Полный текст (165 стр.). Показаны 141–165 · переход к 146.
стр. 141
بيان عدل الله في أخذ الظالم بغتة
السؤال
قد يقول قائل: هل من العدل أن يتركني الله ﵎ أعمل المعاصي ثم يأخذني بغتة، مع أن المنطق أن ينبهني وأن يذكرني؟
الجواب
قال تعالى: ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة:١٤ - ١٥]، فالله تعالى أعطى الإنسان عقلاً، وهو من البداية قد حمل أمانة العقل وهو ما يزال في عالم الأرواح، ثم بعد ذلك جاءه الرسول والقرآن.
وقد تحمل الأمانة آدم وحده ونحن جميعاً في صلبه، وخاطب الله الأرواح بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢]، وآدم يمثلنا جميعاً ونحن في عالم الأرواح، ولما عرض الله الأمانة على السماوات والأرض والجبال، وهي طاعة الله فيما أمر والانتهاء عما عنه نهى وزجر، فأبين إلا الطاعة دون إكراه بلا أوامر ولا نواهي، ولا تكليفات، وحملها الإنسان الظلوم الجهول قبل خلقته، لأنه متعجل، فالله خلق الإنسان من عجل.
والذي جعل الإنسان يأمن من مكر الله أن الله تعالى أعطاه النعم فلم يشكرها، فلما لم يشكرها ظلت النعم كظواهر وسلبت من قلبه، فلم ير أنه في نعم فيعيش ذئباً يريد أن يفترس، وهجومياً يريد أن يهجم، ويأخذ ما لا يحق له؛ لأنه لم يشكر النعم الظاهرة والخفية، والمطلقة والمقيدة.
والإنسان في العالم له أربعة حالات: إما حالة طاعة أو حالة معصية، أو حالة نعمة، أو حالة بلية، فهو لم يقدر نفسه عند هذه الأمور، فرأى الطاعة وما أطاق، ورأى المعصية فارتكبها وما استغفر، ورأى النعمة وما شكرها، ورأى البلية وما صبر عليها، بل تمرد.
وأسوأ ما يصيب الله به العبد أن يغره بنفسه فلا ينتبه، وهذا ليس ظلماً من الله، فلو جلس معه الناصح الأمين لم يستمع إليه، ويدخل في فلسفات، فيقول مثلاً: موضوع سوء الخاتمة أكيد، والعذاب أكيد وهكذا، ويدخل نفسه فيما لا يحسن أن يدخل فيه.
стр. 142
إرادة الله وإرادة العبد
السؤال
قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦]، فهذه الإرادة من الله بتدمير وإهلاك القرية، فماذا جنت أيدي الناس الذين في القرية؟
الجواب
من كرم الله أنه أرسل الرسل ليأخذوا بأيدي الناس من الضلالة إلى الهداية، ومن الغواية إلى طريق الاستقامة، فالرسل أنذروا وبشروا ورغبوا.
والبلاد بلدان: بلد تجل العلماء وتحترمهم، فهذه فيها البركة، ويجذب إليها العلماء، وبلد تحتقر العلماء وتطردهم، فيحل بها العقاب، ومثال ذلك صاحب القرية المذكورة في سورة يس، قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس:١٣ - ١٤] إلى قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٢٠] فضربه قومه وقتلوه، فقضي الأمر.
فالله لم يهلك قرية إلا بعد أن ظلمت وطغت وانحرفت وابتعدت عن طريق الله.
فإرادة الله معلقة على فعل العبد سابقة له لا سائقة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦]، فهذه الإرادة جاءت لما كذبوا ولم يشكروا.
وعلى المستوى الفردي: فالمسلم يشعر بالرضا النفسي مثلاً لما يطيع الله، فالذي يعيش لله ويدعو إلى الله ، تجري وراءه الدنيا رغم الابتلاءات والمحن والمصائب.
أما عشاقها وعشاق الأموال والسلطة والجاه فهم يجرون خلفها، فترى أحدهم متعباً ومرهقاً ومكتئباً والمليارات في يده، فلا يشعر بقيمتها ولا قيمة للمال عنده.
стр. 143
انسحاب سوء خاتمة الفرد على الأمة إذا لم ينصحوا
السؤال
هل سوء الخاتمة للعبد تنسحب على الأمة؟
الجواب
إذا لم تقل الأمة للظالم: يا ظالم! فقد ينسحب الظلم على الأمة كلها.
فعلى كل من يقول: لا إله إلا الله أن يقف في وجه الظالم، وعلى جميع المسلمين أن يتعاونوا على البر والتقوى، وينصحوا الظالم ولو كان صاحب مسئولية، أو كان إنساناً عادياً لا قيمة له في الحياة، إذا لم يتق الله وعمل عملاً سيئاً، كما يحصل على شاشات التلفزيون من العهر والمجون، فيجب أن تقف الأمة وتعترض وتمنع.
فلو لم تقف الأمة ضد هذه المنكرات بل تتفرج وتشاهد المسلسلات والأخبار، فإن الأمة تتحمل وزر ما هي فيه.
ومن تخاذلنا صار المخرج التلفزيوني المسلم يقفو أثر بني صهيون، ويتحكم في إعلام الناس، فيجب علينا أن نقف في وجهه، وأن نمتنع عن ذكره وعن نشر أخباره في الصحف، ولا يوضع تحت الميكروسكوب، ولا تحت الأضواء، بل نهمل ذكره.
ولا تستيقظ هذه الأمة إلا بتكوين لجنة أو مؤتمر كبير يسمى: مؤتمر النهوض بالأمة، يعمل جميع الأسئلة والاقتراحات في أي وقت سواء كانت عبر البريد الإلكتروني أو الفاكس أو التلفزيون أو غيرها، وذلك لدراسة سبب تخلف الأمة، ثم تصاغ الصياغة لمعرفة من أين يبدأ، ويكون ذلك مع بعض الدعاة وأصحاب الحل والعقد والمفكرين على مستوى العالم الإسلامي.
ونحن كعرب نريد الحل الآن، ونريد أن نقول: إن الجيل الذي فوق الخمسين الآن الذي يقود في كل مكان يعمل مرحلة، وبعد عشرين يتسلمها الجيل الذي بعده، فعلى مدى قرن إن شاء الله ستنهض الأمة.
لكن أن نترك هذا ينتقص من ديننا وهذا ينتقص من علمنا، ليس هذا عمل الصالحين أو عمل الناس الذين يريدون حسن الخاتمة، فلابد أن نجتمع في وجهة التقارب مع بعضنا البعض، ونحب بعضنا بعض، فلن نجتمع إلا بحب، فنحب الأوطان ونحب البلاد؛ لأن ما من متدين إلا ويحب وطنه، ومن أكثر الناس حباً لمكة رسول الله وهو خارج منها، ونحن كلنا نحب أوطاننا ونحب أوطاننا أكثر عندما تتمسك بالإسلام.
إذاً: البداية من عند القرآن والسنة، وإن لم نبدأ من القرآن والسنة وننتهي إلى القرآن والسنة، فإن ذلك من سوء الخاتمة.
النوع السادس: من الأعمال التي تعمل على سوء الخاتمة الرياء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء:١٤٢] والرياء صورة من صور النفاق، والمنافق له علامات، منها: أنه يظهر عكس ما يبطن.
وكلمة النفاق مشتقة من نفق اليربوع، واليربوع حيوان يأوي إلى جحر له بابان، فإذا انسد أحدهما خرج من الآخر، والوصف بالنفاق أمر صعب، فلا يوصف إنسان بالنفاق إلا إذا اكتملت فيه الشروط.
وللنفاق دلائل تدل عليه، وهي: إذا حدث كذب، فهو كذاب ولم يكذب مرة فقط بل يكذب مرات كثيرة، وإذا وعد أخلف، وليس ذلك مرة، فلا تصف إنساناً بالنفاق لأنه وعدك ثم أخلف الوعد وهو ينوي ألا يخلف، بل تلتمس له سبعين عذراً، فهو ليس منافقاً في هذه اللحظة، وإن وصفته بالنفاق فإن النفاق يرتد عليك.
فالخلف هو أن تعد شخصاً أن تأتي إليه وتنوي ألا تأتي، فمن تيقن فيه أنه لا يفي بوعده ففيه خصلة من خصال النفاق.
ومن الدلائل التي تدل على النفاق: أنه إذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا اجتمعت الأربعة في إنسان كان منافقاً خالصاً.
والرياء هو التجمل أمام الناس، لكن مع أهله فهو بذيء اللسان، طويل اليد، قابض الكف في الإنفاق بخيل، بينه وبين أولاده أو زوجته حواجز، إذا جلس في مكان أمام الناس فإنه يعامل زوجته معاملة أخرى، ويقول كلاماً كبيراً، ويصادق الأولاد، فهذا هو الرياء، أو يصلي في بيته بدون طمأنينة وأما في المسجد فإنه يطمئن في صلاته.
فهذا يدخل في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون:٦].
ففي يوم تسعة وعشرين من رمضان لا تجده في المسجد، فإنه كان يصلي لرمضان، من أجل أن يقال عنه: فلان كان يصلي في رمضان، فهذا رياء والعياذ بالله رب العالمين، فلابد أن نعيد الحساب، قال تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران:١٨٨]، فالمسلم لا يريد أن يحمد بشيء يصنعه، أو أن ينسب إليه خير لم يعمله.
