← Джавами‘

Джавами‘ · id 37046

دروس الدكتور عمر عبد الكافي

عمر عبد الكافي

Полный текст (165 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أهل الجنة بين عابد وزاهد وصديق أيها الأخ المسلم الكريم! أنت في هذه الدنيا إما في حالة نعمة أو في حالة بلية، وتحدثنا كثيراً عن هاتين الحالتين، ولكن ننظر إليهما في هذه الخطبة وفي هذه الدقائق المعدودة من زاوية أخرى، عسى رب العباد أن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يتم علينا وعليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وأن يصبرنا على ما ابتلانا إن ربنا على ما يشاء قدير. أنت في الدنيا لست في دار تكريم، ولكن أنت في دار عناء وابتلاء واختبار، والبلاء كما قلنا من قبل: إما بلاء عام أو بلاء خاص، أو إن شئت فقل: بلاء مطلق أو بلاء مقيد، وهكذا أيضاً في النعم، فإما أن تكون النعمة مطلقة وإما أن تكون مقيدة ولنا مع كل حالة من هذه الحالات الأربع وقفة تختلف عن الأخرى. أيها الأخ المسلم الكريم! بينك وبين الجنة قنطرة تستطيع أن تعبرها بخطوتين: خطوة عن نفسك، وخطوة عن الناس. يعني: أن أهل الجنة في الدنيا أنواع ثلاثة: إما عابد، وإما زاهد، وإما صديق. فالعابد من يعبد الله مع العلائق، والزاهد من يعبد الله بدون علائق، والصديق من يعبد الله على الرضا، هذا كلام ربما يكون ثقيلاً على الأسماع وسوف أبينه إن شاء الله رب العالمين، فاللهم علمنا ما جهلنا، وذكرنا ما نسينا يا رب العالمين. فالدنيا جعلت مزرعة للآخرة، وأهل الآخرة الذين قال الله فيهم: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ [القصص:٨٣] جعلت لأصناف ثلاثة: إما أن يكون عابداً. وإما أن يكون صديقاً وإما أن يكون زاهداً. فالعابد هو إنسان لا يرتكب الكبائر من الآثام والفواحش، ولكنه يتعرض لما يتعرض له البشر من اللمم ومن صغائر الذنوب، ولكنه يتوب أولاً بأول، فما بين الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة، والحج إلى الحج، كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر؛ لأن أفضل ما يعبد الله به قلة الذنوب، وأفضل شيء يدخل السرور والانشراح على قلبك أن تكون قليل الذنوب كثير الحسنات. اللهم اجعلنا قليلي الذنوب ومن التائبين عنها يا رب العالمين! فالإنسان العابد في الدنيا يأتمر بما أمر الله وينتهي عما نهى الله سبحانه، ثم هو بعد ذلك وقاف عند حدود الله، فهو يرى الله في كل خطوة وفي كل نظرة وفي كل كلمة وفي كل حركة وسكنة، فشغله الشاغل رضوان مولاه .

стр. 107

مثل أقسام السائرين إلى الله ولقد قسمنا من قبل السائرين في الطريق إلى الله إلى أقسام ثلاثة، وضربنا لكم مثلاً: برجل غني أو أمير أو رئيس أو وزير أو ملك جاء بعمال يصنعون له في بيته شيئاً، وبعد أن وزع الأعمال عليهم صباحاً تركهم فانقسم العمال ثلاثة أصناف: الصنف الأول قال: طالما أنني سوف آخذ أجراً فيجب أن أعمل بجد وإخلاص، سواء كان صاحب العمل يراني أو لا يراني، فهذا الصنف يعمل بجد من طلوع الشمس إلى مغيبها لا يكل ولا يستريح. الصنف الثاني: يعمل ساعة ويستريح ساعة؛ لأن صاحب العمل غير موجود. الصنف الثالث قال: إن صاحب العمل غير موجود ولا يراني فسوف أنام طوال النهار وأكسب صحتي وأوفر جهدي؛ لأن عندي عملاً بالليل سوف أقوم به في مكان آخر، وآخر اليوم سوف آخذ أجري، كالمدرس المهمل الذي يقول: لو نجح الفصل كله فمرتبي كما هو، ولو رسب الفصل كله فمرتبي كما هو، إذاً أنام فيرسب الفصل كله؛ لأنني لا أريد أن أتعب. في آخر النهار اكتشف العمال جميعاً وهم الأصناف الثلاثة أن صاحب البيت ناظر إليهم يراهم من فوهة وهم لا يرونه، فهو يراهم ويرى أعمالهم منذ صبيحة اليوم إلى مغرب الشمس، فمن عمل بجد فله أجره؛ لأن صاحب العمل كان يراه بعينه، والذي قصر بعض الساعات ندم وعض أصبع الندم، والذي نام طوال اليوم كان له الخسران والخزي، فلم يعطه صاحب العمل أجراً. ولله المثل الأعلى، فهو مالك الدنيا وخالقها، فالله سبحانه أوجدنا في الدنيا وقال: يا عبادي اتقون، يا عبادي انزلوا إلى الدنيا بعضكم لبعض عدو، أي: نحن والشيطان وسائر الشياطين أعداء بعضنا لبعض، سواء شياطين الإنس أو شياطين الجن. إذاً: العابدون يعبدون الله على أن الله يراهم، وهم يعبدونه على درجة الإحسان، والإحسان هو: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). فأنا في الدنيا يجب أن أعلم أن الله ناظر إلي من صبيحة اليوم إلى مغربها، وبالليل أيضاً يراني، لا يعزب عن الله مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا يغفل رب العباد سبحانه فلا تأخذه سنة ولا نوم، قيوم السماوات والأرض، ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم. فالله ناظر إلى عباده في الدنيا منذ أن أوجدوا فيها إلى أن يموتوا، وهذا العمر كنهار العامل تماماً، يعني: منذ أن بلغت الحلم وكلفت أيها الإنسان -رجلاً كنت أو امرأة- فالله ناظر إليك يرى ماذا تصنع. فانقسمنا في أعمالنا لله ثلاثة أقسام كما انقسم العمال: قسم يعلم أن الله لا يغفل عنه؛ ولذلك هو يحب ربه، ويدعوه ليل نهار، ويعبده ليل نهار، ولا يغفل عن ذكره لحظة. هذه الطائفة الأولى عندما يأتي يوم القيامة سوف يكونون من الفائزين الناجحين، اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين! القسم الثاني: من تأتيهم غفلة على مر الأيام والزمن ينامون عن العبادة، تجد الواحد منهم يقصر في صلاته وعبادته، ويغتاب هذا، ويتكلم في حق هذا، وينم في حق هذا، ويسيئ إلى هذا، ولكنه رغم ذلك يعمل بعض الحسنات، هذا ندمه يوم القيامة كثير. القسم الثالث: من ينكر الآخرة أو يمني نفسه بالأماني، قال بعض السلف: إن قوماً قد غرتهم الأماني يقولون: نحسن بالله الظن، فوالله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل. وجاء في الحديث القدسي: (لا أجمع على عبدي أمنين ولا خوفين، من أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة، ومن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة).

стр. 108

من مواقف الصالحين من الدنيا هذا سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث ﵁ رزقه الله بخمسين ألف درهم فوزعها على إخوانه كلها، فتعجب الحاضرون وقالوا: يا إمام أتوزع عليهم خمسين ألف درهم، قال: عجباً إذا كنت في كل صلاة أطلب لهم الجنة أفلا أوزع عليهم شيئاً من حطام الدنيا؟! يعني: أن المسألة أكبر من هذا، فليست القضية قضية كلام، وإنما القضية قضية عمل، فأنا أطلب لهم عقب كل صلاة أن يرزقهم الله الجنة ويرضى عنهم، فكيف لا أعطيهم من حطام الدنيا؟! إذاً: عابد يعبد الله على العلائق، أي: على أمور متعلقة بالدنيا والغفلة التي تأتي. الدرجة الأعلى: الزاهد الذي يعبد الله على غير العلائق، أي: من استولى الله على قلبه فلا يذكر إلا الله، ولا يكون مقصده إلا الله ، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:٤٢] هذه هي الدرجة العليا. أما الدرجة الأعلى من الجميع، فهي درجة الصديقية، والصديق هو الذي يعبد الله على الرضا، كما كان أبو بكر ﵁، اللهم لا تحرمنا مجاورة الصالحين في الجنة يا أرحم الراحمين. أعود إلى ما ابتدأت فيه من حديث: يا أخا الإسلام بينك وبين الجنة قنطرة وحاجز، وتستطيع أن تعبر هذه القنطرة بخطوتين: خطوة عن نفسك، وخطوة عن الناس.

стр. 109

كيف تخطو خطوة عن نفسك في قنطرة الجنة

стр. 110

الفرق بين الكبر والعزة خطوة عن نفسك: أن تفرق بين الكبر وبين الكرامة والعزة، فلو آذاك أخوك فقلت: إن هذا شيء يخص كرامتي وأنا لن أذهب إليه ولن أصافحه ولن أعزيه ولن يجمعني وإياه مجلس واحد؛ لأنه أساء إلى كرامتي، نقول: أنت متكبر، رأينا كيف كان الصالحون ﵃ يصلح الواحد منهم أمره مع أخيه، قيل للحسين بن علي: ادخل فاصطلح مع أخيك الحسن؟ فتبسم الحسين وقال: الحسن أخي أكبر مني سناً ومقاماً، ولكني بلغني عن جدي ﷺ أنه قال: (الأخوان المتخاصمان أسرعهما صلحاً لأخيه أسرعهما دخولاً إلى الجنة) وأنا أتباطأ حتى يسرع أخي الحسن إلى الصلح معي فيدخل قبلي الجنة. هذه درجة وخطوة عن نفسك. وأبوهما ﵁ لما أراد أن يجهز على عدوه ورفع السيف بصق الرجل في وجه علي فأغمد علي سيفه، فقيل له: لمَ لم تجهز عليه وأنت في معركة يا أمير المؤمنين؟ قال: رفعت السيف في أول مرة كي أضربه ابتغاء مرضات الله، فلما بصق على وجهي خشيت أن يكون قتلي له انتقاماً لنفسي، فأغمدت سيفي لكي لا أكون خاسراً يوم القيامة. كذلك من سلك خطوة عن نفسك، كما قال عمر ﵁ وهو يسير مرة مع الصحابة وابنه عبد الله بجواره فقال: رأيتني مرات وأنا أرعى الإبل للخطاب في هذا المكان، وكان رجلاً فظاً غليظ القلب، وصرت اليوم وليس فوقي أحد إلا الله رب العالمين، قال ابنه: يا أبت ماذا قلت؟ لم تعجب الكلمة عبد الله بن عمر كأنما لمح لمحة كبر في أبيه ﵁ وحاشا لأمير المؤمنين عمر أن يكون متكبراً، فقال: يا بني! استشرفت نفسي-أي: أرادت أن تتكبر- فأردت أن أضعها أمام أصحابي، أي: أذكرهم بماضيَّ الذي كنت فيه فقيراً أرعى الإبل لأبي وكان فظاً غليظ القلب، فصرت اليوم أميراً للمؤمنين. ولذلك لما عين سلمان الفارسي ﵁ في زمن عمر حاكماً على بلاد فارس التي جاء منها ودخل إلى المدائن عاصمة كسرى سابقاً، دخل وعليه ثوب قصير، فقال له رجل من بلاد فارس: يا حمال! قال: نعم، قال: احمل حزمة الحطب هذه، فحمل سلمان ﵁ حزمة الحطب، فلما رأى الصحابة وهم يستقبلون سلمان ويقولون: مرحباً بالأمير، مرحباً بالأمير، أسقط في يد الرجل، قال سلمان: لا عليك أخا الإسلام، أنت قلت: احمل يا حمال، فأنا حملت فصرت حمالاً، قال الرجل: ضعها لكي أحملها وتعفو عني، قال: والله لن أضعها إلا في المكان الذي تريد أن أوصلها إليك فيه، سبحان الله! هذه خطوة عن نفسك، فأنت إن أردت أن تصل إلى الجنة وتقطع القنطرة التي بينك وبين الجنة فعليك أن تخطو خطوة عن نفسك.

стр. 111

كيف تخطو خطوة عن الناس في قنطرة الجنة الخطوة الأخرى هي: خطوة عن الناس: أي: الناس يخافون من الناس، والناس يضعون اعتبارات للناس أكبر من وضعهم الاعتبار والخوف والخشية لرب الناس سبحانه. ومن أسباب وموجبات عذاب القبر أن يخاف الإنسان من المخلوق ولا يخاف من الخالق، تجد مثلاً: بدعة ذكرى الأربعين والذكرى السنوية، يقول: أنا لو لم أصنع لأبي ذكرى الأربعين أو ذكرى السنوية فإن الناس سيعيبون علي، ويقولون: لقد بخل الرجل بعد موت أبيه، لقد خلف أبوه له تركة ضخمة وتكاسل عن صنع كذا أو كذا. فأنت تخاف من الناس، ولا تدري أن هذه بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، فليكن رائدك أخا الإسلام أن ترضي الله رب العالمين لا أن ترضي الناس، فمن أرضى الله بسخط الناس رضي عنه الله وأرضى له الناس، ومن أسخط الله برضا الناس سخط عليه الله وأسخط عليه الناس. نرى هذا الأمر جلياً في مسألة الأفراح: أنت تريد أن ترضي غرورك وترضي غرائزك، بل وترضي أحياناً أهلك وأقاربك، وتريد أن تصنع لابنتك عرساً وفرحاً لم يحدث من قبل في القاعة الفلانية بعدة آلاف من الجنيهات؛ لأن الناس سيقولون: إن ابنة عمتها وابن عمها وبنت خالتها فعلن أعراسهن في نفس هذا المكان، وبنفس التكاليف، فلا بد أن يصنع هذا الأمر لابنتي كما فعل لهؤلاء، وهو يعلم أنه كله حرام من ألفه إلى يائه؛ لأن من فعل ذلك فهو سفيه، والله جعل السفيه مع أهل النار يوم القيامة والعياذ بالله، فلا تكن سفيهاً أخا الإسلام، وليكن رائدك أن ترضي الله رب العالمين، فإن أرضيت الله فقد قطعت خطوة بعيداً عن الناس، فصار منتهاك إلى رضوان الله .

