← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37045

شرح كتاب الفوائد

عمر عبد الكافي

Полный текст (186 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

سلسلة شرح كتاب الفوائد [٩] أساس الخير كله أن يعلم المرء أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فيتوكل عليه ويتجه بالدعاء إليه عند كل حاجة تنزل به، مع التحلي بالصبر على البلاء والصبر على الطاعة، ويحذر من الغفلة حتى لا يخرب قلبه.

стр. 72

أساس الخير قال المصنف رحمه الله تعالى: [أساس كل خير: أن تعلم أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن]. فما شاء الله سيكون، والذي لا يشاؤه ربنا لن يحصل. قال: [فتتيقن حينئذ أن الحسنات من نعمه فتشكره عليها]. فالحسنات من نعم الله على العبد، وليس لأنه يعمل الخير، وإنما لأن الله يتفضل عليه بها، وهو الذي ساقه إلى الخير أصلاً، وهو الذي يثيبه عليها. قال: [وتتضرع إليه ألا يقطعها عنك]. ما أجمل أن تتوالى الحسنات والرصيد يكثر. فالأمة ما زال فيها خير رغم ما أرى من صور سيئة، وما زال عندي تفاؤل أن المسلمين فيهم خير، وهذا مصداق حديث الحبيب المصطفى ﷺ عندما قال: (أمتي كالغيث لا يدرى الخير في أولها أم في آخرها). جاءني رجل بعد عصر الجمعة الماضية، وأخبرني أنه رأى في نومه كأنه عندي في المسجد، وبعد ذلك رأى أنه واقف على المنبر ويتحدث عن الرسول ﷺ ، وبعد أن نزل من المنبر، إذا بالرسول ﷺ يصلي بالناس، فاعتدل بعد أن انتهت الصلاة وسلم على هذا الرائي، وقال له: لحضورك مجالس العلم وصدقك فيها ستحل عندنا الليلة، فالرجل خاف، وأتى إلي مرعوباً وقال: ماذا يعني بقوله ﷺ : ستحل عندنا الليلة؟ قلت له: إنك بفضل الله أصبحت مطالباً بأن تكون الآخرة هي أكبر همك؛ لأن المسلم عندما يترقى في درجات الإيمان والتقوى يكون بهذا المنطق، وبعد ذلك قال لي: هل سأموت؟ قلت له: لا إله إلا الله، أنا سأموت وأنت ستموت وكلنا سنموت يوماً من الأيام، ولكن لا أحد يدري متى يموت! وأنت يجب عليك أن تنوي الخير. فقال لي: يوجد شيء ينغص علي حياتي، فقلت له: ما هذا الشيء؟ قال: وصية أريد أن أعرضها عليك، فعرضها علي، فقلت له: لا، عدل هذه الوصية وأخبرني أنك أنهيتها، فاتصل لي وقال: لقد عملت مثلما قلت لي وأنهيت هذه الوصية، وبينما أنا آتٍ لصلاة العشاء بلغت أن الرجل مات قبل أمس. فهذا إنسان يعطيه الله إشارات أنه قادم على الله؛ لأن الله عندما يريد بابن آدم خيراً يبعث له في آخر أيامه ملكاً يأخذ بيده. قال: [وتتضرع إليه ألا يقطعها عنك]. يعني: مجلس مثل هذا المجلس، لا بد أن ندعو الله طالما نحن على قيد الحياة ألا يقطعه عنا؛ لأنه نبع خير. قال: [وأن السيئات من خذلانه وعقوبته، فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها]. فالحسنات من نعمه، والسيئات من خذلان الله للعبد، فالله عندما يخذل عبده يسلط عليه الشيطان ونفسه، قال أبو بكر الصديق: إني بليت بأربع ما سلطوا إلا لجلب مشقتي وعنائي إبليس والدنيا ونفسي والهوى كيف الخلاص وكلهم أعدائي إذا كان أبو بكر الصديق يقول: إبليس والدنيا ونفسي والهوى! فكيف بنا نحن؟! فعندما يوفق الله العبد يجعله ينتصر على هؤلاء الأربعة يخذلهم له، وعندما يخذل الله العبد بعمله السيئ -والعياذ بالله- يسلط عليه الدنيا والنفس والشيطان والهوى، فينتصرون عليه. إذاً: الحسنات من نعم الله والسيئات من خذلان الله، فالواجب على العبد أن يدعو ربه أن يباعد بينه وبين الخذلان والعياذ بالله. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك]. بعضهم يقول: أنا أسبح سبعمائة ألف مرة، وأعمل كذا وكذا، وليست القضية هكذا، ولكن القضية أنك تسأل الله أن يتقبل، ولذلك سيدنا سليمان كان طائراً يوماً ببساط الريح، وكان هناك فلاح يفلح في الأرض، وسمي الفلاح فلاحاً؛ لأنه يفلح الأرض، وللأسف الشديد عندما يكون هناك جاهل يريد أن يشتم شخصاً يقول له: أنت فلاح!، يا ليتنا كنا فلاحين، نزرع أرضنا لكن حكومة الثورة المباركة والانقلاب المبارك سنة ١٩٥٢م، قالت: نحن دولة صناعية لا زراعية، اجلس أنت مع الصناعة، فمصر ليست للصناعة ولا للزراعة، ولكن نحن ساءت حالتنا منذ أن اضطهدنا الزراعيين، وحتى الآن لا يستطيعون أن يعرفوا من هو الفلاح ومن هو العامي، وربما لن نعرفه حتى نموت، وربما نعرفه في الآخرة إن شاء الله. فبينما الفلاح كان يحرث الأرض فوجد شيئاً يظلله فرفع رأسه، فإذا به بساط سيدنا سليمان، وذلك في وقت لم تكن فيه طائرات ولا صواريخ، ولم يكن هناك شيء يطير إلا الطيور، فالهواء سخره الله لسيدنا سليمان، والريح غدوها شهر ورواحها شهر، فتخيل لو أن سيدنا سليمان الآن موجود في القاهرة، ودرجة الحرارة تنخفض لعشر درجات، فنقول له: يا نبي الله سليمان! القاهرة باردة في الليل، فيقول: أيتها الريح التي في أسوان ادخلي على القاهرة، فتدخل الريح إلى القاهرة ويصبح الجو دافئاً، ويأتي إلى منطقة أخرى حارة فيقول: أيتها الريح التي في شمال سويسرا أدخلي على هذه المنطقة الحارة، فهذا ملك عظيم أعطاه الله سيدنا سليمان، ريح غدوها شهر ورواحها شهر. قال سليمان ﵇: أيها الفلاح الفقير؛ لتسبيحة واحدة أو تحميدة واحدة أو تكبيرة واحدة أو تهليلة واحدة، خلف هذا المحراث خير لك من ملك آل داود؛ لأن ملك داود سيزول، لكن التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل سيبقى معك في كتاب الحسنات إلى يوم القيامة. يا إخواني! يوم القيامة يبحث المرء عن الحسنة بكل الطرق، وأفضل ما يوضع في الميزان يوم القيامة خلق حسن، فعامل الناس بخلق حسن، اللهم حسن أخلاقنا يا رب! كما حسنت خلقتنا يا أكرم الأكرمين! إذاً: يجب أن تدعو الله أن يحول بينك وبين المعاصي، وألا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى النفس. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد أجمع العارفون على أن كل خير فأصله بتوفيق الله للعبد] أي: أن الله إذا وفق العبد فسوف يعمل خيراً. قال: [وكل شر فأصله خذلانه لعبده، وأجمعوا أن التوفيق ألا يكلك الله إلى نفسك، والخذلان أن يخلي بينك وبين نفسك]. ولذلك كان رسول الله ﷺ يقول: (اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك، وأصلح لي شأني كله، فإن وكلتني إليك وكلتني إلى عزة وقوة، وإن وكلتني إلى نفسي وكلتني إلى ضعف وشهوة، ولكن لا إله إلا أنت). إذاً: عندما يكل الله العبد له يكله إلى عزة وقوة، وعندما يكله إلى نفسه يوكله إلى نفس ضعيفة وأمارة بالسوء، ودائماً تحض الإنسان على الشر، والعياذ بالله رب العالمين. قال: [فإذا كان كل خير فأصله التوفيق، وهو بيد الله لا بيد العبد، ومفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجأ والرغبة والرهبة إليه، فمتى أعطي العبد هذا المفتاح فقد أراد أن يفتح له، ومتى أضله عن المفتاح بقي باب الخير مرتجاً دونه]. إذاً: لو أعطاك الله مفتاح الدعاء والافتقار وصدق اللجوء إليه والرغبة إليه والرهبة منه، فلقد أعطاك مفتاح التوفيق، فابحث أنت عن المفتاح الذي يحمل الرءوس الخمسة: الدعاء والافتقار، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣] أي: أذلة لله، ولذلك قبض الحجاج على ابن أخ لأحد الصالحين، فبحث فوجد ملابس قديمة لعبده فلبسها، فقيل له: ما هذا الذي تلبسه؟ قال: أقوم أصلي لله وأدعوه. فما دعا العبد ربه بصدق إلا استجاب الله له.

стр. 73

مفاتيح الدعاء مفاتيح الدعاء هي الافتقار إلى الله، وصدق اللجوء إليه، والرغبة فيه ، والرهبة منه، فهذه الخمسة لا بد من حفظها، واصطحابها عند دعاء الله . فمتى أعطي هذه فقد أعطي المفتاح، ويوشك أن يفتح له، ومتى أضله ربه عن المفاتح بقي باب الخير دونه مقفلاً، قال أمير المؤمنين عمر: إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه، يعني: هو لا يهم الإجابة؛ لأن الإجابة مضمونة بشروط الدعاء المعروفة. فعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته في ذلك يكون توفيق الله سبحانه له وإعانته إياه، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخذلان ينزل عليهم على عكس ذلك. احتاج إبراهيم بن أدهم يوماً إلى دينار وهو قاعد على شاطئ البحر، فقال: يا رب! يا من تقول للشيء: كن فيكون أريد ديناراً، قال: فخرجت الأسماك من البحر في كل فم سمكة دينار، فهذا يعني أن تكون الأسماك خادمة لـ إبراهيم بن أدهم. وأستاذه سهل بن عبد الله عند أن أخذت الحدأة اللحمة من يده، ذهب إلى المسجد، فلما رجع إذا بالحدأة والغراب كانا يتصارعان، فوقعت قطعة اللحم وأخذتها امرأته وطبختها، فقال: الحمد لله الذي حمل عني هم حمله! وكأنه أرسل له شغالاً سيرلنكياً بدون أجرة، وأنت اليوم تذهب لتدفع تأميناً للسفارة وتأتي فتجد بنتاً ملحدة، تبقى مكشوفة عند امرأتك وامرأتك مكشوفة عندها، فهذا حرام، فعلى المرأة المحجبة أن تستحي فلا تتكشف أمام المسيحية واليهودية. وعندما تأتي المرأة المسلمة لصاحبتها المسيحية فعليها أن تحتجب، كأنها داخلة على رجل، والخذلان -والعياذ بالله- ينزل عليهم على حسب تضييعهم، فالله سبحانه أحكم الحاكمين، يقول الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨]؟ بلى، وهو أعلم العالمين، يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به. قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:١٤]؟ وهو الذي يضع الخذلان في مواضعه اللائقة به، فمثلاً: واحد دائماً يجهز المجلس والطاولة والبيرة والفلم، ونحو ذلك، ويخطط للمعصية ويرتب وينظم فهذا وضع له الخذلان، والثاني يبتعد عن المعصية، فهذا يوضع له التوفيق فالله هو العليم الحكيم، وما أتي من أتي إلا من قبل إضاعة الشكر، وإهمال الافتقار والدعاء، ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء، وملاك ذلك كله -يعني: الجامع لهذا كله- الصبر، فانظر الدين كيف يتكامل مع بعضه: العقيدة واليقين والصبر، وأصعب شيء على الناس الصبر على الطاعة، فهو أقسى أنواع الصبر على النفس؛ لأنه صبر على شيء هي تكرهه، ولذلك قال أحد الصالحين: جبلت نفسي على الطاعة فاستعصت علي يوماً، قال: فقهرتها بصلاة مائة ركعة، يعني: أدبها بالتي هي ضدها. إذاً: فملاك ذلك الصبر، فإنه من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس فلا بقاء للجسد.

стр. 74

قسوة القلب ما ضرب عبد بعقوبة - والعياذ بالله - أعظم من قسوة القلب، والبعد عن الله، وهناك من يقول: ما هو ربنا موسع علي، فالأولاد في نجاح في المدارس والجامعات، وعندي السيارات والأموال، وعندي الجاه والسلطان، وعندي شركات عديدة باسمي، وما إلى ذلك، أما حالته الإيمانية فحدث ولا حرج، وهذا لا يهتم له ويغتم، لأنه ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله، ولذلك قالوا لأحد الصالحين: أحقاً ما سمعنا أنك ترى الرسول كل ليلة؟ فتبسم وقال: لو حجب عني رسول الله ليلة لما عددت نفسي من الموحدين! خلقت النار لإذابة القلوب القاسية، وفي الحديث: (من أراد جليساً فالله يكفيه، ومن أراد أنيساً فالقرآن يكفيه، ومن أراد الغنى فالقناعة تكفيه، ومن أراد وعظاً فالموت يكفيه، ومن لا يكفيه هذا ولا هذا فالنار تكفيه). إذاً: فالنار عملها إذابة القلوب القاسية، يقول الشاعر - وأظنه المجنون قيس بن الملوح -: أمر بالحجر القاسي فألثمه لأن قلبك قاسٍ يشبه الحجرا يعني: كلما يمر على حجر يتخيله قلب ليلى فيقبله؛ لأن كليهما في القسوة سواء. والقلب القاسي هل يدخل الجنة؟ يقول الله عن قلوب أهل الجنة: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، فقلوبهم قلوب توجل منه ، أما القلوب التي فيها قسوة فتذوب وتصهر في الآخرة بالنار، إذاً: فأبعد القلوب من الله القلوب القاسية هذا كلام العارفين. فإذا قسا القلب قحطت العين، يعني: أنها لا تدمع، وانقطاع دمع العين عبارة عن علامة من علامات قسوة القلب.