فمن المصائب أن تنسب إلينا أعمال لم نقم بها، وهذا من باب الاستدراج والغرور، وعدم رضا الله.
وإذا نسبوا إلينا مرة فلتكن لنا وقفة مع النفس؛ لكي نكون كما نسب إلينا، وإذا لم نستطع ذلك فلنحاول، وإذا فشلنا فلنحاول مرات وننوي الخير من أجل أن نؤجر على النية، وإذا اعترتنا في أنفسنا بعض الوساوس أو الأقاويل بأن هذا سيكون محرجاً لنا مثلاً، أو أن هذا يتنافى مع مكانتنا ومقامنا، فمرضاة الله هي المقصد الأسمى في المسألة، ونسفه هذه الوساوس والأقاويل بل ونواجهها.
والرياء لم يكن موجوداً عند السلف الصالح قديماً، ومعلوم أن اليسير من الرياء شرك والعياذ بالله، ولو أن إماماً يصلي بالناس وبينما هو راكع إذ شعر بدخول أحد المسبوقين فانتظر في ركوعه من أجل أن يدرك المسبوق الركعة، فعند أبي حامد الغزالي ﵀ وهو رأي للشافعية أن صلاة الإمام باطلة؛ لأنه لم يصل لله.
وقال ابن عباس: لو قلت: لولا الكلاب لسرقتنا اللصوص لكنت مشركاً.
وكذلك من قال: إن الماء يروي، وإن الدواء يشفي، فإن هذه أسباب لا تنفع ولا تضر، وإنما النافع والضار هو مسبب الأسباب، وإنما يجب علينا أن نأخذ بالأسباب ونحن مكلفون بها.
فمن اعتقد بقلبه أن الأسباب تنفع وتضر دون الله تعالى فإن هذا من سوء الخاتمة، فعلينا أن نصحح ما في قلوبنا من هذه الاعتقادات الخاطئة، فنحن مصابون في قلوبنا.
وسوء الخاتمة معلق على القلب أولاً، ثم الجوارح ثانياً، فإذا صلح القلب صلحت الجوارح كلها، وكل الناس تخاف من أمراض القلب، فلو حصل أي ألم في القلب فإن المتألم يذهب إلى الطبيب؛ لأنه خايف على دنياه، لكن لو أصيب في قلبه فصار لا يخشع في صلاته، ولا يقشعر جلده من ذكر الله، ولا يحن على الناس، ولا يتواضع، أو أن قلبه مليء بالكبر وبالحقد، فإنه لا يذهب إلى طبيب القلوب! والعلماء قسموا القلوب إلى أربعة: القلب الأول: قلب لا يحب إلا الله، وهذه قلوب الصحابة، فصاحب هذه القلوب تجده في أي وقت يحب الله ، ودوداً مع إخوانه، متواضعاً، هادئ النفس، كريماً، مضيافاً، بشوشاً، وكل الناس تشكره.
الثاني: قلب الدنيا فيه جاثمة، فصاحب هذا القلب إذا أعطي منها رضي، وإن لم يعط ظل ساخطاً.
الثالث: قلب ساعة وساعة، أي: بين بين، فعندما يأتي رمضان فإنه يعبد الله، ولذلك أحمل رسالة مهمة إلى كل المشاهدين والمشاهدات الذين واظبوا على العبادات في رمضان ألا يتركوها بعد رمضان؛ فإن ذلك من إحباط القلب.
أما الذي يحتج بقوله ﷺ : (ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما)، فلا يعبد الله إلا في رمضان، فهذا احتجاج في غير محله، فإن رمضان هو القمة في العبادة، والحسنة فيه مضاعفة، فرمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما بشرط ما اجتنبت الكبائر، ومن الكبائر الكذب والربا والظلم والافتراء، قال رسول الله ﷺ : (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهنّ ما اجتنبت الكبائر).
الرابع: قلب أحياناً تعلو عنده الآخرة فيلتزم قليلاً في درس علم، أو جلسة طيبة، أو تذكير بآية أو بأحاديث، أو يتفاعل مع قضية معينة، وأحياناً الدنيا تأخذه في أوديتها وشعابها، فهذا قلب متردد، ويوم القيامة يأتي إلى حرف الصراط فنوره مرة يضيء ومرة يخبو، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة:٢٠]، فإن الصراط مظلم، ولا يجتاز إلا بنور الإيمان.
إذاً: سوء الخاتمة معلق على القلب أولاً، والقلب فيه من الأمراض الكثيرة التي تستلزم منا وقفة صادقة؛ لنصلح ما في القلب بتوبة صادقة، كما فعل أحد الكفار في غزوة الخندق عندما قال لرسول الله: يا محمد! لو أنا أسلمت الآن، وجاهدت معك هؤلاء، وقتلت في سبيل الله أأدخل الجنة؟ فلما عرف أن الإجابة بالإيجاب نطق بالشهادتين، وبدل ما كان الفرس ناحية المسلمين صار الفرس ناحية الكفار، فجاءه سهم غرب -أي: سهم طائش- فرزق الشهادة، فضحك النبي ﷺ ثم قال: (تبوأ الفردوس الأعلى وهو لم يسجد لله سجدة) وهذا من حسن الخاتمة.
فهذا هو الفرق في حالتي المقتول، فمن قتل ونيته ابتغاء وجه الله ودخول الجنة فقد نجح وأفلح، ومن قتل في غير هذه النية فقد خسر خسراناً عظيماً.
وفي القرآن الكريم تجد أن عدد آيات الرحمة مائتين وثلاث عشرة آية، وآيات العذاب مائتين وثلاث عشرة آية كذلك، وآيات الجنة مائة وسبع وخمسين آية، وآيات النار مائة وسبع وخمسين آية.
أما الاعتماد على الشفاعة في الآخرة بدون أخذ الأسباب من الأعمال الصالحة، وطاعة الله ورسوله، فهذا غرور بالله ، فإن الشفاعة تكون لرجل نتيجته تسعة وأربعين بالمائة، وإنما يحتاج درجة واحدة، فإنه يشفع له، وكذلك تكون الشفاعة لمن قال: لا إله إلا الله، فيخرج من النار بعد أن يأخذ مدة في العقاب.
أما أن تفسر الشفاعة بأنها دخول الجنة مباشرة فإن هذا الكلام يملأ القلوب بالأماني والغرور بالله ، ويملأ القلوب بالظلمة، فلا يُعبد رب العباد حقيقة العبادة التي خلقنا من أجلها.
والبعض يتذرع في دخول الجنة بما ورد في الأثر السابق، فإن هذا الرجل عنده رصيد يتوجه به إلى الرب العظيم، أما نحن فأين رصيدنا من قيام الليل، أو رعاية اليتامى، أو رعاية الأرملة والمطلقة في المجتمع، فقد أصبحتا في زماننا مثل الكلبين الضالين.
стр. 144
الاهتمام بالنساء
السؤال
لماذا تركز على النساء تحديداً في المجتمع؟
الجواب
لأنهن ضعيفات، وأما ضعف الرجال أمام النساء كما هو مشاهد في عصرنا الحالي فإنه ناتج عن ضعف إيمان الرجال بالله تعالى، فلو عامل الرجال نساءهم بما يرضي الله لنزلت علينا البركات من السماء، ولخرجت بركات الأرض، لكن المعاملة فيما بينهم تسخط الله، فلذا تجد أن المرأة لا تدعو على زوجها أو أبيها فقط، وإنما تدعو علينا كلنا، وبهذه الدعوات تسوء الخاتمة، فتدعو على العلماء والدعاة الذين علموهم، وتدعو على الإعلام وعلى العاملين فيه، بل تدعو على الدولة بأسرها، وتستجاب دعوتها؛ لأن دعوة المظلوم مستجابة، فكم من دموع ثكالى ودموع أرامل ودموع مطلقات منبوذات في المجتمع وكأنهن مصابات بداء خطير معدي، فإن من شواهد سوء الخاتمة أن يكثر الظلم في المجتمع أياً كان نوع ومستوى الظلم.
وقد دخلت امرأة النار في هرة، وهذا بسبب ظلم هرة فكيف بظلم العباد!!
стр. 145
الاستعداد للقاء الله وحسن الخاتمة
السؤال
فضيلة الدكتور عمر عبد الكافي! كيف نستعد للقاء الله ونحسن خاتمتنا؟
الجواب
لن تصلح أمورنا إلا بما صلحت به أمور أسلافنا، فقد صلحت أمور أسلافنا بالكتاب والسنة، ونحن طالما نؤلف ونضع العقل فيما لا يصلح أن يوضع فيه، فنضع قوانين ومناهج عجيبة لأنفسنا فلن تصلح نهايتنا.
والذي نريد أن نطالب الناس بتطبيقه هو الدين المفروض، أن نرى كل مسلم ومسلمة نسخة من القرآن تسير على الأرض.