стр. 112

النعم والبلايا مطلقة ومقيدة أخا الإسلام! تلك مقدمة للحديث عن النعمة والبلية. النعمة إما مطلقة وإما مقيدة. نعمة مطلقة قد لا نشعر بها، كنعمة الشمس التي نحن فيها أو الضوء، فهذه نعمة عامة لا يشعر بها غير المؤمن؛ لأن المؤمن يشعر بكل نعمة، ويستشعر فضل الله . لو حجبت الشمس عاماً عن الأرض لمات أهل الأرض جميعاً من شدة البرد، سبحان الله! حتى في حرارة الصيف كم تقتل حرارة الشمس من ميكروبات وجراثيم؟ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]. ينبغي أن نشكر الله على نعمة الشمس، لكن كونها نعمة يشاركه فيها غيره فتجد العبد لا يرى النعمة إلا إذا كان متملكاً لها للأسف الشديد، لكن المؤمن يرى النعمة المطلقة ويرى النعمة المقيدة، النعم المطلقة مثل: نعمة الهواء، فهي نعمة لا تساويها نعمة، هذه نعم مطلقة يشاركنا فيها الناس يجب أن نشكر الله عليها ونحمد الله رب العالمين. أما النعم المقيدة فمثل: نعمة الإيمان في الدنيا، هذه نعمة مقيدة لك، والنعمة المطلقة في الآخرة هي الخلود في جنة الرضوان، اللهم اجعلنا من الخالدين في جنات النعيم يا رب العالمين. هناك من النعم المقيدة في الدنيا من تكون نعمة من وجه وبلية من وجه آخر، فالمال نعمة، لكن عندما يميل بك هذا المال عن الحق يصير بلية، عندما تنفق هذا المال في غير مرضاة الله يصير بلية، وعندما تستخدم مالك في إغضابك لرب العباد وفي الابتعاد عن خطه وصراطه المستقيم يصير بلية، لكن المال إذا استخدمته في مرضاة الله وأنفقته فيما يرضي الله يصير نعمة، فالمال نعمة من وجه وبلية من وجه. كذلك الولد نعمة وبلية، إن كان الولد طائعاً وربيته على طاعة الله ، وربيته على الكتاب والسنة، وربيته على حب المسلمين وحب الضعفاء والمساكين، وحب رسول الله وآل بيت رسول الله ﷺ صار الولد عندئذ نعمة، أما إذا كان الولد مخنثاً أو البنت تخرج عارية إلى الطريق، ومعنى عارية أن ممن يحمل شهادة الدكتوراه تكون له بنت في الجامعة أو في الثانوية، وتكون قد بلغت أكثر من خمس عشرة سنة، وبلغت سن من تستطيع إذا تزوجت أن تلد، فإذا بهذه البنت تخرج ببنطلون مما يسمونه البنطلون الضيق الذي يفسر ساقها ورجلها، نقول: هذه عارية تماماً لم يبق إلا أن يرى الرائي منظر اللحم إن كانت البشرة سوداء أو بيضاء البشرة، لكن هو رأى جسدها واضحاً، وهذه بلية؛ لأن الله سلب من والد هذه البنت إيمانه وسلب منه الغيرة والرجولة، وسلب منه دماء العروبة، وصار خنزيراً لا يتحرك إذا انتهكت حرمة من حرمات الله، بل إنه يشارك والعياذ بالله في أن يغري عيون الشباب الجائع إلى النظر إلى ما حرم الله. أخا الإسلام! اتق الله رب العالمين؛ لكي يكون أبناؤك نعمة عليك لا بلية، اللهم اجعل أبناءنا نعمة لنا لا بلية علينا يا رب العالمين! إذاً: فالبلية إما مطلقة أو مقيدة، والبلية المطلقة مثل: الكفر في الدنيا، فهذه بلية مطلقة، والخلود في النار في الآخرة بلية مطلقة. أما الابتلاءات المقيدة فمثل: الجوع والخوف والمرض والفقر، ولكن الله يريد بعبده دائماً خيراً.

стр. 113

رؤية نعمة الله في الابتلاء بخمسة أمور إن العبد المؤمن إذا ابتلاه الله رب العالمين يحمد الله، إذا مرضت، إذا افتقرت، إذا أقلت من منصبك، إذا حدثت لك ضائقة سواء في المال، أو سوء أدب من زوجة أو من ولد أو من جار أو من رئيس في العمل، أو ابتليت ابتلاء عاماً من إنسان مسئول لا يتقي الله رب العالمين فيك، فاحمد الله في هذه البلية على أمور خمسة:

стр. 114

الأول: أن البلية ليست في الدين الأول: أن هذه البلية ليست في دينك، جاء في الحديث: (اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا) يجب أن يكون دعاؤك هكذا ليل نهار، كان النبي ﷺ يقول هذا، فطالما أن المصيبة بعيدة عن الدين فاحمد الله رب العالمين. لكن لو كانت لك زوجة تطيعك بحيث إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك وعرضك، ثم إذا بها صارت لا تصلي والعياذ بالله، وخلعت حجابها، وصارت إنسانة بذيئة اللسان، صارت ناشزة فهذه بلية في الدين والعياذ بالله رب العالمين، فاحمد الله رب العالمين في البلية التي تحصل أنها لم تكن في الدين، هذا هو الأمر الأول. فنحمد الله أن جميع ابتلاءاتنا ليست في الدين. كذلك إذا رأيت إنساناً له ابن عاق، فاعلم أن هذا ابتلاء في الدين، وإذا رأيت إنساناً كان يصلي وأصبح لا يصلي هذا ابتلاء في الدين، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء، اللهم أجرنا من غضبك يا رب العالمين.

стр. 115

الثاني: أن البلية لم تكن أكبر مما حدث الأمر الثاني: احمد الله رب العالمين أن البلية ليست أكبر من ذلك: ربما تصاب بمرض في بدنك، فصارت يدك لا تتحرك، أو أن قدمك لا تخطو، أو أن عينك بدأت تفقد القدرة على الإبصار، فاعلم أن الله ابتلاك في الوقت الذي يريده هو لمصلحتك أنت؛ لأنه ربما يفقد الواحد منا نعمة المشي؛ لأن الله يعلم في سابق علمه أن لو ظلت هذه النعمة معك لاستخدمت قدميك في غضبه ؛ لأنك سوف تذهب بهما إلى مكان لا يحبه الله رب العالمين، فيمقتك الله مع من يمقت، فاحمد الله رب العالمين أن رزقك نعمة فقد القدرة على المشي. كذلك نعمة العقل، قد يذهب الله نعمة العقل، تعال إلى العلمانيين في مصر الذين يقولون مثلاً: إن الحجاب حرية شخصية، هذا إنسان علماني يريد أن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، فهو يؤمن أن الصلاة مفروضة، والزكاة مفروضة، والمساجد يجب أن تعمر بالمصلين، لكن أن يحكم المسلمون بشرع الله، لا، أن تحجب المسلمات، لا، فهذا المرء يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض. فهؤلاء العلمانيون في مصر أكثرهم من المثقفين وأكثرهم ممن يقرءون ويكتبون كثيراً؛ لكنهم يستخدمون عقولهم فيما يغضب الله سبحانه، فهؤلاء عندما يأتون يوم القيامة يتمنى الواحد منهم أن لو كان مجنوناً في الدنيا لا عقل له؛ لكي لا يحاسب على نعمة العقل يوم القيامة؛ لأنه استخدم عقله في إغضاب الله رب العالمين. إذاً: الله عندما يبتلي عبداً ببلية معينة فإنما يختار له خيراً، فاحمد الله رب العالمين في البلية أنها ليست في الدين، واحمد الله رب العالمين أنها ليست أكبر من ذلك، فإذا فقدت حركة اليد فاحمد الله رب العالمين أن لك يداً أخرى تتحرك، وإذا فقدت حركة اليدين فاحمد الله على حركة الرجلين، إذا فقدت حركة الجسد كله وأصبحت لا تستطيع الحراك فاحمد الله أن لك قلباً شاكراً ولساناً يذكر الله رب العالمين ويوحده.

стр. 116

الثالث: أن الله رزقك الصبر والدعاء الأمر الثالث: احمد الله في البلية أنه رزقك أن تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها، أو وأعقبني خيراً منها: قالت أم سلمة: عندما مات أبو سلمة أمرني رسول الله ﷺ أن أقول هذا الدعاء، فقلت: وهل هناك خير من أبي سلمة يا رسول الله؟! فقال: اسمعي لله ولرسوله يا أم سلمة، قولي: سمعنا وأطعنا، فدعت أم سلمة هذا الدعاء: اللهم أجرني في مصيبتي وأعقبني خيراً منها، فلما انقضت عدتها تزوجها رسول الله ﷺ ، ألم يخلفها رب العباد خيراً؟ فأنت في كل مصيبة تدعو الله هذا الدعاء: اللهم أجرني في مصيبتي وأعقبني خيراً منها، فما من عبد دعا بهذا الدعاء إلا وأعطاه الله الاثنين: أخلفه خيراً، وآجره في مصيبته.

стр. 117

الرابع: أنها اختيار الله لك الأمر الرابع: أن الله اختار لك خيراً: يخرج قوم من قبورهم يوم القيامة إلى أبواب الجنات يوقفهم رضوان: إلى أين تذهبون؟ كيف تدخلون الجنة وأنتم لم ينشر لكم ديوان ولم ينصب لكم ميزان؟ قالوا: يا رضوان نحن لا نقف لنصب ميزان ولا لنشر ديوان، يا رضوان أوما قرأت القرآن؟ يقول: وما في القرآن؟ يقولون: نحن أهل الصبر: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]، قال: كيف كان صبركم؟ قالوا: نحن كنا إذا أسيء إلينا غفرنا، وإذا جهل علينا حلمنا، وإذا ابتلينا صبرنا، وإذا أعطينا شكرنا، قال: ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون. فهؤلاء يوفون أجرهم بغير حساب؛ ولذلك رأينا كثيراً من الصالحين عندما يبتلى بالبلية كان يقول: مرحباً بشعار الصالحين. وهذه قضية عجيبة وهي: أن امرأة تزوجت رجلاً صالحاً فيما حسبته، وعاشت معه ستة أشهر، فقالت له: أتحبني؟ قال لها: بلى أحبك، قالت له: وإن طلبت منك شيئاً نفذته؟ قال لها: نعم، قالت له: أريد أن تطلقني، فعجب الرجل، لم؟ أأسأت عشرتك؟ قالت: كلا، قال: أبخلت عليك؟ قالت: كلا، فأخذها وذهب بها إلى بيت أبيها وفي الطريق عثرت رجل الرجل في حجر فانكسرت ساقه، فحمل إلى البيت، فعادت معه، فبعد أن وضعت رجله في الجبيرة، قال لها: عندما أشفى بإذن الله وأستطيع الحراك والتحرك على قدمي سوف أذهب بك إلى أبيك لأقضي لك ما تريدينه من طلاق، قالت: كلا، أنا لا أطلب الطلاق، وإنما عشت معك ستة أشهر فما رأيتك قد ابتليت ابتلاء من الله فخشيت أن تكون بعيداً عن الله ، فلما جاء الابتلاء علمت أنك قريب من الله رب العالمين، فسوف أعيش معك ولا أطلب الطلاق مرة أخرى. هذا مقياس الصالحات والصالحين، إن مر عليك شهر أو أربعون يوماً - كما قال لنا الصالحون - ولم تأتك مصيبة فأعد حسابك مع الله رب العالمين.