стр. 75

أسباب قسوة القلب وقسوة القلب من أربعة أشياء، إذا جاوزت قدر الحاجة، أي: الأكل، والنوم، والكلام، والمخالطة. فالأكل إن زاد عن حده وكذلك النوم والكلام والمخالطة للناس قسا القلب، وكما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب، فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنفع فيه المواعظ. فمن أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته، لأن الشهوة حظ النفس، والطاعة رضا الله، والقلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها، والقلوب آنية الله في أرضه، يعني: كما أن المرأة لها أوانٍ في البيت فالقلوب أيضاً في الأجساد هي عبارة عن آنية الله في الأرض، فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها، وأحب الأواني الإناء العريض الخفيف الحمل، الرقيق الصلب، فلا يكون رقيقاً ينكسر بسهولة، ولذلك قال الله عن آنية أهل الجنة: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان:١٦]، والقوارير هي من الزجاج، لكنه قال: (من فضة) فهي قوارير من فضة، هذه هي الأكواب التي يشرب فيها أهل الجنة، اللهم اسقنا شربة هنيئة في الجنة بدون سابقة عذاب. إذاً فالأواني التي يشرب فيها المؤمنون في الجنة في نقاء الزجاج، وفي صفاء الفضة. وكثير من الناس شغلوا قلوبهم بالدنيا، ولو شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة، ولرجعت إلى أصحابها بفرائد الحكم، وطرف الفوائد، وكأن ابن القيم يتكلم عن نفسه، فيقول: الناس شغلوا قلوبهم بالدنيا، ولو شغلوها بالله لكانت القلوب مليئة بالحكم، يكون حينها كلام الله أحسن ما يجده، إذاً: فإذا غذي القلب بالتذكر، وسقي بالتفكر، ونقي من الدغل، رأى العجائب وألهم الحكمة، حتى أن الصالحين كانوا يشمون رائحة الذنوب، فلما يجلس أحدهم مع آخر يعرف صوابه من خطئه، ويشم رائحة طيبة من العارفين، ورائحة سيئة من العاصين المخالفين، وليس كل من تحلى بالمعرفة والحكمة وانتحلها كان من أهلها، بل أهل المعرفة والحكمة هم الذين أحيوا قلوبهم بقتل الهوى، وأما من قتل قلبه وأحيا الهوى، فالمعرفة والحكمة عارية على لسانه، فخراب القلب من الأمن، والغفلة وعمارته من الخشية والذكر.

стр. 76

خراب القلب خراب القلب من الأمن والغفلة، كأن يقول لك: لقد أكرمنا ربنا فنحن نصلي على النبي وكلنا من أهل الجنة، فهذا هو الأمن. إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة، وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك الموائد. وقد قلنا: إن سيدنا إبراهيم بن أدهم لما ذهب يحج وانتهى الأكل الذي معه، وقد كان في الصحراء ما بين الشام وأرض الحجاز، في مكان لا تمر فيه ولا غيره، فقال: اللهم ارزقنا بالرطب، قال أحد رفقائه: فما سرنا بضع خطوات إلا ووجدنا إناء مليئاً بالرطب الجني، فطمع رفقاؤه وقالوا: لو كان عسلاً فتبسم وقال: من رزقكم بالرطب الجني في غير موعده قادر على أن يرزقكم بالعسل في غير موضعه أيضاً، قال: فما سرنا بعض خطوات إلا ووجدنا زقاً من عسل مصفى. اللهم ألحقنا بالصالحين، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. اللهم فك عنا أسرنا، أحسن خلاصنا، ثبت يقيننا، قو حجتنا، ألهمنا صوابنا. اللهم فك الكرب عن المكروبين، اللهم اهد كل عاص وضال، اشف كل مريض، وارحم كل ميت، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، نعوذ بك يا مولانا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. وصل الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 77

سلسلة شرح كتاب الفوائد [١٠] هناك أمور يقضي فيها الإنسان حياته ويضيع فيها عمره وهي ضائعة عليه لا تحسب له في رصيد الآخرة، وقد ذكرها الإمام ابن القيم ليحذر منها الإنسان وينتبه لها.

стр. 78

من الأمور الضائعة علم لا يعمل به أحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، أما بعد: فاللهم في هذا الجمع الطيب انظر إلينا نظرة رضا والمسلمين، واحقن دماء المسلمين، فلا تسيل قطرة دم إسلامية إلا في سبيلك يا أكرم الأكرمين! اللهم ول أمورنا خيارنا، ولا تول أمورنا شرارنا، وأصلح أحوالنا، اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل يا مولانا بيننا شقياً ولا محروماً، لا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا قصمته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا رددته غانماً سالماً. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، اللهم اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً وبعد: فما زلنا مع ابن قيم الجوزية ﵁ في كتابه العظيم الفوائد، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه يا أكرم الأكرمين. يقول ابن القيم الجوزية في فقرتنا تلك: (عشرة أشياء ضائعة) أي: عشرة أمور تضيع علينا، وكلنا للأسف لا ننتفع بها. أولها: (علم لا يعمل به) يعني: مشكلتنا كلنا العلم الذي لا يعمل به، يعني: كثير من الناس يأخذون العلم بكثرته، وليس العلم كثرة الرواية، وإنما العلم الخشية، يعني: فعندما أرى إنساناً يتكلم بالعلم كثيراً ولا يطبق، أو يسمع العلم كثيراً ولا يطبق، فإن العلم حجة عليه لا له، وسأل رجل أبا هريرة: فقال له: يا أبا هريرة! إني لا أتعلم العلم مخافة أن يضيع أي: أخاف أن أتعلم ثم أضيع ولذا فلا أتعلم، فقال له أبو هريرة: كفى بعدم تعلمك إضاعة للعلم. يعني: أنت ضيعت العلم بعدم تحصيلك له، ولكن الأكمل أن يستمع الإنسان ويطبق، أو أن يقول وأن ينفذ. وكان صحابة الحبيب ﷺ ورضوان الله عليهم جميعاً، الواحد منهم يسمع الكلمة ويطبقها، حتى قيل: إن عمر بن الخطاب سمع أو حفظ سورة البقرة في ثمان سنوات، يعني: الإنسان الصادق عندما يسمع آيات الله فآية واحدة تكفيه. جاء أعرابي يريد أن يعرف الإسلام فقال: يا أبا ذر! علم أخاك الإسلام، فعلمه أبو ذر الإسلام والرجل ما عنده أي فكرة عن الدين، فبدأ وقرأ عليه أبو ذر سورة الزلزلة إلى أن بلغ آخرها: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، فترقرقت الدموع في عيني الأعرابي، وقال: يا أبا ذر! أيحاسبنا رب العباد بالذرة يوم القيامة؟ قال: نعم، قال: كفاني من الإسلام هذا وكأنه يقول: ما فائدة العلم إذا لم أطبق؟ فالرجل مجرد ما سمع: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة:٧]، كفته الآية، فالخير الذي أعمله سأجده في كتاب الحسنات، والشر الذي أعمله قد أجده في كتاب السيئات! ولذلك في حديث آخر يقول سيدنا الحبيب ﷺ : (التمس لأخيك من عذر إلى سبعين عذراً). يعني: لو غلط أخوك في حقك فالتمس له من عذر إلى سبعين، وليس بلازم أن آتيك بعذر، ولذلك قال: (فإن لم تجد له عذراً قل: عسى أن يكون له عذر لا أعرفه) لو طبقنا هذا الحديث فهل سأغضب منك وتغضب مني؟

стр. 79

العمل لله بقدر الحاجة إليه إذاً: فالعلم بالتطبيق، يقول سهل بن عبد الله: حفظت القرآن وعمري ثمان سنوات، وحفظت أربعين ألف حديث من أحاديث الحبيب المصطفى، وقرأت وعملت كذا وكذا، تتلمذت على يد فلان وفلان إلى آخره، قال: ونظرت إلى هذا كله وعملت بحديث واحد، وهو ما سمعت من فلان! عن فلان! إلى أن وصلت العنعنة إلى سيدنا الحبيب ﷺ أنه قال: (اعمل لله بقدر حاجتك له، واعمل للدنيا بقدر مقامك فيها، واعمل للآخرة بقدر بقائك فيها، واعمل للنار بقدر صبرك عليها). فقوله ﷺ : (اعمل لله بقدر حاجتك له) أنت تحتاج لربنا دائماً وأبداً، والدنيا ما سميت كذلك إلا من الدناءة، أو من الدنو، لكن الله يحب من الأمور أعاليها ويكره أسافلها. فالعبد في الدنيا قد ينسى وما سمي الإنسان إنساناً إلا لتناسيه، وما سمي القلب إلا لتقلبه، ولذلك يحتاج العبد من يذكره، وقالوا: إن القلب الذي للمسلم لو لم يتداركه بدرس علم كل ثلاثة أيام يمرض ثم يموت، نسأل الله أن يحيي نواة قلوبنا؛ لأن الغذاء الوحيد النافع حقيقة هو غذاء القلب، والمادة الواحدة النافعة هي العلم، وذكر الله، وإن القلوب لتصدأ لو قعدت مع أي أحد؛ لأنها لا تجد إلا فلاناً يشكو من فلان! ويعمل مع فلان! فالشحنة الإيمانية تتسرب؛ لكن الإيمان يريد طاقة متجددة، والإنسان يحتاج من يجدد له إيمانه، ولا يتجدد الإيمان إلا في مجالس العلم؛ لأن مجلس العلم إذا لم يكن رياء ولا سمعة ولا بطراً ولا نحو ذلك، فربنا سيبارك فيه وينفع به. أما حين أن يدخل درس العلم في جدل، أو بعض النفوس حاضرة لأجل انتقاد فلان فقط، والتكلم عن فلان! فتكون هذه دروساً لا بركة فيها، ولذلك نغضب جداً من بعض الدروس وبالذات التي لكثير من الأخوات، وذلك أنهن بعد أن يقعدن للطلب، إذا ببعضهن يقلن: لا تذهبن عند فلان! ولا فلان! أما يتركن الناس تتعلم، وتتنقل بين العلماء والدعاة، لكن يبدو أن في النفوس أمراضاً لم تشف بعد، فنسأل الله شفاء القلوب والصدور، وصدق اليقين إن ربنا على ما يشاء قدير. (اعمل لله بقدر حاجتك له) أنا لا أستغني عن الله لحظة، إذاً: فاعمل لله في اليوم أربعاً وعشرين ساعة، وطبعاً لا يحصل هذا، فاعمل للدنيا بقدر مقامك فيها، (وما الإنسان في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها) إذاً: فأنت زائر (فكن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) هكذا يقول الحبيب، ويقول: (مالي وللدنيا). وسيدنا علي يقول لها: طلقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيها. وابن القيم كان يعلق في حلقة سابقة ويقول: كانت تكفيه واحدة، يعني: سيدنا علي طلق الدنيا ثلاثاً، وهو راوي حديث: (لعن الله المحلل والمحلل له)، أي: حتى لا يرجعها ثانية. إذاً: فالدنيا عند سيدنا علي ليس لها محلل يرجعها له؛ لأنه راوي الحديث الحاظر للتحليل، ثم يقول ﵁: آه من قلة الزاد، وطول السفر، ووحشة الطريق. واعجباه! سيدنا علي معه زاد قليل، ونحن يظن أحدنا أنه عابد زمانه وإمام أوانه، نسأل الله السلامة. زار الإمام الشافعي الإمام أحمد، والإمام أحمد بن حنبل بنته صالحة، وهي السيدة عائشة بنت الإمام أحمد، فتقول له: يا أبي! أريد أن أسأل الشافعي سؤالاً، فقال لها: اسألي يا بنت! قالت: يا إمام! يقف الشرط على ناصية بيتنا بالمصابيح قبل الفجر، فأخيط أثوابي على ضوء أنوارهم، أهذا حلال أم حرام؟ فبكى الشافعي وقال: لقد ضاع الدين من بعدكم يا آل أحمد بن حنبل! هذه هي التي كان أبوها أحمد بن حنبل لما ذهب لصلاة العصر فوقعت عينه على كعب امرأة، فذهب ووضع العباءة على وجهه وقال: هذا زمن الفتن هذه الدنيا خربت.

