذا أعطاه؟ قال: يوضع في ضحضاح من النار يلبس أبو طالب نعلين من نار يغلي منهما دماغه) وهذا أخف عذاب في النار والعياذ بالله.
стр. 128
مفاسد الحسد والغضب
قال المؤلف ﵀: [والحسد يمنعه قبول النصيحة وبذلها].
أي: أن الإنسان الحسود لا يقبل نصيحة؛ لأنه حسود يكره أن يأخذ نصيحة من غيره، ومن الحسد أن تكون عنده معلومة ولا يريد أن يقولها، وهذا ألعن أنواع الحسد.
قال: [والغضب يمنعه العدل].
جاء رجل متهم أمام شريح القاضي أتى بدليل البراءة يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩]، قال: هذا في الآخرة، قال له: نعم، في الآخرة سوف يؤتى بحسناتي وسيئاتي، أما أنتم فلن تأتوا إلا بسيئاتي فقط! يعني: أنتم في الجلسة لا تذكرون إلا عيوبي.
كذلك البنت عندما تحكي لأمها عيوب زوجها فإنها لا تأتي بمحاسنه، بل تقول عنه: كل يوم يأتي بأصحابه إلى البيت فقط، فإن سألتها أمها: هل يصلي؟ أليس له حسنات أخرى؟ تقول: لا، فهي لا تذكر حسنات زوجها؛ لأنها في حالة غضب، أما لو كانت الزوجة في حالة من حالات الرضا، أو الزوج في حالة من حالات الرضا، أيعدل أم لا؟ فالعدل يأتي من السكن النفسي والسلام الداخلي، والغضب يمنع الإنسان من العدل، وأسوأ شيء يصاب به ابن آدم أن يكون سريع الغضب؛ لأنه عندما يغضب ابن آدم فإنه يكون في يد الشيطان مثل الكرة في يد الصبي يقلبها كيف يشاء.
ويعطينا النبي ﷺ العلاج لذلك، فيقول: (اذهب وتوضأ؛ لأن الغضب من الشيطان والشيطان من النار ولا تطفأ النار إلا بالماء) ومن غضب وهو واقف يجلس، فالغضبان لابد أن يغير حاله كما أرشدنا النبي ﷺ وهي مسألة طبية بحتة، والشيطان له مداخله، ويحب دائماً أن يفرق بين أهل الحق.
دخل رجل على أبي بكر ﵁ وشتمه، فسكت أبو بكر، فشتمه الرجل ثانية فسكت أبو بكر، وفي الثالثة رد أبو بكر ﵁ وشتمه؛ فقال النبي ﷺ : (يا أبا بكر! وكل الله ملكاً يرد عليه بدلاً منك، فلما بدأت أن ترد ذهب الملك وجاء شيطان وأنا لا أجلس في مجلس فيه شيطان).
فالشيطان يدخل في كل بيت، فقد دخل بيت النبي يعقوب ﵇، وجعل إخوة يوسف يأخذون أخاهم ويرمونه في البئر، ومستحيل أن ولداً صغيراً عمره اثنتا عشرة سنة يخرج من البئر لكن الله أخرجه.
يحكى أن امرأة رفعت شكوى إلى شريح القاضي، وأخذت تبكي وتقول: زوجي ظالم يظلمني، فقال رجل لـ شريح: يا أيها القاضي! أجبها، إنها تبكي، قال: اسكت لقد جاء إخوة يوسف أباهم عشاءً يبكون.
ويحكى أن رجلاً قصيراً دخل على كسرى فقال: أيها الملك! ظلمني أخي، فسكت كسرى، فأعاد الرجل قوله فسكت كسرى، فقال وزير كسرى: أيها الملك! إنه مظلوم، قال: لا، هذا قصير لا يُظلم، فتبسم الرجل وقال: ظلمني من هو أقصر مني، فالغضب يمنع العدل، ومادام الإنسان غاضباً لا يعدل.