стр. 118

الخامس: أنها قدر من الله الأمر الخامس: اعلم أن البلية قدر وقضاء من الله ، وأن الله يريد أن يضعك في زاوية معينة من القرب منه، ولكن عملك لا يرقى إلى هذه الدرجة، عندئذ يبتليك رب العباد ببلية معينة ليرفعك عنده درجات ودرجات، إن في الجنة درجات لا يبلغها إلا الذين ابتلاهم رب العباد . اللهم اجعلنا من الشاكرين عند النعمة، ومن الصابرين عند البلية، إنك يا ربنا على ما تشاء قدير. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 119

واجب العبد المؤمن تجاه القضاء المبرم والقضاء المعلق أحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله ﷺ . وبعد: أخا الإسلام، الله يريد بنا ومنا قضاء وقدراً، فما أراده بنا طواه عنا، وما أراده منا أظهره لنا، فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا! معنى هذا الكلام: أن الله أراد منا عملاً وأراد بنا قضاء وقدراً، فما أراده بنا وهو القضاء والقدر طواه عنا فلم يظهره لأحد، عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً، إلا من ارتضى من رسول. ثم أراد منا عملاً، أراد منا تكليفات شرعية، فلماذا نشتغل نحن بما أراده بنا من قضاء وقدر عما أراده منا من عمل؟! يجب أن نشتغل بما أراده منا وما طلبه منا من تكليفات وأوامر. القضاء من الله قضاء مبرم، وقضاء معلق، القضاء المبرم كالموت، فلان سيموت في الساعة الفلانية في الدقيقة الفلانية في الثانية الفلانية، في المكان الفلاني، بالطريقة الفلانية، لا يتقدم الإنسان خطوة إلى الأمام ولا يتأخر خطوة إلى الخلف، لا يتأخر ثانية ولا يتقدم ثانية، لا يبعد عن المكان الذي قدر له أن يموت فيه. إذاً: يجب أن يعترف الإنسان ويوقن ويؤمن بقضية القضاء والقدر، هذا هو القضاء المبرم. وإني لأعجب من كثير من المسلمين عندما يدعون لبعض المسلمين بطول العمر، دعت السيدة رملة أم حبيبة زوج رسول ﷺ : فقالت: (اللهم زد في عمر زوجي رسول الله، وعمر أبي أبا سفيان وعمر أخي معاوية فقال الرسول ﷺ : يا أم حبيبة لقد سألت الله أعماراً محدودة، وأنفاساً معدودة، وآجالاً مكتوبة، ألا قولي: اللهم إنا نسألك البركة في العمر)، ندعو الله بالبركة في العمر وليس بطول العمر؛ لأن طول العمر وقصره إنما هو بيد من يقول للشيء: كن فيكون، لمالك الملك والملكوت فقط، لا يطيل العمر إلا شيء واحد ألا وهو بر الوالدين، ولا يعلم ملك الموت بهذا الأمر حتى يهبط في الساعة الفلانية ليقبض روح هذا العبد فيقول الله لملك الموت: يا ملك الموت، لا تصنع؛ إنه بار بأبيه وأمه وليس أحد لأبيه وأمه في الدنيا إلا هو، فجعلته سبباً لخدمة أبيه وأمه، لقد أعطيته كذا سنة علاوة من الله رب العالمين. هذه مسألة لا نقاش فيها، لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد العمر إلا بر الوالدين، اللهم اجعلنا بررة بآبائنا أحياءً وأمواتاً يا رب العالمين. الأمر الثاني في القضاء: هو القضاء المعلق، كأن يقضي الله بمرض إنسان أو بفقره، ولكن العبد يدعو كما علمه الرسول ﷺ : (اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه). قد ييئس مريض من مرضه، فمثلاً: نرى في أوروبا كيف ينتحر المرضى، يقيمون هناك مؤتمرات يقولون فيها: هل يصح أن نقتل المريض الميئوس من شفائه أم لا نقتله. لم يصلوا إلى حل إلى الآن، لكننا نقول: طالما العبد مؤمناً وموقناً بقضاء الله وأنه كلما ازداد مرضه ازداد قربه إلى الله رب العالمين، وكلما عجز الطب والأطباء اقترب قلب العبد المؤمن من الطبيب الشافي المعافي . يا رب أليس الشفاء من عندك؟ قال: نعم يا موسى، قال: فماذا يصنع الأطباء؟ قال: يأخذون أرزاقهم ويطيبون نفوس عبادي حتى يأتي شفائي أو قضائي. إنما الشافي هو الله رب العالمين، لا شافي للأمراض إلا الله، ولا مفرج للكرب إلا الله، ولا كاشف للغم إلا الله، ولا شارح للصدر إلا الله، ولا موفق للخيرات إلا الله، فوحدوا رب العباد توحيداً صادقاً، واذكروه ليل نهار، وتوكلوا عليه حق التوكل، يرزقنا رب العباد عقيدة صافية صادقة، ونية صادقة نقية. فاللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافنا واعف عنا، سامحنا وتقبل منا. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت يا رب أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم وفقنا لما تحب وترضى، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك. اللهم اشف كل مريض، واهد كل ضال، وتب على كل عاص، ووفق كل مسلم لما تحب وترضى. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يا رب تسليماً كثيراً. بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].

стр. 120

حسن الخاتمة إن من أعظم نعم الله على العبد أن يوفقه لحسن الخاتمة، فالأعمال بالخواتيم، فكم من إنسان عمل الخير سنين عديدة ثم انتكس وتوفي على الشر، فعلى الإنسان أن يدعو ربه أن يرزقه حسن الختام. وللخاتمة الحسنة أسباب كثيرة منها: المداومة على الخير، وتجديد التوبة باستمرار، والحذر من مكر الله، والخوف منه سبحانه، والصدق في عبادته جل في علاه.

стр. 121

أثر العلم في حسن الخاتمة وقبحها أحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله ﷺ ، أما بعد لعل من حسن الطالع وحسن الأمر أن يكون حديثنا في الوعد الحق في هذا الشهر الكريم ونحن في العشر الأواخر، وهذه كلها مبشرات، فرمضان بالنسبة للشهور الباقية من السنة كيوسف بالنسبة لإخوته الأحد عشر، فإذا كانت الشهور الأحد عشر هي إخوة يوسف فرمضان هو يوسف لأنه كان أسيراً عند أبيه يعقوب -ولله المثل الأعلى- فرمضان أسير عند خالقنا وأسير عند المسلمين. ويعقوب لم يرتد إليه بصره لما رأى قمصان أبنائه الأحد عشر، وإنما ارتد إليه بصره لما شم قميص يوسف، ولما وجد ريح قميصه قال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف:٩٤] فالقلب يشم ريح التوبة وعبير الاستقامة وعبير حسن الخاتمة في هذه الأيام الطيبة مع ريح رمضان ومع قميص رمضان ومع جلباب رمضان. وموضوع حسن الخاتمة نبحث عنه كلنا، ويجب أن نبحث عنه كلنا، وأنت لما تزرع شجرة عنب لا تظن أنك تجني منها الشوك، فكذلك لا تظن أنك تظلم الناس ثم تموت بحسن خاتمة، ولا تظن أنك تفتري على الناس، وتحقر من شأنهم، وتتكبر عليهم، وتتألى عليهم، أو تصيّر نفسك من طينة أو من عجينة غير الطينة والعجينة التي خلق منها الناس، وتظن أن هناك حسن خاتمة تنتظرك! والرسول ﷺ هيأه تفوقه أن يكون واحداً فوق الجميع، فعاش بتواضعه واحداً بين الجميع، وهكذا يجب أن نكون، أي: يجب أن يكون الشخص محمدي النزعة، محمدي السلوك، محمدي التصرف. وحسن الخاتمة له محاور وأسباب، وقد يتعجب الإنسان ويقول: هل لي دخل في موضوع حسن الخاتمة؟ فهو شيء مقدر لا دخل لي فيه. فهذا ما يقوله البعض، ولكن نحن طالما نبحث وندقق ونفهم ديننا حق الفهم، فنقول: الأمر كما قال جعفر الصادق: أراد بنا وأراد منا، أراد الله بنا قضاءً وقدراً، وأراد منا عملاً، فما أراده بنا -القضاء والقدر- واراه عنا، وما أراده منا أظهره لنا، فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا. فبهذا تتضح الصورة. فأنا مسير في أمر لا أحاسب عليه، ومخير في كل أمر أحاسب عليه، قال تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]. وهل سوء الخاتمة للإنسان دخل فيه؟ نعم، هي من فعل العبد، وله كل الدخل في حسنها أو قبحها، فحسن الخاتمة من صنع الإنسان وفعله؛ لأنه كما يزرع فسوف يحصد. أما كونه كتب عليه رزقه وأجله وشقي أم سعيد، فهذا الشقاء وتلك السعادة في علم الله؛ لأنه لا يقع في كون الله إلا ما يعلم رب العباد، وهو العليم الخبير، ولكن لم يكتب على الكافر كفراً، وإنما الكافر هو الذي كتب ذلك على نفسه بعمله. وأما قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] فالمعنى: أن من شاء من البشر أن يهتدي هداه الله، ومن شاء الضلالة فليمدد له الرحمان مدا، قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣] إذاً فالهداية بدايتها من العبد، ومن يطرق الباب يفتح له. ومن هذا قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، فإنهم طرقوا باب الهداية، وأناخوا رواحلهم على باب الله ففُتح لهم، وباب الله ليس عليه باب ولا بواب، أي: أن باب الله دائماً مفتوح لا يغلق، وكلمة باب تعني له رتاج، فهذا هو تعريف الباب، ولكن باب الله باب مجازي، فلا باب ولا بواب، يعني: لا يوجد ملك يقف على الباب ويقول: يدخل فلان أو لا يدخل، وليس هناك دعوة تصعد في الثانية ليلاً فيقال لها: ارجعي الملائكة الآن نائمون! وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر:٢١]، فالمراد: ننزله بقدر لكن ليس من الباب، وإنما لعلم الله أن هذا يصلح في هذا الوقت لا في هذا الوقت، وبهذه الطريقة وليس بهذه الطريقة، وبهذه الكمية لا بهذه الكمية.

стр. 122

أهمية وجود دواعي الهداية عند العبد عندما يشاء الله للعبد الهداية إنما ذلك بعد أن توجد دواعيها؛ لأن رب العباد أنزل الشرع وعلمه إيانا رسوله ﷺ ، وتركنا على المحجة البيضاء، وبالعامية: (هذه سكة السلامة وهذه سكة الندامة)، فبين طريق الهداية من طريق الغواية، ونؤكد أن ما قاله الرسول ﷺ لـ أبي بكر قد قاله لـ أبي جهل، ولم يزد لـ أبي بكر ساعة زيادة، أي: لم يختص أبا بكر بساعة، أي: لم يقل له: تعال نعطيك درساً خصوصياً في الهداية، وكذلك لم يقل لـ علي بن أبي طالب تعال لنتكلم معك في الهداية ليل نهار، ولا نتكلم مع عمك أبي لهب إلا دقيقتين! فكما أوصل المعلومة لـ علي أوصلها لـ أبي لهب، وكما أوصلها لـ أبي بكر أوصلها لـ أبي جهل، فما الذي حدث؟ سعى أبو بكر فطرق ففُتح له فدخل، بينما أبو جهل أعرض وولى فأخذ ثمن إعراضه. وقد كان النبي ﷺ حريصاً على هدايته، فكان يقول: (اللهم أعز الإسلام بأحب العمرين إليك) أي: عمرو بن هشام الذي هو أبو جهل، أو بـ عمر بن الخطاب، فلما بشر خباب بهذا الدعاء بدأ بـ عمرو بن هشام؛ لأنه أحد صناديد قريش، وبهدايته يهتدي كثير. وقد أمضى الرسول ﷺ وقتاً طويلاً معهم؛ طلباً لهدايتهم، حتى قال الله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس:٥ - ٦]. ولما وكل الأنصار إلى إيمانهم يوم حنين قال لهم: (لو شئتم لقلتم: جئت مكذباً فصدقناك، وعائلاً فأغنيناك، ولو قلتم لصدقتم وصدقتم، أما ترضون أن يعود الناس بالأسلاب والغنائم وتعودون أنتم برسول الله؟ قالوا: رضينا رضينا، وبكى القوم وابتلت لحاهم). فالهداية أولاً من العبد؛ لأنها لو كانت مقصورة على أناس محددين فقط، لكنت عند أن تقول: يا فلان! لماذا لا تصلي؟ لقال لك: عندما يهديني الله، وإن قلت: يا فلانة! لماذا لا تتحجبين؟ لقالت: عندما يهديني الله، وإن قلت: يا فلان! لماذا لا تتوب من الربا فسيقول: عندما يهديني الله، وهكذا. أو قد يقول: ادع لنا! وبدلاً من أن ندعو الله له فليسلك هو الخطوات، كالمدخن مثلاً، إن قلت له: لماذا تدخن؟ فيقول: يا شيخ ادع لنا! فأقول: والله دعائي أحد أمرين: إما أن يستجاب أو لا يستجاب، لكن إقلاعك أنت عن التدخين هذه هي الحقيقة الكائنة. ونحن الآن قد عكسنا الدالة الحسابية، أي: يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢] ونحن قلنا: أوجد المخرج ثم أتق الله . فازرع شجرة التقوى يأتيك المخرج، ويثمر مخرجك، ولا تسأل عن المخرج وأنت لم تزرع. والعبد هنا يريد أن يمتحن الله والله لا يمتحن، بل الله يمتحن عباده، لا أن يمتحن العباد ربهم، فلا ينبغي أن يقال: أوجد لي مخرجاً حتى أتقي، وفي قصص بني إسرائيل قال إبليس لعيسى: هل أنت روح الله؟ قال: نعم. قال: فإذا كنت تحب الله فألق نفسك من فوق هذا الجبل، ولننظر كيف ينقذك رب العباد! قال: يا لعين! الله الذي يمتحن عباده، وليس للعبد أن يمتحن ربه. فلا نقلب الموازين، ولا نجرب مع الله، فالله لا يجرب معه. فلنكثر من العمل كما قال رسول الله ﷺ لمن قال له: (يا رسول الله! ادع الله أن أكون رفيقاً لك في الجنة، فقال: أعني على نفسك بكثرة السجود) أي: صل واستقم وأنا أشفع لك، وهذا كما تقول لابنك: يا بني! مدير المدرسة أو رئيس الجامعة يعرفني، أو الأساتذة زملائي فإياك أن تفضحني أمامهم، ذاكر بجد حتى إذا كلمتهم أكون رافعاً رأسي، فيقولون: ما شاء الله ابنك خطه جميل، وإجابته جميلة، وهو منمق ومهذب، وسلوكه متميز؛ فيعطونك الدرجة، لا لأن أبيك من ضمن الفريق فيجاملونك لأجله. حتى لجنة الرأفة نفس القضية، أي: لو أتينا للشفاعة لشخص أتى بثمانية وأربعين في المائة، وبقيت عليه درجتان لينجح، فهذا فيه شفاعة، أما شخص أتى بصفر في المائة، فهذا ليس له شفاعة! إذاً: فالحاصل أن حسن الخاتمة وسوءها مبني على سابقة الأعمال.