стр. 80

العمل للدنيا بقدر البقاء فيها وقوله: (اعمل للدنيا بقدر المقام فيها) مقامنا في الدنيا قليل؛ لأن سيدنا نوحاً لما سئل: كيف وجدت الدنيا؟ قال: وجدتها داراً لها بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر. ولذلك قلنا: إن الرياضيين يقولون: أي رقم على ما لا نهاية يساوي صفر، فحياتنا في الدنيا لها نهاية تصلها، أما الآخرة فلا نهاية لها، بل يا أهل الجنة! خلود بلا موت، ويا أهل النار! خلود بلا موت. إذاً: فالدنيا بالنسبة للآخرة رياضياً لا تساوي شيئاً، وفي الحديث: (لو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة)، إذاً: فهي أقل وأحقر من جناح البعوضة، أول ما ينزل العبد في القبر: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢] فأنا أريد أن يبقى المسلم حديد البصر وهو في الدنيا، ولا يحد البصر في الدنيا إلا في مجالس العلم والذكر، وعندها نريد أن نجد من إذا رأيناه ذكرنا بالله، ورؤيته تدلنا على الله، ويزيد في علمنا منطقه، وقلنا: عيشوا مع الناس معيشة حتى إن غبتم حنوا إليكم، وإذا متم ترحموا عليكم، اللهم اجعلنا وإياكم من هؤلاء. إذاً: فاعمل لله بقدر حاجتك له، وللدنيا بقدر مقامك فيها، وللآخرة بقدر بقائك فيها، ومثل ذلك كمثل رجل مسافر مدة معينة كأسبوع مثلاً، فإنه سيأخذ مؤنة أسبوع، وإن كان السفر شهراً أو سنة فالمؤنة بحسبه، وإن كنت مهاجراً فستبيع الشقة والسيارة، وتأخذ أموالك من البنك، ثم تتكل على الله، وإن كان سيرجع إلى وطنه، فسيبقى له بعض المصالح فيه. لكن الذي هو ذاهب إلى الآخرة فلن يرجع إلى الدنيا، فاعمل زاداً تأخذه معك؛ يقول النبي ﷺ : (يا أبا ذر! أكثر الزاد فإن السفر طويل) لأن الذي مات قاطع تذكرة للإياب فقط؛ لأنه آب إلى ربه، قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي﴾ [الفجر:٢٨] فرجع للمكان الأساسي، وحينها تحيا في جنات عدن، فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم، يعني: هي المنزل الأساسي، ولو أنك في الدنيا في حالة الرضا، فأنت في جنة في الدنيا. وضربت لكم مثلاً عملياً، وهو أن الأطباء أخذوا عينة من المتدينين الملتزمين والملتزمات، ثم أخذوا عينة أخرى من الذين يعيشون ولا هم لهم في الدين ولا في دروس العلم، ولا في الصلاة ولا في غيرها، ونظروا نسبة الأمراض النفسية والسكر والضغط، ونحوها، فوجدوها مرتفعة عند غير الملتزمين، وأما الملتزم دينياً فهو أهدأ حالة، وليس عنده من الأمراض المستعصية التي تأتي من أثر الشد العصبي، الذي هو عدم الرضا عن القدر، إلا المبتلى من المؤمنين، ودرجته عند الله عظيمة. لكن نحن نتكلم على الحالات النفسية التي للإنسان العادي منا، فيكون مكتئباً في الحياة متضايقاً من وضعه، ولذلك في الدول الاسكندنافية أعلى دخل في العالم هم، وأعلى نسبة في الانتحار في العالم عندهم، وهذا نتيجة عدم الرضا بقضاء الله وبالله، لكن الرجل المسكين قد يكون عنده حالة من الرضا أحسن من ملك السويد، وآخر يقول لي: أنا تعلمت العقيدة من عامل في القصر الجمهوري، وهو مسئول كبير يقول: تعلمت العقيدة من هذا الرجل، ذات مرة أتم عمله ونام، فرأيته وقلت له: قم يا عم فلان! لو جاء أحد المسئولين ووجدك نائماً فأنت تدري ماذا سيفعل، أي: سوف يفصلك، وإذا بالرجل ينام مرة ثانية، لماذا؟ لأنه لا يخاف إلا من الله، فليس خائفاً على الكرسي، فقد أخذوه، فهو نائم على الأرض. فنسأل الله أن يرضينا بما آتانا، وأن يقنعنا بما آتانا، وأن يشفي أمراض قلوبنا، وأن يشرح صدورنا، وأن يتولانا وإياكم. إذاً: فاعمل لله بقدر حاجتك له، وللدنيا بقدر مقامك فيها، وللآخرة بقدر بقائك فيها، وللنار بقدر صبرك عليها، كان عمر بن الخطاب يشعل النار في البيت ويقرب أصبعه ويقول: يا ابن الخطاب! ألك صبر على مثل هذا؟ فهو يربي نفسه، أما من في زماننا فأحدهم كما قال الله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾ [البقرة:٢٠٦]، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الذين إذا سمعوا عملوا بما سمعوا. إذاً: فعشرة أشياء ضائعة لا ينتفع بها، علم لا يعمل به، وهذه كارثة، يعني: الإنسان الذي يعلم ولا يعمل.

стр. 81

عمل بلا إخلاص ولا اقتداء ضائع على صاحبه الثانية: عمل لا إخلاص فيه ولا اقتداء، وقد كان سيدنا عمر دائماً يدعو ربنا ويقول: اللهم! إني أسألك من العمل أخلصه وأصوبه، فكانوا يقولون له: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: العمل الخالص: هو ما كان لله ، والصواب: هو ما كان على الكتاب والسنة.

стр. 82

أهمية الإخلاص في العمل فلا بد في العمل من الإخلاص، والإخلاص يعني: أن يكون العمل لله ليس لأحد فيه شيئاً. وقلنا في دروس الفقه: أن الإمام لو ركع وتأخر ركوعه قليلاً من أجل أن يدرك الركوع رجل متأخر، قال الإمام أحمد في ذلك: بطلت صلاة الإمام والمأمومين؛ لأنه لو أخر الإمام ركوعه من أجل هذا لخرج من الصلاة لله إلى الصلاة لغير الله، فتبطل، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. ويعيش في الدنيا كأنه مسافر، أو راحل إلى الله، فعقله وقلبه في الآخرة، ولو كان من أصحاب الملايين، لكن المهم ألا تكون الدنيا في قلبه، مثلما قال أحمد بن حنبل: والله جعلتموها أنتم في قلوبكم وأخرجها الله من أيديكم، ونحن نزعناها من قلوبنا فوضعها الله في أيدينا فليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس. إذاً: فالعمل لا بد أن يكون خالصاً لله وحده، وأيضاً يكون باقتداء، وهناك صفات للعمل المخلص لله فيه: أولها: مهما عملت من عمل فلا تكلم عنه القريب ولا الغريب، لماذا؟ لأن النفس الإنسانية تريد أن تذكر بالخير، وأن يقول الناس عنها مثلاً: هذه امرأة صالحة، وهذا رجل صالح، وهذه البنت ما شاء الله عليها، والولد ما شاء الله عليه، ونحن لا نريد هذا، وإنما نريد أن يكون العمل لله، سواء قال الناس مدحاً أو ذماً، وهذا على غرار الصدقة التي قال النبي ﷺ عن صاحبها: (تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه)، فهذا دليل استحباب عدم الإظهار لأعمال الخير إلا لمصلحة، والآن هناك من يكتب في الجرائد: فلان الفلاني! يتبرع بمبلغ كذا وكذا! وهناك من يقول: إن الله يقول: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [البقرة:٢٧٤] فالسر هي الصدقة، والعلانية أجازها الفقهاء لمصلحة، كأن أنبه فلاناً وفلاناً أنه قد حال الحول على ما في أيديهم، ونحو ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١]. إذاً: فالخيرية هي في الإخفاء؛ لأن ربنا يحمينا من حظوظ أنفسنا، ولذلك أول من تسعر بهم النار يوم القيامة العالم والشهيد والكريم المنفق، فهذه المسألة خطيرة جداً؛ لأنه يريد أن يقال عنه كذا وكذا، ولا يقول أحد: أنا أشجع أخي المسلم أو أختي المسلمة، والأعمال بالنيات، لكن لو كشفنا عن النوايا فسنجدها مسوسة، وقد قلت: لو قمنا بامتحان لقلوبنا، وأخرجنا ما فيها، بكل صراحة ووضوح، فسنرى بالضبط من في قلبه ديناراً أو أكثر أو أقل، وكل ذلك قدر عملك، وتصور لو كانت هذه الأعمال تؤجر أموالاً، وكل إنسان يعطى على قدر عمله. يقول تعالى: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد:٣٧]، وكأن ربنا يقول: احمدوا ربكم أنه ما طلب منكم المال كله، ولكن قال: إذا كان معك ألف جنيه فنحن نريد منها خمسة وعشرين جنيهاً فالعبد حينها سيبخل، ولذا قال ربنا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [البقرة:١٥٥]، أي: لنمتحننكم ونختبرنكم، ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، يقرأ الحسن البصري هذه الآية ويبكي، ويقول: يا رب! إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا. فالمسلم الواجب في حقه، أن يكون عمله خالصاً لله ، يذكر أن علياً كرم الله وجهه في الخندق لما أوقع عدوه على الأرض فبصق العدو في وجه علي، فغمد علي سيفه، فلما سألوه: لمَ لم تقتله؟ قال: رفعت سيفي لأقتله أول مرة انتصاراً لله ، فلما بصق خفت أن أقتله انتقاماً لنفسي، فلا يكون القتل في سبيل الله إلا إن كانت النية مجردة عن الحظوظ النفسية. أتذكرون الرجل الذي لقي جماعة يعبدون شجرة كان أحد الصالحين يقعد عندها، فكان الناس يعبدونها ويتبركون بها ويطوفون حولها، فأراد هذا الرجل أن يقتلعها، فقابله إبليس في صورة رجل، وقال له: إلى أين؟ قال: أنا ذاهب أقطع الشجرة التي يشرك الناس عندها، فقال له: مالك ومال الناس؟ وهذا خطأ؛ لأن من رأى منكراً فليغيره على قدر استطاعته، فلبس الشيطان على الرجل، وقال له: ارجع إلى بيتك، وسأعطيك كل يوم عشرة دنانير تجدها تحت مخدتك، فاهتز من تلبيس الشيطان وقال لنفسه: ما لي ولمن يعبد شجرة، ورجع إلى بيته ورفع المخدة أول يوم فما لقي شيئاً، وكذلك لم يجد تحتها شيئاً في اليوم الثاني والثالث، فقال: هذا الرجل يضحك علي، فأخذ الفأس وخرج، وفي الطريق لقيه فقال له: إلى أين؟ قال: أنت رجل كذاب، وأنا ذاهب لأقطع الشجرة، فقال له: لن تقدر عليها قال: لماذا؟ قال: خرجت أول مرة في سبيل الله مخلصاً، فما كانت قوة تستطيع أن تقف أمامك، أما اليوم فقد خرجت انتصاراً لنفسك فلا تستطيع، فلو مددت يدك لقطعتها لك. فلا بد أن يكون العمل خالصاً لله، حتى ينتفع به دنيا وأخرى. ولذلك أجمل الصلاة صلاة الليل؛ لأن أنظار الناس منصرفة عنها، لكن المصيبة أنه بعد ما تعب وصلى واستقام سمع صوتاً يثني عليه في ذلك، فاغتر بذلك، أما إن لم يتأثر وكانت نيته لوجه الله فلا يضر، أو يتكلم ليشجع غيره على الخير فلا حرج مع الحذر، ولذلك قال الحسن البصري لما سئل: يا بصري! علمناك آدم البشرة، أسمر اللون، يعني: فما لنا نرى عليك نوراً كل يوم يزداد؟ قال: نحن قوم خلونا بالله في ظلمات الليل، فكسانا الله من جماله وجلاله. ولكن الحسن البصري لا يمكن أن يلعب عليه الشيطان ويفتنه إلا بقدر.

стр. 83

أثر الاقتداء في قبول العمل فعمل لا إخلاص فيه ولا اقتداء ضعيف مردود، والعمل الذي فيه إخلاص ومتابعة قوي مقبول، ذهب رجل لزيارة قبر الحسين وكان مخلصاً، ذهب عند المقام وطاف، وفي الحديث: (يا علي! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا ترين صنماً إلا كسرته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) أي: قبراً حال كونه مشرفاً، وفي الحديث الآخر: (إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم، فالدمار عليكم) وفي الحديث الآخر: (إنما لعن اليهود من قبلكم، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إن فعلتم كما فعلوا لعنكم الله كما لعنهم). وأيضاً: يقول النبي ﷺ : (لعن الله زوارت القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)، اتخاذ السرج يكون بأن يوقد شمعتين عند قبر السيدة، ونحو ذلك، وإن غضب الدرويش بسبب ربحه من بعد هذه الشركيات، ولا تقل مش حالك، فلا يوجد في الدين تمشية حال، بل إما حلال وإما حرام، حلال يدخلني الجنة وحرام يدخل النار، ولا مكان بين الجنة والنار أبداً، اللهم اجعلها جنة أبداً يا رب العالمين. نريد أن نهتز هزة جامدة، نعود بها إلى الدين الصافي، وحذار من اللف والدوران حول النصوص، وكل الناس يؤخذ منهم ويرد إلا رسول الله ﷺ ، ثم من قال بقول الرسول ﷺ بدون تأويل، فأنا لا أنظر إلى من قال، ولكن أنظر إلى ما قيل، فلا يهمني الأشخاص، فمثلاً: قد تقول: إن العالم المشهود له بالكفاءة يقول: إن الرسول ﷺ قد استعان بمشرك، نقول: نعم، لكن أنت تأخذ أول الجملة وتنسى آخرها، فهل استعان بمشرك على مشرك أم على مسلم؟ فإن كان استعان به على مسلم فأخبرنا، فقد لا نعرف التاريخ، والذي نعرفه أنه استعان بمشرك على مشرك، فلما خرج من الطائف ومنعوه من دخول مكة، دخل في جوار مطعم بن عدي وكان مشركاً، فاستعان بـ مطعم المشرك على أبي جهل وأبي سفيان، وعقبة، وأمية ومن كان على شاكلتهم. أما عبد الله بن أريقط الذي هو الدليل للنبي ﷺ في الهجرة هو وأبي بكر، فكأن النبي يقول: أستعين به لقضاء مصلحتي، ولا أستعين به على مسلم كما استعنت بالكمبيوتر والتلفزيون، والجزمة، والشراب، وكله صنعه مشرك، فأنا أستعين بهذا المشرك لقضاء حاجتي، لا لقتل مسلم. ولم يأت من أجاز ذلك بنص، فحتى لا يدخل الحلال في الحرام في هذه الفتاوى، يجب أن تكون خالصة لله ما فيها شك، والنصوص واضحة أن الرسول ﷺ استعان بمشرك على مشرك وليس على مسلم، وقال في حديث رواه البخاري: (لا أستعين بمشرك على مشرك)، يعني: ما يقاتل مشركاً بمشرك. ولما سئل في إحدى الغزوات أن جماعة مشركين يريدون أن يحاربوا معه قال: (لا أستعين بمشرك على مشرك)، فمن باب أولى هذا أي: حرمة الاستعانة بكافر على مسلم، نسأل الله أن يكشف غمتنا، وأن يذهب حربنا، وأن يوصلنا إلى بر السلامة. فعمل لا اقتداء فيه لا ينفع صاحبه، فلو خرج مخلصاً من بيته وذهب لزيارة الحسين، والتبرك بقبره، فالإخلاص موجود والاقتداء معدوم، فالعمل مردود؛ لأن الرسول ﷺ لو كان موجوداً ما عمل ما يعملونه، واتفقنا من قبل أن أي حركة أو كلمة أو خطوة أو فعل نضع الرسول ﷺ مكانه، فلو كان الرسول ﷺ يفعله فبها ونعمت، ولو كان لا يليق به ولا يمكن أن يقوله أو يفعله فهو مردود.