стр. 129
مفاسد الشهوة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والشهوة تمنع التفرغ للعبادة].
عنده شهوة ويشاهد التلفاز باستمرار حتى يأتي الليل وهو على ذلك، ومن الناس من عنده شهوة الجلوس مع الأصحاب فتراه لا يجلس في بيته، ومنهم من عنده شهوة لجمع المال ولا يفرغ للصلاة ودروس العلم، ومنهم من عنده شهوة اللعب والمباريات، قال رسول الله ﷺ : (لن يكمل إيمان أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) فلابد أن يكون هوى الإنسان مع هوى رسول الله ﷺ .
стр. 130
هدم الكبر والحسد والغضب والشهوة
فهدم الكبر يسهل الانقياد، فلو انهدم ركن الكبر يحصل الانقياد، فعندما ينصحه ناصح ينتصح ويسمع له، وهدم ركن الحسد يسهل عليه قبول النصح، والحسد له علاج، وقد قسمنا الحاسد إلى نوعين: حاسد يحسد وهو لا يعرف أنه يحسد، وحاسد يحسد وهو يعرف أنه يحسد، وكلا الصفتين شؤم، فهناك أناس يحسدون وهم لا يعلمون أنهم يحسدون، فالحاسد الذي يحسد وهو لا يعرف أنه يحسد، علاجه: أن المحسود إذا قرأ المعوذتين وقاه الله من شر الحسود.
أما الثاني: الذي يحسد وهو يعلم أنه حسود فخطره أعظم؛ ولذلك قالوا: ما يحسد المال إلا أصحابه.
يحكى أن رجلاً زار أمه فوجد المربية في السطح لديها قطيع من الأرانب البيضاء الضخمة، فقال: يا أولاد كل هذه الأرانب عندكم! وهو يأكل منها، وتحلف المرأة أنه مجرد ما أن نزل من السطح إذا بالأرانب تقفز في الهواء وتسقط ميتة.
وجاءني رجل فقال: لقد وصل بي الأمر إلى أن أحسد أولادي، فقلت له: وكيف ذلك؟! قال: جاء الولد بالشهادة وكان الأول، فقلت له: هل تستحق أن تكون الأول؟ قال: والله يا أبتي! أنني ذاكرت واجتهدت، قال: فأحسست أنني حسدت الولد، فجاء الولد بعد شهرين راسباً، فقلت: ما الذي حصل يا بني! قال: والله يا أبتي! هناك شخص قد حسدني، وهكذا أنطقه الله سبحانه.
وكان هناك من العرب من يؤتى به من أجل أن يحسد والعياذ بالله، فثبت في كتب العرب أن هناك شخصاً مهنته الحسد، فقال له شخص: أعطيك عشرة دنانير وتحسد لي ناقة فلان، فقال: نعم، فقط أشر إليها، فقال له: ها هي مع صاحبها، قال له: أين؟ قال: هناك تحت تلك الشجرة، فقال الحاسد: أتستطيع أن تنظر إلى الشجرة؟ ففقد الرجل بصره مباشرة.
فعلاج هذا النوع من الحسد: أن الحاسد إذا نظر إلى شيء يقول: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله.
إذاً: الحسد إذا انهدم ركنه سهل عليه قبول النصح وبذله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا انهدم ركن الغضب سهل عليه العدل والتواضع].
ولا يبقى ظالم؛ لأن ركن الغضب ليس موجوداً.
قال: [وإذا انهدم ركن الشهوة سهل عليه الصبر والعفاف والعبادة]؛ لأن الذي يضيع الناس هي الشهوات، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران:١٤].
قال: [وزوال الجبال عن أماكنها أيسر من زوال هذه الأربعة] يعني: ليست سهلة، فالمتكبر كيف يكون متواضعاً؟ وسريع الغضب كيف يكون هادئاً؟ والحسود كيف يكون مؤمناً وقانعاً؟ والذي عنده شهوات كيف يزيل الشهوات؟ قال: [ولاسيما إذا صارت هيئات راسخة وملكات وصفات ثابتة].
