← Джавами‘

Джавами‘ · id 37046

دروس الدكتور عمر عبد الكافي

عمر عبد الكافي

Полный текст (165 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

حسن الظن من مراتب الهداية: أن تحسن ظنك بالله تعالى، فحسن الظن بالله يعطي المؤمن أملاً في رحمة الله ، وكلما اقترب العبد من ربه في العمل ازداد حسن الظن بالله تعالى. واعلم أن حسن الظن بالله يقوم على عدة أمور، ينبغي أن يعملها الإنسان ويحافظ عليها.

стр. 2

حسن الظن بالله من مراتب الهداية أحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله ﷺ ، وبعد: من مراتب الهداية: حسن الظن بالله، فحسن الظن بالله يعطي المؤمن أملاً في رحمة الله ، وكلما اقترب العبد من ربه في العمل ازداد حسن ظنه بمولاه، فلولا أن السيدة أم سيدنا موسى كانت حسنة الظن بالله لما نفذت أمر الله عندما أمرها أن تلقي رضيعها في الماء. قال تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه:٣٩]، إذاً: فعمل أم موسى عمل يدل على حسن ظنها بالله تعالى، في حين أنه لو قيل لنا ذلك لبدأنا نشكك ونحسبها بالعقل، وليس كل شيء يعرض على العقل. وليس معنى ذلك أن الدين الإسلامي دين لاهوت وناسوت، أو كلام ما وراء الطبيعة، ولكن هناك أمور يحسنها الشرع قد لا يحسنها العقل، وليس معنى هذا أن الوحي يتعارض مع العقل، ولكن العقل محدود والشرع من عند الحق، وليس بعد الحق إلا الضلال، وقد قال علي ﵁: لو كان الدين بالرأي لكان المسح أسفل الخف أولى من أعلاه.

стр. 3

مقتضيات حسن الظن بالله تعالى

стр. 4

أولاً: دخول الجنة لا يكون ثمناً للعمل وإحسان الظن بالله يقتضي ثلاثة أمور: الأمر الأول: أنه لا يدخل أحد منا الجنة بعمله، فلا تفكر أن الصلاة التي تصليها أو الصدقة التي تتصدق بها ستوصلك إلى الجنة. رأى ابن عباس سيدنا عمر في المنام بعد عام من استشهاده فقال له: يا أمير المؤمنين! اشتقت إليك وأردت أن أراك منذ زمن، قال له: اسكت يا ابن عباس! لقد كاد عرشي أن يهد لولا أني وجدته غفوراً رحيماً، قال له: وماذا صنع بك؟ قال: رحمني وأحلني دار المقامة من فضله، قال له: بعلمك؟ قال: لا، قال له: بعملك؟ قال: لا، قال: بخوفك؟ قال: لا، قال: بنصرتك لرسول الله؟ قال: لا، قال: ذات مرة كنت أسير في الطريق فرأيت صبية يلعبون بعصفور فخلصته من أيديهم، فقال لي ربي: يا ابن الخطاب! خلصت العصفور من أيديهم، وأنا أخلص جسدك من النار وأدخلك الجنة. وصحابي آخر يقول وهو يحتضر: ليته كان جديداً، ليته كان بعيداً، ليته كان كاملاً، ثم مات، فتعجب الحاضرون وهم لا يعرفون معناه، فسألوا النبي ﷺ عند ذلك فقال: أتته الملائكة فأطعمته حتى شبع، فلما سألهم عن سبب إطعامهم له قالوا: كان معك رغيف فأتاك سائل يسألك طعاماً فأعطيته نصفه، فعندها قال: ليته كان كاملاً، ثم شعر بعطش شديد فأرواه الله، فلما سأل عن ذلك قيل له: أخذت بيد شيخ كبير لا يستطيع المشي فقدته إلى المسجد، فعندها قال: ليته كان بعيداً، يقصد: المسجد، ثم شعر بضيق في صدره فسرت عنه الملائكة فسألهم عن ذلك، فقيل له: كنت تلبس ثوبين في الشتاء: جديداً وقديماً، فأتاك سائل فأعطيته القديم، فعندها قال: ليته كان جديداً. إذاً: فعلى الإنسان ألا يحتقر شيئاً، وأن يعلم أنه لن يدخل الجنة بعمله: (قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته).

стр. 5

ثانياً: منزلتك في الجنة على حسب عملك الأمر الثاني: أن دخول الجنة يكون برحمة الله، وأما سكنى الجنة فيكون على حسب العمل، يقول الله في الحديث القدسي: (يا عبادي! ادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم). قال أحد السلف: إن قوماً غرتهم الأماني يقولون: نحسن الظن بالله، أما إنهم لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل. فتجد الرجل يدخن السجائر طوال الليل وربما إلى الفجر، فإذا سمع: حي على الصلاة لم يجب، وكأن الأمر لا يعنيه، وتجد المرأة متبرجة فإذا نهيتها عن ذلك قالت: أنا أتصدق بربع مرتبي، وأصوم الإثنين والخميس من كل أسبوع، فهذه تمسكت بالنوافل وتركت الفرض الواجب. وفي عصرنا الحاضر نشهد هجوماً على قيمنا الإسلامية ومبادئه، وهذا الهجوم يتمثل في الدعوة إلى تحرير المرأة وعصرنتها كما يزعمون، ومن ذلك: دعوتهم إلى خلع الحجاب، والاختلاط، والتزين بالحلل والعطور أمام الرجال الأجانب، وتهميش وتضييع أصولهم الإسلامية، كنسبة أهل مصر إلى الفراعنة، وتعظيم الفراعنة في أعين الشباب المصري وغيره، فيسمونهم: أبناء الفراعنة، أو من سلالة مخترعي الأهرامات ونحوها من الدعايات التي تريد أن تخدش عقائد المسلمين أبناء عمرو بن العاص، وأبناء الصحابة الذين فتحوا مصر واستوطنوها. كذلك من أساليبهم: نشر الكتب التي تحتوي على العقائد الفاسدة، والتي تعنى بشريحة المثقفين في المجتمع المسلم بأسعار زهيدة رخيصة حتى يسري السم في أفهام المجتمع المسلم، ككتب: قاسم أمين وعلي عبد الرازق وطه حسين.

стр. 6

لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله الأمر الثالث في موضوع إحسان الظن بالله : أن النبي ﷺ يقول: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه). وحسن الظن بالله: أن تطرق بابه في كل حاجة، وأن تنزل فاقتك به دون الناس، وأن ترجع إليه كلما أذنبت مع عدم الإصرار، فهذا هو حسن الظن بالله تعالى. فالله من رحمته لا يعاتب تائباً عاد إليه، (يا موسى! بلغ عبدنا وقل له: أطعتنا فأطعناك، وأحببتنا فأحببناك، وتركتنا فأمهلناك، ولو عدت إلينا على ما كان منك قبلناك). ويقول الله تعالى في الحديث القدسي: لما تثور الأرض والسماء والبحار وغيرها على ابن آدم يقول: (يا مخلوقاتي! أخلقتموه؟ فيجيبون: لا يا رب! فيقول: لو خلقتموه لرحمتموه، دعوني وعبادي، من تاب إلي منهم فأنا حبيبهم، ومن لم يتب فإني طبيبهم، وأنا إليهم أرحم من الأم بأولادها). فهذا حسن الظن بالله. والله أعلم.

стр. 7

التوبة التوبة مناط الفلاح، وعليها مدار النجاة في الآخرة، ولها شروط كي تكون مقبولة عند الله، وهي على أقسام، ومنزلتها كبيرة وعظيمة، وصاحبها في أعلى المراتب والدرجات.

стр. 8

التوبة باب إلى الهداية نحمد الله رب العالمين، ونصلي ونسلم على سيدنا رسول الله ﷺ ، وبعد: عندما يسمع الإنسان كلمة هداية يشعر بأن قلبه قد لان، وصدره قد انشرح؛ لأن كل واحد منا يريد الهداية، اللهم اهدنا فيمن هديت يا رب! وكلنا نقول في اليوم سبع عشرة مرة على الأقل: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، وليس اهدني، وإنما اهدنا كلنا، أي: أن كل واحد منا ينوب عن الجميع في الدعاء، فأنت تدعو الله أن يهديك والمسلمين كلهم، فتقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]. وأول خطوة من أجل أن ندخل على الهداية هي التوبة، ودعنا نتفق في مسألة التوبة على شيئين مهمين: الأول: أن كل العباد يخطئون، كما قال الصادق المعصوم ﷺ : (كل بني آدم خطاء). فليس معنى أنك صليت أنك مهتد والذي لا يصلي عديم الهداية، لا، وإنما ربنا قال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، فالآية علقت الفلاح على التوبة، فمن تاب فهو مفلح. والثاني: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١]. فمن مشى في طريق الهداية فعسى أن يكون من المفلحين، اللهم اجعلنا منهم يا رب! فالفلاح مرتب على التوبة، ومن أجل أن أكون من المفلحين وأصبح من حزب الله المفلح فلابد أن أتوب، والذي لم يتب يكون ظالماً لنفسه، وقد يكون فتنة لغيره.