стр. 84

مال لا ينفق منه ضائع على صاحبه إذاً: فأول شيء من العشرة الأشياء الضائعة: علم لا يعمل به، والثاني: عمل لا إخلاص فيه، ولا اقتداء. والثالث: مال لا ينفق منه، فلا يستمتع به جامعه في الدنيا، ولا يقدمه أمامه إلى الآخرة. أنا والله حزين على الذين لهم ودائع في البنوك ويعيشون عيشة الكفاف، أعرف أناساً كلما تتحصل له وديعة يضعها ولا يأخذها أبداً؛ لأن فك الودائع حرام عنده، لكن الذي يصلي الصلاة بعد الوقت هذا ليس حراماً عنده في مذهبه! ويأخذ الوديعة ويظل يشتري الحاجة بالقرش ويدفع أقساطاً ويقول: أنا مديون! ومن ادعى الفقر أفقره الله، ومن ادعى المرض أمرضه الله، ومن يظل كالميت يميته الله، لكنه يبقى حياً وهو ميت، كما قال الأول: ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء إنما الميت من عاش كئيباً كاسفاً باله قليل الرجاء إنسان مكتئب وعاش كذلك، فليس للحياة وجود عنده حقيقة، لتبخر الإيمان من قلبه، وسيدنا عمر يقول: اللهم إني أعوذ بك من أربع: من ولد يصير علي سيداً، بمعنى: أنه يأمره وينهاه، قال: ومن زوجة تشيبني قبل المشيب، ثم قال: ومن جار السوء تراني أو ترعاني عيناه، وتسمعني أذناه، إن رأى حسنة كتمها، وإن رأى سيئة أذاعها، وعلى هذا كثير والعياذ بالله. ثم قال: وأعوذ بك من مال يستنفع به ورثتي من بعدي، وأحاسب أنا عليه في القبر. كان سيدنا علي يقول جملة لطيفة وهي: يا بؤس البخيل الغني! يعيش عيشة الفقراء، ويحاسب في القبر حساب الأغنياء، فهو عايش فقير والعياذ بالله، وفي القبر يحاسبه الله حساب الأغنياء لأنه غني، مع أنه ما عاش مثل الأغنياء، هذا البخيل يقول للجنيه عندما يأتي له: ادخل كم تعبت؟ وتداولت من يد إلى يد سوف تدخل في قرار لن تخرج منه أبداً، لن ترى النور مرة أخرى، ودخل وصلى أربع تكبيرات، نسأل الله السلامة. ويقال: إن مادراً الذي يضرب به المثل في البخل فيقال: أبخل من مادر، وأكرم من حاتم، قيل له: ممن تعلمت البخل؟ فقال: تعلمته من قبيلتي، وذلك أنهم كانوا عند أن يخرجوا في رحلة ويطبخوا اللحم، يضع كل واحد قطعة لحمه في القدر، ويربطها بخيط، ويمسكها حتى تستوي، حتى لا تضيع في القدر! ويقال: إن مادراً جمع أولاده الثلاثة، فقال: أريد أن أعرف من الذي يرفع علم البخل من بعدي، فأتى بعظم فقال: من يحسن استخدام هذا العظم؟ فالولد الكبير قال: أمصها حتى لا يبقى منها رمق، فلا يمصها أحد بعدي، فقال له: لست بصاحبي، فقال الولد الثاني: أمصها مصاً حتى لا يعرف رائيها ألسنة ألقيت أم لسنتين؟ قال له: لست بصاحبي، إنك لمسرف. وقال الثالث: أمصها ثم أدقها وأسفها، قال له: أنت صاحبي. فالبخل ابتلاء، وهو يأتي من قلة اليقين بالله، فهو يبخل على نفسه؛ لأنه خائف من غد. أتى علماء الاقتصاد سنة خمسة وستين إلى مصر، قبل إعدام سيد قطب بشهر، فأتوا بالخبراء الألمان من أجل ميزانية مصر يريدون انضباط ميزان المدفوعات، فلم يصنعوا شيئاً، وقالوا لهم: امشوا على ما أنتم عليه، فأصبحت الميزانية ليس لها قانون ينظمها لكن لا شك أن في مصر عباداً صالحين، لا يعرفهم أحد، وهناك مسلمات قانتات عابدات، وأناس ظلموا كثيراً، وأطفال وبهائم، فربنا ينزل علينا الخير بسببهم، وبسبب أناس بينهم وبين الله أسرار، لا يعلمهم إلا الله ، فربنا يرحم العباد بسبب واحد منهم، ولذلك يقول ﷺ : (اللهم شفع من يبكي فيمن لا يبكي)، ولذلك أرحم الناس بالناس العلماء والأتقياء، والرسول ﷺ يقول: (لن يحن عليكم بعدي إلا العلماء والأتقياء)، أهل العلم والتقوى هم الذين يحنون على الأمة، أما الباقي والعياذ بالله فلا يهمهم أمر الأمة لا من قريب ولا من بعيد. إذاً: فالمال الذي لا يستمتع به في الدنيا، ولا يقدم شيئاً منه للآخرة، من الأشياء الضائعة، ورأينا عائشة وهي تعطر الدرهم الذي تنفقه في سبيل الله وتقول: أنا أوقن أنه يقع في كف الله لا في كف الفقير.

стр. 85

قلب فارغ من محبة ربه صاحبه ضائع الشيء الرابع من الأشياء الضائعة التي ما ننتفع بها: قلب فارغ من المحبة لله والشوق إليه والأنس به، وهذه هي قلوب قال الله فيها: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم:٤٣]، هواء يعني: فارغة. ولذلك قالوا: إن النفس كالزجاجة، إذا ما امتلأت بالماء تمتلئ بالهواء، وهكذا النفس إن لم تشغلها بالحق تشغلك بالباطل، والنفس مثل الدابة أو السيارة، لا بد أن تكبح جماحها حتى تنقاد لك وتمشي كما تريد. والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم. أي: هي على ما عودتها وربيتها عليه، فإن عودتها على القناعة تقنع، وإن عودتها على قلة الأكل تعودت، وإن عودتها على قيام الليل تعودت، وإن عودتها على الصبر تتعود، وإن عودتها على الجشع والطمع والنظر إلى ما في أيدي الناس، والحقد والضغينة وشغلتها به تعودت، وهذا هو تخصصها والواجب أن تسلب منها تخصصها، واعلم أن كل شيء تكرهه النفس يقربك إلى الله غالباً، وكل ما تحبه النفس يقربك إلى النار غالباً. من منا تحب نفسه الصيام وقيام الليل؟ وهكذا فالنفس الراضية تملأ قلب العبد محبة لله، ولهذه المحبة التي لله تعالى دلائل وروافد، فروافد المحبة هي مصادرها وينابيعها، ونحن نريد أن نعرف منابع المحبة. أول منبع من منابع المحبة: التدبر للقرآن، ثم تحري أكل الحلال، ثم الثقة بما عند الله، أي: أن تكون بما في يد الله أوثق مما في يدك أنت، مثل أبي بكر الذي كان يقول للرسول ﷺ : (والله يا رسول الله! إنما نعطي لك لتنفقه في سبيل الله، أحب إلينا مما يبقى في بيوتنا). أي: المال الذي أخرجناه أحسن عندنا من المال الذي بقي عندنا؛ لأن المال الذي بقي في أيدينا سيضيع، لكن الذي ذهب في سبيل الله فهو عند الله باق، ولذلك قال النبي ﷺ لـ عائشة: (أما بقي من الذراع شيء؟ قالت: ذهبت كلها وبقي الذراع، قال: كلا، بل بقيت كلها وذهب الذراع)، فانظر الفقه، يعني: الشاة التي ذبحناها أبقي منها شيء؟ قالت: كلها ذهبت أي: أنفقت لله وبقي الذراع، فقال لها: لا، بل بقيت كلها عند الله وذهب الذراع؛ لأنا أكلناه. ولذلك نذكر خبر الصحابي الذي مات وهو يقول: يا ليته كان طويلاً، يا ليته كان جديداً، يا ليته كان كاملاً، وفاضت روحه، وقصته أنه وهو يموت شعر بالجوع، فالملائكة أتت له بطعام فأكل، فتذكر أنه ذات مرة تصدق بنصف رغيف، فكان إطعام الملائكة له على قدر صدقته، فتمنى لو كان تصدق بالرغيف كله، فقال: يا ليته كان كاملاً، وشعر بعطش شديد فلما روي قال: ما الخبر؟ فقيل له: إنك مرة كنت لابساً ثوبين، ثوباً قديماً، وثوباً جديداً، وواحد يقول لك: لله، فذهبت وخلعت له الثوب القديم، فقال: ليته كان جديداً، وشعر بضيق تنفس في صدره فصرف عنه ما هو فيه، فقال: ما هي الحكاية؟ قال: ذات مرة كنت ذاهباً إلى الجامع، فلقيت شيخاً كبيراً يقول: خذ بيدي، فأخذت بيده، فقال: يا ليته كان بعيداً، فليس هناك شيء يضيع عند الله، قال تعالى في آخر سورة الزلزلة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. فكل ذلك محفوظ عند الله تعالى، ولن يضيع. فمنابع المحبة: تلاوة القرآن، والتدبر لما فيه، وحضور مجالس العلم، وأن يكون أمر الآخرة أهم عندي من أمر الدنيا؛ لأنه في الحديث: (المؤمن في الدنيا غريب، لا يأنس بعزها ولا يجزع من ذلها). لا يأنس بعزها لأنها غدارة لا تبقى على حال، وكلنا نحفظ هذا الكلام، لكن أين اليقين؟ أنا أريد أن يتحول علم اليقين إلى عين اليقين، أريد أن أرى الدنيا أمامي وهي تضحك على أهلها، والحال كما قال النبي ﷺ : (لا يأنس من عزها، ولا يجزع من ذلها). إذاً: فهذه منابع المحبة.

стр. 86

علامات المحبة ومؤشرات المحبة التي في القلب ما يلي:

стр. 87

عمل المعروف ابتغاء وجه الله أولاً: أن المعروف الذي أعمله في الناس ويرد علي بخير أو شر كله عندي سواء؛ لأنا قلنا: لو عملت المعروف ورددت عليَّ بشرٍّ فغضبت منك، فالمعروف إذاً ليس لوجه الله، وإنما للناس، لكن لو كان لله فأنا لا أفكر في أن يرد علي بخير أو شر؛ لأنني عملته أصلاً لله. وبعض النساء تقول: هذه الشغالة قد عملتُ لها وعملتُ، فنقول: سبحان الله! إذا كنت عملت لها أمراًَ ما فهل هذا العمل لله أم لغيره؟ الظاهر: أن عملها ليس لله، بدليل: أن الشغالة لو مشت فتلك الزيادة التي كنت تعطينها سوف تقطعينها عنها، لأنها لم تكن لله أولاً، ومن الأفضل ألا أعطي مال الزكاة للسواق الذي معي أو الموظف الذي عندي، حتى لا آخذ مقابل الزكاة منفعة، فمثلاً: الموظف مرتبه مائة جنيه، ومال الزكاة خمسون جنيهاً أعطيتها له فوق مرتبه، فبعدما كان يعمل لي كذا سيعمل كذا وكذا! فبدل ما كان يحمل الشنطة من على الباب سوف يجري ويأتي بها من فوق. إذاً: فالمسلم يراعي هذه المسائل، وهذا من دلائل المحبة، فلا يغضب أحد إذا رد عليه بسوء. وهناك من يقول لك: نعمل الخير ونلاقي الشر، وكل الناس تقول لك: الأقارب مثل العقارب، وتدري أن المصائب إنما تأتي من قبل الأقارب، ونحن كلنا لنا أقارب، فهل كلنا نأتي بالسوء لبعض؟ وإذا أشرت إليك وقلت: إنك مخطئ، فإن أصابعي الثلاث تشير إلي وتقول: إنك أكثر خطأ. إذاً: فمن مؤشرات المحبة: ألا يغضب المكلف عندما يفعل معروفاً مع أحد، ويرد عليه بالسوء.