والمصيبة الكبرى هي أن نرى حافظ القرآن وهو يتعامل مع البنك الربوي، أو أن زوجته غير محجبة، أو يأكل ميراث الآخرين، أو يظلم فلاناً، أو يجور على حق الجار، فقد صار القرآن حجة عليه، وسوف يأتي ليشهد عليه يوم القيامة، فالمطلوب منا المحافظة على الدين كل والعمل به.
والصحابة رضوان الله عليهم لم تكثر أسئلتهم كما هو الحال في كثرة أسئلتنا، فقد سأل الصحابة رسول الله ﷺ ثلاثة عشر سؤالاً، لأنهم كانوا يعملون بالدين في واقع حياتهم، أما نحن فلا نعمل، وعلى هذا ربينا، فلنعد صياغة تربيتنا مرة أخرى على منهج الكتاب والسنة.
ولو سار المسلم بمصباح الكتاب والسنة لصغرت في طريقه هذه الفيروسات والميكروبات واضمحلت وما صارت في حياته شيئاً، وما صار في حياته إلا الله ورسوله، فهذا الكلام يقين وليس كلاماً نظرياً، هذا كلام عملي.
فسر في طريق الله تجد الدنيا تسير خلفك، ولن يأتيك منها إلا الحلال، وسوف يأتيك منها نصيبك، فاللص الذي سرق لو صبر لما أخذ ما سرقه إلا من حلال، لكن من يفهم هذا الكلام، والموظف المرتشي لو صبر ولم يرتش ويمد يده لجاءته هذه الرشوة من طريق حلال.
والصبر كلمة تتكون من ثلاثة أحرف، لكن حينما نترجمها إلى تهذيب النفس وإصلاحها، فإنها تستغرق طوال العمر.
ومن حق الإنسان أن يعيش بمرضاة الله، هذه هي المعيشة الحقيقية، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة:٩٦] أي: ولتجدنهم أحرص الناس على معيشة الهوام والحشرات والدواب والإبل، أما الحياة الحقيقية فليست إلا بكتاب الله، وحياة القلب عندما يحيا بكتاب الله سواء في رمضان أو في غير رمضان، بالليل أو بالنهار، في العلن أو في السر.
والمسلم إذا أراد أن يحيا الحياة الحقيقية فإنه يضطهد من قبل الحكومات ويطرد ويشرد، وهذا ميراث النبيين، فلن تضاء آخرته إلا إذا احترقت دنياه، ومن احترقت بدايته أشرقت نهايته، يعني: أحرق الشهوات والغرائز، وأحرق اللسان الذي يكذب ويتسول وينم ويخوض ويتكبر، بأن أغفل الشهوات والغرائز ورباها، وزكاها.
وهذا الأمر يحتاج إلى مجاهدة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، والصحابة جاهدوا أنفسهم، يقول أحدهم: نزل القرآن وكنا أصحاب خمر نشربها، فلما طاف أنس في شوارع المدينة ونادى: يا معشر المسلمين! إن ربكم قد حرم الخمر من فوق سبع سماوات، أراق المسلمون جرار خمورهم في الشوارع حتى كأن سيلاً عرماً أصاب شوارع المدينة، حتى ظلت رائحة الخمر أسبوعاً كاملاً في المدينة من كثرة الخمور ومن كان في فمه جرعة ألقاها، أي: مجها.
فهذا هو الجهاد الحقيقي، وأما نحن فإننا نتفلسف كثيراً، بل إن كثرة الأسئلة وكثرة الفلسفة وكثرة الجدال هي التي أزاحتنا إلى الوراء، لكن يجب علينا أن نضع خطة تعيدنا إلى الكتاب والسنة.
ومن أراد أن ينقي نفسه فليقرأ سيرة السلف، ومن أراد الكتلوج فإنه واضح وبين وبسيط وميسور، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧].
جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أنا أريد أن أدخل الإسلام فعلمني، فقال رسول الله: يا أبا ذر! علم أخاك الإسلام، فيقرأ عليه سورة الزلزلة فقط، فيبكي الرجل ويقول: كفاني تعليم، وذهب الصحابي يجاهد في سبيل الله.
فليس من المسلمين من لم يحمل هم الإسلام وهم المسلمين، فيجب علينا أن نحمل هموم الأمة في أن نأخذها بأيديها إلى سواء السبيل، وما نحن إلا ذرة تراب في بناء الإسلام الكبير.
стр. 146
دعاء
السؤال
نرجو منكم دعاء نختم به هذا اللقاء.
الجواب
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل بيننا شقياً ولا محروماً، وارزقنا يا مولانا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً.
اللهم أكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا.
اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، وهيء لبناتنا الأزواج الصالحين، ولأبنائنا الزوجات الصالحات، واطرد عنهم شياطين الإنس والجن يا رب العالمين.
اللهم تب على كل عاص، واهد كل ضال، وارحم كل ميت، وانصر كل مجاهد، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، ومن أراد بنا سوءاً فاردد سوءه إليه، واجعل تدميره في تدبيره يا رب العالمين، وإخرجنا من الفتن سالمين غانمين إنك على ما تشاء قدير.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 147
على بساط القرآن
القرآن هو كتاب الله العظيم، فيه صلاح البشرية وهدايتها، وإخراجها من الظلمات إلى النور، فهو المعجزة العلمية والتشريعية الخالدة، وقد وقفت أمامه قوى الكفر حائرة معترفة بقوته في ذاته، وتربيته النفسية والبدنية لأفراد صنعوا التاريخ.
стр. 148
العزة والتمكين في التمسك بكتاب الله تعالى
أحبتي في الله! الكون كونان: كون منثور وكون مستور، أما الكون المنثور: فهذا الفلك السيار الذي يحيط بنا، ونحن عبارة عن نقطة في محيط واسع من هذا الملكوت التي لا يعلم اتساعه ولا دقائقه ولا أسراره إلا خالقه ، هذا هو الكون المنثور الذي أمرنا الله أن ننظر فيه، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا﴾ [الأنعام:١١]، وهناك آيات للموقنين وللذين يقفون متدبرين لما خلق الله .
وأما الكون الثاني من الكونين اللذين أوجدهما رب العباد : فهو الكون المستور، وهو كتاب الله ، هذا الكون الذي يجمع رب العباد فيه كل ما صغر وما كبر، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨].
وكلما اقترب المسلمون من هذا الكون المستور كان لهم كيان في هذا العالم الذي يحيون ويعيشون فيه، وكلما ابتعدوا عن هذا المنهج تلاوةً وتدبراً وتعبداً وسلوكاً وتطبيقاً عفا عليهم الدهر، وكانوا في هذا المجتمع العالمي غثاءً كغثاء السيل.
стр. 149
تطبيق الصحابة لكتاب الله عملياً
لقد كان الصحابة يقرءون كتاب الله بتدبر، ثم يعملون بما فيه، وقد جاء بهم الحبيب ﷺ في دار الأرقم في هذه الحضانة الإيمانية في بدايتها، وشحذ هممهم، وركب هذه العقلية والنفسية العربية، وأحاطها بإحاطة إيمانية روحانية فذة، فصار كل صحابي نسخة مصحفية تسير على قدمين.
فلقد كان المعصوم ﷺ الأسوة قرآناً يمشي على الأرض، تقول عائشة ﵂: (كان خلقه القرآن)، كذلك كان صحابته الغر الميامين، فكل واحد منهم يمثل نسخة عملية من المصحف يراها الناس رؤيا العين.
يحكى أن أعرابياً جاء وربط ناقته في جدار بستان من بساتين المدينة، ثم نام وغط في نوم عميق، فشعرت الناقة بجوع شديد فقطعت حبلها ودخلت إلى البستان وعاثت فيه فساداً، وحولت البستان إلى خراب من شدة جوعها.
فأتى صاحب البستان فأخذ عصاً غليظةً وضرب الناقة حتى أخرجها من بستانه، فوقعت ضربة على رأس الناقة فماتت منها، فاستيقظ الأعرابي على ناقته وقد ماتت، فثار غضبه، فمن الذي سيعيده إلى قبيلته وهو من أرض بعيدة؟ فصارع الأعرابي صاحب البستان، فلكم الأعرابي صاحب البستان لكمة قضى فيها الرجل نحبه.
واجتمع أهل صاحب البستان على الرجل ليأخذوه للقصاص، فقال الرجل: لي مطلب، قالوا: ما هو؟ قال: أعود إلى عشيرتي لأعطيهم وصية وأعود إليكم مرة أخرى، فتبسم القوم وقالوا: عجباً لك يا رجل! لا نعرفك ولا نعرف اسمك ولا اسم قبيلتك، ولا من أي بلد أنت، ولا من أي عشيرة، ثم نتركك بعد أن تقتل صاحبنا؟! فسمع أبو هريرة هذا الشجار، فلما علم بالمسألة قال: أنا أضمن الرجل، فسار الرجل ومرت جمعة وجمعتان وشهر والرجل ولم يعد بعد، فذهب أهل القتيل إلى أبي هريرة وقالوا له: يا أبا هريرة! أتضمن من لا تعرف؟ قال أبو هريرة: كي لا يقال: إن أصحاب المروءة قد ولوا، فإذا بالرجل يظهر على الأفق، قالوا: عجباً ما الذي أعادك؟ قال: حتى لا يقال: إن أصحاب الوفاء قد ولوا، فإني قد عاهدت أن أعود ولابد من الوفاء بالعهد، فقال أهل القتيل: ونحن قد عفونا كي لا يقال: إن أصحاب العفو قد ولوا.