стр. 9

التحذير من الشماتة بالآخرين أول خطوة من خطوات الهداية: التوبة، فلا تنظر إلى عيوب الناس وذنوبهم وتظن أنها ليست فيك، مثل أن تقول: فلان أخطأ في كذا، وفلان لا يصلي، وفلان زوجته ليست محجبة، وفلان بنته كذا، وفلان ولده عديم التربية، وتجلس تنظر إلى عيوب الناس، فهذه بلية في الاثنين: فيمن فيه العيب وفيمن يعيره بالعيب. روى الترمذي عن رسول الله ﷺ : (لا تكثر بالعيب على أخيك فيعافيه الله ثم يبتليك)، وهذه قضية خطيرة، وما من عبد يعيب على أخيه ذنباً إلا ويبتلى بهذا الذنب، فإذا بلغك عن فلان سيئة، وأنه لا يصلي، وأنه لا يصوم رمضان فقل في نفسك: غفر الله لنا وله. والرجل الموظف في مصلحة كذا يقول لك: ستدفع وإلا لن نجهز المصلحة، ثم يقول: أتى الظهر ونحن لم نصل السنة، لا إله إلا الله! يرتكب كبيرة الرشوة ويبحث عن سنة الصلاة! هذه كارثة، بل كوارث. فكل شخص من الناس مبتلى بذنب معين، وليس فينا واحد صاف.

стр. 10

بلايا الذنوب والذنب فيه ثلاث بلايا: فرحك بالمعصية، وهذا ذنب، ولا يوجد أحد من أهل المعصية يعمل المعصية إلا وهو فرحان، من أذنب وهو يضحك دخل النار وهو يبكي، فليس هناك أحد يعمل الذنب وهو غضبان، بل يعمل الذنب وهو منبسط، وإذا عمل الذنب وهو غضبان فإن ضميره يبدأ يهتز ويؤنبه. إذاً: فرحك بالمعصية أكبر من المعصية نفسها. ونسيانك لرؤية الخالق لك أكبر من المعصية، ولا يوجد هناك شخص يعمل المعصية وربنا لا يراه، فلا تحتقر نظر الله إليك، فربما ينظر إليك الله في المعصية نظرة مقت فيبغضك. ثم الحزن على فوات المعصية أكبر من المعصية. فأهل المعاصي -والعياذ بالله- عندما تفوتهم المعصية يغضبون ويقولون: يا خسارة! فاحمد الله أن أغلق في وجهك باب المعصية، ومادام أن الله أغلق في وجهك باب المعصية فقد بدأ يحبك؛ لأن العبد بين أمرين: بين اندفاع من نفسه، وبين تيسير من أمر ربه، فاندفاع نفسه لا يستطيع التحكم فيه، ولكن من توفيق الله وتيسيره له أنه يغلق أمامه باب المعصية.

стр. 11

شروط التوبة والتوبة فيها أربعة أشياء متلازمة مع بعضها: أولاً: الترك، فالشخص الذي يغتاب يتركها، والشخص الذي يشرب السجائر يترك شربها، والشخص الذي يسمع كلاماً سيئاً يترك سماعه، والذي يسمع أغنية خليعة يترك سماعها، ولا يضع وقته هباءً منثوراً. فليس عند المسلم وقت للفراغ، وإنما يشغل نفسه بما يرضي الله من أمور معاشه، أو من أمور معاده. فأول شيء ترك المعصية، ثم الندم.

стр. 12

أقسام التوبة والسادة العلماء ﵃ قسموا التوبة أو التائبين إلى ثلاثة أنواع: توبة العامة، وتوبة الأوساط، والوسط يعني: الخاصة، وتوبة خاصة الخاصة، أو توبة العامة، وتوبة الأوساط، وتوبة الخاصة. وسأبين نوع كل توبة؛ حتى ترى نفسك من أي صنف أنت، أو أنك لست من الثلاثة أصلاً.

стр. 13

توبة الخاصة ثم هناك توبة كبيرة جداً وهي توبة الخاصة، والخواص هؤلاء يتوبون عن إضاعة الوقت، فهو رصيدهم ورأس مالهم فلا يضيعونه.

стр. 14

توبة الأوساط وتوبة الأوساط -يعني: الذين ترقوا قليلاً- قال أهل العلم: يتوبون من استغفارهم، يعني: استغفارهم في حد ذاته يعتبرونه ذنباً؛ لأنه ليس استغفاراً كاملاً حقيقياً، واللمم لأهل العلم فيها قولان: قول ابن عباس وهو: أن اللمم أن يعمل الذنب ولو كبيرة ثم يتوب، فمثلاً: أخطأ مرة وشرب خمراً، أو عمل كبيرة من التي نهى رب العباد عنها ثم تاب، فهذا من اللمم عند ابن عباس. والقول الثاني: أن اللمم نظرة وليست نظرات، وفي الحديث: (يا علي! لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما الأولى لك والثانية عليك). وذهب أحمد بن حنبل يوماً يصلي العصر، فلقي في الطريق امرأة كانت ذاهبة تصلي فظهر منها خلخالها، فوضع الإمام أحمد العباءة على وجهه وعاد إلى البيت، وقال: هذا زمان الفتن. وقد جاء رجل إلى سيدنا الحبيب ﷺ مرعوباً وقال له: يا رسول الله! هلكت وأهلكت؟ فقال له: (ما لك؟ قال: قبلت جارتي، فقال سيدنا الحبيب ﷺ : أصليت معنا الغداة؟ قال له: نعم يا رسول الله! قال: إن الحسنات يذهبن السيئات)، ففتح له باب الرحمة، ولو أغلقه في وجهه لانتكس. وقال ﷺ : (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، وسددوا وقاربوا، وكونوا عباد الله إخوانا) يعني: يسروا على الناس.

стр. 15

توبة العامة فتوبة العامة إلى الله تكون بكثرة الحسنات، فالذي يريد أن يتوب يكثر من الحسنات، وسيدنا عمر ﵁ يقول: ما أنفقت نفقة في الجاهلية إلا وأنفقت مثلها في الإسلام، وما جلست مجلساً في الجاهلية إلا وجلست نظيراً له في الإسلام، وما آذيت مسلماً في الجاهلية إلا وآذيت كافراً في الإسلام. يعني: عدل المسألة بفضل ضدها، وأنت إذا كنت تصرف خمسة جنيهات في تذكرة السينما فأخرج خمسة جنيهات لمسكين. إذاً: توبة العامة: أن نكثر من الحسنات، وهذه أول نوع من التوبة، ولابد من إكثار الحسنات لسببين: السبب الأول: أن الشخص إذا تاب وعمل الحسنات قلب الله له السيئات التي عملها قبل التوبة إلى حسنات. والسبب الثاني: أنك -كما يقول الحسابيون أصحاب التجارة ومكاتب المحاسبة- تنقل من حساب إلى حساب، فأنت تنقل من حساب الدنيا إلى حساب الآخرة، فتأتي يوم القيامة وتسحب من رصيدك، ولابد أن تسحب من رصيدك يوم القيامة، سواء بغيبة أو نميمة أو نظرة في حق فلان، فكثر الرصيد قليلاً؛ حتى إذا جاءوا يسحبون يبقي لك قليلاً.