أي: صفة هذا الرجل الكبر وصفة هذا الحسد، وصفة هذا الغضب وصفة هذا الشهوة والعياذ بالله.
قال: [فلا تزكو نفسه مع قيامه بها، وكلما اجتهد في العمل أفسدته عليه هذه الأربعة، طبعاً، وكل الآفات متولدة منها].
стр. 131
منشأ الكبر والحسد والغضب والشهوة وعلاجها
قال المؤلف ﵀: [ومنشأ هذه الأربعة] أي: من أين أتت هذه الأربعة وما هو المنبع؟ قال: [من جهله بربه وجهله بنفسه.
فإنه لو عرف ربه بصفات الكمال ونعوت الجلال وعرف نفسه بالنقائص والآفات لم يتكبر]؛ فهذه صفة من صفات الله، فلا يحق للمخلوق أن يتمثل هذه الصفة.
قال: [فإنه إن عرف ربه بصفات الكمال لم يتكبر ولم يغضب لها، ولم يحسد أحداً على ما آتاه الله، فإن الحسد في الحقيقة نوع من معاداة الله، فإنه يكره نعمة الله على عباده وقد أحبها الله].
وكأن هذا الحاسد يقول: يا رب! إنك لا تقسم بالعدل!! وقد يقول شخص: فلان هذا عورة، وفلانة هذه أنفها كبيرة وكأنه يريد أن يقول: يا رب! إنك لا تستطيع أن تخلق والعياذ بالله، فالمسلم يجب أن يعلم أن الحسد نوع من معاداة الله .
قال: [فإنه يكره نعمة الله على عبده، وقد أحبها الله ويحب هو زوالها عنه، والله يكره ذلك].
أي: أن الله يريد أن يتم نعمته على هذا المسلم، وأنت تريد أن تزول هذه النعمة.
إذاً: أنت تكره ما يحبه الله وتحب ما يكره الله.
يحكى أن امرأة كانت مسيحية متزوجة بمسلم، فطلقها المسلم وقد أنجبت له ولداً، ثم تزوجت برجل مسيحي، فصمم المسيحي ألا ينجب منها حتى لا يكون ابنه أخاً لمسلم من أم.
فانظر إلى أي مدىً وصل هذا الحسد؟! وانظر إلى التفكير الخبيث الجهنمي، يخاف أن يكون المسلم أخاً لابنه.
قال: [والله يكره ذلك، فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهته، ولذلك كان إبليس عدوه حقيقة؛ لأن ذنبه كان عن كبر وحسد].
تكبر ولم يرض أن يسجد، وحسد آدم وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء:٦١] أي: أأسجد لمن هو أقل مني؟ قال: [فقلع هاتين الصفتين بمعرفة الله وتوحيده، والرضا به وعنه والإنابة إليه، وقلع الغضب بمعرفة النفس وأنها لا تستحق أن يغضب لها وينتقم لها].
فالشخص الذي يعرف نفسه يقول: إن هذه النفس لا تستحق أن يغضب لها.
يحكى أن شخصاً من الصالحين كان يمشي، فرمى عليه مجموعة من الناس رماداً حاراً، فنفض هكذا وتلثم، وقال: من استحق النار وصولح على الرماد فلابد أن يحمد الله على ذلك، أي: أن ابن آدم يستحق أن يحرق في النار، فلما أن أصيب بالرماد فقط، حمد الله على ذلك.
قال: [فإن ذلك إيثار لها بالرضا والغضب على خالقها وفاطرها، وأعظم ما تدفع به هذه الآفة أن يعودها أن تغضب لله وترضى لله].