فأين أصحاب المروءة في زماننا؟ وأين أصحاب الوفاء في زماننا؟ وأين أصحاب العفو في زمننا؟ فهذه هي أخلاق القرآن وأخلاق المتدبر لكتاب الله ، إن هناك أناساً قد يقرءون القرآن ليصير حجة عليهم لا حجة لهم، فأنت تحكمك عدة محاور: زمان ومكان وأحداث.
стр. 150
فضل الله علينا في مغفرة ذنوبنا بالصلوات
إن رب العباد هو الذي يعلم من خلق، ويعلم ما الذي يصلح عبده وما الذي يفسده، فجعل الله للمسلمين بفضله سبحانه لقاء في عدة ساعات، ليلقى العبد ربه، ولكي ينفض عن نفسه ذنوباً صنعها في وقت قد مضى، فعندما تلقى الله ظهراً فإنه يمحو عنك الذنوب التي عملتها صباحاً، فإذا وجدته عصراً نفس القضية، والمغرب كذلك، وصلاة العشاء كذلك، فيغفر لك ما قد سلف فتبيت وليس عليك خطيئة.
وهل كل صلواتنا مقبولة؟ فإنه ليس كل مصل بمصل، وقد جاء في الحديث القدسي: (إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، ولم يستطل على خلقي، ولم يبت مصراً على معصيتي، ورحم الأرملة والمسكينة وابن السبيل، هذا أكلؤه بعنايتي، وأستحفظه بملائكتي، وهو في عبادي كالفردوس في الجنة).
إذاً: المتكبر لا تقبل له صلاة، وانظر إلى المسلم وستعرف كبره من حركة واحدة، خذ بيده لينتظم في الصف فإنه يقاتلك، وهذا هو الكبر.
стр. 151
ازدياد خوف الصحابة بعد تبشيرهم بالجنة
الصحابة الذين بشروا بالجنة عندما تقرأ عن حياتهم في كتب السير تجد أن خوفهم من الله اشتد وازداد بعد أن بشروا بالجنة، وهذا أمر غريب قد لا يفهمه العقل البشري.
فهب جدلاً أن رجلاً صاحب مدرسة قال لك: أنا صاحب المدرسة وأنا الذي أعين المدرسين وأنا الذي أوقع على النتيجة النهائية، وابنك في رعايتي وهو ناجح آخر العام إن شاء الله، سواء كتب أم لم يكتب، هل يزداد اطمئنانك أم يزداد خوفك؟ يزداد اطمئنانك.
أما أن تزداد خوفاً فهذا هو الأمر الأعجب، وليس المبشر للصحابة هنا هو صاحب المدرسة، وإنما المبشر للصحابة هو الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ ، وعندما يبشر فتبشيره لهم صادق، لكن الصحابة يزدادون خوفاً؛ وذلك لأن العبد كلما ازداد حبه لله ازداد خوفه منه، وكلما ازداد قرباً من الله ازداد خوفاً منه، وكلما ازداد علماً ازداد جهلاً.
وما يزال الرجل يتعلم ويتعلم فإن ظن أنه قد علم فقد بدأ يجهل، فكلما ازداد الإنسان علماً ازداد جهلاً، وكلما كبرنا في السن كبرنا في العمر ولا نكبر في العلم، وذلك لأن العلم أرجاؤه متسعة وبالذات في الدين، قال رسول الله ﷺ : (لن يشاد الدين أحد إلا غلبه).
وتقرأ في كتاب الله عجباً، فهذا عمر يخطب ويقول: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٣١] فيقول رجل أعرابي: ما الأب يا أمير المؤمنين؟! فقال عمر: أفي المسجد من يجيب؟ فهذه فتيا ليست مهمته، إنما مهمته إمارة المؤمنين، فقال رجل: يا أمير المؤمنين! الأب: ما تأكله الأنعام، أو ما قرأت بعدها ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس:٣١ - ٣٢] فالفاكهة لنا والأب لأنعامنا، فتدمع عين عمر ويقول: كل الناس أفقه منك يا ابن الخطاب! فهكذا الإنسان كلما اقترب من الله زاد خوفاً منه، وذكر أن ابن عباس ترجمان القرآن حبر الأمة يقول: كلمة فاطر في قوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشورى:١١] تعلمتها من أعرابي قح، فقيل له: كيف؟ قال: مررت بأعرابيين يحفران بئراً، فكان يدعي كل واحد منهما أنه هو الذي فطره، أي: هو الذي أنشأها وبدعها وكونها، فعلمت معنى كلمة ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١] أي: مبدع السماوات والأرض، وخالق السماوات والأرض، ومنشئ السماوات والأرض.
وهكذا الإنسان يظل يتعلم من الصغير ومن الكبير، ويظل يتعلم لا إله إلا الله، والإنسان كلما قرأ في كتاب الله يجد هذا الكون المستور في كتاب الله .
أعود وأقول: إن الصحابة بعد أن بشروا بالجنة ازداد خوفهم، فالعبد كلما اقترب من رب العباد ازداد خوفه منه، وبالرجاء والخوف يعبر الإنسان إن شاء الله إلى بر النجاة.
اللهم نجنا من النار، وقربنا من الجنة آمين يا رب العالمين!
стр. 152
سعي الشيطان في تثبيط بني آدم عما يرضي الله سبحانه
أنت أيها المسلم يحكمك زمان ويحكمك مكان، وهناك عدة عقبات حولك، فأنت تأتي لتفتح المصحف وتقرأ، فبعد صفحة أو صفحتين يأتيك الشيطان ويقول: يا فلان! أنت مجهد اليوم فخفف عن نفسك، وأنت تسعى لطلب الرزق، وسيكفر الله لك كل سيئاتك إن شاء الله؛ لأن هناك ذنوباً لا يكفرها إلا السعي على المعيشة.
فالمسلمون لا يحفظون إلا أحاديث خاصة تهم المعيشة، مثل حديث: (الطبق يستغفر للاعقه)، وحديث: (إذا جاء العشاء والعشاء فأخروا العِشاء وقدموا العَشاء)، فالمهم أنه يطمئن بطنه، وهذه أحاديث متواترة عنده، فالمسلم عندما يقرأ القرآن يأتيه الشيطان من هذه الزاوية، يقول له: نم واسترح قليلاً، ثم قم قبل الفجر بساعة، واقرأ وأنت يقظ، فالمؤمن اليقظ يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هذه فرصة لا تعوض، ومن الذي يضمن لي إذا نمت أن أستيقظ مرة أخرى؟ قيل لأحد العلماء: أتحب أن تموت مسلماً عند باب الحجرة، أم شهيداً عند باب الدار؟ قال: أموت مسلماً عند باب الحجرة، فمن يضمن لي عندما أخرج من الحجرة ألا أجد فتنة فأموت على سوء خاتمة؟ أسأل الله أن يختم لنا ولكم بالصالحات.
إذاً: يا إخوتاه! الشيطان يشغلنا في صلاتنا وفي قراءتنا لكتاب ربنا وفي جميع عباداتنا، فإذا أردت أن تخرج نفقة يقول لك: يا أخي! عشرة دراهم لا تكفي أحداً، انتظر حتى تصير مائة، انتظر حتى تصير مائتين.
أقول: يا أخي! أخرج العشرة؛ لأنك لا تضمن نفسك بعد ذلك، فرب درهم غلب درهمين.
ورضي الله عن أبي الدحداح، ورضي الله عن الصحابة الذين قدموا ما عندهم لله ، وقد كان أبو بكر يقول: والله يا رسول الله! ما نعطيه لك أحب إلينا من الأموال التي تبقى في بيوتنا.
لكن يوجد في هذا الزمن أناس إذا حصل الواحد منهم على الدرهم أو الدينار أو الجنيه يأخذه ويضعه في كيسه ويقول له: لقد تعبت كثيراً يا حبيبي! في تنقلك بين أيدي الناس، فادخل فلن ترى النور مرة أخرى.
وهكذا سمي المال مالاً؛ لأنه مال بالناس عن الحق.
فنحن يحكمنا زمان ومكان، فالله علم تقصير العباد فجعل الصلوات الخمس متقاربة، ثم جعل بفضله للمسلمين لقاء الجمعة، إذ نحضر إلى المسجد بعد أن نغتسل ونتطيب، ويأتي الخطيب ليخطب خطبة يذكرنا فيها بالله، ونجتمع فيصافح بعضنا بعضاً، وننفض الذنوب، ونخرج وقد شحنت القلوب شحنة طيبة.
ثم علم الله تقصير العباد فجعل لهم مناسبة سنوية لقراءة كتاب الله، والأعمال الصالحة، إذ يبدأ المسلم في نفض التراب عن دفتي المصحف، ويكتشف أنه يوجد في بيته مصحف ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهناك من يزور المسجد خمس مرات في اليوم، وهذا هو المطلوب وفي رمضان وغيره.