стр. 123

أسباب حسن الخاتمة

стр. 124

الصدق ونتحدث الآن عن كيفية المحاولة لتحسين الخاتمة. أول عنصر من عناصر حسن الخاتمة: الصدق مع الله ، وأول شيء في الصدق مع الله: صدق النية وتجريدها. أي: يجب أن أصدق النية أولاً في أي عمل أقدم عليه، فإن قلت: سأذهب لزيارة فلان لوجه الله، وربما أجد عنده فلاناً فهو دائماً يزوره، وأنا لي مصلحة معينة عنده، فحينها لا يوجد صدق نية. قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧]. أي: ولا تنس نصيبك من الدنيا في زراعة الآخرة فيها، فالدنيا لا تنفصل عن الآخرة، وإنما هذا عند الغرب، أما عندنا فالدنيا مصنع ومزرعة، وفي الآخرة جني الثمرات، فلابد من صدق النية في العمل. أما مقولة: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً) فهي مقولة خائبة لم يقل بها أحد، وليست حديثاً عن النبي ﷺ ، ولم تذكر حتى في (الموضوعات) لـ ابن الجوزي. وهذه المقولة تسبب هزة في اليقين، وتوحي لك كأنك تعيش أبداً وأنت لن تعيش أبداً، وبالتالي فهذه الحكمة باطلة من أولها، ولم يقل هذا رسول الله ولا أحد من الصالحين، وهذه انتشرت بين الناس كانتشار النار في الهشيم. إذاً: فصدق النية أمر هام، وقد تحدثنا عن الإمام مالك أنه جاءه أبو جعفر فقال له: يا إمام! وطئ لنا كتاباً -يعني: ذلل وسهل- وتجنب فيه رخص ابن عباس، وشدائد ابن عمر، وغرائب ابن مسعود، وذلك أن عبد الله بن عباس كان يعتمد على التيسير، وابن عمر يعتمد على التشديد، وابن مسعود يأتي بالغرائب التي سمعها من النبي ﷺ ولم يسمعها أحد، فالناس يتعجبون منه ويقولون: من أين أتيت بهذا الكلام؟! وغرائبه مشهورة. فكتب كتابه الموطأ في الفقه، وهو أول كتاب، ويعتبر مرجعاً فقهياً عظيماً، وكان الإمام مالك إذا حدث يقول: ماذا تريدون؟ فيقولون: حديث كذا، في الفقه أو في الحديث، فيدخل ويغتسل ويتطيب ويسرح لحيته ويلبس ثوباً أبيض، ويخرج على الناس قائلاً: نحن نحدث عن رسول الله، بلغني عن فلان، حدثني فلان عن فلان عن فلان عن صاحب هذا القبر الشريف، ويضع يده على قبر النبي ﷺ . فلما كتب الكتاب قال له أبو جعفر نطبع منه، أي: نعمل منه نسخاً ونوزع في الأمصار، فقال مالك: لا، لا أدري مدى صدقي فيه، أي: أريد صدق النية فقط، قيل: وكيف نعرف نيتك؟ قال: ضعوه على سقف الكعبة سنة، فإن وجدتموه كاملاً فهذا دليل على صدق نيتي، وإن محيت منه كلمة أو سطر أو حرف فصدقي فيه نظر، فجاءوا بعد سنة فوجدوه كاملاً كما هو، فقال: صدقت نيتي فيه يا أمير المؤمنين.

стр. 125

تجديد النية لابد من صدق النية ثم تجديدها، فكيف أجدد النية؟ لقد وضع لي ربي صلوات بين الحين والآخر، ففي الساعة الخامسة صباحاً آتي إلى المسجد، وكذا الساعة الثانية عشرة، ثم الساعة الثالثة أيضاً، ثم الساعة السادسة كذلك، ثم الساعة الثامنة، هذا كله لكي أجد لنفسي فرصة فأبحث ماذا عملت بين كل وقتين، فإذا اغتبت فلاناً فإني أستغفر الله أولاً بأول، وأعزم أن أتصل به الآن وأستسمحه، وأتأمل ماذا عملت أيضاً فأستغفر الله وأنزع. وهكذا يكون حالي بين كل وقتين من أوقات الصلاة، فلابد أن يقف أحدنا كل ثلاث أو أربع ساعات مع نفسه، هذا أمر لابد منه. ولذا قال النبي ﷺ : (لو أن نهراً يجري بباب أحدكم يغتسل فيه خمس مرات في اليوم، هل يبقي ذلك من درنه شيئاً؟ قالوا: لا، قال: هكذا الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا كما يمحو الماء الدرن). إذاً: فيجب أن نصدق في تجديد النية أولاً بأول، وقد كان لنا علماء يكتبون سيئاتهم في ورق، ويجلس أحدهم يستغفر الله منها في الليل، فليست كتابة للإحصاء فقط، حتى رأى أحدهم من يقول له في منامه: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠]. فـ (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم)، حتى الملائكة عندما يأتون لمحاسبة العبد الصالح يقولون: (قد كفانا مؤنته، وحاسب نفسه قبل أن نحاسبه). فلابد من المحاولة للسير في درب الصادقين مع الله وتجديد النية؛ لأن النية تضعف كل فترة، فتحتاج للتجديد بصورة مستمرة، فأسأل نفسي: لماذا أفعل كذا أو كذا؟ فمثلاً: عند أن أخرج للعمل يومياً ماذا أريد؟ هل أفعل ذلك حتى أحصل على راتب قوي جميل أعيش به عيشة هنية، ثم أستمتع بالحياة؟ لا، وإنما أجدد نية العمل بأنني أعين على حركة دولاب الحياة، أي: حركة سير الحياة؛ لأنني كمسلم مكلف أن أعين الحياة على أن تسير. وهنالك من المسلمين من هو أبسط من هذا، أي: يأخذ الحياة ببساطة شديدة، وهي بسيطة ولكن نحن عقدناها، فنحن وجدنا في الحياة لنعيشها لا لنفهمها، أي: ليس من الضروري أن أفهم، وإنما أفهم شيئاً واحداً فقط، وهو أني موجود في الحياة من أجل أن أزرع فيها خيراً، أو أعمل الخير، وأعمر الحياة بمرضاة الله . فإذا ألجأت الظروف أحد المسلمين أن يحيد عن هذا الطريق المستقيم فليعد وليجدد النية وليستغفر مرة أخرى، ويجدد ويبدأ صفحة جديدة.

стр. 126

أهمية الاستمرار في تجديد النية وإذا ألجأته مرة أخرى وثانية وثالثة ولو مائة مرة، فليستغفر وليتب، وفي الحديث: (ما أذنب من استغفر من الذنب ولو عاد إليه مائة مرة). بل يقول الله في الحديث القدسي: (يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض ذنوباً ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً لجئتك بقرابها مغفرة). وقال الرجل الصالح: يا رب! أنا أنا وأنت أنت، أنا العواد إلى الذنوب، وأنت العواد إلى المغفرة، فعاملني بفضلك ولا تعاملني بعدلك، العباد لك غيري كثير، لكن لا رب لي سواك، فاغفر لي وارحمني. فيتملق لله، ويتودد إليه بهذا المنطق، وينيخ راحلته على باب الله ، فأهم شيء في موضوع تجديد النية أن تتوب من الذنوب أولاً بأول. وهل نحن محاسبون على نياتنا؟ قد تسبق نية المرء عمله، مثل أن أقول: إن شاء الله قبل أن ينتهي رمضان سأخرج كذا وكذا من الصدقة، وليس لها دخل بالزكاة أو زكاة الفطر، فجاءت أمور عطلتني وأنا صادق في النية، فالأمر كما قال النبي ﷺ : (من هم منهم بالحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة). في عام من أعوام المجاعة رأى رجل من بني إسرائيل جبلاً من حصى ورمال وأحجار، وليس في يده ما يعطي الفقراء، فقال يا رب! وعزتك وجلالك لو كان هذا الجبل طعاماً لوزعته على عبادك ابتغاء مرضاتك، فقال الله: يا موسى! بلغ عبدنا أنا قد قبلنا منه صدقته. فالذي يعطي هو الكريم سبحانه، فلِمَ التيئيس من الله ! والكافر المستمرئ المعصية، والمجرم الظالم للناس والحقود والحسود الذي لا يريد خيراً بالناس، والذي ليس له رأفة بأحد لا بإنسان ولا حيوان، الذي يريد أن يكون مفترساً، فهذا هو الذي ينتقم منه رب العباد، وهو الجبار عليه. لكن العبد المسلم يتصف ويعيش مع صفات الجمال لله كالرحيم والودود والغفور والعفو والستار، ونحوها، وينقمع وينخاف من الصفات الأخرى كالجبار والمنتقم والقهار ونحوها. وقد يتساءل متسائل فيقول: نوعية الذنوب التي يقترفها العبد وبها تسوء الخاتمة والعياذ بالله: من السرقة، والقتل، والزنا، والغيبة، ونحوها، كيف يبدل الله هذه السيئات إلى حسنات؟ وماذا يصنع العبد في الدنيا لنيل ذلك؟ من أنواع الصدق صدق الجوارح، وهذا من الصدق مع الله أيضاً، ونحن لا زلنا تحت عنوان: الصدق مع الله. وصدق الجوارج معناه: أنت تغسل يديك جيداً، ألم تقل السيدة سكينة عن الإمام الشافعي: رحم الله الشافعي كان يحسن الوضوء. وهذا صاحب مذهب، ونحن قد نجد طفلاً صغيراً عندنا يحسن الوضوء، لكن لا يحسن الوضوء الحقيقي، فما هو الوضوء الحقيقي؟ الوضوء الحقيقي: أنا أغسل يدي من الذنوب، وكانت العرب تقول: نظيف اليد، ويسمى هذا في البلاغة: كناية، أي: كناية عن استقامته، فلا يأخذ رشوة بها، ولا يضرب أحداً، ولا يأخذ مالاً حراماً، ولا يلمس شيئاً يحرم عليه، إذاً: فهو نظيف اليد من الذنوب. وعندما يتمضمض هل المراد المضمضة فقط؟ لا، فقد يكون الفم نظيفاً، والصائم فمه أنظف، لكن عندما أتمضمض أقول: لا داعي للغيبة ولا للنميمة ولا للكذب، فهذا الوضوء هو وضوء الفم، وهكذا. فعند أن أستنشق لا أشم ما حرم الله ، وعند أن أغسل وجهي أعزم أن العين لا ترى والأذن لا تسمع شيئاً حرمه الله، وإن مسحت الرأس فأعزم أن العقل هذا لا يفكر إلا في الله وفي رحمته وفضله ونصر دينه، وعند غسل الرجلين أقول: إن هاتين الرجلين لن أمشي بهما إلا إلى بيت الله، وإلى مجالس العلم والخير، كصلة الرحم، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، والتهنئة في الخير، والتعزية عند البلاء. وهذا من إسباغ الوضوء على المكاره، بل هذا هو الإسباغ الحقيقي، فعند أن أتوضأ، لا ينبغي أن أكتب خطاباً لهيئة معينة يدخل به إنسان السجن ظلماً، أو أن أكتب كلمة أسيء بها إلى عائلة أو إلى أسرة أو إلى بلد ظلماً وعدواناً، بل هذا الفم الذي يتمضمض لا ينبغي أن يخرج منه هذا أبداً. فالفم الذي يخرج منه القرآن لا يصلح أن يخرج منه شيء آخر.