стр. 16

عظم الثواب على قراءة القرآن والحرف في التلاوة في المصحف بعشر حسنات، قال الحبيب ﷺ : (لا أقول: ألم حرف، وإنما ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف). فهذه ثلاثون حسنة، وربنا كريم يضاعف إلى سبعمائة ضعف، ولكن أنت لا تحسبها هكذا، ولكن سل الله القبول فقط. والحرف في الصلاة في القرآن بمائة حسنة، ولذلك كان الرسول ﷺ عندما يدخل في الصلاة يقول: (وجعلت قرة عيني في الصلاة). وسيدنا أبو موسى الأشعري ﵁ وقف يصلي فسلم فوجد الحبيب المصطفى ﷺ جالساً بجانبه، فقال أبو موسى الأشعري: أوتسمعني يا رسول الله؟! فقال ﷺ : (يا أبا موسى! لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود. فقال: يا حبيب الله! والله لو أعلم أنك تسمعني لحبرته لك تحبيراً). ولذلك قال: (اسمع القرآن ممن إذا سمعته قلت: إنه يخشى الله). فإذا أردت أن تسمع القرآن فاسمعه من شخص تقول: هذا الرجل بينه وبين الله شيء، وقد تسمع بعض القراء لكتاب الله ولا تشعر أن لسانه يتلو، ولكن تشعر أن قلبه هو الذي يقرأ عليك. قال الحسن البصري: سمعت القرآن من ابن مسعود، فلما ترقى بي الحال -حال الإيمان- صرت كأني أسمعه من رسول الله ﷺ ، فلما ترقى بي الحال صرت كأني أسمع جبريل يقرؤه على رسول الله، فلما ترقى بي الحال صرت كأني أقرؤه من اللوح المحفوظ. فهؤلاء ناس هممهم عالية جداً، نسأل الله أن يحشرنا في زمرتهم. وقد كان سيدنا أحمد بن حنبل ﵀ مريضاً فيتكئ قليلاً، ويستأذن من تلاميذه فيأذنون له، فإذا ذكر في الحديث أو في الكلام الشافعي أستاذه أو مالكاً أو أبا حنيفة جلس وقال: يجب أن نحترم علماءنا. هذا وهم غير موجودين. وكان يقول: الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن. ولذلك نفع الله بعلمهم، وعلمنا رجع إلى الخلف، نسأل الله أن يقدمنا بالعلم، وأن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

стр. 17

بيان كيفية التوبة من الكلام في أعراض الناس لو أن شخصاً ارتكب في حق أخيه مصيبة من مصائب العرض فلا يذهب يخبره ويقول له: أنا عملت كذا وكذا كما قال العلماء، وإنما عليه أن يستغفر له بعد كل صلاة، ويدعو له: اللهم اغفر لفلان وارحمه وبارك فيه وفرج الكرب عنه، ومن ثم يحسن إليه في اللقاء، وفي المعاملة، ولا تخبره بما ارتكبت في حقه؛ لأن هذا يترتب عليه مفسدة أكبر، ولكن أحسن إليه وادع له بظهر الغيب، وهذه تكون توبتك إن شاء الله رب العالمين.

стр. 18

عقبات في طريق التوبة هناك بعض العقبات التي تقف أمام المسلم في طريق توبته: العقبة الأولى: أنه لم يدرك معنى: التائب حبيب الرحمن، ولم يدرك معنى: المؤمن لا يقع، وإن وقع وجد متكئاً وهي رحمة الله، وهذا مثل العبد إذا وقع وهو يمشي في الشارع في ماء فيه طين وتلوثت ثيابه، أو سقط ابنك من يدك ووقع في الأرض فأخذته إلى أمه في البيت، فغسلت له الثياب المتسخة فتعود نظيفة كما كانت. العقبة الثانية: البدع، فالبدع تجعل العبد لا يتوب، مثل شخص يذهب إلى الحسين أو السيدة زينب ويطوف حول القبر، فهذه بدعة، وهي مصيبة، فتقول له: تب، فيقول لك: من ماذا أتوب؟ أنا محب لآل البيت وأنت تكره آل البيت، مع أننا لا نكره آل البيت، ولكن الطواف لا يكون إلا حول الكعبة، فصاحب البدعة مقتنع بها. والمؤذن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمداً رسول الله، فتقول له: هذه غير موجودة، وبلال لم يعملها، فهل أنت أشد حباً لرسول الله ﷺ من بلال؟! فيقول لك: ولو، فمن أين يتوب هذا؟! فهو غير مقتنع أنه مذنب، أو أنه على خطأ، ويقول لك: أنا أحب سيدنا الحبيب ﷺ ، وكلنا نحبه ﷺ ، ولن ندخل الجنة من غير حبه ﷺ . فصاحب البدعة لا يتوب، وهذه عقبة شديدة من عقبات التوبة. العقبة الثالثة من عقبات التوبة: الإسراف في المباحات، فالأكل والشرب والنوم والإنفاق كل هذا مباح، ولكن لو زادت جرعة المباح فأكل أو شرب أو نام أو أنفق أكثر مما يجب فهو مسرف في الطعام وفي الشراب وفي النوم وفي الإنفاق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٧]. العقبة الرابعة: أن الشيطان يضع السم في العسل، فيجعل للمعصية حلاوة، ولذلك سيدنا الحبيب ﷺ على إدراكه لبواطن النفوس يقول: (من رأى امرأة في الطريق فأعجبته فليأت أهله) فهذه امرأة وتلك امرأة. والشيطان يجعل الشيء الحرام جميلاً، والحلال منفراً. وقد رأى رسول الله ﷺ ليلة المعراج أناساً يتركون طعاماً طيباً ويذهبون إلى الطعام الخبيث المنتن، فقال ﷺ : (من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء يرزقهم الله بالحلال فيتركونه ويذهبون إلى الحرام). وعبد الله الصالح الذي يعرف أن ربنا تاب عليه يحلو في عينيه الحلال، ويقبح الحرام. وخادم أبي بكر سقى أبا بكر شربة لبن، فلما شرب أبو بكر قال له الخادم: أما سألتني يا خليفة رسول الله؟! قال له: عن ماذا؟ قال له: عن اللبن، قال له: عن ماذا؟ قال له: عن مصدره، قال له: من أين أتيت به؟ قال له: كنت أتكهن لقوم في الجاهلية، يعني: كان يعمل كاهناً في الجاهلية، ويسمى اليوم المنجم، وهو الذي يضرب المندل والودع، ويفتح الكوتشينة، ويقرأ الفنجان والكف والحظ الذي في المجلة، وفي الحديث: (ومن ذهب إلى عراف أو كاهن فصدقه بما قال فقد برأت منه ذمة الله وذمة رسوله). فهذه كبيرة من الكبائر لابد أن نتوب منها، ولا يوجد داع لصفحة الحظ هذه، وهل هناك ستون مليوناً يجتمعون في حظ واحد؟! فلا تفتح صفحة الحظ لا من باب المزاح ولا من باب الجد. قال الخادم: كنت أتكهن لقوم في الجاهلية، فمررت بهم فأعطوني منيحة اللبن تلك. فوضع أبو بكر إصبعه في فمه فتقيأ ما شرب، ثم بكى وقال: اللهم إني أعتذر إليك مما اختلط باللحم والعروق؛ لأن بطن أبي بكر لم تتعود على الحرام، ولا تقبله، مثل السيارة لا تمشي إلا بالبنزين، ولو وضعت لها شيء غير البنزين لا تمشي. وسيدنا سهل بن عبد الله ﵁ وصل به الورع إلى أنه كان إذا مد يده إلى طعام فيه حرام أو شبهة نبض عرق في يده. اللهم ألحقنا بهؤلاء.

стр. 19

بيان الأقوال في المنزلة التي يعود إليها التائب بعد التوبة وهل العبد بعد التوبة يرجع إلى درجته التي كان عليها قبل الذنب والتوبة، أم إلى درجة أحسن، أو أقل؟ العلماء على آراء، فبعض العلماء يقولون: يرجع إلى نفس الدرجة التي كان عليها قبل التوبة، ويضربون لذلك مثلاً: فيقولون: لو أن شخصاً وقع في بئر فجاء أخ له في الله فخلصه، فإنه لما خلصه أخرجه إلى الأرض والمكان الذي كان فيه مرة ثانية. وآخرون يقولون: يرجع بعد التوبة إلى درجة أفضل من الدرجة التي كان عليها قبل الذنب، وقالوا: هذا الذي وقع في البئر قد ابتلت ثيابه واتسخت، فأخذه صاحبه إلى البيت، وأخذ منه الثياب القديمة المتسخة وأعطاه ثياباً نظيفة، فعاد إلى درجة أحسن من التي كان عليها قبل أن يقع في البئر. وهناك رأي آخر يقول: يرجع إلى درجة أقل؛ لأنه لما وقع في البئر إما أن يصاب وجهه بجروح، أو تكسر يده أو رجله. وخذ الرأي الذي يعجبك أنت، ولا يوجد داع لأن أملي عليك رأياً.