وهناك من يزور المسجد كل جمعة، وهناك من لا نراه في المسجد إلا من رمضان إلى رمضان، وهناك من يأتي إلى المسجد محمولاً على الأعناق لا ليصلي وإنما ليصلى عليه، نسأل الله السلامة.
فيا أخي المسلم! الدهر يومان: يوم لك ويوم عليك، فهو لك إذا عمرته وغمرته بطاعة الله، وعليك إذا ضيعته في اللهو واللعب، ولذلك فإن المؤمن الصادق يقف في معالم الحياة ويصلح فيها نفسه، فالحياة لها معالم يتوقف معها المسلم.
وها قد بقي على رمضان أيام، فلابد لكل واحد منا أن يحاسب نفسه: هل صمت رمضان كله؟ ربما لم أصم، ربما أفطرت يوماً ولم أقضه، قد يكون علي زكوات ولم أخرجها، أو علي صلوات لم أصلها، أو ربما لم أختم المصحف في رمضان، يقول بعض أهل العلم: من لم يختم القرآن في شهر فقد بات مهاجراً لكتاب الله، فإذا كان الشهر العربي يمر عليه دون أن يختم المصحف فمتى يختمه؟ فعلى الأقل مرة في الشهر، أي: جزء في اليوم دائماً.
وللأسف الشديد فإن كثيراً من المسلمين لا يدركون أن آيات العبادات في كتاب الله تقريباً مائة آية وعشر آيات من ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية، إذاً: فهناك ستة آلاف ومائة وستة وعشرون آية تقريباً المسلمون غير مهتمين بها.
يحكى أن حاتماً الأصم صلى بالمسلمين صلاة العصر، وكان المسجد مليئاً إلى آخره، فسلم يمنة ويسرة فلم يجد في المسجد مصلياً خلفه، فتعجب أين ذهب الناس؟ فوجد ضوضاء خارج المسجد فخرج، فقال: خيراً، قالوا: أما تشعر بما نحن فيه؟! انكسرت سارية من سواري المسجد فخشينا أن يسقط السقف علينا فهربنا، فقال: لقد كنت في الصلاة.
وذكرني أحد الإخوة أنه حدث في مصر في عام اثنين وتسعين زلزال أثناء صلاة العصر، وكان هناك رجل ملتزم يصلي ركعتين، قال: ركعت فشعرت أن الأرض تهتز وشعرت بضوضاء، فوجدت نفسي راكعاً خارج المسجد لا أدري من الذي أخرجني؟ فهذا الرجل أثناء الزلزال خرج من المسجد في وضع الركوع ولم يتحرك، فكيف بزلزلة يوم القيامة؟! نسأل الله أن يثبتنا وإياكم، لذلك فإن المسألة تعود إلى ضعف اليقين داخل القلوب.
سئل حاتم عن خشوعه في صلاته، فقال: إن جاء وقت الصلاة أسبغت وضوئي، وجلست في المكان الذي سأصلي فيه؛ حتى تجتمع جوارحي.
وانظر إلى صلاة الظهر أثناء الدوام، وانظر إلى عدم الخشوع فيها، فقد انشغلنا بأعمال الدنيا، يقول حاتم الأصم: جلست في المكان الذي سوف أصلي فيه حتى تجتمع جوارحي، ثم أقوم فأكبر، وأقرأ قراءة بترتيل، وأركع ركوعاً بخشوع، وأسجد سجوداً بتواضع، واضعاً الجنة عن يميني، والنار عن يساري، والصراط تحت قدمي، والكعبة بين حاجبي، وملك الموت ورائي؛ كي أظنها آخر صلاة لي، وأتبع ذلك بالإخلاص في النية، ثم لا أدري أقبلت أم لم تقبل! وشتان بين حاتم وهذا الرجل الذي ذهب إلى أبي حنيفة قال: يا أبا حنيفة! بعت داراً لي وحفظت ثمن الدار في مكان ونسيته فلا أدري أين هو؟ فضحك أبو حنيفة إذ إن مهمة الفقيه ليست البحث عن مال الناس، قال: اذهب فقم لله الليلة عسى رب العباد أن يذكرك، فجاء الرجل في صلاة الصبح مبتهجاً، فقال له أبو حنيفة: وجدت مالك؟ قال: نعم، قال: ما الذي حدث؟ قال: دخلت في أول ركعة فتذكرت مكان المال، فخرجت قبل أن أنسى فلما وجدته نمت.
قال أبو حنيفة: كنت أوقن أن الشيطان لن يدعك تتعبد لله الليلة.
فمن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فهي أمامه، ومن كان يريد الآخرة فالله عنده ثواب الدنيا والآخرة.
ولا يمكن أن يصلي الرجل الصلوات الخمس بالنوافل ويقرأ القرآن، ولكنه لا يكلم زوجته شهراً وشهرين ولا أريد أن أتطاول وأقول: وربما سنة أو سنتين، فتراه يقطب جبينه في وجه زوجته وأولاده.
يروى عن عمر أنه جاءه رجل يريد أن يوليه، فقال عمر لخادمه: إذا جاء هذا فأدخله، فدخل الرجل فرأى عمر على يديه ورجليه، وأطفال عمر يركبون على ظهره ويدور بهم في البيت، فوقف الرجل في حالة من الذهول، فقال عمر: ما لك؟ قال: هكذا تصنع مع أبنائك يا أمير المؤمنين! قال: نعم، وماذا تصنع أنت؟ قال: إن دخلت فر الواقف، واستيقظ النائم، ووقف الجالس.
قال: إذا لم تكن رحيماً بأبنائك فكيف تكون شفيقاً ورحيماً بأبناء المسلمين؟! لا حاجة لنا في ولايتك.
فالإنسان الذي يريد أن يتولى أمر المسلمين يجب أن يكون رقيق القلب رحيماً.
стр. 153
وجوب فهم العبادة بمفهومها الواسع الصحيح
هناك فرائض غائبة عن المسلمين منها: تبسم المسلم في وجه أخيه، قال رسول الله ﷺ : (تبسمك في وجه أخيك صدقة)، فالتبسم فريضة غائبة، وكأن كثيراً من الناس يظنون أن الفقهاء يقولون -وما قال بها فقيه-: إن أسنان الإنسان عورة، وهذا غلط، فإننا نريد أن نراها وهي جميلة، فقد كان النبي ﷺ بسام المحيا، وكان لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمة من حرمات الله، فكان في شتى الأوقات يلقى الصحابة بوجه طلق مبتسم.
فأنت في دعاء السفر تقول: وأعوذ بك من كآبة المنظر، فتخيل وأنت مسافر مع شخص مقطب جبينه أو زوجة مقطبة الجبين، والرحلة مسافتها عشرة كيلو متر، فبتقطيب الجبين تصبح ألف كيلو متر، ولذلك نستعيذ بالله من كآبة المنظر، فنحن لما فهمنا العبادة بمفهوم ضيق حصرنا الإسلام في جزئية عبادات قليلة، بدليل أن: زوجتك إذا جاءتها أيام لا يسمح لها بالصلاة أو بالصيام فيها يحدث لها حزن داخلي، لماذا؟ تقول: لقد تعطلت عن العبادة، وتظن أن العبادة مطلوبة منها في هذه الأيام، لكن انظر إلى رحمة الإسلام، فإن المرأة التي تواظب على الصلوات والنوافل وقراءة القرآن إذا جاءتها الأيام التي لا يصح أن تصلي فيها، تكتب الملائكة لها صلاتها ونوافلها وقراءتها للقرآن؛ لأنها ما حبسها إلا أمر الله ، فانظر إلى عظمة الإسلام ويسر الدين، إذ إن العبادة غير محصورة في هذا الأمر، فحسن تبعلها لزوجها من الأمر الذي يوضع لها في ميزان حسناتها، كذلك طلاقة وجهها في وجه زوجها.
يذكر أن تابعية زفت إلى رجل تابعي ودخل وأغلق عليها الباب، فقالت له: يا عبد الله! أنا لا أعرفك وأنت لا تعرفني، فخبرني بالله عليك ماذا تحب من الأمور حتى آتيها، وماذا تكره من الأمور حتى أتجنبها.
فيجب علينا أن نفهم العبادة بمفهومها الواسع، فالله جعل شهر رمضان شهر رحمة، فعليك أن تعيد حساباتك في هذه الأيام وتقول: أنا علي ديون يجب أن أؤديها.
стр. 154
كيفية مواجهة الأحداث ومعالجة مستوى الهزيمة في نفوسنا
إن رمضان يأتي والأمة في حالة هزيمة داخلية وشعور بإحباط، وهذه حالة الجميع، وإذا كان الناس مقطبين عابسين فربما لهم العذر مما يحدث لهم من معوقات على مستوى العالم كله، ولكن ليست القضية أن تشغل نفسك بميكروبات وجراثيم الكفر والشرك، لا، القضية أن تشغل نفسك بتقوية جهاز المناعة الإيمانية التي تستطيع أن تقاوم به هذه الجراثيم وتلك الميكروبات، هذا ما صنعه الحبيب ﷺ .
ففي مكة أول ما نزل على النبي ﷺ : اقرأ، ثم أمره الله أن يبلغ دعوته إلى الناس، وكان في مكة ميكروب يسمى أبا جهل، وفيروس يسمى أبا لهب، وجرثومة تسمى عقبة بن أبي معيط، وميكروبات عبارة عن طبقية وسادة وعبيد وخمور وأصحاب رايات حمر، وكل هذه الموبقات كانت موجودة في مكة.