عندما يسمع المسلم شخصاً يسب الدين فإنه يغضب لأنه يجد حرمة من حرمات الله تنتهك، ويغضب عندما يجد طالبة جامعية خارجة وهي تلبس البنطال، ويغضب عندما يرى شيئاً خطأً، ويغضب عندما يجد انحرافاً، ويغضب عندما يجد الناس يتعاملون بالربا، ويغضب عندما يجد الناس لا يتقون الله ، فكل هذا غضب لله ، فهذا الغضب لو تعودت عليه فإنه الغضب الذي يؤجر الإنسان عليه أجراً عظيماً.
قال: [فكلما دخل النفس شيء من الغضب والرضا له خرج منه مقابلها من الغضب والرضا لها].
يعني: كلما ملأ العبد نفسه بالرضا والغضب لله خرج منها الرضا والغضب للناس، وهكذا تستقيم الأمور.
قال: [أما الشهوة فدواؤها صحة العلم والمعرفة].
تنقهر الشهوات من كثرة العلم ومجالس العلم، فالعبد بالعلم يعود نفسه على الاستقامة والطاعة والتوكل، ويعود نفسه على الثقة واليقين بالله .
قال: [بأن إعطاءها شهواتها أعظم أسباب حرمانها إياها ومنعها منها، وحميتها أعظم أسباب اتصالها إليها، فكلما فتحت عليها باب الشهوات كنت ساعياً في حرمانها إياها، وكلما أغلقت عنها ذلك الباب كنت ساعياً في إيصالها إلى الله على أكمل الوجوه].
إن الشهوات مع العبد كالشارب من البحر لا يزيده الشرب إلا عطشاً.
قال: [فالغضب مثل السبع، إذا أفلته صاحبه بدأ بأكله].
عندما يغضب الإنسان ولا يمسك غضبه تضيع روحه فيسيطر عليه الغضب ولا يستطيع أن يتحكم في نفسه.
قال: [والشهوة مثل النار، إذا أضرمها صاحبها بدأت بإحراقه، والكبر بمنزلة منازعة الملك ملكه، فإن لم يهلكك طردك عنه].
كأن يقول شخص لرئيس الوزراء أنت لست جديراً بهذا المنصب، أنا أريد أن أكون مكانك، فإما أن يقتله حرسه، وإما أن يطرده، كذلك عندما تكون متكبراً فإنك تنازع الله في ملكه، والعياذ بالله.
قال: [والحسد بمنزلة معاداة من هو أقدر منك، والذي يغلب شهوته وغضبه يفرق الشيطان من ظله، ومن تغلبه شهوته وغضبه يفرق من خياله].
إن عمر بن الخطاب ممن يغلب شهوته وغضبه فيفرق الشيطان من ظله، قال رسول الله ﷺ : (يا عمر! ما رآك الشيطان سالكاً طريقاً إلا وسلك طريقاً آخر)، فالشيطان إذا رأى عمر سلك طريقاً آخر؛ لأن عمر ﵁ قهر النفس، فقد كان عمر ﵁ يمشي فأخذ حزمة من حطب ووضعها على كتفه، فقال له ابنه: ما هذا يا أمير المؤمنين؟! قال: أرادت نفس أبيك أن تستشرف فأراد أبوك أن يذلها ويضعها لله.
يفعل ذلك حتى لا يدخل فيها العجب.
стр. 132
بيان شجرتي التوحيد والإشراك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها].
إن السنة عبارة عن شجرة، والشهور فروع هذه الشجرة، والأيام عبارة عن الأغصان الخارجة من الفروع، والساعات عبارة عن الأوراق المتصلة بالأغصان، والأنفاس عبارة عن الثمر.
قال: [فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة].
من يزرع خيراً فلابد أن يحصد خيراً.
قال: [ومن كانت في معصية فثمرته حنظل، وإنما يكون الجذاذ يوم المعاد] أي: الحصاد.
[فعند الجذاذ يتبين حلو الثمار من مرها] وكما قيل: ستعلمي إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار وعند السفر ستظهر السيارة التي معك جيدة أو سيئة.