стр. 20

بيان الاختلاف في قبول التوبة من الذنب إذا كان مصراً على آخر والعبد إذا عمل ذنباً وتاب منه ثم عمل ذنباً آخر فهل هذه التوبة مقبولة؟ قالوا: ينظر إلى الذنب هذا الذي يعمله أهو كبيرة أو صغيرة؟ وهذا كشخص يصوم ولا يصلي، وأظن أن هذه عادة في كثير من العائلات، والناس يسألون: هل صيامه مقبول؟ العلماء على رأيين: رأي يقول: إن الإسلام كل لا يتجزأ، فلا يأخذ من الإسلام جزءاً فينفذه ويترك جزءاً لا ينفذه، فالذي يريد أن يكون مسلماً فعليه أن يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر على قدر ما يستطيع، أما أن يصوم ولا يصلي فلا. وعلى هذا فإذا تاب العبد من ذنب وارتكب ذنباً آخر فلا تقبل منه التوبة، لأنه فتح على نفسه باب جهنم من ذنب آخر، مثل الشخص الذي كان لا يصلي ثم بدأ يصلي لكنه يغتاب الناس، فإن صلاته تمحو ما بينه وبين الله لا ما بينه وبين الناس. فالذنب الذي بين العبد والعبد لابد فيه من المسامحة، وحقوق الناس لابد أن تعاد.

стр. 21

المفاضلة بين التائب من الذنب والذي لم يذنب وأما أيهما أفضل من لم يذنب قط، أم من أذنب وتاب؟ فقد قال أهل العلم: إن مثلهما مثل مرآة في الحمام وهناك بخار، أو أنت تنفخ فيها في كل فترة ثم تنظفها، ومرآة أخرى بعيدة عن الحمام وعن البخار، فإن البعيدة أشد نصاعةً ونقاءً. إذاً: فالقلب الذي لم يذنب هو مثل المرآة البعيدة عن البخار، والقلب الذي أذنب وتاب مثل المرآة التي أصابها البخار ونظفت، ففيها قليلاً من الغبش.

стр. 22

الاستقامة لقد أمر الله نبيه محمداً ﷺ بالاستقامة، وأثنى الله على أهل الاستقامة في كتابه ، ولذا فمن أراد الاستقامة والاتصاف بها فإن لأهل الاستقامة علامات وشروطاً ينبغي أن يتلزم بها ويتخلى عما ينافيها، حتى يكون من المستقيمين بإذنه .

стр. 23

شروط الاستقامة

стр. 24

من شروط الاستقامة صدق الإيمان بالله أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائماً متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فلابد أن نعرف أن للاستقامة شروطاً محددة، وعلامات نفسية تستطيع أن تعرف بها هل أنت من أهل الاستقامة أم أنك مازلت على بداية الطريق، يا ترى! هل خطوت خطوتين داخل الطريق، أم قطعت شوطاً طويلاً أو قصيراً؟! فالاستقامة لها شروط: فأول شرط من شروط الاستقامة: صدق الإيمان بالله : مشى الأصمعي مرة في السوق، فوجد ابنته الصغيرة تحمل إناءً وقد وضعت فيه رماناً، فمشى شخص وسرق رمانة من الرمان، فلقيه شخص يطلب صدقة فقال له: خذ هذه الرمانة، فقال له الأصمعي: لماذا صنعت هذا؟ فقال: لقد أخذتها بسيئة، وأعطيتها بعشر حسنات! فهذا سارق يسرق لله، وفي داخله نفحة من الإيمان. يقول ﷺ : (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) يعني: لحظة ارتكابه للذنب يرتفع عنه الإيمان، لأنه لو وجد الإيمان لوجدت الاستقامة.

стр. 25

من شروط الاستقامة التصديق بكل ما جاء به رسول الله الشرط الثاني: التصديق التام بكل ما جاء به رسول الله: فمثلاً: كان سيدنا الحبيب ﷺ له في كل وقت ذكر، وكان في كل حركة من حركات حياته ﷺ مرتبطاً بالسماء، فأول ما يفتح عينيه ينطق بالشهادتين: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور) (أصبحنا وأصبح الملك لله، وأمسينا وأمسى الملك لله). كذلك كان إذا دخل الخلاء يقدم رجله اليسرى ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) والخبث: ذكور الشياطين، والخبائث: إناث الشياطين. وإذا خرج قال: (غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، وأبقى علي ما ينفعني). ولذلك دخل رجل على هارون الرشيد وقال له: يا هارون! لو منع منك كوب الماء بكم تشتريه؟ قال: أشتريه بنصف ملكي، قال له: وإذا دخل كوب الماء بطنك ولم يخرج فكم تدفع ونخرج لك البول؟ قال: نصف ملكي الآخر، قال: تباً لملك لا يساوي شربة ماء لم تدخل، وشربة ماء لم تخرج. وقال هارون الرشيد لـ أبي حازم: يا أبا حازم! ما أزهدك! قال: أنت يا أمير المؤمنين أزهد مني، قال له: أنا! قال له: نعم، أنا زهدت في الفاني، وأنت زهدت في الباقي! أي: أنا زاهد في الدنيا، لكن أنت زاهد في الآخرة! وكان الرسول ﷺ يقول إذا لبس ثيابه: (الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به أمام الناس) وإذا خرج إلى المسجد قال: (باسم الله، التكلان على الله، اللهم إني أعوذ بك أن أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي، أو أكسب سوءاً أو أجره إلى أحد من المسلمين) فيخرج وهو في حماية الله. ويقف على بابك ملك وشيطان، فإن خرجت في سبيل الله يظل الملك معك حتى ترجع، وإن خرجت إلى معصية الله يخرج الشيطان معك حتى ترجع، وإن للملك لمة، وإن للشيطان لمة، أما لمة الملك فإيعاد بالخير، وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر. والعياذ بالله رب العالمين! ولذلك يقال: إن شيطان المؤمن وشيطان الفاجر والفاسق والكافر التقيا، فشيطان المؤمن كان نحيفاً وهزيلاً، وشيطان الكافر كان سميناً، فقال له: ما لك نحيف؟ فقال له: وما لك أنت سمين؟ فقال: أنا جالس مع شخص عندما يأكل لا يسمي ربنا، ولا يستعيذ بالله مني؛ فآكل معه، وعندما يشرب أشرب معه، وعندما ينام أنام معه، فأنام وصحتي جيدة. لكن أنت ما لك هكذا نحيف؟ قال له: أنا أعيش مع شخص إذا أكل سمى الله فلا آكل، وإذا شرب سمى الله، فلا أشرب وإذا دخل البيت سمى الله، فأطرد خارج البيت، وأنام في البرد؛ ولذا بقيت هكذا نحيفاً. فيا ترى، هل تريد أن تجعل الشيطان نحيفاً أم غير ذلك؟! سيدنا علي ﵁ دعا له الرسول دعوة فقال: (اللهم قه شر الحر والقر)، والقر: هو البرد، فكان سيدنا علي في عز الصيف لا يحس بالحر، وفي عز الشتاء لا يحس بالبرد! وسيدنا الحبيب كان يحب علياً، وكان سيدنا علي أشجع العرب، كان يشبه سيدنا الحبيب في الطول والعرض، فلم يكن طويلاً ولا قصيراً، ولا نحيفاً ولا سميناً، وكان ربعة بين الرجال، ولكن كان الحبيب أبيض مشوباً بحمرة، وكان سيدنا علي يميل إلى السمرة هو وسيدنا عثمان، وكان سيدنا عمر أبيض، وكذا سيدنا أبو بكر، لكن سيدنا أبو بكر كان قصيراً غزير الشعر، إذا تركه ينزل على أذنيه من كثرته وغزارته، وسيدنا عمر كان أصلع، وسيدنا عثمان كان متوسط الشعر، وسيدنا علي كان أصلع ليس له إلا شعيرات في مؤخرة رأسه ﵃ جميعاً. وسيدنا رسول الله ﷺ كان دائماً يداعب علياً كرم الله وجهه. ونحن نقول: كرم الله وجهه؛ لأنه لم يسجد لصنم قط، وقد أسلم علي ولم يكن قد بلغ الحلم، فلما رآه أبوه أبو طالب يصلي قال له: ماذا تصنع يا علي؟ قال له: اتبعت دين محمد، فقال له أبو طالب: والله! لا يأمرك إلا بخير، فكن معه يا علي. ومن أجل هذا يخفف ربنا عن أبي طالب العذاب بشفاعة الرسول ﷺ ، وقال: إن أخف الناس عذاباً في جهنم أبو طالب وقال: (يلبس نعلين من نار يغلي منهما دماغه).