стр. 88

الفرح بالطاعة ومن مؤشرات المحبة: أني حين ألقي درس علم أكون فرحاً جداً، وكذا إن جلست في مجلس ذكر، أو صلة رحم، أو زيارة مريض، أو تشييع جنازة، أو تعزية أو تهنئة، فأنا أفرح بهذا كله، وأخرج إن أدخلت السرور على مسلم، وأفرح لفرحه، وعندما يأتي له خير أقول: الحمد لله، ربنا يوسع عليك، ويكرمك، ويبارك لك. فيدعو المسلم لإخوانه رجالاً ونساء في ظهر الغيب، والملك يقول: ولك مثل ذلك، ومن لا يرحم لا يرحم، اطلبوا المعروف عند الرحماء من الأمة، ولا تطلبوه عند القاسية قلوبهم والعياذ بالله.

стр. 89

خشوع القلب للقرآن ومن مؤشرات المحبة أيضاً: أن القرآن إذا قرئ فالقلب يقشعر. أخ يسألني بالتلفون: يا سيدنا الشيخ! ما هو صفاء القلب؟ فقلت له - مع فارق القياس -: عندما تكون بارداً ويحصل لك قشعريرة وهزة، وسيحصل كذلك لقلبك، مثلاً عن صلاة القيام، فستشعر بهزة فتفرح بالجنة، وتخاف من النار. مثل المؤشر عند الحيوانات العجماء، انظر الثور في المزرعة لو وخزوه بإبرة فسيذهب المؤشر ناحية الشمال، ولو جوعوه وأتوا له بالأكل فالمؤشر سيتحرك ناحية اليمين، فالثور فرح للأكل فهذا دليل أن القلب كذلك، أي: عند ذكر الجنة يذوب شوقاً وعند ذكر النار يموت خوفاً، وحاله بين الخوف والرجاء، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]. أما فارغ القلب من محبة الله والشوق إليه والأنس به فلا خير فيه؛ لأن ربنا يدعونا إلى الخير، وإلى أن نستعين به سبحانه، قال في الحديث القدسي: (ألا من تائب فأتوب عليه، ألا من سائل فأعطيه، ألا من مستغفر فأغفر له؟)، حتى يطلع الفجر. ولذلك قلنا: ليس العجب من فقير يتقرب إلى غني، ولكن الأعجب من ذلك غني يتودد إلى فقير، وليس العجب أن يتقرب الضعيف إلى قوي، ولكن الأعجب أن يتقرب القوي إلى الضعيف، وليس العجب أن يتقرب الذليل إلى العزيز، ولكن الأعجب أن يتودد العزيز إلى الذليل! فالفقير يتقرب من الغني لكي يأخذ منه، والغني يتقرب للفقير لماذا؟! وفي الحديث القدسي: (إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، أرزق ويشكر غيري، خيري إلى العباد نازل، وشر العباد إلي صاعد، أتودد إليهم بالمغفرة وأنا أغنى الأغنياء عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أشد ما يكونون حاجة لي، أهل ذكري أهل شكري، أهل طاعتي أهل محبتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، من تاب إلي منهم فأنا حبيبه، ومن لم يتب فإني غني عنه، الحسنة عندي بعشر أمثالها قد أزيد، والسيئة عندي بواحدة وقد أعفو، وأنا إليهم أرحم من الأم بأولادها). تأمل معي قوله تعالى: (هل أتودد إليهم بالمغفرة وأنا أغنى الأغنياء عنهم)، فالله يتودد كما قال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤]، وقال: من جاءني منهم تائباً تلقيته من بعيد: مرحباً بالتائبين، ومن ظهر منهم عاصياً ناديته من قريب: إلى أين تذهب؟ أوجدت رباً غيري أم وجدت رحيماً سواي؟ هل تاجرت مع الله وخسرت؟ والله إن الخسارة كل الخسارة أن تتاجر مع غير الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الصف:١٠ - ١١]، هذا أول شرط، وهو الإيمان العملي، لا الإيمان النظري. فنطلب القرب من خط رسول الله ﷺ .

стр. 90

البدن المعطل من طاعة سيده بدن ضائع قلب فارغ من محبة الله والشوق إليه والأنس به، وبدن معطل من طاعة سيده وخدمته، فهو بدن ضائع، وربنا أعطانا نعمة البدن الصحيح، وكل جارحة من هذه الجوارح عليها زكاة، فالعين عليها زكاة، بالنظر إلى المصحف، ونحوه من عمل الخير، واليد عليها زكاة، والمال عليه زكاة، والصحة عليها زكاة، والرجلان عليهما زكاة، والعقل عليه زكاة والعلم عليه زكاة، كل هذه فيها زكاة مطلوبة منك لله. لكن أنت تعطل هذا البدن مما خلق له وتضيعه بأكل كثير، ونوم كثير. يا كثير النوم والرقدات كثرة النوم تورث الحسرات إن في القبر إن نزلت إليه لمنام يطول بعد الممات ومهد ممهد لك فيه بذنوب عملت أو حسنات إذاً: فلا تضيع وقتك في النوم، وهو عيب أن يعيش الواحد منا سبعين أو ثمانين سنة ينام منها ثلاثين سنة، فهذا ظلم، فأنت تنام ثمان ساعات في اليوم، أي: الثلث، ولو تعيش ستين سنة فتكون قد نمت عشرين سنة، أما يستحي أحدنا على نفسه؟ والثلثان من الستين السنة تكون عشرة أعوام أو اثنا عشر أو ثلاثة عشر أو خمسة عشر عاماً، قبل التكليف، فكم بقي لك من العمر؟!

стр. 91

المحبة التي لا تتقيد برضا المحبوب ضائعة الأمر الخامس: محبة لا تتقيد برضا المحبوب، وامتثال أوامره. يعني: أن المحبة تقتضي أن تمتثل أوامر الله، وتجتنب نواهيه، أما من يقول: أولادي وأهلي يعطلونني عن ذكر الله وعن الاستقامة على طريق الله، ويجعلونني أكدح طوال اليوم من شبهة أو من حرام، تقول له: قل أيضاً: هل هم سيدخلونني النار أم الجنة؟! إذاً: فلا ينبغي أن يحب أحد ابنه أو بنته إلى حد يفوق حبه لربه، وكيف بمن يحب ابنته ثم يعمل لها حفل زفاف لا يرضي الله؟ فهو أول مبغضيها، وإن قال أحد: نحن نخطئ في حفل زفاف البنت، لكننا ندخل الفرح عليها، وفي الحديث: (من فرح أنثى كان كمن بكى من خشية الله)، فنقول: هذا فرح الأنثى وأغضب الله! فقدم فرحها على محبة الله؛ لأنه خالف أمره، ولذلك قال: ومحبة لا تتقيد برضا المحبوب وامتثال أوامره، فلا نريد محبة نظرية، وإنما الواجب المحبة العملية، وكلنا نقول: نحن نحب الله ونحب الرسول، فالمذيعة عند ظهورها ووجه ملطخ أحمر وأصفر، وتقول: وقال ﷺ كذا، والأخلاق كذا فأين محبة الله ورسوله مع عدم امتثال أوامرهما؟! وقد يأتون بعالم لكن الكلام كله للمذيع أو للمذيعة. فالواجب كما أن هناك استقلالاً للقضاء في الإسلام، فيجب أن يكون هناك استقلال لعلماء الإسلام. لا يشتغل العالم في الأوقاف ولا في الأزهر ولا في الحكومة، بل يشتغل عند الله ومعه فقط؛ لأنه لا ينفعنا حقيقة إلا الله.

стр. 92

الوقت المعطل عن الطاعة وقت ضائع ووقت معطل عن استدراك فارط، أو اغتنام بر وقربة وقت مضيع. كلنا سنسأل عن الوقت لماذا ضيعناه؟ أريد كل ليلة أن نقعد ونحاسب أنفسنا عن اليوم وكيف ضاع وفي ماذا؟ كفى إضاعة للوقت ألا أعمل فيه لا خيراً ولا شراً، وفكر يجول فيما لا ينفع، وصل ابن القيم إلى أن الفكر ينبغي أن يجول فيما ينفع، وهو يقول: الفكر لما يجول فيما لا ينفع فهذا من العشرة التي لا ينتفع بها.

стр. 93

خدمة من لا ينتفع به دنيا وأخرى خدمة ضائعة ثم قال: وخدمة من لا تقربك خدمته إلى الله، ولا تعود عليك بصلاح دنياك. أتينا للكلام الهام، خدمة من لا تقربك خدمته إلى الله، ولا تعود عليك بصلاح دنياك، كأن يخدم رجلاً يبعده عن الله سبحانه، أو يخدم واحداً يعمل عملاً لا يفيد، ولا تقل: دعه يعمل واتركه، أو تقول: هذه أوامر يا شيخنا، وأنا عبد مأمور، لكن من الآمر؟ ومن الذي ينبغي أن يطاع ولا يعصى حقيقة؟ فكلنا عبيد لله، ولا طاعة لغيره في معصيته. أما إن كان الأمر هكذا أي: يطاع غير الله في معصيته، فالحال كما قال بعضهم على لسان حمار الحكيم: قال حمار الحكيم توما لو أنصف الدهر كنت أركب أي: لو أن الدهر عادل فليس من الصواب أن الحكيم يركب علي دوماً وهو غير أهل لذلك. ثم قال الحمار: فإنني جاهل بسيط وصاحبي جهله مركب فالمصيبة أن يخدم أحد من لا يقربه إلى الله، ولا يدل الخادم في الدنيا على خير، فحينها يصير الحال كما أخبر الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٦ - ١٦٧]. وقد قال النبي ﷺ : (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، فخوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله، وهو أسير قبضته، ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، فناصيته بيد من يقول للشيء: كن فيكون، فلا تخف إلا من الله. إذاً: فهذه عشرة أشياء يتحدث ابن القيم الجوزية عنها أنها ضائعة، ولا ينتفع المسلم بها، ثم يعلق ويقول: [وأعظم هذه الإضاعة إضاعتان، هما أصل كل إضاعة: إضاعة القلب، وإضاعة الوقت]، وهما أهم ما في الدرس. أما إضاعة القلب فبإيثار الدنيا على الآخرة، وهذا سبب الهلاك، أي: تفضيل الدنيا على الآخرة وأما إضاعة الوقت فمن طول الأمل، يعني: يضيع الوقت على أساس أنه ما زال موجوداً غداً، وما دام كذلك فالتوبة آتية، لكن عبد الله الصالح لا يضمن أن غداً سيأتي. ولذلك يقول الإمام في الصلاة: صل صلاة مودع، أي: قدر أن هذه آخر صلاة لك، فإن كنت كذلك فلن يأتي الصبح أو العشاء أو المغرب إلا وقد عملت طاقتي من الطاعات، أما من ليس كذلك فيضيع الوقت بسبب طول الأمل، والفساد كله في اتباع الهوى وطول الأمل، فاتباع الهوى يصد عن الحق، وطول الأمل ينسي الآخرة، والصلاح كله في اتباع الهدى، والاستعداد للقاء الله. ثم يقول ابن القيم: [العجب ممن تعرض له حاجة ويصرف رغبته وهمته فيها إلى الله ليقضيها له، ولا يتصدى للسؤال لحياة قلبه من موت الجهل والأعراض، وشفائه من داء الشهوات والشبهات، ولكن إذا مات القلب، لم يشعر بالمعصية]. رأى ابن القيم مصيبة أكبر مما سواها وهي موت القلب، وكأنه يقول: لماذا لا تجأر إلى الله بأن يشفي قلبك المليء بالجهل، والمرض أو الموت، لكي يشفيك من هذا الداء، فإذا جأرت إلى الله بالدعاء فسوف يعطيك حاجتك، فيشفي لك المريض، وييسر عليك الأمر، ويذلل لك العقبة، ويفرج عنك الكربة، وسيشحن قلبك بالإيمان، ويجعله من القلوب الأواهة المثبتة المنيبة.

стр. 94

سلسلة شرح كتاب الفوائد [١١] من كمال الإيمان الاستغناء بالله عمن سواه، والفرح بالله تعالى وطاعته من غير التفات للدنيا وشهواتها مع الانكسار بين يدي الله اعترافاً بالخطأ وإقراراً بالتقصير، وإن هذا الدين لينبني على قاعدتين هما الذكر والشكر، وهما متلازمان فمتى قام العبد بهما فقد أدى حق الله.

стр. 95

الاستغناء بالله أهميته وعلاماته ثم يقول ابن القيم ﵀: [إذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله]، يعني: إن كان توكل الناس أو استغناؤهم في الدنيا بمال، أو جاه، أو مركز اجتماعي، أو نحوه، فاجعل استغنائك بالله ، يعني: أن تستغني بالله لا بغيره، فإذا استغنى الناس بالدنيا عن الدين فاستغن أنت بالدين عن الدنيا، وذلك لأن هناك فرقاً بين من يستغني به ويستغني عنه، فأن يستغنى الإنسان بالله فهذا هو الغنى الحقيقي. أما أن يستغني الإنسان عن الشيء فهذا إنسان زاهد في هذا الشيء، يعني: أن هذا الاستغناء إن كان عن الله فهو استغناء مذموم بغيض، أما أن يستغني الإنسان بالله ، فهذا يكون عندما يرى الناس قد استغنوا بالدنيا واعتمدوا على ما أعطوا من حطامها. فحينها يكون استغناؤك بالله ، فإذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله.