стр. 127

عمارة الوقت بالطاعة المحور الثالث في الصدق مع الله -وهو الأخير-: تعمير الوقت بالطاعة. أي: أن أعمر الوقت بالطاعة، قال أحد الصالحين: أحتسب عند الله نومتي كما أحتسب عنده قومتي، أي: عندما ينام، يقول: لماذا أنام؟ فإن كنت أنام كي أقوم مرة أخرى لعمل الطاعة، ولأن أفتح صفحة جديدة من تعمير الدنيا بأمر الله، وبفضله وبطاعته وبكرمه وبقانونه، فنومي أثاب عليه، فبعض الناس نومه في ذاته عبادة. وأما الظالم فنومه خير من يقظته؛ لأنه طالما وهو موجود فنومه أحسن، وهو مثل الطفل كثير الصراخ، فإنهم يهدهدونه ويهدئونه لينام، فإذا نام قالوا: الحمد لله نام، وهذا -أي: الطفل- غير مؤذ إلا في الصياح فقط، بينما الثاني مؤذ في كل شيء، فنومه أفضل. فينبغي أن أعمر الوقت بالطاعة بحيث يظهر أثر هذه الطاعات في سلوكياتي مع الناس، وقد أقول: لا دخل لك بالصلاة؛ فصلاتي بيني وبين ربي، لكن إن لم تنهني صلاتي عن الفحشاء والمنكر والبغي فما فائدتها؟! فإن قال قائل: قد قال الرسول ﷺ لـ حنظلة: (هذه ساعة وتلك أخرى). فنقول: وأي ساعة تلك التي لـ حنظلة؟ يقول حنظلة: عندما نكون معك نشعر بأننا نطير في السماء، فلما نعافس النساء والأولاد نعود إلى الدنيا، فمسألته أن طاعته بلغت مائة في المائة، فلما يترك الرسول تتراجع الطاعة إلى خمسة وتسعين في المائة، فهو يريد أن يطيع دوماً مائة في المائة، فكأن النبي قال له: لا، الأمر مرة خمسة وتسعون، ومرة مائة في المائة. فالصحابة ظل الرسول ﵊ يرفع في إيمانياتهم حتى صاروا فوق الأفق، واستمر سيرهم هكذا فوق الأفق. ولو قال أحد: إذا كانت طبيعة الحياة الدنيا من حيث العمل مثلاً تعرقل الإنسان عن أداء العبادات، وتحديداً الصلاة في وقتها، فما الحيلة؟ نقول: لا شيء يعطل الإنسان عن الصلاة ووقتها، وأوقات الصلاة خمسة، ما بين كل وقت ووقت هناك أول الوقت ووسطه وآخره، ولا يوجد عمل في الدنيا إلا وفيه راحة، فلا يوجد عمل عشر ساعات دفعة واحدة. وما العذر الذي تقبله مصادر الشريعة الإسلامية في تقصير العبد في فريضة فرضت عليه؟ الجواب الموت، أما إن كان حياً فهو مكلف بها، إلا إن كان مغمىً عليه، أو مجنوناً أو نائماً أو طفلاً، أما من كان وسط عملية جراحية فيلزمه أن يصلي ويصوم.

стр. 128

تجديد التوبة من جميع المعاصي ومنها أمراض القلوب من علامات حسن الخاتمة تجديد التوبة، أي: التوبة من معاصي الجوارح ومعاصي القلوب، أو كبائر الجوارح وكبائر القلوب، ونسردها الآن سريعاً: فمن أمراض القلب: الكبر، والعجب، والرياء، والأمن من مكر الله. ومن الكبر، والعجب، والرياء أن يظهر أمام الناس بصورة مثل صورة النفاق، أي: أن يرائي الناس، فأمام الناس يصلي على مهله، وفي البيت -والعياذ بالله- ينقرها، ويظلم زوجته، وهو يتكلم عن حسن التعامل مع الزوجات أمام الناس. فهذه من أمراض القلوب. ومنها: الحقد والحسد والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، ثم عدم الخوف من الله. فهذه كبائر أمراض القلب. فالكبر معروف، وكذلك العجب، وأما الرياء فمثاله: أن يظهر المرائي أمام الناس بصورة وهو على غيرها حقيقة، أو يشرك مع الله في العمل غيره، فمثلاً: يجد رئيس المصلحة ذاهباً لصلاة الظهر فيقول: ما شاء الله عليك، أنت رجل صالح وأنا وراءك، وإذا غاب لم يصل، فهذا مرائي. وأما الحقد: فهو أن تضمر للناس شراً، وتعتبر نفسك ذئباً والناس أمامك شياه، وتترقب من الناس أي ثغرة أو عيب حتى تهجم عليهم، فهذا هو الحقود والعياذ بالله. وإن قال قائل: أليس الحقد من مخلوقات الله ؟ نقول: كل شيء مخلوق لله، لكن الإنسان هو الذي ينمي الحقد في قلبه، وهذا في القلب الذي لم يمتلئ بالإيمان بعد؛ لأن الحقد والحسد والرياء والعجب مثل الخفافيش أو البوم والهوام، فإنها تبقى في البيت المغلق الخرب، لكن افتح الأبواب، وأدخل أشعة الشمس وتيار الهواء النقي، فستهرب هذه الأشياء، وهكذا إذا دخل نور الإيمان إلى قلب العبد انقشعت كل هذه الآفات.

стр. 129

التحذير من الحسد وأما الحسد: فهو أن تتمنى زوال نعمة الغير، يقول الإمام الشافعي: ألا قل لمن بات لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في حكمه لأنك لم ترض لي ما وهب فجزاك ربي بأن زادني وسد عليك وجوه الطلب الحسود عنده مصيبتان: المصيبة الأولى: أنه ناقم على عدل الله في الكون؛ لأنه غاضب أنك أخذت وظيفة وهو لم يأخذ، أو أخذت رتبة أكبر منه، أو أن الناس يحبونك ولا يحبونه، أو يقبلون عليك ولا يقبلون عليه. وأما إن كان يرى في نفسه كفاءة لهذا فهذه مصيبة أخرى؛ فقد جمع حسداً مع كبر. المصيبة الثانية: أنه يأكل نفسه إذا رأى نعمة جاءت إلى غيره، وأنت خالي الذهن منه، يعني: أنت نائم في بيتك ومستريح أن جاءك الخير، والناس يحبونك ويستمعون إليك، وأخذت وظيفة أو مركزاً اجتماعياً أو خيراً معيناً، وهو لم ينله هذا كله، فيتقطع حسداً وغيظاً، ولذا قال العلماء: اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتله فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله أي: كمثل شخص معه كرة قوية، فمن غيظه يضربها في الحائط بقوة، فترتد بنفس القوة على وجهه. والحسود ليس عنده مقام الرضا، كشارب البحر، فشارب البحر لا يزيده الشرب إلا عطشاً، فهو كلما وجد نعمة عند الغير تقطع حسداً أو غيظاً، ويزداد كلما ازدادت النعمة على الغير. وليس من الحسد أن أتمنى أن أكون مثل فلان، فهذا حق مشروع؛ لأن هذه غبطة لا حسد، والغبطة: هي تمني مثل تلك النعمة مع عدم تمني زوالها. وألأم الحاسدين من يتمنى أن يكون صاحب النعمة مثله، والعرب كان عندهم فريق من الحساد، هذا هو عملهم، أي: الحسد، فيقولون له: تعال نريد منك أن تحسد ناقة فلان! فيقول له الحاسد: أشر إليها، فينظر إليها نظرة ويقول: يا غلام! ائتني بجزء من لحمها، فبعد خطوات تقع الناقة صريعة، وقد قال النبي ﷺ : (إن العين لتدخل الرجل القبر، وتدخل الجمل القدر)، ولكن نحن لا نعول على الحسد كثيراً؛ حتى لا تكون حياتنا رهينة لفلان. وإذا اكتشفنا أن فلاناً حسود بطبيعته، أو يظهر هذا عليه، فأول ما نراه نقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وهذه تبطل الحسد إن شاء الله، ونكبر، كما ورد في سورة الكهف: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩]. وإذا أراد إنسان من نفسه ألا يحسد أحداً فكذلك يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وكلما رأى نعمة مثل أن يسمع أن هناك ولداً صغيراً يحفظ القرآن، فإنه يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، أو ما شاء الله تبارك الله، وعندما يرى بيتاً جميلاً، يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، أما من أين هذا؟ وكيف حصلتم عليه؟ ونحو ذلك، فلا داعي له، ولا نريد أن نخوض في قضية الحسد كثيراً؛ لأنه موضوع كبير. أما الغبطة فهي مشروعة، فالمؤمن يغبط والمنافق يحسد. وماذا يصنع المؤمن إذا أعجبه شيء؟ يقول: اللهم ارزقني كما رزقت فلاناً. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٣٢]. لأن الذي أعطى هذا المال هو الله سبحانه، فخزائنه لا تنفد، فإن أعطاه علماً أسأله سبحانه أن يعطيني، وأتمنى له الخير، والله سيزيدني، وأشكر ربنا على النعمة، وعندما نجد علامة أو رجلاً ثرياً يوجه ماله للخير، أو حاكماً صالحاً يعمل خيراً، فندعو له ونقويه لا أن نحطمه.

стр. 130

خطر الأمن من مكر الله من أمراض القلوب أيضاً: الأمن من مكر الله، ومثاله: أن تجد شخصاً ليس له في الصلاة ولا في الزكاة ولا في عمل الخيرات نصيب، وتسأله عن حاله فيقول: الحمد لله على ما يرام، إيماني ما شاء الله، لو وزع على المسلمين كلهم لدخلوا الجنة إن شاء الله!! فهذا آمن من مكر الله، ولا يأمن من مكر الله إلا كل خاسر، قال تعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]، فالأمن من مكر الله مصيبة وكبيرة من الكبائر. فالعبد المؤمن لا يأمن، فالصحابة الذين بشروا بالجنة ازداد خوفهم وما ازداد أمنهم، فهذا أبو بكر الصديق يقول: لا آمن مكر الله ولو كانت إحدى قدامي في الجنة. وقالوا لـ عثمان: متى الراحة؟ قال: عندما تصير الرجل اليسرى بجوار اليمنى داخل عتبة الجنة. فهذه هي الراحة، وبغير هذا لا توجد راحة.

стр. 131

التحذير من القنوط ومن أمراض القلوب أيضاً: القنوط من رحمة الله، والقنوط هو اليأس من رحمة الله، والقانط إنسان قد يكون كثير الذنوب، ولكن يجب أن يسأل نفسه: هل ذنوبي أكبر أم عفو الله؟ فعفو الله أكبر، فعفوه يستغرق الذنوب، ووده يضيء القلوب، وحبه يدهش العقول.

стр. 132

ما تقع تحته كل الذنوب إن عدم الخوف من الله عندما يتبخر من قلب العبد تحل الذنوب مكانه، وكل الذنوب تقع تحت عنوان عدم الخوف من الله. فينبغي للإنسان أن يعود نفسه الخوف من الله ويربيها عليه. والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم وإن قال أحد: مكتوب في صحيفة كل أحد أنه سيصنع كذا أو كذا فأين المفر من المقدور؟ فنقول: لم يلزم الله الكافر بالكافر ولكنه علمه، والكافر هو الذي عمل الكفر واختاره لنفسه، فلا يستقيم أن يأتي أحد يوم القيامة ويقول لربه: لو كتبتني في السعداء مع أبي بكر وعمر لكنت صالحاً! فهو سبحانه قد علم أزلاً أنك لن تكون مثلهم فهو العليم الخبير، والعبد هو الذي خط بنفسه قدره، وأعماله هي التي خطت له هل هو من أهل النعيم أم من أهل الجحيم. ومن ولد أعمى أو أخرس أو أبكم فهذا يدل على أن الله أراد به خيراً، فلما حرمه من نعمة البصر ماذا صنع به؟ قال الله له في الحديث القدسي: (لقد سلبت حبيبتيك في الدنيا، هذا وجهي أبيحه لك تنظر له بكرة وعشياً، لا أجد لك جزاءً أكثر من هذا)، وهذا أعلى ثواب في الجنة، ولما قال ربنا: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] والمزيد هو مشاهدة وجه رب العالمين، فالأعمى ولد هكذا لكي يكرمه رب العباد، وربما لو كان هذا الأعمى مبصراً لافترى بعينيه. ويقال: كل ذو عاهة جبار. ونقول: لا، ليس بجبار، ولكنه مبدع، فإذا وجدت شخصاً عنده شيء ناقص فإنك تجده مبدعاً بفضل الله.

стр. 133

إثبات اختيار الإنسان في تصرفاته كلها لقد كتب في اللوح المحفوظ السيرة الذاتية لكل إنسان منا، ومن ضمن ذلك الرزق، والله يعلم أن هذا المخلوق الذي خلقه سيصنع يوم كذا كذا، والعبد هو الذي يختار ذلك الفعل بنفسه، وهو مخير في أفعاله، فهو لا يعلم ماذا قدر له. فأنت مخير لأن تذهب برجليك إلى المسجد أو إلى السينما، وأن ترى الحق أو الباطل، فأنت مخير في تصرفاتك التي تثاب وتعاقب عليها، فمن طرق الباب يسر الله له الدخول أو أزاح عنه العقبات، والخلقة كلها واحدة، أي: خلقنا جميعاً على الفطرة، وقد خرجنا من بطون أمهاتنا بدون سيئات.