فلو أشغل النبي ﷺ نفسه بتلك الميكروبات والجراثيم لما استطاع أن يبلغ دعوته، فما الذي صنع؟ إنه إذا وجد طفل ناقص فإن الأطباء يأخذونه ويضعونه في حضانة، لماذا؟ لتقوى عنده أجهزة المناعة، حتى إذا انطلق في العالم الخارجي فإنه يستطيع أن يتحمل الجو الخارجي.
فالرسول ﷺ جاء بالصحابة ووضعهم في هذه الحضانة الإيمانية في دار الأرقم، حتى بلغ عددهم أربعين بإسلام عمر؛ وحينما أسلم عمر كان عمره ستة وعشرين عاماً، ويوم أن أسلم كان عدد المسلمين قبله تسعة وثلاثين مسلماً، فلما دخل في الإسلام صار المسلمون أربعين فيخرج عمر في صف وحمزة بن عبد المطلب في صف أمام مكة كلها.
إذاً: بعد تقوية جهاز المناعة بدءوا يواجهون الميكروبات والجراثيم، فما ضرهم الجرثومة أبو جهل، ولا الميكروب أبو لهب ولا غير ذلك؛ لأن جهاز المناعة قوي، والذي يجعلنا ننهزم نحن في حياتنا هو أن أجهزة المناعة ضعيفة.
والعز بن عبد السلام رجل عالم أيام المماليك وزحف التتار، هذا العالم استطاع أن يحمي الحضارة الإنسانية كلها من الزوال، فقد وقف وقفة جادة حتى باعوا المماليك وأخذوا ثمنهم، وجهزوا الجيوش وحفزوا القوة الشرعية والإيمانية في قلوب الناس، وكان النصر على التتار، فقد أوقِف زحف هؤلاء الجحافل، حتى إنه من كرم الله دخل التتار أنفسهم بعد ذلك في دين الله لقوة الإسلام.
إن أي دين يقوى بقوة أتباعه ويضعف بضعفهم إلا الإسلام، فهو قوي في ذاته ولا علاقة له بأتباعه، فلو أن الإسلام مرتبط بأتباعه لاندثر منذ زمن؛ لأن كثيراً منا عبارة عن منخنقة وموقوذة ونطيحة وما أكل السبع.
стр. 155
الإسلام قوي في ذاته
دخل أعرابي الإسلام فسألوه: لماذا دخلت الإسلام؟ قال: ما قال لي محمد: افعل وقال قلبي: لا تفعل، وما قال لي محمد: لا تفعل وقال لي قلبي: افعل.
فقد قال الله : ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣] فليس شرطاً أن ستة مليار إنسان يصيرون مسلمين، فالخمر في الغرب مباح، فهل يسمح الغرب لقائد طائرة أو قائد سيارة أن يسير وهو مخمور؟ مع أنه مباح عنده، فهو عند الضرر بالآخرين لا يسمح؛ لأنه يحتاج إلى ما عند الإسلام من تشريع.
حتى إن الفرنسيين اليوم يدرسون قوانين المواريث الإسلامي لتطبيقه؛ لأنها أعظم القوانين في الميراث، حتى إن أبا القانون في فرنسا جلس بعدما درس المحاماة يبحث في القضايا التي حكمت فيها المحاكم الفرنسية على مدى ثلاثين عاماً، فوجد أن المحاكم الفرنسية أخطأت فيما يقرب من أربعين بالمائة في أحكامها، تبدأ من حبس لمدة ساعة، إلى سجن لمدة معينة، إلى إعدام.
فالرجل الذي حجز لمدة ساعة وظلم وصار بريئاً، والذي سجن عشر سنوات وكان بريئاً، والذي قتل ولم يكن يستحق القتل، من يعوضهم؟ فبدأ يفتح في الكتب المقدسة؛ لعله يجد كتاباً مقدساً يعوض الإنسان بعد موته عن ظلم حاق به في الحياة، فلم يجد هذا التعويض إلا في القرآن، فأسلم هذا الرجل.
فالإسلام قوي في ذاته، ففي الهيئة العالمية للإعجاز العلمي اكتشف علماء المخ والأعصاب منذ شهور أن المرأة التي تنزع بالملقاط أو بآلة شعر حواجبها يؤثر ذلك على الخلايا المخية عندها.
ولا ننتظر أن يقول العلم: إن كلام الرسول صدق، فقد قال رسول الله ﷺ : (لعن الله النامصة والمتنمصة)، لكن هذا كما قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١].
تقول المرأة الألمانية العالمة التي حصلت على جائزة نوبل في الستينات: من الذي أدرى محمداً أن الكبد ناحية اليمين والقلب ناحية اليسار؟ فقد علم المسلمين أن يناموا على الجنب الأيمن؛ حتى يكون القلب من أعلى، فيتحرك طوال النوم بحرية، ولو نام الإنسان على الجنب الأيسر لالتصق الكبد على القلب فتحرك حركة بطيئة وعاق دخول وخروج الدم! من الذي علم محمداً هذا إلا ربه! فدخلت الإسلام لهذا السبب.
إذاً: نحن في أيدينا أكبر ثروة في العالم وهو كتاب الله ، ولذلك قال الله سبحانه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:٢] أي: لا كتاب غيره، قال: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢]، وهذه الآية في أول البقرة يجوز أن تنطق كل كلمة منها وتقف عندها فتجد جملة مفيدة، فتقول: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:١ - ٢] جملة مفيدة، وتقول: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ﴾ [البقرة:٢] جملة مفيدة، وتقول: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:٢]، ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى﴾ [البقرة:٢] أو ﴿فِيهِ هُدًى﴾ [البقرة:٢]، ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] فكلها جمل مفيدة.
فالقرآن وحدة متكاملة، قال ابن عباس: كلما دخلت وقرأت في الحواميم شعرت أني في رياض أتأنق فيهن.
ودخل أعرابي خلف أبي حنيفة ليصلي، فقال: من هذا الذي يصلي؟ قالوا: هذا أبو حنيفة، قال: من أبو حنيفة؟ قالوا: هذا عالم من علماء المسلمين، فوقف الرجل وزاحم في الصفوف إلى أن جاء إلى الصف الأول، فقرأ أبو حنيفة وهو يصلي بالناس.
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨] وأخطأ أبو حنيفة وقال: (والله غفور رحيم)، فرد الأعرابي فقال: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨] فاستدرك أبو حنيفة وأعاد الآية سليمة، وبعد أن أنهى الصلاة قال: جزى الله خيراً الذي ردني، ففرح الأعرابي وقال: أنا، قال: أتحفظ القرآن؟ قال: لا، قال: أتحفظ السورة؟ قال: لا، قال: أتحفظ الآية؟ قال: أول مرة أسمعها، قال: وما الذي أدراك أن نهاية الآية: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨] وليس: (والله غفور رحيم)؟ قال: لو كان نهاية الآية: (والله غفور رحيم) لما حكم على السارق بقطع يده، لكنه لما عز في عليائه حكم على السارق بقطع يده، فكان النص يقتضي: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨] وليس: (والله غفور رحيم).
إذاً: فالقرآن خاطب هذه القلوب، وهذه القلوب تفاعلت مع كتاب الله ، فهذا خالد بن الوليد ﵁ يجعل القارئ يقرأ أمام الجيش سورة الأنفال وسورة التوبة، ثم يقول: شعار المعركة: الله أكبر هبي رياح النصر، فتهب رياح النصر؛ لأنهم متفاعلون مع كتاب الله .
وهذا أنس بن النضر يقول: أشم رائحة الجنة خلف أحد، فهم لم يقرءوا القرآن فحسب، وإنما قرءوا القرآن وطبقوه.
وحفظ عمر البقرة في ثمان سنوات، ليس لأن عمر لم يكن نبيهاً ولا ذكياً، وإنما كان يحفظ الآية ثم يطبقها، ثم يحفظ الآية التي تليها ثم يطبقها، فكان يحقق العلم والعمل.
стр. 156
دعوة إلى اعتناق حلق العلم في المساجد
إن الله أعطانا أعظم ثروة وهي القرآن، ثم أعطانا الفرصة وهي شهر القرآن الذي نزل فيه، ففيه إعادة حسابات مع النفس الإنسانية المسلمة في بيته، فإني أحملك أمانة أن تجلس كل يوم مع زوجتك وأولادك ولو ربع ساعة بشرطين أساسيين: أن تغلق الهواتف المحمولة والمتحركة والساكنة وغير الساكنة، وتغلق شاشة التلفاز.
أريد أن تنصت إليك زوجتك وأبناؤك، وأنت تنصت أيضاً وترى ماذا عملوا؟ من سمع حديث اليوم؟ من سمع قصة طيبة؟ من سمع حكمة في المدرسة؟ من رأى منظراً أعجبه؟ من له تعليق على موضوع معين؟ فقد ثبت أن الأسرة المسلمة هي أعظم أسرة في العالم.