стр. 96

الخوف من الله وحده وما هي علامات الاستغناء بالله تعالى؟ هناك نقاط معينة محددة إن توفرت فصاحبها مستغن بالله، وهي على النحو التالي: أولاً: ألا يخاف إلا من الله . هذه أول علامة تثبت أن الإنسان قد استغنى بالله، وما دام أنه ما خاف إلا من الله فعنده توحيد خالص؛ لأن الناس يدخل فيهم الشرك في مسألة الخوف، أي: بأن يخاف أحدهم أن يتكلم كلمة الحق فيذهب في داهية، أو يخاف على أولاده فلا يشهد شهادة الحق حتى لا يسجن، وهكذا خوف الناس من غير الله أي: من المخلوق، قد يوقعهم في الشرك. والمراد: الخوف الذي يوقع في المخالفة الشرعية، أما أن تخاف المرأة زوجها إن رآها متبرجة، لأنه يأمرها بالحجاب، فهذا محمود، أما إن كان العكس كأن يقول من ليس ملتزماً: أنا أريد امرأة متبرجة، يظهر شعرها وجسمها فتخاف امرأته منه، لئلا يتزوج غيرها فهذا خوف ليس في مكانه؛ لأنه خوف من المخلوق في مخالفة الخالق، وهذه لم تستغن بالله، وإنما استغنت بالدنيا، فدليل استغنائك بالله وصدق توكلك واعتمادك عليه ألا تخاف إلا منه، وما دام أنك لا تخاف إلا منه فأنت موحد توحيداً خالصاً. فهذه أول علامة من علامات الاستغناء بالله.

стр. 97

الثقة بما عند الله ثانياً: الاستغناء بما في يد الله، ثق بما في يده سبحانه، مثل: أن تملك عشرة جنيهات فتخرج واحداً منها، فإذا كان الجنيه الذي أخرجته أحسن من التسعة التي بقيت عندك، فلست مستغنياً بالله، وكثير من الناس يشعر أن هذا الذي أخرجه يعد ضائعاً، فيخرجه رياء وسمعة. إذاً: المستغني بالله يعرف أن هذا الجنيه المخرج في ميزان حسناته يوم القيامة، والتسعة التي فضلت عنده قد يصرفها في شيء لا يرضي الله، أو حطام الدنيا الزائل، وفي الحديث: (يقول ابن آدم: مالي مالي وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت، أو تصدقت فأبقيت؟). فهذا هو الذي يبقى، إذاً: فلنستح من الله حق الحياء، وحق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى، وأن تعد نفسك مع الموتى، وأن تؤثر ما يبقى على ما يفنى، فهذا هو الذي عنده حياء من الله، ويبقى مستغنياً به . إذاً: فالعلامة الثانية: أن أكون واثقاً بما في يد الله، وقد وقعت هذه العلامة لسيدنا أبي بكر فقال: (يا رسول الله! والذي بعثك بالحق نبياً، إن الذي نعطيه لك لتنفقه في سبيل الله أحب إلينا مما بقي معنا)، إذاً: فـ أبو بكر مستغن بالله ؛ لأنه آخذ نص الحديث: (ثلاث أقسم عليهن)، أول هذه الأشياء: (ما نقص مال عبد من صدقة)، فهو ينقص ظاهراً، لكن حقيقة الأمر زيادته. إذاً: نظرة المؤمن غير نظرة مدعي الإيمان، فنظرة المؤمن أنه يرى أن هذه النفقات ليست نقصاً، ومثل ذلك الصيام، أي: في ظاهره أنه تعذيب وحرمان من الطعام والشراب، لكن هذا حرمان في الظاهر، أما في باطنه فهو الرحمة، والقرب من الله .

стр. 98

الأمل الكبير في الله عند المصائب ثالثاً: إذا أدلهمت عليك الخطوب، ونزلت بك الابتلاءات والمصائب، فكن دائماً كبير الأمل في الله؛ لأن ربنا سيقول للمشكلة: كوني كذا، فلا تكون مشكلة، أو يقول لها: كوني أيتها المشكلة! سبب سعادة هذا الإنسان، فتكون كذلك، يعني: المرض والفقر وكثرة الابتلاءات والجار السيئ، كل هذه ظواهرها شر، مثلما قال سيدنا أبو ذر: إني أحب ثلاثة يا رسول الله! أحب المرض وأحب الموت، فهذه ظواهرها أنها سيئة، لكن ليست كذلك، فالمؤمن يقول: إن جعت رق قلبي، وإذا مرضت خف ذنبي، وإذا مت لقيت ربي، يعني: ترجم هذه الصور السيئة بالنسبة لنا إلى ترجمة إيمانية، مثل أحد الصحابة لما قطعوا له رجله قال: إن كنت قد أخذت فكم أبقيت؟ ولئن كنت ابتليت فكم عافيت؟ يعني: يا رب! إذا كنت أخذت قطعة فقد تركت قطعاً، وإن كنت يا رب! ابتليت فقد عافيت كثيراً. إذاً: فالمسلم يرى ما بقي عنده من نعم، وعندما يزن الأمور يجد عنده نعماً كثيرة جداً، فهذه بعض الدلائل التي تشير أن العبد قد استغنى بالله . فإذا استغنى الناس بالدنيا استغنى بالله، وإذا فرحوا بها فرح بالله، الناس تفرح بنجاح الولد أو البنت أو أن يجد شقة أو البنت تجد لها عملاً فهذه المسائل إنما هي زائلة، والمسلم الحقيقي أو الصادق، فرحه بقربه من الله، فرحه بدرس علم، فرحه بصلاة جماعة، قيل: يا عمر بن الخطاب! ما أفضل الأعمال إليك؟ قال: صلاة جماعة، أكفى سهوها وأضمن أجرها، يعني: صلاة الجماعة فهي إن شاء الله مقبولة، وأضمن أجرها، لكن لو صليت وحدي فلا أضمن أجرها ولا آمن سهوها.

стр. 99

الفرح والأنس بالله تعالى قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإذا فرحوا بالدنيا فافرح أنت بالله]. لا بد أن تفرح بالله ؛ لأنه رزقك الإسلام؛ ولأنه لا توجد نعمة أكبر من نعمة الإسلام، وهذه نعمة لم نحافظ عليها حق الحفاظ، فهي نعمة لا تساويها نعمة، فالمال يأتي ويذهب، والجاه يأتي ويذهب، وأي شيء في الدنيا يضيع إلا الإيمان، يقول رسول الله ﷺ : (إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الإيمان إلا من أحب) فالله لا يعطي الدين إلا للذي يحبه، ولذلك قال رسول الله ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، وليس معنى (يفقهه في الدين) أن يجعله عالماً وشيخاً كبيراً، ولكن التفقه في الدين هو أن يعرف المسلم ما الذي ينجيه والذي لا ينجيه؟ وأن يعرف المسلك الذي يوصله إلى الجنة، والمسلك الذي يهبط به إلى قعر النار والعياذ بالله. فالمسلم لا بد أن يضع نصب عينيه ما الذي ينجيه وما الذي يضيعه، فإذا عرف هذا، فإن الله اختار له الخير. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإذا أنسوا بأحبابهم، فاجعل أنسك بالله]. مثلما تفرح بالجلسة مع الأحباب وتأنس بالجلوس معهم، فليكن أنسك بالله ، قال أهل العلم: إن الله اطلع على قلوب العباد، فوجد أشوق القلوب إليه قلب رسول الله صلى الله عليه سلم، فلم ينتظر إلى يوم القيامة لكي يريه وجهه، وإنما عجل له برحلة المعراج لكي يتشرف الحبيب برؤية الله ، لأنه اطلع على قلبه فوجده قلباً تواقاً، فجعله يرى المعبود الذي يعبده، فأكرمه الله. وسيدنا موسى ﵇ طلب رؤية الله ، ولكن سيدنا محمد ﷺ لم يطلب رؤية الله ، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]، والله تعالى يقول: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]. أما رسول الله ﷺ فلم يطلب أن يرى وجه ربه، ومؤكد أنه كان يتمنى ذلك، ولذلك قالوا: سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار، أي: أن الذي يخطط ويفكر ويتوقع ويعمل دراسة جدوى لمشروع يريد أن يقوم به، ولكن الله يريد شيئاً آخر، فلا يحصل إلا ما أراده الله وليس ما خططه هذا العبد؛ لأن القدر له أسوار عالية لا يستطيع أحد أن يخترقها إلا بإذن الله وبقضائه وقدره. ولذلك سألوا سيدنا عمر عندما حصل الطاعون في الشام، قالوا: هل ندخل أم لا ندخل؟ فلم يجبهم عمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا كان الطاعون في بلد وأنتم خارجها فلا تدخلوها، وإن كنتم داخلها فلا تخرجوا منها)، فاتضحت الصورة لسيدنا عمر، فقال: فلنرجع، فقال له بعضهم: أتفر من قدر الله يا أمير المؤمنين؟! فقال: نفر من قدر الله إلى قدر الله. فلا منجى من الله إلا إليه. ويجب أن يكون إيماننا في حالة من الازدياد، ولا يزداد الإيمان إلا بالتسليم الكامل لله . وأضرب لكم مثالاً: لو أن شخصاً جلس في بيته لمدة ساعة، وسمع عشر مكالمات تلفونية، وفي كل مكالمة مشكلة مختلفة عن الأخرى تماماً، فهذه مشكلة كبيرة وهذه مشكلة صغيرة وهكذا ولله في خلقه شئون، كيف يوزع كل هذه الأشياء؟ ورجل يقول لي: هل أنت ربنا؟ فأقول له: استغفر الله! أنا لست رباً، فيقول: أنت لن تحاسبني، فأقول له: ولماذا أحاسبك؟ فيقول: زوجتي للأسف تحضر محاضراتك في المسجد، فقلت له: ولماذا تقول للأسف؟ فقال: لقد ضيقت علي حياتي، فكلما تسمع كلمات منك تأتي وتريد أن تطبقها علي، وأنا لا أعرف الصلاة والصوم، فقلت له: وأنت أتيت إلي لكي تتشاجر معي أو تستوضح مني أو ماذا؟ وقال لي: وأنا أيضاً أحب الجلسات اللطيفة وأريد أن أشرب كأساً من الخمر أو كأسين كل يوم، فقلت له: يكفي أنك رجل تحب الله ورسوله، فقال لي: من أين عرفت هذا؟ فقلت له: الذي يقول هذا الكلام الصريح لا يخاف من أحد ولا يخاف إلا من الله، وطالما أنك غير خائف مني فهذا دليل على أنك خائف من الله، فأخرج ورقة وقلماً من جيبه وسألني عن مواعيد محاضراتي في المسجد. وأقسم بالله أن هذا الرجل في كل جمعة أراه في أول عمود في المسجد، ولا أحد يصل إلى أول العمود يوم الجمعة إلا الذي يأتي مبكراً في الساعة التاسعة صباحاً، لأنه في الساعة العاشرة لا تجد مكاناً داخل المسجد. فلو قلت له: دع زوجتك وشأنها، وتشاجرت معه، ربما نفر أكثر. أنت أحياناً تضطرك الظروف ليس لدرجة أنك تنافق الناس، ولكن دعوة الرسول ﷺ كانت لطيفة وعظيمة، والله لو كانت دعوة سيدنا الحبيب ﷺ مثل بعض الأخوات المنقبات اللاتي يهاجمن النساء في كل مكان، لتوقفت الدعوة، تجد الواحدة من هؤلاء بمجرد أن ترى فتاة في الشارع وهي غير محجبة، فتسحبها من شعرها، وتقول: لابد أن تحتجب، وإن كانت هذه الفتاة تلبس قصيراً، ولكن هؤلاء لا يركزن إلا على النقاب، فلا بد من أسلوب في هذه المسائل. فالدعوة تحتاج إلى صبر وانشراح صدر، وتحمل في الله . ولكن للأسف تجد بعض الشباب والشابات يأخذون بنصوص الأحاديث أو بمجرد أن يسمعوا محاضرة في مسجد أو من أي شيخ، فيعودون إلى بيوتهم ويخاطبون آباءهم بطريقة غير مؤدبة، فيقولون لهم: لقد سمعنا اليوم شيخاً يتكلم عن النار وعذاب النار والمنافقين وصفات المنافقين، وأنتم لا تصلون الفجر ولا العشاء، فأنتم منافقون وستدخلون النار ولن تدخلوا الجنة. ولكن لماذا لا نتعلم من سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عندما قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٣ - ٤٤]، وأبوه يقول له: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦]، ولو أن أحداً في زماننا يقول لولده هكذا، لرد عليه ابنه وقال: والله لن تقدر! ولكن سيدنا إبراهيم لم يقل له هكذا، وإنما قال له: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧]، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، فإذا كان المريض ليس عليه حرج، والذي غاب عنه عقله ليس عليه حرج، فما بالك بشخص غائب عنه الإيمان! فإن مشكلته كبيرة، فهو مثل الذي عندهم أمراض عقلية -ربنا يشفي كل مريض- ويقولون لبعضهم: نحن محتجزون هنا بعيداً عن الناس لكي لا نصاب بالجنون، والناس ينظرون إليهم أنهم مجانين، وهذا بالضبط ما يحصل -مع فارق القياس- فعندما يراكم بعض الناس تدخلون المساجد، فإنهم ينظرون إليكم نفس النظرة، ويقولون: الدين ذهب بعقلهم، وهناك رجل يضحك عليهم يذهبون إليه كل يوم أربعاء، والأغرب من هذا أن بعضهم يقول: هذا هو الذي خرب علينا بلادنا. سبحان الله!! فالمسلم ينظر إلى هذه الفئات من الناس ولا يتهمها، لأنهم مرضى، وهناك مثل يقول: من ذاق عرف، فلو ذاق أحد طعم الإيمان سيعرفه، فإنه شيء يحس ولا يقال، فمثلاً لو سألك رجل: كم تحب ولدك؟ فهذا ليس سؤالاً؛ لأن كل شخص يحب ابنه، ولا يستطيع أن يصف حبه لابنه، فهذا شيء يحس ولا يقال، وهكذا الإيمان عندما يتشرب في القلوب فتجد صاحبه ينظر للناس نظرة رحمة، حتى العاصي فإنه ينظر له نظرة رحمة، لأنه لو تاب سيكون أحسن مني ومنك؛ لأن الرسول ﷺ قال فيه: (عاشروا التوابين فإنهم أرق أفئدة). ورجل آخر قبل سنوات أتى ودق باب بيتي وهو كبير في السن، فقلت له: تفضل ادخل، فقال لي: أنا أتيت لأسأل سؤالاً من الباب، فقلت له: تفضل واسأل بالداخل، فلم يقبل، فقلت له: تفضل واسأل، فقال: هل يغفر ربنا جميع الذنوب؟! قلت له: نعم، الله يغفر الذنوب جميعاً بفضله ورحمته، وربما أن الله سيرحم محافظة الجيزة لأجلك، فقال لي: لماذا؟! وفاضت عيناه بالدموع، فقلت له: عندما يبلغ عمر العبد ستين سنة يقول الله: خففوا عن عبدي الحساب، وعندما يبلغ سبعين سنة يقول: هذا أسيري في الأرض، وعندما يبلغ ثمانين سنة يقول: لا تكتبوا على عبدي سيئة حتى آخذه عندي. فكلما تقدم العبد في السن كلما خفف الله عنه، لأن الله يسلب منه الصحة والذاكرة، وتجده يذكر شيئاً وينسى شيئاً، وبعدما كان يذهب هنا وهناك، بدأ يجلس في بيته وأصبحت حياته محدودة، فهذه تشمله رحمة الله ، وهذا من فضل الله على الإنسان. وأبو ذر ﵁ كان قاطع طريق، لأنه كان من قبيلة غفار، وقبيلة غفار أكبر قطاع طرق في جزيرة العرب، فلما أسلم ودخل على رسول الله ﷺ ورآه تبسم النبي ﷺ فيقول أبو ذر: إن الله يهدي من يشاء، فعندما يشاء الله أن يهدي إنساناً فهو يهديه فيمن هدى. والأنس بالله من جربه عرفه، فالذي دنياه لله ، وكل حركة لله، من صلاة ودرس العلم، وقراءة وصلة الرحم، وبرنامج حياته كله لا يتحرك إلا لله، فيصبح عنده أنس بالله ، وما دام عنده أنس، فعنده طمأنينة، وما دام عنده طمأنينة فيكون عنده رضا، ومادام عنده رضا فهو في الجنة قبل أن يدخل الجنة.