قال: [والإخلاص والتوحيد شجرة في القلب فروعها الأعمال، وثمرها طيب الحياة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة، وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة، فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا لا مقطوعة ولا ممنوعة كذلك].
عندما تقطع الثمرة في الجنة تطلع مكانها أخرى، وليس هناك شيء اسمه فاكهة الصيف ولا فاكهة الشتاء، وإنما كل الفواكه في الجنة موجودة، هذا معنى لا مقطوعة ولا ممنوعة، كذلك ثمرة التوحيد والإخلاص، فإن ثمرته مستمرة دائماً لا مقطوعة ولا ممنوعة.
[والشرك والكذب والرياء شجرة في القلب، ثمرها في الدنيا الخوف والهم والغم وضيق الصدر وظلمة القلب، وثمرها في الآخرة الزقوم والعذاب المقيم، وقد ذكر الله هاتين الشجرتين في سورة إبراهيم].
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥].
وضرب مثلاً للكلمة الخبيثة، فقال: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم:٢٦]، ثم بعد ذلك يقول: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
اللهم اجعلنا من أهل الشجرة الطيبة يا أكرم الأكرمين!
стр. 133
اكتساب العبد المال وضرر ذلك ونفعه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الدراهم أربعة: درهم اكتسب بطاعة الله، وأخرج في حق الله فذاك خير الدراهم].
أي: أصله آت من حلال وصرف في حلال، فهذا أحسن المال.
قال: [ودرهم اكتسب بمعصية الله وأخرج في معصية الله فذاك شر الدراهم] وشتان بين الصورتين.
قال: [ودرهم اكتسب بأذى مسلم وأخرج في أذى مسلم فهو كذلك] أي: جاء له من رشوة وضيعه على رقاصة، والعياذ بالله، فكم من أناس يصرفون الآلاف في الكازينوهات بالليل، من أين أتوا بها؟ اختلسوا هذه الأموال بالرشاوي التي أخذوها من بيت المال وضيعوها، فهم يصرفونها هكذا.
قال: [ودرهم اكتسب بمباح وأنفق في شهوة مباحة].
أي: أتى من شيء مباح ولم ينفقه لا في حلال ولا في حرام، ولكن أنفقه في شهوة أكل وشرب ومن هذا القبيل.
قال: [فذاك لا له ولا عليه، هذه أصول الدراهم.
ويتفرع عليها دراهم أخر: منها درهم اكتسب بحق وأنفق في باطل].
أي: اكتسبها بعرق جبينه ويتعاطى بها سجائر.
قال: [ودرهم اكتسب لباطل وأنفق في حق فإنفاقه كفارته].
كشخص أعطاك أموالاً رابحة من بنوك ربوية فأخذتها وأنفقتها في أعمال الخير، فإنفاقك هذا كفارة لما أخذته.
قال: [ودرهم اكتسب من شبهة فكفارته أن ينفق في طاعة، وكما يتعلق الثواب والعقاب والمدح والذم بإخراج الدرهم، فكذلك يتعلق باكتسابه، وكذلك يسأل عن مستخرجه ومصروفه من أين اكتسبه وفيما أنفقه].
قال النبي ﷺ : (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به).
стр. 134
مواساة المؤمنين أنواع
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [المواساة للمؤمنين أنواع: مواساة بالمال ومواساة بالجاه، ومواساة بالبدن، ومواساة بالنصيحة والإرشاد، مواساة بالدعاء والاستغفار، ومواساة بالتوجع لهم].
المواساة بالمال معروفة، لكنها صعبة في نفس الوقت وأشد نفعاً.
والمواساة بالجاه، أي: بكرسي وضعه الله من كراسي الحكم يخدم الناس.
ومواساة بالبدن والخدمة مادام أن الله أعطاني صحة.
ومواساة بالنصيحة والإرشاد وهذه من أهم أنواع المواساة.