стр. 134

المسارعة إلى الخيرات ومن أسباب حسن الخاتمة أيضاً: المسارعة إلى الخيرات، فكلما وجدت باب خير لا أتوانى، فإن وجدت باب صدقة تصدقت، أو كفالة يتيم كفلت، أو صوم صمت، فلا تأخر المعروف حتى في الدنيا، خرج النبي ﷺ فوجد العباس وأبا بكر وعمر على الباب، أي: على باب رسول الله ﵊، لا يريدون أن يزعجوه، فقال: (فيم كنتم تتحدثون)؟ وقد كانت عندهم أعمال، فـ أبو بكر كان تاجراً وعمر كان يعمل في الزراعة، وكان العربي يعمل حتى الظهيرة، وبعد الظهيرة يكون عنده قيلولة، فإذا كان لديه عمل آخر يذهب إليه، وإن لم يكن عنده عمل يجلس، وربنا يضع البركة. وقد عملوا إحصائية في دولة إسلامية فوجدوا أن العامل يعمل سبع وعشرين ثانية، أهذا مسلم! وهذه إحصائية من مؤسسة محترمة نثق بها. فقال النبي ﷺ : (فيم كنتم تتحدثون؟ قالوا: كنا نتحدث في المعروف يا رسول الله! قال: وماذا قلتم؟ قال أبو بكر: إن خير المعروف تعجيله، وقال عمر: وأنا قلت يا رسول الله: إن خير المعروف ستره، وقال العباس: إن خير المعروف تصغيره) يعني: أصغّره، فأقول: أنا لم أعمل شيئاً. فقال ﷺ : (إن في المعروف الثلاثة، فإن عجلته هنأته، وإن سترته تممته، وإن صغرته عظمته). إذاً: فـ أبو بكر يقول: خير المعروف تعجيله، أي: إذا أردت أن تعمل معروفاً فبسرعة، وقال عمر: خير المعروف ستره، أي: إذا عملت معروفاً فاستره، واحذر من الرياء والتسميع. وقال العباس: خير المعروف تصغيره، يعني: تقول: أنا لم أعمل شيئاً. فجمع النبي ﷺ ذلك وأقر ما قالوه بقوله: (إن في المعروف الثلاثة: إن عجلته هنأته، وإن سترته تممته، وإن صغرته عظمته). ولابد في المسارعة إلى الخيرات، من اتباع السنة، أي: سنة النبي ﷺ ، وقد قال النبي ﷺ : (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه)، فاقتف أثر رسول الله، وما خان الرسول ﵊ أحداً قط، وما كذب قط، وما تهجم على أحد قط. فلابد أن يكون الرسول قدوة ثم تذكر الآخرة. قال أحد الصالحين: لو فاتني ذكر الآخرة ساعة لفسد قلبي. وأناس لا يذكرون الموت حتى يموتوا، حتى إذا قلت له: احذر الموت قال: فال الله ولا فالك، ابعد الشر.

стр. 135

من أسباب حسن الخاتمة إصلاح عيوب النفس ثم من أسباب حسن الخاتمة: إصلاح عيوب النفس، فكل إنسان فينا له عيوب، فاعرض نفسك على الكتاب والسنة، أو على عالم رباني، أو على أخيك المسلم الذي إن رآك غافلاً ذكرك، وإن رآك ذاكراً أعانك. سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. اللهم أحسن لنا خاتمتنا في الأمور كلها يا رب العالمين، وارزقنا قبل الموت توبة الهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً، وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك معافين غير فاتنين ولا مفتونين، غير خزايا ولا نداما ولا مبدلين. اللهم هيأ لبناتنا الأزواج الصالحين، ولأبنائنا الزوجات الصالحات، واصرف عن مجتمعاتنا الإسلامية شياطين الإنس والجن. اللهم أعن حكامنا ببطانة الخير التي تعينهم على الحق يا رب العالمين، ووفقنا وإياهم لما تحب وترضى، اللهم أظلنا بعرشك يوم لا ظل إلا ظله، واسقنا من حوض الكوثر شربة لا نظمأ بعدها أبداً، وأدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب، واختم لنا منك بخاتمة السعادة أجمعين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم يا رب تسليماً كثيراً آمين.

стр. 136

سوء الخاتمة لقد خاف الصالحون من سوء الخاتمة فأظمئوا نهارهم، وسهروا ليلهم طاعة لله تعالى؛ حتى يجيرهم من سوء الخاتمة، وبذلوا الغالي والنفيس في سبيل ذلك. ولسوء الخاتمة أسباب مثل الدوام والإصرار على المعاصي والأمن من مكر الله تعالى، والظلم، وطول الأمل وغير ذلك.

стр. 137

أثر الخاتمة السيئة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله ﷺ ، وعلى آله ومن والاه. أما بعد: إذا أراد الله بالعبد خيراً أرسل إليه في آخر أيامه ملكاً فأرشده وهداه وقومه وأصلحه، فيموت على خير حال، ويقول الناس عنه: رحم الله فلاناً مات على خير حال: يموت في صلاة، أو في مجلس علم، أو في صلة رحم، أو في الجهاد في سبيل الله، أو في أمر يرضاه الله ورسوله. وإن الله إذا أراد بعبد سوءاً أرسل إليه أو وكل به شيطاناً فأغواه وأضله، فيموت على أسوأ حال، فيقول الناس: مات فلان على أسوأ حال، كأن يموت وهو يعصي الله، أو يموت وهو لم يتب، والأعمال بخواتيهما. وضربنا مثالاً لهذا الإنسان بالمصلي الذي أخرج ريحاً في آخر ركعة من ركعات الصلاة فإن صلاته باطلة. وسوء الخاتمة أن يختم للإنسان بشر عمله، والمقصود بها ما يصنع الإنسان في آخر حياته، وذلك أن صحيفة حياته سيئة، ولم يمح بعمل صالح ما اسود من هذه الصحيفة، فلم يبيض صحيفته بأعمال صالحة، فيأتي في آخر حياته وهو لا ينطق بلا إله إلا الله، أو يترك الصلوات، أو عليه مظالم للعباد، فصحيفة أعماله كلها سوداء.

стр. 138

تعلق سوء الخاتمة بعمل العبد في حياته كلها السؤال هل سوء الخاتمة مرهون بآخر لحظة للإنسان في حياته، أم مرهون بحياته كلها؟ الجواب سوء الخاتمة مرهون بحياته كلها، ثم تنتهي حياته كما زرعها، مثل شجرة الحنظل فإنها تزرع وتأخذ مدة، وفي النهاية تصدر حنظلاً مراً علقماً، قال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة -الأترجة: فاكهة- ريحها طيب وطعمها حلو، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها حلو ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة طعمها مر وريحها طيب، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة لا ريح لها، وطعمها مر). فالخاتمة مرهونة بسابقة عمله، وليس بالعمل الأخير؛ لأن ربنا لا يظلم الناس شيئاً، فليس هذا مبني على عمل واحد، وإنما سابقة أعماله كانت هكذا، ومات على غير توبة، أو مات على ضلالة، أو مات على غرور، أو مات على ظلم، أو مات على افتراء، أو مات على كبر طول حياته، فهو لم يظلم الآن وإنما ظلم طوال حياته، وهكذا.

стр. 139

الأعمال التي تؤدي إلى سوء الخاتمة السؤال ما هي الأعمال التي تسود بها صحيفة الإنسان، وبها تسوء خاتمته والعياذ بالله؟! الجواب أول الأعمال التي تسيئ الخاتمة: طول الأمل، بمعنى أنه يظن أنه لن يموت الآن؛ لأن أباه عاش تسعين سنة، وجده عمر بعد المائة، وأمه عاشت مائة وعشر سنوات!! فالعمر ليس بالوراثة. أو يقول: أنا عندي يقين أنني سأهتدي في آخر أيامي، وأنا في صحة وفي أحسن حال. فطول الأمل يجعل الإنسان يركن إلى الدنيا، وتصير الدنيا غاية وليست وسيلة، فقد يصير من الكاذبين، لأن الغاية تبرر الوسيلة، وقد يريد أن يكون غنياً فيدخل في الربا، والخوض في أعراض الناس، بأن يضغط على الناس ليعلو عليهم، وبأن يكون لسانه بذيئاً مع كل الناس: مع العالم وغير العالم، المهم أن يصل إلى غايته. فطول الأمل يثمر كل هذه المصائب، فهذه ثمرة سيئة. ولذلك قالوا: إن العاقل من فعل ثلاثاً: ترك الدنيا قبل أن تتركه، وأرضى خالقه قبل أن يلقاه، وعمر قبره قبل أن يدخله. والجاهل من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، ولذلك قال النبي ﷺ : (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت) فالعاقل هو الإنسان الذي يزرع ويخشى الكساد، والجاهل هو الذي يقلع ويرجو الحصاد، وهذا من ترهات نفسه، ومن ثمرات طول الأمل. قالوا: إن أحد الصالحين وهو عطاء بن أبي رباح ﵁ كان مريضاً، فقدم أحد مريديه وهو حافظ بن أبي توبة ليصلي بالناس، وهو من تابع التابعين فقال: لا أريد أن أصلي؛ لأنني إذا صليت بكم الآن لن أصلي بكم مرة أخرى. فقال عطاء: أتدخل الصلاة وفي نيتك أنك سوف تعيش لتصلي بنا صلاة أخرى؟!! أنت لا تصلح للإمامة، فالأصل أن يكون الإمام قدوة، فإذا دخل في الصلاة لا يفكر أنه سيصلي بعدها مرة أخرى، فإن هذا من طول الأمل. وسيدنا رسول الله ﷺ لما مر على أسامة بن زيد وجده قد أتى بفصيل -وهو ناقة صغيرة أو جمل صغير-، فسأل رسول الله: ما هذا يا أسامة؟ قال: فصيل اشتريته لشهرين يا رسول الله! يعني: اشتريته بالتقسيط على شهرين، قال: أتعجبون من أسامة؟! إن أسامة لطويل الأمل. بهذا المنطق كان يربي النبي ﷺ صحابته، فطول الأمل يقسي القلب وينسي الآخرة، وبعض الناس يكره الكلام عن الوعد الحق، والبعض الآخر يحبون؛ لأنهم مؤمنون، والذي يكره الكلام عن الوعد الحق فإنه مدعي للإيمان، فهو يكره التذكير بالآخرة، وبأنه سيخرج من الدنيا، وسيترك الثروة والأموال والبنوك والعمارات والبنايات والسطوة والجاه والانتخابات والسلطة. والصالحون قديماً كانوا يفرون من المسئولية؛ لأنهم لا يريدون أن يمسكوا بالدنيا، لأن المسئولية حلوة الرضاع، مرّة العظام، فطول الأمل يعمل هذا الأمر كله. ثانياً: الظلم، فمن كان ظالماً فليتوقف، والظلم أنواع ثلاثة: أولاً: ظلم الإنسان لنفسه، قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر:٣٢]، وذلك بأن يظلم دينه، فيضيع فرائض الله، ويتعدى حدود الله . ثانياً: ظلم الإنسان للآخرين، سواء كان حيواناً أو نباتاً أو إنساناً مسلماً أم غير مسلم. ومن سوء الخاتمة أن الظالم لا يقتنع أنه ظالم، فقد يظلم أحد الورثة بأن يحتال عليه فيأخذ ميراث أبيه كاملاً، والسبب في ذلك أنه كان يعمل مع أبيه ليل نهار في الحر وفي البرد وفي الأسفار، وأنه كان يتبعه وكان لا يعطيه راتباً، فيأخذ التركة كلها، فهذا ظلم، فالواجب عليه أن يأخذ ما يساوي عمله، ويعطي الباقي للورثة الآخرين. والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فالمصيبة الكبرى أنه يعتبر نفسه عادلاً كـ عمر بن الخطاب. وأسوأ الظالمين من يظلم من لا ناصر له إلا الله، كمن يظلم زوجته التي مات أبواها وأهلها، أو التي أهملها إخوانها وكل واحد منهم مشغول بحاله، فيسومها زوجها سوء العذاب؛ لأنه لا ظهر لها، وإذا دعت عليه فإنه لا ينتبه، ويعتبر نفسه أنه يقوم بحق القوامة عليها، أو أن له أن يقطع ما يشاء، وهنا تكمن المصيبة. النوع الثالث: الغفلة عن الذكر، فالمسلم ليل نهار يجب أن يكون ذكاراً شكاراً بكاء من الله ، يقول ربنا للرسول ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]. وعندما يدعوك أحد الناس لحضور حفل جميل فيه أغان لطيفة، والآخر يدعوك لحضور درس للشيخ فلان، فتقارن بينهما فتصبر مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، ولا تطع من اتبع هواه وكان أمره فرطاً، والفرط في اللغة هو المفكوك. والذكر قد يكون بالجوارح، فالعين تنظر في المصحف، واليد تعطي صدقة، وأما التذكر فلا يكون إلا في القلب، وهو التدبر، وهذا هو المطلوب، لأن القرآن حجة على الذي يقرأ ولا يتدبر. والمقصود بقوله تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] هو ذكر الله في كل وقت، فمن كان خائفاً فقال: يا قوي! أمني، أمنه ، أو كان فقيراً فقال: يا غني! أغنني، أغناه الله ، أو كان ضعيفاً فقال: يا قوي! قوني، أو كان مهزوماً فقال: يا ناصر! انصرني، أو يا ستار استرني، فهو في معية الله، فيطمئن القلب بالله ! ولو قال رجل مثلاً: أنا خالي فلان، وأنا عمي فلان، وأنا أبي فلان، وأنا شهاداتي كذا، وأنا في المركز الاجتماعي كذا، فإنه لا يستطيع أحد أن يكلمه، فما بالك بمن قال: وأنا ربي الله . النوع الرابع: الاغترار بالدنيا، فإن من طول الأمل الاغترار بالدنيا، فالمغتر يريد أن يدوس على كل الناس في سبيل أن يصل إلى هدفه، وينكد على كل البشر في سبيل أن يبقى هو، ويفقر كل العالم في سبيل أن يشبع هو، وهناك دول غنية تأتي بالغذاء وتلقيه في البحر؛ حتى لا تهبط قيمته في الأسواق! ويرحمون القطط والكلاب والدببة التي تعيش في شمال القطب، ولا يرحمون الذي يدب على الأرض من بشر، فهؤلاء مغترون بالدنيا. وفي الحديث: (من أقام الصلاة في وقتها، وأسبغ وضوءها، وأتم ركوعها وسجودها، حشر مع النبيين والصديقين، ومن ضيعها حشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف). فهؤلاء الأربعة هم ملك في مملكة، ووزير في وزارة، وتاجر صاحب تجارة مال، وغني صاحب أموال كثيرة. فهل رأيت رئيس مجلس الإدارة أو المدير المسئول أو رئيس البنك -إلا من رحم ربي- يأتي وقت الصلاة وهو يدخل حسابات ومليارات وملايين فيتركها ليصلي؟ كلا، وإنما يقول: هذا عمل وهذا عمل، والعمل عبادة، ويقيس هذا بذاك، وتختلط عليه الأمور والعياذ بالله رب العالمين. النوع الخامس: الأمن من مكر الله، وهو من كبائر القلوب، والمؤمن لا يأمن من مكر الله. والصلاة لا تقبل إلا إذا أسبغت وضوءها، وأتممت ركوعها وسجودها، والثواب في الصلاة على قدر الخشوع، فلا تقبل الصلاة مائة بالمائة إلا ما يعقل منها. حتى إن العلماء أباحوا لنا أن نستعيذ بالله من الشيطان إن وسوس لنا في صلاتنا، وهذا لا يبطل الصلاة، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠] أي: قل: أعوذ بالله، ولو في وقت الصلاة بأن تقطع القراءة، ثم تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم تعود إلى القراءة مرة أخرى وهكذا، ولا تعيد الفاتحة ولا الركعة.