стр. 26

علامات الاستقامة

стр. 27

خفة الطاعة على القلب من علامات الاستقامة: خفة الطاعة على قلب العبد: صلى رجل وراء أبي حنيفة، وأبو حنيفة كان يخفف بالمسلمين في صلاة الصبح، فيقرأ بالثمانين آية من سورة البقرة، هذا وهو يخفف، فالرجل أول مرة يصلي، فبعدما أكمل الصلاة -وكان معه عمل- وجد الشروق قد قرب فقال: ما هذه السورة التي قرأها الشيخ؟ قالوا له: سورة البقرة. ففي اليوم الثاني قال: أنا سأصلي وأمشي على طول، وأبو حنيفة في اليوم الثاني كان مريضاً فقرأ بسورة الفيل، فلما بدأ يقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] أخذ الرجل الحذاء ومشى وقال: قرأ أمس سورة البقرة ومكثنا إلى غاية الشروق، فكيف وهي سورة الفيل؟!

стр. 28

انقباض النفس من الذنب الماضي من علامات الاستقامة أيضاً: أن الإنسان إذا ارتكب صغيرة انقبض خاطره، وخاف، وارتعد، وحصل له رعب وهلع؛ لأنه ارتكب ما يغضب الله، ولذلك لا يقول العبد: إن هذا مكروه، والمكروه هذا بسيط. قد تقول: هذا مكروه يعني: ليس حراماً، لكن انظر إلى من يكره هذا الفعل، أنا لو أعرف أن أبي أو مديري في العمل يكره شيئاً فأنا لا أعمله؛ لأنه يضيق ذرعاً مني، فما بالك بالذي يكرهه رب العباد سبحانه؟! فمن دلائل الاستقامة لدى العبد أن تصير الصغيرة لديه كبيرة، قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥].

стр. 29

الخشوع عند سماع القرآن كذلك من علامات الاستقامة: أن العبد يخشع عند سماع آيات كتاب الله: ولذلك نحن نغبط أبناءنا الشباب الذين في سن الخامسة عشرة والسادسة عشرة والعشرين عندما يسمع القرآن ويبكي، كلنا نكون فرحين به؛ لأنه شاب يباهي رب العباد به الملائكة، وهذا الشاب هو الذي ينزل الله الخير على مصر أو على بلاد الإسلام بسببه. اللهم اجعلنا من أهل الاستقامة يا رب العالمين، اللهم اجعل أول يومنا هذا صلاحاً، وأوسطه نجاحاً، وآخره فلاحاً، لا تدع لنا فيه ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا طالباً ألا نجحته، ولا مجاهداً في سبيلك إلا نصرته، ولا شهيداً إلا رحمته وأدخلته جنتك يا رب العالمين! كما نسألك يا مولانا أن تنصر الإسلام وأن تعز المسلمين، ولا تجعل لكافر على مؤمن سبيلاً، لا تدع لنا حاجة من حوائج الدنيا لك فيها رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا أكرم الأكرمين! اللهم هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً، اللهم أزل عن أبنائنا وبناتنا شياطين الإنس والجن، واجعلنا لك من الذاكرين والذاكرات، والقانتين والقانتات، والعابدين والعابدات، يا رب العالمين! اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.

стр. 30

الأدب من مراتب هداية الله لعبده أن يجعله مؤدباً، وموضوع الأدب موضوع مهم لابد للمسلم أن يلتزمه، وأن يكون سمة ظاهرة عليه، والأدب منه ما يكون مع الخالق جل وعلا، ومنه ما يكون مع نبينا محمد سيد الخلق ﷺ ، ومنه ما يكون مع خلق الله، وأعظمهم حقاً الوالدان اللذان أوصى الله بهما وبطاعتهما.

стр. 31

الأدب أهميته وأقسامه

стр. 32

أولاً: الأدب مع الله تعالى من مراتب الهداية ودرجاتها: الأدب، اللهم اجعلنا من أهل الأدب معك يا رب العالمين، والأدب أنواع ثلاثة: أدب مع الله، وأدب مع رسوله ﷺ وشرعه، وأدب مع خلقه. فما معنى الأدب مع الله؟ وما معنى الأدب مع الرسول ﵊؟ وما معنى الأدب مع خلق الله؟ أولاً: الأدب مع الله في إطاره العام: ألا ترى نفسك على معصية، أو على إصرار على معصية. ففي الدنيا لو وصف أب ابناً له بأنه مؤدب، أو وصف أهل الحي أحداً بأنه إنسان مؤدب -أي: أدب دنيوي- فمعناه: أنه يحترم الكبير، فاحترامه لكبير القوم نوع من الأدب. فأدبك مع الله : ألا تسيء إلى شرع الله والقانون الذي وضعه الله ، وقانون الله ينقسم إلى قسمين: أمر ونهي. فالأمر: التنفيذ، فلا يكون هناك تقصير. ففي القانون الوضعي عندما أخالف الأمر تأتيني المخالفة، فإذا خالفت أمر المرور مثلاً أتتني المخالفة، فإذا كانت السيارة محطمة، أو أخذ التاكسي حمولة أكثر من اللازم أو غير ذلك فإن المخالفة تسجل علي، أو في قانون المباني إذا كان قد صرح له ببناء خمسة أدوار فبنى سبعة سجلت عليه مخالفة، وهكذا في كل القوانين الوضعية عندما لا تنفذ الأمر، أو ترتكب منهياً عنه في القانون تأتيك المخالفة. إذاً: أليس من باب أولى أن يكون لك مع الله قانون؟! فقانون الله عبارة عن أمر ونهي، فإذا خالفت الأمر فأنت مخالف، وعندها نقول عن فلان: إنه غير مؤدب مع الله، فأي إنسان مستمرئ لمعصية، ومعتاد عليها، أو أنه يضيق صدور المسلمين فيدخل النكد عليهم، أو يحاول أن يثير الذعر بينهم، أو يحاول أن يوقع المسلم في أخيه، والجماعة المسلمة في الأخرى، فهذا إنسان لا يعرف الأدب مع الله، أي: أنه ارتكب مخالفة، أو لم يطبق أمر الله . وقد يجتمع المسلمون في بيت واحد لمدة ساعتين أو ثلاث فيسأل كل واحد منهم عن الآخر، وربما لا يعرف بعضهم أسماء بعض، لكن الأرواح قد تلاقت في الأزل منذ أن قال ربنا: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢]؟ فقال الجميع: ﴿بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]، بل وأشهدنا على أنفسنا، قال ربنا: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]، فكل الأرواح اجتمعت في ذلك اليوم، فأنت ترى الأخ في المسجد ولم تره من قبل حقيقة، فتقول له: قد رأيتك من قبل؟! فيقول هو أيضاً: وأنا رأيتك، ولعلك تتذكره فتقول: كنت في كلية كذا؟ فيقول: لا، هل اشتغلت في المصلحة الفلانية؟ فيقول: لم يحصل، هل كنا مع بعض في المدرسة؟ فيقول: لا، أو في الروضة؟ فيقول: لا، فتقول له: أنا كنت في الإسكندرية، فيقول: وأنا أتيت من سوهاج، وكلاهما صادق؛ لأن روحيهما قد التقتا في عالم الأزل، فلما تلاقت الأجساد لم تكن الأشكال غريبة.