ومواساة بالدعاء والاستغفار لهم، ومواساة بالتوجع لهم.
قال: [وعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة، فكلما ضعف الإيمان ضعفت المواساة، وكلما قوي قويت، وكان ﷺ أعظم الناس مواساة لأصحابه بذلك كله، فلأتباعه من المواساة بحسب اتباعهم له، ودخلوا على بشر الحافي في يوم شديد البرد، وقد تجرد وهو ينتفض] أي: خلع ملابسه وهو ينتفض.
[فقالوا: ما هذا يا أبا نصر؟! فقال: ذكرت الفقراء وبردهم، وليس لي ما أواسيهم به، فأحببت أن أواسيهم في بردهم].
فـ بشر الحافي لم يستطع أن يعطيهم، فخلع ملابسه وقال: أريد أن أحس بالبرد مثلما يحسون به، وأدعو الله لهم أن يغنيهم من فضله.
стр. 135
مضيعة السالكين إلى الله في الجهل بالطريق وآفاتها
[إذا عزم العبد على السفر إلى الله تعالى عرضت له الخوادع والقواطع، فينخدع أولاً بالشهوات والرئاسات والملاذ والمناكح والملابس فإن وقف معها انقطع].
فرجل الأعمال وصاحب الأموال منخدع بمثل هذه الأشياء، ونحن مثل النحلة من الصباح حتى المساء وعندما يموت أحدنا إلى أين يذهب؟ ومن أين يحضر حسنات: من مال جمعه، أو من درس حضره؟ فلو أنه كان يحضر المال وينفقه في سبيل الله لكان أفضل له، إذ إن المال له طغيان ويميل بالناس عن الحق، ولا يوجد مال يسعد أصحابه، ولو كان المال يسعد أصحابه لكان مال الخليج قد أسعد أهل الخليج أولاً.
قال الشاعر: ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد نعم، السعيد الذي هو راضٍ عن الله والله راض عنه، اللهم اجعلنا من هؤلاء السعداء يا رب العالمين! قال: [وإن رفض هذه القواطع والموانع ولم يقف معها وصدق في طلبه، ابتلي بوطء عقبه، وتقبيل يده والتوسعة له في المجلس والإشارة إليه بالدعاء، ورجاء بركته ونحو ذلك].
عندما يترك القواطع وتمشي في طريق الله يبتلي بالاحترام والتقدير والشهرة والتبرك به، فإن وقف مع هذه الأشياء كلها انقطع عن الله والعياذ بالله، فلابد أن يكون كل شيء يريده مبتغاه الله .
стр. 136
أنواع نعم الله تعالى على عبده
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [النعم ثلاث: نعمة حاصلة يعلم بها العبد، ونعمة منتظرة يرجوها، ونعمة هو فيها ولا يشعر بها].
من النعم التي نحن فيها ولا نشعر بها: هذه الجلسة، فهي نعمة من الله، والسكن في البيت نعمة، والنوم نعمة، والمياه نعمة، وكل شيء في الحياة نعمة، لكن لابد أن نحمد الله عليها، ومن زاد في الحمد زاده الله من فضله.
قال: [فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده عرفه نعمته الحاضرة، وأعطاه من شكره قيداً يقيدها به حتى لا تشرد؛ فإنها تشرد بالمعصية، وتقيد بالشكر، ووفقه لعمل كي يستجلب به النعمة المنتظرة، وبصره بالطرق التي تسدها وتقطع طريقها، ووفقه لاجتنابها، وإذا بها قد وافت إليه على أتم الوجوه، وعرفه النعم التي هو فيها ولا يشعر بها.
ويحكى أن أعرابياً دخل على الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين! ثبت الله عليك النعم التي أنت فيها بإدامة شكرها، وحقق لك النعم التي ترجوها بحسن الظن به ودوام طاعته، وعرفك النعم التي أنت فيها ولا تعرفها لتشكرها، فأعجبه ذلك منه وقال: ما أحسن تقسيمه].