стр. 140

الخشوع في الصلاة السؤال كيف نخشع في الصلاة ونحن بين يدي الله ؟ الجواب كيف أخشع في الصلاة وجوارحي قبل الصلاة غير خاشعة؟ كيف أخشع في الصلاة وأنا أغتابك، وأنم في حقك، وأتكبر عليك، وأحتقرك، وأنظر إليك بعين الازدراء، ومالي حرام أو شبهة، وأظلم من حولي، ثم أريد أن أخشع في الصلاة؟! فالذين خشعت قلوبهم لطاعة الله قبل الصلاة هم الذين سيخشعون في الصلاة. ومن علامة عدم خشوع الجوارح عبث الرجل بحليته في الصلاة، فلو خشع بقلبه لخشعت جوارحه؛ لأن قلبه هو المسيطر. وهناك أسباب للخشوع وهي: أولاً: أن يكون المال حلالاً، كان ابن عمر يركع أو يسجد عند الكعبة فتقف الطيور على ظهره وتستقر، وكان النبي ﷺ إذا ركع فإنه يتم الركوع، حتى لو وضعت إناء مليئاً بالماء على ظهره الشريف لاستقر. وكان النبي ﷺ هو المثال والقدوة، وصفة صلاة النبي موجودة في البخاري ومسلم. ثانياً: عدم الأمن من مكر الله، والسبب الرئيسي في الأمن من مكر الله هو ستر الله على العبد وهو يبارز الله بالمعاصي، فيأكل الحرام، والشبهة، ويرتشي ويختلس، ويمد يده لما حرم الله، ويظلم عباد الله، فالله يدخله في مرحلة الاستدراج، فيظن أن الله راض عنه، ومصيبة المصائب الرضا عن النفس، وإذا وجدت إنساناً راضياً عن نفسه فاعلم أنه مغرور. والله سبحانه ما أمَّن صحابياً ولا تابعياً ولا صالحاً، فقد كانوا كلهم على وجل وخوف، قال أحد الصالحين: ابكوا على أنفسكم، فأنا أبكي على هذا اليوم منذ ستين سنة، وكان عمره اثنتين وسبعين سنة. فلا يأمن مكر الله إلا كثير المعاصي، فالله كثير الستر، ومن كرم الله أنه لم يحاسبنا كما يحاسب بعضنا بعضاً، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥]، والله لا يعجل لعجلة عبده، ومن كرم الله أن مقومات الحياة لا يملكها الإنسان. والعبد العاصي يكون في حالة رضا عن نفسه، وهو يرى غيره مثلاً مفضوحاً، أو فقيراً مقتراً عليه، أو مريضاً، فهو يستدرج دون أن يعلم حتى يدخل في مرحلة الغرور، والواجب على المسلم أن ينظر في أمور الدين إلى من هو أفضل، وفي أمور الدنيا إلى من هو أقل، ونحن نعكس القضية، فننظر في أمور الدين إلى من هو أقل، فيقول أحدنا: أنا أصوم وأصلي وأزكي، وفلان لا يصوم ولا يصلي ولا يزكي.

стр. 141

بيان عدل الله في أخذ الظالم بغتة السؤال قد يقول قائل: هل من العدل أن يتركني الله ﵎ أعمل المعاصي ثم يأخذني بغتة، مع أن المنطق أن ينبهني وأن يذكرني؟ الجواب قال تعالى: ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة:١٤ - ١٥]، فالله تعالى أعطى الإنسان عقلاً، وهو من البداية قد حمل أمانة العقل وهو ما يزال في عالم الأرواح، ثم بعد ذلك جاءه الرسول والقرآن. وقد تحمل الأمانة آدم وحده ونحن جميعاً في صلبه، وخاطب الله الأرواح بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢]، وآدم يمثلنا جميعاً ونحن في عالم الأرواح، ولما عرض الله الأمانة على السماوات والأرض والجبال، وهي طاعة الله فيما أمر والانتهاء عما عنه نهى وزجر، فأبين إلا الطاعة دون إكراه بلا أوامر ولا نواهي، ولا تكليفات، وحملها الإنسان الظلوم الجهول قبل خلقته، لأنه متعجل، فالله خلق الإنسان من عجل. والذي جعل الإنسان يأمن من مكر الله أن الله تعالى أعطاه النعم فلم يشكرها، فلما لم يشكرها ظلت النعم كظواهر وسلبت من قلبه، فلم ير أنه في نعم فيعيش ذئباً يريد أن يفترس، وهجومياً يريد أن يهجم، ويأخذ ما لا يحق له؛ لأنه لم يشكر النعم الظاهرة والخفية، والمطلقة والمقيدة. والإنسان في العالم له أربعة حالات: إما حالة طاعة أو حالة معصية، أو حالة نعمة، أو حالة بلية، فهو لم يقدر نفسه عند هذه الأمور، فرأى الطاعة وما أطاق، ورأى المعصية فارتكبها وما استغفر، ورأى النعمة وما شكرها، ورأى البلية وما صبر عليها، بل تمرد. وأسوأ ما يصيب الله به العبد أن يغره بنفسه فلا ينتبه، وهذا ليس ظلماً من الله، فلو جلس معه الناصح الأمين لم يستمع إليه، ويدخل في فلسفات، فيقول مثلاً: موضوع سوء الخاتمة أكيد، والعذاب أكيد وهكذا، ويدخل نفسه فيما لا يحسن أن يدخل فيه.

стр. 142

إرادة الله وإرادة العبد السؤال قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦]، فهذه الإرادة من الله بتدمير وإهلاك القرية، فماذا جنت أيدي الناس الذين في القرية؟ الجواب من كرم الله أنه أرسل الرسل ليأخذوا بأيدي الناس من الضلالة إلى الهداية، ومن الغواية إلى طريق الاستقامة، فالرسل أنذروا وبشروا ورغبوا. والبلاد بلدان: بلد تجل العلماء وتحترمهم، فهذه فيها البركة، ويجذب إليها العلماء، وبلد تحتقر العلماء وتطردهم، فيحل بها العقاب، ومثال ذلك صاحب القرية المذكورة في سورة يس، قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس:١٣ - ١٤] إلى قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٢٠] فضربه قومه وقتلوه، فقضي الأمر. فالله لم يهلك قرية إلا بعد أن ظلمت وطغت وانحرفت وابتعدت عن طريق الله. فإرادة الله معلقة على فعل العبد سابقة له لا سائقة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦]، فهذه الإرادة جاءت لما كذبوا ولم يشكروا. وعلى المستوى الفردي: فالمسلم يشعر بالرضا النفسي مثلاً لما يطيع الله، فالذي يعيش لله ويدعو إلى الله ، تجري وراءه الدنيا رغم الابتلاءات والمحن والمصائب. أما عشاقها وعشاق الأموال والسلطة والجاه فهم يجرون خلفها، فترى أحدهم متعباً ومرهقاً ومكتئباً والمليارات في يده، فلا يشعر بقيمتها ولا قيمة للمال عنده.