стр. 33

حاجتنا مع الله حالة وهالة فنحن لنا مع الله حاجتان: حالة وهالة. فالحالة نوعان: إما حالة إيمانية، أو حالة تمردية عصيانية، وهذا كما يقال: أعلنوا التمرد العام أو العصيان المدني، فنحن مع الله في إحدى حالتين: حالة إيمانية تقترب فيها من رب العباد كلما ازداد العمر ومضت السنين، وكلما ذقت حلاوة الهداية والطاعة ورقة القلب عندما تقترب من الله، أو حالة تمردية عصيانية تدخل بها في دائرة إبليس، قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأنعام:١٤٢]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]، ويأتي إبليس بعد ذلك ويتبرأ: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢]، فشخص يقول لك: ضع نفسك تحت القطار، أو اشرب هذا السم فتشرب، أو ارم نفسك من الدور العاشر فترمي بنفسك، لم يكن له عليك من سلطان إلا أن دعاك، فلم أُشربك السم رغماً عنك، ولم أضعك على سكة القطار رغماً عنك، ولا جعلتك تقتل نفسك رغماً عنك، ولكن بمجرد أن دعوتك دعوة استجبت لي، وهذا مثل الولد الفاشل إذا قيل له: تعال نلعب قليلاً استجاب، فزميله ليس له سيطرة عليه إلا أنه زين له اللعب، فإذا ما جاءت نهاية السنة فشل وسقط، فإذا قال له: أنت السبب، قال له: ليس لي دخل فيك، إنما دعوتك إلى اللعب فاستجبت لي، ولم أمسك بك لكي تلعب، ولم أهددك أبداً، وإنما استجبت لي بمحض إرادتك. ثم يترتب بعد ذلك على هذه الحالة هالة، والهالة نوعان: هالة مضيئة إذا كنت في حالة إيمانية، وهالة مظلمة قاتمة لا ترى فيها سبيل الهداية إن كنت متمرداً عاصياً؛ ولذلك تسمع أن فلاناً عليه هالة من النور، أو فلاناً في جبينه نور، أو فلاناً في وجهه السماحة، بينما فلان من أهل المعصية عليه غبرة، رجل ليس فيه نور، إذا تكلم لم يسمعه أحد، إذا خرج كلامه من لسانه لم يتجاوز الآذان، فالهالة إذاً مترتبة على الحالة. وفي الآخرة تنير حالتك الإيمانية طريقك على الصراط -اللهم أضئ لنا طريقنا يا رب العالمين-، فإذا كنت مستقيماً على طريق الله في الدنيا تأتي على الصراط وهو مظلم ومن تحته جهنم -والعياذ بالله نسأل الله السلامة- وجهنم مظلمة لا يرى الإنسان فيها نوراً، فالذي يظلك في هذا الوقت هالتك الإيمانية، وكل إنسان على قدر إيمانه. فمثلاً: تجد أن الإنسان إذا كان غنياً في الدنيا يصنعون له صيواناً عند موته، يأتي المهندس فيقال له: نريد الكثير من قناديل الإضاءة، والمهندس عليه التوصيل الكهربائي، فتضاء القناديل كلها، ويكون الصيوان كضوء النهار، بينما الآخر المسكين ليس معه عند موته سوى قنديلين أو ثلاثة، وهكذا المؤمن كلما ازداد إيمانه ازدادت هالته الإيمانية النورانية فأضاءت له على الصراط، كما وصف الحبيب أن من الناس من يضيء له إيمانه على قدر إبهامه، يعني: قدر إبهام إصبع رجله، مثل بطارية الدكتور الصغيرة الخاصة بالأنف والأذن والعيون، شيء على قدر الحاجة يفي بالغرض. قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة:٢٠] يعني: أن الصراط مظلم، وهذا هو حال من يصلي من رمضان إلى رمضان، ومن الجمعة إلى الجمعة فقط، وكلما مات له قريب قال: سأتوب وسأصلح حالي، فهذا الإنسان يضاء له على الصراط قليلاً ثم ينطفئ ضوءه، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٠] لأنه رأى طريقه، قال: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة:٢٠] لأنه لا يرى أمامه فيوشك أن يقع في جهنم. وقال ﷺ : (ومنكم من يضيء له إيمانه كضوء الهلال) يعني: كالشهر في أوله، (أو المحاق)، وهو الشهر في آخره، (ومنكم من يضيء له إيمانه كضوء القمر ليلة التمام، ومنهم من تناديه النار: يا مؤمن! أسرع بالمرور من فوقي فإن نورك غطى على ناري) سبحان الله! إذاً: هذه هي الهالة الإيمانية، اللهم أنر لنا الدنيا والآخرة بالإيمان يا رب! فأنت مع الله في قضية الأدب لا تكسر أمراً ولا ترتكب منهياً، هذا هو الإطار العام. ولقد كان أنبياء الله عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام في قمة الأدب مع الله ، وهناك صور شتى: فسيدنا إبراهيم، والرجل الصالح الذي يقال له الخضر ﵇ الذي التقى به الكليم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وسيدنا يوسف كيف تعلمنا منه الأدب عندما التقى بأبيه وإخوته، قال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف:١٠٠] مع أن الورطة الكبرى كانت في إخراجه من الجب وهو البئر، لكن لو أنه قال: (إذ أخرجني من الجب) لكان فيه جرح لمشاعر إخوته، لكن من أجل صفاء القلوب لم يذكر هذا الأمر. فالنفوس مثل الحوض أو البئر الذي فيه ماء معكر، ومع مرور الوقت أو الزمن ينزل التعكير إلى الأسفل، فمن باب المصلحة أن نأخذ كوباً منه أو إناء من حافة الحوض دون تحريك العكارة، وهذا من باب الأدب. قال رجل للحسن البصري: يا بصري! تعال لنتعاتب -يعني: نجلس مع بعضنا جلسة عتاب- قال: كلا! قل: تعال لنتغافر. يعني: لا نريد أن نجلس للعتاب ولكن للمغافرة. وتقول العرب في أمثالها: أنت تئق وأنا مئق فمتى نتفق؟! وتئق يعني: رجل سريع الغضب، وأنا مئق: يعني سريع الاندفاع، يعني: أنك لا تتحمل وأنا لا أستطيع أن أمسك نفسي، إذاً: من اللازم أن أخفف من حدة انفعالي، وأن تخفف من حدة توترك وتلقيك للمسألة. والسلف الصالح كانوا في قمة الأدب مع الله في مسألة الوقت، وقد علمنا أهل العلم ﵃: أن من الحقوق في الأوقات ما يمكن قضاؤها، ومن حقوق الأوقات ما لا يمكن قضاؤها. المثال الأول: أن يدخل وقت الظهر فأقوم للصلاة، فهذا حق الوقت في الظهر، وإذا انقضى وقت الظهر أصليه قضاءً، فإذا دخل وقت العصر ولم أصله بعد والشمس سوف تغرب فمن الواجب أصليه، فقبل أن أنام لابد أن أصلي خمس صلوات، والصلوات على أوقاتها من أفضل القربات، لكن الإنسان أحياناً قد يؤخر الوقت، أو تأتيه ظروف تضطره لتأخير الصلاة فيدخل وقت على وقت، وهذا لا يستوي مع الذي يؤديها في نفس الوقت. أما حقوق الأوقات مما لا يمكن قضاؤها فمثل اليوم الذي يفوت من غير طاعة، أو سنة أو سنتين تمر عليك ولم تطع الله فيها، فهل تستطيع أن تستعيد هذا الزمن مرة أخرى؟ وهل ما فات حجة لك أم عليك؟ اللهم اجعله حجة لنا لا علينا يا رب العالمين! إذاً: هذه بعض من صور الأدب مع الله.

стр. 34

ثالثاً: الأدب مع خلق الله النوع الثالث من الأدب موجود عند بعضنا وغير موجود عند البعض الآخر: وهو الأدب مع خلق الله، وخلق الله ينقسمون إلى درجات: فهناك أناس أصحاب حقوق كبيرة، وأناس أصحاب حقوق أقل، ولا يوجد شخص ليس له حقوق عندك، فالمسلم الذي في الصين له حق عليك، ومن كرم الله عليك وعلينا أجمعين أن جعلنا من زمرة المصلين؛ لأنك تقول في التشهد: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، فكل مصلٍ صالح فأنت تلقي السلام عليهم أجمعين، نفرض مثلاً: أن هناك ملياراً وربع مليار مسلم، يصلي منهم نصف مليار أو ربع مليار، فأنت تسلم على هؤلاء كلهم في كل صلاة مرتين، أي: عشر مرات في الصلوات الخمس، وبالتالي يصير لك من الحسنات ما الله به عليم. وهناك أخ كريم له صاحب غير ملتزم، وهو يحكي لنا يقول: اتصل بي وقال: يا شيخ! أريد أن أتوب إلى الله وأترك الفوضى التي أنا فيها، وسأذهب معك إلى المكان الذي تذهب إليه في رمضان، فقال له: نحن نذهب إلى العمرة في رمضان عشرة أيام لا نتحرك فيها من الحرم، فقال له: موافق، فقال له: لن تتحمل، قال له: سوف أتحمل، ومتى سنرجع؟ قال: يوم العيد، فقال: موافق وسوف أحج معك بالمرة، فقال له: أين تحج؟ فقال: ما دمت سأجلس معك عشرة أيام إلى العيد ولن أخرج من الحرم فسأحج بالمرة، فليس من اللازم أن يكون الحج في ذي الحجة؟!! قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، ففي الآية دلالة على عظم أهمية الوقت في حياة المسلم.