ففي الصيف الماضي كنت في أوروبا، فهناك خمسة عشر ألفاً قضوا نحبهم من الفرنسيين في موجة الحر، وأغلبهم من كبار السن الذين لا يعرف عنهم أحد أنهم ماتوا إلا إذا شم رائحتهم، ولا أحد يسأل عنهم، لكن نحن والحمد لله كل صلاة نتواجد فيسأل فلان عن فلان، ويقول: ما رأيناك في صلاة الصبح، أو ما رأيناك في صلاة العشاء، وهكذا دائماً المسلم، قال رسول الله ﷺ : (مثل المسلمين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد).
وقد وصل الأمر بالصحابة أن الصحابي كان يضع التمر في فم أخيه ليجد حلاوته في فمه هو، هذا شعور جيل القرآن، هؤلاء هم ملوك البشر الذين رباهم خير البشر محمد ﷺ في مسجده.
فقد كان مسجد رسول الله ﷺ عبارة عن حصى ورمل وليس بهذه الأبهة التي في مساجدنا، ورغم ذلك فأولادنا عازفون عن المساجد، ونساؤنا عازفات عن المساجد، لماذا لا تحضر زوجتك معك في درس العلم وفي صلاة الجماعة لتسمع؟ فما وجدنا في كتب السير ولا التراجم صلاة خلت من امرأة تصلي خلف رسول الله ﷺ .
إن المسجد للرجال والنساء أيضاً، لتسمع أنت الدرس وتعود أنت وهي إلى البيت فتتدارسان ما سمعتماه من الشيخ، فالبنات والأولاد كلهم مكانهم المسجد، فالمؤمن في المسجد كالسمك في الماء إن خرج منه مات، والمنافق في المسجد كالعصفور في القفص يريد أن يهرب فور أن يفتح له.
وما من مسلم يتطهر في بيته ثم يتوجه إلى بيت مولاه إلا ورب العباد سبحانه على باب المسجد يتلقاه، ويتبشبش في وجهه كما يتبشبش أهل الغريب عندما يعود إليهم غريبهم.
فأنت في المسجد عند العظيم، وإن كنت عند العظيم فاسأل عظيماً حتى وإن كان عملنا لا يساوي شيئاً، لكن إن سألت العظيم فاسأله الفردوس الأعلى، فإنك عندما تدخل على إنسان غني وتريد أن تأخذ منه تقول له: أعطني عشرة آلاف أو عشرين ألفاً أو خمسين ألفاً.
يذكر أن أعرابياً دخل على كسرى، فقال كسرى للأعرابي: تمنَّ علي يا أعرابي! قال: أتمنى ألف درهم؟ فغضبت الحاشية من الرجل، قال: وهل هناك أكثر من الألف؟ إذاً: فهناك عقبات تحيط بك لكن إن قويت جانب الطاعة علمك الله، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].
فالإنسان حين يقوي جانب العقيدة بداخله، ويتفاعل مع كتاب الله ، ويعمر شهر القرآن بالعمل بالقرآن بعد تلاوته، ينتج من هذا نتيجة مذهلة تعود على الأمة بالخير.
إخوة الإسلام! إننا نحيا في وقت يحصل للمسلمين فيه مصائب جمة، لكن إن كانت الأمة في حالة من النوم المؤقت أو الغفلة المؤقتة، فإن الغد للإسلام إن شاء الله، لأن عند لحظة الاختيارات الكبرى لن يختار إلا الإسلام، قلت في مؤتمرين: بين الشرق والغرب، والمسلمين والغرب في أوروبا في الصيف الماضي: إنكم قد تقدمتم -ولا ننكر- في التقنية وفي الحضارة، ولكنكم تأخرتم في أمر آخر، قدموا أنتم لنا ما عندكم من حضارة ونحن نقبلها، ونقدم لكم حضارتنا وقيمنا الإسلامية، نتبادل المعرفة، أنتم تعطونا حضارة دنيوية ونحن نعطيكم سعادة الدارين: الدنيا والآخرة.
إن نسبة الانتحار ونسبة الأمراض النفسية ونسبة الطلاق في دول الغرب مذهلة، ومن أسباب كثرة الطلاق في بلد كأسبانيا هو أن يذهب الزوج فيشكو، فيقال له: كيف تصبر عليها؟! هذه خطر على صحتك، طلقها، وتذهب الزوجة إلى الطبيب فتشكو زوجها، فيقول الطبيب: كيف تصبرين؟! طلقيه فوراً.
لكن في ديننا فقد ضرب عمر بن الخطاب الحكمين، قالا: يا أمير المؤمنين! رفضا الصلح، فقام عمر بالدرة يضرب الحكمين، وقال: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] فلو أخلصتما النية لأصلح الله بين الزوج وزوجته.
إذاً: عمر اعتبر الحكم هو السبب في المشكلة، إذاً: فالحل ليس إلا في دين الله، فالعالم كله في حالة من الضياع، ونحن عندنا هذا الميراث الضخم وهذه الثروة الضخمة من كتاب الله، ومن أزمنة ونحن نتفاعل مع كتاب عسى رب العباد أن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
جزاكم الله عني خيراً بحسن صبركم وحسن إنصاتكم، وبورك فيمن صنع هذا الخير، ولعلها بداية خير في عمارة المسجد، وندعو الله أن تستمر من حسن إلى أحسن، ومن جميل إلى أجمل.
بوركت يد من وقع مثل هذا القرار، وبوركت قدمان تسعى لمثل هذه الأمور، وبورك لجهد يصنع الخير للمسلمين، وبوركتم جميعاً، يتقبل الله منا ومنكم، وجزاكم الله عنا خير الجزاء.
وصلى الله وسلم على محمد، وآله وصحبه أجمعين.
стр. 157
الشوق إلى الله
المؤمن يعيش في الدنيا غريباً، وتثير غربته شوقه إلى الله ، فتراه يصبر على ابتلاءات الدنيا؛ لأنه يعلم أن ذلك خير له في دينه ودنياه، فإن الله إذا أحب عبداً ابتلاه، ومن لم يصب ببلاء قط فليحاسب نفسه، فقد يكون ذلك سخطاً من الله عليه.
стр. 158
غربة الإنسان في الدنيا
الحمد لله حمد عباده الشاكرين الذاكرين، وأصلي وأسلم على من أرسله الله رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن المسافر يشعر بأمور أربعة: الأمر الأول: الغربة.
الأمر الثاني: التعب.
الأمر الثالث: القلق.
الأمر الرابع: أنه يعيش على أمل العودة.
فأول صفة هي صفة الغربة، وهكذا نحن في الدنيا مسافرون، قال رسول الله ﷺ : (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
إذاً: فالغريب وعابر السبيل فيهما صفة السفر، وسمي السفر سفراً لأنه يسفر عن أخلاق الناس، فالإنسان داخل بلده لا تظهر أخلاقه على طبيعتها، ولذلك تجد الناس الذين يحجون رفقة ينقسمون إلى قسمين وثلاثة، فإما أن يرجعوا متحابين أكثر، وإما أن يصبحوا أعداء، لماذا؟ لأنه يقول لك: أنا لم أكن أظن أنه بخيل، ولم أكن أظن أنه عصبي.
ورحم الله إمامنا الشافعي الذي كان أستاذ علم الفراسة، فإذا كان للفراسة علم فهو أستاذها، كان ينظر إلى الشخص فيقول: هذا مؤمن، وهذا منافق، وهذا يظهر ما لا يبطن، وهذا مُراءٍ، لكن إذا قال فقد صدق.
قال مرة: ألجأتني رحلة العلم إلى خيمة بالليل، فسلمت فرد الرجل السلام، فقلت في نفسي بعلم الفراسة: هذا رجل بخيل، قال: فإذا بالرجل يكرمني ويحسن ضيافتي، ويعلف ناقتي، ويهيئ لي مضجعاً، وأتاني بطعام العشاء، وشراب من نوعين، وقمت لله أصلي، فجاءني بماء وضوء ساخن، وصلى معي الفجر، ثم أتاني بطعام الإفطار، قال: فقلت في نفسي: تعس علم الفراسة، إن الرجل يكرمني إلى هذه اللحظة، فلابد أن أستسمحه، فقلت: يا هذا! اسمي محمد بن إدريس الشافعي، وأقطن مكة في منطقة كذا، فعندما تأتي إلينا لحج أو لعمرة فمر علينا.
قال: وقبل أن أقول له: اعف عني وسامحني، قال: أعزمت على المسير؟ قلت: نعم، قال: اجلس، علفت دابتك بكذا، وقدمت لك طعام العشاء بكذا، وضيقت على نفسي في الليل ووسعت عليك بكذا، وأفطرتك بكذا، وقدمت لك ماءً ساخناً لتتوضأ بكذا، فقال الشافعي: فلم تخطئني الفراسة! فالسفر يسفر عن أخلاق الرجال، وأول صفة في السفر الغربة، ولذلك كلنا في الدنيا على سفر.
ويروى أن الحسن البصري ﵀ رأى جمعاً من الناس فقال: ما لهؤلاء لماذا يبكون؟ قالوا: يا إمام! دفنوا ميتاً لهم، قال: عجباً! مسافرون يبكون مسافراً قد وصل قبلهم.