جمع له النعم الثلاث، النعمة الحاصلة والنعمة المنتظرة والنعمة التي لا يراها، فاللهم عرفنا بالنعم عند وجودها وعند زوالها يا أكرم الأكرمين! ووفقنا الله وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه إن ربنا على ما يشاء قدير.
стр. 137
الأسئلة
стр. 138
حكم تلاوة القرآن بغير وضوء
السؤال
هل يجوز تلاوة القرآن بغير وضوء؟
الجواب
لابد أن نتوضأ ونحن نقرأ القرآن.
стр. 139
حكم صلاة الرجل في بيته
السؤال
والدتي سيدة كبيرة وأنا أصلي بها المغرب جماعة، فما حكم الدين في ذلك، هل أصلي معها أم بالمسجد؟
الجواب
لا بأس صل بها مرة، ولكن في المسجد أفضل، وهي تصلي في البيت، والله يكتب لها الثواب إن شاء الله.
стр. 140
حكم وضع اليدين قبل القدمين عند النزول للسجود
السؤال
هل يجوز وضع اليدين قبل القدمين عند النزول للسجود؟
الجواب
الأفضل وضع القدمين قبل اليدين للقادر، أما الذي لا يقدر فلا داعي لذلك؛ لأن هذه ليست هيئة صلاة وليست ركناً من أركان الصلاة.
стр. 141
تكوين الإنسان يتغير يوم القيامة
السؤال
هل تكوين الإنسان يتغير يوم الدين؟
الجواب
نعم يتغير، فالله قال: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:٤٧]، وسوف نبعث يوم القيامة، ونرجع مرة أخرى على هيئة أبينا آدم، طولنا ستون ذراعاً في السماء.
стр. 142
التكليف في الدنيا فقط
السؤال
هل أهل الجنة يعيشون لأنفسهم وللأكل فقط، أم يكونون مكلفين؟
الجواب
لا يوجد تكليف في الجنة أبداً، التكليف في الدنيا فقط.
стр. 143
سلسلة شرح كتاب الفوائد [١٥]
إن أقرب الأبواب للوصول إلى الله هو باب الذل الذي يؤدي إلى أن ينظر الله إلى العبد بعين الرحمة فيجعله من المفلحين، ويجعل روحه في خفة ونشاط للعبادة تسمو إلى الملأ الأعلى، بخلاف المعرض على الله الذي ليس له هم إلا كثرة الأكل والشرب والنوم فتقل عبادته وتثقل روحه.
стр. 144
أقرب الأبواب إلى الله
أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فمرحباً بكم، كما كان يرحب سيدنا رسول الله ﷺ بصحابته، ولنا فيه قدوة حسنة، وكان كلما التقى بالصحابة يقول: مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى ولا آثمين، فكان مبشراً ﷺ وما كان منفراً، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وكان ﵊ دواءً وشفاءً للعليل، وكان الطبيب والحبيب ﷺ ، وكان دائماً يقول: (ما يشاك أحدكم بشوكة إلا وأجد ألم ذلك في قلبي).
وعندما نزل قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥]، كان يقول: (يا رب! وأنا لا أرضى وواحد من أمتي في النار)، وكان الله يقول له ولجبريل: (يا جبريل نبئ محمداً أننا لن نسوءه في أمته، وسوف نرضيه فيهم)، وكان يقول: (ماذا أعطاني ربي يا جبريل؟ قال: إن الله حرم النار على كل من قال لا إله إلا الله).
فهذه كلها مبشرات، ولقد كان ﷺ كما قال فيه ربه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وقد قال ﵊: (إن معشر الأنبياء ما ورثوا درهماً ولا ديناراً، ولكن ورثوا علماً يتعلمه الناس) فنحن مع واحد من هؤلاء الذين ورثوا ميراث رسول الله ﷺ ، وهو ابن قيم الجوزية تلميذ ابن تيمية، وإذا كان التلميذ هكذا، فما بالنا بأستاذه.