стр. 35

صور من أدب العظماء سيدنا الحبيب ﷺ قبل البعثة واعد شاباً من مكة أن ينتظره عند الحرم، فجلس سيدنا الحبيب ولم يأت هذا الشاب، فبعد أربعة أيام ذهب الشاب فوجد سيدنا الحبيب جالساً، فقاله له: في كل يوم في هذا الوقت آتي فأجلس هنا لكي لا أكون قد خالفت عهدي معك، وهذا قبل الرسالة، فانظر إلى الأخلاقيات! وأتى رجل إلى الإمام أبي حنيفة وكان يمشي في الشارع يذاكر مسألة فقهية، فقال له: يا إمام! فقال له: نعم، قال: عندي سؤال صغير، فقال له: سل فيه عالماً صغيراً! فهناك أناس من الخلق لهم أكبر الحقوق، مثل الوالدين: أبوك وأمك، فهؤلاء لهم أكبر الحقوق، فأدبك معهم: ألا تناديه باسمه، وألا تجلس بحضرته إلا إذا أذن لك، وألا تسير أمامه إلا إذا كان ليلاً، ولا تقل له: تعال، ولا ترفع الصوت عليه، ولا تجعله يبيت باكياً، وأظن أن هذا الكلام واضح جداً للشباب، ولن يدخل أحدٌ الجنة إلا برضاهما، (فالوالدان على بابين من أبواب الجنة، وإن كان واحداً فواحداً)، يعني: لو كان أبوك على قيد الحياة وأنت تبره فستدخل من باب من الجنة، وإن كنت تبر أباك وأمك فستدخل من بابين من الجنة تخير بينهما فتدخل من هذا أو من الآخر، ومن عقهما فلن يدخل الجنة، فإياكم وعقوق الوالدين، ولا توجد آية في كتاب الله تنهى عن الشرك إلا وتنهى عن العقوق، ولا آية تأمر بالتوحيد إلا وتأمر بالبر. فإن قيل: فإذا مات الأب والأم ولم أبرهما فماذا أفعل؟ قلنا: ليست بمشكلة فالبر موجود أيضاً، وهو أن تبر صديقهما من بعدهما، تأتي في رمضان وتتصل بصديق أبيك الذي كان يزوركم، وتسأل عن أحواله وأخباره. كان لسيدنا ابن عمر عمامة يحبها كثيراً لأن رسول الله صنعها له مرة، وذات مرة ذهب ليعتمر فلما أنهى العمرة ولبس ملابسه وعمامته لقي شخصاً فأخذ عمامته ووضعها على رأسه، فقيل له: لم فعلت هذا؟! فقال: كان والد هذا وداً لـ عمر بن الخطاب، يعني: صاحباً وخليلاً، وقد قال النبي ﷺ : (صل ود أبيك)، وليس كالولد الذي قال لأبيه: لو كان مثلك في زمان المصطفى ما كان في القرآن بر الوالدين فهذا حق من الحقوق قد يضيع كالدعاء لهما، والاستغفار، وصلة صديقهما من بعدهما، والتصدق على روحيهما، وإن كان عليهما أيام صيام صام عنهما، وإن كان عليهما حج ولم يحجا ويسر الله له حج عنهما، فهذه من حقوق الوالدين. أما قراءة القرآن فإنها لا تصل؛ لأن الله يقول: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس:٧٠] أي: ما زال في الدنيا، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه ذهب إلى قبر أو جلس في بيته وقرأ وقال: هذه القراءة لروح فلان. لكن الواجب عليك تجاه الميت: أن تدعو له، وتذكر أنك ستصل بعده لهذه الحالة، هذا هو هدي حبيبنا محمد ﷺ . جزاكم الله خيراً، وبارك فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 36

ثانياً: الأدب مع رسول الله ﷺ ثانياً: الأدب مع رسول الله ﷺ ، والأدب معه يندرج تحت عنوان واحد: الانقياد له ولشرعه ﷺ . يعني: إذا قال الله أو قال رسوله، قلنا: سمعنا وأطعنا، سواء فهمت العلة أم لم أفهمها، فهمت المسألة أم لم أفهمها، ما دام أن هذا الكلام من حبيب الله فقد انتهى الأمر. جاء عن ابن مسعود: أنه كان ذاهباً إلى المسجد النبوي فبينما هو في وسط الشارع سمع الرسول ﷺ يقول لمن في المسجد: اجلسوا! فجلس ابن مسعود على قارعة الطريق، فلما خرج النبي ﷺ رأى ابن مسعود جالساً على الطريق فقال له: مالك تجلس هكذا، قال: سمعتك تقول: اجلسوا! فجلست مخافة أن أتقدم خطوة فأكون مخالفاً لأمرك يا رسول الله! وهذا غاية الأدب مع رسول الله ﷺ . لكن إذا أتتنا امرأة قليلة أدب -وكثيرات ما هنّ- تقول لك: الحجاب هذا لم يرد، وتجد إنساناً أيام عبد الناصر كان من أكبر الماركسيين في مصر، فلما كبر قليلاً في السن -والسن عند بعض الناس الذين لا يتقون الله في ماضيهم يصير وبالاً عليهم إذا تقدم بهم- فالشاهد: أن هذا الماركسي طلع على الناس في إحدى المجلات يقول لهم: الحجاب ليس بفرض، كيف هذا يا رفيق؟! ورفيق: تطلق على الشيوعيين في الوقت الحالي، فبئس الرفيق هذا. فهؤلاء الذين يدعون إلى حرية المرأة هم لا يدعون إلى حرية المرأة ولكن يدعون إلى حرية الوصول إلى المرأة، وأنا عندي قناعة بهذه المسألة، وأعرف أناساً كثيرين وأتمنى ألا عرفهم من هؤلاء، فأي حرية مرأة!! وما الذي يغضبك يا أخي في هذا الشيء؟! فإذا لم نأخذها بالفطرة أو بالدين، أو أنه لا توجد آية في النور أو في الأحزاب، أو لا يوجد شيء في أيام رسول الله أو في الإجماع، فهب أنها بالغيرة العربية، هل تحب أن تمشي زوجتك عارية أم مستترة؟! انظر إلى حيوانات الغابة هل هي محجبة أم عارية؟ هل في عمرك رأيت جاموسة منقبة أو مخمرة؟ لم نسمع في عمرنا -أعزكم الله-، بل تمشي عارية كما خلقت، هذه حياتها، لكن الإنسان الذي كرّمه الله يقول الله عنه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٢٦]، وأبونا آدم عندما أكل من الشجرة وبدت له سوءته قال الله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٢] أي: يريد أن يغطي سوأته. فالمرأة عورة وإن لم يكن النقاب فرضاً، لكن جزاها الله خيراً من غطت جسدها أمام الرجال، فما الذي يغضب الآخرين سوى أنه يريد أن ينظر إليها؟! وإذا سألته: هل هذه أختك؟ قال: لا. ابنتك؟ قال: لا. وقاسم أمين -رحم الله الجميع- لما أخرج كتاب: (المرأة الجديدة)، و (تحرير المرأة) ذهب إليه أحد أصحابه ممن لم يقتنع بالكلام الذي كتبه قاسم أمين عن خروج المرأة وجلوسها مع الرجال، فلما أتاه قال له: أنا لم آت لأجلس معك، ولكن لأجلس مع امرأتك قليلاً!! فقال: ما قلة الأدب هذه؟! فقال له: ألم تقل أنت هذا! ما المشكلة؟! فلو خرج قاسم أمين من قبره وسمع ما يقال اليوم لظن نفسه عمر بن الخطاب؛ لأن قاسم أمين كان يقول: لا داعي أن تغطي المرأة وجهها؛ لأن جدتي وجدتك من عهد قريب -أربعين أو خمسين سنة- كانت إذا خرجت من البيت غطت وجهها لكي لا يراها أحد؛ من باب الفطرة، ولو سألت جدتك: ما هذا؟ وهل النقاب فرض أم لا؟ لما عرفت الجواب؛ لأنهم لم يكونوا يعرفوا هل السلام على الرجال حرام أم لا؟ لكن إذا جاءت تسلم على الرجل أدخلت يدها في الكم أو الشال الذي معها وسلمت عليه، رغم أنها لم تكن تسلم على الرجال، لكن إذا اضطرت وضعت يدها بالفطرة من غير أن يعلمها أحد، ونحن أتينا لنكسر هذه الفطرة ونكسر الدين، ولو جلست امرأة غير محجبة بجانب امرأة يهودية أو نصرانية أو روسية فكيف ستعرف المسلمة؟! ويقولون: أنتم أيها الإسلاميون! تذهبون بعيداً جداً، امرأة عارية تذهب وتجيء في المسرح!! يقول تعالى: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٣٦]، ويقول: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٢] انظر إلى شر الدواب!! فقد جعل الله الذي لا يفهم في الدين ولا يريد أن يفهم الدين أسوأ من البقرة والجاموسة والحمار، والبقرة والجاموسة والحمار هذه البهائم مجبولة ومفطورة ومسخرة لطاعة الله وتسبيحه وتقديسه طوعاً أو كرهاً. لكن نحن -من أعطانا الله العقل- متمردون على الدين، فأين أدب هؤلاء مع رسول الله ﷺ ؟! يقول تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، هذا هو الأدب مع رسول الله ﷺ .