стр. 159
الشوق إلى الله
أنت غريب في المجتمع، لكن غربتك هذه تدعوك إلى أن تشتاق للقاء الله ، أن يكون عندك شوق ومحبة، وعندك اندفاع روحاني قلبي إيماني للقاء رب العباد سبحانه.
ولذلك قال أبو بكر ﵁: احرص على الموت توهب لك الحياة.
وقد حققنا لكم من قبل أن كل الشجعان من الصحابة رزقوا الشهادة في المعارك، ولكن الأشد شجاعة من القواد ما استشهدوا في المعارك، منهم خالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقاص، فهؤلاء لم يقتلوا في المعارك، رغم أنهم كانوا في المقدمة، ولا توجد حرب إلا اشتركوا فيها.
إن سيدنا خالد بن الوليد لما احتضر قال: والله ما في جسدي موضع شبر إلا وفيه طعنة رمح أو ضربة بسيف، وهاأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء.
إذاً: هذا إنسان غربته جعلته يشتاق إلى ما عند الله سبحانه.
وسيدنا أنس بن النضر ﵁ في غزوة أحد يقول: والله إني لأشم رائحة الجنة من خلف أحد.
وسئل الحسن البصري: ماذا تصنع مع الشيطان؟ قال: ومن الشيطان؟! أطاعوه فما نفعهم، وعصوه فما ضرهم.
فالذي يطيع الشيطان لا ينفعه، والذي يعصي الشيطان لا يضره، إذاً: كن مع الله.
стр. 160
التعب في السفر
الصفة الثالثة: التعب، فلا يوجد مسافر في راحة، فمهما كانت وسيلة السفر مريحة فلابد أن يكون متعباً، وهكذا فإنك في الدنيا متعب.
وقيل: لا راحة في الدنيا، ولا حيلة في الرزق، ولا شفاعة في الموت، ولا راد لقضاء الله، فلا راحة في الدنيا لا لمؤمن ولا لغير مؤمن، بل إن المؤمن يعيش في الدنيا مستعداً للقاء الله.
ولذلك فإن المؤمن تبدأ راحته عند الموت، والفاجر يبدأ تعبه عند الموت.
فالمؤمن عندما يموت يحمل صفحة الراحة، وأما الفاجر فقد كان يقول: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، فهو يظن أنه يعيش في الدنيا فقط، ويعمل فيها ما يشاء براحته، ولكنه حين يموت يبدأ تعبه، والمؤمن عند يموت تفتح له أبواب الرحمة.
وأطمئن كل الذين ابتلاهم رب العباد وأقول لهم: هنيئاً لكم ما عند الله ، ولا أخص بالذكر أناساً معينين، فكل شخص عنده بلوى بقدر حجمه، فهناك من عنده بلاء المرض، أو أنه فقير، أو أن هناك مشكلة لا يوجد لها حل، أو أن هناك قضية في محكمة، فكل هذه من الابتلاءات.
فهذا المبتلى لابد أن يثق في فضل الله ورحمته، فأنت لا ترى من الصورة إلا ظاهرها، ولكن باطن الصورة كله خير؛ لأن المبتلي رحمن رحيم، بل هو أرحم بك من أمك وأبيك.
إذاً: لابد أن يعود عليك الابتلاء بالخير كله، واحمد الله أنك من أهل الابتلاء، وإذا لم تكن من أهل الابتلاء فراجع حساباتك.
فقد ثبت في الحديث أن الحبيب ﷺ قال: (من أصيب بحمى؟ فقال أعرابي: وما الحمى يا رسول الله؟! قال: أما أصابتك أم ملدم؟ قال: وما أم ملدم؟ قال: حرارة في الجسد، قال: كلا، قال له: أما أصابك صداع؟ قال: وما الصداع يا رسول الله؟! قال: عرق ينبض عن الرأس.
قال: كلا، فقال الحبيب ﷺ : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا).
فالله سبحانه إذا أحب عبداً ابتلاه.
فهؤلاء الناس الذين يجلسون على الكراسي لو أصيب واحد منهم بمغص فإنه لا يعرف ربه إلا عندما يوعك وهو على الكرسي.
نسأل الله سبحانه أن يرزقنا الصبر على البلوى.
وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.
стр. 161
معوقات في طريق الهداية
هناك أشياء تقف عائقاً أمام طريق الإنسان الذي يسعى نحو الهداية، ومن هذه العوائق: كثرة التمني، وكثرة الخلطة، وكثرة الأكل، وكثرة الضحك، وكثرة النوم.
стр. 162
معوقات الهداية
стр. 163
كثرة التمني
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فهذه خواطر تخرج من القلب عن الهداية، وهي أشياء ملموسة أرجو أن تخرج من القلب لتدخل إلى القلب إن شاء الله.
أول سبب من أسباب عدم الهداية: كثرة التمني، فإن الناس متى ركبوا بحر الأماني غرقوا وأغرقوا، وقد قيل: الأماني رأس مال المفاليس، مثلاً: رجل جالس في بيته لا يعمل أي عمل ومع ذلك يتمنى أن يكون لديه مال كثير فهذا لن ينال من المال شيئاً لم يسع في تحصيله، وهذا كالذي يعمل المعاصي ويقول: إن الله غفور رحيم، ونسي أو تناسى أن الله ذو عقاب أليم.
تجد شاباً صغيراً فتأمره بالصلاة فيعتذر لك بعذر الصغر، وأن أباه لم يصل إلا في سن متقدمة، ويمني نفسه بأنه إذا كبر صلى كأبيه، وهذه عين الأماني الكاذبة، أو يزعم أنه سيصلي إذا تزوج، فهو يسوف ويتمنى رغم أن عمره بيد الله تعالى إن شاء أماته وإن شاء أحياه.
قال أحد الصالحين: عرضت على نفسي الجنة وما فيها من نعيم، والنار وما فيها من عذاب، فقلت: أي المكانين تريدين؟ قالت: أريد ساعة أعمل فيها لله، قال: أمسكي الأمنية لتعملي.
وجحا كان عنده من الأمنيات الشيء الكثير، فذات مرة لم يجد طعاماً فرزقه الله بكأس لبن من الجيران، فجلس يفكر في شأن اللبن وكيف يصنع به، فخطرت له فكرة مضمونها: أن يبيع هذا اللبن ويشتري بثمنه فرخين صغيرين، ثم يربيهما حتى يكبرا ثم يزاوج بينهما، ثم ينجبان فروخاً صغيرة، ثم يبيع هذه الفروخ ويشتري بثمنها شاتين، ثم يزاوج بينهما إلى أن يصبح له قطيع من الغنم، ثم بعد ذلك يصبح ثرياً، ثم فجأة ضرب كوب اللبن برجله فسقط وضاع كل شيء؛ وذلك بسبب هذه الأماني الكاذبة وأحلام اليقظة التي رآها.
لكن الدين ليس بالأحلام: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء:١٢٣]، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١١٠]، فالقضية أن تعيش بالعمل لا بالأماني.
стр. 164
كثرة الخلطة
العقبة الثانية من عقبات الهداية: كثرة الخلطة: وقد قال الحكماء: زر غباً تزدد حباً، وهذا في المعاملة العادية مع الناس، أما الحب في الله فليس له حواجز أو قوانين.
وقال ﷺ : (أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما) فإذا كرهت شخصاً فلا تقطع جميع الحبال؛ لأنه قد يكون حبيباً لك يوماً ما.
فالمقصود: أن كثرة الخلطة تضيع المسألة، وتجعل الناس يتكلون على بعضهم، هذا إذا كانت الخلطة في غير مرضاة الله.
стр. 165
كثرة الأكل
العقبة الثالثة من عقبات الهداية: كثرة الأكل: وهو ثلاثة أنواع: حلال وشبهة وحرام.
فالحلال من ناحيتين: من ناحية النوع كالأزر والجبن والخضروات، وحلال من ناحية الكسب.
وهناك حرام من جهة النوع كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وحرام من ناحية الكسب.
وهنا نطرح سؤالاً: ما حكم اللحمة التي تشترى من الجزار؛ لأننا سمعنا بعض الفتاوى التي تحرم لحمة الجزار حتى تتأكد من دينه وغير ذلك؟
الجواب
لحمة الجزار حلال، ولا ينبغي لك أن تسأل أو تتأكد من دينه؛ لأن هذا من قبيل التشدد لا التحري، وقد قال ﷺ : (لا تشددوا فيشدد الله عليكم كما شدد بنو إسرائيل على أنفسهم)، وذلك أنهم أمروا بذبح بقرة، فلو ذبحوها من غير تعنت لقبلت منهم، لكنهم تشددوا وتعنتوا فسألوا عن حقيقتها ولونها ونوعها فشدد الله عليهم.
سؤال آخر: إذا تخمرت المكسرات كالزبيب والبلح فهل تحرم؟ الجواب: لا تحرم، ونقول: إنه لا ينبغي طرح مثل هذه الأسئلة لأنها من قبيل التشدد والتعنت.
إذاً: فمن معوقات الهداية: كثرة الأكل، خاصة إذا كان طعام شبهة، ومن أكل من الشبهات أربعين يوماً عصت جوارحه شاء أم أبى.
كذلك من معوقات الهداية: كثرة الضحك وكثرة النوم.