стр. 100

التعرف والتودد إلى الله قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإذا تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة، فتعرف أنت إلى الله وتودد إليه تنل بذلك غاية العز والرفعة]. فالناس يتعرفون إلى الملوك والكبراء حتى ينالوا منهم حظاً أو كرسياً أو درجة أو علاوة أو غيرها، والمؤمن عندما يتعرف إلى الله يشعر أنه عزيز بالله، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]. قال الشاعر العربي مع تحفظنا على ما قال: لا تسقني ماء الحياة بذلة بل فاسقني بالعز كأس الحنظل ماء الحياة بذلة كجهنم وجهنم بالعز أعظم منزل فالله يعز الذليل بطاعته، ويذل العزيز بمعصيته. وأبو سفيان ظلم جاره، فذهب الجار واشتكى إلى أمير المؤمنين عمر، وأبو سفيان من أكابر قريش، فقال أمير المؤمنين عمر: يا أبا سفيان! أرجع الحق إلى صاحبه وإلا ضربتك بالسوط فأرجعه إلى صاحبه، فسجد سيدنا عمر وقال: الحمد لله الذي أعز الذليل بطاعته، فجعل عمر يرفع السوط على أبي سفيان فينصاع أبو سفيان له. فسجد أبو سفيان وقال: الحمد لله الذي صبّر واحداً مثلي على واحد من أمثال عمر. وكان جبلة بن الأيهم أميراً نصرانياً ثم أسلم، فبينما كان يطوف حول الكعبة وكان لابساً رداء، فمر به أعرابي فداس على ردائه، فلطمه جبلة في وجهه وقال له: أتدوس يا أعرابي رداء جبلة؟ فذهب الأعرابي واشتكى لسيدنا عمر، فأتى بـ جبلة وقال للأعرابي: ماذا صنع بك جبلة؟ قال: لطمني أمام الناس قال: الطمه. فلطمه أمام الناس، فارتد جبلة عن الإسلام. فإذا تعرف الناس إلى الملوك والكبراء لكي ينالوا عزة أو رفعة أو درجة أو منزلة، فتعرف أنت إلى الله يعطك رب العباد من عزته ورحمته والمكانة العليا، ولذا قال العلماء: تقرب النبي ﷺ ليلة المعراج إلى الله قرب مكانة لا قرب مكان، لأن الله خالق الزمان والمكان؛ فلا يحده زمان ولا مكان.

стр. 101

حكم من منّ على الله بعمله قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال بعض الزهاد: ما علمت أن أحداً سمع بالجنة والنار تأتي عليه ساعة لا يطيع الله فيها بذكر أو صلاة أو قراءة أو إحسان. فقال له رجل: إني أكثر البكاء. فقال: إنك إن تضحك وأنت مقر بخطيئتك، خير من أن تبكي وأنت مدل بعملك]. أي: لئن تصبح ضاحكاً وأنت نادم، خير لك من أن تصبح باكياً وأنت مدل على الله بعملك، أو تمن على الله بعملك وتقول في نفسك: أنا عملت كذا وكذا وكذا، فلا يوجد أفضل مني، فهذا خطأ، فلابد للمسلم أن يظل مستشعراً تقصيره مهما كانت عبادته. [فإن المدل لا يصعد عمله فوق رأسه، فقال: أوصني! فقال: دع الدنيا لأهلها كما تركوا هم الآخرة لأهلها]. عندما تدعو شخصاً وهو ليس متعوداً على المحاضرات ولا يريد المحاضرات أصلاً، فتقول له: هلا أتيت معنا يوم كذا، لدرس أو لخطبة أو لمحاضرة، فتجده يرد عليك بسخرية، ويقول: اجعل لنا من بركاتك. فمثلما هو قد ترك لك الآخرة، كافئه واترك له الدنيا، ولن تخسر شيئاً، ولو أخذ الدنيا سيكتشف عندما يموت أنها هباء منثور، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكن في الدنيا كالنحلة إن أكلت، أكلت طيباً، وأن أطعمت أطعمت طيباً، وإن سقطت على شيء لم تكسره ولم تخدشه]. فالنحلة تأكل رحيق الأزهار، وتؤكلنا الشهد، وعندما تقف على العود لا تخدشه ولا تكسره، فالمسلم يجب أن يكون خفيفاً كالظل، لا يكون فضولياً ولا مزعجاً ولا يعيد كلامه أكثر من مرة.

стр. 102

مبنى الدين على الذكر والشكر قال المصنف رحمه الله تعالى: [مبنى الدين على قاعدتين: الذكر والشكر، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢]]. أي: من ذكر الله ذكره الله، وعكس الشكر الكفران، والعياذ بالله. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال النبي ﷺ لـ معاذ: (والله! إني لأحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم! أعني علي ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك)]. أي: اطلب الإعانة من الله، فالإنسان إذا لم يستعن بالله، فإنه سيذكر الله وحالته النفسية جيدة، أما إذا تضايقت حالته أو مرض فلن يستطيع أن يذكر الله، فعندما تكون الاستعانة بالله، ففي كل وقت يعينك على ذكره، ولذلك يجب علينا نقول في كل صلاة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فالإعانة من الله دائماً، مثل محطة توليد الكهرباء التي لا تنقطع. فعلى المسلم أن يقول عقب كل صلاة ثلاث مرات: اللهم أعني على طاعتك وذكرك وحسن عبادتك.

стр. 103

المراد بالذكر قال المصنف رحمه الله تعالى: [وليس المراد بالذكر مجرد ذكر اللسان]. ترى بعض النساء في البيوت تمسك السبحة بيدها وهي تشاهد التلفاز وترى المسلسل وتتخذها عادة، فهذا لا يصح، فإما أن ترى التلفاز وإما أن تذكر الله، فإما الله وإما عباد الله، إما الخالق وإما المخلوق، إما دنيا وإما آخرة، فلا يجتمع الاثنان؛ لأن المتضادات لا تجتمع، فالليل والنهار لا يجتمعان، والكفر والإيمان لا يجتمعان، فإن هذا مستحيل. فالذكر ليس تسلية، ولكن الذكر استحضار قلب. قال المصنف رحمه الله تعالى: [بل الذكر القلبي واللساني، وذكره يتضمن ذكر أسمائه وصفاته]. يعني: عندما تقول: اللهم! أعني على ذكرك، فذكره يتضمن أسماءه وصفاته، مثل: الرحيم، الغفور، الودود. وإن كان قلبك مظلماً فمن أسماء الله النور، وعندما تشعر أنك في ظلمة من المعصية، فالذي ينور هذه الظلمة هو الله بطاعتك له. وإن كان في داخل الإنسان ضلالة، فمن أسماء الله: الهادي، فكم هو جميل أن يناديك الناس باسم: عبد الهادي؟ ولكننا من كثر التكرار ننسى حلاوة الاسم، فهو يعبد الهادي الذي يهدي، كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد:٣٣]. وإن كان العبد فقيراً فمن أسماء الله: الغني، ومن ذنوب العبد كثرة العصيان، فالله هو الغفار التواب، فعلى المسلم أن يستحضر القلب وهو يذكر هذه المعاني. فليست الذكر مجرد ذكر لساني، ولكن لا بد من الذكر اللساني والقلبي، لكي يذكر بهما الأسماء والصفات. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وذكر أمره ونهيه، وذكره بكلامه، وذلك يستلزم معرفته والإيمان به وبصفات كماله ونعوت جلاله والثناء عليه بأنواع المدح، وذلك لا يتم إلا بتوحيده، فذكره الحقيقي يستلزم ذلك كله ويستلزم ذكر نعمه وآلائه وإحسانه إلى خلقه]. سألت أحد الإخوة، وكان قد سافر عن طريق البحر: هل هذه أول مرة تسافر عن طريق البحر؟ قال: نعم، فقلت له: بماذا كنت تشعر وأنت في الباخرة؟ فأجابني إجابة لطيفة جداً، قال: أشعر بالليل أنه القهار، وأشعر بالنهار بأنه ذو الجمال والرحمة، فبالليل ظلام دامس والباخرة في البحر مثل الريشة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾ [الشورى:٣٢]، فبالليل رهبة وقهر، وفي النهار جمال ورحمة. وكما تذهب لزيارة قبر الحبيب المصطفى ﷺ ، فإنك تلقى الجمال والود والرحمة، وعندما تذهب إلى الكعبة تشعر بالرهبة والجلال والعظمة والقهر والجبروت، فتشعر في المدينة بالحنان، وتشعر في مكة بالخوف وبالذلة لله ، فتلك لها مذاق وتلك لها مذاق، ونحن لا نقارن هنا، وإنما هذه مثلها مثل الزاويتان المتكاملتان كل زاوية تكمل الأخرى، فهو القهار وفي نفس الوقت هو الرحيم، وهو القوي الغفور، والجبار الودود.

стр. 104

تعريف الشكر قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما الشكر فهو القيام بطاعته والتقرب إليه بأنواع محابه ظاهراً وباطناً]. فالحمد ليس كلاماً، وإنما فعل وعمل وصدق يقين بأن الله هو صاحب النعم، فالشكر هو القيام لله بطاعته والتقرب إليه بأنواع محابه ظاهراً وباطناً.