مرة من المرات كان ابن القيم يمشي على النهر، فسأله أحد تلاميذه: ماذا أعمل بذنوبي، فأنا أذنب وأتوب، ثم أعود فأذنب وأتوب، فماذا أفعل؟ فكانت إجابته كتاباً بأكمله وسماه كتاب (الفوائد).
وكان ابن قيم الجوزية ﵁ تلميذ شيخ الإسلام، وكان له جملة طيبة يقولها وهي: أردت أن أدخل على الله، فطرقت الأبواب، فوجدت على كل باب كظيظاً من الناس.
ومعنى: كظيظاً أي: أن الأبواب مزدحمة، فكانت نظرة الصالحين أن هناك ازدحاماً على فعل الخير، وهذه كانت وجهة نظره، لكن لو كان منحرفاً لقال: لا يوجد من يعمل خيراً في هذا الزمان؟ لكن ابن القيم كان يرى الصورة الطيبة في المجتمع.
قال: فطرقت باب الذل فوجدت عليه قليلاً من الناس، فوجدته أقرب الأبواب إلى الله ، ثم ذكر الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣]، فإجابة الدعاء تأتي للعبد كلما ذل.
ولذلك: رب معصية أورثتك ذلاً وانكسارا، خير لك من طاعة أورثتك عزاً واستكباراً.
أي: كلما أذنبت واستحيت من الله أكون ذليلاً وخاضعاً، وأتوب وأبكي، وأحشر نفسي مع الصالحين، ومع أهل العلم، وفي مجالس الذكر، وهو أفضل من أن أعمل طاعة، وإن عملت فربما يأتي أحد لينصحك وترد عليه بقولك: أنا أصلي الصلاة في وقتها، وأزكي الزكاة في وقتها، وأقوم الليل، وبيني وبين الله أعمال وأسرار، فلا داعي لأن تنصحني.
ومن يقول هذا فلا أظن أن بينه وبين الله عماراً، وإلا لما خرب على المدى الخاص والعام، نسأل الله أن يعمر قلوبنا بذكره، وأن يتولانا وإياكم برحمته.
وسوف نقرأ اليوم ثلاث فقرات من كتاب الفوائد لـ ابن قيم الجوزية، فنقول:
стр. 145
ما خلق منه آدم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [خلق بدن ابن آدم من الأرض، وروحه من ملكوت السماء، وقرن بينهما].
نحن نعلم أن الله عندما خلق أبانا آدم أمر جبريل أن يأتي له بقبضة من بقاع الأرض، فجاء جبريل بقبضة من بقاع الأرض كلها، فإذا اعتبرنا الأرض مثلاً قارات: فهو أخذ من أفريقيا قبضة ومن آسيا قبضة ومن أوروبا قبضة ومن الأمريكتين قبضة، ومن أستراليا قبضة، والقبضة كما يفعل المهندسون الزراعيون، حين يأخذون عينات من الأرض ليعرفوا هل تنفع للبناء أم لا.
فجاء بنو آدم على قدر الأرض التي أتوا منها، مثلاً: هناك أخ يحسن إلى أخيه دائماً، أخوه لا يزوره ولا يحسن إليه، ولا يقف معه في أي موقف، فيقول الناس: ما هي طينة هذا الرجل؟ فالأصل هو الطين، ولكن هذا الطين قد يوجد فيه ذهب، وقد يوجد فيه قطران، وفيه أشكال كثيرة، فمن الممكن أن واحداً منا طينته من ذهب، أو جاء من أرقى أنواع الأحجار الكريمة، فتجد الناس يقولون: فلان هذا مثل الذهب، أو فلانة مثل الزمرد في الأخلاقيات، فإذا أريد الرقي به يقال: ملاك؛ لأنه لا يخطئ، أي: أنه من عالم النور.
следующие страницы →