стр. 37

الإحسان إن الله قد أثنى على أهل الإحسان في العمل، وجعلهم من أعلى المراتب، فهي منزلة لا يبلغها إلا المقربون؛ ولذا كان لمن أراد أن يبلغ هذه المرتبة شروط لابد من معرفتها وتطبيقها؛ حتى يبلغ العبد مرتبة الإحسان في الأعمال والأحوال والأوقات.

стр. 38

شروط الإحسان في العمل

стр. 39

موافقة العمل للكتاب والسنة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإننا نعلم جميعاً ما سأله جبريل للحبيب المعصوم ﷺ : (ما هو الإحسان يا محمد؟ قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). نستطيع أن نفهم كلام سيدنا رسول الله ﷺ من زوايا ثلاث: الإحسان في الأعمال، والإحسان في الأقوال، والإحسان في الأوقات. فالإحسان في الأعمال فيه خمسة شروط: الشرط الأول: ألا يكون العمل خارجاً عن الكتاب أو السنة: فلو أن شخصاً أتى وهو متعب بعد سفر وجاء من أسوان، فقلت له: إلى أين أنت ذاهب يا هذا؟ قال: سأذهب لأزور الحسين، فيدخل عند الضريح ويطوف سبعاً أو يطوف حتى مرة، فهذا الطواف لا ينفع إلا حول الكعبة، إذاً: هذا عمل ليس على مقتضى السنة. يصعد الإمام على المنبر يوم الجمعة، ويؤذن المؤذن بين يدي الإمام، وعند: حي على الصلاة! حي على الفلاح! ترى الآباء الكبار يحب أحدهم أطراف أنامله ويمسح على عينيه: يا قرة عيني! يا حبيبي يا رسول الله! ما هذا الكلام؟ أيها الأب الفاضل من أين أتيت بهذا؟ أنت مخطئ! فهذا عمل على غير منهج الكتاب والسنة. وعندما يقف المؤذن، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن (سيدنا) محمداً رسول الله! يا رجل! أذن مثلما كان يؤذن بلال بين يدي رسول الله، يعني: هل رسول الله أحب إليك منه إلى بلال؟ هل يعقل أننا أشد حباً للرسول من صحابة رسول الله؟ فتقول له: لا داعي لهذه الكلمة لكنه يقلق ويغضب، ولو فتحنا المجال لقلنا: أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله، وأن علياً ولي الله، وأن آل البيت أهل الله؛ فيكون هذا من التلاعب بالدين، وكأنه فاعله لم يعجبه الكتاب والسنة، فالعمل الخارج عن حدود الكتاب والسنة ليس فيه إحسان. كان سيدنا عمر ﵁ يقول: اللهم إني أسألك من العمل أخلصه وأصوبه، قالوا: ما أخلصه وما أصوبه يا أمير المؤمنين؟ قال ﵁: أخلصه ما كان خالصاً لوجه الله ، وأصوبه ما كان على الكتاب والسنة، أي يمكن أن يكون العمل خالصاً، ولكن ليس صواباً، ويمكن أن يكون صواباً ولكن ليس خالصاً. إذاً: العمل لابد فيه من شروط: أولاً: أن يكون على منهاج الكتاب والسنة، وهنالك أناس يحبون الله ورسوله ﷺ ، لكنهم لا يحسنون العمل، يعني: هناك أناس يحبون أن يجتمعوا كل ليلة جمعة في مسجد من المساجد ويصلون صلاة التراويح أو القيام في غير رمضان هل يصلح هذا الفعل؟ لا يصلح هذا الفعل؛ لأن هذا على غير منهج الكتاب والسنة، يعني: إذا كان الرسول لم يصنعها إلا في رمضان ثلاثة أيام، ثم أصبحت سنة مؤكدة بعد ذلك، وأحياها عمر بن الخطاب ﵁، ثم زاد فيها عثمان فجعلها ستاً وثلاثين ركعة، والبعض يقول: إنها عشرون ركعة، والبعض يقول ثمان ركعات، ولم يجتمع الصحابة على نافلة إلا في رمضان، فعندما تنكر عليه يقول لك: لو صليت سأدخل النار؟! فأقول: النار والجنة هذه ليست إلينا، نحن لدينا كتاب وسنة، فلو وجدت هذه الصلاة في الكتاب والسنة فنحن سنأتي ونصلي معكم، ونصلي بكم، وليس هنالك مشكلة، لكنها صلاة على غير منهاج الكتاب والسنة، ومخالفة لمنهاج صحابة الحبيب المصطفى الذين نقلوا لنا كل حركة من حياة رسول الله. وأنا أتخيل منذ أن نزل على رسول الله ((اقْرَأْ)) إلى نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] أو: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] والدين محفوظ مثل شريط الفيديو صوت وصورة، يعني: كل ما ورد عن رسول الله ﷺ في حركته وسكنته في بيته في المسجد في الشارع في الحرب في السلم في السفر، في الحضر في كل خطوة من ليل أو نهار مسجل تماماً عن رسول الله، فمن زاد في الدين شيئاً كان كمن نقص منه شيئاًَ. يعني: أنت لو زدت في الدين شيئاً اتهمت الرسول ﷺ بالتقصير في أنه لم يبلغنا هذا الأمر، فعندما تزيد في الدين تكون قد اتهمت رسول الله أنه نسي شيئاً، وأنك بحذاقتك وعلمك أكملتها، وإن نقصت من الدين شيئاً رأيت أن الرسول ﷺ قد جاء بما لا طاقة لك به، فحذفت من الدين تلك الزيادة بحسب تعبيرك. قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ﴾ [المائدة:٣]، والإكمال أفضل من الإتمام: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. ويقول ﷺ : (وتركتكم على المحجة البيضاء)، والمحجة: هي الطريق الواضح الممهد، (ليلها كنهارها) يعني: مضيئة واضحة.

стр. 40

أن يكون العمل خالصاً لوجه الله الشرط الثاني: أن يكون العمل خالصاً لوجه الله: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)، أبو موسى الأشعري عندما سلم من الصلاة وجد الحبيب ﷺ جالساً وراءه وهو يصلي تحية المسجد، قال: أوسمعتني يا رسول الله! قال: (منذ أن بدأت يا أبا موسى، والذي بعثني بالحق نبياً لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)، أي: صوتك طيب وجميل! حتى المصريون ينتقون شخصاً صوته جيد معقول ليصلي بهم، والمؤذن يكون صوته جيداً حتى لا ينفر الناس! (اسمع القرآن ممن إذا سمعته قلت: إنه يخشى الله)، فلا تنكرون عليه قراءته، من أنه لم يقف هنا في هذا الموطن، وأخطأ هنا، هذا ليس مجلس عرض للقرآن، يا أخي إن الله امتن عليهم بحفظ كثير من القرآن والسنن فلا تكن معولاً في هدم البناء، وكن حجراً في إعلاء البناء، يعني: سددوا وقاربوا من أجل أن الله يسد الخلل علينا يوم القيامة، يستمع النبي ﷺ إلى تلاوة أبي موسى فيقول: (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود، قال: والذي بعثك بالحق نبياً، لو أعلم أنك تسمعني لحبرته لك تحبيراً)، أي: لكنت جملت وحسنت صوتي، فالرسول يسمع. أنت إذا ذهبت إلى الإذاعة تجد أن المقرئ عندما يذهب للامتحان يكون في اللجنة واحد من معهد الموسيقى؛ من أجل أن يرى مقامات الأصوات، المهم أنه لابد أن يكون عضواً في اللجنة، سواء يصلي أو لا يصلي، المهم أن يأتي يسمع صوت هذا الشخص، وكأنه -سبحان الله- كما وصفه النبي ﷺ حيث قال: (يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم) يعني: بالكاد أن القرآن يخرج من اللسان فقط دون العمل بما فيه. ويقول ﷺ : (إن القرآن نزل بحزن، فاقرءوه بحزن، ولا تقرءوه بلحن أهل العشق) أي: لا يمكث طوال الوقت يغني بالقرآن، فيقول آخر: يا سلام عليك يا شيخ ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف:١٠٠] يا سلام! الله يفتح عليك: ثانية ثاني! ماذا الله يعرض جهنم! يعرض جهنم يا شيخ! لا إله إلا الله، نسأل الله السلامة! انظر إلى الصحابة كان الرسول ﷺ إذا قرأ عليهم القرآن كأن على رءوسهم الطير!
следующие страницы →