стр. 143

انسحاب سوء خاتمة الفرد على الأمة إذا لم ينصحوا السؤال هل سوء الخاتمة للعبد تنسحب على الأمة؟ الجواب إذا لم تقل الأمة للظالم: يا ظالم! فقد ينسحب الظلم على الأمة كلها. فعلى كل من يقول: لا إله إلا الله أن يقف في وجه الظالم، وعلى جميع المسلمين أن يتعاونوا على البر والتقوى، وينصحوا الظالم ولو كان صاحب مسئولية، أو كان إنساناً عادياً لا قيمة له في الحياة، إذا لم يتق الله وعمل عملاً سيئاً، كما يحصل على شاشات التلفزيون من العهر والمجون، فيجب أن تقف الأمة وتعترض وتمنع. فلو لم تقف الأمة ضد هذه المنكرات بل تتفرج وتشاهد المسلسلات والأخبار، فإن الأمة تتحمل وزر ما هي فيه. ومن تخاذلنا صار المخرج التلفزيوني المسلم يقفو أثر بني صهيون، ويتحكم في إعلام الناس، فيجب علينا أن نقف في وجهه، وأن نمتنع عن ذكره وعن نشر أخباره في الصحف، ولا يوضع تحت الميكروسكوب، ولا تحت الأضواء، بل نهمل ذكره. ولا تستيقظ هذه الأمة إلا بتكوين لجنة أو مؤتمر كبير يسمى: مؤتمر النهوض بالأمة، يعمل جميع الأسئلة والاقتراحات في أي وقت سواء كانت عبر البريد الإلكتروني أو الفاكس أو التلفزيون أو غيرها، وذلك لدراسة سبب تخلف الأمة، ثم تصاغ الصياغة لمعرفة من أين يبدأ، ويكون ذلك مع بعض الدعاة وأصحاب الحل والعقد والمفكرين على مستوى العالم الإسلامي. ونحن كعرب نريد الحل الآن، ونريد أن نقول: إن الجيل الذي فوق الخمسين الآن الذي يقود في كل مكان يعمل مرحلة، وبعد عشرين يتسلمها الجيل الذي بعده، فعلى مدى قرن إن شاء الله ستنهض الأمة. لكن أن نترك هذا ينتقص من ديننا وهذا ينتقص من علمنا، ليس هذا عمل الصالحين أو عمل الناس الذين يريدون حسن الخاتمة، فلابد أن نجتمع في وجهة التقارب مع بعضنا البعض، ونحب بعضنا بعض، فلن نجتمع إلا بحب، فنحب الأوطان ونحب البلاد؛ لأن ما من متدين إلا ويحب وطنه، ومن أكثر الناس حباً لمكة رسول الله وهو خارج منها، ونحن كلنا نحب أوطاننا ونحب أوطاننا أكثر عندما تتمسك بالإسلام. إذاً: البداية من عند القرآن والسنة، وإن لم نبدأ من القرآن والسنة وننتهي إلى القرآن والسنة، فإن ذلك من سوء الخاتمة. النوع السادس: من الأعمال التي تعمل على سوء الخاتمة الرياء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء:١٤٢] والرياء صورة من صور النفاق، والمنافق له علامات، منها: أنه يظهر عكس ما يبطن. وكلمة النفاق مشتقة من نفق اليربوع، واليربوع حيوان يأوي إلى جحر له بابان، فإذا انسد أحدهما خرج من الآخر، والوصف بالنفاق أمر صعب، فلا يوصف إنسان بالنفاق إلا إذا اكتملت فيه الشروط. وللنفاق دلائل تدل عليه، وهي: إذا حدث كذب، فهو كذاب ولم يكذب مرة فقط بل يكذب مرات كثيرة، وإذا وعد أخلف، وليس ذلك مرة، فلا تصف إنساناً بالنفاق لأنه وعدك ثم أخلف الوعد وهو ينوي ألا يخلف، بل تلتمس له سبعين عذراً، فهو ليس منافقاً في هذه اللحظة، وإن وصفته بالنفاق فإن النفاق يرتد عليك. فالخلف هو أن تعد شخصاً أن تأتي إليه وتنوي ألا تأتي، فمن تيقن فيه أنه لا يفي بوعده ففيه خصلة من خصال النفاق. ومن الدلائل التي تدل على النفاق: أنه إذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا اجتمعت الأربعة في إنسان كان منافقاً خالصاً. والرياء هو التجمل أمام الناس، لكن مع أهله فهو بذيء اللسان، طويل اليد، قابض الكف في الإنفاق بخيل، بينه وبين أولاده أو زوجته حواجز، إذا جلس في مكان أمام الناس فإنه يعامل زوجته معاملة أخرى، ويقول كلاماً كبيراً، ويصادق الأولاد، فهذا هو الرياء، أو يصلي في بيته بدون طمأنينة وأما في المسجد فإنه يطمئن في صلاته. فهذا يدخل في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون:٦]. ففي يوم تسعة وعشرين من رمضان لا تجده في المسجد، فإنه كان يصلي لرمضان، من أجل أن يقال عنه: فلان كان يصلي في رمضان، فهذا رياء والعياذ بالله رب العالمين، فلابد أن نعيد الحساب، قال تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران:١٨٨]، فالمسلم لا يريد أن يحمد بشيء يصنعه، أو أن ينسب إليه خير لم يعمله. فمن المصائب أن تنسب إلينا أعمال لم نقم بها، وهذا من باب الاستدراج والغرور، وعدم رضا الله. وإذا نسبوا إلينا مرة فلتكن لنا وقفة مع النفس؛ لكي نكون كما نسب إلينا، وإذا لم نستطع ذلك فلنحاول، وإذا فشلنا فلنحاول مرات وننوي الخير من أجل أن نؤجر على النية، وإذا اعترتنا في أنفسنا بعض الوساوس أو الأقاويل بأن هذا سيكون محرجاً لنا مثلاً، أو أن هذا يتنافى مع مكانتنا ومقامنا، فمرضاة الله هي المقصد الأسمى في المسألة، ونسفه هذه الوساوس والأقاويل بل ونواجهها. والرياء لم يكن موجوداً عند السلف الصالح قديماً، ومعلوم أن اليسير من الرياء شرك والعياذ بالله، ولو أن إماماً يصلي بالناس وبينما هو راكع إذ شعر بدخول أحد المسبوقين فانتظر في ركوعه من أجل أن يدرك المسبوق الركعة، فعند أبي حامد الغزالي ﵀ وهو رأي للشافعية أن صلاة الإمام باطلة؛ لأنه لم يصل لله. وقال ابن عباس: لو قلت: لولا الكلاب لسرقتنا اللصوص لكنت مشركاً. وكذلك من قال: إن الماء يروي، وإن الدواء يشفي، فإن هذه أسباب لا تنفع ولا تضر، وإنما النافع والضار هو مسبب الأسباب، وإنما يجب علينا أن نأخذ بالأسباب ونحن مكلفون بها. فمن اعتقد بقلبه أن الأسباب تنفع وتضر دون الله تعالى فإن هذا من سوء الخاتمة، فعلينا أن نصحح ما في قلوبنا من هذه الاعتقادات الخاطئة، فنحن مصابون في قلوبنا. وسوء الخاتمة معلق على القلب أولاً، ثم الجوارح ثانياً، فإذا صلح القلب صلحت الجوارح كلها، وكل الناس تخاف من أمراض القلب، فلو حصل أي ألم في القلب فإن المتألم يذهب إلى الطبيب؛ لأنه خايف على دنياه، لكن لو أصيب في قلبه فصار لا يخشع في صلاته، ولا يقشعر جلده من ذكر الله، ولا يحن على الناس، ولا يتواضع، أو أن قلبه مليء بالكبر وبالحقد، فإنه لا يذهب إلى طبيب القلوب! والعلماء قسموا القلوب إلى أربعة: القلب الأول: قلب لا يحب إلا الله، وهذه قلوب الصحابة، فصاحب هذه القلوب تجده في أي وقت يحب الله ، ودوداً مع إخوانه، متواضعاً، هادئ النفس، كريماً، مضيافاً، بشوشاً، وكل الناس تشكره. الثاني: قلب الدنيا فيه جاثمة، فصاحب هذا القلب إذا أعطي منها رضي، وإن لم يعط ظل ساخطاً. الثالث: قلب ساعة وساعة، أي: بين بين، فعندما يأتي رمضان فإنه يعبد الله، ولذلك أحمل رسالة مهمة إلى كل المشاهدين والمشاهدات الذين واظبوا على العبادات في رمضان ألا يتركوها بعد رمضان؛ فإن ذلك من إحباط القلب. أما الذي يحتج بقوله ﷺ : (ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما)، فلا يعبد الله إلا في رمضان، فهذا احتجاج في غير محله، فإن رمضان هو القمة في العبادة، والحسنة فيه مضاعفة، فرمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما بشرط ما اجتنبت الكبائر، ومن الكبائر الكذب والربا والظلم والافتراء، قال رسول الله ﷺ : (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهنّ ما اجتنبت الكبائر). الرابع: قلب أحياناً تعلو عنده الآخرة فيلتزم قليلاً في درس علم، أو جلسة طيبة، أو تذكير بآية أو بأحاديث، أو يتفاعل مع قضية معينة، وأحياناً الدنيا تأخذه في أوديتها وشعابها، فهذا قلب متردد، ويوم القيامة يأتي إلى حرف الصراط فنوره مرة يضيء ومرة يخبو، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة:٢٠]، فإن الصراط مظلم، ولا يجتاز إلا بنور الإيمان. إذاً: سوء الخاتمة معلق على القلب أولاً، والقلب فيه من الأمراض الكثيرة التي تستلزم منا وقفة صادقة؛ لنصلح ما في القلب بتوبة صادقة، كما فعل أحد الكفار في غزوة الخندق عندما قال لرسول الله: يا محمد! لو أنا أسلمت الآن، وجاهدت معك هؤلاء، وقتلت في سبيل الله أأدخل الجنة؟ فلما عرف أن الإجابة بالإيجاب نطق بالشهادتين، وبدل ما كان الفرس ناحية المسلمين صار الفرس ناحية الكفار، فجاءه سهم غرب -أي: سهم طائش- فرزق الشهادة، فضحك النبي ﷺ ثم قال: (تبوأ الفردوس الأعلى وهو لم يسجد لله سجدة) وهذا من حسن الخاتمة. فهذا هو الفرق في حالتي المقتول، فمن قتل ونيته ابتغاء وجه الله ودخول الجنة فقد نجح وأفلح، ومن قتل في غير هذه النية فقد خسر خسراناً عظيماً. وفي القرآن الكريم تجد أن عدد آيات الرحمة مائتين وثلاث عشرة آية، وآيات العذاب مائتين وثلاث عشرة آية كذلك، وآيات الجنة مائة وسبع وخمسين آية، وآيات النار مائة وسبع وخمسين آية. أما الاعتماد على الشفاعة في الآخرة بدون أخذ الأسباب من الأعمال الصالحة، وطاعة الله ورسوله، فهذا غرور بالله ، فإن الشفاعة تكون لرجل نتيجته تسعة وأربعين بالمائة، وإنما يحتاج درجة واحدة، فإنه يشفع له، وكذلك تكون الشفاعة لمن قال: لا إله إلا الله، فيخرج من النار بعد أن يأخذ مدة في العقاب. أما أن تفسر الشفاعة بأنها دخول الجنة مباشرة فإن هذا الكلام يملأ القلوب بالأماني والغرور بالله ، ويملأ القلوب بالظلمة، فلا يُعبد رب العباد حقيقة العبادة التي خلقنا من أجلها. والبعض يتذرع في دخول الجنة بما ورد في الأثر السابق، فإن هذا الرجل عنده رصيد يتوجه به إلى الرب العظيم، أما نحن فأين رصيدنا من قيام الليل، أو رعاية اليتامى، أو رعاية الأرملة والمطلقة في المجتمع، فقد أصبحتا في زماننا مثل الكلبين الضالين.

стр. 144

الاهتمام بالنساء السؤال لماذا تركز على النساء تحديداً في المجتمع؟ الجواب لأنهن ضعيفات، وأما ضعف الرجال أمام النساء كما هو مشاهد في عصرنا الحالي فإنه ناتج عن ضعف إيمان الرجال بالله تعالى، فلو عامل الرجال نساءهم بما يرضي الله لنزلت علينا البركات من السماء، ولخرجت بركات الأرض، لكن المعاملة فيما بينهم تسخط الله، فلذا تجد أن المرأة لا تدعو على زوجها أو أبيها فقط، وإنما تدعو علينا كلنا، وبهذه الدعوات تسوء الخاتمة، فتدعو على العلماء والدعاة الذين علموهم، وتدعو على الإعلام وعلى العاملين فيه، بل تدعو على الدولة بأسرها، وتستجاب دعوتها؛ لأن دعوة المظلوم مستجابة، فكم من دموع ثكالى ودموع أرامل ودموع مطلقات منبوذات في المجتمع وكأنهن مصابات بداء خطير معدي، فإن من شواهد سوء الخاتمة أن يكثر الظلم في المجتمع أياً كان نوع ومستوى الظلم. وقد دخلت امرأة النار في هرة، وهذا بسبب ظلم هرة فكيف بظلم العباد!!

стр. 145

الاستعداد للقاء الله وحسن الخاتمة السؤال فضيلة الدكتور عمر عبد الكافي! كيف نستعد للقاء الله ونحسن خاتمتنا؟ الجواب لن تصلح أمورنا إلا بما صلحت به أمور أسلافنا، فقد صلحت أمور أسلافنا بالكتاب والسنة، ونحن طالما نؤلف ونضع العقل فيما لا يصلح أن يوضع فيه، فنضع قوانين ومناهج عجيبة لأنفسنا فلن تصلح نهايتنا. والذي نريد أن نطالب الناس بتطبيقه هو الدين المفروض، أن نرى كل مسلم ومسلمة نسخة من القرآن تسير على الأرض. والمصيبة الكبرى هي أن نرى حافظ القرآن وهو يتعامل مع البنك الربوي، أو أن زوجته غير محجبة، أو يأكل ميراث الآخرين، أو يظلم فلاناً، أو يجور على حق الجار، فقد صار القرآن حجة عليه، وسوف يأتي ليشهد عليه يوم القيامة، فالمطلوب منا المحافظة على الدين كل والعمل به. والصحابة رضوان الله عليهم لم تكثر أسئلتهم كما هو الحال في كثرة أسئلتنا، فقد سأل الصحابة رسول الله ﷺ ثلاثة عشر سؤالاً، لأنهم كانوا يعملون بالدين في واقع حياتهم، أما نحن فلا نعمل، وعلى هذا ربينا، فلنعد صياغة تربيتنا مرة أخرى على منهج الكتاب والسنة. ولو سار المسلم بمصباح الكتاب والسنة لصغرت في طريقه هذه الفيروسات والميكروبات واضمحلت وما صارت في حياته شيئاً، وما صار في حياته إلا الله ورسوله، فهذا الكلام يقين وليس كلاماً نظرياً، هذا كلام عملي. فسر في طريق الله تجد الدنيا تسير خلفك، ولن يأتيك منها إلا الحلال، وسوف يأتيك منها نصيبك، فاللص الذي سرق لو صبر لما أخذ ما سرقه إلا من حلال، لكن من يفهم هذا الكلام، والموظف المرتشي لو صبر ولم يرتش ويمد يده لجاءته هذه الرشوة من طريق حلال. والصبر كلمة تتكون من ثلاثة أحرف، لكن حينما نترجمها إلى تهذيب النفس وإصلاحها، فإنها تستغرق طوال العمر. ومن حق الإنسان أن يعيش بمرضاة الله، هذه هي المعيشة الحقيقية، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة:٩٦] أي: ولتجدنهم أحرص الناس على معيشة الهوام والحشرات والدواب والإبل، أما الحياة الحقيقية فليست إلا بكتاب الله، وحياة القلب عندما يحيا بكتاب الله سواء في رمضان أو في غير رمضان، بالليل أو بالنهار، في العلن أو في السر. والمسلم إذا أراد أن يحيا الحياة الحقيقية فإنه يضطهد من قبل الحكومات ويطرد ويشرد، وهذا ميراث النبيين، فلن تضاء آخرته إلا إذا احترقت دنياه، ومن احترقت بدايته أشرقت نهايته، يعني: أحرق الشهوات والغرائز، وأحرق اللسان الذي يكذب ويتسول وينم ويخوض ويتكبر، بأن أغفل الشهوات والغرائز ورباها، وزكاها. وهذا الأمر يحتاج إلى مجاهدة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، والصحابة جاهدوا أنفسهم، يقول أحدهم: نزل القرآن وكنا أصحاب خمر نشربها، فلما طاف أنس في شوارع المدينة ونادى: يا معشر المسلمين! إن ربكم قد حرم الخمر من فوق سبع سماوات، أراق المسلمون جرار خمورهم في الشوارع حتى كأن سيلاً عرماً أصاب شوارع المدينة، حتى ظلت رائحة الخمر أسبوعاً كاملاً في المدينة من كثرة الخمور ومن كان في فمه جرعة ألقاها، أي: مجها. فهذا هو الجهاد الحقيقي، وأما نحن فإننا نتفلسف كثيراً، بل إن كثرة الأسئلة وكثرة الفلسفة وكثرة الجدال هي التي أزاحتنا إلى الوراء، لكن يجب علينا أن نضع خطة تعيدنا إلى الكتاب والسنة. ومن أراد أن ينقي نفسه فليقرأ سيرة السلف، ومن أراد الكتلوج فإنه واضح وبين وبسيط وميسور، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]. جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أنا أريد أن أدخل الإسلام فعلمني، فقال رسول الله: يا أبا ذر! علم أخاك الإسلام، فيقرأ عليه سورة الزلزلة فقط، فيبكي الرجل ويقول: كفاني تعليم، وذهب الصحابي يجاهد في سبيل الله. فليس من المسلمين من لم يحمل هم الإسلام وهم المسلمين، فيجب علينا أن نحمل هموم الأمة في أن نأخذها بأيديها إلى سواء السبيل، وما نحن إلا ذرة تراب في بناء الإسلام الكبير.
следующие страницы →