стр. 105

تلازم الذكر والشكر قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذان الأمران هما جماع الدين]. والأمران هما: الشكر والذكر. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فذكره مستلزم لمعرفته، وشكره متضمن لطاعته]. أي: فما دمت قد ذكرت الله فقد عرفت الله أنه ستار وغفار وحليم وشكور والخ، وإذا شكرت الله فقد تضمنت طاعة الله . قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذان هما الغاية التي خلق لأجلها الجن والإنس والسموات والأرض، ووضع لأجلها الثواب والعقاب، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل]. فإذا لم يكن الإنسان من الذاكرين، سيكتب من الغافلين، وإذا لم يكن من الشاكرين سيكتب من الذين لم يشكروا الله على نعمه، قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، اللهم اجعلنا من الشاكرين. ٠ وأحد تلاميذ الحسن البصري عندما أتى له بحلوى الفالوذج لم يأكل، فقال له الحسن: لماذا لا تأكل؟ قال: أخاف ألا أؤدي شكرها، فقال له: يا لكع! أأديت شكر الماء البارد لله حتى تخاف ألا تؤدي شكر الحلوى؟! وأبو حنيفة كان له جار يهودي، فقال له يوماً: عندما كنت في طريقي إلى المسجد استندت إلى حائط بيتك، قال: وما في هذا شيء يا أبا حنيفة؟! فقال: أخاف أن تطلبني بحقها يوم القيامة. فكان هذا سبباً في هداية الرجل، فالإسلام قدوة وليس كلاماً. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهى الحق الذي به خلقت السماوات والأرض وما بينهما، وضدها هو الباطل والعبث الذي يتعالى ويتقدس عنه، وهو ظن أعدائه به، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص:٢٧]]. فالكفار يظنون أن الله خلق السموات والأرض للعب، وكما قلنا: إن الكرة لها قانون، وأي رياضة لها قانون، وأي شيء في الحياة له قانون، والصلاة لها قانون وفرائض وسنن، وبعض الناس يقولون: لا تشددوا علينا، فإن ربنا غفور رحيم وسيتقبل منا! ولا يعلمون أن تقبل الأعمال له قانون أيضاً. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان:٣٨ - ٣٩]. وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ [الحجر:٨٥]. وقال بعد ذكر آياته في أول سورة يونس: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس:٥]. وقال: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦]. وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥]. وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]. وقال: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٩٧]. فثبت بما ذكر أن غاية الخلق والأمر: أن يذكر وأن يشكر، يذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. وهو سبحانه ذاكر لمن ذكره، شاكر لمن شكره، فذكره سبب لذكره، وشكره سبب لزيادته من فضله؛ فالذكر للقلب واللسان، والشكر للقلب محبة وإنابة، وللسان ثناء وحمد، وللجوارح طاعة وخدمة]. قوله: [والشكر للقلب محبة وإنابة]، فإذا كنت شاكراً لله بالقلب، فثمرته محبة وإنابة، والإنابة هي رجوع العبد إلى المولى . وقوله: [وللسان ثناء وحمد] أي: أثني على الله بما هو أهله. وقوله: [وللجوارح طاعة وخدمة] وهذا الكلام لم يأت به ابن القيم من عنده، وإنما استنبطه من الأثر وهو: الإيمان تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان. اللهم اجعل قلوبنا أوابة منيبة محبة لك يا رب العباد! واجعل ألسنتنا مثنية عليك حامدة لك، واجعل جوارحنا مطيعة لك وخادمة، يا أرحم الراحمين!

стр. 106

ثمرات الشهوة قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة]. الشهوات نوعان: شهوة حيوانية، وشهوة غريزية. فالشهوات الحيوانية مثل: الشره في الأكل وغيره، والإنسان عندما يتبع شهواته فإنها تورده موارد الهلكة، وإن كان من الممكن الامتناع عن الأكل. أما الشهوات الغريزية فهي مثل: ظلم الناس، وهي من الصفات السبعية، كالهجوم على الناس والنهش في أعراضهم، فالذي يغتاب شخصاً ويحاول الآخرون أن يسكتوه وهو لا يسكت، فهو كالكلب أمامه جثة وينهش فيها، لأنه يأكل من عرض أخيه، بل إن الكلب لا يمكن أن ينهش لحم الكلب الحي أو الميت، وإنما ينهش لحماً آخر من غير بني جنسه. فالمؤمن يستطيع أن يمتنع عن شهوة الكلام والتحدث، وبعض الناس يريد أن يعرض عليك مشكلة ويكفيه دقيقة أو دقيقتان لكي يعرضها عليك، ولكنه يظل يعرضها ويستغرق ساعة في عرضها، حتى يقنعك بالموضوع، والموضوع غلط من أوله إلى آخره. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإنها إما أن توجب ألماً وعقوبة]. فمثلاً: لو أن أحد الناس عنده شهوة شرب الخمر، فسوف تحصل له أمراض وبلايا، فهذا هو الألم، وفوق الألم عقوبة شرب الخمر، وكذلك بالنسبة للتدخين. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإما أن تقطع لذة أكمل منها]. يعني: لو امتنعت عن هذه الشهوة، فإن الله سيعطيني لذة أكمل منها، فمثلاً: لو أن أحداً دعاك إلى عرس في يوم الخميس، فتقول له: عندي درس في يوم الخميس في المسجد، فذلك ذهب إلى المشوار الفوضوي، وأنت بحثت عن شيء أكمل منه وهو ذكر الله . قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإما أن تضيع وقتاً إضاعته حسرة وندامة]. وذلك عندما تنكشف الأوراق، فالوقت من الأشياء التي سيحاسبنا عليها الله. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما أن تثلم عرضاً توفيره أنفع للعبد من ثلمه]. فمثلاً: لو أن شخصاً يحب أن ينظر للنساء في الطرقات، وفجأة يراه أبوها أو أخوها فيقول له: عيب يا أستاذ! ويشتمه أو يقول له كلمة غير لطيفة، أو يكلمه في التلفون ويهزئه، ويقول له: بالله عليك! ألم يكن من باب أولى أن توفر العرض؟ إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل إذا كان العرض لا يدنس الشرف فأي رداء سيلبسه جميل؛ لأنه يخاف على عرضه، مثل الذي يخاف على ثوبه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإما أن تذهب مالاً بقاؤه خير له من ذهابه]. فمثلاً: الذي يصرف كل شهر خمسين جنيهاً في السجائر، فلو أخرج منها عشرة جنيهات صدقة، وعشرة جنيهات لأقاربه، وثلاثين جنيهاً يشتري بها حلوى للأولاد لكان خيراً له وأفضل، فإن كان غنياً وأنفق ماله في غير محله فهو مسرف، لأن هذا المال ليس ماله وإنما المال مال الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧]، فالمبذر أخو الشيطان، وإن كان فقيراً فهو سفيه، والسفيه يقول الله تعالى فيه: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:٥]. وما هو ذنب زوجته وأولاده عندما لا ينفق عليهم ولا يكسوهم؟ وتراه يقول: لقد حصلنا على قيمة السجائر من باب الله، والأفضل أن يشتري لأولاده أشياء عينية كبذلة أو حذاء أو بنطلون أو قطعة قماش لزوجته، أو يدفع لأولاده مصاريف المدرسة، ولو أعطاه مالاً فيمكن أن يستخدمه في معصية الله. فالنصيحة لمن يخرج زكاة المال، أن يراعي هذه المسألة جيداً، فإذا كان الفقير مدخناً لا يعطى نقوداً، وإنما يعطى أشياء عينية: كملابس، ولحم، ودجاج، وسمك، وبعض الفاكهة، وثياب، ومصاريف المدرسة، وإيجار درس خصوصي، فلو أعطي نقوداً فإنه سوف يصرفها فيما يغضب الله فيدخن، ويترك زوجته وأولاده ولا يعطيهم شيئاً. ومن بلاء التدخين أن الشخص قبل أن يدخن لا يقول: باسم الله. فالمسلم لا يضع ماله إلا فيما ينفعه، لأن الشهوة تضيع على الإنسان مالاً بقاؤه خير من إنفاقه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإما أن تضع قدراً وجاهاً قيامه خير من وضعه]. أي: لو كان هناك شخص يحترمه جميع الناس ويذكرونه بكل خير، ثم يكتشفون في نهاية المطاف أنه يرتشي -مثلاً- فيصبح شكله أمامهم مخزياً جداً. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة]. أي: أن يكون هناك شخص يعيش مع زوجته وأولاده بأمان، وذات مرة وجدته زوجته يعمل أشياء غير أخلاقية، فأصبحت تتشاجر معه، وتبعد أولاده عنه، وأصبح الأولاد يكرهونه، فتجده يحدث نفسه ويقول: لقد كانت حياتي آمنة مستقرة، لكن هذه المعصية نغصت علي حياتي وأولادي وزوجتي وأضعت فيها مالي. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما أن تجلب هماً وغماً وحزناً وخوفاً لا يقارب لذة الشهوة]. أي: فرب شهوة ساعة تورث صاحبها حزناً وغماً طويلاً، فالناس الذين يعصون الله متضايقين، ويحسون دائماً باختناق ويريدون أن يخرجوا ويغيروا المكان الذي هم فيه، ويحسون بأنهم يريدون أن يستنشقوا هواءً نقياً؛ وكل ذلك لأنهم لا يعلمون أن المعصية تضيق الصدور، والطاعة تشرح الصدور، قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإما أن تنسى علماً ذكره ألذ من نيل الشهوة]. فالمعاصي تنسي العلم، وتزيل النعم، ومن أكبر النعم العلم، يقول الشاعر: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدي لعاصي قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما أن تشمت عدواً وتحزن ولياً]. فالعدو يشمت في العاصي، ويقول مثلاً: اختلس الأموال فدخل السجن، أما الولي أو الصديق فإنه يقول: يا خسارة! فلقد ضيع حياته لأجل شيء كهذا، اللهم اختم لنا بخير يا رب العباد! قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة]. فالنعم قد تكون آتية، ولكن المعاصي تزيلها، وتزيل بركتها، فالمعاصي تزيل بركة الأولاد والزوجة والزوج والذرية والمال والعمر، فكل بركة من البركات فإنها تزول بمعصية العبد لله رب العالمين. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما أن تحدث عيباً يبقى صفة لا تزول، فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق]. فالإنسان عندما يرتكب المعاصي، فالعيوب تلصق فيه، وكفى بالكذاب أن أي كذبة في البلد تنسب له، حتى وإن لم يكن قالها، وتجد الناس يؤكدون بأنه هو الذي قالها، لأن الناس تعودوا أنه يكذب. وأحياناً تجد رجلاً من صفاته قضاء مصالح الناس، فمن قصدهم بمصلحة نسبت إليه، وشكره الناس ودعوا له، مع أنه لم يقدم لهم شيئاً، لكن الله يجري النعم على أيادي أناس، ويجري النقم على أيادي آخرين. اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر يا رب العالمين! قال رسول الله ﷺ : (إن من الناس مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وإن من الناس مغاليق للخير، مفاتيح للشر، فيا سعادة! من كان مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، ويا بؤس وشقاوة! من كان مغلاقاً للخير مفتاحاً للشر).

стр. 107

الأخلاق المحمودة والمذمومة

стр. 108

حد الغضب المحمود قال المصنف رحمه الله تعالى: [للأخلاق حد متى جاوزته صارت عدواناً، ومتى قصرت عنه كان نقصاً ومهانة. فللغضب حد وهو الشجاعة المحمودة]. الغضب المحمود هو أن يغضب الشخص عندما تنتهك حرمة من حرمات الله، كأن يرى مسلماً يؤذى ويظلم ولا أحد يستطيع أن ينصره. قال المصنف رحمه الله تعالى: [والأنفة من الرذائل والنقائص وهذا كماله، فإذا جاوز حده تعدى صاحبه وجار وإن نقص عنه جبن ولم يأنف من الرذائل]. فالشجاعة عندما تزيد عن حدها تكون تهوراً، وعندما تنقص عن حدها تكون جبناً، وخير الأمور الوسط، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣].

стр. 109

حد الحرص المحمود قال المصنف رحمه الله تعالى: [وللحرص حد]. الحرص أن يكون الإنسان حريصاً دائماً على المال وعلى الصحة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهو الكفاية في أمور الدنيا وحصول البلاغ منها، فمتى نقص من ذلك كان مهانة وإضاعة، ومتى زاد عليه كان شرهاً ورغبة فيما لا تحمد عقباه]. إذا كان الإنسان طماعاً ومسرفاً فهو مذموم، فإن الله لا يحب المسرفين.

стр. 110

حد الحسد المحمود قال المصنف رحمه الله تعالى: [وللحسد حد وهو المنافسة في طلب الكمال، والأنفة أن يتقدم عليه نظيره]. المنافسة هي الحسد المحمود، كمن يحسد عالماً -أي: يغبطه- ويتمنى أن يكون مثله، أو يحسد رجلاً غنياً ويتمنى أن يكون لديه أموال مثله. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فمتى تعدى ذلك صار بغياً وظلماً يتمنى معه زوال النعمة عن المحسود، ويحرص على إيذائه، ومتى نقص عن ذلك كان دناءة وضعف همة وصغر نفس]. الحسد المذموم كمن يحسد عالماً ويتمنى زوال النعمة عنه، ولا يحب أن يشارك العلماء في دروس العلم وفي الصلاة، ويبتعد عنهم. فالأفضل أن يكون وسطاً بين الحسد الزائد الذي إذا زاد صار بغياً وظلماً؛ لأنه يتمنى معه زوال النعمة، وحسد المنافسة وهو ألا يكون عنده روح المنافسة، فتجده لا يحب أن يشارك في دروس العلم، ولا في صلاة الجماعة، ولا في طلب العلم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال النبي ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة -يعني: العلم- فهو يقضي بها ويعلمها الناس). فهذا حسد منافسة يطالب الحاسد به نفسه أن يكون مثل المحسود، لا حسد مهانة يتمنى به زوال النعمة عن المحسود]. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل يا مولانا بيننا شقياً ولا محروما، فك الكرب عن المكروبين، سد الدين عن المدينين، اقض حوائجنا وحوائج المحتاجين، اللهم لا تجعل لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ابناً عاقاً إلا جعلته باراً بوالديه، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا رددته لأهله غانماً سالماً، اللهم اكشف الكرب عن المسلمين، وأوقع الكافرين في الكافرين، وأخرجنا من بينهم سالمين، اللهم لا تسل قطرة دم إسلامية إلا في سبيلك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك.
следующие страницы →